لفقهاء الشافعيَّة الدمشقيين سندٌ مسلسلٌ بالأفقه في المذهب، والمعروف بسند (ما رأى أفقه من فلان)؛ فقد ذكر نجمُ الدّينِ الغزِّيّ في كتابه "الكواكب السائرة" (١/ ١١٧)، في ترجمة الإمام فقيه أهل الشام تقيّ الدين أبي بكر ابن قاضي عجلون الدمشقيّ (١)، هذا السندَ وقال:
"إني أقول: ما رأيتُ ولا أظنُّ أنّي أرى أفقه من شيخ الإسلام والدي،
_________________
(١) أبو بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن، المولود بدمشق سنة (٨٤١ هـ)، والمتوفّى بها سنة (٩٢٨ هـ)، كان إمامًا بارعًا في العلوم، وكان أفقه زمانه، وأجلّ معاصريه وأقرانه، درَّس بالجامع الأموي وغيره وبالقاهرة دروسًا حافلة، وألَّف منسكًا لطيفًا، وكتابًا حافلًا سمَّاه "أعلام التنبيه، مما زاد على المنهاج من الحاوي والبهجة والتنبيه". انتهت إليه مشيخة الإسلام ورئاسة الشافعية ببلاد الشام بل بغيرها من بلاد الإسلام، وبرع أكثر تلاميذته فكانوا علماء الشام؛ قاله الغزّيّ في "الكواكب السائرة" (١/ ١١٦).
[ ١ / ٨٦ ]
وسمعتُه أو حَضَرْتُه وهو يقول: ما رأيتُ أفقه من شيخ الإسلام زكريا ولا أحسن تصرّفًا، إلا أن يكون شيخ الإسلام تقيُّ الدّين أبو بكر ابنُ عبد الله ابنُ قاضي عجلون، وهو أكثر نقلًا واستحضارًا، وهما ما رأيا أفقه من شيخ الإسلام الشمس القاياتي، وهو ما رأى أفقه من شيخ الإسلام سراج الدّين البُلقينيّ، وهو ما رأى أفقه من شيخ الإسلام تقيّ الدّين السُّبكيّ، وهو ما رأى أفقه من فقيه المذهب النجم ابنُ الرِّفعة، وهو ما رأى أفقه من السديد التزمنتي الفقيه (١)، وهو ما رأى أفقه من سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام، وهو ما رأى أفقه من الإمام فخر الدّين ابنُ عساكر الحافظ (٢)، وهو ما رأى أفقه من النّيسابوري (٣)، وهو ما رأى أفقه من الإمام ابن يحيى (٤)، وهو ما رأى أفقه من حجّة الإسلام الغزاليّ، وهو ما رأى أفقه من أبي المعالي الجوينيّ،
_________________
(١) هو عُثْمَان بن عبد الكريم بن أَحمد بن خليفة الصّنهاجي، أَبُو عَمْرو بن أبي مُحَمَّد، سديد الدِّين التزمنتي، سبقت ترجمته في فقرة (تلاميذه).
(٢) ترجمته في فقرة (شيوخه) من هذه المقدمة.
(٣) القطب النّيسابوري: مسعود بن محمد بن مسعود الطريثيثي، أبو المعالي قطب الدين النيسابوري، صاحب كتاب "الهادي المختصر المشهور في الفقه". كان إمامًا في المذهب والخلاف والأصول والتفسير والوعظ أديبًا مناظرًا؛ مولده سنة (٥٠٥ هـ)، توفي بدمشق سنة (٥٧٨ هـ)؛ "طبقات الشافعية الكبرى" (٧/ ٢٩٧).
(٤) ابنُ يحيى: محمد بن يحيى بن منصور، أبو سعيد النيسابوري، تلميذ الغزالي، ولد سنة (٤٧٦ هـ) وتفقه عليه، وبه عُرف. له تصانيف كثيرة منها "المحيط في شرح الوسيط" و"الإنصاف في مسائل الخلاف" و"تعليقة أخرى في الخلافيات" كثيرة التحقيق. وكان إمامًا مناظرًا ورعًا زاهدًا متقشفًا، توفي شهيدًا سنة (٥٤٨ هـ)؛ "طبقات الشافعية الكبرى" (٧/ ٢٦).
[ ١ / ٨٧ ]
وهو ما رأى أفقه من والده الشيخ أبي محمد الجوينيّ، وهو ما رأى أفقه من القفّال، وهو ما رأى أفقه من الإمام أبي زيد المروزيّ، وهو ما رأى أفقه من شيخ الإسلام أبي إسحاق المروزيّ، وهو ما رأى أفقه من الباز الأشهب بن سريج، وهو ما رأى أفقه من الإمام أبي القاسم الأنماطيّ، وهو ما رأى أفقه من الإمام أبي إبراهيم المزنيّ، وهو ما رأى أفقه من إمام الأئمّة أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ، وهو ما رأى أفقه من إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك بن أنس، وهو ما رأى أفقه من الإمام نافع، وهو ما رأى أفقه من عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو ما رأى أفقه من رسول الله - ﷺ -".
ولا يبعد أن يكون سند العز في تلقّيه "نهاية المطلب" من هذا الطريق.
وأمّا أخبار أهل المذهب من الفقهاء؛ فالذي ظهر لنا من تتبعّ الأخبار الواردة في كتاب تلميذه "فهرست اللبلي" أنّ الإمام العز يرويها عن طريق شيخه المحدِّث الفاضل أبي محمد بهاء الدين القاسم بن حافظ دمشق ومؤرّخها علي بن الحسن ابن عساكر، وكان محدثًا صدوقًا، وصفه الذهبي بأنَّه: متوسط المعرفة، معرفًا للغرباء، له أنسة بالحديث (١).
* * *