يُعدُّ مجلس الإمام العز من ذوي المجالس الطيِّبة، العامرة بالفوائد العلميّة، والفوائد الغزيرة، ولم يكن يخلُ من نكتة أدبيّة، أو طُرفة علميّة، أو بيتٍ جميل من الشعر، يُزيِّن به مجلسه، غير أنَّه لم يروَ من شعر العزّ إلّا القليل، حتّى ذكر تاج الدِّين ابن السُبكيّ (٢) أنّه ليس له إلَّا هذا البيت (٣) الذي أنشده للطلبة وقال لهم: أجيزوه، وهو:
لو كان فيهمْ مَنْ عَراه غَرامُ ما عَنَّفوني في هواهُ ولامُوا
فأجازه الشيخ شمس الدين عمر بن عبد العزيز بن الفضل الأُسْوانيّ، قاضي أُسوان، فقال:
_________________
(١) "تاريخ الإسلام" للذهبي (١٤/ ٩٣٣).
(٢) في "طبقات الشافعية الكبرى" (٨/ ٢٤٦).
(٣) وهذا وهمٌ، أو مؤول بعدم وجود نظم له حتّى رواية القصة، إذ رُوي غيره كما سيأتي بيانه.
[ ١ / ٢٨ ]
لكنَّهم جَهِلوا لَذاذَةَ حُسْنِه وعَلِمْتُها ولِذا سَهِرتُ ونامُوا
لو يَعْلَمُون كما عَلِمْتُ حَقيقة جَنحوا إلى ذاك الجَناب وهامُوا
أو لو بَدَتْ أنوارُه لِعُيُونهمْ خَرُّوا ولم تثبُتْ لهم أقدامُ
فَبقيتُ أنْظُرُه بكلّ مُصوَّرٍ وبكلّ ملفوظٍ به استِعْجام
وأراه في صافي الجداول إنْ جَرَتْ وأراه إنْ جاد الرّياضَ غَمامُ
لم يَثْنِني عَمَّنْ أُحِبُّ ذوابِ سُمْرٌ وأبيضُ صارمٌ صَمْصَامُ
مولاي عزَّ الدين عزَّ بك العلا فَخْرًا فدونَ حِذاك منه الهامُ
لما رأينا منك علمًا لم يكنْ في الدَّرْس قلنا إنّه إلهام
جاوزتَ حدَّ المدحِ حتى لم يُطِقْ نظْمًا لِفَضْلِك في الوَرَى النَّظَّامُ
فَعَليْكَ يا عبدَ العزيزِ تحيَّة وعليك يا عبدَ العزيزِ سلامُ
وأنشد الأبيات كُلَّها للشيخ عزّ الدين في مجلس الدرس، وهو يستمع إليها، ولما قضاها قال له: "أنت إذًا فقيه شاعر" (١).
وعندما تولّى العزُّ القضاء بمصر حيث استمرّ على نهجه الأول الذي اتبعه في دمشق، من المجاهرة بالحق ومحاربة الفساد، فاتفق أن جاءه بعضُ أصحابه فلامه وعتب عليه، فرفع إليه رأسه وأنشده:
يا ذا الذي يُؤْلمُني عتْبُهُ أَنَسِيتَ ما قدَّر في الماضي
إنَّ الذي ساقك لي واعظًا هو الذي صيَّرني قاضِي
_________________
(١) "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السُّبكيّ (٨/ ٢٤٧).
[ ١ / ٢٩ ]
واللهِ ما اخترتُ سوى قُربِه واختارَ أنْ يعكِسَ أغراضي
إنْ كنتَ لا ترضى بأحكامه إنّي بما قَدَّره راضي (١)
وذكر له محمد شطّا الدِّمْيَاطي في "إعانة الطالبين" (٢) أبياتًا في شروط الاقتداء:
وسبعة شروط الاقتداء: نية، قدوة بلا امتراء
كذا اجتماع لهما في الموقف مع المساواة أو التخلف
وعلم مأموم بالانتقال توافق النظمين في الأفعال
توافق الإمام في السنة إن كان بخلفه تفاحش يبن
تتابع الإمام فيما فعلا تَأَخُّرُ الإحْرَامِ عَنْهُ أَوَّلا
وله أبياتٌ أخرى نسبها إليه اليافعي في ترجمته في "مرآة الجنان" (٣).
* * *