كان للعز بن عبد السلام خلاف مشهورٌ مع ابنُ الصلاح، وهذا الخلاف اشتهر في كتب الفقه والطبقات والتاريخ وجرت بينهما مساجلات علميّة، وفتاوى اختلفوا في أحكامها.
* منها حول صلاة الرغائب المبتدعة، فالعز يرى أنَّها بدعة، وابنُ الصلاح أفتى بالمنع، ثمّ صمَّم على خلافه، وأمّا سلطان العلماء فلم يبرح على المنع (٢).
_________________
(١) "إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر"، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق وتعليق خليل بنُ عثمان الجبور السبيعي، بيروت، ابنُ حزم، (١٤٢٠ هـ)، (ص: ٢٣٤).
(٢) صنف الإمام العز رسالتين في ذلك: "الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة"، و"رسالة في تفنيد ردّ ابن الصلاح"، ألَّفها العزُّ بعد ردّ ابنُ الصلاح على الرسالة السابقة، وقد منَّ الله عليَّ بتحقيقها، انظر: فقرة (مؤلّفاته) في هذه المقدّمة.
[ ١ / ٨٠ ]
* ومنها حول خُلوف فم الصائم وأنّه أطيب عند الله من ريح المسك، هل هذا الطيب في الدنيا والآخرة أم في الآخرة خاصة، فقال العز: هو في الآخرة خاصة، وقال ابنُ الصلاح: هو عامٌّ في الدنيا والآخرة (١).
* ومنها أنه لو صلى المأموم في الجامع الأموي تحت الساعات بصلاة الإمام في الجامع هل تصح صلاته لأنَّ هذا الموضع رحبة المسجد أم لا؟ وانتصر النوويُّ للعز بن عبد السلام في "المجموع" (٢).
* وهناك خلافات أخرى مع ابنُ الصلاح شحنها وذكر مسائلَها تلميذُ ابنُ الصلاح جامعُ فتاويه في كتابه "فتاوى ومسائل ابنُ الصلاح"، بالتورية،
_________________
(١) قال النووي في "المجموع"، وقد خصَّص لها فرعًا فيه (١/ ٢٧٧): فرع: يتعلق بقوله - ﷺ - لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وكان وقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح والشيخ أبي محمد بن عبد السلام - ﵄ - في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة أم في الآخرة خاصة؛ فقال أبو محمد: في الآخرة خاصة؛ لقوله - ﷺ - في رواية لمسلم: والذي نفس محمد بيده لَخُلُوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة. وقال أبو عمر: وهو عام في الدنيا والآخرة؛ واستدل بأشياء كثيرة. وأطال النووي بذكر تقرير ما ذكره الشيخ أبو عمرو ابنُ الصلاح ﵀؛ فيُنظر ثمّة.
(٢) قال النووي في "المجموع" في كتاب الصيام (٦/ ٥٠٨): "والصحيح قول ابنُ عبد السلام، وهو الموافق لما قدمناه من كلام المحاملي وابنُ الصباغ وصاحب البيان وغيرهم، وقد تأملت ما صنفه أبو عمرو واستدلاله فلم أر فيه دلالة على المقصود والله أعلم".
[ ١ / ٨١ ]
دون ذكر صريح اسم ابنُ عبد السلام، وعقد في أوّل الفتاوى لابن الصلاح (١) فصلًا في بيان صحة الفتاوي التي صدرت من الشيخ ابنُ الصلاح؛ للدفاع عنه مقابل العز بن عبد السلام. لكنَّ ابنُ الصلاح ذكره صراحة باسمه فيها في أحد المواضع من فتاويه (٢/ ٥١٠ - ٥١١)، وقال: "هذه الواقعة قامَ فيها ابنُ عبد السَّلام وزعم أَن الضَّمان فاسد".
وقد سطر خلافَ ابنِ الصلاح مع الإمام العزِّ شهابُ الدين ابنُ فضل الله العمري (ت: ٧٤٩ هـ)، في "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، إذ قال لمَّا ترجم لابن الصلاح: "ولانحراف منه (٢) - أي على ابنُ عبد السلام كان يراه به قذى ناظره، إلى أن كان ما هو معروف، مما أرج به ذكرُ ابنُ عبد السلام، وعرجَ إلى حيث ينجلي عن الصبح الظلام، والسكوتُ أولى من نبش ما كان كامنًا بين أئمة الإسلام" (٣).
وقال اليافعي: وقع بينه وبين شيخ دار الحديث الإمام أبي عمرو بن الصلاح ﵀ في ذلك منازعات ومحاربات شديدات، وصنَّف كل واحد منهما في الرد على الآخر، واستصوب المتشرِّعون المحقِّقون مذهب الإمام ابنُ عبد السلام في ذلك، وشهدوا له بالبروز بالحق الصواب في تلك الحروب والضراب، وكأنَّ ظهور ثوابه في ذلك جديرًا بما أنشده في عقيدته
_________________
(١) "فتاوى ومسائل ابنُ الصلاح" (١/ ٩٥).
(٢) الضمير يعود لابن الصلاح.
(٣) "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، لابن فضل الله العمري، أبو ظبي، المجمع الثقافي، ط ١، ١٤٢٣ هـ، (٥/ ٦٨٧).
[ ١ / ٨٢ ]
في الاستشهاد على ظهور الحق (١):
لقد ظهرتْ فلا تخفى على أحدٍ إلا على أكمهٍ لا يعرفُ القَمَرَا
* ومنها خلاف الإمام العزِّ ابنُ عبد السَّلام مع الحشوية والمجسّمة (٢).
* ومنها خلافه مع أبي الحسن علي بن أحمد الحَرَالِّيّ الأندلسيّ، الذي سطّره المقَّريّ في "نفح الطيب" (٣).
_________________
(١) "مرآة الجنان" (٤/ ١١٨).
(٢) وقد صنَّف في الرد عليهم "الملحة في اعتقاد أهل الحقّ "المسمَّاة "ملحة الاعتقاد" أو "الرد على المبتدعة والحشوية"؛ وهي المعروفة بعقيدة الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وقد نشرناها في مجموعة "رسائل في التوحيد" له؛ وقد سبق بيانه في فقرة (مؤلّفاته).
(٣) "نفح الطيب" (٢/ ١٨٧): وقال فيه: "أبو الحسن علي بن أحمد الحرالي الأندلسي - وحرالة: قرية من أعمال مرسية - غير أنّه ولد بمراكش، وأخذ بالأندلس عن أبي الحسن بن خروف وغير واحد، ورحل إلى المشرق فأخذ عن أبي عبد الله القرطبي إمام الحرم وغيره، ولقي جلّة من المشايخ شرقًا وغربًا. وهو إمام ورع صالح زاهد، كان بقية السلف، وقدوة الخلف، وقد زهد في الدّنيا وتخلّى عنها، وأقام في تفسير الفاتحة نحوًا من ستّة أشهر يلقي في التعليل قوانين تتنزّل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام، حتى منّ الله تعالى ببركات ومواهب لا تحصى، وعلى أحكام تلك القوانين وضع كتابه مفتاح اللّبّ المقفل على فهم القرآن المنزل وهو ممّن جمع العلم والعمل، وصنّف في كثير من الفنون كالأصلين والمنطق والطبيعيّات والإلهيّات، وكان يقرئ النجاة لابن سينا فينقضه عروة عروة، وكان من أعلم الناس بمذهب مالك، ولمّا ظنّ فقهاء عصره أنّه لا يحسن المذهب لاشتغاله بالمعقولات أقرأ التهذيب وأبدى فيه الغرائب، وبيّن =
[ ١ / ٨٣ ]
وقد انتصر كثيرٌ من العلماء للإمام العزّ، وصوَّب أهل العلم مذهبه ورأيَه لما فيه من إظهار الحقِّ وإبطال الباطل، ولا سيما أنّ كثيرًا من مواقفه كانت مقرونة بإزالة البدع.
وعلى العموم؛ نرى أنّ خلافاته كلّها تهدف إلى تصويب مسار الناس نحو الطريق السُّنّيِّ الصحيح الذي يرضاه الله ورسوله، ذلك الطريق الذي يؤمّن للناس العقيدة السليمة، والبُعد عن البدع والخرافات، والسلوك الفقهيّ السليم.
* * *