لم يُقدِمْ على اختصار "نهاية المطلب" إلا مؤلِّفها، وابن أبي عصرون، والعزُّ بن عبد السلام، كما بيَّنَّا. ويمتاز كتاب العز بما يأتي:
[ ١ / ٢١٥ ]
* صياغة نصِّ الجويني صياغةً جديدة، وحلّ مُشْكِلِ العبارات التي أوردها الجويني، وتسهيل الجمل أمام الفقهاء الذين جاؤوا بعده، والبُعد عن الاستدلالات المنطقيّة، وتخليصه من أقوال المذاهب الفقهيّة الأخرى، كالحنفيّة والمالكيّة والظاهرية، وكأنّه ألّفه ليكون دليلًا للمتفقه والمفتي، وجعله كتابًا شافعيًّا فحسبُ، محرَّر الأقوال، مهذّب النَّص، يُغنيه عن "نهاية المطلب" في العلم والعمل والفتوى.
* تقديم الكتاب بأسلوب جديد مبتكر، فالعزُّ بنُ عبد السلام لا يريد أن يُؤلِّف كتابًا جديدًا في الفقه، ولكنَّه كأنهّ أراد أن يُقدِّم للناس كتابًا جديدًا في الفقه مبنيًّا على كتاب إمام الحرمين، لذلك نجده يتَّفق معه في الكتب وترتيبها، ويختلف معه في التقسيم على الفروع والأبواب، لزيادة الإيضاح، وحُسن التأليف، وتقريب الكتاب إلى القارئ والمستفيد.
* وجود آراء ابن عبد السلام في الفقه الشافعي، من خلال مسحٍ كامل للفقه الإسلاميّ؛ فقد نقلت كتبُ المذهب من كتبه: "الفتاوى الموصليّة" و"الفتاوى المصريّة"، و"القواعد الكبرى" أو "قواعد الأحكام" الشيء الكثير، لكنّ النقل عن "الغاية في اختصار النهاية" لم يتيسّر إلا لكبار علماء المذهب (١)؛ ذلك أنّ عزَّة النسخة وندرتها وقلّة تداولها وحياة العز المضطربة منعت من الإفادة وانتشار هذا الكتاب العظيم. وخطّة المؤلف في الكتاب أنّه يضع رأيه كلّما رأى الحاجة ضروريّة، مخالفًا لإمام الحرمين تارةً، وموافقًا ومُقِرًّا
_________________
(١) كما بيّنَّاه في فقرة (الكتب التي نقلت عن "الغاية في اختصار النهاية").
[ ١ / ٢١٦ ]
لصنيعه تارةً أخرى.
* من مظاهر الأدب عند ابن عبد السلام أنَّ مدرسته في الاختصار تحترم الكتابَ الأصل المختصَرَ، وتحترم مؤلِّفَه، فلا يذكر فيه جرحًا أو طعنًا أو سوءًا في ردِّ الأقوال ودفعها، وإنَّما يقول (قال الإمام) ويردُّ عليه بـ (قلتُ) فحسبُ. وهذا ما لمسناه من قبلُ في كتابه الذي حقَّقناه "مقاصد الرعاية أو مختصر رعاية المحاسبي"، حيث يقول فيه: (قال الشيخ) يقصد المحاسبيَّ، ويردُّ عليه بقوله: (قلتُ)، وهو لَعَمري نقاش علميٌّ ومساجلة جليلة؛ ولم يظهر معي ردٌّ قويٌّ إلا في نقاشه مع ابن الصلاح حول صلاة الرغائب، والتي بيَّنتُها في (فقرة مساجلاته وخلافاته مع علماء عصره).
وأمّا مناقبُها على لسان أهل العلم:
* فقد قال ابن السُّبكيّ: "والغاية في اختصار النهاية: دلَّت على قدره" (١).
* ووصف إيضاحه السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (١٠/ ٤٠١) فقال: " بمثلها ولا بالخالصة وإن قل الخليط وذكر الإمام في النهاية عن الأئمة ما ظاهره يوافق كلام القاضي حسين وموافقيه واختصره الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في الغاية فأوضحه وبيَّن ما ذكرتُه، فقال: وقد قالوا: إذا باع حنطة بحنطة في المكيالين ".
* وقال السُّبكيّ في "تكملة المجموع" (١١/ ٢٣٦): " قال الإمام:
_________________
(١) "طبقات الشافعية الكبرى" (٨/ ٢٤٨).
[ ١ / ٢١٧ ]
إن منعنا بلع السمكة حية فليس السمك مال ربا وإن جوزنا بلعها فقد تردد شيخي فيها. قال الإمام: والوجه القطع بأنه لا ربا فيها لأنها لا تعدّ لهذا وفرَّق صاحب التهذيب بين الصغار والكبار فإن الصغار هي التي تبتلع فلذلك قصر ابن عبد السلام في الغاية الخلاف عليها وجزم في الكبار بأنها ليست بربوية وهو مفهوم كلام الإمام وجزم صاحب التتمة في السمك الصغير إذا جوزنا ابتلاعه وفي الجراد الحي بجريان الربا فيهما قال الروياني وكذلك جرادة بجرادة يعني فيه وجهان ".
* وقال الدكتور عبد العظيم الديب في مقدمة تحقيقه "النهاية" (ص: ٤٠١) واصفًا "الغاية": "مختصر العز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ) واسم هذا المختصر: (الغاية في اختصار النهاية) وهو على غير منهج ابن أبي عصرون، فهو يترك عبارة الإمام جانبًا، ويصوغ الفصل صياغة جديدة غاية في الإيجاز ولذا كانت إفادتنا منه في حل المشكلات والمعوصات من المسائل؛ إذ كان يساعد على فهم المعنى والمغزى من مجمل المسألة، في كثير من الأحيان".
وقد استعان الدكتور عبد العظيم الديب ﵀ بكتاب العز ﵀ "الغاية في اختصار النهاية" بترميم نقص في مخطوطات "نهاية المطلب" مثل (٦/ ٥٤ و٧/ ٥)، وبتسمية أبواب مثل (١٢/ ٤٠٢)، وتصحيح عبارات (١٣/ ٤١٣).
وأثبت الديب ﵀ الإشارة إلى "الغاية في اختصار النهاية" في أكثر من ثلاثين موضعًا في هوامش تحقيقه لكتاب "نهاية المطلب"، مستعينًا
[ ١ / ٢١٨ ]
بها في تقويم نصّ أوتقديم إضاءة عنه أو توضيح له؛ منها من كلّ جزء مثال: (٧/ ١٠٢، ١١/ ٣٦٤، ١٢/ ١٠١، ١٣/ ٧، ١٤/ ٥٩، ١٥/ ١٢٩، ١٨/ ١٢، ١٩/ ١٧).
وعتبنا الوحيد عليه هو تدوين وصف "الغاية في اختصار النهاية" في مقدّمته بإيجاز دون بيان فضلها المميّز.
* * *