يُعدُّ كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" من أهمِّ أوائل الكتب التي صنَّفها الشافعيّة وجمعت بين طريقتي العراقيين والمراوزة أو الخراسانيين، في جمع الأقوال والأوجه ونصوص أصحاب الوجوه.
وقد سلك فيه المؤلِّف ﵀ مسلك الشارح لمختصر الإمام المزنيِّ لذلك قال في مقدمة (النهاية): "وسأجري على أبواب (المختصر) ومسائلها جهدي، ولا أعتني بالكلام على ألفاظ (السواد) (١)، فقد تناهى في إيضاحها الأئمة الماضون، ولكني أنسب النصوص التي نقلها المزني إليه، وأتعرض لشرح ما يتعلق بالفقه منها -إن شاء الله تعالى- وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجهٌ غريب منقاس، ذكرتُ ندوره وانقياسه"؛ وأدرج في إيضاحه وشرحه تقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول وفروع.
وننقل هنا ما قاله فيه تلميذ العز بن عبد السلام، شهابُ الدّين أحْمَد بن يُوسُف اللَّبْلِيُّ (ت: ٦٩١ هـ) في "فهرسه" إذ قال: "واتفقت له - أي إمام
_________________
(١) المقصود بالسواد متن المختصر للمزنيّ.
[ ١ / ٢٠٣ ]
الحرمين - نهضة في أعلى ما كان من أيامه إلى أصبهان بسبب مخالفة بعض من الأصحاب فلقي بها من المجلس النظامي ما كان اللائق بمنصبه من الاستبشار والإعزاز والإكرام بأنواع المبارّ، وأجيب بما كان فوق مطلوبه وعاد مكرمًا إلى نيسابور، وصار أكثر عنايته مصروفًا، إلى تصنيف المذهب الكبير المسمى بـ "نهاية المطلب في دراية المذهب"، حتى حرَّره وأملاه، وأتى فيه من البحث والتقرير، والسبك والتنقير، والتدقيق والتحقيق، بما شفى الغليل، وأوضح السبيل، ونبَّه على قدره ومحلِّه في علم الشريعة، ودرَّس ذلك للخواص من التلامذة، وفرغ منه ومن إتمامه، فعقد مجلسًا لتتمَّة الكتاب، حضره الأئمَّة والكبار، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء، وتبجَّح الجماعة بذلك، ودَعَوا له، وأثنوا عليه، فما صُنِّف في الإسلام قبله مثله، ولا اتَّفق لأحد ما اتفق له، ومن قاس طريقته بطريقة المتقدمين في الأصول والفروع وأنصف = أقرَّ بعلوِّ منصبه، ووفور تعبه ونصبه في الدين، وكثرة سهره في استنباط الغوامض، وتحقيق المسائل، وترتيب الدلائل" (١).
يرى الباحثون (٢) أن هذا الكتاب، والذي سمّاه ابن الصلاح وغيره بـ "المذهب الكبير"، هو الخطوة الأولى لتحرير المذهب، والتي تُوِّجت فيما بعد على يد الشيخين: الرافعي والنووي، لذلك كان هذا الكتاب مقصد
_________________
(١) "فهرسة اللبلي" شهاب الدين أحمد بن يُوسُف بن علي بن يُوسُف اللَّبْلِي (ص: ٤٢).
(٢) انظر: "مقدمة الدكتور الديب لنهاية المطلب" (ص: ٢٢٦).
[ ١ / ٢٠٤ ]
العلماء في الفتوى، وعليه العولُ في نقل كثير من نصوص المتقدّمين ولا سيَّما أصحاب الوجوه من الخراسانيين فيما أُرجح، لسعة اطِّلاع إمام الحرمين، فضلًا عن قوة العارضة لديه في الصياغة والتأليف، وحُسن التبويب والتفريع.
ولن تُغني هذه العُجالة عن الرجوع إلى الأصل، فهو في غاية النفاسة، ولا أحسب أن كتابًا ألف في مذهب من المذاهب مثله؛ في استدلاله بعقله، لقوة استنباط إمام الحرمين، وفهمه، وإدراكه، وإحاطته بعلم المنطق؛ فضلًا عن علوِّ كعبه في الفقه، ورسوخ قدمه في الأدب وصناعة الكتابة؛ وقد تمثَّل فيه قول ابن السُّبكيّ في إمام الحرمين: "كان رجلًا محقِّقًا مدققًا، يغلبُ بعقله على نقله (١) ". وقد استوفى محقِّقه الدكتور عبد العظيم الديب الكلام عليه في مقدِّمته للكتاب، فلا حاجة للتوسُّع بذلك.
* * *