الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي السُّؤَالِ الثَّانِي وَهُوَ أَجَرَ نَاظِرٌ عَلَى وَقْفٍ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ الْمَكَانَ الْمَوْقُوفَ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ أَنَّهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ بِمُوجَبِهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَكْثَرُ مِنْ الْأُولَى أَوْ مُسَاوِيَةٌ لَهَا مَثَلًا بِأَنَّ تِلْكَ الْأُجْرَةَ دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ مَثَلًا فَهَلْ يَتَبَيَّنُ انْفِسَاخُ الْإِجَارَةِ الْأُولَى عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ لَا تَنْفَسِخُ عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ الْأُولَى لِتَفْوِيتِهَا بِالْحُكْمِ؟ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا مِنْ إفْتَاءِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَمُخَالَفَةِ السُّبْكِيّ لَهُ وَافْتِرَاقِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى مُعْتَمَدِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَمُتَوَقَّفٌ فِيهِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ بَيِّنُوا ذَلِكَ وَأَوْضِحُوا الْحَقَّ فِيهِ بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ؟
الْجَوَابِ: قَدْ اُسْتُفْتِيت قَدِيمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانَ الرَّافِعُ لِلسُّؤَالِ شَخْصًا مِنْ فُقَهَاءِ مَكَّةَ وَأَفَاضِلِهَا أَلْزَمَ بِالِاسْتِفْتَاءِ وَالْبَحْثِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَكَابِرِ الدَّوْلَةِ فَأَفْتَيْتُ فِيهَا بِقَرِيبٍ مِمَّا سَأَذْكُرُهُ، فَرُفِعَتْ لِشَافِعِيٍّ لِيَحْكُمَ فِيهَا فَأَرَادَ الْحُكْمَ بِهَا حَتَّى يُخَلِّصَ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْوَعْدِ بِإِرْضَاءِ وَرَثَةِ الْمُؤَجِّرِ بِمَالٍ لَهُ صُورَةٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ الْمُسْتَأْجِرَ إلَى زَبِيدٍ وَغَيْرِهَا لِيَسْتَفْتِيَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْفَتَاوَى، فَأَظْهَرَ مَا يُوَافِقُهُ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ تَمَسُّكًا بِمَا أَفْتَيْت بِهِ
ثُمَّ تُمِّمَتْ صُورَةُ ذَلِكَ الصُّلْحِ، وَإِنَّمَا حَكَيْت ذَلِكَ؛ لِأَنِّي سَمِعْت عَنْ بَعْضِ الْمُسَاعِدِينَ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ عَلَى
[ ٣ / ٣٣١ ]
نَقْضِ الْحُكْمِ وَالْقِيَامِ التَّامِّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَصِيَاحِهِ فِي الْمَلَإِ فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ بِأَنَّ نَقْضَ الْحُكْمِ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ الْآنَ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ وَمُشَدِّدٌ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ يُعْتَمَدُ إفْتَاءَ ابْنِ الصَّلَاحِ، فَتَأَمَّلْ اخْتِلَافَ الْأَغْرَاضِ، كَيْفَ يُلْجِئُ غَيْرَ الْمُوَفَّقِ إلَى مَاذَا؟ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُوَافِقَ لِلْقَوَاعِدِ وَالْبَرِيءَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ تَفْصِيلٌ يُوَافِقُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مِسْكَةٍ مِنْ فَهْمٍ، وَأَحَاطَهُ بِتَصَرُّفَاتِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَأَمَّا عُمُومُ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي النَّقْضِ وَعُمُومُ كَلَامِ السُّبْكِيّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ بِعَدَمِهِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، فَلَا تُعَوِّلْ عَلَيْهِمَا لِمَا سَأُمْلِيهِ عَلَيْك مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَكَرْته مِنْ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ فَأَقُولُ: قَدْ أَشْبَعْت الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ.
وَحَاصِلُهُ مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِبَيِّنَةٍ لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحُهَا كَمَا ذَكَرُوهُ، بَلْ مَتَى كَانَ فِي إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ مَعْنًى يَقْتَضِي تَرْجِيحَهَا قُدِّمَتْ وَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْأُخْرَى خِلَافًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ بَعْضِ الْعِبَارَاتِ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَوْ اُحْتِيجَ لِبَيْعِ مَالِ يَتِيمٍ فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْحَاجَةِ وَبِأَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، فَبَاعَهُ الْقَيِّمُ بِذَلِكَ وَحَكَمَ حَاكِمٌ أَيْ شَافِعِيٌّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ غَيْرَهُ يَرْجِعُ فِي نَقْضِ حُكْمِهِ إلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ بِصِحَّةِ الْبِيَعِ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهُ بِيعَ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ نُقِضَ الْحُكْمُ وَحُكِمَ بِفَسَادِ الْبِيَعِ.
قَالَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ سَالِمَةٌ مِنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أُزِيلَتْ يَدُ الدَّاخِلِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ ثُمَّ أَقَامَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً فَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ لِذَلِكَ وَفِيهِ وَجْهٌ يَجِيءُ هُنَا اهـ.
وَمَا ذُكِرَ فِي الْبِيَعِ بِلَا حَاجَةٍ يَأْتِي تَوْجِيهُهُ وَخَالَفَهُ السُّبْكِيّ وَصَنَّفَ فِيهِ مُصَنَّفًا فَقَالَ: الَّذِي أَرَاهُ إنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالشَّكِّ وَإِنَّمَا نُقِضَ فِيمَا قَاسَ عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ لِأَجْلِ الْيَدِ وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: بِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ وَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ اهـ.
وَرَدَّهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى ثَرَاهُ فِي عِمَادِ الرِّضَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ فَقَالَ عَقِبَهُ: وَيُجَابُ عَنْهُ أَيْ عَمَّا أَوْرَدَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ بِالشَّكِّ وَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْحُكْمِ امْتَنَعَا كَمَا صَرَّحَ هُوَ أَيْ السُّبْكِيّ بِهِ اهـ.
وَوَجْهُ عَدَمِ تَسْلِيمِهِ لِمَا قَالَهُ السُّبْكِيّ مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُرَجِّحًا وَحِينَئِذٍ فَغَايَةُ مَا أَفَادَتْهُ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى الظَّنُّ وَمُفَادُ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ الظَّنُّ أَيْضًا فَقُدِّمَتْ لِمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ سَالِمَةٌ مِنْ الْمُعَارِضِ، وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ فَإِنْ قُلْت: كَلَامُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ رُبَّمَا يَقْتَضِي ضَعْفَ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّقْوِيمِ مِنْ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْأَقَلِّ فِيهِ؛ لِأَنَّ مُدْرِكَهَا الِاجْتِهَادُ وَقَدْ تُطْلِعُ بَيِّنَةُ الْأَقَلِّ عَلَى عَيْبٍ فَمَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ قُلْت: كَلَامُهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ يُخَالِفُ كَلَامَهُمْ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ وَعِنْدَ عَدَمِ التَّأَمُّلِ، وَأَمَّا عِنْدَ التَّحْقِيقِ فَلَا يُخَالِفُهُ.
وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ وَهُوَ أَبُو زُرْعَةَ أَنَّهُ حَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى حَالَةٍ وَكَلَامَهُمْ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى كَمَا سَأَذْكُرُهُ عَنْهُ
وَأَقَرَّهُ الشَّيْخُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَكِتَابُهُ أَدَبُ الْقَضَاءِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَقْوَالِ الْإِنْسَانِ بِالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا عَلَى أَنَّ أَدَبَ الْقَضَاءِ أَمَسُّ بِتَحْرِيرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ، فَالِاعْتِنَاءُ يَكُونُ فِيهِ بِالْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقَضَاءِ أَكْثَرَ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ: إنَّ مَا صَحَّحَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْ غَيْرُهُ فِي بَابِهِ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ مِمَّا صَحَّحَاهُ فِي غَيْرِ بَابِهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِتَحْرِيرِ الْمَسَائِلِ فِي أَبْوَابِهَا أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَجْرِي فِي نَظَائِرِهَا أَيْ كَصُورَةِ السُّؤَالِ وَغَيْرِهَا هَذَا وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَهُوَ أَنَّ الْعَيْنَ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً قَائِمَةً عَلَى صِفَاتِهَا وَقْتَ نَحْوِ الْبِيَعِ أَوْ الْإِجَارَةِ وَقُطِعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالزِّيَادَةِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا.
وَحُكْمُ الْحَاكِمِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ حَتَّى عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَقُطِعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى
[ ٣ / ٣٣٢ ]
الشَّاهِدَةِ بِالنَّقْضِ عَمَلًا بِالثَّانِيَةِ، وَنُقِضَ الْحُكْمُ حَتَّى عِنْدَ السُّبْكِيّ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ فِيهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْلُهُ: شَرْطُ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَةِ أَنْ لَا يُكَذِّبَهَا الْحِسُّ وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَيْنَ إذَا كَانَتْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ يَكُونُ الْحِسُّ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالنَّقْضِ، فَتَكُونُ شَهَادَتُهَا مُلْغَاةً وَالْحُكْمُ الْمُسْتَنِدُ إلَيْهَا لَغْوٌ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي فَتَاوِيهِ فِي مُنَازَعَتِهِ لِابْنِ الصَّلَاحِ وَأَيْضًا بَيِّنَةُ الْقِيمَةِ تَعْتَمِدُ التَّقْوِيمَ، وَالتَّقْوِيمُ حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ وَيُفْرَضُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنْ تَشْهَدَ الْآنَ أَنَّ قِيمَتَهُ الْآنَ كَذَا فَهَذِهِ لَا تُعَارِضُ الْبَيِّنَةَ السَّابِقَةَ يَوْمَ الْبِيَعِ بِلَا إشْكَالٍ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَشْهَدَ الْآنَ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْبِيَعِ كَذَا فَهَذِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُسْمَعْ وَعَلَّلَهُ وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا تُقَوَّمَ الْآنَ لَكِنْ تَشْهَدُ أَنَّ قِيمَتَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عِنْدَ النَّاسِ كَذَا
فَإِنَّ الْأَسْعَارَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ عُمُومِ النَّاسِ تَنْضَبِطُ فِي أَوْقَاتِهَا، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ تَقْوِيمًا بَلْ شَهَادَةً بِأَمْرٍ خَارِجٍ فَهَذِهِ تُسْمَعُ وَلَيْسَ شَهَادَةَ قِيمَةٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَأَمَّا الْأَمْلَاكُ فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا هَذَا، إذَا عَرَفْت هَذَا فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ شَهِدَتْ بِالْحَالَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ فَلَا أَثَرَ لَهَا وَشَهَادَتُهَا بِالْحَالَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْمِلْك إمَّا مُمْتَنِعٌ أَوْ بَعِيدٌ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْعَيْنَ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بَاقِيَةً عَلَى صِفَاتِهَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَقَطَعَ أَهْلُ الْعَادَةِ بِأَنَّ مَا بِيعَتْ أَوْ أُجِّرَتْ بِهِ لَيْسَ ثَمَنَ أَوْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا عَادَةً سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمْ وَنُقِضَ الْحُكْمُ الْمُسْتَنِدُ لِلْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالنَّقْضِ، لِلْقَطْعِ بِكَذِبِهَا حِينَئِذٍ، وَوَجْهُ أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ إذَا قَالَ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ وَإِنْ اسْتَبْعَدَ تَصَوُّرَهَا فَأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي صُورَتِنَا.
وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ صُورَتَهُ لَيْسَ فِيهَا الْقَطْعُ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَمَا هُوَ فِي صُورَتِنَا فَنَتَجَ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي صُورَتِنَا وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الصَّلَاحِ عَلَى النَّقْضِ فِيهَا، فَإِنْ قُلْت: لَا يَلْزَمُ مِنْ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا نَقْضُ الْحُكْمِ قُلْت: مَمْنُوعٌ إذْ لَا فَائِدَةَ لِسَمَاعِهَا إلَّا نَقْضُهُ أَيْ لِتُبَيِّنَ أَنَّ لَهُ مُعَارِضًا يَقْضِي عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَقَعَ لَغْوًا، وَمِنْهَا قَوْلُهُ بَعْدَ مَا مَرَّ عَنْهُ فَإِنْ قُلْت: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يَحْكُمْ قُلْنَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ مَعَ الشَّكِّ وَكَذَلِكَ لَا يُنْقَضُ مَعَ الشَّكِّ، وَصَرَّحَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ فَتَاوِيهِ بِنَحْوِ هَذَا مِنْ أَنَّ سَبَبَ مُخَالَفَتِهِ لِابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الثَّانِيَةَ غَايَتُهَا أَنَّهَا أَوْرَثَتْ شَكًّا فِيمَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُولَى
فَكَيْفَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالشَّكِّ؟ فَتَأَمَّلْ تَعْلِيلَهُ هَذَا وَأَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ ابْنَ الصَّلَاحِ، لِذَلِكَ تَعْلَمُ بِلَا مِرْيَةٍ أَنَّهُ قَائِلٌ: بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الثَّانِيَةَ إذَا أَفَادَتْ الْقَطْعَ بِكَذِبِ الْأُولَى كَمَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَدَّمْتهَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِهَا عِنْدَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ لَمْ يُنْقَضْ بِشَكٍّ بَلْ بِيَقِينٍ عَلَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ ذَكَرُوا النَّقْضَ بِالظَّنِّ وَبِهِ يَقْوَى مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَيَضْعُفُ مَا عَلَّلَ بِهِ السُّبْكِيّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ بَانَا فَاسِقَيْنِ عِنْد الْحُكْمِ نُقِضَ عَلَى الْأَصَحِّ
وَقِيلَ: لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْبَيِّنَةِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا فَيَكُونُ الْفِسْقُ الثَّابِتُ بِهَا مَظْنُونًا وَالْفِسْقُ الْمَظْنُونُ لَا نَقْضَ بِهِ انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْ أَنَّ مَا عُلِّلَ بِهِ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ هُوَ عَيْنُ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ السُّبْكِيّ فِي مُخَالَفَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَتَجِدْ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ النَّقْضِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَصَحِّ هُنَا الْقَائِلُ بِالنَّقْضِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ لِمَا عُلِّلَ بِهِ الضَّعِيفُ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ بِهِ إلَّا أَنَّهُ بَانَ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ مُعَارِضٍ فَأُلْغِيَ، وَفِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْته تَأْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ ابْنِ الصَّلَاحِ النَّقْضَ أَيْ إلَّا فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ أَوَّلًا أَعْنِي الَّتِي قُطِعَ فِيهَا بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَذَلِكَ الْإِطْلَاقُ هُوَ مَا ارْتَضَيْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ مَعَ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ دَالٌّ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَقَدْ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ، فَإِنَّهُ.
سُئِلَ عَمَّا لَوْ اُدُّعِيَ عَلَى إنْسَانٍ بِمَالٍ فَأَنْكَرَ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً وَقَضَى لَهُ الْقَاضِي بِالْمَالِ ثُمَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَامَ بَيِّنَةً بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ بِوُصُولِ هَذَا الْمَالِ إلَيْهِ قَالَ: تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ
لِأَنَّ بَيِّنَةَ مُدَّعِي الْبَرَاءَةِ لَمَّا كَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي قَبْلَ الْقَضَاءِ فَالْقَضَاءُ
[ ٣ / ٣٣٣ ]
لَا يَمْنَعُ إقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْبَغَوِيّ لِذَلِكَ وَأَطَالَ وَأَفْتَى الْبَغَوِيّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بَاعَنِي هَذِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَحَكَمَ لَهُ بِهَا الْقَاضِي ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ أَنَّهَا رَهْنٌ مِنْهُ مَقْبُوضٌ لَهُ قَبْلَ الْبِيَعِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ حُكِمَ بِالرَّهْنِ وَبَطَلَ الْبَيْعُ اهـ. فَتَأَمَّلْ مَا قَالَهُ سِيَّمَا تَعْلِيلُهُ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَجِدْهُ مُوَافِقًا لِمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ، بَلْ نَصٌّ فِيهِ، وَلَوْ اسْتَحْضَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ لَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ، فَإِنَّ عِلَّةَ الْبَغَوِيِّ هِيَ بِعَيْنِهَا عِلَّةُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَوْ قَرِيبَةٌ مِنْهَا، إذْ حَاصِلُهَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ إذَا كَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى أُخْرَى قَبْلَ الْحُكْمِ. تَكُونُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهَا بَعْدَهُ، وَمَرَّ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ إنَّمَا قَدَّمَ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ بِالزِّيَادَةِ
لِأَنَّهُمَا لَوْ تَعَارَضَتَا قَبْلَ الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْحُكْمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيّ وَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ الَّذِي ذَكَرْته صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَبِهَذَا الَّذِي عَلِمْت أَنَّهُ مَنْقُولُ الْبَغَوِيِّ يَتَّضِحُ لَك رَدُّ مَا أَطَالَ بِهِ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرِهَا رَدًّا عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَسَائِرُ النَّاقِلِينَ لِكَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ لَمْ يُؤَيِّدُوهُ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ غَيْرِ مَا أَيَّدَ هُوَ بِهِ مِمَّا مَرَّ وَبِحَمْدِ اللَّهِ قَدْ تَأَيَّدَ بِمَسَائِلَ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا لَمْ أَمْشِ هُنَا عَلَى إطْلَاقِهِ النَّقْضَ بَلْ خَصَّصْته بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَهِيَ مَا إذَا قُطِعَ بِكَذِبِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ اللَّائِقُ بِالْفَتَاوَى سِيَّمَا مَعَ مَا غَلَبَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ شَهَادَاتِ الزُّورِ وَالْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ مِنْ الْقُضَاةِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ أَعْنِي السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا أَنَّ قَاضِيَ الْمَقْدِسِ أَذِنَ لِمَنْ عَوَّضَ امْرَأَةً مُرْتَهِنَةً مَا رَهَنَهُ الدَّائِنُ عِنْدَهَا. لِغَيْبَتِهِ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّعْوِيضِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَنَّ نَائِبَ الْحَكَمِ بِالْقُدْسِ أَرْسَلَ إلَى دِمَشْقَ فَتَاوَى فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ لَهُ عُلَمَاؤُهَا: إذَا ثَبَتَ أَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قُدِّمَتْ الْبَيِّنَةُ الَّتِي شَهِدَتْ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يُنَازِعْهُمْ السُّبْكِيّ فِي هَذَا الْإِفْتَاءِ. وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ وَإِنَّمَا نَازَعَ النَّائِبَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْفَتَاوَى كَلَامٌ مُخْلِصٌ، لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ النَّائِبَ وَبَيَّنَ ذَلِكَ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ عُلَمَاءَ دِمَشْقَ الَّذِينَ فِي زَمَنِ السُّبْكِيّ كَانُوا مُوَافِقِينَ لِابْنِ الصَّلَاحِ، فَإِنْ قُلْت: مَسْأَلَتُنَا هَذِهِ لَا حُكْمَ فِيهَا فَلَا تُشْبِهُ صُورَةَ ابْنِ الصَّلَاحِ قُلْت: بَلْ فِيهَا حُكْمٌ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْحَاكِمِ فِي قَضِيَّةٍ رُفِعَتْ إلَيْهِ وَطُلِبَ مِنْهُ فَصْلُهَا حُكْمٌ وَهَذِهِ الصُّورَةُ كَذَلِكَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ لَك عَنْ السُّبْكِيّ مَا ذَكَرْته اتَّضَحَ أَنَّهُ هُوَ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُمَا مُتَّفِقُونَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَدَّمْتهَا عَلَى نَقْضِ الْحُكْمِ فِيهَا، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَيُوَافِقُ مَا ذَكَرْته فِيهَا قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ.
مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ نَاظِرٍ شَرْعِيٍّ أَجَرَ بِأُجْرَةٍ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَحُكِمَ بِهَا فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ وَبَانَ بِهَا أَنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِأُجْرَةِ الْأَرَاضِيِ، فَهَلْ يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِمُوجَبِ الْأُولَى؟
فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُقُوعِهِ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ. أَوَّلُهُمَا: إذَا بَانَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ، وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَتَبَيَّنُ بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ شَهَادَةُ نَفْيٍ أَوْ بِاعْتِرَافِهِمَا وَهُوَ لَا يُفِيدُ بَعْدَ الْحُكْمِ؟ وَيُجَابُ بِالْتِزَامِ تَبَيُّنِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا شَهَادَةَ نَفْيٍ مَحْصُورٍ وَالشَّهَادَةُ بِهِ مَسْمُوعَةٌ. وَيَدُلُّ لَهُ مَا قَدَّمْته عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَنَّ شَهَادَةَ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ بَيْعٌ بِلَا حَاجَةٍ مَقْبُولَةٍ، وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى أَنَّ هَذَا نَفْيٌ لِمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ نَفْيٌ مَحْصُورٌ ثَانِيهمَا أَنْ تُفِيدَ الْبَيِّنَةُ. الثَّانِيَةُ: تَعَيُّنُ كَذِبِ الْأُولَى بِأَنْ تَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ إذْ لَا يَنْتَهِي الْحَالُ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ التَّعَارُضِ إلَى الْقَطْعِ بِكَذِبِ إحْدَاهُمَا إلَّا إنْ وَصَلَتْ الْأُخْرَى إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ التَّوَاتُرَ مَتَى خَالَفَ الْآحَادَ عُلِمَ كَذِبُ الْآحَادِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قُوَّةِ مَالِكِ الْأَرْضِ وَضَعْفِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ثُمَّ قَالَ: قَدْ يُخَالِفُ مَا أَفْتَيْت بِهِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْهُ ثُمَّ اعْتَرَضَهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ صُورَتِهِ وَمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ، بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي أَقَامَهَا الدَّاخِلُ لَوْ كَانَ أَقَامَهَا قَبْلُ، امْتَنَعَ الْحُكْمُ لِغَرِيمِهِ، وَوَجَبَ الْحُكْمُ لَهُ بِخِلَافِ صُورَةِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُعَارِضَةَ لَوْ أُقِيمَتْ مِنْ الْأَوَّلِ مَنَعَتْ الْحُكْمَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، لِتَعَارُضِهِمَا وَتَسَاقُطِهِمَا.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
فَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى، بَلْ قَدْ تَرَجَّحَتْ الْمَحْكُومُ بِهَا بِالْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ لَا يُنْقَضُ بِالِاحْتِمَالِ وَلَك رَدُّ اعْتِرَاضِهِ هَذَا بِأَنَّهُ فَرْقٌ صُورِيٌّ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَقَوْلُهُ: بَلْ قَدْ تَرَجَّحَتْ إلَى آخِرِهِ مَرَّ مَا يَرُدُّهُ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يُعَدُّ مُرَجِّحًا، ثُمَّ اعْتَرَضَهُ أَيْضًا بِنَحْوِ مَا مَرَّ عَنْ السُّبْكِيّ وَقَدْ مَرَّ رَدُّهُ عَلَى السُّبْكِيّ.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَاَلَّذِي يَتَحَرَّرُ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَأَنْ تُقَوَّمَ الْحِجَارَةُ الَّتِي هِيَ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا، نُقِضَ الْحُكْمُ بِهَا لِلْقَطْعِ بِكَذِبِهَا فَصَارَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَأَمَّا مَعَ الِاحْتِمَالِ فَلَا نَقْضَ لِلْحُكْمِ وَبِدُونِ الْحُكْمِ مَعَ الِاحْتِمَالِ إمَّا أَنْ تُرَجَّحَ النَّاقِضَةُ. وَإِمَّا أَنْ يَتَعَارَضَا وَيَتَسَاقَطَا انْتَهَى كَلَامُ أَبِي زُرْعَةَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَدَّمْتهَا مِنْ أَنَّ الْقَطْعَ بِكَذِبِ الْأُولَى مُبْطِلٌ لِلْحُكْمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِهِ أَيْضًا إجْمَاعُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّعَارُضُ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَمَظْنُونٍ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَالسُّبْكِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْخِلَافِ فِيهَا. وَاسْتُفِيدَ مِنْ تَمْثِيلِ أَبِي زُرْعَةَ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَلِمَ اسْتِحَالَةَ أَمْرٍ اسْتَنَدَتْ إلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ حُكْمٌ أَلْغَاهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ
وَاسْتَدَلَّ التَّاجُ السُّبْكِيّ لِأَبِيهِ بِمَسْأَلَةٍ فِي الرَّافِعِيِّ لَكِنَّنِي بَيَّنْتُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الرَّافِعِيِّ لَا يَدُلُّ لِمَا مَرَّ عَنْ أَبِيهِ: مِنْ إطْلَاقِ عَدَمِ النَّقْضِ، نَعَمْ قَدْ يُشْكَلُ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ: لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَأُخْرَى بِفَسَادِهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُخْرَى أَنَّهُ بَاعَ بِدُونِهِ رُجِّحَتْ الْأُولَى.
قَالَ الْأَزْرَقِيُّ: وَبِهِ أَفْتَى أَهْلُ زُبَيْدٍ لَكِنْ أَفْتَى الْعُمْرَانِيُّ بِأَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِكَلَامِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَيُجَابُ بِأَنَّ السُّبْكِيّ الْمُخَالِفَ لِابْنِ الصَّلَاحِ لَا يَقُولُ بِتَقْدِيمِ الشَّهَادَةِ بِالْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، بَلْ يَقُولُ: بِمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ مِنْ التَّعَارُضِ فَكَانَ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَمَا أَخَذَهُ مِنْهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَارِدًا عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَالسُّبْكِيِّ مَعًا، وَيُوَجَّهُ خُرُوجَ هَذِهِ عَنْ قَاعِدَةِ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الصِّحَّةِ، بِأَنَّ الْقِيمَةَ أَمْرُ تَخْمِينٍ. وَالشَّاهِدُ بِهَا إنَّمَا هُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ ظَنٍّ فَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى ظَنِّهِ إلَّا حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهُ ظَنٌّ آخَرُ، فَإِذَا عَارَضَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ تَسَاقَطَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ بَانَ أَنَّ الْحُكْمَ بُنِيَ عَلَى ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ لَمْ يَسْلَمْ عَنْ مُعَارِضٍ، فَفَاتَ شَرْطُهُ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الِاعْتِمَادِ عَلَى الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ وَلَوْ مِثْلَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
وَبِهِ يَظْهَرُ لَك أَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ السُّبْكِيّ يَرُدُّهُ مَا قَرَّرْتُهُ فَاحْفَظْ ذَلِكَ، وَلَا تَغْفُلْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مُهِمٌّ نَفِيسٌ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ بَيَانِ الْمَدَارِكِ وَالْمَآخِذِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَتَحَرَّرُ الْإِفْتَاءُ بِهِ مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ بِوَجْهٍ أَنَّهُ مَتَى عُلِمَ كَذِبُ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدَّمْتهَا بَانَ بُطْلَانُ شَهَادَتِهَا وَالْحُكْمُ الْمُسْتَنِدُ إلَيْهَا فَيُنْقَضُ بِمَعْنَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُظْهِرُ بُطْلَانَهُ وَيَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا سُئِلَ فِيهِ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ