(مَسْأَلَةٌ) نَقَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ وَالزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ حَزْمٍ وَأَقَرُّوهُ أَنَّ كُلَّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ لَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا الْقِرَاضَ مَعَ قِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ أَصْلٍ فَهَلْ هُوَ كَمَا قَالَ وَكَيْفَ سَاغَ لِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ تَقْرِيرُهُ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ وَالْمُقَارَضَةُ وَخَلْطُ التَّمْرِ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لَا لِلْبَيْعِ» (الْجَوَابُ) الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَعَلَى التَّنَزُّلِ وَأَنَّ لَهُ أَصْلًا فَهُوَ لَيْسَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَعْنِي الْمُقَارَضَةَ بِالْقَافِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ اغْتِرَارًا بِكَوْنِ ابْنِ مَاجَهْ ذَكَرَهُ فِي الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ أَيْ: الْمُقَارَضَةِ وَإِنَّمَا صَوَابُهُ بِالْعَيْنِ أَيْ: بَيْعِ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ فَاتَّضَحَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ مَا مَرَّ وَتَقْرِيرُهُمْ عَلَيْهِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَا اشْتَهَرَ فِي السِّيَرِ أَنَّهُ - ﷺ - سَافَرَ تَاجِرًا لِخَدِيجَةَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَحَكَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ بَعْدَهَا فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ جَاهِلِيَّةً وَإِسْلَامًا وَثَبَتَ أَنَّ لِلْقِرَاضِ أَصْلًا أَصِيلًا
[ ٣ / ١٠٨ ]
وَاَللَّه أَعْلَم
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ الدَّافِعُ وَالْمَدْفُوعُ لَهُ بَعْدَ تَلَفِ الْمَدْفُوعِ فَادَّعَى الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ أَنَّهُ قِرَاض وَادَّعَى الدَّافِعُ أَنَّهُ قَرْض فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ وَمَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مَعَ مُلَاحَظَة كَلَامِهِمْ آخِرَ الْعَارِيَّةِ؟
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَنَّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَالْخَادِمِ وَغَيْرُهُمَا تَصْدِيقُ الْمَالِك؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدَّعِي سُقُوطَ الضَّمَانِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِتَصَرُّفِهِ فِيهِ الْمُقْتَضِي لِشَغْلِ الذِّمَّةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا فَتَصَرَّفَ فِيهَا فَرَبِحَ أَلْفًا، ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْقَابِضُ كَانَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ مَثَلًا وَقَالَ الْمَالِكُ كَانَ بِضَاعَةً أَيْ وَكَالَةً صَدَقَ الدَّافِعُ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبَحْرِ وَرَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ الْقَابِضُ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ مَالِك الدَّابَّةِ لِرَاكِبِهَا أَجَّرْتُكَهَا فَعَلَيْك الْأُجْرَةُ وَقَالَ الرَّاكِبُ أَعَرْتنِي صَدَقَ الْمَالِكُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إذْنِ الْمَالِكِ فِي إبَاحَةِ مَنَافِعِ دَابَّتِهِ مَجَّانًا وَخَالَفَ فِي مَسْأَلَتنَا ابْنُ الصَّلَاحِ فَأَفْتَى بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ وَاخْتَلَفَا فِي شَغْلِ الذِّمَّةِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتهَا اهـ وَمَا قَالَهُ مَمْنُوعٌ وَإِنْ تَبِعَهُ الدَّمِيرِيُّ وَالْجَوْجَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِالتَّصَرُّفِ اشْتِغَالَ الذِّمَّةِ وَالْقَابِضُ يَدَّعِي سُقُوطَهُ فَكَانَتْ دَعْوَاهُ مُخَالِفَةً لِلْأَصْلِ فَلَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ وَمَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ إلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَيَّدَهُ بِقَوْلِ الْبَغَوِيِّ لَوْ دَفَعَ أَلْفًا لِإِنْسَانٍ فَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ كَانَ وَدِيعَةً فَهَلَكَ فَقَالَ الدَّافِعُ بَلْ أَخَذْته قَرْضًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ غَصَبْتنِي فَقَالَ لَا بَلْ أَكْرَيْتَنِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ مَالِهِ، ثُمَّ ادَّعَى إسْقَاطَ الضَّمَانِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَخْذِهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ اهـ.
وَلَا شَاهِدَ فِيهِ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ الْجَلَالُ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْبَغَوِيِّ الْأُولَى أَعْنِي قَوْلَ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ قِرَاضٌ وَقَوْلُ الدَّافِعِ قَرْضُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا تَصَرُّفٌ يَقْتَضِي شَغْلَ الذِّمَّةِ بَلْ الذِّمَّةُ بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِ بَرَاءَتِهَا فَلِذَا صَدَقَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتنَا فَقَدْ تَيَقَّنَّا الصَّرْفَ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِشَغْلِ الذِّمَّةِ فَبَطَلَ أَصْلُ بَرَاءَتِهَا وَلَزِمَ مِنْ بُطْلَانِ هَذَا الْأَصْلِ تَصْدِيقُ الدَّافِعِ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ عَضَّدَهَا تَيَقُّنُ شَغْلِ الذِّمَّةِ الْمُوَافِقِ لَهَا عَلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ الْبَغَوِيِّ الثَّانِيَةَ تُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته مِنْ التَّوْجِيهِ فَكَلَامُهُ لَنَا لَا عَلَيْنَا فَتَأَمَّلْ وَمِمَّنْ تَبِعَ ابْنَ الصَّلَاحِ أَيْضًا الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ أَبُو زُرْعَةَ فَرَجَّحَ تَصْدِيقَ الْعَامِلِ بَعْدَ التَّلَفِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْعَارِيَّةِ السَّابِقَةِ بِأَنَّهُمَا ثَمَّ مُتَّفِقَانِ عَلَى عَدَمِ انْتِقَالِ مِلْكِ الْعَيْنِ لِلْآخِذِ بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا وَقَدْ انْتَفَعَ بِهَا وَمُدَّعٍ عَدَمَ الْعِوَضِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ سُقُوطِهِ فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ يَقْتَضِي الْعِوَضَ اهـ.
وَيُرَدُّ بِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّا فِي مَسْأَلَتنَا تَيَقَّنَّا التَّصَرُّفَ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِشَغْلِ الذِّمَّةِ فَلَمْ يَصْدُقْ الْآخِذُ فَاتَّضَحَ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي مَسْأَلَة الْعَارِيَّةِ شَاهِدُ عَدْلٍ عَلَى تَصْدِيقِ الدَّافِعِ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمِنْ ثَمَّ جَرَى عَلَيْهِ فِي الْأَنْوَارِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ إنَّهُ مُتَعَيِّنٌ وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّه عَهْدَهُ، وَأَمَّا مَا فِي مِنْهَاجِ الْقُضَاةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَقَالَ دَفَعْته قَرْضًا وَقَالَ الْآخَرُ وِكَالَةً صَدَقَ الدَّافِعُ. اهـ.
فَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ تَصْدِيقُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْبَغَوِيِّ وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي مَسْأَلَتِنَا فِيمَا إذَا كَانَ التَّلَفُ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْقَابِضِ فَيَصْدُقُ الدَّافِعُ حِينَئِذٍ لِمَا قَدَّمْته أَمَّا إذَا وَقَعَ التَّلَفُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فَالْمُصَدَّقُ حِينَئِذٍ هُوَ الْقَابِضُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ وَاخْتَلَفَا فِي شَغْلِ الذِّمَّةِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِمَا قَالَ الشَّيْخَانِ وَلَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا قَالَهُ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ بَيِّنَةُ الْقَابِضِ أَوْلَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اهـ.
وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الْحَقَّ التَّعَارُض وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْأَوْجَهُ مَا بَحَثَهُ أَبُو زُرْعَةَ مِنْ تَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الدَّافِعِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْآخِذِ، وَاَللَّهُ أَعْلَم.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ قَارَضَ شَخْصًا فَاشْتَرَى وَبَاعَ فَلَمَّا نَضَّ الثَّمَنُ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ رِبْحٌ أَخَذَ الْعَامِلُ مَالًا مِنْ عِنْدِهِ وَأَضَافَهُ إلَى مَالِ
[ ٣ / ١٠٩ ]
الْقِرَاضِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ مَثَلًا ثُمَّ عَمِلَا فِيهِ فَمَا حُكْمُ الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بَعْدَ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ جَرَى ذَلِكَ بَعْدَ فَسْخِ عَقْدِ الْقِرَاضِ أَوْ اسْتِرْدَاد الْمَالِك رَأْسَ الْمَالِ فَهُوَ مَحْضُ شَرِكَةٍ وَإِلَّا صَحَّتْ الشَّرِكَةُ مَعَ بَقَاءِ عَقْدِ الْقِرَاض عَلَى حَالِهِ فَيُعْمَلُ فِي الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدَيْنِ شَرِكَةً وَقِرَاضًا فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْمَالِ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلِلْعَامِلِ مِنْ حِصَّةِ الْمَالِكِ مَا كَانَ شَرَطَهُ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا مَاتَ الْمَالِكُ فَتَصَرَّفَ الْعَامِلُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ جَاهِلًا فَهَلْ يَضْمَنُ وَهَلْ الْوَكِيلُ مِثْلُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مِنْ الْمَعْلُومِ ارْتِفَاعُ الْعَقْدِ بِالْمَوْتِ فَتَصَرُّفُ الْعَامِلِ حِينَئِذٍ كَتَصَرُّفِ الْغَاصِبِ فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِ الْمَالِ بَطَلَ وَالْأَصَحُّ وَمَا صَرَفَهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاض مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَإِنْ جَهِلَ وَكَذَا حُكْمُ الْوَكِيلِ إذَا تَصَرَّفَ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ الْعَزْلِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصَيْنِ دَفَعَا لِإِنْسَانٍ قِرَاضًا فَدَفَعَ أَحَدُهُمَا أَلْفَ أَشْرَفِيّ وَالْآخَرُ أَلْفَيْ أَشْرَفِيّ فَالْجُمْلَةُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ الثُّلُثُ مِنْ الرِّبْحِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثُّلُثُ وَرَضِيَ الْعَامِلُ بِذَلِكَ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ قَاضٍ شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ وَسَافَرَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ وَرَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا فَامْتَنَعَا أَنْ يَدْفَعَا لَهُ مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمَا دَفْعُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْقِرَاض الْمَذْكُورُ فَاسِدٌ فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَم (وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ قَارَضْتُك عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الصُّرَّتَيْنِ مَثَلًا ثُمَّ عَيَّنَ إحْدَاهُمَا فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ بِخِلَافِ سَاقَيْتُكَ عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الْحَدِيقَتَيْنِ ثُمَّ عَيَّنَ إحْدَاهُمَا فِي الْمَجْلِسِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى شَيْءٍ مُرْبِحٍ مِنْ غَيْرِ خُصُوصِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ حَاصِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدَةٍ دُونَ الْأُخْرَى فَلَا يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِي تَعَيُّنِ أَيِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا وَلَا نَظَرَ فِيهَا إلَى كَوْنِ وَاحِدَةٍ أَرْوَجَ مِنْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي كَوْن الْأُخْرَى فِيهَا رِبْح وَهُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ الرِّبْحِ وَالْقَصْدُ فِي الْمُسَاقَاةِ وُقُوعُ عَقْدِهَا عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ يُثْمِرُ غَالِبًا وَذَلِكَ غَيْرُ حَاصِلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَيْنِ الْحَدِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الثَّمَرَةُ وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَوَجَبَ تَعْيِينُ مَحَلِّهَا لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ إلَى آخَرَ مَالًا نَقْدًا قَدْرُهُ عِشْرُونَ أَلْفَ مُحَلَّق عَلَى سَبِيلِ الْمُضَارَبَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَاشْتَرَى الْعَامِلُ بِذَلك بَضَائِعَ وَمَتَاجِرَ وَسَافَرَ بِذَلِكَ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ إلَى بَعْضِ الْبِلَادِ وَبَاعَ وَاشْتَرَى فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَثَلًا ثُمَّ حَضَرَ إلَى رَبِّ الْمَالِ وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ الْمُتَحَصِّلَ فِي ذَلِكَ رِبْحًا ثَلَاثَةَ عَشْرَةَ أَلْفَ مُحَلَّق مَثَلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّ الْمُتَحَصِّلَ فِي ذَلِكَ رِبْحًا إنَّمَا هُوَ سِتَّة آلَاف مُحَلَّق فَسَأَلَهُ رَبُّ الْمَالِ عَنْ تَفْصِيلِ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَرِبْحِهِ وَمَصَارِفِهِ وَمَحْصُولَاتِهِ
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بَيَانُ ذَلِكَ وَلَا الْجَوَابُ وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ بَيَانُ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ وَمُحَاسَبَةُ رَبِّ الْمَالِ عَنْ الْأَصْلِ وَالرِّبْحِ وَتَفْصِيلَات التَّصَرُّفِ أَمْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّ التُّجَّارَ الْمُسَافِرِينَ مَعَهُ إلَى الْبَلَدِ الَّتِي سَافَرَ إلَيْهَا بِمِثْلِ الْبَضَائِعِ الَّتِي سَافَرَ بِهَا رَبِحُوا فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ رِبْحِ الْعَامِلِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّ بَيْعَهُمْ وَشِرَاءَهُمْ فِي أَوَانٍ وَاحِدٍ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مُتَقَارِبَةٍ وَمَاذَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْمَذْكُورَ إذَا صَمَّمَ عَلَى عَدَمِ الْمُحَاسَبَةِ إذَا فَصَّلَ تَفْصِيلًا بَعِيدًا عَنْ تَفْصِيلِ أَمْثَالِهِ مِنْ التُّجَّارِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ رَبِّ الْمَالِ بَيِّنَةٌ بِاعْتِرَافِ الْعَامِلِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ رَبِحَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْف مُحَلَّق فَمَاذَا يَلْزَمَهُ فِي ذَلِكَ وَمَا حُكْمُ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا قَالَ لَهُ رَبِحْت كَذَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ وَإِنْ ذَكَرَ شُبْهَةً لِغَلَطِهِ لَكِنْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمَالِكِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ سَوَاءٌ ذَكَرَ شُبْهَةً أَمْ لَا عَلَى الْأَصَحِّ وَإِذَا فَصَّلَ مَا صَرَفَهُ فَإِنْ كَانَ قَدْرًا لَائِقًا مُحْتَمَلًا فِي الْعَادَةِ صَدَقَ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْرًا غَيْر لَائِقٍ لِذَلِكَ لَمْ يَصْدُقْ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّائِدِ عَلَى اللَّائِقِ فَيُطَالَبُ بِهِ وَإِذَا لَمْ يُفَصِّلْ وَامْتَنَعَ مِنْ الْمُحَاسَبَةِ أُلْزِمَ بِهَا أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ، وَفَائِدَتُهَا أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ مَقَادِيرَ الْمَصَارِيفِ نَظَرَ فِيهَا هَلْ هِيَ لَائِقَةٌ أَمْ لَا وَيَأْتِي فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُحَاسَبَةُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الرِّبْحِ وَمَقَادِيرِهِ فَلَا يُلْزَمُ بِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَا ضَابِطَ لَهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِهَا بِخِلَافِ الْمَصَارِيفِ فَإِنَّ لَهَا مَقَادِيرَ
[ ٣ / ١١٠ ]
عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ لَا تَتَخَرَّمُ غَالِبًا وَإِذَا عَدِمَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ بِاعْتِرَافِ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يَعْدَمْهَا جَازَ لَهُ تَحْلِيفُهُ عَلَى أَنَّهُ مَا اعْتَرَفَ لَهُ أَوَّلًا بِمَا ذَكَرَ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا قَالَ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لَا يُطَالَبُ أَحَد مِنْهُمْ أَيْ: الْأُمَنَاء كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُقَارِضِ وَالْمُرْتَهِنِ بِإِقَامَةِ حِسَابٍ بَلْ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ جِنَايَةً فَالْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الْوَصِيِّ وَالْهَرَوِيُّ فِي أُمَنَاءِ الْقَاضِي وَمِثْلُهُمْ بَقِيَّةُ الْأُمَنَاءِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَرْجِعُ إلَى رَأْي الْقَاضِي بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ مِنْ
الْمَصْلَحَةِ
. اهـ. وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الْمُحَاسَبَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الرِّبْحِ وَمِقْدَارِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْمَصَارِيفِ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ كَمَا قَدَّمْته.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ مِائَةً لِآخَرَ يُسَافِرُ بَرًّا أَوْ بَحْرًا بِشَرْطِ أَنَّهُ إذَا عَادَ بِالسَّلَامَةِ يُسَلِّمُ إلَيْهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَوَاءٌ رَبِحَ فِي تِلْكَ الْمِائَةِ أَضْعَافًا أَوْ خَسِرَ خُسْرَانًا بَيِّنًا وَمَعَ ذَلِكَ إذَا تَلِفَ الْمَالُ لَا يَصِيرُ الْقَابِضُ ضَامِنًا كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَة أَهْلِ الْهِنْدِ وَيَتَعَامَلُونَ بِهَذَا الشَّرْطِ فَالْمَسْئُولُ بَيَانُ حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَا فَإِنْ قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ فَهَلْ حُكْمُ ذَلِكَ كَحُكْمِ الرِّبَا أَوْ الْقِرَاضِ أَوْضِحُوهُ لَنَا إيضَاحًا وَافِيًا أَثَابَكُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ؟
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ بَاطِلٌ وَمُبْطِلٌ لِعَقْدِ الْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ بِهِ مُحَرَّمٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْل أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا الشَّرْطِ مَالًا فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ فَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إلَى اللَّه ﷾ فَإِنْ قُلْت فَمَا حُكْمُ الْمَالِ الَّذِي أَخَذَهُ الْعَامِلُ بِهَذَا الشَّرْطِ قُلْت هُوَ قِرَاضٌ فَاسِدٌ فَيَدُ الْعَامِلِ يَدُ أَمَانَةٍ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمَالِكِ وَالْخُسْرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنْ طَمِعَ الْعَامِلُ فِي زِيَادَةِ رِبْحٍ لَهُ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ مَنْ عَمِلَ غَيْرَ طَامِعٍ فِي شَيْءٍ لَا شَيْءَ لَهُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ لَوْ طَلَبَ الرَّصَدِيُّ نَقْدًا وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِ الْقِرَاض أَوْ تَعَسَّرَ إحْضَارُهُ أَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ أَنْ لَا يُبَاعَ لِذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَأَعْطَاهُ مِنْ مَالِهِ وَأَشْهَدَ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ كَنَظَائِرِهِ أَوْ لَا وَهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْوَكِيلِ وَالْمُودَعِ وَنَحْوِهِمْ حَيْثُ جَازَ لَهُمْ الدَّفْعُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ لِمَنْ ذُكِرَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ مَا ذَكَرُوهُ فِي هَرَبَ عَامِلِ الْمُسَاقَاةِ وَالْجَمَّالِ وَنَحْوِهِمَا قَاضٍ بِأَنَّهُ إذَا طَلَبَ مِنْ عَامِلِ الْقِرَاضِ أَوْ نَحْوِهِ مَا يُحْسَبُ عَلَى الْمَالِكِ كَمَا يَأْخُذُهُ الرَّصَدِيّ وَالْمِكَاس وَتَعَذَّرَ أَوْ تَعَسَّرَ وَزْنُهُ مِنْ الْمَالِ فَأَعْطَاهُ الْعَامِلُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ مَالِهِ بِإِذْنِ الْقَاضِي أَوْ مَعَ إشْهَادِهِ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ لِيَرْجِعَ أَوْ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ لِفَقْدِ الْقَاضِي أَوْ تَعَسُّرِهِ لِكَوْنِهِ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْهُ عَلَى الْمَالِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ الْآن رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ لِتَبَرُّعِهِ، وَاَللَّه ﷾ أَعْلَم.