(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ بِعُلُومِهِ عَمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَى سَائِلٍ مُلِحٍّ فِي سُؤَالِهِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْحَاجَةَ لَمَا أَعْطَاهُ وَكَانَ يَرْجُو خَلَاصَهُ مِنْهُ وَنَوَى عِنْدَ التَّصَدُّقِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى هَلْ يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ أَوْ لَا وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ لِفَقْرِهِ أَوْ لِقَصْدِهِ إيَّاهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إحْضَارِ نِيَّةِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى هَلْ يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي حَرَّرْتُهُ فِي حَاشِيَتِي عَلَى مَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ - ﵀ - الْكُبْرَى عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - ﵁ - وَأَصْحَابِهِ - ﵏ - كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ - ﵀ - فِي مَجْمُوعِهِ لَوْ حَجَّ بِنِيَّةِ الْحَجِّ وَالتِّجَارَةِ كَانَ لَهُ ثَوَابٌ دُونَ ثَوَابِ الْمُتَخَلِّي عَنْ التِّجَارَة أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]
[ ٢ / ٥٢ ]
أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافُ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي اجْتِمَاعِ نِيَّةِ الطُّهْرِ وَنَحْوِ التَّبَرُّدِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ طَاعَةً وَشَرَّكَ مَعَهَا مُبَاحًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّشْرِيكُ مُحْبِطًا لِثَوَابِهَا مِنْ أَصْلِهِ بَلْ لَهُ ثَوَابٌ بِقَدْرِ قَصْدِهِ الطَّاعَةَ لَكِنَّهُ دُونَ ثَوَابِ مَنْ لَمْ يُشَرِّكْ، وَقَوْلُهُ - ﷺ - عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ» هُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ يُحْمَلُ لِيُوَافِقَ الْآيَةَ عَلَى مَنْ رَاءَى بِعَمَلِهِ وَالرِّيَاءُ مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُفَسِّقٌ لِصَاحِبِهِ يُخْرِجُ الْعَمَلَ عَنْ كَوْنِهِ طَاعَةً وَقُرْبَةً مِنْ أَصْلِهِ لِمُنَافَاتِهِ لَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَمْ يُمْكِنْ مُجَامَعَةُ الثَّوَابِ لَهُ.
وَأَمَّا ضَمُّ قَصْدٍ مُبَاحٍ إلَى الْعَمَلِ فَهُوَ لَا يُنَافِيهِ فَأُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ الطَّاعَةَ بِقَدْرِ قَصْدِهِ، وَإِنْ ضَعُفَ لِأَنَّ قَصْدَهُ إيَّاهَا قُرْبَةٌ وَلَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا مَا يَقْتَضِي إسْقَاطَهَا فَلَمْ يُحْرَمْ ثَوَابَهَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَتَى قَصَدَ الْمُتَصَدِّقُ بِإِعْطَائِهِ الْفَقِيرَ وَجْهَ اللَّهِ وَمَنَعَهُ مِنْ الْإِلْحَاحِ الْمُضِرِّ لِلنَّاسِ فَهَذَا لَا شَكَّ فِي ثَوَابِهِ أَتَمُّ الثَّوَابِ وَأَكْمَلُهُ لِأَنَّهُ قَصَدَ طَاعَتَيْنِ وُصُولَ بِرٍّ إلَيْهِ وَمَنْعَهُ مِنْ مَعْصِيَةِ الْإِيذَاءِ أَوْ الْإِضْرَارِ، وَإِنْ قَصَدَ مَعَ الْأَوَّلِ مَنْعَهُ مِنْ الْإِلْحَاحِ الْمُضِرِّ لَهُ بِخُصُوصِهِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْقُرْبَةَ وَالصَّدَقَةَ لَكِنَّ ثَوَابَهُ دُونَ ثَوَابِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي الْأَوَّلِ تَعُودُ مَنْفَعَتُهُ عَلَى الْغَيْرِ وَفِي الثَّانِي عَلَى النَّفْسِ فَرُبَّمَا يَقْصِدُ حَظَّهَا وَالظَّاهِرُ إثَابَتُهُ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَدَمُ الصَّارِفِ لَا نِيَّةُ الْقُرْبَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ السُّبْكِيّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ - ﵀ - وَغَيْرِهِ فِي حَدِّ الْأَصْحَابِ الصَّدَقَةَ بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مُحْتَاجٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ لَا نَعْتَبِرُ الْحَاجَةَ قَيْدًا بَلْ كَوْنُهَا لِمُحْتَاجٍ هُوَ أَظْهَرُ أَنْوَاعِهَا الْغَالِبِ مِنْهُ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ.
قَالُوا وَتَمْلِيكُ الْمُحْتَاجِ لَا مَعَ اسْتِحْضَارِ الثَّوَابِ صَدَقَةٌ أَيْضًا فَالشَّرْطُ إمَّا الْحَاجَةُ أَوْ قَصْدُ الثَّوَابِ وَتَمْلِيكُ الْغَنِيِّ لَا بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ وَالثَّوَابِ إمَّا هِبَةٌ أَوْ هَدِيَّةٌ