(وَسُئِلَ) - ﵁ - عَنْ الرُّجُوعِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ هَلْ فِيهِ قُرْبَةٌ وَثَوَابٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: ذَهَبَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِي ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ مِنْ الْجِنَازَةِ وَغَيْرِهَا وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ: - ﷺ - لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاك ذَلِكَ كُلَّهُ وَكَانَ قَدْ قِيلَ لَهُ لَوْ اتَّخَذْت دَابَّةً تَحْمِلُك فِي الظَّلْمَاءِ وَتَقِيك حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَقَالَ أُبَيّ: أُحِبُّ أَنْ يُكْتَبَ لِي أَجْرُ مَمْشَايَ وَرُجُوعِي فَقَالَ لَهُ - ﷺ - إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاك ذَلِكَ كُلَّهُ» وَمِنْ قَوْلِهِ: كُلَّهُ يُؤْخَذُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ الْمُرَادُ أَعْطَاك مَجْمُوعَ ذَلِكَ كُلِّهِ. أَيْ أَجْرَ الْمَشْيِ فَقَطْ مَعَ أَنَّهُ تَأْوِيلٌ وَحَمْلٌ بَلَا دَلِيلٍ عَلَيْهِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِرَدِّهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَك ذَلِكَ كُلَّهُ» لَا يُقَالُ إنَّمَا كُتِبَ لِأُبَيٍّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْصِدُ بِرُجُوعِهِ صَلَاةَ الرَّاتِبَةِ فِي بَيْتِهِ لِأَنَّا نَقُولُ الْحَدِيثُ يَشْمَلُ مَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَلَا رَاتِبَةَ بَعْدَهُمَا وَأَيْضًا فَلَمْ يُرَتِّبْ ذَلِكَ عَلَى قَصْدٍ بَلْ عَلَى الْمَشْيِ فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا، وَالْإِضْمَارُ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَإِنَّمَا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَاتِ الْعِبَادَاتِ بَاقِيَةٌ بِدَلِيلِ نَدْبِ الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الذَّهَابِ وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الذَّهَابِ لِانْقِضَاءِ الْعِبَادَةِ فَسُومِحَ فِيهِ مَا لَمْ يُسَامَحْ فِي الذَّهَابِ.
(وَسُئِلَ) أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ سُؤَالًا صُورَتُهُ: ثَبَتَ «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَذْهَبُ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى» فَمَا حِكْمَتُهُ وَهَلْ كُلُّ عِبَادَةٍ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حِكْمَةُ ذَلِكَ كَوْنُ الذَّهَابِ فِي الْأَطْوَلِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَقِيلَ: كَانَ يَتَصَدَّقُ فِي الْأُولَى فَلَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ فَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى لِئَلَّا يَسْأَلَهُ سَائِلٌ فَيَرُدَّهُ وَقِيلَ: لِيَشْرُفَ أَهْلُ الطَّرِيقَيْنِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَقِيلَ: لِيَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ وَقِيلَ: لِيُفْتِيَ أَهْلَ الطَّرِيقَيْنِ وَقِيلَ: لِيَغِيظَ الْمُنَافِقِينَ بِإِظْهَارِ الشِّعَارِ وَقِيلَ: لِيَحْذَرَ كَيْدَهُمْ وَقِيلَ: لِلتَّفَاؤُلِ بِتَغْيِيرِ الْحَالِ إلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرِّضَا وَقِيلَ: لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ. قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ: إنْ لَمْ يُعْلَمْ الْحَامِلُ لَهُ - ﷺ - عَلَى الْمُخَالَفَةِ سُنَّتْ لَنَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ عُلِمَ وَوُجِدَ مَا خَالَفَ لِأَجْلِهِ فِي إنْسَانٍ سُنَّتْ لَهُ أَيْضًا وَإِلَّا فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تُسَنُّ أَيْضًا. وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي حِكْمَتِهِ هُوَ الْأَوَّلُ
وَقَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ الرُّجُوعُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ غَلَّطُوهُمْ فِيهِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ إنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ لَك ذَلِكَ كُلَّهُ. وَهَذَا الْحُكْمُ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ قُرْبَةٍ مَشَى إلَيْهَا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: إلَّا الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ نُدِبَتْ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا وَالْمَشْيُ إلَيْهَا مِنْ الطَّرِيقِ الْأَقْصَرِ وَكَذَا إذَا خُشِيَ فَوْتُ الْجَمَاعَةِ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سَنَّ الذَّهَابِ فِي الْقَصِيرَةِ لَا يَنْفِي سَنَّ الرُّجُوعِ فِي الطَّوِيلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْقَاعِدَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَوْنِ الذَّهَابِ يَكُونُ فِي الْأَطْوَلِ لَا مِنْ نَدْبِ الذَّهَابِ فِي طَرِيقٍ وَالرُّجُوعِ فِي أُخْرَى فَإِنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ وَإِنْ ذَهَبَ فِي الْقَصِيرَةِ وَرَجَعَ فِي الطَّوِيلَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ.
(وَسُئِلَ) فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ هَلْ يَخْرُجُ غُسْلُ الْعِيدِ بِالزَّوَالِ كَصَلَاتِهِ وَهَلْ يُسَنُّ وَلَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ وَأَنَّهُ يُسَنُّ فِعْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ.
(وَسُئِلَ) - ﵁ - كَمْ أَيَّامُ عِيدِ الْفِطْرِ هَلْ هِيَ أَرْبَعَةٌ كَأَيَّامِ عِيدِ الْأَضْحَى؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: قَضِيَّةُ تَعْلِيلِ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ وُجُوبُ الصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِأَنَّ النَّاسَ يَمْتَنِعُونَ غَالِبًا عَنْ الْكَسْبِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَثَلَاثَةٍ بَعْدَهُ وَلَا يَجِدُ الْفَقِيرُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهَا لِأَنَّهَا أَيَّامُ سُرُورٍ وَرَاحَةٍ عَقِبَ الصَّوْمِ وَالصَّاعُ مَعَ مَا يُضَمُّ إلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ يَجِيءُ نَحْوَ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالِ خُبْزٍ أَنَّ الَّذِي تَتَابَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ بَطَالَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ كَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
(وَسُئِلَ) - ﵁ - سُؤَالًا.
[ ١ / ٢٧١ ]
صُورَتُهُ هَلْ صَائِمُ الدَّهْرِ يَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَيُمْسِكُ فِي الْأَضْحَى؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: عَلَّلَ الْأَصْحَابُ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا تَقْتَضِي ذَلِكَ وَالْأُخْرَى تَقْتَضِي الْأَكْلَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى قَبْلَ الصَّلَاةِ أَيْضًا وَالْمُتَّجِهُ الْأَوَّلُ وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ رِعَايَةً لِلْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ.
(وَسُئِلَ) - ﵁ - مَا مَعْنَى قَدْ تَصْلَى لَنَا الْعِيدَانُ فِي صَفَرٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: تَصْلَى بِمَعْنَى الِانْحِنَاءِ وَالتَّقْوِيمِ وَالتَّلْيِينِ مِنْ صَلَيْت الْعُودَ عَلَى النَّارِ وَالْعِيدَانُ جَمْعُ عُودٍ وَهُوَ آلَةُ اللَّهْوِ الْمَشْهُورَةُ. وَالصَّفَرُ صَفِيرُ الْقَصَبِ.
(وَسُئِلَ) - ﵁ - بِمَا لَفْظُهُ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ الْفَارِسِيَّةِ لِلسَّيِّدِ نُورِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ الْأَبَجِيِّ - ﵀ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ الثَّامِنِ مِنْ شَوَّالٍ عِيدًا وَلَا اعْتِقَادُهُ عِيدًا وَلَا إظْهَارُ شَيْءٍ مِنْ شِعَارِ الْعِيدِ فِيهِ فَهَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ أَوْ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ مَا يُؤَيِّدُهُ وَهَلْ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ الْكَثِيرِ فِيهِ كَمَا فِي الْعِيدِ إظْهَارٌ لِشِعَارِ الْعِيدِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَ لِهَذَا السَّيِّدِ سَلَفًا فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ. وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ بِصَحِيحٍ إلَّا فِي اعْتِقَادِ أَنَّهُ عِيدٌ وَضَعَهُ الشَّارِعُ كَمَا وَضَعَ عِيدَيْ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فَتَحْرِيمُ اعْتِقَادِ ذَلِكَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ عِيدًا أَوْ إظْهَارُ شِعَارِ الْعِيدِ فِيهِ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ نَعَمْ يَنْبَغِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَخِلَافُ الْأَوْلَى يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ حَمْلًا لِلْجَوَازِ عَلَى مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَلَعَلَّ السَّيِّدَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ مُخَالِفًا لِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ بِلَا مُسْتَنَدٍ.