(وَسُئِلَ) عَمَّنْ خَطَبَ امْرَأَةً وَأَجَابُوهُ فَأَعْطَاهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ يُسَمَّى الْجِهَازَ هَلْ تَمْلِكُهُ الْمَخْطُوبَةُ أَوْ لَا بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِنِيَّةِ الْخَاطِبِ الدَّافِعِ فَإِنْ دَفَعَ بِنِيَّةِ الْهَدِيَّةِ مَلَكَتْهُ الْمَخْطُوبَةُ أَوْ بِنِيَّةِ حُسْبَانِهِ مِنْ الْمَهْر حُسِبَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ بِهِ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ زَوَاجٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ تَمْلِكهُ وَيُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهَا.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى هَذَا الدَّنِّ مِنْ الْخَمْرِ فَإِذَا هُوَ خَلٌّ أَوْ عَلَى هَذَا الْحُرِّ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ أَوْ هَذِهِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا هِيَ مُذَكَّاةٌ مَا حُكْمُ الْعَقْدِ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ بَاطِلُ وَإِنْ قُلْتُمْ بِالصِّحَّةِ مَاذَا يَلْزَمُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْعَقْدُ صَحِيحٌ وَاللَّازِمُ لَهُ هُوَ الْخَلُّ وَالْعَبْد وَالْمُذَكَّاةُ لِلْقَاعِدَةِ عِنْدنَا أَنَّ الْإِشَارَة لِعَدَمِ تَطَرُّقِ الْخَطَإِ إلَيْهَا أَقْوَى مِنْ الْعِبَارَةِ الَّتِي قَدْ تُخْطِئُ وَقَدْ تُصِيبُ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْمُطَلَّقَةِ رَجْعِيًّا هَلْ تَجِبُ لَهَا مُتْعَةٌ حَالًا وَهَلْ تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الطَّلَاقِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا تَجِبُ حَالًا بَلْ إذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ وَلَمْ يُرَاجِعْهَا عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو شُكَيْل فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ وَالْبُسْتِيّ وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إنْ قُلْنَا بِسُقُوطِهَا بِالرَّجْعَةِ وَكَلَامُهُمْ يَأْبَاهُ فَالْوَجْهُ وُجُوبُهَا فَوْرًا مُطْلَقًا وَلَا تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الطَّلَاقِ كَمَا قَالَهُ الرَّاعِي وَالْبَدْر بْن شُهْبَةَ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ سَبَبَ إيجَابِهَا الْإِيحَاشُ وَالِابْتِذَالُ وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَة وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الثَّانِيَةَ مَثَلًا لَوْ كَانَتْ بَعْد مُرَاجَعَةٍ تَكَرَّرَتْ بِهَا الْمُتْعَةُ وَقَالَ الْقَاضِي بْنُ كَثِيرٍ تَتَعَدَّدُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِإِطْلَاقِهِمْ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْخَيَّاطِ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَأَبِي شُكَيْل وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ كَثُرَ كَلَامُ النَّاسِ فِي الْهَدِيَّةِ الَّتِي يُهْدِيهَا الْخَاطِبُ وَالزَّوْجُ لِأَهْلِ الْمَخْطُوبَةِ أَوْ الزَّوْجَةِ مِنْ الْقُمَاشِ وَالْمَطْعُومَاتِ وَغَيْرِهِمَا ثُمَّ يَحْصُلُ
[ ٤ / ١١١ ]
لَهُ رَدًّا وَمِنْهُ طَلَاقٌ قَبْلَ الْوَطْءِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي الرُّجُوعِ بِذَلِكَ مَعَ الْبَسْطِ فِيهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَوَاخِرِ بَابِ الصَّدَاقِ وَتَبِعُوهُ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى قَبْضِ مَالٍ فَقَالَ دَفَعْته صَدَاقًا وَقَالَتْ بَلْ هَدِيَّةً فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ تَلَفَّظَ وَاخْتَلَفَا هَلْ قَالَ خُذِي هَذَا صَدَاقًا أَمْ قَالَ هَدِيَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَفْظٌ وَاخْتَلَفَا فِيمَا نَوَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ أَيْضًا وَقِيلَ بِلَا يَمِينٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَوْ غَيْرِهِ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ وَقَعَ عَنْهُ وَإِلَّا فَإِنْ تَرَاضَيَا بِبَيْعِهِ بِالصَّدَاقِ فَذَاكَ وَإِلَّا اسْتَرَدَّ وَأَدَّى الصَّدَاقَ فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَهُ الْبَدَلُ عَلَيْهَا وَقَدْ يَقَعُ التَّقَاصُّ اهـ.
كَلَامُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَدَّى الصَّدَاقَ فَأَمَّا إذَا أَدَّاهُ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ دَفَعْته مِنْ الصَّدَاقِ وَلَا يُعْلَمُ حُكْمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ اهـ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُصَدَّقُ الدَّافِعُ فِي نِيَّتِهِ أَيْضًا أَخْذًا مِمَّا فِي الرَّوْضِ فِي الْقَرْضِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِكَيْفِيَّةِ إزَالَةِ يَدِهِ عَنْ مِلْكِهِ وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ عَقِبَ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ صُوَرٍ الْأُولَى أَنْ يَبْعَث بِهِ بَعْد الْعَقْدِ وَيُصَرِّح بِكَوْنِهِ هَدِيَّةَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّطَهُمْ عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهُوَ كَتَقْدِيمِ طَعَامٍ لِضَيْفٍ وَقَالَ كُلْهُ وَطَلَب مِنْهُ عِوَضَهُ لَا يَلْزَمُهُ لَهُ عِوَضٌ الثَّانِيَةُ أَنْ يُصَرِّحَ بِكَوْنِهِ مِنْ الصَّدَاقِ فَيَرْجِعُ قَطْعًا الثَّالِثَةُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ عَلَى صُورَةِ الْهَدِيَّةِ وَهُوَ سَاكِتٌ وَلَهُ حِينَئِذٍ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا أَنْ يَنْوِيَ الْهَدِيَّةَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الرُّجُوع ثَانِيهَا أَنْ يُطْلِقَ فَلَا يَحِلّ لَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا لِتَسْلِيطِهِ إيَّاهُمْ عَلَى الْأَكْلِ بِغَيْرِ نِيَّةِ عِوَضٍ ثَالِثُهَا أَنْ يَنْوِيَ جَعْلَهُ مِنْ الصَّدَاقِ.
فَلَهُ الرُّجُوعُ عَمَلًا بِنِيَّتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبْعُوثُ بِهِ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَمْ لَا كَالطَّعَامِ رَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْعَقْدِ وَبَعْدَ إجَابَةِ الْخِطْبَةِ فَيَبْعَثُ لَا عَلَى قَصْدِ الْهَدِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ بَلْ عَلَى قَصْدِ أَنْ يُزَوِّجُوهُ أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَبْعُوثُ مِنْ الصَّدَاقِ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فَإِذَا رُدَّتْ الْخِطْبَة أَوْ رَغِبَ عَنْهُمْ وَكَانَ الْبَعْثُ عَلَى نِيَّة شَرِيطَة أَنْ يُزَوِّجُوهُ أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَبْعُوثُ مِنْ الصَّدَاقِ فَالْوَجْهُ الرُّجُوعُ وَهُوَ مَا أَفْتَى بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ بْن رَزِين - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَفْتَى الْبَغَوِيّ أَنَّ الْأَبَ لَوْ خَطَبَ لِابْنِهِ امْرَأَةً وَأَهْدَى لَهَا هَدِيَّةً ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَتَّفِقْ تَزْوِيجٌ بِأَنَّ الْهَدِيَّةَ تَكُونُ تَرِكَةً لِلْأَبِ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْهَدِيَّةِ.
فَإِنْ صَرَّحَ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ نَوَى الْعِوَضِيَّةَ لِتَسْلِيطِهِمْ عَلَى الْإِتْلَافِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَوَقَعَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي التَّنْقِيحِ غَيْرَ مُنَقَّحَةٍ لِعَدَمِ اسْتِحْضَارِهِ لِكَلَامِ الرَّافِعِيِّ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْهَدِيَّةِ فَلِأَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَطِبْ بِهِ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُزَوِّجُوهُ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ نَظِيرَ هَذَا فِي كِتَاب اللِّعَانِ فَقَالَ لَوْ قَالَ الدَّلَّالُ لِغَيْرِ الْمَالِكِ أَنَّ الْبَائِعَ ظَلَمَهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أُجْرَةَ الدَّلَالَةِ فَارْتَغَمَ لَهُ الْأَجْنَبِيُّ وَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَكَانَ كَاذِبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِي دَعْوَاهُ عَدَمَ الْإِعْطَاءِ وَقَدْ قَالَ - ﷺ - «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ فَأَطْعِمُوهُ شَيْئًا حَيَاءً مِنْهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ قَالَ وَالْغَصْبُ نَوْعَانِ غَصْبُ اسْتِيلَاءٍ وَغَصْبُ اسْتِحْيَاءٍ فَغَصْبُ الِاسْتِيلَاءِ أَخْذُ الْأَمْوَالِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِيلَاءِ وَالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَغَصْب الِاسْتِحْيَاءِ هُوَ أَخْذُهُ بِنَوْعٍ مِنْ الْحَيَاءِ قَالَ وَهُمَا حَرَامَانِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْن الْإِكْرَاهِ عَلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ بِالسِّيَاطِ الظَّاهِرَةِ وَبَيْن أَخْذِهِ بِالسِّيَاطِ الْبَاطِنَةِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَر إنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ أَنَّهُ سَلَّمَ الْبَائِعَ ثَمَنًا حَرَامًا فَسَلَّمَهُ الْمَبِيعَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْله وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَهُ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ وَهُوَ لَمْ يُسَلِّمْ الْمَبِيعَ إلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ لَهُ حَلَالٌ، وَكَذَا لَوْ أَظْهَرَ شَخْصٌ الْفَقْرَ وَأَخْفَى الْغَنَاءَ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ فَقْرِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَاسْتُدِلَّ لَهُ «بِأَنَّ فَقِيرًا مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ مَعَهُ دِينَارٌ فَقَالَ كَيَّةٌ مِنْ نَارٍ وَمَاتَ آخَرَ مِنْهُمْ وَخَلَفَ دِينَارَيْنِ فَقَالَ - ﷺ - كَيَّتَانِ مِنْ نَارٍ» وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ النَّارَ لِأَنَّهُ أَخْفَى
[ ٤ / ١١٢ ]
الْغِنَاءَ وَأَظْهَرَ الْفَقْرَ وَقَعَدَ يَأْكُلُ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ أَعْطَى مُكَاتَبٌ سَيِّدَهُ النُّجُومَ فَقَالَ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ فَقَدْ أَعْتَقْتُك ثُمَّ وَجَدَ النُّجُومَ أَوْ بَعْضَهَا زُيُوفًا فَإِنَّهُ يَرْتَدُّ الْعِتْقُ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَسْمَحْ بِعِتْقِهِ إلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ سَلِيمَةٌ وَهَذَا نَظِير مَا إذَا أُوقِعَ الطَّلَاقُ عَلَى ظَنِّ وُقُوعِهِ لِفَتْوَى مِنْ مُقَلِّدٍ ثُمَّ بَانَ خَطَأُ الْمُفْتِي فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَفِي كُلِّ مَحَلٍّ أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ فِيهِ شَيْء عَلَى قَصْدِ تَحْصِيلِ غَرَضٍ أَوْ عِوَضٍ فَلَمْ يَحْصُلْ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ أَكْله فَعَلَى هَذَا إذَا خَطَبَ امْرَأَةً فَأَجَابُوهُ فَبَعَثَ شَيْئًا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِهِ هَدِيَّةً وَقَصَدَ إبَاحَتَهُ عَلَى قَصْدِ أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَإِذَا لَمْ يُزَوِّجُوهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ.
وَمَنْ أَفْتَى بِالرُّجُوعِ مُطْلَقًا لَمْ يُصِبْ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا لَوْ أَهْدَى الْمَدِينُ لِدَائِنِهِ شَيْئًا وَصَرَّحَ بِالْهَدِيَّةِ فَلَا يُحْسَبُ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنْ قَالَ قَصَدْت الْعِوَضِيَّةَ صَدَقَ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَلَهُ حُسْبَانُهُ مِنْ الدَّيْن نَظِيرَ مَا مَرَّ ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ بَعَثَ إلَى مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ بَعَثْته بِعِوَضٍ وَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ وَهَذَا الْفَرْعُ دَائِرٌ بَيْن مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ وَالْخِطْبَةِ فَالْفُرُوعُ حِينَئِذٍ ثَلَاثٌ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَبْعَث لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَصَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَبْعَثَ لِمَنْ وَعَدَهُ بِوَعْدٍ بِنَاءً عَلَى أَنْ يُنْجِزَهُ لَهُ كَالْخِطْبَةِ وَكَمَنْ وَعَدَ إنْسَانًا بِأَنْ يَسْعَى لَهُ فِي تَحْصِيلِ شُغْلٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ فَفِيهِ مَا سَبَقَ
الثَّالِثُ: أَنْ يُهْدِيَ لِمَنْ لَا وَعْدَ عِنْدُهُ وَلَا دَيْنَ فَلَا يَلْزَمُ الْمَبْعُوثَ إلَيْهِ غَرَامَةُ شَيْءٍ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّك لَمْ تَشْتَرِطْ عَلَيَّ عِوَضًا مَعَ الرَّسُولِ وَأَمَّا إذَا قَالَ نَوَيْت أَخْذَ الْعِوَضِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يُثِيبَهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي نِيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبُ الْإِثَابَةُ كَمَا لَمْ تَجِبُ الْهَدِيَّةُ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ وَلَيْسَ لَهُ هَا هُنَا قَرِينَةٌ تَنْزِلُ عَلَيْهَا دَعْوَى الْعِوَضِيَّةِ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الدَّرَاهِمُ الَّتِي تُرْمَى فِي النُّقُوطِ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَمْلَاكِ وَالْأَصَارِيفِ الَّتِي تُعْمَلُ لِلصَّبِيِّ عِنْد خَتْمِهِ الْقُرْآن وَغَيْرُ ذَلِكَ فَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَهَا عَلَى قَصْدِ الْمُكَافَأَةِ بِمِثْلِهَا حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَدَّعِي بِهَا وَيَطْلُبُهَا بَعْد الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَاَلَّتِي يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الرُّجُوعُ لِأَنَّ دَفْعَ الدَّرَاهِمِ لَهُمْ عَلَى صُورَةِ الْهِبَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَعَلَى الْإِذْن فِي الْقَبْضِ فَهِيَ إمَّا هِبَةٌ فَاسِدَةٌ أَوْ قَرْضٌ فَاسِدٌ.
فَعَلَى هَذَا إنْ دَفَعَهَا لِلْمَالِكِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَإِنْ دَفَعَهَا لِنَحْوِ الْخَاتِنِ رَجَعَ عَلَيْهِ عِنْد قَصْدِ الْعِوَضِيَّةِ مَا لَمْ يَأْذَنْ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَوَجْهُ الرُّجُوعِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا قَصْدُ تَصَدُّقٍ وَلَا إبَاحَةٍ بَلْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ بِالْمُكَافَأَةِ وَهِيَ إلَى الْقَرْضِ الْفَاسِدِ أَقْرَبُ وَإِلَى الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ أَبْعَدُ لِقَصْدِ الْعِوَضِيَّةِ وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إطْعَامُ الْمُضْطَرِّ إذَا وَصَلَ إلَى أَدْنَى رَمَقٍ وَكِسْوَةُ الْعَارِي وَإِطْعَامُ الْجَائِعِ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ فَيَرْجِعُ وَكَذَا إذَا دَادَى الْوَلِيُّ الصَّغِيرَ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْد إرَادَة الرُّجُوعِ لِعَوْدِ النَّفْعِ إلَيْهِ وَلَيْسَ مِمَّا سَبَقَ مَنْ أَهْدَى لِقَوْمٍ هَدِيَّةً عَلَى قَصْد التَّوَدُّدِ إلَيْهِمْ لِيُجِيبُوا خِطْبَتَهُ فَلَمْ يُجِيبُوهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ جَرَيَانِ السَّبَب وَهُوَ الْمُفَرِّطُ اهـ كَلَامُ ابْنِ الْعِمَادَ لَكِنْ مَعَ بَعْضِ زِيَادَةٍ وَإِصْلَاحٍ وَقَعَ ذَلِكَ فِي أَثْنَائِهِ وَأَطْلَقَ فِي مَنْظُومَتِهِ الرَّدَّ فَقَالَ
وَخَاطِبٌ لِمَرْأَةٍ خَلِيَّهْ أَهْدَى لَهَا كِسْوَتَهَا الْوَفِيَّهْ
وَآلَةُ الطَّبْخِ مَعَ الْقُلْقَاسِ كَمَا جَرَى مِنْ عَادَةِ الْأَكْيَاسِ
إنْ رُدَّتْ الْخِطْبَةُ قَبْلَ الْوَصْلَةِ رُدَّ الَّذِي قَدْ قَبَضَتْ بِالْجُمْلَةِ
قَبْل الْمَمَاتِ وَبَعْدَهُ فِيهِ نَظَر فِي مَوْتِهَا مِنْ قَبْلِ رَدٍّ لِي خَطَر
إلْحَاقُهَا بِنَاكِحِ التَّفْوِيضِ إنْ قُرِّرَ الْمَهْرُ فَخُذْ قَرِيضِي
وَاَلَّذِي يُتَّجَه أَنَّا حَيْثُ أَوْجَبْنَا لَهُ الرُّجُوعَ لَا فَرْقَ بَيْن مَوْتِهَا وَعَدَمِهِ ثُمَّ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ مِنْ عَوْدِ الْهَدِيَّةِ إلَى مِلْكِ الْأَبِ حَتَّى تُجْعَلَ تَرِكَةً لَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا خَتَنَ الْوَلِيُّ الطِّفْلَ فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ هَلْ تَكُونُ مِلْكًا لِلِابْنِ أَوْ مِلْكًا لِلْأَبِ.
فَاَلَّذِي قَالَهُ
[ ٤ / ١١٣ ]
الْبَغَوِيّ إنَّهَا تَكُونُ مِلْكًا لِلِابْنِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاق وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ عَنْهُ إنَّهَا تَكُونُ مِلْكًا لِلْأَبِ لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الْأَبَ دُون الِابْنِ فَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ كَمَا لَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ شَيْئًا ثُمَّ طَلَّقَ الِابْنُ قَبْل الدُّخُولِ فَإِنَّهُ يُرْجِعُ الشَّطْرَ إلَى الِابْنِ لِأَنَّا نُقَدِّرُ دُخُولَهُ فِي مِلْكِهِ حَالَةَ الْإِصْدَاقِ فَكَذَلِكَ يُقَدَّرُ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ حَالَةَ الْهَدِيَّةِ لِأَجْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ الْبَالِغِ أَوْ عَنْ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِلْمُعْطِي، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.