(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الْغَنَائِمِ الَّتِي لَا تُقَسَّمُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ كَغَنَائِمِ هَذَا الزَّمَانِ هَلْ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا لِلْغَانِمِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ أَمْ لَا وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَمَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا فِي هَذَا الْعَصْرِ الْمَأْيُوس مِنْ الْإِمَامِ الْعَادِلِ أَوْ مِنْ الْإِنْصَافِ وَمَا الْمَصْلَحَةُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا وَهَلْ فِي الْأَئِمَّةِ مَنْ جَوَّزَهُ بِغَيْرِ تَخْمِيسٍ وَلَا قِسْمَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَمَا الْحُكْمُ فِيمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ وَالرَّعَايَا الْمُسْلِمِينَ فِي مَرَاكِبَ يَصْرِفُونَ لَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِاسْتِئْجَارِ الْعَسَاكِرِ وَتَهْيِئَةِ الْعَدَدِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْآنَ فِي أَرْضِ مَلِيبَارَ هَلْ يَكُونُ غَنِيمَةً كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ لِصَارِفِ الْمَالِ فِيهِ حَقٌّ أَوْ لَا وَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَمَا الْحُكْمُ فِيهِ فَهَلْ يَمْلِكُهُ الْآخِذُ أَوْ الصَّارِفُ لِلْمَالِ أَوْ غَيْرُهُمَا وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ امْرَأَةٌ فَمَنْ الَّذِي يُزَوِّجُهَا الْقَاضِي أَوْ أَحَدُ الْآخِذِينَ أَوْ لَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَتَخْمِيسِهَا الْإِمَام أَوْ نَائِبُهُ أَوْ الْقَاضِي أَوْ يَكْفِي الْغَانِمُونَ وَحْدَهُمْ أَوْ عَدْلٌ آخَرُ فَصِّلُوا لَنَا تَفْصِيلًا تَامًّا وَاشْرَحُوا مُزِيلًا لِلْإِشْكَالِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى فِي قُطْرِ مَلِيبَارَ فِي هَذَا الزَّمَنِ جَزَاكُمْ اللَّهُ ﷾ خَيْرًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْغَنِيمَةُ مَالٌ أَوْ اخْتِصَاصٌ أُخِذَ مِنْ حَرْبِيِّينَ بِقِتَالٍ أَوْ إيجَافِ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ أَوْ نَحْوهمَا كَالسُّفُنِ سَوَاءٌ أُخِذَ حَالَ الْقِتَالِ أَوْ بَعْدَ انْهِزَامِهِمْ عَنْهُ وَلَوْ قَبْلَ شَهْرِ السِّلَاحِ حِينَ الْتَقَى الصَّفَّانِ وَمِنْهَا مَا صَالَحُونَا عَلَيْهِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَمَا أُخِذَ بِنَحْوِ سَرِقَةٍ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ دَارَ الْحَرْبِ فَسَرَقَ أَوْ اخْتَلَسَ أَوْ الْتَقَطَ مِنْ مَالِهِمْ فَهُوَ غَنِيمَةٌ مُخَمَّسَةٌ لَا يَخْتَصُّ
[ ٤ / ٧٣ ]
بِهِ الْآخِذُ تَنْزِيلًا لِدُخُولِهِ دَارِهِمْ وَتَغْرِيرِهِ بِنَفْسِهِ مَنْزِلَةَ الْقِتَالِ وَإِنْ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ ثُمَّ جَحَدَ أَوْ هَرَبَ اُخْتُصَّ بِهِ وَلَمْ يُخَمَّسْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَقَوْلُهُمْ دَخَلَ دَارَهُمْ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَلَوْ أَخَذَ مِنْ مَالِهِمْ فِي دَارِنَا وَلَا أَمَانَ لَهُمْ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخَانِ وَمَنْ قَهَرَ مِنَّا حَرْبِيًّا وَأَخَذَ مَالَهُ كَانَ غَنِيمَةً مُخَمَّسَةً فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ الْآخِذُ وَلَوْ قَدَّمَ كَافِرٌ هَدِيَّةً إلَى الْإِمَام أَوْ غَيْرِهِ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ كَانَ غَنِيمَةً مُخَمَّسَةً لِأَنَّهُ فَعَلَهُ خَوْفًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَهَا إلَيْهِ وَالْحَرْبُ غَيْرُ قَائِمَةٍ فَإِنَّهَا تَكُونُ لَهُ اهـ.
وَفِي الْمَأْخُوذِ عَلَى صُورَةِ السَّرِقَةِ وَالِاخْتِلَاسِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ الْآخِذُ قَالَ الشَّيْخَانِ وَلْيَكُنْ هَذَا الْوَجْهُ مَخْصُوصًا بِمَا إذَا دَخَلَ وَاحِدٌ أَوْ نَفَرٌ يَسِيرٌ دَارَ الْحَرْبِ وَأَخَذُوا فَأَمَّا إذَا أَخَذَ بَعْضُ الْجَيْشِ بِسَرِقَةٍ وَاخْتِلَاسٍ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ غُلُولًا ثُمَّ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ أَنَّهَا تُخَمَّسُ فَخُمُسُهَا لِخَمْسَةٍ أَحَدُهَا
الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ
كَسَدِّ الثُّغُورِ وَعِمَارَةِ الْحُصُونِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كُلِّ ذِي نَفْعٍ عَامٍّ يَعُودُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ وَالْأَهَمُّ مُطْلَقًا هُوَ سَدُّ الثُّغُورِ وَالثَّانِي بَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلَبِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ كَالْإِرْثِ وَيَعُمُّهُمْ وُجُوبًا إلَّا إنْ قَلَّ بِحَيْثُ لَا يَسُدُّ مَسَدًّا بِالتَّوْزِيعِ فَيُقَدِّمَ الْأَحْوَجَ فَالْأَحْوَجِ وَيَخُصُّ أَهْلَ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِمَا فِيهَا. نَعَمْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْقُلَ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَنْقُولِ إلَيْهِمْ وَغَيْرِهِمْ الثَّالِثُ الْيَتَامَى وَهُمْ كُلُّ صَغِيرٍ لَا أَبَ لَهُ وَيَجِبُ تَعْمِيمُهُمْ لَا التَّسْوِيَةُ بَيْنهمْ وَيُشْتَرَطُ فَقْرُهُمْ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ الْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ يَسْتَحِقُّونَ الْخُمُسَ أَخْمَاسًا وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسُ الْبَاقِيَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَهِيَ لِلْغَانِمِينَ لِلْآيَةِ وَلِفِعْلِهِ - ﷺ - لِذَلِكَ فِي أَرْضِ خَيْبَرٍ وَلِمَا صَحَّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ لِلَّهِ خُمُسُهَا وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْجَيْشِ فَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَحَدٍ.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْغَانِمِينَ التَّصَرُّفُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قِسْمَتِهَا لِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْن أَهْلِ الْخُمُسِ الْمَذْكُورِينَ وَالشَّرِيكُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمُشْتَرَكِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَإِذْنُ هَؤُلَاءِ مُتَعَذِّرٌ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي تَوَقُّفِ تَصَرُّفِ الْغَانِمِينَ عَلَى الْقِسْمَةِ بَيْن أَنْ يَكُونَ الْإِمَام عَادِلًا أَوْ جَائِرًا فَيَجِبُ رَفْعُ الْأَمْرِ فِي الْغَنَائِمِ إلَيْهِ أَوْ إلَى أَحَدٍ مِنْ نُوَّابِهِ الَّذِينَ لَهُمْ وِلَايَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ أَوْ الْخُصُوصِ لِيَتَوَلَّى قِسْمَتَهَا بَيْن الْغَانِمِينَ وَأَهْلِ الْخُمُسِ إذْ لَا يَجُوزُ لِلْغَانِمِينَ الِاسْتِبْدَادُ بِالْغَنِيمَةِ لِأَنَّ الشَّرِيكَ لَا يَسْتَبِدُّ بِقِسْمَةِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُقَاسِمَهُ شَرِيكُهُ إنْ تَأَهَّلَ وَإِلَّا قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ فِي الْقِسْمَةِ وَالشُّرَكَاءُ هُنَا لَا يُمْكِنُ مُقَاسَمَتُهُمْ لِمَا مَرَّ فَيَنُوبُ الْإِمَام عَنْهُمْ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّفْرِقَةِ عَلَيْهِمْ لَهُ أَوْ لِنَائِبِهِ الَّذِي فَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ نَعَمْ لِمَنْ ظَفِرَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْخُمُسِ الَّذِي لِلْخَمْسَةِ السَّابِقِينَ وَخَشِيَ اسْتِيلَاءَ الْإِمَام أَوْ أَحَدٍ مِنْ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يُوصِلَهُ لِمُسْتَحِقِّيهِ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ إنْ كَانَ يُحْسِنُ قِسْمَتَهُ عَلَى مُسْتَحَقِّيهِ شَرْعًا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَهُ إذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا أَنْ يَأْخُذَ مَا يَحْتَاجُهُ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ قِسْمَتَهُ دَفَعَهُ إلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ لِيَتَوَلَّى قِسْمَتَهُ عَلَى مُسْتَحَقِّيهِ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَيْضًا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ أَهْلِ الْخُمُسِ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَا يَسَعُ أَحَدًا مُخَالَفَةُ ذَلِكَ.
وَأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ فِي الْمَرَاكِبِ الْمَذْكُورَةِ غَنِيمَةٌ مُخَمَّسَةٌ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْآخِذُونَ بَلْ يَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُمْ وَخُمُسُهُ لِلْخَمْسَةِ السَّابِقِينَ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَوْجُودَةَ فِيهِ تَكُونُ رَقِيقَةً فَيَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ وَخُمُسُهَا لِلْخَمْسَةِ الْمَذْكُورِينَ وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا مَا دَامَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ مُلَّاكِهَا مَنْ لَا يُمْكِنُ إذْنُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ انْتَقَلَتْ إلَى مِلْكِ أَحَدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ فَإِنَّهُ هُوَ أَوْ وَلِيُّهُ يُزَوِّجُهَا أَوْ إلَى بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُزَوِّجُهَا وَأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ السَّابِقِ وَمِنْهُ الْقَاضِي إنْ شَمِلَتْ تَوْلِيَتُهُ ذَلِكَ نَصًّا أَوْ عُرْفًا كَأَنْ يُقَالُ لَهُ عَلَى عَادَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ وَتَكُونُ عَادَةُ مَنْ تَقَدَّمَهُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ الْغَنَائِمِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْإِيجَافِ فِيمَا مَرَّ إنَّمَا سَلَكُوهُ تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْآيَةِ وَإِلَّا فَمَفْهُومُهُ وَمَنْطُوقُهُ غَيْرُ مُرَادٍ إذْ لَوْ جَلَوْا
[ ٤ / ٧٤ ]
عَنْ مَالٍ خَوْفًا بِسَبَبِ حُصُولِ خَيْلِنَا وَرِكَابِنَا وَضَرْبِ مُعَسْكَرِنَا بِدَارِهِمْ كَانَ فَيْئًا لَا غَنِيمَةً مَعَ وُجُودِ الْإِيجَافِ وَلَا فَرْقَ فِيمَا مَرَّ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ جِهَادٌ وَغَيْرُهُ فَلَوْ غَزَا نَحْوُ صِبْيَانٍ أَوْ عَبِيدٍ كَانَ لَهُمْ مِمَّا غَنِمُوهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بِحَسَبِ نَفْعِهِمْ وَيَتْبَعُهُمْ صِغَارُ السَّبْيِ فِي الْإِسْلَامِ هَذَا إنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمْ كَامِلٌ وَإِلَّا كَانَتْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لَهُ وَرُضِخَ لَهُمْ وَمَا حَصَّلَهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِقِتَالٍ أَوْ نَحْوِ سَرِقَةٍ اخْتَصُّوا بِهِ فَلَا يُخَمَّسُ عَلَيْهِمْ بَلْ يَفُوزُونَ بِجَمِيعِهِ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مَا اعْتَمَدَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حِلِّ وَطْء السَّرَارِي اللَّاتِي يُجْلَبْنَ الْيَوْمَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ جَالِبَهُنَّ مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ مُسْلِمٌ حَتَّى يَكُونَ خُمُسُهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ فَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا بَلْ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ جَالِبَهَا ذِمِّيٌّ فَلَا تُخَمَّسُ عَلَيْهِ بَلْ يَمْلِكُهَا جَمِيعًا وَيَحِلُّ لَهُ وَلِمَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ وَطْؤُهَا وَإِذَا اُحْتُمِلَ وَاحْتُمِلَ فَالْأَصْلُ الْحِلُّ وَأَيْضًا فَجَلْبُ الْمُسْلِمِ مَانِعٌ مِنْ حِلِّ الْوَطْءِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَانِعِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ ثُبُوتُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ جَالِبِهَا مُسْلِمًا حُرْمَتُهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَخَذَهَا بِسَوْمٍ وَهَرَبَ وَمَنْ كَانَتْ كَذَلِكَ يَحِلُّ وَطْؤُهَا لِمَا مَرَّ أَنَّ الْأَخْذَ كَذَلِكَ لَا تَخْمِيسَ عَلَى فَاعِلِهِ هَذَا مَا تَلَخَّصَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ الِاشْتِغَالِ وَشُغْلِ الْبَالِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ تَحْتَمِلُ مِنْ الْبَسْطِ أَزْيَدَ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ لَكِنْ لَعَلَّ فِيهِ وَفَاءً بِمَقْصُودِ السَّائِلِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَإِلَّا فَبَابُ تَجْدِيدِ السُّؤَالِ مَفْتُوحٌ وَإِنْ شَطَّ الْمَزَارُ وَبَعُدَتْ الدِّيَارُ فَإِنَّ مَنْ اعْتَنَى بِمَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ نَفْعٌ بَذَلَ جُهْدَهُ فِي تَحْصِيلِهِ حَتَّى يُسَهِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ حُصُولَهُ أَوْ حُصُولَ شَيْءٍ مِنْهُ بِحَسَبِ بَذْلِ هِمَّتِهِ وَصَفَاءِ طَوِيَّتِهِ وَكَمَالِ قَابِلِيَّتِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ ذِمِّيٍّ خَلَّفَ وَرَثَةً لَا يَسْتَغْرِقُونَ تَرِكَتَهُ فَهَلْ الْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ مُطْلَقًا أَوْ إنْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لِنَائِبِ بَيْتِ الْمَالِ أَخْذَهُ مِنْ غَيْرِ تَرَافُعٍ وَنَقَلَهُ عَنْ السُّبْكِيّ فِي كِتَابِهِ كَشْفُ الْغُمَّةِ فِي تَوْرِيثِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا نُقِلَ عَنْ السُّبْكِيّ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لِي الْآن الْوُقُوفُ عَلَيْهِ لِلِاشْتِغَالِ بِالْمَوْسِمِ وَعَوَارِضِهِ وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِي بَابِ الْفَيْءِ مُصَرَّحٌ بِهِ فَإِنَّهُمْ عَدُّوا مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ مَالَ الذِّمِّيِّ الْمَذْكُورِ وَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَى مُرَافَعَةٍ لَمْ يَتِمَّ لَهُمْ عَدُّهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِشَرْطِهَا فَإِطْلَاقُهُمْ عَدّه مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمُرَافَعَةٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عَلَى أَنَّ اشْتِرَاطَهَا هُنَا لَا مَعْنَى لَهُ وَقَدْ أَشَارَ الزَّرْكَشِيُّ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يُجْرَى فِي إرْثِ الذِّمِّيِّ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ أَيْ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنهمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ يَنْتَقِلُ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ إرْثًا وَالذِّمِّيُّ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ يَنْتَقِلُ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا وَالتَّغَايُرُ بَيْنهمَا ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.