والأيمان نوعان: يمين تقع في خصومة، ويمين لا تقع في خصومة.
فاليمين التي تقع في الخصومة نوعان ١: يمين دفع، وهي يمين المنكر، ويمين استحقاق، وهي خمسة ٢: اللعان٣، والقسامة، واليمين /٤ في الأموال الخاصة، والنكول وردّ اليمين في جميع الدعاوى، وهل طريقه طرق الإقرار أم البيِّنة؟ على قولين٥.
والخامس: اليمين مع الشاهدين في سبع مسائل٦: في الرّد بالعيب، ودعوى البكر الناشز العِنَّة، وفي الجراح على كل عضو باطن، ودعوى الإعسار، وعلى الغائب، وعلى الميّت، وأن يقول لامرأته: "أنت طالق أمس"، ثم قال: "أردت أنها كانت مطلّقة من غيري" فإنه يقيم الشهود في هذه المسائل ويحلف معها.
وأما اليمين في غير الخصومة فثلاث ٧:
_________________
(١) ١ مختصر قواعد الزركشي ٨٣٢. ٢ مختصر المزني ٤١٨، الحاوي ١٧/١٢٣، المنثور ٣/٣٨١، تحرير التنقيح ١٢٣، حاشية الشرقاوي ٢/٤٧٥. ٣ من قوله: (خمسة إلى على قولين) كُرِّر في (أ) . ٤ نهاية لـ (٢٨) من (ب) . ٥ أظهرهما: الأول. وانظر: فتح العزيز ١٠/٤٤٧، أدب القضاء لابن أبي الدم ٢٢٩، المنثور ٣/٢٨٣. ٦ التنقيح ٢٠٢/ أ، تحفة الطلاب ٢/٤٧٥، ٤٧٦، مغني المحتاج ٤/٤٦٧. ٧ الأم ٧/٦٦، التنبيه ١٩٣، الحلية ٧/٢٤٣.
[ ٤٠١ ]
أحدها: يمين لغو، وهو قول الرجل: "لا والله، وبلى والله"، لا يقصد به اليمين.
والثانية: يمين المُكرَه.
وهما لا ينعقدان.
والثالثة: اليمين المعقودة، وهي نوعان: على مستقبل، أو على ماض، فإن حلف على ماض فاجرا؛ فذلك اليمين الغموس١.
والأيمان خمس ٢:
أحدها: أن يحلف بالله – تعالى – أو بصفة من صفاته أو باسم من أسمائه.
والثانية: الطلاق.
والثالثة: العتاق.
والرابعة: نذر العبادات٣، وفيه قول آخر٤: أنه ليس بيمين.
والخامسة: نذر إخراج الأموال٥.
_________________
(١) ١ الإإقناع لابن المنذر ١/٢٧٦، شرح السنة ١٠/١٢. ٢ الأم ٢/٢٧٨، ٢٧٩، الإقناع للماوردي ١٨٨، ١٨٩، المهذب ٢/١٢٩، تحرير التنقيح ١٢٣. ٣ وهو المعروف بنذر اللَّجاج والغضب، أو: يمين الألأَّجاج والغضب، كأن يقول: "إن كلّمت فلانا فالله عليَّ صوم ثلاثة أيام، أو حج" أو نحو ذلك، فإن كلّمه فإنه يلزمه الوفاء بما التزم به على أشهر الأقوال، والقول الثاني: يلزمه كفارة يمين، والثالث: يتخيّر بينهما. وانظر: الحلية ٣/٣٣٦، الروضة ٣/٢٩٤، مغني المحتاج ٤/٣٥٦. ٤ انظر الحاشية السابقة ومراجعها. ٥ انظر: المصادر السابقة، وكفاية الأخيار ٢/١٥٣.
[ ٤٠٢ ]
وحروف القسم أربعة: الألف١، والباء، والتاء، والواو، فيقول: آالله، وبالله، وتالله، ووالله٢.
وألفاظ اليمين ثلاثة ٣، أن يقول: أقسم بالله، وأشهد بالله، وأعزم بالله، فإن لم يذكر (الله) فليس بيمين.
وينقطع حكم اليمين بخمسة أشياء ٤: البر، والحِنث، والاستثناء المتصل، واستحالة البر مثل أن يقول: "والله لأشرب ماء هذا الكوز" فانصب الماء، وانحلال اليمين.
ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليُكفّر٥، فإن قدّم الكفارة جاز إلا الصوم٦.
وإن حلف لا يتزوج على امرأته فتزوّج وهي في عدّة منه رجعية حنِث، وإن قال: "أتزوج عليها" فتزوج وهي في عدة منه رجعية٧ كان بارًّا٨.
_________________
(١) ١ الصحيح أن (الألف) ليست من حروف القسم، وإنما هي كناية، فلو قال: "آالله" مع مدّ الألف أو عدمه فهو كناية إن نوى به الله فهو يمين وإلا فلا، وانظر: الروضة ١١/٧، مغني المحتاج ٤/٣٢٢، فتح المنان ٤٤٨. ٢ المصادر السابقة. ٣ المهذب ٢/١٣١، شرح السنة ١٠/٥. ٤ التنقيح ٢٠٢/ أ، تحفة الطلاب ٢/٤٨٠. ٥ الأم ٧/٦٦، التنبيه ١٩٩، عمدة السالك ١٨٦. ٦ هذا الصحيح المشهور، وفيه وجه وقول قديم: أنه يجوز، وانظر المصادر السابقة، والروضة ١١/١٧. ٧ من قوله: (حنث إلى رجعيّة): أسقط من (ب) . ٨ جواهر العقود ٢/٣٢١.
[ ٤٠٣ ]
ولو حلف أن لا يسكن، أو لا يركب، أو لا يلبس فإن خرج، أو ترك، أو نَزَعَ١ مكانه، وإلا حنث٢.
ولو قال /٣: "لا آكل هذه التمرة، ولا أخرجها، ولا أمسكها" أكل بعضها٤.
وإن قال: "لا آكل هذه التمرة" فاختلطت بتمر كثير فأكله إلا تمرة لم يحنث حتى يتيقّن أنه أكلها، والورع أنه يحنث نفسه٥.
ولو حلف لا يأكل حنطة فأكل دقيقا أو سويقا، أو لا يأكل لحما فأكل ألْيَة٦، أو شحما، أو لحما غير لحم النّعم من الصيود والطيور، ولا يأكل رطبا فأكل تمرا، أو لا يأكل لبنا فأكل زبدا أو جبنا، أو لا يشرب سويقا فأكله، أو لا يأكل خبزا فشربه، أو لا يشرب شيئا فذاقه، أو لا يكلّم فلانا وسلَّم على قوم المحلوف عليه فيهم ولم يَنْوِه، أو كتب إليه كتابا، أو أرسل إليه رسولا، أو لا يأكل رأسا فأكل غير رأس النّعم٧ لم يحنث في هذا كلّه٨.
_________________
(١) ١ أي: نزع الثوب. ٢ المهذب ٢/١٣٢. ٣ نهاية لـ (٧٠) من (أ) . ٤ جواهر العقود ٢/٣٢١. ٥ فتح الوهاب ٢/٢٠١، مغني المحتاج ٤/٣٤٣. ٦ الأَلْية: عجيزة الشاة؛ جمعها: أليات. اللسان ١٤/٤٢. ٧ في (أ) (فأكل رأس الغنم) . ٨ مختصر المزني ٤٠١، ٤٠٢، الإقناع للماوردي ١٩٠، ١٩١، التنبيه ١٩٦، الغاية القصوى ٢/٩٩٧، جواهر العقود ٢/٣٢٦، ٣٢٩.
[ ٤٠٤ ]
باب النذور
النّذر١: ما يُقصَد به التقرّب إلى الله تعالى.
وهو على ثلاثة أنواع: محظور، ومباح، ومستحب.
فإن نذر محظورا لم يلزم٢، مثل أن يقول: "أصلي وأنا مُحدِث"، أو "أصوم وأنا حائض"، أو "أنحر ابني"، أو "أحرق مالي" وما شابه ذلك.
وأما المباح فهو في معنى المحظور٣، وهو أن يقول: "ألبس ثوبا حسنا"، أو "آكل طعاما طيّبا" وما شابه ذلك.
وأما المستحب فلازم٤، مثل أن يقول: "أحج، أو أعتمر، أو أصوم، أو أصلي".
فإن نذر الحجّ في سنة بعينها فحصره العدو فلا قضاء عليه٥، فإن كان ذلك من مرض أو إضلال طريق٦، أو نسيان، أو توانٍ٧؛ قضاه٨.
ولو نذر صوم سنة بعينها صامها إلا رمضان، والأيام المنهي عن صيامها، ولا قضاء عليه٩.
_________________
(١) ١ كفاية الأخيار ٢/١٥٥. ٢ الأم ٢/٢٧٩، الإقناع لابن المنذر ١/٢٧٨. ٣ الحاوي ١٥/٤٦٥، القلائد ٢/٤١٠. ٤ الإقناع للماوردي ١٩٢، المجموع ٩/٤٥٣، فتح المنان ٤٥٣. ٥ في الأظهر. ٦ في (أ) (أو ضلّ الطريق) . ٧ أي: عدم اهتمام. ٨ على الصحيح من المذهب. وانظر: الروضة ٣/٣٢١، ٣٢٢، أسنى المطالب ١/٥٨٥، ٥٨٦، مغني المحتاج ٤/٣٦٤، ٣٦٥. ٩ التنبيه ٨٥، عمدة السالك ١١١.
[ ٤٠٥ ]
وإن قال: "أصوم يوم يقدم فلان"، ففيه قولان ١:
أحدهما: لا يصح نذره؛ لأنه لا يمكنه الوفاء به.
والثاني: يصح نذره، فإن قدم ليلا؛ انحل نذره٢، وإن قدم نهارا؛ قضاه.
فإن قال: "أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدا٣"، فقدم يوم الإثنين، صام كل يوم اثنين يستقبله٤ إلا ما ذكرنا، وفي قضائه قولان ٥.
باب أدب القاضي
والمستحب للقاضي أن لا يقعد في المسجد، وأن لا يكون له حجابا، ويقعد ساكن الجأش٦ من كل شيء، ولا يمتنع من شهود الجنائز، وعيادة المرضى، ويأتي مَقْدَمَ٧ الغائب، ويحضر الولائم كلها أو يتأخر عن جميعها، ولا بأس أن يقول للخصمين: تكلّما، أو يسكت حتى يبتدئ أحدهما، ولا يُقدِّم رجلا جاء قبل رجل، ولا يستمع في مجلس إلا في حكم واحد، وإن بان٨ له من أحد الخصمين
_________________
(١) ١ أصحهما: الثاني. وانظر الفروق للجرجاني ١١٢، الحلية ٣/٣٤٤. ٢ ولا صوم عليه. (أبدا): أسقطت من (ب) . ٤ تحرير التنقيح ١٢٥. ٥ أصحهما: لا يقضيه. وانظر: الحلية ٣/٣٤٣، الروضة ٣/٣١٦، الغاية القصوى ٢/١٠٠٣. ٦ الجأش: النفس، وقيل: القلب. وانظر: اللسان ٦/٢٦٩ (جأش) . ٧ وقت قدومه ومجيئه. ٨ في (أ) (كان) .
[ ٤٠٦ ]
لَدَدًا١ نهاه، فإن عاد زَبَرَه٢ وعزَّرَه٣، ويشاور العلماء الأمناء٤ ولا يقلِّد غيره٥.
وهل يحكم بعلمه؟ على قولين ٦:
فإن بان له خطأ نقض حكمه، وإن أدى اجتهاده إلى شيء، ثم أدى اجتهاده إلى شيء آخر حكم بالاجتهاد الثاني ولا ينقض الأول٧.
ولا يقبل الجرح، والتعديل، والترجمة، والتزكية إلا من عدلين، وإن ارتاب بالشهود سألهم متفرقين، ولا يقبل التعديل حتى يقول: "عدل عليَّ ولي" وأن تكون المعرفة باطنة متقادمة٨.
_________________
(١) ١ اللّدد: الخصم الشحيح الذي لا يزيغ إلى الحق، وانظر: القاموس ١/٣٤٨، المصباح ٥٥١. ٢ زَبَرَه: نهَرَه وزجره. (وعزّره) زيادة من (ب)، والتعزير إنما يكون بعد عدم امتناعه بالزّبر والزّجر والكلام، فإن للقاضي بعد ذلك أن يتجاوز زواجر الكلام إلى الضرب والحبس تعزيرا وأدبا يجتهد رأيه فيه حسب خصومته وعلى قدر منزلته. وانظر: الحاوي ١٦/٤٧. (الأمناء) زيادة من (ب) . ٥ الأم ٦/٢١٤، ٢١٥، ٢٢٠، مختصر المزني ٤٠٧، ٤١٠، أدب القاضي لابن القاص ١/١٥٢، ١٥٩، أدب القضاء لابن أبي الدم ١٠٦، ١٠٧، ١١٠، ١١١، ١٣٣، التنبيه ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤، الروضة ١١/١٦٢. ٦ أظهرهما: يقضي بعلمه إلا في حدود الله تعالى. وانظر: أدب القاضي لابن القاص ١/١٤٨، الحاوي ١٦/٣٢١-٣٢٢، مغني المحتاج ٤/٣٩٨. ٧ الأم ٦/٢٢٠، أدب القضاء لابن أبي الدم ١٦٤-١٦٥، الروضة ١١/١٥٠. ٨ الأم ٦/٢٢١، ٢٢٢، مختصر المزني ٤٠٨، كفاية الأخيار ٢/١٦٢، ١٦٣.
[ ٤٠٧ ]
وينبغي أن يكون كاتب القاضي، وصاحب مشورته عالما /١ فقيها، ويختم كيس الرِّقاع٢ ولا يفتحها حتى ينظر إلى ختمها٣.
ولا يقبل كتاب قاض إليه إلا بشهادة عدلين٤.
باب القسمة ٥
وتُعطى أجرة القسَّام من بيت المال٦، فإن لم يعطوه فمن مال تقع له القسمة٧، وإن أبى القسم سائر الشركاء إلا واحدا وكان بعضهم ينتفع به بعد القسمة يقسم وإن لم ينتفع الباقون٨، ويقسمه بالقرعة على أقل السهام، ولا يجوز أن يجعل السفل لواحد والعلو لواحد، وإن ادعى بعضهم غلطا قبل قوله مع البينة، فإن استحق بعض المقسوم، أو لحق الميت ديْنٌ نقض القسمة، ولا يقسم صنف المال مع غيره٩.
_________________
(١) ١ نهاية لـ (٧١) من (أ) . ٢ الرِّقاع: جمع رقعة، وهي الورقة أو الجلد الذي يكتب عليه الدعوى والأحكام ويقابله الآن السجلات المعروفة. ٣ أدب القاضي لابن القاص ١/١١٧، الحاوي ١٦/١٩٩، ٢٩٠، ٢٩١، أدب القضاء لابن أبي الدم ١٠٩، نهاية المحتاج ٨/٢٥٢. ٤ أدب القاضي لابن القاص ٢/٣٤٩، والمهذب ٢/٣٠٤. ٥ في (أ) (كتاب القسمة) . والمراد بها: تمييز الحصص بعضها من بعض. ٦ التنبيه ٢٥٨. ٧ الصحيح من المذهب أن أجرته على جميع الشركاء. الروضة ١١/٢٠٢، مغني المحتاج ٤/٤١٩. ٨ مختصر المزني ٤٠٩. ٩ الأم ٦/٢٣٠، ٢٣١، الحاوي ١٦/٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٢، ٢٦٣، كفاية الأخيار ٢/١٦٥-١٦٦، جواهر العقود ٢/٤١٢، ٤١٣.
[ ٤٠٨ ]
وهل تكون أجرة القسَّام على الرؤوس أو السهام؟ فيه قولان ١.
_________________
(١) ١ أصحهما: الثاني. الروضة ١١/٢٠٢، مختصر قواعد العلائي ٢/٦١٨، نهاية المحتاج ٨/٢٨٤، ٢٨٥.
[ ٤٠٩ ]