هذا الباب واسع جدل وَقَدْ جَمَعْتُ فِيهِ نَفَائِسَ كَثِيرَةً لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْكِتَابُ عُشْرَهَا فَأَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى نُبَذًا مِنْهُ: فَمِنْ آدَابِهِ أَدَبُهُ فِي نَفْسِهِ وَذَلِكَ فِي أُمُورٍ: مِنْهَا أَنْ يَقْصِدَ بِتَعْلِيمِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَقْصِدُ تَوَصُّلًا إلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَتَحْصِيلِ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ شُهْرَةٍ أَوْ سُمْعَةٍ أَوْ تَمَيُّزٍ عن الاشباه أو تكثر بالمشتغلين عليه الْمُخْتَلِفِينَ إلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: وَلَا يَشِينُ علمه وتعليمه بشئ مِنْ الطَّمَعِ فِي رِفْقٍ تَحَصَّلَ
لَهُ مِنْ مُشْتَغِلٍ عَلَيْهِ مِنْ خِدْمَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَإِنْ قَلَّ وَلَوْ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي لَوْلَا اشْتِغَالُهُ عَلَيْهِ لَمَا أَهْدَاهَا إليه.
ودليل هذا كله ما سَبَقَ فِي بَابِ ذَمِّ مَنْ أَرَادَ بِعِلْمِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ وَدِدْتُ أَنَّ الْخَلْقَ تَعَلَّمُوا هَذَا الْعِلْمَ عَلَى أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَيَّ حَرْفٌ مِنْهُ: وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَوَدِدْتُ إذَا نَاظَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَظْهَرَ الْحَقُّ عَلَى يَدَيْهِ: وَقَالَ مَا كَلَّمْتُ أَحَدًا قَطُّ إلَّا وَدِدْتُ أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ وَيَكُونَ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنْ اللَّهِ وَحِفْظٌ
* وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ يَا قَوْمِ أَرِيدُوا بِعِلْمِكُمْ اللَّهَ فَإِنِّي لَمْ أَجْلِسْ مَجْلِسًا قَطُّ أَنْوِي فِيهِ أَنْ أَتَوَاضَعَ إلَّا لَمْ أَقُمْ حَتَّى أَعْلُوَهُمْ وَلَمْ أَجْلِسْ مَجْلِسًا قَطُّ أَنْوِي فِيهِ أَنْ أَعْلُوَهُمْ إلَّا لَمْ أَقُمْ حَتَّى أَفْتَضِحَ
* وَمِنْهَا أَنْ يَتَخَلَّقَ بِالْمَحَاسِنِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا وَحَثَّ عَلَيْهَا وَالْخِلَالِ الْحَمِيدَةِ وَالشِّيَمِ الْمُرْضِيَةِ الَّتِي أَرْشَدَ إلَيْهَا مِنْ التَّزَهُّدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِفَوَاتِهَا وَالسَّخَاءِ وَالْجُودِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ إلَى حَدِّ الخلاعة والحلم والصبر والتنزه عن دنئ الِاكْتِسَابِ وَمُلَازَمَةِ الْوَرَعِ وَالْخُشُوعِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ وَاجْتِنَابِ الضَّحِكِ وَالْإِكْثَارِ مِنْ الْمَزْحِ وَمُلَازَمَةِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ كَالتَّنْظِيفِ بِإِزَالَةِ الْأَوْسَاخِ وَتَنْظِيفِ الْإِبْطِ وَإِزَالَةِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَاجْتِنَابِ الرَّوَائِحِ الْمَكْرُوهَةِ وَتَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ: وَمِنْهَا الْحَذَرُ مِنْ الْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالْإِعْجَابِ وَاحْتِقَارِ النَّاسِ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ بِدَرَجَاتٍ وَهَذِهِ أَدْوَاءٌ وَأَمْرَاضٌ يُبْتَلَى بِهَا كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَنْفُسِ الْخَسِيسَاتِ
* وَطَرِيقُهُ فِي نَفْيِ الْحَسَدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى اقْتَضَتْ جَعْلَ هَذَا الْفَضْلِ فِي هَذَا الْإِنْسَانِ فَلَا يَعْتَرِضُ وَلَا يَكْرَهُ مَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ ولم (١) يذم اللَّهِ احْتِرَازًا مِنْ الْمَعَاصِي
* وَطَرِيقُهُ فِي نَفْيِ الرِّيَاءِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْخَلْقَ لَا يَنْفَعُونَهُ وَلَا يَضُرُّونَهُ حَقِيقَةً فَلَا يَتَشَاغَلُ بِمُرَاعَاتِهِمْ فَيُتْعِبَ نفسه ويضر دينه ويحبط عمله ويرتكب سخط الله تعالى وَيُفَوِّتَ رِضَاهُ
* وَطَرِيقُهُ فِي نَفْيِ الْإِعْجَابِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْعِلْمَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ومعه عارية فان لله ما اخذو له ما أعطى وكل شئ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْجَبَ بشئ لَمْ يَخْتَرِعْهُ وَلَيْسَ مَالِكًا لَهُ وَلَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ دَوَامِهِ
* وَطَرِيقُهُ فِي نَفْيِ الِاحْتِقَارِ التأدب بما ادبنا اللَّهُ تَعَالَى (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بمن اتقى) وَقَالَ تَعَالَى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) فَرُبَّمَا كَانَ هَذَا الَّذِي يَرَاهُ دُونَهُ أَتْقَى لِلَّهِ تَعَالَى وَأَطْهَرُ
قَلْبًا وَأَخْلَصُ نِيَّةً وَأَزْكَى عَمَلًا ثُمَّ إنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَاذَا يُخْتَمُ لَهُ بِهِ فَفِي الصَّحِيحِ إنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ
_________________
(١) هكذا في نسخة وفي أخرى ولم يذمه الله وكلتا العبارتين تحتاج إلى تأمل وتحرير
[ ١ / ٢٨ ]
بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَدِيثُ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ
* وَمِنْهَا اسْتِعْمَالُهُ أَحَادِيثَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ وَسَائِرِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّاتِ: وَمِنْهَا دَوَامُ مُرَاقَبَتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي عَلَانِيَتِهِ وَسِرِّهِ مُحَافِظًا عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَوَافِلِ الصلوات والصوم وغيرهما مُعَوِّلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ أَمْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ مُفَوِّضًا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ أَمْرَهُ إلَيْهِ
* وَمِنْهَا وَهُوَ مِنْ أَهَمِّهَا أَنْ لَا يَذِلَّ الْعِلْمَ وَلَا يَذْهَبَ بِهِ إلَى مَكَان يَنْتَسِبُ إلَى مَنْ يَتَعَلَّمُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْمُتَعَلِّمُ كَبِيرَ الْقَدْرِ بَلْ يَصُونُ الْعِلْمَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا صَانَهُ السَّلَفُ: وَأَخْبَارُهُمْ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ مَعَ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ: فَإِنْ دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ أَوْ اقْتَضَتْ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَةِ ابْتِذَالِهِ رَجَوْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ مَا دَامَتْ الْحَالَةُ هَذِهِ: وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي هَذَا
* وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا فَعَلَ فِعْلًا صَحِيحًا جَائِزًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَكِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُخِلٌّ بِالْمُرُوءَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْبِرَ أَصْحَابَهُ وَمَنْ يَرَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ لِيَنْتَفِعُوا وَلِئَلَّا يَأْثَمُوا بِظَنِّهِمْ الْبَاطِلَ وَلِئَلَّا يَنْفِرُوا عَنْهُ وَيَمْتَنِعَ الانتفاع بعمله: وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ إنَّهَا صَفِيَّةُ فَصَلِّ ومن آدابه أدبه فِي دَرْسِهِ وَاشْتِغَالِهِ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَزَالَ مجتهدا في الاشتغال بالعلم قراءة واقراءا وَمُطَالَعَةً وَتَعْلِيقًا وَمُبَاحَثَةً وَمُذَاكَرَةً وَتَصْنِيفًا: وَلَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ التَّعَلُّمِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي سِنٍّ أَوْ نَسَبٍ أَوْ شُهْرَةٍ أَوْ دِينٍ أَوْ فِي عِلْمٍ آخَرَ بَلْ يَحْرِصُ عَلَى الْفَائِدَةِ مِمَّنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي جميع هذا: ولا يستحيى مِنْ السُّؤَالِ عَمَّا لَمْ يَعْلَمْ فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ ﵄ قَالَا مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ
* وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ: وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ
* وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَا يَزَالُ الرَّجُلُ عَالِمًا مَا تَعَلَّمَ فَإِذَا تَرَكَ الْعِلْمَ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَغْنَى وَاكْتَفَى بِمَا عِنْدَهُ فَهُوَ أَجْهَلُ مَا يَكُونُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَهُ
ارْتِفَاعُ مَنْصِبِهِ وَشُهْرَتِهِ مِنْ اسْتِفَادَةِ مَا لَا يَعْرِفُهُ فَقَدْ كَانَ كَثِيرُونَ مِنْ السَّلَفِ يَسْتَفِيدُونَ مِنْ تَلَامِذَتِهِمْ مَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ رِوَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ التَّابِعِينَ وَرَوَى جَمَاعَاتٌ مِنْ التَّابِعِينَ عَنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ: وَهَذَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ لَيْسَ تَابِعِيًّا وَرَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ مِنْ التَّابِعِينَ: وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قرأ لم يكن الذين كفروا عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ وَقَالَ أَمَرَنِي اللَّهُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ فَاسْتَنْبَطَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا فَوَائِدَ
* مِنْهَا بَيَانُ التَّوَاضُعِ وَأَنَّ الْفَاضِلَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْمَفْضُولِ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُلَازَمَةُ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ هي مطلوبه ورأس ما له فَلَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِهِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى غَيْرِهِ فِي وَقْتٍ فَعَلَ ذَلِكَ الْغَيْرَ بَعْدَ تَحْصِيلِ وَظِيفَتِهِ مِنْ الْعِلْمِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِالتَّصْنِيفِ إذا تأهل له فبه يَطَّلِعُ عَلَى حَقَائِقِ الْعِلْمِ وَدَقَائِقِهِ وَيَثْبُتُ مَعَهُ لِأَنَّهُ يَضْطَرُّهُ إلَى كَثْرَةِ التَّفْتِيشِ وَالْمُطَالَعَةِ وَالتَّحْقِيقِ وَالْمُرَاجَعَةِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مُخْتَلَفِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَمُتَّفِقِهِ وَوَاضِحِهِ مِنْ مُشْكِلِهِ: وَصَحِيحِهِ مِنْ ضَعِيفِهِ: وَجَزْلِهِ مِنْ رَكِيكِهِ وَمَا لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ وَبِهِ يَتَّصِفُ الْمُحَقِّقُ بِصِفَةِ
[ ١ / ٢٩ ]
الْمُجْتَهِدِ وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ يَشْرَعَ فِي تَصْنِيفِ مَا لَمْ يَتَأَهَّلْ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَعِلْمِهِ وَعِرْضِهِ وَلْيَحْذَرْ أَيْضًا مِنْ إخْرَاجِ تَصْنِيفِهِ مِنْ يَدِهِ إلَّا بَعْدَ تَهْذِيبِهِ وَتَرْدَادِ نَظَرِهِ فِيهِ وَتَكْرِيرِهِ: وَلْيَحْرِصْ عَلَى إيضَاحِ الْعِبَارَةِ وَإِيجَازِهَا فَلَا يُوَضِّحُ إيضَاحًا يَنْتَهِي إلَى الرَّكَاكَةِ وَلَا يُوجِزُ إيجَازًا يُفْضِي إلَى الْمَحْقِ وَالِاسْتِغْلَاقِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اعْتِنَاؤُهُ مِنْ التَّصْنِيفِ بِمَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ أَكْثَرَ.
وَالْمُرَادُ بِهَذَا أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُصَنَّفٌ يُغْنِي عَنْ مُصَنَّفِهِ فِي جَمِيعِ أَسَالِيبِهِ فَإِنْ أَغْنَى عن بَعْضُهَا فَلْيُصَنِّفْ مِنْ جِنْسِهِ مَا يَزِيدُ زِيَادَاتٍ يُحْتَفَلُ بِهَا مَعَ ضَمِّ مَا فَاتَهُ مِنْ الا ساليب وَلْيَكُنْ تَصْنِيفُهُ فِيمَا يَعُمُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَيَكْثُرُ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ: وَلْيَعْتَنِ بِعِلْمِ الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَنْوَاعِ نَفْعًا وَبِهِ يَتَسَلَّطُ الْمُتَمَكِّنُ عَلَى المعظم من باقي العلوم
* ومن آدابه آداب تَعْلِيمِهِ
* اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيمَ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي بِهِ قِوَامُ الدِّينِ وَبِهِ يُؤْمَنُ إمْحَاقُ الْعِلْمِ فَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الدِّينِ وَأَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ وَآكَدِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِذْ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا تكتمونه) وَقَالَ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا) الْآيَةُ: وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طُرُقٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ
وَالْأَحَادِيثُ بِمَعْنَاهُ كَثِيرَةٌ وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ: وَيَجِبُ عَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يَقْصِدَ بِتَعْلِيمِهِ وجه الله تعالى لما سبق والايجعله وَسِيلَةً إلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ فَيَسْتَحْضِرُ الْمُعَلِّمُ فِي ذهنه كون التعليم آكد العبادات ليكون ذَلِكَ حَاثًّا لَهُ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ وَمُحَرِّضًا لَهُ عَلَى صِيَانَتِهِ مِنْ مُكَدَّرَاتِهِ وَمِنْ مَكْرُوهَاتِهِ مَخَافَةَ فَوَاتِ هَذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَالْخَيْرِ الْجَسِيمِ: قَالُوا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنْ تَعْلِيمِ أَحَدٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صَحِيحِ النِّيَّةِ فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ حُسْنُ النِّيَّةِ وَرُبَّمَا عَسُرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُبْتَدِئِينَ بِالِاشْتِغَالِ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ لِضَعْفِ نُفُوسِهِمْ وَقِلَّةِ أُنْسِهِمْ بِمُوجِبَاتِ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ فَالِامْتِنَاعُ مِنْ تَعْلِيمِهِمْ يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ كَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ مع انه يرجي ببركة العلم تصحيحها إذَا أَنِسَ بِالْعِلْمِ: وَقَدْ قَالُوا طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ: مَعْنَاهُ كَانَتْ عَاقِبَتُهُ أَنْ صَارَ لِلَّهِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدِّبَ الْمُتَعَلِّمَ عَلَى التَّدْرِيجِ بِالْآدَابِ السُّنِّيَّةِ والشم الْمُرْضِيَةِ وَرِيَاضَةِ نَفْسِهِ بِالْآدَابِ وَالدَّقَائِقِ الْخَفِيَّةِ وَتَعَوُّدِهِ الصِّيَانَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ الْكَامِنَةِ وَالْجَلِيَّةِ
* فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يُحَرِّضَهُ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ الْمُتَكَرِّرَاتِ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَالصِّدْقِ وَحُسْنِ النِّيَّاتِ: وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ اللَّحَظَاتِ: وَأَنْ يَكُونَ دَائِمًا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى الْمَمَاتِ: وَيُعَرِّفَهُ أَنَّ بِذَلِكَ تَنْفَتِحُ عليه أبواب المعارف: وينشرح صدره وتتفجر من قبله يَنَابِيعُ الْحِكَمِ وَاللَّطَائِفِ: وَيُبَارَكُ لَهُ فِي حَالِهِ وَعِلْمِهِ وَيُوَفَّقُ لِلْإِصَابَةِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَحُكْمِهِ: وَيُزَهِّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَصْرِفَهُ عَنْ التَّعَلُّقِ بِهَا وَالرُّكُونِ إلَيْهَا وَالِاغْتِرَارِ بِهَا: وَيُذَكِّرَهُ أَنَّهَا فَانِيَةٌ وَالْآخِرَةُ آتِيَةٌ بَاقِيَةٌ وَالتَّأَهُّبُ لِلْبَاقِي وَالْإِعْرَاضُ عَنْ القاني هُوَ طَرِيقُ الْحَازِمِينَ: وَدَأْبُ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَغِّبَهُ فِي الْعِلْمِ وَيُذَكِّرَهُ بِفَضَائِلِهِ وَفَضَائِلِ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وسلامه عليهم: ولا رتبة في الوجود أَعْلَى مِنْ هَذِهِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنُوَ عَلَيْهِ وَيَعْتَنِيَ بِمَصَالِحِهِ كَاعْتِنَائِهِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَيُجْرِيَهُ مَجْرَى وَلَدِهِ فِي الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَالِاهْتِمَامِ بِمَصَالِحِهِ والصبر عل جفائه وسوء أدبه: ويعذره فِي سُوءِ أَدَبٍ وَجَفْوَةٍ تَعْرُضُ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلنَّقَائِصِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحِبَّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْرِ وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُهُ لِنَفْسِهِ مِنْ
[ ١ / ٣٠ ]
الشَّرِّ: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ أَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيَّ جَلِيسِي الَّذِي يَتَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى يَجْلِسَ إلَيَّ لَوْ اسْتَطَعْتُ أَلَّا يَقَعَ
الذُّبَابُ عَلَى وَجْهِهِ لَفَعَلْتُ
* وَفِي رِوَايَةٍ إنَّ الذُّبَابَ يَقَعُ عليه فيؤذيني: وينبغي أن يكون سمحا ببذل مَا حَصَّلَهُ مِنْ الْعِلْمِ سَهْلًا بِإِلْقَائِهِ إلَى مُبْتَغِيهِ مُتَلَطِّفًا فِي إفَادَتِهِ طَالِبِيهِ مَعَ رِفْقٍ وَنَصِيحَةٍ وَإِرْشَادٍ إلَى الْمُهِمَّاتِ: وَتَحْرِيضٍ عَلَى حِفْظِ مَا يَبْذُلُهُ لَهُمْ مِنْ الْفَوَائِدِ النَّفِيسَاتِ: وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ شَيْئًا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ إذَا كَانَ الطَّالِبُ أَهْلًا لِذَلِكَ: وَلَا يلق إلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَتَأَهَّلْ لَهُ لِئَلَّا يُفْسِدَ عليه حاله فَلَوْ سَأَلَهُ الْمُتَعَلِّمُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُ وَيُعَرِّفُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ شُحًّا بَلْ شَفَقَةً وَلُطْفًا: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَظَّمَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ بَلْ يَلِينُ لَهُمْ وَيَتَوَاضَعُ فَقَدْ أُمِرَ بِالتَّوَاضُعِ لِآحَادِ النَّاسِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)
* وعن عياض بن حماد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا رَوَاهُ مُسْلِمٌ
* وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ
* فَهَذَا فِي التَّوَاضُعِ لِمُطْلَقِ النَّاسِ فَكَيْفَ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ كَأَوْلَادِهِ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُلَازَمَةِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ: وَمَعَ مَا لَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الصُّحْبَةِ وَتَرَدُّدِهِمْ إلَيْهِ وَاعْتِمَادِهِمْ عَلَيْهِ: وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لِينُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ وَلِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ
* وَعَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ﵀ إنَّ اللَّهَ ﷿ يحب العلم المتواضع ويبغض العلم الْجَبَّارَ وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ تَعَالَى وَرَّثَهُ الْحِكْمَةَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى تَعْلِيمِهِمْ مُهْتَمًّا بِهِ مُؤْثِرًا لَهُ عَلَى حَوَائِجِ نَفْسِهِ وَمَصَالِحِهِ مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَيُرَحِّبُ بِهِمْ عِنْدَ إقْبَالِهِمْ إلَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقِ: وَيُظْهِرُ لَهُمْ الْبِشْرَ وَطَلَاقَةَ الْوَجْهِ وَيُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ وما له وَجَاهِهِ بِحَسْبِ التَّيْسِيرِ: وَلَا يُخَاطِبُ الْفَاضِلَ مِنْهُمْ بِاسْمِهِ بَلْ بِكُنْيَتِهِ وَنَحْوِهَا: فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَنِّي أَصْحَابَهُ إكْرَامًا لَهُمْ وَتَسْنِيَةً لِأُمُورِهِمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَقَّدَهُمْ وَيَسْأَلَ عَمَّنْ غَابَ مِنْهُمْ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَاذِلًا وُسْعَهُ فِي تَفْهِيمِهِمْ وَتَقْرِيبِ الْفَائِدَةِ إلَى أَذْهَانِهِمْ حَرِيصًا عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَيُفَهِّمَ كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسْبِ فَهْمِهِ وَحِفْظِهِ فَلَا يُعْطِيهِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَلَا يُقَصِّرُ بِهِ عَمَّا يَحْتَمِلُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ وَيُخَاطِبُ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ دَرَجَتِهِ وَبِحَسْبِ فَهْمِهِ وَهِمَّتِهِ فَيَكْتَفِي بِالْإِشَارَةِ لِمَنْ يَفْهَمُهَا فَهْمًا محققا ويوضع الْعِبَارَةَ لِغَيْرِهِ وَيُكَرِّرُهَا لِمَنْ لَا يَحْفَظُهَا إلَّا بِتَكْرَارٍ وَيَذْكُرُ الْأَحْكَامَ مُوَضَّحَةً بِالْأَمْثِلَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لِمَنْ لَا يَنْحَفِظُ لَهُ الدَّلِيلُ فَإِنْ
جَهِلَ دَلِيلَ بَعْضِهَا ذَكَرَهُ لَهُ: وَيَذْكُرُ الدَّلَائِلَ لِمُحْتَمِلِهَا وَيَذْكُرُ هَذَا مَا بَيَّنَّا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يُشْبِهُهَا وَحُكْمُهُ حُكْمُهَا وَمَا يُقَارِبُهَا: وهو مخالف لها وَيَذْكُرُ مَا يَرِدُ عَلَيْهَا وَجَوَابَهُ إنْ أَمْكَنَهُ: وَيُبَيِّنُ الدَّلِيلَ الضَّعِيفَ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ فَيَقُولُ اسْتَدَلُّوا بِكَذَا وَهُوَ ضَعِيفٌ لِكَذَا: وَيُبَيِّنُ الدَّلِيلَ الْمُعْتَمَدَ لِيُعْتَمَدَ: وَيُبَيِّنُ لَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأُصُولِ وَالْأَمْثَالِ وَالْأَشْعَارِ وَاللُّغَاتِ وَيُنَبِّهُهُمْ عَلَى غَلَطِ مَنْ غَلِطَ فِيهَا مِنْ الْمُصَنَّفِينَ: فَيَقُولُ مثلا هذا هو الصواب ولما مَا ذَكَرَهُ فُلَانٌ فَغَلَطٌ أَوْ فَضَعِيفٌ قَاصِدًا النَّصِيحَةَ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ لَا لِتَنَقُّصٍ لِلْمُصَنَّفِ: وَيُبَيِّنُ لَهُ عَلَى التَّدْرِيجِ قَوَاعِدَ الْمَذْهَبِ الَّتِي لَا تَنْخَرِمُ غَالِبًا
[ ١ / ٣١ ]
كَقَوْلِنَا إذَا اجْتَمَعَ سَبَبٌ وَمُبَاشَرَةٌ قَدَّمْنَا الْمُبَاشَرَةَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ فَفِي الْمَسْأَلَةِ غَالِبًا قَوْلَانِ: وَإِذَا اجْتَمَعَ قَوْلَانِ قَدِيمٌ وَجَدِيدٌ فَالْعَمَلُ غَالِبًا بِالْجَدِيدِ إلَّا فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ سَنَذْكُرُهَا قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنَّ مَنْ قَبَضَ شَيْئًا لِغَرَضِهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ: وَمَنْ قَبَضَهُ لِغَرَضِ الْمَالِكِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ لَا إلَى غَيْرِهِ: وَأَنَّ الْحُدُودَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ: وَأَنَّ الْأَمِينَ إذَا فَرَّطَ ضَمِنَ: وَأَنَّ الْعَدَالَةَ وَالْكِفَايَةَ شَرْطٌ فِي الْوِلَايَاتِ: وَأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا فعله من حصل بِهِ الْمَطْلُوبُ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِلَّا أَثِمُوا كُلُّهُمْ بِالشَّرْطِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ: وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ إنْشَاءَ عَقْدٍ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ: وَأَنَّ النِّكَاحَ وَالنَّسَبَ مَبْنِيَّانِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ: وَأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُبَاحُ بِالْمَعَاصِي: وَأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ أَوْ الْعَتَاقِ أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهَا بنية الحالف الا ان كان يَكُونَ الْمُسْتَحْلِفُ قَاضِيًا فَاسْتَحْلَفَهَا لِلَّهِ تَعَالَى لِدَعْوَى اقْتَضَتْهُ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِنِيَّةِ الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ إنْ كَانَ الْحَالِفُ يُوَافِقُهُ فِي الِاعْتِقَادِ فَإِنْ خَالَفَهُ كَحَنَفِيٍّ اسْتَحْلَفَ شَافِعِيًّا فِي شُفْعَةِ الْجِوَارِ ففيمن تعتبر بيته وَجْهَانِ: وَأَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي يَسْتَحْلِفُ بِهَا الْقَاضِي لَا تَكُونُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ: وَأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ فِي مَالِ الْمُتْلِفِ بِغَيْرِ حَقٍّ سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ فِي حَقِّ الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ: فَقَوْلُنَا مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ احْتِرَازٌ مِنْ إتْلَافِ الْمُسْلِمِ مَالَ حَرْبِيٍّ وَنَفْسِهِ وَعَكْسُهُ: وَقَوْلُنَا فِي حَقِّهِ احْتِرَازٌ مِنْ إتْلَافِ الْعَبْدِ مَالَ سَيِّدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتْلِفُ قَاتِلًا خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ فَإِنَّ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ: وَأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ مَالٌ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ ابْتِدَاءً: وَفِي ثُبُوتِهِ دَوَامًا وَجْهَانِ: وَأَنَّ أَصْلَ الْجَمَادَاتِ الطَّهَارَةُ إلَّا الْخَمْرَ وَكُلَّ نَبِيذٍ مُسْكِرٍ: وَأَنَّ الْحَيَوَانَ عَلَى الطَّهَارَةِ إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَفَرْعَ أَحَدِهِمَا
*
وَيُبَيِّنَ لَهُ جُمَلًا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَنْضَبِطُ لَهُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَتَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ
* وَيُبَيِّنُ لَهُ أَنْوَاعَ الْأَقْيِسَةِ وَدَرَجَاتِهَا وَكَيْفِيَّةَ اسْتِثْمَارِ الْأَدِلَّةِ: وَيُبَيِّنُ حَدَّ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ: وَأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ عَلَى وُجُوهٍ: وَأَنَّهُ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ: وَأَنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَى عمومه وحقيقته حتى يرد دَلِيلُ تَخْصِيصٍ وَمَجَازٍ: وَأَنَّ أَقْسَامَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ خَمْسَةٌ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ: وَيَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ: فَالْوَاجِبُ مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ احْتِرَازًا مِنْ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَالْمُخَيَّرِ
* وَقِيلَ مَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ تَارِكُهُ فَهَذَانِ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهِ: وَالْمَنْدُوبُ مَا رُجِّحَ فِعْلُهُ شَرْعًا وَجَازَ تَرْكُهُ: وَالْمُحَرَّمُ مَا يُذَمُّ فَاعِلُهُ شَرْعًا: وَالْمَكْرُوهُ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ نَهْيًا غَيْرَ جَازِمٍ: وَالْمُبَاحُ مَا جَاءَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْعُقُودِ مَا تَرَتَّبَ أَثَرُهُ عَلَيْهِ: وَمِنْ الْعِبَادَاتِ مَا أَسْقَطَ الْقَضَاءَ: وَالْبَاطِلُ وَالْفَاسِدُ خِلَافُ الصَّحِيحِ
* وَيُبَيِّنُ لَهُ جُمَلًا مِنْ أَسْمَاءِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْأَخْيَارِ وَأَنْسَابِهِمْ وَكُنَاهُمْ وَأَعْصَارِهِمْ وَطَرَفِ حكاياتهم: ونوادرهم وضبط المشكل من أنسابهم وصفابهم وَتَمْيِيزِ الْمُشْتَبَهِ مِنْ ذَلِكَ: وَجُمَلًا مِنْ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ الْمُتَكَرِّرَةِ (١) فِي الْفِقْهِ ضَبْطًا لَمُشْكِلِهَا وَخَفِيِّ مَعَانِيهَا فَيَقُولُ هِيَ مَفْتُوحَةٌ أَوْ مَضْمُومَةٌ أو مكسورة مخففة أو مشددة
_________________
(١) وفي نسخة بدل المتكررة: المذكورة
[ ١ / ٣٢ ]
مَهْمُوزَةٌ أَوْ لَا عَرَبِيَّةٌ أَوْ عَجَمِيَّةٌ أَوْ مُعَرَّبَةٌ وَهِيَ الَّتِي أَصْلُهَا عَجَمِيٌّ وَتَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ: مَصْرُوفَةٌ أَوْ غَيْرُهَا: مُشْتَقَّةٌ أَمْ لَا: مُشْتَرَكَةٌ أَمْ لَا: مُتَرَادِفَةٌ أَمْ لَا: وَأَنَّ الْمَهْمُوزَ وَالْمُشَدَّدَ يُخَفَّفَانِ أَمْ لَا: وَأَنَّ فِيهَا لُغَةً أُخْرَى أَمْ لَا
* وَيُبَيِّنُ مَا يَنْضَبِطُ مِنْ قَوَاعِدِ التَّصْرِيفِ كَقَوْلِنَا مَا كَانَ عَلَى فَعِلَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ فَمُضَارِعُهُ يَفْعَلُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ إلَّا أَحْرُفًا جَاءَ فِيهِنَّ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ مِنْ الصَّحِيحِ وَالْمُعْتَلِّ: فَالصَّحِيحُ دُونَ عَشَرَةِ أحرف كنعم وبئس وحسب والمعتل كوتر وَوَبِقَ وَوَرِمَ وَوَرِيَ الزَّنْدُ وَغَيْرِهِنَّ: وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ عَلَى فَعِلَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ جَازَ فِيهِ أَيْضًا إسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا فَإِنْ
كَانَ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ حَرْفَ حَلْقٍ جَازَ فِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ فَعَلٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ: وَإِذَا وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ غَرِيبَةٌ لطيفة أو مما يسئل عَنْهَا فِي الْمُعَايَاتِ نَبَّهَهُ عَلَيْهَا وَعَرَّفَهُ حَالَهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ: وَيَكُونُ تَعْلِيمُهُ إيَّاهُمْ كُلَّ ذَلِكَ تَدْرِيجًا شَيْئًا فَشَيْئًا لِتَجْتَمِعَ لَهُمْ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ جَمَلٌ كَثِيرَاتٌ
* وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّضَهُمْ عَلَى الِاشْتِغَالِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيُطَالِبَهُمْ فِي أَوْقَاتٍ بِإِعَادَةِ مَحْفُوظَاتِهِمْ وَيَسْأَلَهُمْ عَمَّا ذَكَرَهُ لَهُمْ من المهمات فمن وجده حافظه مُرَاعِيًا لَهُ أَكْرَمَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَأَشَاعَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَخَفْ فَسَادَ حَالِهِ بِإِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ: وَمَنْ وَجَدَهُ مُقَصِّرًا عَنَّفَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ تنفيره ويعيده حَتَّى يَحْفَظَهُ حِفْظًا رَاسِخًا وَيُنْصِفَهُمْ فِي الْبَحْثِ فَيَعْتَرِفَ بِفَائِدَةٍ يَقُولُهَا بَعْضُهُمْ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَلَا يَحْسُدُ أَحَدًا مِنْهُمْ لِكَثْرَةِ تَحْصِيلِهِ فَالْحَسَدُ حرام للاجانب وهنا أشد فانه بمنزلة الولد وَفَضِيلَتُهُ يَعُودُ إلَى مُعَلِّمِهِ مِنْهَا نَصِيبٌ وَافِرٌ فَإِنَّهُ مُرَبِّيهِ وَلَهُ فِي تَعْلِيمِهِ وَتَخْرِيجِهِ فِي الْآخِرَةِ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَفِي الدُّنْيَا الدُّعَاءُ الْمُسْتَمِرُّ وَالثَّنَاءُ الْجَمِيلُ
* وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ فِي تَعْلِيمِهِمْ إذا ازدحموا الا سبق فالاسبق ولا يُقَدِّمُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ دَرْسٍ إلَّا بِرِضَا الْبَاقِينَ وَإِذَا ذَكَرَ لَهُمْ دَرْسًا تَحَرَّى تَفْهِيمَهُمْ بِأَيْسَرِ الطُّرُقِ وَيَذْكُرَهُ مُتَرَسِّلًا مُبَيِّنًا وَاضِحًا: وَيُكَرِّرَ مَا يُشْكِلُ مِنْ مَعَانِيهِ وَأَلْفَاظِهِ إلَّا إذَا وثق بأن جميع الحاضرين يفهمونه بدون ذلك وإذا لم يكمل الْبَيَانُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِعِبَارَةٍ يُسْتَحَى فِي الْعَادَةِ مِنْ ذِكْرِهَا فَلْيَذْكُرْهَا بِصَرِيحِ اسْمِهَا وَلَا يَمْنَعُهُ الحياء ومراعاة الادب مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ إيضَاحَهَا أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ: وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ الْكِنَايَةُ فِي مِثْلِ هَذَا إذَا عُلِمَ بِهَا الْمَقْصُودُ عِلْمًا جَلِيًّا وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ التَّصْرِيحِ فِي وَقْتٍ وَالْكِنَايَةِ فِي وَقْتٍ: وَيُؤَخِّرَ مَا يَنْبَغِي تَأْخِيرُهُ وَيُقَدِّمَ مَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ وَيَقِفَ فِي مَوْضِعِ الْوَقْفِ: وَيَصِلَ فِي مَوْضِعِ الْوَصْلِ وَإِذَا وَصَلَ مَوْضِعَ الدَّرْسِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فان كان مسجدا تأكد الحدث عَلَى الصَّلَاةِ وَيَقْعُدُ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ عَلَى طَهَارَةٍ مُتَرَبِّعًا إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ مُحْتَبِيًا وَغَيْرَ ذَلِكَ: وَيَجْلِسُ بِوَقَارٍ وَثِيَابُهُ نَظِيفَةٌ بِيضٌ: وَلَا يَعْتَنِي بِفَاخِرِ الثِّيَابِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى خُلُقٍ يُنْسَبُ صَاحِبُهُ إلَى قِلَّةِ الْمُرُوءَةِ: وَيُحَسِّنُ خُلُقَهُ مَعَ جُلَسَائِهِ وَيُوَقِّرُ فَاضِلَهُمْ بِعِلْمٍ أَوْ سِنٍّ أَوْ شَرَفٍ أَوْ صَلَاحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: وَيَتَلَطَّفُ بِالْبَاقِينَ وَيَرْفَعُ مَجْلِسَ الْفُضَلَاءِ وَيُكْرِمُهُمْ بِالْقِيَامِ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِرَامِ: وَقَدْ يُنْكِرُ الْقِيَامَ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ: وَقَدْ جَمَعْتُ جُزْءًا فِيهِ الترخيص فيه ودلائله والجواب عن ما يُوهِمُ كَرَاهَتَهُ
* وَيَنْبَغِي أَنْ يَصُونَ يَدَيْهِ عَنْ الْعَبَثِ: وَعَيْنَيْهِ عَنْ تَفْرِيقِ النَّظَرِ بِلَا حَاجَةٍ:
وَيَلْتَفِتَ إلَى الْحَاضِرِينَ الْتِفَاتًا قَصْدًا بِحَسْبِ الْحَاجَةِ لِلْخِطَابِ: وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعٍ يَبْرُزُ فِيهِ وَجْهُهُ لِكُلِّهِمْ: وَيُقَدِّمَ عَلَى الدَّرْسِ تِلَاوَةَ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُبَسْمِلَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُصَلِّيَ وَيُسَلِّمَ عَلَى
[ ١ / ٣٣ ]
النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى آلِهِ ثم يدعو للعلماء الماضيين مِنْ مَشَايِخِهِ وَوَالِدَيْهِ وَالْحَاضِرِينَ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ: وَيَقُولَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أظلم وأجهل أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ: فَإِنْ ذَكَرَ دُرُوسًا قَدَّمَ أهمها فيقدم التفسير ثم الحديث ثم الاصولين ثُمَّ الْمَذْهَبَ ثُمَّ الْخِلَافَ ثُمَّ الْجَدَلَ وَلَا يَذْكُرُ الدَّرْسَ وَبِهِ مَا يُزْعِجُهُ كَمَرَضٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ مُدَافَعَةِ الْحَدَثِ أَوْ شِدَّةِ فَرَحٍ وغم وَلَا يُطَوِّلُ مَجْلِسَهُ تَطْوِيلًا يُمِلُّهُمْ أَوْ يَمْنَعُهُمْ فَهْمَ بَعْضِ الدُّرُوسِ أَوْ ضَبْطِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إفَادَتُهُمْ وَضَبْطُهُمْ فَإِذَا صَارُوا إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَاتَهُ الْمَقْصُودُ: وَلْيَكُنْ مَجْلِسُهُ وَاسِعًا وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ زِيَادَةً عَلَى الْحَاجَةِ وَلَا يَخْفِضُهُ خَفْضًا يَمْنَعُ بَعْضَهُمْ كَمَالَ فَهْمِهِ: وَيَصُونُ مَجْلِسَهُ مِنْ اللَّغَطِ وَالْحَاضِرِينَ عَنْ سُوءِ الْأَدَبِ فِي الْمُبَاحَثَةِ وإذا ظهر من أحدهم شئ مِنْ مَبَادِئِ ذَلِكَ تَلَطَّفَ فِي دَفْعِهِ قَبْلَ انْتِشَارِهِ وَيُذَكِّرُهُمْ أَنَّ اجْتِمَاعَنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلِيقُ بِنَا الْمُنَافَسَةُ وَالْمُشَاحَنَةُ بَلْ شَأْنُنَا (١) الرِّفْقُ وَالصَّفَاءُ (٢) وَاسْتِفَادَةُ بَعْضِنَا مِنْ بَعْضٍ وَاجْتِمَاعُ قُلُوبِنَا عَلَى ظُهُورِ الْحَقِّ: وَحُصُولِ الْفَائِدَةِ
* وَإِذَا سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ أُعْجُوبَةٍ فَلَا يسخرون منه وإذا سئل عن شئ لَا يَعْرِفُهُ أَوْ عَرَضَ فِي الدَّرْسِ مَا لَا يَعْرِفُهُ فَلْيَقُلْ لَا أَعْرِفُهُ أَوْ لَا أَتَحَقَّقُهُ وَلَا يَسْتَنْكِفُ عَنْ ذَلِكَ: فَمِنْ عِلْمِ الْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ لَا أَعْلَمُ أَوْ اللَّهُ أَعْلَمُ: فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وما انا من المتكلفين) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
* وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ نهينا عن التكليف: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
* وَقَالُوا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُوَرِّثَ أَصْحَابَهُ لَا أَدْرِي: مَعْنَاهُ يُكْثِرُ مِنْهَا: وَلْيَعْلَمْ أَنَّ مُعْتَقَدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ قَوْلَ الْعَالِمِ لَا أَدْرِي لَا يَضَعُ مَنْزِلَتَهُ بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ مَحَلِّهِ وَتَقْوَاهُ وَكَمَالِ مَعْرِفَتِهِ لِأَنَّ الْمُتَمَكِّنَ لَا يَضُرُّهُ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ مَسَائِلَ مَعْدُودَةً بَلْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ لَا أَدْرِي عَلَى تَقْوَاهُ وَأَنَّهُ لَا يُجَازِفُ فِي فَتْوَاهُ.
وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ لَا أَدْرِي مَنْ قَلَّ عِلْمُهُ وَقَصُرَتْ مَعْرِفَتُهُ وَضَعُفَتْ
تَقْوَاهُ لِأَنَّهُ يَخَافُ لِقُصُورِهِ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ الْحَاضِرِينَ وَهُوَ جَهَالَةٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْجَوَابِ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ يَبُوءُ بِالْإِثْمِ الْعَظِيمِ وَلَا يَرْفَعُهُ ذَلِكَ عَمَّا عرف له من المقصور بل يستدل به على قصوره لا نا إذَا رَأَيْنَا الْمُحَقِّقِينَ يَقُولُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَا أَدْرِي وَهَذَا الْقَاصِرُ لَا يَقُولُهَا أَبَدًا عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يَتَوَرَّعُونَ لِعِلْمِهِمْ وَتَقْوَاهُمْ وَأَنَّهُ يجازف لجهله وقلة دينه فوقع فيما فرعنه وَاتَّصَفَ بِمَا احْتَرَزَ مِنْهُ لِفَسَادِ نِيَّتِهِ وَسُوءِ طَوِيَّتِهِ: وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كلابس ثوبي زور فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَطْرَحَ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا يَرَاهُ مِنْ مُسْتَفَادِ الْمَسَائِلِ وَيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ أَفْهَامَهُمْ وَيُظْهِرَ فَضْلَ الْفَاضِلِ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُ وَلِلْبَاقِينَ فِي الِاشْتِغَالِ وَالْفِكْرِ فِي الْعِلْمِ وَلِيَتَدَرَّبُوا بِذَلِكَ وَيَعْتَادُوهُ وَلَا يُعَنِّفُ مَنْ غَلِطَ مِنْهُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرَى تَعْنِيفَهُ مَصْلَحَةً لَهُ: وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَعْلِيمِهِمْ أَوْ إلْقَاءِ دَرْسٍ عَلَيْهِمْ أَمَرَهُمْ بِإِعَادَتِهِ لِيُرَسِّخَ حِفْظَهُمْ لَهُ فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ شئ ما عاودوا الشيخ في ايضاحه
*
_________________
(١) وفي نسخة بل سبيلنا: (٢) وفي نسخة والحياء:
[ ١ / ٣٤ ]
فَصْلٌ وَمِنْ أَهَمِّ مَا يُؤْمَرُ بِهِ أَلَّا يَتَأَذَّى مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ إذَا قَرَأَ عَلَى غَيْرِهِ وَهَذِهِ مُصِيبَةٌ يُبْتَلَى بِهَا جَهَلَةُ الْمُعَلِّمِينَ لِغَبَاوَتِهِمْ وَفَسَادِ نِيَّتِهِمْ: وَهُوَ مِنْ الدَّلَائِلِ الصَّرِيحَةِ عَلَى عَدَمِ إرَادَتِهِمْ بِالتَّعْلِيمِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى الْكَرِيمِ: وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ الاغلاظ فِي ذَلِكَ وَالتَّأْكِيدَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْهُ: وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُعَلِّمُ الْآخَرُ أَهْلًا فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ مُبْتَدِعًا أَوْ كَثِيرَ الْغَلَطِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلْيُحَذِّرْ مِنْ الِاغْتِرَارِ بِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
* بَابُ آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ أَمَّا آدَابُهُ فِي نَفْسِهِ ودرسه فكآداب المعلم: وقد أرضحناها وَيَنْبَغِي أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ مِنْ الْأَدْنَاسِ لِيَصْلُحَ لقبول الْعِلْمِ وَحِفْظِهِ وَاسْتِثْمَارِهِ: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ القلب: وقالوا
تطييب القلب للعلم كتطيب الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ
* وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ الْعَلَائِقَ الشَّاغِلَةَ عَنْ كَمَالِ الِاجْتِهَادِ فِي التَّحْصِيلِ وَيَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنْ الْقُوتِ وَيَصْبِرَ عَلَى ضِيقِ الْعَيْشِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَطْلُبُ أَحَدٌ هَذَا الْعِلْمَ بِالْمُلْكِ وَعِزِّ النَّفْسِ فَيَفْلَحَ وَلَكِنْ مَنْ طَلَبَهُ بِذُلِّ النَّفْسِ وَضِيقِ الْعَيْشِ وَخِدْمَةِ الْعُلَمَاءِ أَفْلَحَ: وَقَالَ أَيْضًا لَا يُدْرَكُ الْعِلْمُ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى الذُّلِّ: وَقَالَ أَيْضًا لَا يَصْلُحُ طَلَبُ الْعِلْمِ إلَّا لِمُفْلِسٍ فَقِيلَ وَلَا الْغَنِيُّ الْمُكَفَّى فَقَالَ وَلَا الْغَنِيُّ الْمُكَفَّى: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵀ لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ مَا يُرِيدُ حَتَّى يضربه الفقر ويؤثره على كل شئ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يُسْتَعَانُ عَلَى الفقه بجمع الهم وَيُسْتَعَانُ عَلَى حَذْفِ الْعَلَائِقِ بِأَخْذِ الْيَسِيرِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَا يَزِدْ: وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْآجُرِّيُّ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْفَاقَةِ وَرِثَ الْفَهْمَ: وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعُ لِآدَابِ الرَّاوِي وَالسَّامِعِ يُسْتَحَبُّ لِلطَّالِبِ أَنْ يَكُونَ عَزَبًا مَا أَمْكَنَهُ لِئَلَّا يَقْطَعَهُ الِاشْتِغَالُ بِحُقُوقِ الزَّوْجَةِ وَالِاهْتِمَامِ بِالْمَعِيشَةِ عَنْ إكْمَالِ طَلَبِ الْعِلْمِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: خَيْرُكُمْ بعد المائتين خفيف الْحَاذِ وَهُوَ الَّذِي لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدَ: وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ ﵀ مَنْ تَعَوَّدَ أَفْخَاذَ النِّسَاءِ لَمْ يَفْلَحْ يَعْنِي اشْتَغَلَ بِهِنَّ.
وَهَذَا فِي غَالِبِ النَّاسِ لَا الْخَوَاصِّ: وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ إذَا تَزَوَّجَ الْفَقِيهُ فَقَدْ رَكِبَ الْبَحْرَ فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَقَدْ كُسِرَ بِهِ: وَقَالَ سُفْيَانُ لِرَجُلٍ تَزَوَّجْتَ فَقَالَ لَا قَالَ مَا تَدْرِي مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ: وَعَنْ بِشْرٍ الْحَافِي ﵀ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى النِّسَاءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولا يَأْلَفُ أَفْخَاذَهُنَّ
* (قُلْتُ) هَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا فَإِنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى النِّكَاحِ اُسْتُحِبَّ لَهُ تَرْكُهُ وَكَذَا إنْ احْتَاجَ وعجز عَنْ مُؤْنَتِهِ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلْعِلْمِ وَالْمُعَلِّمِ فَبِتَوَاضُعِهِ يَنَالُهُ: وَقَدْ
[ ١ / ٣٥ ]
أُمِرْنَا بِالتَّوَاضُعِ مُطْلَقًا فَهُنَا أَوْلَى: وَقَدْ قَالُوا الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْمُتَعَالِي كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي: وَيَنْقَادَ لِمُعَلِّمِهِ وَيُشَاوِرَهُ فِي أُمُورِهِ وَيَأْتَمِرَ بِأَمْرِهِ كَمَا يَنْقَادُ الْمَرِيضُ لِطَبِيبٍ حَاذِقٍ نَاصِحٍ وَهَذَا أَوْلَى لِتَفَاوُتِ
مَرْتَبَتِهِمَا: قَالُوا وَلَا يَأْخُذُ الْعِلْمَ إلَّا مِمَّنْ كَمُلَتْ أَهْلِيَّتُهُ وَظَهَرَتْ دِيَانَتُهُ وَتَحَقَّقَتْ مَعْرِفَتُهُ وَاشْتَهَرَتْ صِيَانَتُهُ وَسِيَادَتُهُ: فَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ وَخَلَائِقُ مِنْ السَّلَفِ هَذَا الْعِلْمُ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ: وَلَا يَكْفِي في أهليته التَّعْلِيمِ أَنْ يَكُونَ كَثِيرَ الْعِلْمِ بَلْ يَنْبَغِي مع كثيرة عِلْمِهِ بِذَلِكَ الْفَنِّ كَوْنُهُ لَهُ مَعْرِفَةً فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْفُنُونِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ وَيَكُونُ لَهُ دُرْبَةٌ وَدِينٌ وَخُلُقٌ جَمِيلٌ وَذِهْنٌ صحيح واطلاع تام: قالوا وَلَا تَأْخُذْ الْعِلْمَ مِمَّنْ كَانَ أَخْذُهُ لَهُ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ عَلَى شُيُوخٍ أَوْ شَيْخٍ حَاذِقٍ فَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا مِنْ الْكُتُبِ يَقَعُ فِي التَّصْحِيفِ وَيَكْثُرُ مِنْهُ الْغَلَطُ وَالتَّحْرِيفُ
* وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ مُعَلِّمَهُ بِعَيْنِ الِاحْتِرَامِ وَيَعْتَقِدَ كَمَالَ أَهْلِيَّتِهِ وَرُجْحَانَهُ عَلَى اكثر طبقته فهو أقرب إلى انتفائه بِهِ وَرُسُوخِ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي ذِهْنِهِ: وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا ذَهَبَ إلَى معلمه تصدق بشئ وَقَالَ اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَيْبَ مُعَلِّمِي عَنِّي وَلَا تُذْهِبْ بَرَكَةَ عِلْمِهِ مِنِّي: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ كُنْتُ أَصْفَحُ الْوَرَقَةَ بَيْنَ يَدَيْ مَالِكٍ ﵀ صَفْحًا رَفِيقًا هَيْبَةً لَهُ لِئَلَّا يَسْمَعَ وَقْعَهَا
* وَقَالَ الرَّبِيعُ وَاَللَّهِ مَا اجْتَرَأْتُ أَنْ أَشْرَبَ الْمَاءَ وَالشَّافِعِيُّ يَنْظُرُ إلَيَّ هَيْبَةً له: وقال حمدان بن الاصفهانى كنت عِنْدَ شَرِيكٍ ﵀ فَأَتَاهُ بَعْضُ أَوْلَادِ الْمَهْدِيِّ فَاسْتَنَدَ إلَى الْحَائِطِ وَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا ثُمَّ عَادَ فَعَادَ لِمِثْلِ ذَلِكَ فَقَالَ أَتَسْتَخِفُّ بِأَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ فَقَالَ شَرِيكٌ لَا وَلَكِنَّ الْعِلْمَ أَجَلُّ عِنْدَ الله تعالى من أن أضعه فبحثا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ شَرِيكٌ هَكَذَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ: وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ عَلَيْكَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الْقَوْمِ عَامَّةً وَتَخُصَّهُ بِالتَّحِيَّةِ وَأَنْ تَجْلِسَ أَمَامَهُ وَلَا تُشِيرَنَّ عِنْدَهُ بِيَدِكَ وَلَا تَعْمِدَنَّ بِعَيْنِكَ غَيْرَهُ وَلَا تَقُولَنَّ قَالَ فُلَانٌ خِلَافَ قَوْلِهِ وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا وَلَا تُسَارَّ فِي مَجْلِسِهِ وَلَا تَأْخُذْ بِثَوْبِهِ وَلَا تُلِحَّ عَلَيْهِ إذَا كَسَلَ وَلَا تَشْبَعَ مِنْ طُولِ صُحْبَتِهِ فَإِنَّمَا هُوَ كَالنَّخْلَةِ تَنْتَظِرُ متى يسقط عليك منها شئ
* ومن آداب المتعلم ان يتحرى رضى الْمُعَلِّمِ وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَ نَفْسِهِ وَلَا يَغْتَابَ عِنْدَهُ وَلَا يُفْشِيَ لَهُ سِرًّا: وَأَنْ يَرُدَّ غَيْبَتَهُ إذَا سَمِعَهَا فَإِنْ عَجَزَ فَارَقَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ: وَأَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَإِذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ قَدَّمُوا أَفْضَلَهُمْ وَأَسَنَّهُمْ: وَأَنْ يَدْخُلَ كَامِلَ الْهَيْبَةِ فَارِغَ الْقَلْبِ مِنْ الشَّوَاغِلِ مُتَطَهِّرًا مُتَنَظِّفًا بِسِوَاكٍ وَقَصِّ شَارِبٍ وَظُفْرٍ وَإِزَالَةِ كَرِيهِ رَائِحَةٍ: وَيُسَلِّمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ كُلِّهِمْ بِصَوْتٍ يُسْمِعُهُمْ
إسْمَاعًا مُحَقَّقًا: وَيَخُصَّ الشَّيْخَ بِزِيَادَةِ إكْرَامٍ وَكَذَلِكَ يُسَلِّمَ إذَا انْصَرَفَ: فَفِي الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِذَلِكَ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى مَنْ أَنْكَرَهُ: وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ: وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَيَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ الشَّيْخُ أَوْ الْحَاضِرُونَ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّخَطِّي أَوْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِهِمْ إيثَارَ ذَلِكَ: وَلَا يُقِيمَ أَحَدًا مِنْ مَجْلِسِهِ فَإِنْ آثَرَهُ غَيْرُهُ بِمَجْلِسِهِ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْحَاضِرِينَ بِأَنْ يَقْرُبَ مِنْ الشَّيْخِ وَيُذَاكِرَهُ مُذَاكَرَةً يَنْتَفِعُ الْحَاضِرُونَ بِهَا: وَلَا يَجْلِسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ: وَلَا بَيْنَ صَاحِبَيْنِ إلَّا بِرِضَاهُمَا: وَإِذَا فُسِحَ لَهُ قَعَدَ وَضَمَّ نَفْسَهُ: وَيَحْرِصَ عَلَى
[ ١ / ٣٦ ]
الْقُرْبِ مِنْ الشَّيْخِ لِيَفْهَمَ كَلَامَهُ فَهْمًا كَامِلًا بِلَا مَشَقَّةٍ وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى أَفْضَلَ مِنْهُ: وَيَتَأَدَّبَ مَعَ رُفْقَتِهِ وَحَاضِرِي الْمَجْلِسِ فَإِنَّ تَأَدُّبَهُ مَعَهُمْ تَأَدُّبٌ مَعَ الشَّيْخِ وَاحْتِرَامٌ لِمَجْلِسِهِ: وَيَقْعُدَ قَعْدَةَ الْمُتَعَلِّمِينَ لَا قَعْدَةَ الْمُعَلِّمِينَ: وَلَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ رَفْعًا بَلِيغًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا يَضْحَكَ وَلَا يُكْثِرَ الْكَلَامَ بِلَا حَاجَةٍ: وَلَا يَعْبَثَ بِيَدِهِ وَلَا غَيْرِهَا: وَلَا يَلْتَفِتَ بِلَا حَاجَةٍ بَلْ يُقْبِلُ عَلَى الشَّيْخِ مُصْغِيًا إلَيْهِ وَلَا يَسْبِقَهُ إلَى شَرْحِ مَسْأَلَةٍ أَوْ جَوَابِ سُؤَال إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ إيثَارَ ذَلِكَ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى فَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّمِ وَلَا يَقْرَأَ عليه شغل قلب الشيخ وملله وغمه ونعاسه واستيفازه وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَوْ يَمْنَعُهُ استيفاء الشرح ولا يسئله عن شئ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُهُ وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ إلْحَاحًا مُضْجِرًا.
وَيَغْتَنِمَ سُؤَالَهُ عِنْدَ طِيبِ نَفْسِهِ وَفَرَاغِهِ.
وَيَتَلَطَّفَ فِي سُؤَالِهِ.
وَيُحْسِنَ خِطَابَهُ وَلَا يَسْتَحِي مِنْ السُّؤَالِ عَمَّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ بَلْ يَسْتَوْضِحُهُ أَكْمَلَ اسْتِيضَاحٍ فَمَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ وَمَنْ رَقَّ وَجْهُهُ عِنْدَ السُّؤَالِ ظَهَرَ نَقْصُهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ.
وَإِذَا قَالَ له الشيح أَفَهِمْتَ فَلَا يَقُلْ نَعَمْ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الْمَقْصُودُ إيضَاحًا جَلِيًّا لِئَلَّا يَكْذِبَ وَيَفُوتَهُ الْفَهْمُ: وَلَا يَسْتَحِي مِنْ قَوْلِهِ لَمْ أَفْهَمْ لِأَنَّ اسْتِثْبَاتَهُ (١) يُحَصِّلُ لَهُ مَصَالِحَ عَاجِلَةً وَآجِلَةً: فَمِنْ الْعَاجِلَةِ حِفْظُهُ الْمَسْأَلَةَ وَسَلَامَتُهُ مِنْ كَذِبٍ وَنِفَاقٍ بِإِظْهَارِهِ فَهْمَ مَا لَمْ يَكُنْ فَهِمَهُ
* وَمِنْهَا اعْتِقَادُ الشَّيْخِ اعْتِنَاءَهُ وَرَغْبَتَهُ وَكَمَالَ عَقْلِهِ وَوَرَعَهُ وَمِلْكَهُ لِنَفْسِهِ وَعَدَمَ نِفَاقِهِ: وَمِنْ الْآجِلَةِ ثُبُوتُ الصَّوَابِ فِي قَلْبِهِ دَائِمًا وَاعْتِيَادُهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْمُرْضِيَةَ وَالْأَخْلَاقَ الرَّضِيَّةَ.
وَعَنْ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ ﵀ مَنْزِلَةُ الْجَهْلِ بَيْنَ الْحَيَاءِ وَالْأَنَفَةِ: وَيَنْبَغِي إذَا سَمِعَ الشَّيْخَ يَقُولُ مَسْأَلَةً أَوْ يَحْكِي حِكَايَةً وَهُوَ يَحْفَظُهَا أَنْ يُصْغِيَ لَهَا إصْغَاءَ
مَنْ لَمْ يَحْفَظْهَا إلَّا إذَا عَلِمَ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ إيثَارَهُ عِلْمَهِ بِأَنَّ الْمُتَعَلِّمَ حافظها: وينبغي أن يكون حريصا على التعليم مُوَاظِبًا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا حضرا وسفرا وَلَا يُذْهِبُ مِنْ أَوْقَاتِهِ شَيْئًا فِي غَيْرِ الْعِلْمِ إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ لِأَكْلٍ وَنَوْمٍ قَدْرًا لا بد منه ونحوهما كاستراحة يسيرة لا زالة الْمَلَلِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَلَيْسَ بِعَاقِلٍ مَنْ أَمْكَنَهُ دَرَجَةُ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ فَوَّتَهَا.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ حَقٌّ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ بُلُوغُ غَايَةِ جُهْدِهِمْ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ عِلْمِهِ وَالصَّبْرُ عَلَى كُلِّ عَارِضٍ دُونَ طَلَبِهِ وَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي إدْرَاكِ عِلْمِهِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا وَالرَّغْبَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَوْنِ عَلَيْهِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ.
قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَجْوَدُ أَوْقَاتِ الْحِفْظِ الْأَسْحَارُ ثُمَّ نِصْفُ النَّهَارِ ثُمَّ الْغَدَاةُ وَحِفْظُ اللَّيْلِ أَنْفَعُ مِنْ حِفْظِ النَّهَارِ وَوَقْتُ الْجُوعِ أَنْفَعُ مِنْ وَقْتِ الشِّبَعِ: قَالَ وَأَجْوَدُ أَمَاكِنِ الْحِفْظِ الْغُرَفُ وَكُلُّ مَوْضِعٍ بَعُدَ عن الملهيات قال وَلَيْسَ بِمَحْمُودٍ الْحِفْظُ بِحَضْرَةِ النَّبَاتِ وَالْخُضْرَةِ وَالْأَنْهَارِ: وَقَوَارِعِ الطُّرُقِ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ غَالِبًا خُلُوَّ الْقَلْبِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ عَلَى جَفْوَةِ شَيْخِهِ وَسُوءِ خُلُقِهِ وَلَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ مُلَازَمَتِهِ وَاعْتِقَادِ كماله ويتأول لا فعاله الَّتِي ظَاهِرُهَا الْفَسَادُ تَأْوِيلَاتٍ صَحِيحَةً فَمَا يَعْجَزُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا قَلِيلُ التَّوْفِيقِ: وَإِذَا جَفَاهُ الشَّيْخُ ابْتَدَأَ هُوَ بِالِاعْتِذَارِ وَأَظْهَرَ أَنَّ الذَّنْبَ لَهُ وَالْعَتْبَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ دِينًا وَدُنْيَا وَأَبْقَى لِقَلْبِ شَيْخِهِ: وَقَدْ قَالُوا مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى ذُلِّ التَّعَلُّمِ بَقِيَ عُمُرَهُ في
_________________
(١) هكذا في نسخة: وفي نسخة بدل استثبات: استيثاق:
[ ١ / ٣٧ ]
عَمَايَةِ الْجَهَالَةِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَيْهِ آلَ أَمْرُهُ إلى عزالآخرة وَالدُّنْيَا وَمِنْهُ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ذلك طَالِبًا فَعُزِّزْتُ مَطْلُوبًا
* وَمِنْ آدَابِهِ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ وَأَنْ يَكُونَ هِمَّتُهُ عَالِيَةً فَلَا يَرْضَى بِالْيَسِيرِ مع امكان كثير وَأَنْ لَا يُسَوِّفَ فِي اشْتِغَالِهِ وَلَا يُؤَخِّرُ تَحْصِيلَ فَائِدَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهَا وَإِنْ أَمِنَ حُصُولَهَا بَعْدَ سَاعَةٍ لِأَنَّ لِلتَّأْخِيرِ آفات ولا نه فِي الزَّمَنِ الثَّانِي يُحَصِّلُ غَيْرَهَا: وَعَنْ الرَّبِيعِ قَالَ لَمْ أَرَ الشَّافِعِيَّ آكِلًا بِنَهَارٍ وَلَا نائما بليل لا هتمامه بِالتَّصْنِيفِ: وَلَا يُحَمِّلُ نَفْسَهُ مَا لَا تُطِيقُ مَخَافَةَ الْمَلَلِ وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ: وَإِذَا جَاءَ مَجْلِسَ الشَّيْخِ فَلَمْ يَجِدْهُ انْتَظَرَهُ وَلَا يُفَوِّتُ
دَرْسَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ كَرَاهَةَ الشَّيْخِ لِذَلِكَ بِأَنْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِهِ الْإِقْرَاءَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَشُقَّ عَلَيْهِ بِطَلَبِ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِهِ: قَالَ الْخَطِيبُ وَإِذَا وَجَدَهُ نَائِمًا لَا يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ أَوْ يَنْصَرِفُ وَالِاخْتِيَارُ الصَّبْرُ كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسَّلَفُ يَفْعَلُونَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ التَّحْصِيلَ فِي وَقْتِ الْفَرَاغِ وَالنَّشَاطِ وَحَالِ الشَّبَابِ وَقُوَّةِ البدن ونباهة الخاطى وَقِلَّةِ الشَّوَاغِلِ قَبْلَ عَوَارِضِ الْبَطَالَةِ وَارْتِفَاعِ الْمَنْزِلَةِ: فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ ﵁ تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تَسُودُوا: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَفَقَّهْ قَبْلَ أَنْ تَرْأَسَ فَإِذَا رَأَسْتَ فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّفَقُّهِ: وَيَعْتَنِيَ بِتَصْحِيحِ دَرْسِهِ الَّذِي يَتَحَفَّظُهُ تَصْحِيحًا مُتْقَنًا عَلَى الشَّيْخِ ثُمَّ يَحْفَظُهُ حِفْظًا محكما ثم بعد حفظه يُكَرِّرُهُ مَرَّاتٍ لِيَرْسَخَ رُسُوخًا مُتَأَكَّدًا ثُمَّ يُرَاعِيه بحيت لا يزال محفوظا جيدا ويبتدأ دَرْسَهُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَالدُّعَاءِ لِلْعُلَمَاءِ وَمَشَايِخِهِ وَوَالِدَيْهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَيُبَكِّرُ بِدَرْسِهِ لِحَدِيثِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لا متى فِي بُكُورِهَا وَيُدَاوِمُ عَلَى تَكْرَارِ مَحْفُوظَاتِهِ وَلَا يَحْفَظُ ابْتِدَاءً مِنْ الْكُتُبِ اسْتِقْلَالًا بَلْ يُصَحِّحُ عَلَى الشَّيْخِ كَمَا ذَكَرْنَا فَالِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْمَفَاسِدِ: وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ مَنْ تَفَقَّهَ مِنْ الْكُتُبِ ضَيَّعَ الْأَحْكَامَ: وَلْيُذَاكِرْ بِمَحْفُوظَاتِهِ وَلْيُدِمْ الْفِكْرَ فِيهَا وَيَعْتَنِي بِمَا يُحَصِّلُ فِيهَا مِنْ الْفَوَائِدِ وَلْيُرَافِقْ بَعْضَ حَاضِرِي حَلْقَةِ الشَّيْخِ فِي الْمُذَاكَرَةِ: قَالَ الْخَطِيبُ.
وَأَفْضَلُ الْمُذَاكَرَةِ مُذَاكَرَةُ اللَّيْلِ وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ السلف يفعلون ذلك وكان جماعة منهم يبدؤن من لعشاء فَرُبَّمَا لَمْ يَقُومُوا حَتَّى يَسْمَعُوا أَذَانَ الصُّبْحِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ مِنْ دُرُوسِهِ عَلَى الْمَشَايِخِ: وَفِي الْحِفْظِ وَالتَّكْرَارِ وَالْمُطَالَعَةِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ: وَأَوَّلُ مَا يَبْتَدِئُ بِهِ حِفْظُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَهُوَ أَهَمُّ الْعُلُومِ وَكَانَ السَّلَفُ لَا يُعَلِّمُونَ الْحَدِيثَ والفقه إلا لمن حفظ الْقُرْآنَ وَإِذَا حَفِظَهُ فَلْيَحْذَرْ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْهُ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمَا اشْتِغَالًا يُؤَدِّي إلَى نِسْيَانِ شئ مِنْهُ أَوْ تَعْرِيضِهِ لِلنِّسْيَانِ: وَبَعْدَ حِفْظِ الْقُرْآنِ يَحْفَظُ مِنْ كُلِّ فَنٍّ مُخْتَصَرًا وَيَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ وَمِنْ أَهَمِّهَا الْفِقْهُ وَالنَّحْوُ ثُمَّ الْحَدِيثُ وَالْأُصُولُ ثُمَّ الْبَاقِي عَلَى مَا تَيَسَّرَ ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِاسْتِشْرَاحِ مَحْفُوظَاتِهِ وَيَعْتَمِدُ مِنْ الشُّيُوخِ فِي كُلِّ فن أكملهما فِي الصِّفَاتِ السَّابِقَةِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ شَرْحُ دُرُوسٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَعَلَ وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى الْمُمْكِنِ مِنْ دَرْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَغَيْرِهَا فَإِذَا اعْتَمَدَ شَيْخًا فِي فَنٍّ وَكَانَ لَا يَتَأَذَّى بِقِرَاءَةِ ذَلِكَ الْفَنِّ عَلَى غَيْرِهِ فَلْيَقْرَأْ أَيْضًا عَلَى ثَانٍ وَثَالِثٍ وَأَكْثَرَ مَا لَمْ يَتَأَذَّوْا فان تأذ الْمُعْتَمَدُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَرَاعَى قَلْبَهُ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى انْتِفَاعِهِ: وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَنْبَغِي
أَنْ لَا يَتَأَذَّى مِنْ هَذَا: وَإِذَا بَحَثَ الْمُخْتَصَرَاتِ انْتَقَلَ إلَى بَحْثٍ أَكْبَرَ مِنْهَا مَعَ الْمُطَالَعَةِ الْمُتْقَنَةِ وَالْعِنَايَةِ الدَّائِمَةِ الْمُحْكَمَةِ وَتَعْلِيقِ مَا يَرَاهُ مِنْ النَّفَائِسِ: وَالْغَرَائِبِ وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ مِمَّا يَرَاهُ فِي الْمُطَالَعَةِ أَوْ يَسْمَعُهُ
[ ١ / ٣٨ ]