الِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِنْجَاءُ وَالِاسْتِجْمَارُ عِبَارَاتٌ عَنْ إزَالَةِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَنْ مَخْرَجِهِ فَالِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِنْجَاءُ يَكُونَانِ تَارَةً بِالْمَاءِ وَتَارَةً بِالْأَحْجَارِ وَالِاسْتِجْمَارُ يَخْتَصُّ بِالْأَحْجَارِ مَأْخُوذًا مِنْ الْجِمَارِ وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ وَأَمَّا الِاسْتِطَابَةُ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُطَيِّبُ نَفْسَهُ بِإِزَالَةِ الْخَبَثِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ يُقَالُ اسْتَطَابَ يَسْتَطِيبُ فَهُوَ مُسْتَطِيبٌ وَأَطَابَ يُطِيبُ فَهُوَ مُطَيِّبٌ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ: وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ قَالَ شِمْرٌ هو مأخوذ من نجوت الشجرة وَأَنْجَيْتُهَا إذَا قَطَعْتُهَا كَأَنَّهُ يَقْطَعُ الْأَذَى عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوَةِ وَهِيَ مَا يَرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ وَكَانَ الرَّجُلُ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ تَسَتَّرَ بِنَجْوَةٍ قَالَ الازهرى قول شمر أصح والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [إذا أراد دخول الخلاء ومعه شئ عليه ذكر الله تعالى فالمستحب أن ينحيه لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وضع خاتمه) وانما وضعه لانه كان عليه محمد رسول الله]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا مَشْهُورٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي اللِّبَاسِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُد هُوَ مُنْكَرٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ وَقَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَخَالَفَهُمْ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ: وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا وَضَعَهُ إلَى آخِرِهِ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا مِنْ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُ صَحِيحٌ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ (أَنَّ نَقْشَ
خَاتَمِهِ ﷺ كَانَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وَيُقَالُ خَاتِمٌ وَخَاتَمٌ بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَخَاتَامٌ وَخَيْتَامٌ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَالْخَلَاءُ بِالْمَدِّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْخَالِي وَقَوْلُهُ كَانَ إذَا دخل الخلاء أي أراد الدخول: أم حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ تَنْحِيَةِ مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ إرَادَةِ دُخُولِ الْخَلَاءِ وَلَا تَجِبُ التَّنْحِيَةُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ الِانْتِخَابِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْكَافِي وَآخَرُونَ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وغيرهما لافرق فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ دِرْهَمًا وَدِينَارًا أَوْ خَاتَمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ عُوذَةٌ وَهِيَ الْحُرُوزُ الْمَعْرُوفَةُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُنَحِّيَهُ
[ ٢ / ٧٣ ]
صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَأَلْحَقَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْوَسِيطِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى اسْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يَسْتَصْحِبُ شَيْئًا عَلَيْهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْجُمْهُورُ لِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي اخْتِصَاصِ هَذَا الْأَدَبِ بِالْبُنْيَانِ وَجْهَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ يَخْتَصُّ وَقَطَعَ الجمهور بانه يشترك فيه البنيان وَالصَّحْرَاءُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِذَا كَانَ مَعَهُ خَاتَمٌ فَقَدْ قُلْنَا يَنْزِعُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا وَدَخَلَ فَقِيلَ يَضُمُّ عَلَيْهِ كَفَّهُ لِئَلَّا يَظْهَرَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنْ لَمْ يَنْزِعْهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ التَّرْخِيصَ في استصحابه والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ بِاسْمِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ ﷺ (سِتْرُ مابين عورات امتى واعين الجن باسم الله)]
* [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَالسِّتْرُ بِكَسْرِ السِّينِ الْحِجَابُ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقَال مَا دُونَ ذَلِكَ الْأَمْرِ سِتْرٌ وَمَا دُونَهُ حِجَابٌ وَمَا دُونَهُ وَجَاحٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْوَجَاحُ بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ وَجِيمٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَقَوْلُهُ بِاسْمِ اللَّهِ هَكَذَا يُكْتَبُ بِاسْمِ بِالْأَلِفِ وَإِنَّمَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِكَثْرَةِ تكررها كَذَا عَلَّلَهُ أَهْلُ الْأَدَبِ وَالْمُصَنِّفُونَ فِي الْخَطِّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ إذَا دَخَلَ أَيْ
أَرَادَ الدُّخُولَ وَهَذَا الْأَدَبُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ الصَّحْرَاءُ وَالْبُنْيَانُ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَالْأَصْحَابُ والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ ذَلِكَ]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْخُبُثُ بِضَمِّ الْبَاءِ جَمَاعَةُ الْخَبِيثِ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ الْخَبِيثَةِ يُرِيدُ ذُكُورَ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثَهُمْ قَالَ وَعَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَ خُبْثٌ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ الضَّمُّ وَهَذَا الَّذِي غَلَّطَهُمْ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ لَيْسَ بِغَلَطٍ بَلْ إنْكَارُ تَسْكِينِ الْبَاءِ وَشِبْهِهِ غلط فان
[ ٢ / ٧٤ ]
التَّسْكِينَ فِي هَذَا وَشِبْهِهِ جَائِزٌ تَخْفِيفًا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَهُوَ بَابٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ فَمِنْ ذَلِكَ كُتُبٌ وَرُسُلٌ وَعُنُقٌ وَأَشْبَاهُهَا مِمَّا هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ مَضْمُومُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيَّ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنًا فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يُرِدْ إنْكَارَ الْإِسْكَانِ تَخْفِيفًا وَلَكِنَّ عِبَارَتَهُ مُوهِمَةٌ وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنُ سَلَامٍ إمَامُ هَذَا الْفَنِّ وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَوَوْهُ سَاكِنَ الْبَاءِ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ الْخُبْثُ الشَّرُّ وَقِيلَ الْكُفْرُ وَقِيلَ الشَّيْطَانُ وَالْخَبَائِثُ الْمَعَاصِي قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ الْخُبْثُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَكْرُوهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَلَامِ فَهُوَ الشَّتْمُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِلَلِ فَهُوَ الْكُفْرُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الطَّعَامِ فَهُوَ الْحَرَامُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّرَابِ فَهُوَ الضَّارُّ: وَقَوْلُهُ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ أَيْ إذَا أَرَادَ دُخُولَهُ وَكَذَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَهَذَا الذِّكْرُ مَجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَسَوَاءٌ فيه البناء والصحراء وقول المصنف يقول اسم اللَّهِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ التَّسْمِيَةَ وَهَكَذَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا (بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ) وَيُخَالِفُ هَذَا التَّعَوُّذَ فِي الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى البسملة لان التعوذ هناك للقراء وَالْبَسْمَلَةُ مِنْ الْقُرْآنِ فَقُدِّمَ التَّعَوُّذُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ هذا: والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[وَيَقُولُ إذَا خَرَجَ غُفْرَانَكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي) وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْخَلَاءِ إلَّا قَالَ (غُفْرَانَكَ)] [الشرح] الحديث أَبِي ذَرٍّ هَذَا ضَعِيفٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِهِ عَمَلُ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ طُرُقٍ بَعْضُهَا مَرْفُوعٌ وَبَعْضُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَإِسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ غَيْرُ قَوِيٍّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادٍ ضعيف قال الترمذي لايعرف فِي هَذَا الْبَابِ إلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ
[ ٢ / ٧٥ ]
حَسَنٌ وَلَفْظُ رِوَايَتِهِمْ كُلِّهِمْ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ (غُفْرَانَكَ) وَبَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ وَلَفْظِ الْمُصَنِّفِ تَفَاوُتٌ لَا يَخْفَى لَكِنَّ الْمَقْصُودَ يحصل: وجاء فِي الَّذِي يُقَالُ عَقِبَ الْخُرُوجِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ليس فيها شئ ثَابِتٌ إلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ وَهَذَا مُرَادُ الترمذي بقوله لايعرف فِي الْبَابِ إلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَغُفْرَانَكَ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ أَوْ اغْفِرْ غُفْرَانَكَ وَالْوَجْهَانِ مَقُولَانِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (غفرانك ربنا) وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ وَاخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقِيلَ فِي سَبَبِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الذِّكْرَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَالَ لَبْثِهِ عَلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ لا يهجر ذكر الله تعال إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ: وَالثَّانِي أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ خَوْفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَّمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ فَرَأَى شُكْرَهُ قَاصِرًا عَنْ بُلُوغِ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَتَدَارَكَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَقَوْلُهَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ أَيْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَغَوَّطُ فِيهِ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُ الْغَائِطِ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ كَانُوا يَأْتُونَهُ لِلْحَاجَةِ فَكَنَوْا بِهِ عَنْ نَفْسِ الْحَدَثِ كَرَاهَةً لِاسْمِهِ وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ التَّعَفُّفُ فِي أَلْفَاظِهَا وَاسْتِعْمَالُ الْكِنَايَاتِ فِي كَلَامِهَا وَصَوْنُ الْأَلْسُنِ مِمَّا تُصَانُ الْأَبْصَارُ وَالْأَسْمَاعُ عَنْهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْبِنَاءُ وَالصَّحْرَاءُ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ
وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَبُو ذَرٍّ اسْمُهُ جُنْدَبُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا ابْنُ جُنَادَةَ بِالضَّمِّ وَقِيلَ فِي اسْمِهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَقِيلَ خَامِسُ خَمْسَةٍ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَزُهْدُهُ مِنْ الْمَشْهُورَاتِ تُوُفِّيَ بِالرَّبْذَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَقَدْ بَسَطْتُ أَحْوَالَهُ فِي تَهْذِيبِ الاسماء ﵁ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* [وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ فِي الدُّخُولِ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَفِي الْخُرُوجِ الْيُمْنَى لِأَنَّ الْيَسَارَ لِلْأَذَى وَالْيُمْنَى لما سواه]
[ ٢ / ٧٦ ]
(الشَّرْحُ) الْيَسَارُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ الْفَتْحُ أَفْصَحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَهُمْ ابْنُ دُرَيْدٍ وَهَذَا الْأَدَبُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ التَّكْرِيمِ بُدِئَ فِيهِ بِالْيُمْنَى وَخِلَافُهُ بِالْيَسَارِ وَقَدْ قَدَّمْتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِأَمْثِلَتِهَا وَدَلَائِلِهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْيَدِ وَفِي اخْتِصَاصِ هَذَا الْأَدَبِ بِالْبُنْيَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يَخْتَصُّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَثِيرِينَ وَأَصَحُّهُمَا لَا يَخْتَصُّ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ قَالَ فَيُقَدِّمُ فِي الصَّحْرَاءِ رِجْلَهُ الْيُسْرَى إذَا بَلَغَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ وَإِذَا فرغ قدم اليمنى في انصرافه * قال المصنف ﵀
* [وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ أَبْعَدَ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ إذَا ذَهَبَ إلَى الغائط ابعد) ويستتر عن العيون بشئ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَتِرْ به]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ الْمُغِيرَةِ أَيْضًا قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ يَا مُغِيرَةُ خُذْ الْإِدَاوَةَ فَأَخَذْتُهَا فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ الْبَرَازَ
انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ يَسِيرٌ وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَهُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَحَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ (كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْحَائِشُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْحَائِطُ وَالْكَثِيبُ بالثاء المثلثة قطعة من الرمل مستطيلة محدودبة تُشْبِهُ الرَّبْوَةَ وَهَذَانِ الْأَدَبَانِ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِمَا وَجَاءَ فِيهِمَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جَمَعْتُهَا فِي جَامِعِ السُّنَّةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَحْصُلُ هَذَا التَّسَتُّرُ بِأَنْ يَكُونَ فِي بِنَاءٍ مُسَقَّفٍ أَوْ مُحَوَّطٍ يُمْكِنُ سَقْفُهُ أَوْ يَجْلِسَ قَرِيبًا مِنْ جِدَارٍ وَشِبْهِهِ وَلْيَكُنْ السَّاتِرُ قَرِيبًا مِنْ
[ ٢ / ٧٧ ]
آخِرَةِ الرَّحْلِ وَلْيَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ فَأَقَلُّ وَلَوْ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَتَسَتَّرَ بِهَا أَوْ جَلَسَ فِي وَهْدَةٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ أَرْخَى ذيله حصل هذا الغرض والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا لِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ) وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَوَقَدْ فَعَلُوهَا حَوِّلُوا بِمَقْعَدَتِي إلَى الْقِبْلَةِ) وَلِأَنَّ فِي الصَّحْرَاءِ خَلْقًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ يُصَلُّونَ فيستقبلهم بفرجه وليس ذلك في البنيان]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي الْأُمِّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ دُونَ قَوْلِهِ لِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَيُّوب وَوَقَعَ في المذهب لِغَائِطٍ بِاللَّامِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ لِغَائِطٍ وَبِغَائِطٍ بِاللَّامِ وَبِالْبَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَكِنْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ إلَى أَنَّ فِيهِ عِلَّةً وَقَوْلُهُ ﷺ (أو قد فَعَلُوهَا) هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهِيَ وَاوُ الْعَطْفِ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي تفسير قول الله تعالى (أو لو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) إنَّمَا جَعَلَ الِاسْتِفْهَامَ لِلتَّوْبِيخِ
لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ بِمَا الْإِقْرَارُ بِهِ فَضِيحَةٌ كَمَا يَقْتَضِي الِاسْتِفْهَامُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وَالْمَقْعَدَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وهى موضع العقود لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ مَا سَأَذْكُرُهُ فِي فُرُوعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ صَاحِبُ الشَّامِلِ إنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ فِي الْبُنْيَانِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ وَنَحْوِهِ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَهَا وَيَكُونَ الْجِدَارُ وَنَحْوُهُ مُرْتَفِعًا قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فان
[ ٢ / ٧٨ ]
زَادَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثِ أَذْرُعٍ أَوْ قَصُرَ الْحَائِلُ عَنْ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَهُوَ حَرَامٌ إلَّا إذَا كَانَ فِي بَيْتٍ بُنِيَ لِذَلِكَ فَلَا حَرَجَ فِيهِ قَالُوا وَلَوْ كَانَ فِي الصحراء وتستر بشئ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الشَّرْطَيْنِ زَالَ التَّحْرِيمُ فَالِاعْتِبَارُ بِالسَّاتِرِ وَعَدَمِهِ فَحَيْثُ وُجِدَ السَّاتِرُ بِالشَّرْطَيْنِ حَلَّ فِي الْبِنَاءِ وَالصَّحْرَاءِ وَحَيْثُ فُقِدَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ حَرُمَ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبِنَاءِ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي يَحِلُّ فِي الْبِنَاءِ مُطْلَقًا بِلَا شَرْطٍ وَيَحْرُمُ فِي الصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا وَإِنْ قَرُبَ مِنْ السَّاتِرِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا فَرْقَ فِي السَّاتِرِ بَيْنَ الْجِدَارِ وَالدَّابَّةِ وَالْوَهْدَةِ (١) وَكَثِيبِ الرَّمْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: وَلَوْ أَرْخَى ذَيْلَهُ فِي قُبَالَةِ الْقِبْلَةِ فَهَلْ يَحْصُلُ بِهِ السَّتْرُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا لَا يَحْصُلُ لِأَنَّهُ لَا يعد ساتر أو أصحهما يَحْصُلُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ وَلَا يستدير بسوءته وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِالذَّيْلِ وَبِهَذَا الثَّانِي قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَحَيْثُ جَوَّزْنَا الِاسْتِقْبَالَ قَالَ الْمُتَوَلِّي يُكْرَهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا كَانَ فِي بَيْتٍ يُعَدُّ مِثْلُهُ سَاتِرًا لَمْ يَحْرُمْ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ لَكِنَّ الادب ان يتوقاهما ويهيئ مجلسه مائلا عَنْهُمَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْجُمْهُورُ لِلْكَرَاهَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَوَلِّي وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنَّ الْأَدَبَ وَالْأَفْضَلَ الْمَيْلُ عَنْ الْقِبْلَةِ إذَا أَمْكَنَ بِلَا مشقة والله أعلم
*
_________________
(١) قال العمرانى في زوائده ولو كان في وهدة وبينه وبين ما يستره من الارض أو شجرة فوجهان اصحهما حصول الستر والثانى المنع لانه يقع عليه اسم الصحراء اه اذرعي
[ ٢ / ٧٩ ]
(فَرْعٌ)
إذَا تَجَنَّبَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا حَالَ خُرُوجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ثُمَّ أَرَادَ اسْتِقْبَالَهَا حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ فَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا وَإِطْلَاقُ أَصْحَابِنَا جَوَازَهُ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ فِي الحلية جوزاه عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ يَحْتَمِلُهُ مَذْهَبُنَا وَلَا كَرَاهَةَ أَيْضًا فِي إخْرَاجِ الرِّيحِ إلَى الْقِبْلَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي كِتَابِهِ الْكِفَايَةِ يَجُوزُ عِنْدَنَا الْجِمَاعُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَمُسْتَدْبِرَهَا فِي الْبِنَاءِ وَالصَّحْرَاءِ قَالَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَرِهَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَنَقَلَ غَيْرُ العبدرى من اصحابنا ايضا انه لاكراهة فِيهِ عِنْدَنَا لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَا اسْتِدْبَارُهُ لَا فِي الْبِنَاءِ وَلَا فِي الصَّحْرَاءِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِكَوْنِهِ كَانَ قِبْلَةً: وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ ﵁ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلي عليه وسلم أن يستقبل الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد فَأَجَابَ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِجَوَابَيْنِ لِمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَيْثُ كَانَ قِبْلَةً ثُمَّ نَهَى عَنْ الْكَعْبَةِ حِينَ صَارَتْ قِبْلَةً فَجَمَعَهُمَا الرَّاوِي قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي هَذَا تَأْوِيلُ أبي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَالثَّانِي الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِأَنَّ مَنْ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ وَإِنْ اسْتَدْبَرَهُ اسْتَقْبَلَهَا وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِهِمَا النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي هَذَا تَأْوِيلٌ
[ ٢ / ٨٠ ]
عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَهَذَانِ تَأْوِيلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْأَصْحَابِ وَلَكِنْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَعْفٌ وَالظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ عَامٌّ لِكِلْتَيْهِمَا فِي كُلِّ مَكَان وَلَكِنَّهُ فِي الْكَعْبَةِ نَهْيُ تَحْرِيمٍ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَلَى مَا سَبَقَ وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ وَلَا يَمْتَنِعُ جَمْعُهُمَا فِي النَّهْيِ وَإِنْ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُ وَسَبَبُ النَّهْيِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَوْنُهُ كَانَ قِبْلَةً فَبَقِيَتْ لَهُ حُرْمَةُ الْكَعْبَةِ
وَقَدْ اخْتَارَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ فَإِنْ قِيلَ لِمَ حَمَلْتُمُوهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى التَّنْزِيهِ قُلْنَا لِلْإِجْمَاعِ فَلَا نَعْلَمُ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ خرمه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ هِيَ أربعة مذاهب أحدها مذهب الشافع أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فِي الصَّحْرَاءِ جَائِزٌ فِي الْبُنْيَانِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهَذَا قَوْلُ الْعَبَّاسِ ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالشَّعْبِيِّ وَمَالِكٍ وَإِسْحَاقَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ
* وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي يَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبِنَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ
* وَالثَّالِثُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبِنَاءِ وَالصَّحْرَاءِ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَرَبِيعَةَ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ
* وَالرَّابِعُ يَحْرُمُ الِاسْتِقْبَالُ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبِنَاءِ وَيَحِلُّ الِاسْتِدْبَارُ فِيهِمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ
* وَاحْتَجَّ لِمَنْ حَرَّمَ مُطْلَقًا بِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَةٍ فَلَا يَسْتَقْبِلَنَّ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بول قَالُوا وَلِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْبِنَاءِ كَالصَّحْرَاءِ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَفَى الْحَائِلُ لَجَازَ فِي الصَّحْرَاءِ فَإِنَّ
[ ٢ / ٨١ ]
بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ أَوْدِيَةً وَجِبَالًا وَأَبْنِيَةً
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وبحدث ابن عمر رضى لله عَنْهُمَا قَالَ (رَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرًا الْكَعْبَةَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ (نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهَا فَقُلْنَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا قَالَ بَلَى إنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ فَإِذَا كَانَ
بَيْنَك وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شئ يسترك فلا بأس) رواه أبو داود والدارقطني وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَلِأَنَّهُ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي اجْتِنَابِ الْقِبْلَةِ فِي الْبِنَاءِ دُونَ الصَّحْرَاءِ فَإِنْ قَالُوا خَصُّوا الْجَوَازَ بِمَنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ قُلْنَا الرُّخْصَةُ تَرِدُ لِسَبَبٍ ثُمَّ تَعُمُّ كَالْقَصْرِ وَلِأَنَّ الْأَحَادِيثَ تَعَارَضَتْ فِي المنع والجواز فوجب الجمع بينها ويحصل الجمع بينها بِمَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهَا جَاءَتْ عَلَى فِقْهٍ وَلَا تَكَادُ تَحْصُلُ بِغَيْرِهِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فَهُوَ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ كَانَ بِالصَّحْرَاءِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ: وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا انه شك في عموم النهي فاحتاط الاستغفار وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا مَذْهَبُهُ وَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ صَرِيحًا وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا سَبَقَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمَنْعُ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ وَمَا بَعْدَهُ فَجَوَابُهُ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْفَرْقِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قِيَاسٍ وَمَعْنًى يُخَالِفُهُ: وَمَعَ هَذَا فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ فِي الْبِنَاءِ دُونَ الصَّحْرَاءِ
* وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ مُطْلَقًا بِحَدِيثَيْ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ قَالُوا وَهُمَا نَاسِخَانِ لِلنَّهْيِ قَالُوا وَلِأَنَّ الْأَحَادِيثَ تَعَارَضَتْ فَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ السَّابِقَةَ صَحِيحَةٌ فَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهَا بَلْ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا
[ ٢ / ٨٢ ]
فَجَمَعْنَا بَيْنَهَا وَاسْتَعْمَلْنَاهَا وَلَمْ نُعَطِّلْ شَيْئًا مِنْهَا: واما قولهم ناسخان فخطأ لان السنخ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَلَمْ يَتَعَذَّرْ هُنَا وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ الِاسْتِدْبَارَ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ فَمَحْجُوجٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا جَمِيعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّ فِي الصَّحْرَاءِ خَلْقًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ يُصَلُّونَ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَاعْتَمَدُوهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ التَّابِعِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ تَعْلِيلٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَوْ قَعَدَ قَرِيبًا مِنْ حَائِطٍ وَاسْتَقْبَلَهُ وَوَرَاءَهُ فَضَاءٌ وَاسِعٌ جَازَ بلا شك صرح به امام الحرمين والبغوى وَغَيْرُهُمَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَبَالَ إلَيْهَا فَهَذَا يُبْطِلُ هَذَا التَّعْلِيلَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَجُزْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ مُسْتَدْبِرٌ الْفَضَاءَ الَّذِي فِيهِ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنَّ التَّعْلِيلَ الصَّحِيحَ أَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مُعَظَّمَةٌ فَوَجَبَ صِيَانَتُهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَرُخِّصَ فِيهَا فِي الْبِنَاءِ لِلْمَشَقَّةِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ
اعْتَمَدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض] [الشَّرْحُ] حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ
* وَهَذَا الْأَدَبُ مُسْتَحَبٌّ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ (١) وَمَعْنَاهُ إذَا أَرَادَ الْجُلُوسَ لِلْحَاجَةِ لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ عَنْ عَوْرَتِهِ فِي حَالِ قِيَامِهِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ يُسْبِلَ ثَوْبِهِ إذَا فَرَغَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ تَنَجُّسَ ثَوْبِهِ فَإِنْ خَافَهُ رَفَعَ قَدْرَ جاجته والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَيَرْتَادُ مَوْضِعًا لِلْبَوْلِ فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الْأَصْلِيَّةُ دَقَّهَا بِعُودٍ أَوْ حَجَرٍ حَتَّى لَا يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى وَقَوْلُهُ فَلْيَرْتَدْ أَيْ يَطْلُبُ مَوْضِعًا لَيِّنًا وَأَبُو مُوسَى هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَشْعَرِ جَدِّ الْقَبِيلَةِ تُوُفِّيَ أَبُو مُوسَى بِمَكَّةَ وَقِيلَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وهو ابن
_________________
(١) قلت قال في تعليقه على التنبيه ان هذا مبني على الخلاف في وجوب ستر العورة في الخلوة ان قلنا واجب وهو الاصح كان رفع الثوب قبل الدنو وان لم يحتج إليه حراما وان قلنا لا يجب الستر في الخلوة كان الرفع مكروها لا محرما انتهى لفظه رحمه الله تعالى اه اذرعى
[ ٢ / ٨٣ ]
ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمَنَاقِبُهُ مَشْهُورَةٌ وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّهْذِيبِ
* وَهَذَا الْأَدَبُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَطْلُبُ أَرْضًا لَيِّنَةً تُرَابًا أَوْ رَمْلًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَرْضًا صُلْبَةً دَقَّهَا بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀
* [وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ قَائِمًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ (مابلت) قائما منذ أسلمت ولانه لا يؤمن ان يترشش عليه ولايكره ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا لعلة بمنبضيه]
[الشَّرْحُ] أَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ تَعْلِيقًا لَا مُسْنَدًا وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا فَقَالَ يَا عُمَرُ لَا تَبُلْ قَائِمًا فَمَا بُلْت بَعْدُ قَائِمًا لَكِنَّ إسْنَادَهُ ضَعِيفٌ وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُغْنِي عَنْ هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ مَا كَانَ يَبُولُ إلَّا قَاعِدًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَتَى سباطة قوم فبال قائما) فصحيح روه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعِلَّةٍ بمأبضيه رواه الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ قَالَ لا تثبت هذه الزبادة وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سَبَبِ بَوْلِهِ ﷺ قَائِمًا أَوْجُهًا أَحَدُهَا قَالَا وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أن العرب كانت تشتشفى بِالْبَوْلِ قَائِمًا لِوَجَعِ الصُّلْبِ فَنَرَى أَنَّهُ كَانَ بِهِ ﷺ إذْ ذَاكَ وَجَعُ الصُّلْبِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَارَ هَذَا عَادَةً لِأَهْلِ هَرَاةَ يَبُولُونَ قِيَامًا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً إحْيَاءً لِتِلْكَ السُّنَّةِ: وَالثَّانِي أَنَّهُ لِعَلَّةٍ بِمَأْبِضَيْهِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَصْلُحُ لِلْقُعُودِ فَاحْتَاجَ إلَى الْقِيَامِ إذَا كَانَ الطَّرَفُ الَّذِي يَلِيه عَالِيًا مُرْتَفِعًا
[ ٢ / ٨٤ ]
وَيَجُوزُ وَجْهٌ رَابِعٌ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ: وَأَمَّا السُّبَاطَةُ فَبِضَمِّ السِّينِ وَهِيَ مَلْقَى التُّرَابِ وَالْكُنَاسَةِ وَنَحْوِهَا تَكُونُ بِفِنَاءِ الدُّورِ مِرْفَقًا لِلْقَوْمِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ سَهْلًا لَيِّنًا مُنْثَالًا يُخَدُّ فِيهِ الْبَوْلُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى البائل وأما المئبض فَبِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْمِيم ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ بقلبها ألفا كما في رأس واشباهه والمئبض بَاطِنُ الرُّكْبَةِ مِنْ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ وَجَمْعُهُ مَآبِضُ بِالْمَدِّ كَمَسْجِدٍ وَمَسَاجِدَ وَأَمَّا بَوْلُهُ ﷺ فِي سُبَاطَةِ الْقَوْمِ فَيَحْتَمِلُ أَوْجُهًا أَظْهَرُهَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ أَهْلَهَا يَرْضَوْنَ ذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُونَهُ وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ جَازَ الْبَوْلُ فِي أَرْضِهِ: (الثَّانِي) أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّةً بِهِمْ بَلْ كَانَتْ بِفِنَاءِ دُورِهِمْ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ
لِقُرْبِهَا مِنْهُمْ (الثَّالِثُ) أَنَّهُمْ أَذِنُوا لِمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِيهَا بِصَرِيحِ الْإِذْنِ أَوْ بِمَعْنَاهُ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ قَائِمًا بِلَا عُذْرٍ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَلَا يُكْرَهُ لِلْعُذْرِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اخْتَلَفُوا فِي الْبَوْلِ قائما فثبت عن عمربن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمروسهل ابن سعد انهم بَالُوا قِيَامًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ وأبي هريرة وفعله ابن سرين وَعُرْوَةُ وَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَكَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ مَنْ بَالَ قَائِمًا قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ ان كان في مكان لا يتطاير إليه من البول شئ فمكروه وان تطاير فَلَا كَرَاهَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْبَوْلُ جَالِسًا أَحَبُّ إلَيَّ وَقَائِمًا مُبَاحٌ وَكُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ * قال المصنف ﵀
* [وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي ثُقْبٍ أَوْ سَرَبٍ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (نَهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي جُحْرٍ) وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ عَلَيْهِ مَا يَلْسَعُهُ أَوْ يَرُدُّ عليه البول]
* [الشرح] حديث ابن سرجى صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ وَفِي رِوَايَاتِهِمْ زِيَادَةٌ قَالُوا لِقَتَادَةَ الرَّاوِي عَنْ ابْنِ سَرْجِسَ مَا تَكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي جُحْرٍ فَقَالَ كَانَ يُقَالُ إنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ وَالثَّقْبُ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ تقدمتا في باب صفقة الْوُضُوءِ فِي فَصْلِ
[ ٢ / ٨٥ ]
غَسْلِ الْيَدِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَالسَّرَبُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ: فَالثَّقْبُ مَا اسْتَدَارَ وَهُوَ الْجُحْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ وَالسَّرَبُ مَا كَانَ مُسْتَطِيلًا: وعبد الله بن سرجس من بنى بَصْرِيٌّ وَأَبُوهُ سَرْجِسُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ سِينٌ أُخْرَى لَا يَنْصَرِفُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْكَرَاهَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وهي كراهة تنزيه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* [وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ وَالْمَوَارِدِ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ والظل] [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ
قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ عَلَى طَرِيقٍ عَامِرٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) رَوَاهُ البيهقى والسخيمة بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الْغَائِطُ وَالْمَلَاعِنُ مَوَاضِعُ اللَّعْنِ جَمْعُ مَلْعَنَةٍ كَمَقْبَرَةٍ وَمَجْزَرَةٍ مَوْضِعُ الْقَبْرِ وَالْجَزْرِ وَأَمَّا اللَّعَّانَانِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَهُمَا صَاحِبَا اللَّعْنِ أَيْ الَّذِي يَلْعَنُهُمَا النَّاسُ كَثِيرًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد اللَّاعِنَانِ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرَانِ الْجَالِبَانِ لِلَّعْنِ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَهُمَا لَعَنْهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ فَلَمَّا صَارَا سَبَبًا لِلَّعْنِ أُضِيفَ الْفِعْلُ إلَيْهِمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ يَكُونُ اللَّاعِنُ بِمَعْنَى الْمَلْعُونِ فَالتَّقْدِيرُ اتَّقُوا الْمَلْعُونَ فَاعِلُهُمَا: وَأَمَّا الْمَوَارِدُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ هِيَ طُرُقُ الْمَاءِ وَاحِدُهَا مَوْرِدٌ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِالظِّلِّ مُسْتَظَلُّ النَّاسِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مَقِيلًا وَمُنَاخًا يَنْزِلُونَهُ أَوْ يَقْعُدُونَ تَحْتَهُ قَالُوا وَلَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ يَمْنَعُ قَضَاءَ الْحَاجَةِ تَحْتَهُ فَقَدْ قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ حَائِشِ النَّخْلِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وللحائش ظل بلاشك: وَأَمَّا الْبَرَازُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ هُنَا بِفَتْحِ الباء وهو الفضاء الواسع من الارض كنوابه عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ كَمَا كَنَّوْا عَنْهُ بِالْخَلَاءِ وَيُقَالُ تَبَرَّزَ الرَّجُلُ إذَا تَغَوَّطَ كَمَا يُقَالُ تَخَلَّى قَالَ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَهُ الْبِرَازَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَقَالَ غيره
[ ٢ / ٨٦ ]
الصَّوَابُ الْبِرَازُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ الْغَائِطُ نَفْسُهُ كَذَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فَإِذَا كَانَ الْبِرَازُ بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْغَائِطُ وَقَدْ اعْتَرَفَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الرُّوَاةَ نَقَلُوهُ بِالْكَسْرِ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ فَحَصَلَ أَنَّ الْمُخْتَارَ كَسْرُ الْبَاءِ وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَأَمَّا قَارِعَةُ الطَّرِيقِ فَأَعْلَاهُ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقِيلَ صَدْرُهُ وَقِيلَ مَا بَرَزَ مِنْهُ وَالطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ تقدم بيانهما وأما معاذ الرواى فَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَمِنْ أَعْلَمِهِمْ بِالْأَحْكَامِ شَهِدَ بَدْرًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ وَأَسْلَمَ وَلَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ شَهِيدًا فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْأُرْدُنِّ مِنْ الشَّامِ وَقَبْرُهُ بِغَوْرِ بَيْسَانَ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ﵁
* وَهَذَا الْأَدَبُ وَهُوَ اتِّقَاءُ الْمَلَاعِنِ الثَّلَاثِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ فِعْلَ هَذِهِ الْمَلَاعِنِ أَوْ بَعْضِهَا مَكْرُوهٌ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ
مُحَرَّمًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ (١) إشَارَةٌ إلى تحريمه
* والله أعلم قال المصنف ﵀
* [وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي مَسَاقِطِ الثِّمَارِ لِأَنَّهُ يقع عليه فينجس]
* [الشَّرْحُ] هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّجَرِ الْمُبَاحِ وَاَلَّذِي يَمْلِكُهُ وَلَا بَيْنَ وَقْتِ الثَّمَرِ وَغَيْرِ وَقْتِهِ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ يصير نحسا فَمَتَى وَقَعَ الثَّمَرُ تَنَجَّسَ وَسَوَاءٌ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْبَوْلِ اخْتِصَارًا وَتَنْبِيهًا لِلْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَإِنَّمَا لَمْ يَقُولُوا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الثِّمَارِ بِهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ * قال المصنف ﵀
* [وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ الله ﵎ يمقت علي ذلك]
*
_________________
(١) هو البغوي في شرح السنة وقد صرح به في تعليقه على التنبيه وقد قطع هو والرافعي في كتاب الشهادة ان القعود في الطريق من الصغائر فيما نقلاه عن صاحب العدة بعد ان اعترض كل منهما عليه في اشياء واقراه معا على تحريم التغوط في طريق المسلمين اه اذرعى
[ ٢ / ٨٧ ]
[الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِي رِوَايَةٍ للحاكم قال أبوسيعد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (فِي الْمُتَغَوِّطَيْنِ أَنْ يَتَحَدَّثَا فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذلك) ومعني يضربان الغائط باتيانه قل أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَال ضَرَبْتُ الْأَرْضَ إذَا أَتَيْتُ الْخَلَاءَ وَضَرَبْتُ فِي الْأَرْضِ إذَا سَافَرْتُ وَقَوْلُهُ ﷺ كَاشِفَيْنِ كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَفِي الْمُهَذَّبِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخٍ الْمُهَذَّبِ كَاشِفَانِ بِالْأَلِفِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهُمَا كَاشِفَانِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَالْمَقْتُ الْبُغْضُ وَقِيلَ أَشَدُّ الْبُغْضِ وَقِيلَ تَعَيُّبُ فَاعِلِ ذَلِكَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَرَاهَةِ الْكَلَامِ عَلَى قَضَاء الْحَاجَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَسْتَوِي فِي الْكَرَاهَةِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ وَيُسْتَثْنَى مَوَاضِعُ الضَّرُورَةِ بِأَنْ رَأَى
ضَرِيرًا يَقَعُ فِي بِئْرٍ أَوْ رَأَى حَيَّةً أَوْ غَيْرَهَا تَقْصِدُ إنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُحْتَرَمَاتِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بَلْ يَجِبُ فِي أَكْثَرِهَا فَإِنْ قِيلَ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لِمَا ادَّعَاهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ الذَّمَّ لِمَنْ جَمَعَ كُلَّ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ قلنا ما كان بعض موجبات المقت لاشك فِي كَرَاهَتِهِ وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عَنْ الحاكم والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَيُكْرَهُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ أَوْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى إذَا عَطَسَ أَوْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا عَلَى طهر)]
* [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى وَجْهِهِ فَفَوَّتَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ وَمَوْضِعَ الدَّلَالَةِ رَوَى الْمُهَاجِرُ بْنُ قُنْفُذٍ ﵁ قَالَ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إلَيَّ فَقَالَ إنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا عَلَى طُهْرٍ) أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَفِي رِوَايَةِ
[ ٢ / ٨٨ ]
الْبَيْهَقِيّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ قَرِيبَةٌ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَوْلُهُ ﷺ (كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ) هَذِهِ الْكَرَاهَةُ بِمَعْنَى تَرْكِ الْأَوْلَى لَا كَرَاهَةِ تَنْزِيهٍ وَاحْتَجَّ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ (مَرَّ رَجُلٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ (أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ إذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنَّك إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْك) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَرَاهَةِ رَدِّ السَّلَامِ وَمَا بَعْدَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَكَذَا التَّسْبِيحُ وَسَائِرُ الْأَذْكَارِ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فَإِنْ عَطَسَ عَلَى الْخَلَاءِ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ قَالَهُ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ الْبَغَوِيّ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ هُنَا وَفِي حَالِ الْجِمَاعِ ثُمَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ بِالِاتِّفَاقِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْكَرَاهَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَعِكْرِمَةَ: وَعَنْ النَّخَعِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ قَالَا لَا بَأْسَ بِهِ
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَتَرْكُ الذِّكْرِ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَا أُؤَثِّمُ من ذكر والله اعلم * قال المصنف ﵀
* [والمستحب أن يتكأ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى لِمَا رَوَى سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَتَيْنَا الْخَلَاءَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى) وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ في قضاء الحاجة]
* [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُرَاقَةَ قَالَ (عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ أَحَدُنَا الْخَلَاءَ أَنْ يَعْتَمِدَ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى) وَسُرَاقَةُ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا الْمُدْلِجِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ﵁ وَقَوْلُهُ يَتَّكِئُ وَيَتَوَكَّأُ بِهَمْزِ آخِرِهِمَا وَهَذَا الْأَدَبُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا
* وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فيبقى المعنى ويستأنس بالحديث والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[ ٢ / ٨٩ ]
(وَلَا يُطِيلُ الْقُعُودَ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ ﵇ أَنَّهُ قَالَ طُولُ الْقُعُودِ عَلَى الْحَاجَةِ تَتَّجِعُ مِنْهُ الْكَبِدُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْبَاسُورَ فاقعد هو ينا واخرج] [الشَّرْحُ] هَذَا الْأَدَبُ مُسْتَحَبٌّ بِالِاتِّفَاقِ وَلُقْمَانُ هُوَ الْحَكِيمُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ (وَلَقَدْ آتينا لقمان الحكمة) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ الْمُفَسِّرُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا حَكِيمًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إلَّا عِكْرِمَةَ فَانْفَرَدَ وَقَالَ كَانَ نَبِيًّا وَقَوْلُهُ تتجع أَوَّلُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقُ وَيَجُوزُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالْجِيمُ مَفْتُوحَةٌ يُقَالُ تَجِعَتْ تَتَّجِعُ كَمَرِضَتْ تَمْرَضُ وَالْكَبِدُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الْبَاءِ مَعَ فَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا كَمَا سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ وَالْبَاسُورُ ضَبَطْنَاهُ فِي الْمُهَذَّبِ بِالْبَاءِ وَالسِّينِ وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ ذَكَرَهُنَّ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ بَاسُورٌ بِالْبَاءِ وَالسِّينِ وَنَاسُورٌ بِالنُّونِ وَنَاصُورٌ بِالنُّونِ وَالصَّادِ وَهِيَ عِلَّةٌ فِي مَقْعَدَةِ الْإِنْسَانِ وَقَوْلُهُ هُوَيْنَا هُوَ مَقْصُورٌ غَيْرُ مُنَوَّنٍ تَصْغِيرُ هَوْنَى كَحُبْلَى تَأْنِيثُ الْأَهْوَنِ وَالْمَشْهُورُ فِيهِ الْهُوْنَا كَالدُّنْيَا وَقَدْ قِيلَ هُوْنَا كَمَا قد قيل دنيا والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَإِذَا بَالَ تَنَحْنَحَ حَتَّى يَخْرُجَ إنْ كَانَ هناك شئ وَيَمْسَحُ ذَكَرَهُ مَعَ مَجَامِعِ الْعُرُوقِ
ثُمَّ يَنْتُرُهُ]
* [الشَّرْحُ] قَوْلُهُ يَنْتُرُهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ وَالنَّتْرُ جَذْبٌ بِجَفَاءٍ كَذَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ واستنتر إذَا جَذَبَ بَقِيَّةَ بَوْلِهِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ يَسْتَبْرِئُ الْبَائِلُ مِنْ الْبَوْلِ لِئَلَّا يَقْطُرَ عَلَيْهِ قَالَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقِيمَ سَاعَةً قَبْلَ الْوُضُوءِ وَيَنْتُرَ ذَكَرَهُ هَذَا لَفْظُ نَصِّهِ (١) وَكَذَا قَالَ جَمَاعَاتٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَصْبِرَ سَاعَةً يَعْنُونَ لَحْظَةً لَطِيفَةً (٢) وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْتُرَ ثَلَاثًا مَعَ التَّنَحْنُحِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرُّويَانِيُّ وَيَمْشِي بَعْدَهُ خُطْوَةً أَوْ خُطُوَاتٍ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَيَهْتَمُّ بِالِاسْتِبْرَاءِ فَيَمْكُثُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ وَيَتَنَحْنَحُ قَالَ وَكُلٌّ أَعْرَفُ بِطَبْعِهِ قَالَ وَالنَّتْرُ ما ورد به الخبر وهوأن يُمِرَّ أُصْبُعًا لِيُخْرِجَ بَقِيَّةً إنْ كَانَتْ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَجْرَى الْبَوْلِ شئ يُخَافُ خُرُوجُهُ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ هذا
_________________
(١) قال في البحر ويستبرئ من البول فيقم ساعة ثم ينتر ذكره قبل الاستنجاء بيده اليسري ثلاثا وهو ان يضع أصبعه علي ابتداء مجرى بوله وهو من عند حلقه الدبر ثم يسلت المجرى بتلك الاصبع إلى رأس الذكر قال والنتر هو الدلك الشديد وقيل يمسك الذكر بيده اليسرى ويضع اصبع يده اليمنى على ابتداء المجرى فإذا انتهى إلى الذكر نتره باليسري وهذا امكن حكاه الساجى انتهى لفظه اه اذرعى (٢) لا معنى لقوله لحظة لطيفة بل هو مقيد بالحاجة بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ثم مني يخرج يختلف هذا باختلاف أحوال الناس كما قال فيما بعد اه اذرعى
[ ٢ / ٩٠ ]
* الْمَقْصُودُ بِأَدْنَى عَصْرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَنَحْنُحٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى مَشْيِ خُطُوَاتٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى صَبْرِ لَحْظَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يحتاج إلى شئ مِنْ هَذَا وَيَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ إلَى حَدِّ الْوَسْوَسَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الْأَدَبُ وَهُوَ النَّتْرُ وَالتَّنَحْنُحُ وَنَحْوُهُمَا مُسْتَحَبٌّ فَلَوْ تَرَكَهُ فَلَمْ يَنْتُرْ وَلَمْ يَعْصِرْ الذَّكَرَ وَاسْتَنْجَى عقيب انقطاع البول ثم توضأ فاستئجاءه صَحِيحٌ وَوُضُوءُهُ كَامِلٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خُرُوجِ شئ آخَرَ قَالُوا وَالِاسْتِنْجَاءُ
يَقْطَعُ الْبَوْلَ فَلَا يَبْطُلُ استنجاءه ووضوءه الا أن يتيقن خروج شئ
* وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ فِي هَذَا الْأَدَبِ بِمَا رَوَى يزداذ وقيل ازداذ بن فسأة قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ وقال الاكثرون هو مرسل ولا صحبة ليزداذ وممن نص علي أنه لاصحبة لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ معين وغيره لا نعرف يزداذ فالتعويل على المعنى الذى ذكره الاصحاب ويزداذ بِزَايٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَفُسَاءَةُ بِالْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَبِالْمَدِّ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ حَشْوُ الذَّكَرِ بقطنة ونحوها صرح بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الاصحاب والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لايبولن أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ فَإِنَّ عامة الوسواس منه] [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَرَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُسْتَحَمُّ الْمُغْتَسَلُ سمى مستحما
[ ٢ / ٩١ ]
مُشْتَقًّا مِنْ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ بِغَيْنٍ معجمة مفتوحة ثم فاء مشددة مفتوحة كنية عبد الله أَبُو سَعِيدٍ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو زِيَادٍ وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتِّينَ ﵁
* وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يترشش عليه وهذا في غير الا خلية الْمُتَّخَذَةِ لِذَلِكَ
* أَمَّا الْمُتَّخَذُ لِذَلِكَ كَالْمِرْحَاضِ فَلَا بَأْسَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَشَّشُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ مَشَقَّةً وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ لَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ فِي مَوْضِعِهِ احْتِرَازٌ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ فَإِنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنْ مَوْضِعِهِ
كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِآدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ: إحْدَاهَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَا بَأْسَ بِالْبَوْلِ فِي إنَاءٍ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ (يَقُولُونَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إلَى عَلِيٍّ ﵁ لقد دعي بالطست يبول فيها فانحبس فَمَاتَ وَمَا أَشْعُرُ بِهِ) هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنَهُمْ والترمذي في كتاب الشمايل هَكَذَا وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِمَعْنَاهُ: قالا قالت فدعى بِالطَّسْتِ وَلَمْ تَقُلْ لِيَبُولَ فِيهَا وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي الْبَوْلِ وَالطَّسْتُ بالسين المهملة وهى مؤنثة وعن أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَمْ يُضَعِّفُوهُ وَأُمَيْمَةُ وَرُقَيْقَةُ بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَرُقَيْقَةُ بِقَافَيْنِ وَقَوْلُهَا مِنْ عَيْدَانٍ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ النخل الطوال المتجردة الواحدة عيد انه: (الثَّانِيَةُ) يَحْرُمُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ إنَاءٍ: وَأَمَّا فِي الْإِنَاءِ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِابْنِ الصَّبَّاغِ ذَكَرَهُمَا فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ فِي إنَاءٍ: وَالثَّانِي التَّحْرِيمُ لِأَنَّ الْبَوْلَ مُسْتَقْبَحٌ فَنُزِّهَ الْمَسْجِدُ مِنْهُ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ وَنَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ: (الثَّالِثَةُ) يَحْرُمُ الْبَوْلُ عَلَى الْقَبْرِ وَيُكْرَهُ البول
[ ٢ / ٩٢ ]
بِقُرْبِهِ: (الرَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِحَدِيثِ جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: وَأَمَّا الْجَارِي فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا كُرِهَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَا يُكْرَهُ هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّمَ الْبَوْلُ فِي الْقَلِيلِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَيُتْلِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَأَمَّا الْكَثِيرُ الْجَارِي فَلَا يُحَرَّمُ لَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ وَمِمَّا يُنْهَى عَنْهُ التَّغَوُّطُ بِقُرْبِ الْمَاءِ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الِانْتِخَابِ وَالْكَافِي وَهُوَ وَاضِحٌ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَوَارِدِ (الْخَامِسَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الرِّيحِ بِالْبَوْلِ لِئَلَّا يَرُدَّهُ عَلَيْهِ فَيَتَنَجَّسَ بَلْ يَسْتَدْبِرُهَا هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي كَرَاهَتِهِ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ
الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ الْبَوْلَ فِي الْهَوَاءِ فَضَعِيفٌ بَلْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ إنَّهُ مَوْضُوعٌ وَجَاءَ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ التَّابِعِيِّ قَالَ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبُولَ فِي هَوَاءٍ وَأَنْ يَتَغَوَّطَ عَلَى رَأْسِ جبل (السادسة) قال أصحابنا يستحب أن يهئ أَحْجَارَ الِاسْتِنْجَاءِ قَبْلَ جُلُوسِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني وَغَيْرُهُمْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ حَدِيثِ (اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ وَأَعِدُّوا النَّبْلَ) فَلَيْسَ بِثَابِتٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَالنُّبَلُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْأَحْجَارُ الصِّغَارُ (السَّابِعَةُ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَبُولَ عَلَى مَا مُنِعَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ لِحُرْمَتِهِ كَالْعَظْمِ وَسَائِرِ الْمَطْعُومَاتِ
* (الثَّامِنَةُ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ يستحب أن لايدخل الْخَلَاءَ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَضَعَ كُمَّهُ عَلَى رَأْسِهِ ويستحب أن لايدخل الْخَلَاءَ حَافِيًا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِ الْأَقْسَامِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ حَدِيثًا مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا دخل الخلاء
_________________
(١) اما الاستنجاء في الماء الكثير الراكد فقال في شرح مسلم لا يظهر كراهيته لانه ليس في معني البول ولا يقاربه ولو اجتنبه كان حسنا وفيما قاله نظر وعندي أنه مكروه ولا ينجسه غيره لانه ثبت في الصحيح النهي عن الاغتسال في الماء الدائم ونص الشافعي والاصحاب على كراهة الاغتسال فيه قليلا كان أو كثيرا وهذا أولى بالكراهة لانه ابلغ في الاستقذار اه اذرعى
[ ٢ / ٩٣ ]
غَطَّى رَأْسَهُ وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ فِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ: (قُلْت) وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ وَالضَّعِيفَ وَالْمَوْقُوفَ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ
وَهَذَا مِنْهَا: (التَّاسِعَةُ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ هُوَ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى فَرْجِهِ ولا إلى ما يخرج مِنْهُ وَلَا إلَى السَّمَاءِ وَلَا يَعْبَثُ بِيَدِهِ: (الْعَاشِرَةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَكَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ وَاسْتَأْنَسُوا فِيهِ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا أَنَّ دَلِيلَ الْقِبْلَةِ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ وَدَلِيلَ هَذَا ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ وَلَا كَثِيرُونَ وَلَا الشَّافِعِيُّ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالِاسْتِحْبَابِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ: الثَّانِي يُفَرَّقُ فِي الْقِبْلَةِ بَيْنَ الصَّحْرَاءِ وَالْبِنَاءِ كَمَا سَبَقَ وَلَا فَرْقَ هُنَا صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ: الثَّالِثُ النَّهْيُ فِي الْقِبْلَةِ لِلتَّحْرِيمِ وَهُنَا لِلتَّنْزِيهِ الرَّابِعُ أَنَّهُ فِي الْقِبْلَةِ يَسْتَوِي الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ وَهُنَا لَا بَأْسَ بِالِاسْتِدْبَارِ وَإِنَّمَا كَرِهُوا الِاسْتِقْبَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الشافي يكره الاستدبار أيضا والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [والاستنجاء واجب من البول والغائط لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (وليستنج بثلاثة أحجار) ولانها نجاسة لا تلحق المشقة في ازالها غالبا فلا تصح الصلاة معها كسائر النجاسات]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَسَأَذْكُرُهُ بِكَمَالِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* قَوْلُهُ وَلْيَسْتَنْجِ هُوَ هَكَذَا بِالْوَاوِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ بِكَمَالِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي إزَالَتِهَا احْتِرَازٌ مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِهِ وَقَوْلُهُ فَلَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ مَعَهَا عِبَارَةٌ حَسَنَةٌ فَإِنَّهُ لَوْ قال فوجب ازالتها لا تنتقض بِنَجَاسَةٍ عَلَى ثَوْبٍ
[ ٢ / ٩٤ ]
لَا يُصَلَّى فِيهِ وَالْغَائِطُ مَعْرُوفٌ وَتَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانُ أَصْلِهِ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَكُلُّ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ نَجِسٌ مُلَوَّثٌ وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ
* وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ سُنَّةٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصباغ والعبد رى وَغَيْرُهُمْ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ
هَذَا أَصْلًا لِلنَّجَاسَاتِ فَمَا كَانَ مِنْهَا قَدْرَ دِرْهَمٍ بَغْلِيٍّ عُفِيَ عَنْهُ وَإِنْ زَادَ فَلَا وَكَذَا عِنْدَهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إنْ زَادَ الْخَارِجُ عَلَى دِرْهَمٍ وَجَبَ وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ وَلَا يَجْزِيهِ الْحَجَرُ وَلَا يَجِبُ عِنْدَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ
* وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ) رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ولانها نجاسة لا تجب ازالة أثرها فكذلك عَيْنُهَا كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَلِأَنَّهُ لَا تَجِبُ إزَالَتُهَا بالماء فلم يجب غيره قال الْمُزَنِيّ وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ مَسْحِهَا بِالْحَجَرِ فَلَمْ تَجِبْ إزَالَتُهَا كَالْمَنِيِّ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ أبو داود والنسائي وابن اماجه فِي سُنَنِهِمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ هُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذَا
[ ٢ / ٩٥ ]
ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ فَإِنَّهَا تَجْزِي عَنْهُ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَقَالَ إسْنَادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ
* وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يستنزه من بوله) وروى (لا يستبرى) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ
* وَاحْتَجُّوا مِنْ الْقِيَاسِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجَوَابُ عن حديثهم أنه لاخرج فِي تَرْكِ الْإِيتَارِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيتَارِ الزَّائِدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِحَدِيثِ سَلْمَانَ وَغَيْرِهِ: وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى دَمِ الْبَرَاغِيثِ أَنَّ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ بِخِلَافِ أَصْلِ الِاسْتِنْجَاءِ وَلِهَذَا تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى الْأَمْرِ بِالِاسْتِنْجَاءِ وَلَمْ يَرِدْ خَبَرٌ فِي الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَقِيَاسُ الْمُزَنِيِّ عَلَى الْمَنِيِّ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ والبول نجس
والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وان خرجت منه حصاة أو دودة لا رطوبة معها ففيه قولان أحدهما يجب الاستنجاء لانها لا تخلو من رطوبة والثاني لا يجب وهو الاصح لانه خارج من غير رطوبة فأشبه الريح]
* [الشَّرْحُ] هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَحَكَاهُمَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَخَالَفَ الْغَزَالِيُّ وَشَيْخُهُ وَشَيْخُ شيخه الاصحاب فنقلوهما وجهين نقله وَالصَّوَابُ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْجُمْهُورِ لَا يَجِبُ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْأَصَحُّ الْوُجُوبُ وَلَوْ خَرَجَ الْمُعْتَادُ يَابِسًا كَبَعْرَةٍ لَا رُطُوبَةَ مَعَهَا فَهِيَ كَالْحَصَاةِ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَاتٌ وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِ الْأَقْسَامِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَأَشْبَهَ الرِّيحَ كَذَا قَاسَهُ الْأَصْحَابُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ وَالنَّوْمِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ وَالذَّكَرِ وَحَكَى عَنْ قَوْمٍ مِنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجِبُ وَالشِّيعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الِانْتِخَابِ ان استنجى لشئ مِنْ هَذَا فَهُوَ بِدْعَةٌ وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ يُكْرَهُ الاستنجاء من الريح والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[ ٢ / ٩٦ ]
[ويستنجى قبل ان يتوضأ فان توضأ ثم استنجي صح الوضوء وان تيمم ثم استنجي لم يصح التيم وقال الربيع فيه قول آخر انه يصح: قال أبو اسحاق هذا من كيسه: والاول هو المنصوص عليه في الام ووجهه ان التيمم لا يرفع الحدث وانما تستباح به الصلاة من نجاسة النجو فلا تستباح مع بقاء المانع ويخالف الوضوء فانه يرفع الحدث فجاز أن يرفع الحدث والمانع قائم وان تيمم وعلى بدنه نجاسة في غير موضع الاستنجاء: ففيه وجهان أحدهما أنه كنجاسة النحو والثاني أنه يصح التيمم لان التيمم لاتستباح به الصلاة من هذه النجاسة فصح فعله مع وجودها بخلاف نجاسة النجو]
*
[الشَّرْحُ] إذَا تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ ثُمَّ اسْتَنْجَى بِالْحَجَرِ أَوْ بِالْمَاءِ لَافًّا عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً أَوْ نَحْوَهَا بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ فَرْجَهُ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ جَمِيعًا قَوْلَيْنِ وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاصِّ أَنَّهُ يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَفِي التَّيَمُّم قَوْلَانِ وَنَقَلَ الرَّبِيعُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ قَالَ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَصِحُّ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ وَالثَّانِي لَا يَصِحَّانِ وَالثَّالِثُ يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ غَلِطَ مَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْوُضُوءِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي الْوُضُوءِ بَعِيدٌ جِدًّا وَلَوْلَا أَنَّ الْمُزَنِيَّ نَقَلَهُ فِي الْمَنْثُورِ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَمَا عَدَدْتُهُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّبِيعُ في صحة التيمم ليس بمذهب للشافعي وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ غَلَّطَ أَصْحَابُنَا الرَّبِيعَ فِي ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا مِنْ كِيسِ الرَّبِيعِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ مَعْنَاهُ لَيْسَ هَذَا مَنْصُوصًا لِلشَّافِعِيِّ بَلْ الرَّبِيعُ خَرَّجَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ: وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْإِبَانَةِ الْأَصَحُّ صِحَّةُ التَّيَمُّمِ فَغَلَطٌ مُخَالِفٌ لِلْأَصْحَابِ وَنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلِ: أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى موضع من بدنه نجاسة في غير مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ فَتَيَمَّمَ قَبْلَ إزَالَتِهَا فَفِي صِحَّةِ التيمم
[ ٢ / ٩٧ ]
الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَهُمَا مَشْهُورَانِ وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُزِيلَهَا وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَصَحِّ فَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ بُطْلَانَ التَّيَمُّمِ وَصَحَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ صِحَّتَهُ وَبِهِ قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَدَلِيلُهُ مَا ذكره المصنف قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا التَّيَمُّمُ لَا يَسْتَعْقِبُ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ نَحْوَ هَذَا: وَهَذَا الَّذِي أَوْرَدَاهُ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ إشْكَالٌ قَوِيٌّ: وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ أَخَفُّ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ الْعُرْيِ بِلَا إعَادَةٍ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* ثُمَّ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ مع هذا التميمم مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ
لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ كَذَا صَوَّرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ: وَتُتَصَوَّرُ أَيْضًا فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِجِرَاحَةٍ أَوْ مَرَضٍ بِحَيْثُ لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الْحَدَثِ وَيَجِبُ فِي النَّجَسِ لِقِلَّتِهِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ النَّجَاسَةَ فَأَمَّا مَنْ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِلنَّجَاسَةِ فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ قَبْلَ إزَالَتِهَا وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ
* وَلَوْ تَيَمَّمَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ ثُمَّ حَدَثَتْ نَجَاسَةٌ وَقُلْنَا النَّجَاسَةُ الْمُقَارِنَةُ تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّيَمُّمِ فَفِي الْحَادِثَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ قَالَ وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَمْنَعُ الصَّلَاةَ كَالرِّدَّةِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ تَيَمَّمَ عَالِمًا بِالنَّجَاسَةِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ لِأَنَّ طَلَبَهُ الْمَاءَ لِلتَّيَمُّمِ يَكْفِيه لَهُ وَلِلنَّجَاسَةِ: وَإِنْ تَيَمَّمَ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يَعْلَمُهَا أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَ التَّيَمُّمِ بَطَلَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّهُ يجب طلب الماء لازالتها والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [واذ أراد الاستنجاء نظرت فان كانت النجاسة بولا أو غائطا ولم تجاوز الموضع المعتاد جاز بالماء والحجر والافضل أن يجمع بينهما لان الله تعالى اثنى على اهل قباء فقال ﷾ (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) فسألهم النبي ﷺ عما يصنعون فقالوا نتبع الحجارة الماء: فان أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ ابلغ في الانقاء وان أراد الاقتصار على الحجر جاز
[ ٢ / ٩٨ ]
لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ (بال رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ عمر خلفه بكوز من ماء فقال ما هذا يا عمر فقال ماء تتوضأ به فقال ما أمرت كلما بلت ان اتوضأ ولو فعلت لكان سنة) ولانه قد يبتلى بالخارج في مواضع لا يلحق الماء فيها فسقط وجوبه] [الشَّرْحُ] أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمْ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ (١) وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَقَوْلُهُ لَكَانَ سُنَّةً أَيْ وَاجِبًا لَازِمًا وَمَعْنَاهُ لَوْ وَاظَبْت عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ لَصَارَ طَرِيقَةً لِي يَجِبُ اتِّبَاعُهَا
* وَأَمَّا حَدِيثُ أَهْلِ قُبَاءَ فَرُوِيَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يتطهروا) وَكَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد لَكِنَّ إسْنَادَهُ ضعيف فيه يونس بن الحرث قد ضعفه الا كثرون وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ
وَفِيهِ جَهَالَةٌ وَعَنْ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَتَاهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ فَمَا هَذَا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَّهَّرُونَ بِهِ قَالُوا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنْ الْيَهُودِ يَغْسِلُونَ أَدْبَارَهُمْ فَغَسَلْنَا كَمَا غَسَلُوا) رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَعَنْ جَابِرٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَنَسٍ ﵃ قَالُوا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية (فيه رجال يحبون ان يتطهروا) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي الطُّهُورِ فَمَا طُهُورُكُمْ قَالُوا نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ فَقَالَ هُوَ ذَلِكَ فَعَلَيْكُمُوهُ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيُّ وفي رواية البيهقى (فَمَا طُهُورُكُمْ قَالُوا نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فهل مع ذلك غيره قالوا لاغير أَنَّ أَحَدَنَا إذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ قَالَ هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ): وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ إسْنَادٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَوْثِيقِهِ فَوَثَّقَهُ الْجُمْهُورُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ ضَعَّفَهُ سَبَبَ ضَعْفِهِ وَالْجَرْحُ لَا يُقْبَلُ إلَّا مُفَسَّرًا فَيَظْهَرُ الِاحْتِجَاجُ بهذه الرواية فهذا
_________________
(١) هذا الحديث لوثبت لكان في الاحتجاج به لهذه المسألة نظر لانه يحتمل ان المراد الوضوء الشرعي إذ لامانع منه اه من هامش الاذرعي
[ ٢ / ٩٩ ]
الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْأَحْجَارِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالُوا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ فَكَذَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ إنَّ أَصْحَابَنَا رَوَوْهُ قَالَ وَلَا أَعْرِفُهُ فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ فَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِنْبَاطِ لِأَنَّ الاسنتجاء بالحجر كان معلوما عندهم يغعله جَمِيعُهُمْ: وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ فَهُوَ الَّذِي انْفَرَدُوا بِهِ فَلِهَذَا ذُكِرَ وَلَمْ يُذْكَرْ الْحَجَرُ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ وَلِكَوْنِهِ مَعْلُومًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ فَضْلِهِمْ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عليهم بسببه ويويد هذا قولهم إذا اخرج أَحَدُنَا مِنْ الْغَائِطِ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِنْجَاءَهُمْ بِالْمَاءِ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ الْخَلَاءِ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْخَلَاءِ إلَّا بَعْدَ التَّمَسُّحِ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ: وَهَكَذَا الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْحَجَرِ فِي مَوْضِعِ
قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَيُؤَخِّرَ الْمَاءَ إلَى أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَقُبَاءُ بِضَمِّ الْقَافِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَفِيهِ لغات الْمَدُّ وَالْقَصْرُ قَالَ الْخَلِيلُ مَقْصُورٌ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مَمْدُودٌ وَيَجُوزُ فِيهَا أَيْضًا الصَّرْفُ وَتَرْكُهُ وَالْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ مَدُّهُ وَتَذْكِيرُهُ وَصَرْفُهُ وَهُوَ قَرْيَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ أَصْلُهُ اسْمُ بِئْرٍ هُنَاكَ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَيُصَلِّي فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى الْمَاءِ وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَحْجَارِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيَسْتَعْمِلُ الْأَحْجَارَ ثُمَّ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فَتَقْدِيمُ الْأَحْجَارِ لِتَقِلَّ مُبَاشَرَةُ النَّجَاسَةِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ ثُمَّ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ لِيُطَهِّرَ الْمَحَلَّ طَهَارَةً كَامِلَةً فَلَوْ اسْتَنْجَى أَوَّلًا بِالْمَاءِ لَمْ يَسْتَعْمِلْ الْأَحْجَارَ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ: صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ وَاضِحٌ وَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمَحِلَّ وَلَا فَرْقَ فِي جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَحْجَارِ بَيْنَ وُجُودِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ وَلَا بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ وَالصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَحُذَيْفَةَ
[ ٢ / ١٠٠ ]
وَابْنِ الزُّبَيْرِ ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا النِّسَاءُ وَقَالَ عَطَاءٌ غَسْلُ الدُّبُرِ مُحْدَثٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ قَالَتْ الزَّيْدِيَّةُ وَالْقَاسِمِيَّةُ مِنْ الشِّيعَةِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ: فَأَمَّا سَعِيدٌ وَمُوَافِقُوهُ فَكَلَامُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ لَا يَجِبُ أَوْ أَنَّ الْأَحْجَارَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ: وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ وَأَذِنَ فِيهِ وَفَعَلَهُ وَقَدْ سَبَقَتْ جُمْلَةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَسَنَذْكُرُ الْبَاقِيَ فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ بِالْمَاءِ فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ (يَأْتِي الْخَلَاءَ فَأَتْبَعُهُ أَنَا وَغُلَامٌ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَيَسْتَنْجِي بِهَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِنِسْوَةٍ (مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِالْمَاءِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَآخَرُونَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ (إذَا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي رَكْوَةٍ فَاسْتَنْجَى ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أَتَيْتُهُ باناء آخر فتوضأ) رواه
[ ٢ / ١٠١ ]
لاحمد وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد وَلَا غَيْرُهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمَاءَ مَطْعُومٌ فَلِهَذَا كَرِهَ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ سَعْدٌ وَمُوَافِقُوهُ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مُنَابِذٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْحَجَرِ لَزِمَهُ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ حَتَّى لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ لَاصِقٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَوْفِيَ ثَلَاثَ مَسَحَاتٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِسَلْمَانَ ﵁ انه علمكم نبيكم كل شئ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ (أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَجْتَزِئَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) فَإِنْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْقَصْدَ عَدَدُ المسحات وقد وجد ذلك] [الشَّرْحُ] حَدِيثُ سَلْمَانَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ (نَهَانَا أَنْ نَجْتَزِئَ) وَاَلَّذِي فِي مُسْلِمٍ نَسْتَنْجِيَ بَدَلَ نَجْتَزِئَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ (وَلَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) وَقَوْلُهُ الْخِرَاءَةُ هِيَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَبِالْمَدِّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هِيَ أَدَبُ التَّخَلِّي وَالْقُعُودِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَسَلْمَانُ الرَّاوِي هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَزُهَّادِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ وَمَنَاقِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَهُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ بِالْمَدَائِنِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ سَبْعٍ وَعَمَّرَ عُمْرًا طَوِيلًا جِدًّا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا فَقِيلَ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ والله أعلم: اما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ لَزِمَهُ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ حَتَّى لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ لَاصِقٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ إلَّا الصَّيْمَرِيَّ وَصَاحِبَهُ صَاحِبَ
[ ٢ / ١٠٢ ]
الحاوى فقال إذا بقى مالا يزول بالحجر ويزول بصغار الخزف وبالخرق فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ
ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ تَجِبُ إزَالَتُهُ لِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ بِغَيْرِ الْمَاءِ: وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِزَالَةُ بِالْأَحْجَارِ وَقَدْ أَزَالَ مَا يَزُولُ بِالْأَحْجَارِ وَرَجَّحَ الرُّويَانِيُّ هَذَا الثَّانِيَ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُكَلِّفْهُ غَيْرَ الْأَحْجَارِ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُصَرِّحَةُ بِإِجْزَاءِ الْأَحْجَارِ (الثَّانِي) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ وَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِمَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ في كل الطرق وحكي الحناطي بالحاء المهلمة وَالنُّونِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إذَا حصل الانقاء بحجرين أو حجر كَفَاهُ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ وُجُوبُ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ مُطْلَقًا ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَسْحِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ رَمَى الْجِمَارَ فِي الْحَجِّ بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ إلَّا حَجَرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ عَدَدُ الرَّمْيِ وَالْمَقْصُودُ هُنَا عَدَدُ الْمَسَحَاتِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَالْمَسْحُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَفْضَلُ مِنْ أَحْرُفِ حَجَرٍ لِلْحَدِيثِ (وليستنج بثلاثة احجار): قال الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ بَالَ وَتَغَوَّطَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ بِسِتَّةِ أَحْجَارٍ فَإِنْ مَسَحَهُمَا بِحَجَرٍ لَهُ سِتَّةُ أَحْرُفٍ سِتَّ مَسَحَاتٍ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الْمَسَحَاتِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ وَكَذَا الْخِرْقَةُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي إذَا مَسَحَ بِأَحَدِ وَجْهَيْهَا لَا يَصِلُ الْبَلَلُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ بِوَجْهَيْهَا وَيُحْسَبُ مَسْحَتَيْنِ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ حَجَرٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ وَأَظُنُّهُ أَرَادَ بِابْنِ جَابِرٍ إبْرَاهِيمَ بْنَ جَابِرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ وَجْهًا شَاذًّا فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ احمد ابن حَنْبَلٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِلْحَدِيثِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وإذا حصل الانقاء بثلاثة احجار فلا زِيَادَةٍ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِثَلَاثَةٍ وَجَبَ رَابِعٌ فَإِنْ حَصَلَ بِهِ اُسْتُحِبَّ خَامِسٌ وَلَا يَجِبُ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَجَبَ خَامِسٌ فَإِنْ حَصَلَ به فلا زيادة والاوجب سَادِسٌ فَإِنْ حَصَلَ بِهِ اُسْتُحِبَّ سَابِعٌ وَلَا يجب والاوجب وَهَكَذَا أَبَدًا مَتَى حَصَلَ بِثَلَاثَةٍ فَمَا فَوْقَهَا لَمْ تَجِبْ زِيَادَةٌ: وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ
[ ٢ / ١٠٣ ]
فَإِنْ كَانَ حُصُولُ الْإِنْقَاءِ بِوِتْرٍ لَمْ يُسْتَحَبَّ الزِّيَادَةُ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ الْإِيتَارُ لِقَوْلِهِ ﷺ (مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ وَجْهًا أَنَّ الْإِيتَارَ بِخَامِسٍ
وَاجِبٌ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالْإِيتَارِ وَهَذَا الْوَجْهُ شَاذٌّ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِيتَارِ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِلِاسْتِحْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي عَدَدِ الْأَحْجَارِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ وَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِدُونِهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد الْوَاجِبُ الْإِنْقَاءُ فَإِنْ حَصَلَ بِحَجَرٍ أَجْزَأَهُ وَهُوَ وَجْهٌ لَنَا كَمَا سَبَقَ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ حَيْثُ أَوْجَبَ الِاسْتِنْجَاءَ
* وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ (مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ) قَالُوا ولان المقصود الانقاء ولانه لَوْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ لَمْ يُشْتَرَطْ عَدَدٌ فَكَذَا الْحَجَرُ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ سَلْمَانَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الثَّلَاثِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) وَهُمَا صَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فانها تجرئ عَنْهُ) وَهُوَ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَسْأَلَةِ وُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَيَنْهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ: الرِّمَّةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْعَظْمُ الْبَالِي وَبِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ (بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد وَلَا غَيْرُهُ وَبِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيهِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ إنَّهَا رِكْسٌ) رواه البخاري هكذا ورواه أحمد والدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ زِيَادَةٌ فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ ائْتِنِي بِحَجَرٍ يَعْنِي ثَالِثًا وَفِي بَعْضِهَا ائْتِنِي بِغَيْرِهَا وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ) رواه مسلم وفى رواية
[ ٢ / ١٠٤ ]
لاحمد والبيهقي (إذا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيتَارِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ
* وَاحْتَجُّوا مِنْ الْقِيَاسِ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قِيَاسُ
الْقَاضِيَيْنِ أَبِي الطَّيِّبِ وَحُسَيْنٍ فِي تَعْلِيقَيْهِمَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْأَحْجَارِ يَسْتَوِي فِيهَا الثَّيِّبُ وَالْأَبْكَارُ فَكَانَ لِلْعَدَدِ فِيهَا اعْتِبَارٌ قِيَاسًا عَلَى رَمْيِ الْجِمَارِ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ قَوْلُنَا يَسْتَوِي فِيهَا الثَّيِّبُ وَالْأَبْكَارُ احْتِرَازٌ مِنْ الرَّجْمِ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْأَقْيِسَةِ مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ (أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) فِي هَذَا الْبَيَان الْوَاضِحُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَا يَجُوزُ وَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِدُونِهَا وَلَوْ كَفَى الْإِنْقَاءُ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ مَعْنًى فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْقَاءَ قَدْ يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمَاءِ إذَا أَنْقَى كَفَى لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ فَدَلَالَتُهُ قَطْعِيَّةٌ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الِاسْتِظْهَارِ بِالْعَدَدِ: وَأَمَّا الْحَجَرُ فَلَا يُزِيلُ الْأَثَرَ وَإِنَّمَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ ظاهرا لاقطعا فَاشْتُرِطَ فِيهِ الْعَدَدُ كَالْعِدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ لَمَّا كَانَتْ دَلَالَتُهَا ظَنًّا اُشْتُرِطَ فِيهَا الْعَدَدُ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَحْصُلُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِقُرْءٍ وَلِهَذَا اُكْتُفِيَ بِقُرْءٍ فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْوِلَادَةِ لَمْ يُشْتَرَطْ الْعَدَدُ لِأَنَّ دَلَالَتَهَا قَطْعِيَّةٌ هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: فَإِنْ قِيلَ التَّقْيِيدُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهَا غَالِبًا فَخَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ قُلْنَا لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا لِأَنَّ الانقاء شرط بالاتفاق فكيف يخل بِهِ وَيُذْكَرُ مَا لَيْسَ بِشَرْطٍ مَعَ كَوْنِهِ مُوهِمًا لِلِاشْتِرَاطِ: فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَرَكَ ذِكْرَ الْإِنْقَاءِ قُلْنَا ذَلِكَ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي يُسْتَغْنَى بظهوره عن ذكره بخلاف العدد فانه لايعرف إلَّا بِتَوْقِيفٍ فَنَصَّ عَلَى مَا يَخْفَى وَتَرَكَ مالا يَخْفَى وَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالُوهُ لَكَانَ إخْلَالًا بِالشَّرْطَيْنِ مَعًا وَتَعَرُّضًا لِمَا لَا فَائِدَةَ فيه بل فيه إيهام: وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ أَنَّ الْوِتْرَ الَّذِي لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهِ هُوَ الزَّائِدُ عَلَى ثَلَاثَةٍ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ: وَالْجَوَابُ عَنْ الدَّلِيلَيْنِ الْآخَرَيْنِ سَبَقَ فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ مَسَحَ ذكره مرتين أو ثلاثا ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ وَجَبَ اسْتِئْنَافُ الثَّلَاثِ * قال المصنف ﵀
*
[ ٢ / ١٠٥ ]
[وَفِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يضع حجرا على مقدم صفحته اليمنى وبمره إلى آخرها ثم يدبر الْحَجَرَ إلَى الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى فَيُمِرُّهُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى
الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ وَيَأْخُذُ الثَّانِيَ فَيُمِرُّهُ عَلَى الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى وَيُمِرُّهُ إلَى آخِرِهَا ثُمَّ يُدِيرُهُ إلَى صَفْحَتِهِ الْيُمْنَى فيمره عليها من أولها لي أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ وَيَأْخُذُ الثَّالِثَ فَيُمِرُّهُ عَلَى الْمَسْرُبَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ (يُقْبِلُ بِوَاحِدٍ وَيُدْبِرُ بِآخَرَ وَيُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يُمِرُّ حَجَرًا على الصفحة اليميني وَحَجَرًا عَلَى الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى وَحَجَرًا عَلَى الْمَسْرُبَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ (أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ حَجَرَانِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرٌ لِلْمَسْرُبَةِ) وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُمِرُّ كُلَّ حَجَرٍ عَلَى المواضع الثلاثة]
* [الشَّرْحُ] أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَضَعِيفٌ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﷺ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ: أَمَّا الثاني فحديث حسن عن سهل ابن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ (أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة) رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَا إسْنَادُهُ حَسَنٌ: وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ الْحَدِيثَانِ ثَابِتَانِ فَغَلَطٌ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ حَجَرَيْنِ وَحَجَرًا بِالنَّصْبِ: وَفِي الْمُهَذَّبِ حَجَرَانِ وَحَجَرٌ بِالرَّفْعِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَالْأَوَّلُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ ثَلَاثَةَ: وَالثَّانِي عَلَى الِابْتِدَاءِ: وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِالْوَجْهَيْنِ: فَالْبَدَلُ فِي مَوَاضِعَ كثيرة
[ ٢ / ١٠٦ ]
كَقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صحف ابراهيم) والابتداء قَوْله تَعَالَى (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَقَوْلُهُ وَيُحَلِّقُ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يُدِيرُهُ كَالْحَلْقَةِ وَالْمَسْرُبَةُ هُنَا مَجْرَى الْغَائِطِ وَهِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَقِيلَ يَجُوزُ فَتْحُهَا وَلِلْمَسْرُبَةِ مَعْنًى آخَرُ فِي اللُّغَةِ وَهِيَ الشَّعْرُ المستدق من السرة الي العانة: وجماء ذكرها في الحديث وليست مرادة هنا: أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا يُمِرُّ حَجَرًا مِنْ مُقَدَّمِ الصَّفْحَةِ الْيُمْنَى وَيُدِيرُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَصِلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ يُمِرُّ الْحَجَرَ الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلِ الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى إلَى آخِرِهَا ثُمَّ عَلَى الْيُمْنَى حَتَّى يَصِلَ مَوْضِعَ ابْتِدَائِهِ ثم يمر الثالث عَلَى الْمَسْرُبَةِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: الثاني يَمْسَحَ بِحَجَرٍ الصَّفْحَةَ الْيُمْنَى وَحْدَهَا ثُمَّ بِحَجَرٍ الْيُسْرَى وَحْدَهَا وَبِالثَّالِثِ الْمَسْرُبَةَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ
الْمَرْوَزِيُّ: وَالثَّالِثُ يَضَعُ حَجَرًا عَلَى مُقَدَّمِ الْمَسْرُبَةِ وَيُمِرُّهُ إلَى آخِرِهَا ثُمَّ حَجَرًا عَلَى مؤخر الْمَسْرُبَةِ وَيُمِرُّهُ إلَى أَوَّلِهَا ثُمَّ يُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَهُوَ غَرِيبٌ: وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمَحِلَّ بِكُلِّ حَجَرٍ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ غَلَّطُوا أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْكَبِيرِ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ تَأَوَّلُوهُ وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ مَعْنَاهُ كُلُّ حَجَرٍ لِلصَّفْحَتَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْخِلَافِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خِلَافٌ فِي الْأَفْضَلِ وَأَنَّ الْجَمِيعَ جَائِزٌ: وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ خِلَافٌ فِي الْوُجُوبِ فَصَاحِبُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يُجِيزُ الْكَيْفِيَّةَ الثَّانِيَةَ وَصَاحِبُ الثَّانِي لَا يُجِيزُ الْأُولَى وَهَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ: وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي دَرْسِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ لَا يُجِيزُ الثاني ومن قال بالثاني يُجِيزُ الْأَوَّلَ (١) قَالَ الْمُتَوَلِّي فَإِنْ احْتَاجَ إلَى استعمال
_________________
(١) قال ابن الصلاح وهذا الذي قاله من عنده مليح اه اذرعى
[ ٢ / ١٠٧ ]
حَجَرٍ رَابِعٍ وَخَامِسٍ فَصِفَةُ اسْتِعْمَالِهِ كَصِفَةِ الثَّالِثِ لِأَنَّا أَمَرْنَاهُ فِي الثَّالِثِ بِمَسْحِ الْجَمِيعِ لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ زَالَتْ بِالْحَجَرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَلَيْسَ فِي الْمَحِلِّ إلَّا أَثَرٌ فَلَا يُخْشَى انْبِسَاطُهُ (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ الْحَجَرَ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ بِقُرْبِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَضَعُهُ عَلَى نَفْسِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُ إذَا وَضَعَهُ عَلَيْهَا بقى شَيْئًا مِنْهَا وَنَشَرَهَا وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ ثُمَّ إذَا انْتَهَى إلَى النَّجَاسَةِ أَدَارَ الْحَجَرَ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَرْفَعَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْحَجَرِ جزا مِنْ النَّجَاسَةِ فَلَوْ أَمَرَّ الْحَجَرَ مِنْ غَيْرِ إدَارَةٍ وَنَقَلَ النَّجَاسَةَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ تَعَيَّنَ الْمَاءُ وَإِنْ أَمَرَّ وَلَمْ يَنْقُلْ فَهَلْ يجزئه فيه وجهان: الصحيح يجزيه هَكَذَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعِرَاقِيُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ تَضْيِيقٌ لِلرُّخْصَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ إلَّا فِي نَادِرٍ مِنْ النَّاسِ مَعَ عُسْرٍ شَدِيدٍ وَلَيْسَ لِهَذَا الِاشْتِرَاطِ أَصْلٌ فِي السنة والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَمِينِهِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ (كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى) فَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي بِغَيْرِ الْمَاءِ أَخَذَ ذَكَرَهُ بِيَسَارِهِ وَمَسَحَهُ عَلَى مَا يَسْتَنْجِي بِهِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ حَجَرٍ فَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ صَغِيرًا غَمَزَ عَقِبَهُ عَلَيْهِ وَأَمْسَكَهُ بين ابهامى رجليته؟؟ وَمَسَحَ ذَكَرَهُ عَلَيْهِ بِيَسَارِهِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ صَبَّ الْمَاءَ بِيَمِينِهِ وَمَسَحَهُ بِيَسَارِهِ فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِيَمِينِهِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ يَقَعُ بِمَا فِي الْيَدِ لَا بِالْيَدِ فَلَمْ تُمْنَعْ صحته]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ: فَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ قَالَ (نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ نَسْتَنْجِيَ باليمين)
[ ٢ / ١٠٨ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ ولا يستدبرها ولا يستطيب بِيَمِينِهِ وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَيَنْهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَقَوْلُهُ ﷺ (إنَّمَا أنا لكم بمنزلة الوالد) فيه تفسير أن ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَآخَرُونَ أَظْهَرُهُمَا وَلَمْ يَذْكُرْ الخطابي غيره أَنَّهُ كَلَامُ بَسْطٍ وَتَأْنِيسٍ لِلْمُخَاطَبِينَ لِئَلَّا يَسْتَحْيُوا عَنْ مَسْأَلَتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دينهم لاسيما مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَوْرَاتِ وَنَحْوِهَا فَقَالَ أَنَا كَالْوَالِدِ فلا تستحيوا منى في شئ من ذلك كما لاتستحيون مِنْ الْوَالِدِ: وَالثَّانِي مَعْنَاهُ يَلْزَمُنِي تَأْدِيبُكُمْ وَتَعْلِيمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ كَمَا يَلْزَمُ الْوَالِدَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَالْوَالِدِ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَفِي ثَالِثٍ أَيْضًا وَهُوَ الْحِرْصُ عَلَى مَصْلَحَتِكُمْ والشفقة عليكم والله أعلم
* أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الْأَصْحَابُ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَلَا يَحْرُمُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَسَارِهِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِيَمِينِهِ نَهْيَ
تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ قَالَ وَحَرَّمَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَسَارِ أَدَبٌ وَلَيْسَ الْيَمِينُ مَعْصِيَةً وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَسَارِهِ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ يُكْرَهُ بِالْيَمِينِ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ النَّهْيُ عَنْ الْيَمِينِ نَهْيُ تَأْدِيبٍ وَعِبَارَاتُ الْجُمْهُورِ مِمَّنْ لَمْ أَذْكُرْهُمْ نَحْوُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ نَهْيُ تَأْدِيبٍ وَتَنْزِيهٍ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ
[ ٢ / ١٠٩ ]
لَا يُجْزِئُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا يَجُوزُ الاستنجاء باليمين فكذا قَالَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمُتَوَلِّي (١) وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي كُتُبِهِ التَّهْذِيبِ وَالِانْتِخَابِ وَالْكَافِي وَكَذَا رَأَيْته فِي مَوْضِعٍ مِنْ تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ وَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَحْرِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ النَّهْيُ عَنْ الْيَمِينِ أَدَبٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَمُوَافِقِيهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَجُوزُ مَعْنَاهُ لَيْسَ مُبَاحًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ رَاجِحُ التَّرْكِ وَهَذَا أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ لَا يَجُوزُ فِي مَوَاضِعَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً وَهِيَ تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ: فَإِنْ قِيلَ هَذَا غَيْرُ مُعْتَادٍ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ قُلْنَا هُوَ مَوْجُودٌ فِيهَا وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلَا يَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ضَرَبَ فِي نُسْخَةِ أَصْلِهِ بِالْمُهَذَّبِ عَلَى لَفْظَةِ يَجُوزُ ان وبقى قوله ولا يَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ وَهَذَا يُصَحِّحُ مَا قُلْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بيمينه في شئ مِنْ أُمُورِ الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا لِعُذْرٍ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ كَانَ الْحَجَرُ صَغِيرًا غَمَزَ عَقِبَهُ عَلَيْهِ أَوْ أَمْسَكَهُ بَيْنَ إبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا لِئَلَّا يَسْتَنْجِيَ بِيَمِينِهِ وَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ وَاحْتَاجَ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْيَمِينِ فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْحَجَرَ بِيَمِينِهِ وَالذَّكَرَ بِيَسَارِهِ وَيُحَرِّكُ الْيَسَارَ دُونَ الْيَمِينِ فَإِنْ حَرَّكَ الْيَمِينَ أَوْ حَرَّكَهُمَا كَانَ مُسْتَنْجِيًا بِالْيَمِينِ مُرْتَكِبًا لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَأْخُذُ الذَّكَرَ بِيَمِينِهِ وَالْحَجَرَ بِيَسَارِهِ وَيُحَرِّكُ الْيَسَارَ لِئَلَّا يَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِيَمِينِهِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا طَرِيقَ
إلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ إلَّا بِالْإِمْسَاكِ بَيْنَ الْعَقِبَيْنِ أَوْ الْإِبْهَامَيْنِ وَكَيْفَ اسْتَعْمَلَ الْيَمِينَ بِإِمْسَاكِ الْحَجَرِ أَوْ غَيْرِهِ فَمَكْرُوهٌ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ أَيْضًا قَالَ أَصْحَابُنَا فَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مَانِعٌ كَقَطْعٍ وَغَيْرِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْيَمِينِ لِلضَّرُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ (إحْدَاهَا) السُّنَّةُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ قَبْلَ الْوُضُوءِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَلِيَأْمَنَ انْتِقَاضَ طُهْرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يبدأ في الاستنجاء بالماء بقبله
_________________
(١) كلام المتولي مضطوب فانه ذكر في كلامه على الاستنجاء بالاشياء المحترمة حيث لا يصح ان الفرق بينه وبين الاستنجاء باليمين ان النهى عنه على سبيل الادب ثم قال بعده بورقتين لا يستنجى باليمين مع القدرة على الاستنجاء باليسري واستدل له ثم قال فان استنجى بها صح لان الخلل ليس فيما يقع الاستنجاء به وانما هو في الآلة فصار كما لو توضأ بماء مطلق من آية الذهب والفضة فان يجوز وهذا ظاهر في التحريم كما نقله الشيخ عند انه قال لا يجوز وكلامه الاول يخالفه والله أعلم ويتعين حمل الثاني على الاول اه اذرعى
[ ٢ / ١١٠ ]
(الثَّانِيَةُ) إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ الْبَوْلِ مَسَحَ ذَكَرَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ (١) مِنْ الْحَجَرِ طَاهِرَةٍ فَلَوْ مَسَحَهُ ثَلَاثًا عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجْزِئْهُ وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلَوْ وَضَعَ رَأْسَ الذَّكَرِ عَلَى جِدَارٍ وَمَسَحَهُ مِنْ أَسْفَلَ إلَى أَعْلَى لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ مَسَحَهُ مِنْ أَعْلَى إلَى أَسْفَلَ أَجْزَأَهُ وَفِي هَذَا التَّفْصِيلِ نَظَرٌ: (الثَّالِثَةُ) إذَا أَرَادَ الِاسْتِنْجَاءَ فِي الدُّبُرِ بِالْمَاءِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى لِأَنَّهُ أَمْكَنُ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَسْتَعْمِلُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَظُنُّ زَوَالَ النَّجَاسَةِ بِهِ: فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ شَمَّ مِنْ يَدِهِ رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: أَحَدُهُمَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فَتَجِبُ إزَالَتُهَا بِزِيَادَةِ الْغَسْلِ وَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ شَمُّ الْأُصْبُعِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا مُسْتَبْعَدٌ وَإِنْ كَانَ مَقُولًا: وَالثَّانِي لَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِي مَحِلِّ الِاسْتِنْجَاءِ وَيَدُلُّ عَلَى بَقَائِهَا فِي الْأُصْبُعِ فَعَلَى هَذَا لَا يُسْتَحَبُّ شَمُّ الْأُصْبُعِ: وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَأْخُوذَانِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا غُسِلَتْ النَّجَاسَةُ وَبَقِيَتْ رَائِحَتُهَا هَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ
الْمَحِلِّ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَهُنَاكَ نَشْرَحُهُمَا وَنَبْسُطُ الْكَلَامَ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ يُدَلِّكُ دُبُرَهُ مَعَ الْمَاءِ حَتَّى لَا يَبْقَى أَثَرٌ تُدْرِكُهُ الْكَفُّ بِالْمَسِّ قَالَ وَلَا يَسْتَقْصِي فِيهِ بِالتَّعَرُّضِ لِلْبَاطِنِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْبَعُ الْوَسْوَاسِ: قال وليعلم أن كل مالا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهِ فَهُوَ بَاطِنٌ وَلَا يَثْبُتُ لِلْفَضَلَاتِ الْبَاطِنَةِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ حَتَّى تَبْرُزَ وَمَا ظَهَرَ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ: وَحَدُّ ظُهُورِهِ أَنْ يَصِلَهُ الْمَاءُ وَقَوْلُهُ لَا يَثْبُتُ لِلْفَضَلَاتِ الْبَاطِنَةِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَا يُحْكَمُ بِكَوْنِهَا نَجَاسَةً مُطْلَقًا وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ سَبَقَ مَبْسُوطًا فِي أَوَّلِ بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ: (الرَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي اسْتِنْجَاءِ الدُّبُرِ سَوَاءٌ وَأَمَّا الْقُبُلُ فَأَمْرُ الرَّجُلِ فِيهِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى أَنَّ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ سَوَاءٌ فَيَجُوزُ اقْتِصَارُهُمَا عَلَى الْحَجَرِ وَبِهَذَا قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الثَّيِّبَ لَا يُجْزِئُهَا الْحَجَرُ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَجْهًا وَهُوَ شَاذٌّ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْأَصْحَابُ لِأَنَّ مَوْضِعَ الثِّيَابَةِ وَالْبَكَارَةِ فِي أَسْفَلِ الْفَرْجِ وَالْبَوْلُ يَخْرُجُ مِنْ ثَقْبٍ فِي أَعْلَى الْفَرْجِ فَلَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَاسْتَوَتْ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ إلَّا أَنَّ الثَّيِّبَ إذَا جَلَسَتْ انْفَرَجَ أَسْفَلُ فَرْجِهَا فَرُبَّمَا نَزَلَ الْبَوْلُ إلَى مَوْضِعِ الثِّيَابَةِ وَالْبَكَارَةِ وَهُوَ مَدْخَلُ الذَّكَرِ وَمَخْرَجُ الْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ نُزُولُ الْبَوْلِ إلَيْهِ وَجَبَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ اُسْتُحِبَّ غَسْلُهُ وَلَا يَجِبُ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ غَسْلِهِ إذَا تَحَقَّقَتْ نُزُولَهُ قَالَ صَاحِبُ البيان وغيره يستحب للبكر أن تدخل
_________________
(١) في التتمة انه يقرب الذكر من الحائط أي ويجره حتي يسلب الحائط الرطوبة ولا يمسح لانه ينتشر البول على المحل لا محالة وكذا يفعل في الكرة الثانية وفى الثالثة يمسح لان النجاسة قلت على الموضع ولا يخشي انتشارها اه اذرعي
[ ٢ / ١١١ ]
أُصْبُعَهَا فِي الثَّقْبِ الَّذِي فِي الْفَرْجِ فَتَغْسِلَهُ وَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيَلْزَمُ الثَّيِّبَ أَنْ تُوَصِّلَ الْحَجَرَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا يَظْهَرُ عِنْدَ جُلُوسِهَا عَلَى قَدَمَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَالِ قِيَامِهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وشبههه الشَّافِعِيُّ بِمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهَا بِهَذَا قَالَ الرُّويَانِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا مَا وَرَاءَ هذا فهو
في حكم الباطن فلا يكلف إيصَالَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ إلَيْهِ وَيَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْوَاصِلِ إلَيْهِ وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ فَرْجِ الثَّيِّبِ وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَقَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي قُبُلَيْهِ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ هَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي قُبُلَيْهِ أَمْ يُجْزِئُ الْحَجَرُ فِيهِ وَجْهَانِ كَمَنْ انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ دُونَ الْمَعِدَةِ مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ وَقُلْنَا يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ الْأَصَحُّ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَصَحُّ وَلَعَلَّ مُرَادَ الْأَكْثَرِينَ التَّفْرِيعُ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنْ قُلْنَا يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ وَجَبَ لِكُلِّ فَرْجٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْخَامِسَةُ) السُّنَّةُ أَنْ يُدَلِّكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ بَعْدَ غَسْلِ الدُّبُرِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ (وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضُوءًا لِلْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْحَائِطَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ فَدَلَّكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَاسْتَنْجَى ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وغيرهم وهو حديث حسن: وعن جرير عن عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (دَخَلَ الْغَيْضَةَ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ اسْتَنْجَى مِنْ إدَاوَةٍ وَمَسَحَ يَدَهُ بِالتُّرَابِ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: (السَّادِسَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَيَنْضَحَ بِهَا فَرْجَهُ وَدَاخِلَ سَرَاوِيلِهِ أَوْ إزَارِهِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ دَفْعًا لِلْوَسْوَاسِ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي خِصَالِ الْفِطْرَةِ وهو الانتضاح: والله اعلم * قال المصنف ﵀
* [ويجوز الاستنجاء بالحجر وما يقوم مقامه قال أصحابنا ويقوم مقامه كل جامد طاهر مزيل للعين وليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان]
[ ٢ / ١١٢ ]
[الشَّرْحُ] اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَضَبَطُوهُ بِمَا ضَبَطَهُ بِهِ
الْمُصَنِّفُ (١) قَالُوا وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَحْجَارُ وَالْأَخْشَابُ وَالْخِرَقُ وَالْخَزَفُ وَالْآجُرُّ الَّذِي لَا سِرْجِين فِيهِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ جِنْسِهِ بَلْ يَجُوزُ فِي الْقُبُلِ جِنْسٌ وَفِي الدُّبُرِ جِنْسٌ آخَرُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الثَّلَاثَةُ حَجَرًا وَخَشَبَةً وَخِرْقَةً نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ هَذَا مَذْهَبُنَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا دَاوُد فَلَمْ يُجَوِّزْ غَيْرَ الْحَجَرِ وَكَذَا نَقَلَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُد: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ دَاوُد بَلْ مَذْهَبُهُ الْجَوَازُ
* وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فقال (ابغنى أحجارا استفض بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هريرة الآخر (وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ) قَالَ أَصْحَابُنَا فَنَهْيُهُ ﷺ عَنْ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الحجر يقوم مقامه وإلا لم يكن لتخصيصهما بِالنَّهْيِ مَعْنًى وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ (أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيهِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ هَذَا رِكْسٌ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا مَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ ﷺ عَلَّلَ مَنْعَ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَا بِكَوْنِهَا رِكْسًا وَلَمْ يُعَلِّلْ بِكَوْنِهَا غَيْرَ حَجَرٍ
* وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ أَيْضًا بِحَدِيثٍ رَوَوْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الِاسْتِنْجَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ قِيلَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ ثَلَاثُ حَفَنَاتٍ مِنْ تُرَابٍ) وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ طَاوُسٍ وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ يَسَارُ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ ﵁ إذَا بَالَ قَالَ نَاوِلْنِي شَيْئًا أَسْتَنْجِي بِهِ فَأُنَاوِلُهُ الْعُودَ وَالْحَجَرَ أَوْ يأتي حائط يَتَمَسَّحُ بِهِ أَوْ يَمَسُّهُ الْأَرْضَ وَلَمْ يَكُنْ يغسله
_________________
(١) قال في البحر في حد ما يجوز الاستنجاء به قال بعض اصحابنا ان يكون جامدا طاهرا منقيا لا حرمة له ولا متصلا بحيوان ومعني المنقي انه يُزِيلَ الْعَيْنَ حَتَّى لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ الاصقا لا يخرجه الماء وقال اهل خراسان ان يكون طاهرا منشقا لا حرمة له وقيل بدل المنشف القالع وقيل ان يكون جامدا طاهرا منقيا غير مطعوم وهذا أصح ثم قال في آخر الفصل وقيل حده أن يكون جامدا طاهرا قالعا للنجاسة غير محترم ولا مخلف وفيه احتراز عن التراب إذا لم يجز الاستنجاء به في احد القولين لانه يخلف على المحل جزءا منه انتهى وهذا الذى ذكره آخرا هو كلام المتولي في التتمة وظاهر هذا الكلام من الرويانى ان الحكم يختلف باختلاف هذه الحدود والا لما كان لتعدادها فائدة ولهذا قال في بعضها وهذا أصح فليتأمل اه اذرعى
[ ٢ / ١١٣ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَشِبْهُهُ فَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْأَحْجَارِ لِكَوْنِهَا غَالِبَ الْمَوْجُودِ لِلْمُسْتَنْجِي بِالْفَضَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِيهَا وَلَا كُلْفَةَ فِي تَحْصِيلِهَا وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلا تَقْتُلُوا أولادكم من إملاق) وقَوْله تَعَالَى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ان خفتم) وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا مِمَّا لَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ يُعْمَلُ بِهِ لِخُرُوجِهِ عَلَى الْغَالِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
وَرَدَ الشَّرْعُ بِاسْتِعْمَالِ الْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَرَمْيِ جِمَارِ الْحَجِّ وَبِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَبِاسْتِعْمَالِ التُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ وَغَسْلِ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَبِاسْتِعْمَالِ الْقَرَظِ فِي الدِّبَاغِ فَأَمَّا الْحَجَرُ فَمُتَعَيَّنٌ فِي الرَّمْيِ دُونَ الِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّ الرَّمْيَ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ بِخِلَافِ الِاسْتِنْجَاءِ وَأَمَّا الْمَاءُ فِي الطَّهَارَةِ وَالتُّرَابُ فِي التَّيَمُّمِ فَمُتَعَيَّنَانِ وَفِي التُّرَابِ فِي الْوُلُوغِ قَوْلَانِ وَفِي الدِّبَاغِ طَرِيقَانِ تَقَدَّمَا الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْقَرَظُ وَالثَّانِي قَوْلَانِ كَالْوُلُوغِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُلُوغَ دَخَلَهُ التَّعَبُّدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدِّبَاغِ وَالِاسْتِنْجَاءِ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيُضْطَرُّ كُلُّ أَحَدٍ إلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَكُلِّ مَكَان وَلَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ فَلَوْ كُلِّفَ نَوْعًا مُعَيَّنًا شَقَّ وَتَعَذَّرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَوَقَعَ الْحَرَجِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج) وَالدِّبَاغُ بِخِلَافِهِ فِي كُلِّ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀
* [فأما غير الماء من المائعات فلا يجوز الاستنجاء به لانه ينجس بملاقاة النجاسة فيزيد في النجاسة وما ليس بطاهر كالروث والحجر النجس لا يجوز الاستنجاء به لانه نجس فلا يجوز الاستنجاء به كالماء النجس فان استنجى بذلك لزمه بعد ذلك أن يستنجى بالماء لان الموضع قد صار نجسا
بنجاسة نادرة فوجب غسله بالماء ومن أصحابنا من قال يجزئه الحجر لانها نجاسة على نجاسة فلم تؤثر]
*
[ ٢ / ١١٤ ]
[الشَّرْحُ] إذَا اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ لَمْ يَصِحَّ وَيَتَعَيَّنُ بَعْدَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَلَا يُجْزِئُهُ الاحجار بلا خلاف لما ذكره الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ إذَا اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ فَهَلْ يُجْزِئُهُ بَعْدَهُ الْحَجَرُ فِيهِ وَجْهَانِ فغلط بلا شك وكأنه اشْتَبَهَ عَلَيْهِ كَلَامُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ فَتَوَهَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ عائدا إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَبِالنَّجَسِ كَالرَّوْثِ وَهَذَا وَهْمٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَائِعِ فَمُتَّفَقٌ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ يَتَعَيَّنُ لِأَنَّ الْمَائِعَ يَنْشُرُ النَّجَاسَةَ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ فَيَزِيدُ فِي النَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا النَّجَسُ وَهُوَ الرَّوْثُ وَالْحَجَرُ النَّجِسُ وَجِلْدُ الْمَيْتَةِ وَالثَّوْبُ النَّجِسُ وَغَيْرُهَا فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِهِ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ بَعْدَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَمْ يَجُوزُ بِالْأَحْجَارِ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فَقَالَ فِي التَّجْرِيدِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا اسْتَنْجَى بِنَجَسٍ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ طَاهِرَةٍ قَالَ حَتَّى لَوْ اسْتَنْجَى بِجِلْدِ كَلْبٍ أَجْزَأَهُ الْحَجَرُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الطَّارِئَةَ تَابِعَةٌ لِنَجَاسَةِ النَّجْوِ قَالَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الذى يجئ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْمَاءُ هَذَا كَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ وَرَأَيْتُ أَنَا فِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فَقَطَعَ بِأَنَّهُ إذَا اسْتَنْجَى بِجَامِدٍ نَجِسٍ كَفَاهُ بعد الاحجار قال فلو استنجي بكلب فالذي يجئ علي تعليل الاصحاب أنه يجزئه الحجر ولايحتاج إلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ هَذَا كَلَامُهُ وَلَكِنَّ نُسَخَ التَّعْلِيقِ تَخْتَلِفُ وَقَدْ قَدَّمْتُ نَظَائِرَ هَذَا: وَالصَّوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِجِلْدِ كَلْبٍ أَنَّهُ يَجِبُ سَبْعُ غَسَلَاتٍ إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ: وَالصَّحِيحُ فِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِنَجَسٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَجَوَّزَهُ
[ ٢ / ١١٥ ]
أَبُو حَنِيفَةَ بِالرَّوْثِ
* دَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ (وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ) وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ (وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ) وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ إنَّهَا رِكْسٌ) وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا وَعَنْ سَلْمَانَ (نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أو روث وقال انهما لا يطهران) رواه الدارقطني وَقَالَ إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِك بَعْدِي فَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا منه برئ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَمَا لَا يُزِيلُ الْعَيْنَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ كَالزُّجَاجِ وَالْحُمَمَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحُمَمَةِ) وَلِأَنَّ ذلك لا يزيل النجو]
* [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَلَفْظُهُ (قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ انْهَ أُمَّتَك أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًا فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والدارقطني والبيهقي ولم يضعفه أبو داود وضعفه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ: وَالْحُمَمَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ وَهِيَ الْفَحْمُ كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَكَذَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْحُمَمُ الْفَحْمُ وَمَا أُحْرِقَ مِنْ الْخَشَبِ وَالْعِظَامِ وَنَحْوِهِمَا قَالَ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَنَّهُ جُعِلَ رِزْقًا لِلْجِنِّ فَلَا يَجُوزُ إفْسَادُهُ عَلَيْهِمْ قَالَ
[ ٢ / ١١٦ ]
الْبَغَوِيّ قِيلَ الْمُرَادُ بِالْحُمَمَةِ الْفَحْمُ الرَّخْوُ الَّذِي يَتَنَاثَرُ إذَا غَمَزَ فَلَا يَقْلَعُ النَّجَاسَةَ وَالزُّجَاجُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْحِهَا وَكَسَرَهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ ابْنُ السِّكِّيتِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا: وَأَمَّا رَاوِي الْحَدِيثِ فَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ غَافِلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ والفاء بن حَبِيبٍ الْهُذَلِيُّ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وِسَادَاتِهِمْ وَكِبَارِ فُقَهَائِهِمْ وَمُلَازِمِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَخُدَّامِهِ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ سَادِسُ سِتَّةٍ وَأَسْلَمَتْ أُمُّهُ وَسَكَنَ الْكُوفَةَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمَدِينَةِ وَتُوُفِّيَ بها سنة اثنين وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَقَدْ ذَكَرْتُ قِطْعَةً مِنْ أَحْوَالِهِ فِي التَّهْذِيبِ ﵁: أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْمُسْتَنْجَى بِهِ كَوْنُهُ قَالِعًا لِعَيْنِ النَّجَاسَةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الزُّجَاجَ وَالْقَصَبَ الْأَمْلَسَ وَشِبْهِهِمَا لَا يُجْزِئُ: وَأَمَّا الْفَحْمُ فَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ اخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِيهِ قَالُوا وَفِيهِ طَرِيقَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ عَلَى حَالَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ صُلْبًا لَا يَتَفَتَّتُ أَجْزَأَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ رَخْوًا يَتَفَتَّتُ لَمْ يجزئه وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ مُطْلَقًا حَكَاهُمَا الْقَفَّالُ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الطَّرِيقُ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ بِالنَّهْيِ فَتَعَيَّنَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الرَّخْوِ وَالصُّلْبِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا اسْتَنْجَى بِزُجَاجٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ الِاسْتِنْجَاءُ ثَانِيًا فَإِنْ كَانَ حِينَ اسْتَنْجَى بِالزُّجَاجِ بَسَطَ النَّجَاسَةَ بِحَيْثُ تَعَدَّتْ مَحِلَّهَا تَعَيَّنَ الْمَاءُ وَإِلَّا فَتَكْفِيهِ الْأَحْجَارُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَفَّالُ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِأَنَّهُ يَبْسُطُ النَّجَاسَةَ وَمُرَادُهُمْ إذَا بَسَطَ وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْسُطْ النَّجَاسَةَ يَكْفِيهِ الْأَحْجَارُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀
*
[ ٢ / ١١٧ ]
[وماله حُرْمَةٌ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ كَالْخُبْزِ وَالْعَظْمِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَقَالَ (هُوَ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ) فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِغَيْرِ الْمَاءِ رخصة والرخص لا تتعلق بالمعاصي]
* [الشَّرْحُ] أَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ سَلْمَانُ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَرُوَيْفِعٌ وَأَحَادِيثُهُمْ صَحِيحَةٌ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا فِي الْفَرْعِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ وَقَالَ هُوَ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ فِي آخِرِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لَا تَسْتَنْجُوا
بِالْعَظْمِ وَالْبَعْرَةِ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إخْوَانِكُمْ) يَعْنِي الْجِنَّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِيهِ: وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ثُمَّ قَالَ قَالَ الشَّعْبِيُّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (لاتستنجوا بِالْعَظْمِ وَالْبَعْرِ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ كَأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَصَحُّ يَعْنِي فَيَكُونُ مُرْسَلًا: (قُلْت) لَا يُوَافَقُ التِّرْمِذِيُّ بَلْ الْمُخْتَارُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُتَّصِلَةٌ
* أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِعَظْمٍ وَلَا خُبْزٍ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَطْعُومِ لِمَا سَبَقَ فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِهِ عَصَى وَلَا يُجْزِئُهُ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إنْ كَانَ الْعَظْمُ طاهر لازهومة عَلَيْهِ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا تَحْصُلُ
[ ٢ / ١١٨ ]
بِحَرَامٍ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَإِذَا لَمْ يُجْزِئْهُ الْمَطْعُومُ كَفَاهُ بَعْدَهُ الْحَجَرُ بِلَا خِلَافٍ إنْ لَمْ يَنْشُرْ النَّجَاسَةَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَظْمِ زُهُومَةٌ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ أُحْرِقَ عَظْمٌ طَاهِرٌ بِالنَّارِ وَخَرَجَ عَنْ حَالِ الْعَظْمِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ لِأَنَّ النَّارَ أَحَالَتْهُ: وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ الرِّمَّةِ وَهِيَ الْعَظْمُ الْبَالِي وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَالِي بِنَارٍ أَوْ مُرُورِ الزَّمَانِ وَهَذَا الثَّانِي أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِنْجَاءِ بِجَمِيعِ الْمَطْعُومَاتِ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَغَيْرِهَا: وَأَمَّا الثِّمَارُ وَالْفَوَاكِهُ فَقَسَّمَهَا الْمَاوَرْدِيُّ تَقْسِيمًا حَسَنًا فَقَالَ مِنْهَا مَا يُؤْكَلُ رَطْبًا لَا يَابِسًا كَالْيَقْطِينِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ رَطْبًا وَيَجُوزُ يَابِسًا إذَا كَانَ مُزِيلًا وَمِنْهَا مَا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَيَابِسًا وَهُوَ أَقْسَامٌ أَحَدُهَا مَأْكُولُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَالتِّينِ وَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَغَيْرِهَا فلا يجوز الاستنجاء بشئ مِنْهُ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا وَالثَّانِي مَا يُؤْكَلُ ظاهره دون باطنه كالخوخ والمشمس وَكُلِّ ذِي نَوًى فَلَا يَجُوزُ بِظَاهِرِهِ وَيَجُوزُ بنواه المنفصل والثالث ماله قِشْرٌ وَمَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ كَالرُّمَّانِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِلُبِّهِ: وَأَمَّا قِشْرُهُ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا لَا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا كَالرُّمَّانِ فَيَجُوزُ الاستنجاء بالقشر وكذا اسْتَنْجَى بِرُمَّانَةٍ فِيهَا حَبُّهَا جَازَ إذَا كَانَتْ مُزِيلَةً (وَالثَّانِي) يُؤْكَلُ قِشْرُهُ رَطْبًا وَيَابِسًا كَالْبِطِّيخِ فَلَا يَجُوزُ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا (وَالثَّالِثُ) يُؤْكَلُ رَطْبًا لَا يَابِسًا كَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَّاءِ فَيَجُوزُ بِقِشْرِهِ يابسا لارطبا: وَأَمَّا مَا يَأْكُلُهُ الْآدَمِيُّونَ وَالْبَهَائِمُ
فَإِنْ كَانَ أَكْلُ الْبَهَائِمِ لَهُ أَكْثَرَ جَازَ وَإِنْ كَانَ أَكْلُ الْآدَمِيِّينَ لَهُ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ: وَإِنْ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي ثُبُوتِ الربي فِيهِ هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ نَحْوَهُ قَالَ الْبَغَوِيّ إنْ اسْتَنْجَى بِمَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ الْيَابِسِ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ فَإِنْ انْفَصَلَ الْقِشْرُ جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا وَمِنْ الْأَشْيَاءِ المحترمة الَّتِي يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا الْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا شئ من علوم الشرع فان استنجي بشئ منه عَالِمًا أَثِمَ وَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ الْوَجْهَانِ: الصَّحِيحُ لَا يُجْزِئُهُ فَعَلَى
[ ٢ / ١١٩ ]
هذا تجزئه الاحجار بعده: ولو استنجي بشئ مِنْ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ عَالِمًا صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا نَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
لَوْ اسْتَنْجَى بِقِطْعَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (١) فَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ الصَّحِيحُ سُقُوطُهُ وَلَوْ اسْتَنْجَى بِقِطْعَةِ دِيبَاجٍ سَقَطَ الْفَرْضُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَطَرَدَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ وَطَرَدَهُمَا أَيْضًا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِحِجَارَةِ الْحَرَمِ قَالَ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِكُلِّ ذَلِكَ لِأَنَّ لِمَاءِ زَمْزَمَ حُرْمَةً تَمْنَعُ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ ثُمَّ لَوْ اسْتَنْجَى بِهِ أَجْزَأَهُ بِالْإِجْمَاعِ (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَلَا يَسْتَنْجِي بِعَظْمٍ ذَكِيٍّ وَلَا مَيِّتٍ لِلنَّهْيِ عَنْ الْعَظْمِ مُطْلَقًا وَقَالَ فِي الْأُمِّ وَلَا يَسْتَنْجِي بِعَظْمٍ لِلْخَبَرِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَجِسٍ فَلَيْسَ هُوَ بِنَظِيفٍ وَإِنَّمَا الطَّهَارَةُ بِنَظِيفٍ طَاهِرٍ وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا فِي معنى عظم الاجلد ذكي غير مدبوع فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَظِيفٍ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا وَأَمَّا الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ فَنَظِيفٌ طَاهِرٌ هَذَا نَصُّهُ فِي الْأُمِّ: وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ فَيُجْزِئَهُ وَبِالْعَظْمِ فَلَا يُجْزِئَ أَنَّ الْيَمِينَ أَدَاةٌ وَالنَّهْيُ عَنْهَا أَدَبٌ وَالِاسْتِطَابَةُ طَهَارَةٌ وَالْعَظْمُ لَيْسَ بِطَاهِرٍ هَذَا نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَاعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِهِ وَالْعَظْمُ لَيْسَ بِطَاهِرٍ فَإِنَّ الْعَظْمَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْكَلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْمُزَنِيِّ وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْعَظْمُ لَيْسَ بِنَظِيفٍ كَمَا سَبَقَ عَنْ الْأُمِّ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِنَظِيفٍ أَنَّ
عَلَيْهِ سَهُوكَةٌ: قَالَ الماوردى وهذا قول أبي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ (وَالثَّانِي) أَنَّ نَقْلَ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ: وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِطَاهِرٍ أَيْ لَيْسَ بِمُطَهَّرٍ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا تَأْوِيلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ ذَكَرَ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ فِي الْعَظْمِ النَّجِسِ لِأَنَّ الْعَظْمَ النَّجِسَ يَمْتَنِعُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ لِعِلَّتَيْنِ (إحْدَاهُمَا) كَوْنُهُ نَجِسًا وَالْأُخْرَى كَوْنُهُ مَطْعُومًا وَالْعَظْمُ الطَّاهِرُ يَمْتَنِعُ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا فَقَطْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا تأويل أبي حامد الاسفرايني وَاخْتَارَ الْأَزْهَرِيُّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ وَهُوَ تَغْلِيطُ الْمُزَنِيِّ وبسط
_________________
(١) قال العجلي في شرح الوجيز ولايجوز الاستنجاء بالذهب والفضة والجواهر النفيسة وبالغير والعصفور لان الكل محترم هذا لفظه اه اذرعي
[ ٢ / ١٢٠ ]
الْكَلَامَ فِيهِ وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّظِيفِ وَالطَّاهِرِ قَالَ فَمَا فِيهِ زُهُومَةٌ أَوْ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ فَهُوَ طَاهِرٌ لَيْسَ بِنَظِيفٍ وَذَلِكَ كَالْعَظْمِ وَجِلْدِ الْمُذَكَّى قَبْلَ الدِّبَاغِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا
* وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْعَظْمِ وَمِمَّنْ قال لا يجوز احمد وداود * قال المصنف ﵀
* [وَمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ حَيَوَانٍ كَذَنَبِ حِمَارٍ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَجُوزُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ حَيَوَانٍ فَلَمْ يَجُزْ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ كَمَا لَوْ اسْتَنْجَى بِيَدِهِ وَلِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً فَهُوَ كَالطَّعَامِ] [الشَّرْحُ] الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ تَحْرِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ فِي حَالِ اتِّصَالِهِ كَالذَّنَبِ وَالْأُذُنِ وَالْعَقِبِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ وَغَيْرِهَا وَخَالَفَهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ فَقَالَا الْأَصَحُّ صِحَّةُ الِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيَوَانِ فِي مَنْعِ إيلَامِهِ لَا مَنْعِ ابْتِذَالِهِ بِخِلَافِ الْمَطْعُومِ وَالصَّوَابُ مَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ وَعَدَمُ إجْزَائِهِ وَقِيلَ يَحْرُمُ وَيُجْزِئُ: فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ كَفَاهُ الْأَحْجَارُ بَعْدَهُ: وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِيَدِ آدَمِيٍّ فَفِيهِ كَلَامٌ منتشر حاصله أربعة أوجه الصحيح لا يجزيه لابيده وَلَا بِيَدِ غَيْرِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ لانه عضو مُحْتَرَمٌ: وَالثَّانِي يُجْزِئُهُ بِيَدِهِ وَيَدِ غَيْرِهِ حَكَاهُ الماوردى عن ابن خيران وليس بشئ: وَالثَّالِثُ يَجُوزُ بِيَدِهِ وَلَا يَجُوزُ بِيَدِ غَيْرِهِ وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: (وَالرَّابِعُ) يُجْزِئُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ دُونَ يَدِهِ كَمَا يَسْجُدُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ دُونَ يَدِهِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمَاوَرْدِيُّ وَحَكَاهُ الْفُورَانِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَهُوَ ضعيف أو غلط: والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[وَإِنْ اسْتَنْجَى بِجِلْدٍ مَدْبُوغٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي حَرْمَلَةَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ كَالرِّمَّةِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ يَجُوزُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَيِّنًا فهو كالخرق وان كان خشنا فهو كالخرف وَإِنْ اسْتَنْجَى بِجِلْدِ حَيَوَانٍ مَأْكُولِ اللَّحْمِ مُذَكًّى غَيْرِ مَدْبُوغٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الْأُمِّ وَحَرْمَلَةَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَقْلَعُ النَّجْوَ للزوجته وقال
[ ٢ / ١٢١ ]
في البويطي يجوز والاول هو المشهور]
* [الشَّرْحُ] حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ يَجُوزُ بِالْمَدْبُوغِ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالثَّانِي يَجُوزُ بِهِمَا قَالَهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَالثَّالِثُ لَا يَجُوزُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَهُ فِي حَرْمَلَةَ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ طَرِيقًا آخَرَ وَهُوَ الْقَطْعُ بِنَصِّهِ فِي الْأُمِّ وَتَأْوِيلِ الآخرين ودليل الجميع ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي الْمَدْبُوغِ بَيْنَ الْمُذَكَّى وَالْمَيْتَةِ لِأَنَّهُمَا طَاهِرَانِ قَالِعَانِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ وَإِنْ جَازَ بِالْمَدْبُوغِ الْمُذَكَّى تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وليس بشئ: هَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ إلَّا الْمُتَوَلِّي فَإِنَّهُ انْفَرَدَ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ فَقَالَ إنْ كَانَ جِلْدٌ مُذَكًّى وَاسْتَنْجَى بِالْجَانِبِ الَّذِي يَلِي اللَّحْمَ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَنْجَى بِمَطْعُومٍ لِأَنَّهُ مِمَّا يُؤْكَلُ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ اسْتَنْجَى بِالْجَانِبِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّعْرُ وَشَعْرُهُ كَثِيرٌ جَازَ: وَإِنْ كَانَ الْجِلْدُ مَدْبُوغًا وَهُوَ جِلْدٌ مُذَكًّى جَازَ وَإِنْ كَانَ جِلْدُ مَيْتَةٍ فَقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ هَلْ يُطَهِّرُ بَاطِنَ الْجِلْدِ أَمْ لَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* فَإِنْ قِيلَ الْجِلْدُ مَأْكُولٌ فَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ: فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ عَادَةً وَلَا مَقْصُودٌ بِالْأَكْلِ وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ جِلْدَيْنِ بِجِلْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَالرِّمَّةِ هِيَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهُوَ الْعَظْمُ الْبَالِي كَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَأَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ سُمِّيَتْ الْعِظَامُ رِمَّةً لِأَنَّ الْإِبِلَ تَرُمُّهَا أَيْ تَأْكُلُهَا وَإِنَّمَا قَاسَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهَا لِأَنَّ النَّصَّ ثَبَتَ فِيهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ إحْدَاهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَلَا يَسْتَنْجِي بِحَجَرٍ قَدْ اسْتَنْجَى بِهِ مَرَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ طَهُرَ بِالْمَاءِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ ثُمَّ غُسِلَ وَيَبِسَ جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ ثَانِيَةً فَإِنْ غُسِلَ وَيَبِسَ جَازَ ثَالِثَةً وَهَكَذَا أَبَدًا وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ كما
[ ٢ / ١٢٢ ]
لَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الثَّوْبِ مَرَّاتٍ بِخِلَافِ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَرْمِيَ بِحَصَاةٍ قَدْ رَمَى بِهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّ مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا رُفِعَ وَمَا لَمْ يُتَقَبَّلْ تُرِكَ: وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَعَدُّدُ الْمَرْمِيِّ بِهِ وَلَوْ غَسَلَهُ ثُمَّ اسْتَنْجَى بِهِ وَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحُّ فَإِنْ انْبَسَطَتْ النَّجَاسَةُ تَعَيَّنَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كَانَ شَيْخِي يَقُولُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ أَيْضًا لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَلَلَ يَنْجَسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ فَيَصِيرُ فِي حُكْمِ نَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِي فِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَاءِ لَا تَنْقَلِبُ نَجَسًا وَإِنَّمَا تُجَاوِرُ النَّجَاسَةَ أَوْ تُخَالِطُهَا هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ.
وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ شَيْخِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ غَيْرِهِ وَإِنْ غَسَلَهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مَاءٌ وَبَقِيَتْ رُطُوبَةٌ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ وَالدَّارِمِيُّ وَصَاحِبًا الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَغَيْرُهُمْ أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَآخَرُونَ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ وَجْهًا ثَالِثًا إنْ كَانَتْ الرُّطُوبَةُ يَسِيرَةً صَحَّ وَإِلَّا فَلَا
* (فَرْعٌ)
إذَا اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ فَحَصَلَ بِهِ الْإِنْقَاءُ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ حَجَرًا ثَانِيًا وَثَالِثًا وَلَمْ يَتَلَوَّثَا فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِمَا مَرَّةً أُخْرَى مِنْ غَيْرِ غَسْلِهِمَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ أَصَحُّهُمَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا طَاهِرَانِ صَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ: وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَبْعُدُ سَلَامَتُهُ مِنْ نجاسة خفية وَقِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ
* (فَرْعٌ)
لَوْ رَأَى حَجَرًا شَكَّ فِي اسْتِعْمَالِهِ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ أَوْ غَسْلُهُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ وَشَكَّ فِي غَسْلِهِ لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا جَفَّ وَرَقُ الشَّجَرِ ظاهره وباطنه أو ظاهر جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ إنْ كَانَ مُزِيلًا وَإِنْ كَانَ نَدِيَّ الظَّاهِرِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي الْحَجَرِ النَّدِيِّ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَرَقُ الشَّجَرِ
[ ٢ / ١٢٣ ]
الَّذِي يُكْتَبُ عَلَيْهِ وَالْحَشِيشُ الْيَابِسَاتُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ إنْ كَانَ خَشِنًا مُزِيلًا جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا (الثَّالِثَةُ) نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ في البويطى ومختصر الربيع علي جَوَازَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالتُّرَابِ
قَالَ أَصْحَابُنَا أَرَادَ إذَا كَانَ مُسْتَحْجَرًا تُمْكِنُ الْإِزَالَةُ بِهِ فَإِنْ كَانَ دقيقا لاتمكن الْإِزَالَةُ بِهِ لَمْ يُجْزِئْ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِالْمَحِلِّ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ بِالتُّرَابِ وَإِنْ كَانَ رَخْوًا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ وَالْحَدِيثُ بَاطِلٌ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَمَرَ بِالْحَجَرِ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْحَجَرُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَلَيْسَ التُّرَابُ الرَّخْوُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الضَّعِيفِ يَجِبُ أَرْبَعُ مَسَحَاتٍ وَيُسْتَحَبُّ خَامِسَةٌ لِلْإِيتَارِ وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بشئ (الرَّابِعَةُ) قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبَا الْبَحْرِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي حَرْمَلَةَ إذَا نتف الصوف من الغتم وَاسْتَنْجَى بِهِ كَرِهْتُهُ وَأَجْزَأَهُ؟؟ قَالُوا وَإِنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبَ الْحَيَوَانِ: فَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِالصُّوفِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ شَاةٍ بَعْدَ ذَكَاتِهَا أَوْ جَزَّهُ فِي حَيَاتِهَا فَلَا كَرَاهَةَ: (الْخَامِسَةُ) نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْآجُرِّ: قَالَ أَصْحَابُنَا قَالَهُ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ بِالْحِجَازِ وَمِصْرَ أَنَّهُمْ لَا يَخْلِطُونَ بِتُرَابِهِ السِّرْجِينَ: فَأَمَّا مَا خُلِطَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ وَقِيلَ بَلْ عَلِمَ بِخَلْطِهِ بِالسِّرْجِينِ وَجَوَّزَهُ لِأَنَّ النَّارَ تَحْرِقُ السِّرْجِينَ فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ مَبْسُوطَةً فِي آخِرِ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* [وَإِنْ جَاوَزَ الْخَارِجُ الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ فَإِنْ كَانَ غائط فَخَرَجَ إلَى ظَاهِرِ الْأَلْيَةِ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ فَهُوَ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَإِنْ خَرَجَ إلَى بَاطِنِ الْأَلْيَةِ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى ظَاهِرِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
[ ٢ / ١٢٤ ]
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ خَرَجَ إلَى ظاهر الْأَلْيَةِ: وَالثَّانِي يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ: لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ ﵃ هَاجَرُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَأَكَلُوا التمر ولم يكن ذلك مِنْ عَادَتِهِمْ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَقَّتْ بِذَلِكَ أَجْوَافُهُمْ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَلِأَنَّ مَا يَزِيدُ عَلَى الْمُعْتَادِ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَجُعِلَ الْبَاطِنُ كُلُّهُ حَدًّا وَوَجَبَ الْمَاءُ فِيمَا زَادَ: وَإِنْ كَانَ بَوْلًا فَفِيهِ طَرِيقَانِ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إذَا جَاوَزَ مَخْرَجَهُ حَتَّى رَجَعَ عَلَى الذَّكَرِ أَعْلَاهُ أَوْ أَسْفَلَهُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ لِأَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَوْلِ
لَا يَنْتَشِرُ إلَّا نَادِرًا بِخِلَافِ مَا يَخْرُجُ من الدبر فانه لابد مِنْ أَنْ يَنْتَشِرَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَوَجْهُهُ مَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَالثَّانِي يَجُوزُ فِيهِ الْحَجَرُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْحَشَفَةَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ الْحَجَرُ فِي الْغَائِطِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ بَاطِنَ الْأَلْيَةِ لِتَعَذُّرِ الضَّبْطِ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ فِي الْبَوْلِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْحَشَفَةَ لِتَعَذُّرِ الضَّبْطِ]
* [الشَّرْحُ] قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا خَرَجَ الْغَائِطَ فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنْ لَا يُجَاوِزَ نَفْسَ الْمَخْرَجِ فَيُجْزِئُهُ الْأَحْجَارُ بِلَا خِلَافٍ: الثَّانِي أَنْ يُجَاوِزَهُ وَلَا يُجَاوِزَ الْقَدْرَ الْمُعْتَادَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ فَيُجْزِئُهُ الْحَجَرُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ الْمَخْرَجَ تَعَيَّنَّ الْمَاءُ وَنَقَلَ الْبُوَيْطِيُّ نَحْوَهُ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَهُ قَوْلًا آخَرَ وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَيْسَ على ظاهره بل يكفيه الحرج قَوْلًا وَاحِدًا ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ غَلَّطَ الْمُزَنِيَّ فِي النَّقْلِ وَهَذَا قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَنَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى تَغْلِيطِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ سَقَطَ من الكلام شئ وَصَوَابُهُ إذَا جَاوَزَ الْمَخْرَجَ وَمَا حَوْلَهُ (١) وَهَذَا وان سموه تأويلا فهو بمعنى التغليط إنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ قَالُوا الِاعْتِبَارُ بِعَادَةِ غَالِبِ النَّاسِ وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَادَةِ النَّاسِ أَمْ بِعَادَتِهِ الْحَالُ (الثَّالِثُ) أَنْ يَنْتَشِرَ وَيَخْرُجَ عَنْ الْمُعْتَادِ وَلَا يُجَاوِزُ بَاطِنَ الْأَلْيَةِ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ أَمْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ فيه
_________________
(١) يمكن تأويله على المجاوزة الزائدة علي ما حواليه وهذا اولى من تغليطه وهو بمعني التأويل المذكور لكن لا حاجة لى تقدير ساقط اه من هامش الارذعى
[ ٢ / ١٢٥ ]
قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَحَرْمَلَةَ وَالْإِمْلَاءِ كَذَا قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ: وَالثَّانِي يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْقَدِيمِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَهَذَا الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ قِصَّةِ الْمُهَاجِرِينَ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ والاصحاب: (الرابع) أن ينتشر إلى ظاهر الاليين فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِي جَمِيعِهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ لِنُدُورِهِ وَتَعَذُّرِ فَصْلِ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِي الَّذِي عَلَى ظَاهِرِ الْأَلْيَةِ: وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ وَلَمْ يَتَّصِلْ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ السَّابِقِ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْعَادَةَ أجزأه الْحَجَرُ وَإِنْ جَاوَزَهُ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يُجْزِئُهُ أَيْضًا هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَالْقَاضِي
حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ: وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَفِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ وَجْهٌ مخالف لهذا وليس بشئ وَلَوْ انْتَشَرَ الْخَارِجُ انْتِشَارًا مُعْتَادًا وَتَرَشَّشَ مِنْهُ شئ الي محل منفصل قَرِيبٍ مِنْ الْخَارِجِ بِحَيْثُ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ لَوْ اتَّصَلَ تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِي الْمُتَرَشِّشِ صَرَّحَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا الْبَوْلُ فَإِنْ انْتَشَرَ وَخَرَجَ عَنْ الْحَشَفَةِ مُتَّصِلًا تَعَيَّنَ فِيهِ الْمَاءُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا فَطَرِيقَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ اُخْتُلِفَ فِي الرَّاجِحِ مِنْهُمَا فَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِنُدُورِهِ: وَقَالَ الْجُمْهُورُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي انْتِشَارِ الْغَائِطِ إلَى بَاطِنِ الْأَلْيَةِ وَقَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ بِإِجْزَاءِ الْحَجَرِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْحَشَفَةَ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْبَوْلَ يَنْتَشِرُ أَيْضًا فِي الْعَادَةِ وَيَشُقُّ
[ ٢ / ١٢٦ ]
ضَبْطُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَجُعِلَتْ الْحَشَفَةُ فَاصِلًا فَعَلَى هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَائِطِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ بَاطِنِ الْأَلْيَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ السَّابِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ أبو اسحاق إذا جاوز مخرجه أعلاه حَتَّى رَجَعَ عَلَى الذَّكَرِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَذَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَكَذَا نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ مَجْرُورَانِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ الذَّكَرِ تَقْدِيرُهُ حَتَّى رَجَعَ عَلَى أَعَلَا الذَّكَرِ وأسفله ويقال الاليان الاليتان بِحَذْفِ التَّاءِ وَإِثْبَاتِهَا وَحَذْفُهَا أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَالْمُرَادُ بِبَاطِنِ الْأَلْيَةِ مَا يَسْتَتِرُ فِي حال القيام وبظاهرها مالا يستتر * قال المصنف ﵀
* [وان كان الخارج نادرا كالدم والمذي والودى أو دودا أو حصاة وقلنا يجب الاستنجاء منه فهل يجزئ فيه الحجر فيه قولان أحدهما انه كالبول والغائط وقد بيناهما والثاني لا يجزئ الا الماء لانه نادر فهو كسائر النجاسات]
* [الشَّرْحُ] إذَا كَانَ الْخَارِجُ نَادِرًا كَالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالْوَدْيِ (١) وَالْمَذْيِ وَشِبْهِهَا فَهَلْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ فِيهِ طَرِيقَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ على قولين أصحهما يجزيه الْحَجَرُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَحَرْمَلَةَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَالِاسْتِنْجَاءُ رُخْصَةٌ وَالرُّخَصُ تَأْتِي لِمَعْنًى ثُمَّ لَا يَلْزَمُ وُجُودُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي جَمِيعِ صُوَرِهَا كَالْقَصْرِ وَأَشْبَاهِهِ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ قَالَهُ فِي الْأُمِّ وَيُحْتَجُّ لَهُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ)
وَسَنَذْكُرُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ الْغُسْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ والطريق الثاني ذكره الخراسانيون أنه يجزيه الْحَجَرُ قَوْلًا وَاحِدًا وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ فِي الْأُمِّ على مَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ لَا مِنْ دَاخِلِ الْفَرْجِ بَلْ مِنْ قَرْحٍ أَوْ بَاسُورٍ وَشِبْهِهِ خَارِجَ الدُّبُرِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: ثُمَّ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ خَرَجَ النَّادِرُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْمُعْتَادِ وَحَكَى الْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا خَرَجَ النَّادِرُ مَعَ الْمُعْتَادِ فَإِنْ تَمَحَّضَ النَّادِرُ تَعَيَّنَ الْمَاءُ قَطْعًا وَالصَّحِيحُ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وهو مقتضى اطلاق الجمهور قال
_________________
(١) في عد الودى من النادر نظر ظاهر وان ذكره جماعة لانه يخرج عقب البول غالبا بل هو منه بمنزلة العكر من الزيت ولهذا جزم العمرانى بانه معتاد اه اذرعى
[ ٢ / ١٢٧ ]
الْمَاوَرْدِيُّ وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ نَادِرٌ فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَدَمُ الْبَاسُورِ الَّذِي فِي دَاخِلِ الدُّبُرِ نَادِرٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ مِنْ النَّادِرِ (١) كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ مَا يُوهِمُ خِلَافًا فِي كَوْنِهِ نَادِرًا وَلَا خِلَافَ فِيهِ فَلْيُحْمَلْ كَلَامُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَدَمُ الْحَيْضِ مُعْتَادٌ فَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَدْ يَسْتَشْكِلُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَصْحَابَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ قَالُوا لَا يُمْكِنُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلَةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا غَسْلُ مَحِلِّ الِاسْتِنْجَاءِ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ فَيُقَالُ صُورَتُهُ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ وَلَمْ تَجِدْ مَا تَغْتَسِلُ بِهِ أَوْ كَانَ بِهَا مَرَضٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُبِيحُ لَهَا التَّيَمُّمَ فَإِنَّهَا تَسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ عَنْ الدَّمِ ثُمَّ تَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ بَدَلًا عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ وَتُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ بِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ مَذْيٌ أَوْ دَمٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّادِرِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَنْجَى بِالْحَجَرِ وَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ قَوْلُنَا لَا يَصِحُّ اسْتِنْجَاؤُهُ وَأَمَّا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا يَكْفِي الْحَجَرُ فِي دَمِ الْحَيْضِ الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا وَجَدَتْ الْمَاءَ وَاسْتَنْجَتْ بِالْحَجَرِ وَغَسَلَتْ بَاقِي الْبَدَنِ وَلَمْ تَغْسِلْ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ فَهُنَا لَا يَصِحُّ (٢) اسْتِنْجَاؤُهَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ وَلَمْ يُرِيدَا بِقَوْلِهِمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ غَيْرَهُمْ يُخَالِفُهُمْ بَلْ أرادا انهم هم الذين ابتدؤا بِذِكْرِ ذَلِكَ وَشَهَرُوهُ فِي كُتُبِهِمْ فَقَدْ ذَكَرَهُ الخراسانيون أيضا ولكنهم أخذوه من كتب العراقيين وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الدُّودِ والحصى إذَا أَوْجَبْنَا الِاسْتِنْجَاءَ مِنْهُ فَهَلْ يُجْزِئُ الْحَجَرُ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَالنَّادِرِ فَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُمْهُورُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ هُنَا إنَّمَا يَجِبُ لِتِلْكَ الْبَلَّةِ وَهِيَ مُعْتَادَةٌ فَيَكْفِي الْحَجَرُ قَوْلًا وَاحِدًا وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ مِثْلَهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ وَالْمَنِيُّ طَاهِرٌ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ وَلَمْ يَخْرُجْ غَيْرُهُ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ لِمَرَضٍ أَوْ فَقْدِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَا إعَادَةَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي دَمِ الْحَيْضِ أَمَّا إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَلَا من غسل رأس الذكر والله أعلم
*
_________________
(١) ليس الامر كذلك بل الذى تقله العمرانى في البيان ان المذى والودى من المعتاد وبه اجاب المحاملى في المقنع لكن في المذي وحده ولا فرق اه اذرعى (٢) قوله لا يصح استنجاؤها اي لا يكفي كما قال لان الاستنجاء وقع صحيحا ولكن وجب غسل الموضع في غسل الحيض فلا تظهر فائدة الا في مسألة التيمم كالجنب إذا بال واستنجى بالحجر اه اذرعى
[ ٢ / ١٢٨ ]
(فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ إحْدَاهَا قَالَ أَصْحَابُنَا شَرْطُ جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ مِنْ الْغَائِطِ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ حَتَّى يَسْتَنْجِيَ فَإِنْ قَامَ تَعَيَّنَ الْمَاءُ لِأَنَّ بِالْقِيَامِ تَنْطَبِقُ الْأَلْيَانِ فَتَنْتَقِلُ النَّجَاسَةُ مِنْ مَحِلِّهَا إلَى مَحِلٍّ أَجْنَبِيٍّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحْجَارٌ وَكَانَتْ بِقُرْبِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهَا فَطَرِيقُهُ أَنْ يَزْحَفَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْطَبِقَ أَلْيَاهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْحَجَرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَوْ قَامَ متفاجحا بحيث لا تنطبق الاليان أو استيقن ان النجاسة لم تجاوز مَحِلَّهَا أَجْزَأَهُ الْحَجَرُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ وَقَعَ الْخَارِجُ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ تَرَشَّشَ مِنْهُ شئ فَارْتَفَعَ وَعَلِقَ بِالْمَحِلِّ أَوْ تَعَلَّقَتْ بِالْمَحِلِّ نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ تَعَيَّنَ الْمَاءُ فَإِنْ تَمَيَّزَ الْمُرْتَفِعُ وَأَمْكَنَ غَسْلُهُ وَحْدَهُ غَسَلَهُ وَكَفَاهُ الْأَحْجَارُ فِي نَجَاسَةِ الْمَحِلِّ (الثَّانِيَةُ) لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يُرِيدَ الطَّهَارَةَ أَوْ الصَّلَاةَ (الثَّالِثَةُ) الِاسْتِنْجَاءُ طَهَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ الْوُضُوءِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَاسْتَنْبَطَهُ مِنْ الْقَوْلِ الشَّاذِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ (الرَّابِعَةُ) إذَا اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ فَعَرِقَ مَحِلُّهُ وَسَالَ الْعَرَقُ مِنْهُ وَجَاوَزَهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا سَالَ إلَيْهِ (١) وَإِنْ لَمْ يجاوزه فوجهان: أحدهما يجب غسله والصحيح لا يلزمه
شئ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ وَلَوْ انْغَمَسَ هَذَا الْمُسْتَجْمِرُ فِي مَائِعٍ أَوْ فِيمَا دُونَ قُلَّتَيْنِ نَجَّسَهُ بِلَا خِلَافٍ (الْخَامِسَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ في الام والاصحاب انما يجزى الِاسْتِجْمَارُ الْمُتَوَضِّئَ وَالْمُتَيَمِّمَ أَمَّا الْمُغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ وغيرها فلا يجزئه بل لابد مِنْ تَطْهِيرِ مَحِلِّهِ بِالْمَاءِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ كَمَا قُلْنَا لَا يَكْفِي مَسْحُ الْخُفِّ فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلِ بِخِلَافِ الْمُتَوَضِّئِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ وَمَسْحَ الْخُفِّ رُخْصَتَانِ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِمَا لتكرر الوضوء وأما الغسل فنادر فلا تدعوا لحاجة إلَيْهِمَا فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَابِ: رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غَفَّارٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَةٍ فَحَاضَتْ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْسِلَ الدَّمَ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ) الحديث قال الخطابي
_________________
(١) في وجوب غسل ما سال إليه نظر فانه يشق الاحتراز منه فينبغي ان يعفى عنه وقد قاله في الروضة ولو عرق وتلوث بمحل النجو غيره فوجهان أصحهما العفو لعسر الاحتراز بخلاف حمل غيره وهذا يقتضي العفو إذا تلوث به ثوب أو بدن ويدل عليه احوال الصحابة اه اذرعي
[ ٢ / ١٢٩ ]
الْمِلْحُ مَطْعُومٌ فَقِيَاسُهُ جَوَازُ غَسْلِ الثَّوْبِ بِالْعَسَلِ كَثَوْبِ الْإِبْرَيْسَمِ الَّذِي يُفْسِدُهُ الصَّابُونُ وَبِالْخَلِّ إذَا أَصَابَهُ حِبْرٌ وَنَحْوُهُ قَالَ وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا التدلك بالنخالة وغسل الايدى بدقيق الباقلى وَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَهُ قُوَّةُ الْجَلَاءِ قَالَ وحدثونا عن يونس ابن عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ دَخَلْت الْحَمَّامَ بِمِصْرَ فَرَأَيْت الشافعي يتدلك بالنخالة هذا كلام الخطابي
*