(السِّوَاكُ سُنَّةٌ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه قَالَ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَيُسْتَحَبُّ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ لما روت عائشة رضى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ وَالثَّانِي عِنْدَ اصْفِرَارِ الْأَسْنَانِ لِمَا رَوَى الْعَبَّاسُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ اسْتَاكُوا لَا تَدْخُلُوا عَلَيَّ قُلْحًا وَالثَّالِثُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ النَّوْمِ وَقَدْ يَكُون بِالْأَزْمِ وَهُوَ تَرْكُ الاكل وقد يكون بأكل شئ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَمُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ النَّوْمِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ وَإِنَّمَا اسْتَاكَ لِأَنَّ النَّائِمَ يَنْطَبِقُ فَمُهُ وَيَتَغَيَّرُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَمُ فَوَجَبَ أَنْ يستحب له السواك)
*
(الشَّرْحُ) فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ جُمَلٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَالْأَحْكَامِ يَحْصُلُ بَيَانُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَسَائِلَ إحْدَاهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ السِّوَاكُ مطهرة للفم ومرضاة لِلرَّبِّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ إمَامُ الْأَئِمَّةِ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ تَعْلِيقًا فَقَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ
[ ١ / ٢٦٧ ]
اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَهَذَا التَّعْلِيقُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ بِصِيغَةِ جَزْمٍ وَقَدْ ذَكَرْت فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ تَعْلِيقَاتِ الْبُخَارِيِّ إذَا كَانَتْ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَالْمَطْهَرَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ السِّكِّيتِ وَآخَرُونَ وَهِيَ كُلُّ إنَاءٍ يُتَطَهَّرُ بِهِ شَبَّهَ السِّوَاكَ بِهَا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْفَمَ وَالطَّهَارَةُ النَّظَافَةُ وَقَوْلُهُ ﷺ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الرَّبُّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ رَبٍّ فَإِنَّهُ يُضَافُ إلَى الْمَخْلُوقِ فَيُقَالُ رَبُّ الْمَالِ وَرَبُّ الدَّارِ وَرَبُّ الْمَاشِيَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه ولم فِي الْحَدِيثِ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ دَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ إضَافَةَ رَبٍّ إلَى الْحَيَوَانِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَهُ وَقَدْ أَوْضَحْتُ كُلَّ هَذَا بِدَلَائِلِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ: وَمِمَّا جَاءَ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ مُطْلَقًا حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرْت عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ بِغَيْرِ سِوَاكٍ فَضَعِيفٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ وَضَعَّفَهَا كُلَّهَا وَكَذَا ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَأَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ بِالتَّسَاهُلِ فِي التَّصْحِيحِ وَسَبَبُ ضَعْفِهِ أَنَّ مَدَارَهُ عَلَى مُحَمَّدِ ابن إِسْحَاقَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَلَمْ يُذْكَرْ سَمَاعُهُ وَالْمُدَلِّسُ إذَا لَمْ يُذْكَرْ سَمَاعُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ لِأَهْلِ هَذَا الْفَنِّ وَقَوْلُهُ أَنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ لَيْسَ كذلك فان محمد ابن إِسْحَاقَ لَمْ يَرْوِ لَهُ مُسْلِمٌ شَيْئًا مُحْتَجًّا بِهِ وَإِنَّمَا رَوَى لَهُ مُتَابَعَةً وَقَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ فِي الْمُتَابَعَاتِ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِلتَّقْوِيَةِ لَا لِلِاحْتِجَاجِ وَيَكُونُ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَذَلك مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ وَالْبَيْهَقِيُّ أَتْقَنُ فِي هَذَا الْفَنِّ مِنْ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
وَيُغْنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ فَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَرْوِهِ وَجَعَلَهُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْعَبَّاسِ فَهُوَ ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْعَبَّاسِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُمَا لَيْسَ بقوي قال
[ ١ / ٢٦٨ ]
الْبَيْهَقِيُّ هُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي إسْنَادِهِ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ وَيُغْنِي عَنْهُ فِي الدَّلَالَةِ حَدِيثُ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ إذَا قَامَ مِنْ النَّوْمِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ فَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ لَا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَقِيلَ إنَّ ذِكْرَ عَائِشَةَ وَهْمٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَعَدُّوهُ مِنْ غَلَطِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي لُغَاتِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ السِّوَاكُ بِكَسْرِ السِّينِ وَيُطْلَقُ السِّوَاكُ عَلَى الْفِعْلِ وَهُوَ الِاسْتِيَاكُ وَعْلِي الْآلَةِ الَّتِي يَسْتَاكُ بِهَا وَيُقَالُ فِي الْآلَةِ أَيْضًا مِسْوَاكٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ يُقَالُ سَاكَ فَاهُ يَسُوكُهُ سَوْكًا فَإِنْ قُلْت اسْتَاكَ لَمْ تَذْكُرْ الْفَمَ وَالسِّوَاكُ مُذَكَّرٌ نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ الْعَرَبِ قَالَ وَغَلِطَ اللَّيْثُ بْنُ الْمُظَفَّرِ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ مُؤَنَّثٌ وَذَكَر صَاحِبُ الْمُحْكَمِ أَنَّهُ يُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ لُغَتَانِ قَالُوا وَجَمْعُهُ سُوكٌ بِضَمِّ السِّينِ وَالْوَاوِ كَكِتَابٍ وكتب ويخفف باسكان الواو قال صَاحِبُ الْمُحْكَمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَعْنِي الدِّينَوَرِيَّ
[ ١ / ٢٦٩ ]
الْإِمَامَ فِي اللُّغَةِ رُبَّمَا هُمِزَ فَقِيلَ سُؤَاكٌ قال والسواك مشتق من ساك الشئ إذَا دَلَكَهُ وَأَشَارَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّسَاوُكِ يَعْنِي التَّمَايُلَ يُقَالُ جَاءَتْ الْإِبِلُ تَتَسَاوَكُ أَيْ تَتَمَايَلُ فِي مِشْيَتِهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ سَاكَ إذَا دَلَكَ هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيهِ وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ استعمال عود أو نحوه في الاسنان لا ذهاب التَّغَيُّرِ وَنَحْوِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَقَوْلُهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ سَبَقَ شَرْحُهُمَا وَمِيمُ الْفَمِ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِي لُغَيَّةٍ يَجُوزُ تَشْدِيدُهَا وَقَدْ بَسُطَتْ ذَلِكَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَقَوْلُهُ يُسْتَحَبُّ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ كَذَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ وَفِي الْحَالِ لُغَتَانِ
التذكير والتأنيث فيقال ثلاثة أحوال ثلاث أَحْوَالٍ وَحَالٌ حَسَنٌ وَحَالَةٌ حَسَنَةٌ وَقَوْلُهُ صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ مَعْنَاهُ ثَوَابُهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ سَبْعِينَ وَقَوْلُهُ لَا تَدْخُلُوا عَلَيَّ قُلْحًا بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ اللام وبالحاء الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ أَقْلَحَ وَهُوَ الَّذِي عَلَى أَسْنَانِهِ قَلَحٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَهُوَ صُفْرَةٌ وَوَسَخٌ يركبان الاسنان قال صحاب الْمُحْكَمِ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا الْقُلَاحُ بِضَمِّ الْقَافِ وتخفيف واللام وَيُقَالُ قَلِحَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَأَقْلَحَ
* وَقَوْلُهُ وَقَدْ يَكُونُ بِالْأَزْمِ وَهُوَ تَرْكُ الْأَكْلِ الْأَزْمُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَتَأَوَّلَهُ أَصْحَابُنَا تأويلين أحدهما الجوع الثاني السُّكُوتُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ تَرْكُ الْأَكْلِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ تَرْكُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وقوله يشوص
[ ١ / ٢٧٠ ]
فَاهُ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالشَّوْصُ ذلك الْأَسْنَانِ عَرْضًا بِالسِّوَاكِ كَذَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ الْغَسْلُ وَقِيلَ التَّنْقِيَةُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
* الْعَبَّاسُ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو الْفَضْلِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتمام نسبه فِي نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثنين وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ سَمْعًا: الْمَسْأَلَة الرَّابِعَةُ: فِي الْأَحْكَامِ فَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُد أَنَّهُ أَوْجَبَهُ وَحَكَى صَاحِبُ الْحَاوِي أَنَّ دَاوُد أَوْجَبَهُ وَلَمْ يُبْطِلْ الصَّلَاةَ بِتَرْكِهِ قَالَ وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ هُوَ وَاجِبٌ فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهَذَا النقل عن اسحاق غير معوف وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ والعبد رى غَلِطَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي حِكَايَتِهِ وُجُوبَهُ عَنْ دَاوُد بَلْ مَذْهَبُ دَاوُد أَنَّهُ سُنَّةٌ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا نَصُّوا أَنَّهُ سُنَّةٌ وَأَنْكَرُوا وُجُوبَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَامِدٍ: وَاحْتَجَّ لِدَاوُدَ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ بحديث أبي هريرة الذى ذكرناه لولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا
الْحَدِيثِ إنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِأَحَادِيثَ أُخَرَ وَأَقْيِسَةٍ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِطَالَةِ فِي الِاسْتِدْلَالِ
[ ١ / ٢٧١ ]
إذا لم نتيقن خلافا والاحاديث الوادة بِالْأَمْرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ السِّوَاكَ سُنَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابه فِي أَحْوَالٍ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تُوهِمُ اخْتِصَاصَ الِاسْتِحْبَابِ بِالْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ لِغَيْرِ الصَّائِمِ لِقَوْلِهِ ﷺ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَأَمَّا الْأَحْوَالُ الَّتِي يَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابُ فِيهَا فَخَمْسَةٌ أَحَدُهَا عِنْدَ الْقِيَامِ (١) إلَى الصَّلَاةِ سَوَاءٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَسَوَاءٌ صَلَّى بِطَهَارَةِ مَاءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ أَوْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا وَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ صرح به الشيخ أبو حامد المتولي وَغَيْرُهُمَا الثَّانِي عِنْدَ اصْفِرَارِ الْأَسْنَانِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِحَدِيثِ الْعَبَّاسِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ الثَّالِثُ عِنْدَ الْوُضُوءِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبَا الْحَاوِي وَالشَّامِلِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَلَا يُخَالِفُ هذا اختلاف
_________________
(١) قلت غد في البحر الخمسة احوال القيام من النوم والوضوء للصلاة والقيام للصلاة وعند قراءة القرآن وعند تغير الفم ولم يذكر صفرة الاسنان فصار للتأكد حينئذ إذا جمعنا القيام من النوم إلى صفرة الاسنان يتأكد في ستتة اخوال والله اعلم ثم قال وهو مستحب في الاوقات وهو في ثلاثة احوال اشد استحبابا للصلاة وللقيام من النوم والثالثة عند تغير الفم: وقال الشيخ أبو حامد في كتابه الرونق يستحب في خمسة عند النوم واليقضة والصلاة إلا بعد الزوال للصائم وعند الازم وعند تغير الفم فزاد عند النوم فصارت سبعا اه الاذرعي
[ ١ / ٢٧٢ ]
الْأَصْحَابِ فِي أَنَّ السِّوَاكَ هَلْ هُوَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَمْ لَا: فَإِنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَمْ سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً عِنْدَ الْوُضُوءِ لَا مِنْهُ: وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي التَّسْمِيَةِ وَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ وَلَا
خِلَافَ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كونهما مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ: وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال لولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَفَرَضْت عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ مَعَ الْوُضُوءِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ خزيمة والحاكم في صحيحهما وَصَحَّحَاهُ وَأَسَانِيدُهُ جَيِّدَةٌ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ جَزْمٍ وَفِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ فِي الصَّحِيحِ ذَكَرْته فِي جَامِعِ السُّنَّةِ تَرَكْته هُنَا لِطُولِهِ: الرَّابِعُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وغيرهم: الخامس عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ وَتَغَيُّرُهُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّوْمِ وَقَدْ يَكُونُ بِأَكْلِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ وَقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَبِطُولِ السُّكُوتِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَيَكُونُ أَيْضًا بِكَثْرَةِ الْكَلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* هَذِهِ الْأَحْوَالُ الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
[ ١ / ٢٧٣ ]
(فَرْعٌ)
إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً ذَاتَ تَسْلِيمَاتٍ كَالتَّرَاوِيحِ وَالضُّحَى وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ (١) سُنَّةَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَالتَّهَجُّدَ وَنَحْوَ ذَلِكَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَسْتَاكَ لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ (فَرْعٌ)
قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أُحِبُّ السِّوَاكَ لِلصَّلَوَاتِ عِنْدَ كُلِّ حَالٍ تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْفَمُ كَذَا وَقَعَ فِي الْمُخْتَصَرِ عِنْدَ بِغَيْرِ وَاوٍ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَخَلَّ الْمُزَنِيّ بِالْوَاوِ وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ الْقَاضِي وَهُوَ كَمَا قَالُوهُ فَقَدْ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ بِالْوَاوِ وَاتَّفَقَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ سُنَّةٌ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْفَمُ (فَرْعٌ)
فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ الْحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ هَذَا كَلَامُهُ وَفِي إسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَأَبُو الشَّمَالِ وَالْحَجَّاجُ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: وَأَبُو الشَّمَالِ مَجْهُولٌ فَلَعَلَّهُ اعْتَضَدَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَصَارَ حَسَنًا وَقَوْلُهُ الْحَيَاءُ هُوَ بِالْيَاءِ لَا بِالنُّونِ وَإِنَّمَا ضَبَطْته لِأَنِّي
رَأَيْت مَنْ صَحَّفَهُ فِي عَصْرِنَا وَقَدْ سَبَقَ بِتَصْحِيفِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو موسى الاصبهاني
_________________
(١) مسألة إذا صلى تهجدا أو ضحى استحب أن يستاك لكل ركعتين اه اذرعي
[ ١ / ٢٧٤ ]
هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ الِاسْتِغْنَاءِ فِي اسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ وَأَوْضَحَهُ وَقَالَ هُوَ مُخْتَلَفٌ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَجَدُّ مَلِيحٍ كُلُّهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ وَاتَّفَقُوا عَلَى لَفْظِ الْحَيَاءِ قَالَ وَكَذَا أَوْرَدَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْحُفَّاظِ وَالْأَئِمَّةِ قَالَ وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ وَمُرَادِي بِذِكْرِ هَذَا الْفَرْعِ بَيَانُ أَنَّ السِّوَاكَ كَانَ فِي الشَّرَائِعِ السابقة والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَلَا يُكْرَهُ إلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَالسِّوَاكُ يَقْطَعُ ذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ يُكْرَهَ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مَشْهُودُ لَهُ بِالطَّيِّبِ فَكُرِهَ ازالته كدم الشهداء) (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ وَالْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ وَهُوَ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ وَلَا يَجُوزُ فَتْحُ الْخَاءِ يُقَالُ خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَاللَّامِ يَخْلُفُ بِضَمِّ اللَّامِ وَأَخْلَفَ يُخْلِفُ إذَا تَغَيَّرَ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يُكْرَهُ السِّوَاكُ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لِأَحَدٍ إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَفِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ
[ ١ / ٢٧٥ ]
أَصْحَابُنَا وَحَكَى أَبُو عِيسَى (١) فِي جَامِعِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ وَهَذَا النَّقْلُ غَرِيبٌ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ: وَالْمَشْهُورُ الْكَرَاهَةُ وَسَوَاءٌ فِيهِ صَوْمُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَتَبْقَيْ الْكَرَاهَةُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ حَتَّى يُفْطِرَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ بَعْدَ الزَّوَالِ يَظْهَرُ كَوْنُ الخلوف من خلو المعدة بسبب الصوم لامن الطَّعَامِ الشَّاغِلِ لِلْمَعِدَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ)
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مَشْهُودُ لَهُ بِالطَّيِّبِ فَكُرِهَ إزَالَتُهُ كَدَمِ الشُّهَدَاءِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ على ابن أَبِي عَلِيٍّ الْقَلَعِيُّ ﵀ قَوْلُهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالطِّيبِ احْتِرَازٌ مِنْ بَلَلِ الْوُضُوءِ عَلَى أحد الوجهين ومن أثر التيمم وَشَعْرِ الْمُحْرِمِ وَقَالَ غَيْرُهُ احْتِرَازٌ مِمَّا يُصِيبُ ثَوْبَ الْعَالِمِ مِنْ الْحِبْرِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَثَرَ عِبَادَةٍ لَكِنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْفَضْلِ لَا بِالطِّيبِ وَدَمُ الشُّهَدَاءِ مَشْهُودٌ لَهُ بِالطِّيبِ فِي قَوْلِهِ ﷺ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَفْجُرُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدم والريح ريح المسك وأما
_________________
(١) هو الترمذي اه اذرعي (٢) نقل الرافعي في شرحه الصغير عن بعض الاصحاب تخصيص الكراهة بصوم الفرض اه اذرعي
[ ١ / ٢٧٦ ]
الشُّهَدَاءُ فَجَمْعُ شَهِيدٍ وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ ﷺ شهدا لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الشَّهِيدُ الْحَيُّ فَسُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَقِيلَ لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ يَشْهَدُونَهُ فَيَقْبِضُونَ رُوحَهُ وقيل لانه ممن بشهد يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْأُمَمِ: حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَقِيلَ لِأَنَّهُ شُهِدَ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَخَاتِمَةِ الْخَيْرِ بِظَاهِرِ حَالِهِ وَقِيلَ لِأَنَّ لَهُ شَاهِدًا بِقَتْلِهِ وَهُوَ دَمُهُ لِأَنَّهُ يُبْعَثُ وَجُرْحُهُ يَتَفَجَّرُ دَمًا وَقِيلَ لِأَنَّ رُوحَهُ تَشْهَدُ دَارَ السَّلَامِ وَرُوحَ غَيْرِهِ لَا تَشْهَدُهَا إلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: (فَرْعٌ)
يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ ﷺ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَكَانَ وَقَعَ نِزَاعٌ بَيْنَ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ﵄ فِي أَنَّ هَذَا الطِّيبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَمْ في الآخرة خاصة: فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ القيامة وقال أبو عمر وهو عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاسْتَدَلَّ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا مَا جَاءَ فِي الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ لِأَبِي حاتم ابن حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْبُسْتِيِّ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُحَدِّثِينَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بَابٌ فِي كَوْنِ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَابٌ فِي كَوْنِهِ فِي الدُّنْيَا وَرَوَى فِي هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ الثَّابِتِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّه مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَرَوَى الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٌ
﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا قَالَ واما الثانية
[ ١ / ٢٧٧ ]
فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ فِي وَقْتِ وُجُودِ الْخُلُوفِ فِي الدُّنْيَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ قَالَ وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ شَرْقًا وَغَرْبًا مَعْنَى مَا ذَكَرْته فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ مَعْنَاهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَقْرَبُ إلَيْهِ وَأَرْفَعُ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ: وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ: وَكَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْقُدُورِيُّ إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ في كتابه في فِي الْخِلَافِ مَعْنَاهُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَمِثْلُهُ قَالَ الْبَوْنِيُّ مِنْ قُدَمَاءِ المالكية وكذا قال الامام أبوعهمان الصَّابُونِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الصَّفَّارِ الشَّافِعِيُّونَ فِي أَمَالِيهِمْ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ وَغَيْرُهُمْ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا لَمْ يَذْكُرُوا سِوَى مَا ذَكَرْته وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجْهًا بِتَخْصِيصِهِ بِالْآخِرَةِ مَعَ أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغربية وَمَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ بَلْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الرِّضَا وَالْقَبُولِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَمَّا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ وَفِيهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ الْخُلُوفِ فِي الْمِيزَانِ عَلَى المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضا اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ يُؤْمَرُ بِاجْتِنَابِهَا وَاجْتِلَابِ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ كَمَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ العبادات فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لِذَلِكَ كَمَا خُصَّ فِي قَوْله تَعَالَى إِنَّ ربهم بهم يومئذ لخبير وَأُطْلِقَ فِي بَاقِي
[ ١ / ٢٧٨ ]
الرِّوَايَاتِ نَظَرًا إلَى أَنَّ أَصْلَ أَفْضَلِيَّتِهِ ثَابِتٌ فِي الدَّارَيْنِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ هَذَا مُخْتَصَرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو ﵀
* (فَرْعٌ)
* فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عطاء ومجاهد واحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ (١) وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ (٢) وَرَخَّصَ فِيهِ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ النَّخَعِيُّ
وَابْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ قَالَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ﵃ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي فَضْلِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ واحتجوا بما رواه أبو إسحق ابراهيم بن بيطار الْخُوَارِزْمِيُّ قَالَ قُلْت لِعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ أَيَسْتَاكُ الصَّائِمُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ قَالَ نَعَمْ قُلْت عَمَّنْ قَالَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (٣) قَالُوا وَلِأَنَّهُ طَهَارَةٌ لِلْفَمِ فَلَمْ يُكْرَهْ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ كَالْمَضْمَضَةِ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْخُلُوفِ وَهُوَ صَحِيحٌ كما سبق وبحديث عن خباب ابن الْأَرَتِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالْعَشِيِّ إلَّا كَانَتَا نُورًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَلَكِنَّهُ ضَعَّفَهُ وَبَيَّنَ ضَعْفَهُ وَاحْتَجُّوا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مَشْهُودُ لَهُ بِالطَّيِّبِ فَكُرِهَ إزَالَتُهُ كَدَمِ الشَّهِيدِ وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ فَضْلِ السِّوَاكِ بِأَنَّهَا عَامَّةٌ مَخْصُوصَةٌ وَالْمُرَادُ بِهَا غَيْرُ الصَّائِمِ آخِرَ النَّهَارِ (٤) وَعَنْ حَدِيثِ الْخُوَارِزْمِيِّ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْخُوَارِزْمِيَّ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ وَعَنْ الْمَضْمَضَةِ بِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ الْخُلُوفَ بِخِلَافِ السِّوَاكِ وَاَللَّهُ أعلم
*
_________________
(١) الثابت عن عمر خلاف هذا قال البخاري في كتاب؟؟ في باب اغتسال الصائم وقال ابن عمر يستاك أول النهار وآخره نعم حكاه الموفق الحنبلي في المغني عن عمر ثم حكي عن عمر رواية أخرى إنه لا يكره اه اذرعي (٢) قال الرافعي في شرحه الصغير ولا يكره الا بعد الزوال للصائم خلافا لابي حنيفة ومالك حيث قال ان كان السواك رطبا كره والا فلا ولا حمد حيث قال يكره في الفرض دون النقل ليكون أبعد من الرياء وبه قال بعض الاصحاب هذا لفظه وفيه فوائد اه اذرعي (٣) وبما رواه عامر بن ربيعة قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما لا أحصي يسوك وهو صائم اخرجه احمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن عائشة ترفعه قال من خير خصال الصائم رواه بن ماجة وقال البخاري في باب الاغتسال للصائم وَيَذْكُرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ استاك وهو صائم اه اذرعي (٤) المختار أنه لا يكره بعد الزوال كما اختاره شيخنا ﵀ في اول المسألة وعمدتهم في الكراهة حديث الخوف ولا حجة لان الخلوف من خلو المعدة والسواك لا يزيله انما يزيل وسخ الاسنان اه اذرعي
[ ١ / ٢٧٩ ]
(فَرْعٌ)
إنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي فَضِيلَةَ الْخُلُوفِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَحْصِيلِ فَضِيلَةِ السِّوَاكِ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قد ثبت أن دم الشهيد يُزَالُ بَلْ يُتْرَكُ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ
غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَهُمَا وَاجِبَانِ فَإِذَا تُرِكَ مِنْ أَجْلِهِ وَاجِبَانِ دَلَّ عَلَى رُجْحَانِهِ عَلَيْهِمَا لِكَوْنِهِ مَشْهُودًا لَهُ بِالطِّيبِ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْخُلُوفِ الَّذِي يُشَارِكُهُ فِي الشَّهَادَةِ لَهُ بِالطِّيبِ أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُتْرَكُ مِنْ أَجْلِهِ سُنَّةُ السِّوَاكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (١) (فَرْعٌ)
مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ السِّوَاكُ الرَّطْبُ قَبْلَ الزَّوَالِ إذَا لَمْ ينفصل منه شئ يَدْخُلُ جَوْفَهُ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً حَيْثُ ذَكَرهَا الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ عَرْضًا لِقَوْلِهِ ﷺ اسْتَاكُوا عَرْضًا وَادَّهِنُوا غِبًّا وَاكْتَحِلُوا وترا) (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ بَحَثْت عَنْهُ فَلَمْ أَجِدْ لَهُ أَصْلًا وَلَا ذكرا في شئ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَاعْتَنَى جَمَاعَةٌ بِتَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمُهَذَّبِ فَلَمْ يَذْكُرُوهُ أَصْلًا وَعَقَدَ الْبَيْهَقِيُّ بَابًا فِي الِاسْتِيَاكِ عَرْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَدِيثًا يُحْتَجُّ بِهِ وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِيَاكِ عَرْضًا يُسْتَدَلُّ لَهُ أَنَّهُ يَخْشَى فِي الِاسْتِيَاكِ طُولًا إدْمَاءَ اللَّثَةِ وَإِفْسَادَ عَمُودِ الْأَسْنَانِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ (٢) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ الِاسْتِيَاكِ (٣) عَرْضًا هُوَ الْمَذْهَبُ الصحيح الذى قطع به
_________________
(١) هذا الجواب فيه نظر ظاهر ولم يترك غسل الشهيد والصلاة عليه لاجل الدم وانما تركا لكونه شهيدا ألا ترى انه لو استشهد ولم يجرح لم يغسل ولم يصل عليه ولم يعلل أحد فيما اعلم ان ترك الغسل والصلاة لاجل الدم اه اذرعي (٢) ينبغي ان يحتج في المسألة بحديث يشوص فاه بالسواك وهو في الصحيحين فان الصحيح في معناه أنه الاستياك عرضا كما سبق أول الباب اه اذرعي (٣) جزم الشيخ أبو حامد في الرونق بان يستاك عرضا وطولا ونسبته إليه صحيحة واللباب مختصره اه اذرعي
[ ١ / ٢٨٠ ]
الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ إلَّا إمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيَّ فَإِنَّهُمَا قَالَا يَسْتَاكُ عَرْضًا وَطُولًا فَإِنْ اقْتَصَرَ فعرضا وهذا الذى قالاه شاذ مردود مخالفا لِلنَّقْلِ وَالدَّلِيلِ: وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بِالنَّهْيِ عَنْ الِاسْتِيَاكِ طُولًا مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ: وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْحَاوِي بِكَرَاهَةِ الِاسْتِيَاكِ طُولًا فَلَوْ خَالَفَ وَاسْتَاكَ طُولًا حَصَلَ السِّوَاكُ وَإِنْ خَالَفَ الْمُخْتَارَ: وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَأَوْضَحَ
صَاحِبُ الْحَاوِي كَيْفِيَّةَ السِّوَاكِ فَقَالَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ عَرْضًا فِي ظَاهِرِ الْأَسْنَانِ وَبَاطِنِهَا وَيُمِرَّ السِّوَاكَ عَلَى أَطْرَافِ أَسْنَانِهِ وَكَرَاسِيِّ أَضْرَاسِهِ وَيُمِرَّهُ عَلَى سَقْفِ حَلْقِهِ إمْرَارًا خَفِيفًا: قَالَ فَأَمَّا جَلَاءُ الْأَسْنَانِ بِالْحَدِيدِ وَبَرْدُهَا بِالْمِبْرَدِ فَمَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْأَسْنَانَ وَيُفْضِي إلَى انْكِسَارِهَا وَلِأَنَّهُ يُخَشِّنُهَا فَتَتَرَاكَمُ الصُّفْرَةُ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الِادِّهَانَ غِبًّا وَهُوَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَدَّهِنَ ثُمَّ يَتْرُكَ حَتَّى يَجِفَّ الدُّهْنُ ثُمَّ يَدَّهِنَ ثَانِيًا: وأما الا كتحال وِتْرًا فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ يَكُونُ فِي عَيْنٍ وِتْرًا وَفِي عَيْنٍ شَفْعًا لِيَكُونَ الْمَجْمُوعُ وِتْرًا وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ فِي كُلِّ عَيْنٍ وِتْرٌ وَعَلَى هَذَا فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةً رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْوَتْرُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي السبع والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَاكَ بِعُودٍ رَطْبٍ لَا يُقْلِعُ وَلَا بِيَابِسٍ يَجْرَحُ اللِّثَةَ بَلْ يَسْتَاكُ بعود بين عودين وبأى شئ اسْتَاكَ مِمَّا يَقْلَعُ الْقَلَحَ وَيُزِيلُ التَّغَيُّرَ كَالْخِرْقَةِ الْخَشِنَةِ وَغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ وَإِنْ أَمَرَّ أُصْبُعَهُ عَلَى أَسْنَانِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ لانه لا يسمى سواكا) (الشَّرْحُ) اللِّثَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهِيَ مَا حَوْلَ الْأَسْنَانِ مِنْ اللَّحْمِ كَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ اللَّحْمُ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهِ الْأَسْنَانُ فَأَمَّا اللَّحْمُ الَّذِي يَتَخَلَّلُ الْأَسْنَانَ فَهُوَ عَمْرٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَجَمْعُهُ عُمُورٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَجَمْعُهَا لِثَاتٌ وَلِثًى: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَوْلُهُ لَا يَسْتَاكُ بِيَابِسٍ ولا رطب
[ ١ / ٢٨١ ]
بَلْ بِمُتَوَسِّطٍ كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا قَالُوا فَإِنْ كان يابسا نداه بماء: وقوله وبأى شئ اشتاك مما يزيل التغير والقلح أجزأه كذا قاله أَصْحَابُنَا وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ فَيَجُوزُ الِاسْتِيَاكُ بِالسُّعُدِ وَالْأُشْنَانِ وَشِبْهِهِمَا (١): وَأَمَّا الْأُصْبُعُ فَإِنْ كَانَتْ لَيِّنَةً لَمْ يَحْصُلْ بِهَا السِّوَاكُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَتْ خَشِنَةً فَفِيهَا أَوْجُهٌ: الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ لَا يحصل لانها لا تسمى سوا كاولاهى فِي مَعْنَاهُ بِخِلَافِ الْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ سِوَاكًا فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ
وَالثَّانِي يَحْصُلُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَالْبَغَوِيُّ وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَحْرِ: وَالثَّالِثُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى عُودٍ وَنَحْوِهِ حَصَلَ وَإِلَّا فَلَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ: وَمَنْ قَالَ بِالْحُصُولِ فَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يُجْزِي مِنْ السِّوَاكِ الاصابع فحديث ضعيف ضعفه البيهقي وغره وَالْمُخْتَارُ الْحُصُولُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي إصْبَعِهِ أَمَّا أُصْبُعُ غَيْرِهِ الْخَشِنَةِ فَتُجْزِي قَطْعًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْهُ فَهِيَ كَالْأُشْنَانِ وَفِي الْإِصْبَعِ عَشْرُ لُغَاتٍ كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَفَتْحُهَا وَضَمُّهَا مَعَ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ فِي الْبَاءِ وَالْعَاشِرَةُ أُصْبُوعٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ وَأَفْصَحُهُنَّ كَسْرُ الْهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ الْبَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ بِعُودٍ وَأَنْ يَكُونَ بِعُودِ أَرَاك قَالَ الشَّيْخُ نَصْرُ (٢) الْمَقْدِسِيُّ الْأَرَاكُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ بَعْدَهُ النَّخْلُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ قَالَ الْمَتُولِيَّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عُودًا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالْأَرَاكِ وَاسْتَدَلُّوا لِلْأَرَاكِ بِحَدِيثِ أَبِي خَيْرَةَ الصُّبَاحِيِّ ﵁ قَالَ كُنْتُ فِي الْوَفْدِ يَعْنِي وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ لَنَا بِأَرَاكٍ فَقَالَ اسْتَاكُوا بِهَذَا وَأَبُو خَيْرَةَ بِفَتْحِ الخاء المعجمة اسكان الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ وَالصُّبَاحِيَّ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مُخَفَّفَةٌ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هَكَذَا ضَبَطَهُ ابن ما كولا وغيره قال ولم يرد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ سِوَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَم (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالسِّوَاكِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ فِي الِاسْتِيَاكِ بِجَانِبِ فَمِهِ الْأَيْمَنِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يحب التيامن
_________________
(١) قال في الذخائر وقال بعض اصحابنا وجها انه لا يجزي التسوك بالفاشوك القلاع لانه لا يسمى سواكا انتهى وهذا ان صح جاز طرده في كل ما لا يسمى سواكا اه هذرعي (٢) هذا المقول عن الشيخ نصر قال المحاملى في التعليق الكبير كذا رأيته فيه اه اذرعي
[ ١ / ٢٨٢ ]
فِي تَطَهُّرِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ وَقِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَيَنْوِي بِهِ الْإِتْيَانَ بِالسُّنَّةِ (١) وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِيَاكِ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَوِّدَ الصَّبِيَّ السِّوَاكَ لِيَأْلَفَهُ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَيُسْتَحَبُّ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَاكَ ثَانِيًا أَنْ يَغْسِلَ مِسْوَاكَهُ وَهَذَا يُحْتَجُّ لَهُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يستاك فيعطيني السواك لا غسله فَأَبْدَأُ بِهِ
فَأَسْتَاكُ ثُمَّ أَغْسِلُهُ فَأَدْفَعُهُ إلَيْهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٌ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا حَصَلَ عَلَيْهِ شئ مِنْ وَسَخٍ أَوْ رَائِحَةٍ وَنَحْوِهِمَا قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْخِلَ مِسْوَاكَهُ فِي مَاءِ وُضُوئِهِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ (٢) وَيَنْبَغِي أَلَّا يُكْرَهَ: قَالَ الرُّويَانِيُّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السِّوَاكِ اللَّهُمَّ بَيِّضْ بِهِ أَسْنَانِي وَشُدَّ بِهِ لَثَاتِي وَثَبِّتْ بِهِ لَهَاتِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فَلَا بأس به فانه دعاء حسن * قال المصنف ﵀
* (ويستحب أن يقلم الاظافر ويقص الشارب ويغسل البراجم وينتف الابط ويحلق العانة لما روى عمار بن ياسر ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الفطرة عشرة المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وتقليم الاظافر وغسل البراجم ونتف الابط والانتضاح بالماء والختان والاستحداد)
* (الشَّرْحُ) فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ جُمَلٌ وَبَيَانُهَا بِمَسَائِلَ إحْدَاهَا حَدِيثُ عَمَّارٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مُنْقَطِعٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ الْحُفَّاظُ لَمْ يَسْمَعْ سَلَمَةُ عَمَّارًا وَلَكِنْ يَحْصُلُ الِاحْتِجَاجُ بِالْمَتْنِ لِأَنَّهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ أَحَدُ رُوَاتِهِ ونسيت العاشرة
_________________
(١) وقال في الذخائر يستحب ان ينوي به تطهير فمه لقراءة القرآن اه الذرعي (٢) هذا الذي قاله الصيمري قريب إذا كان عليه وسخ أو نحوه والا فالمختار أنه لا يكره إذ لا نهي فيه اه اذرعي
[ ١ / ٢٨٣ ]
إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ وَقَالَ وَكِيعٌ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاتِهِ انْتِقَاصُ الْمَاءِ الِاسْتِنْجَاءُ وَهُوَ بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي لُغَاتِهِ فَالظُّفْرُ فِيهِ لُغَاتٌ ضَمُّ الظَّاءِ وَالْفَاءِ وَإِسْكَانُ الْفَاءِ وَبِكَسْرِ الظَّاءِ مَعَ إسْكَانِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا وَأُظْفُورٌ وَالْفَصِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالْبَرَاجِمُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّهَا وَهِيَ الْعُقَدُ الْمُتَشَنِّجَةُ الْجِلْدِ فِي ظُهُورِ الْأَصَابِعِ وَهِيَ مَفَاصِلُهَا الَّتِي فِي وَسَطِهَا بَيْنَ الرَّوَاجِبِ
وَالْأَشَاجِعِ فَالرَّوَاجِبُ هي المفاصل التي تلى رؤوس الْأَصَابِعِ وَالْأَشَاجِعُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الْمَفَاصِلُ الَّتِي تَلِي ظَهْرَ الْكَفِّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الرَّوَاجِبُ وَالْبَرَاجِمُ جَمِيعًا هِيَ مَفَاصِلُ الْأَصَابِعِ كُلِّهَا وَكَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَآخَرُونَ وَهَذَا مُرَادُ الْحَدِيثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهَا كُلَّهَا تَجْمَعُ الْوَسَخَ وَأَمَّا الْإِبْطُ فَبِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَفِيهِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ حَكَاهُمَا أَبُو الْقَاسِمِ الزُّجَاجِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ الْإِبْطُ مُذَكَّرٌ وَقَدْ يُؤَنَّثُ فَيُقَالُ إبْطٌ حَسَنٌ وَحَسَنَةٌ وَأَبْيَضُ وَبَيْضَاءُ: وَأَمَّا الْفِطْرَةُ فَبِكَسْرِ الْفَاءِ وَأَصْلُهَا الْخِلْقَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فطرة الله التى فطر الناس عليها) وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْخِلَافِ: وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي: وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا هِيَ الدِّينُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ فَسَّرَهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ في هذا الْحَدِيثِ بِالسُّنَّةِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ هَذَا فِيهِ إشْكَالٌ لِبُعْدِ مَعْنَى السُّنَّةِ مِنْ مَعْنَى الْفِطْرَةِ فِي اللُّغَةِ قَالَ فَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ أَصْلَهُ سُنَّةُ الْفِطْرَةِ أَوْ أَدَبُ الْفِطْرَةِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ: قُلْت تَفْسِيرُ الْفِطْرَةِ هُنَا بِالسُّنَّةِ هُوَ الصَّوَابُ: فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ من السنة قص الشارب ونتف الابط وتقليم الاظفار وَأَصَحُّ مَا فُسِّرَ بِهِ غَرِيبُ الْحَدِيثِ تَفْسِيرُهُ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا سِيَّمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ الْفِطْرَةُ عَشْرَةٌ فَمَعْنَاهُ مُعْظَمُهَا عَشَرَةٌ كَالْحَجِّ عَرَفَةَ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي الْعَشَرَةِ:
[ ١ / ٢٨٤ ]
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ وَأَمَّا ذِكْرُ الْخِتَانِ.
فِي جُمْلَتِهَا وَهُوَ وَاجِبٌ وَبَاقِيهَا سُنَّةٌ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَقَدْ يُقْرَنُ الْمُخْتَلِفَانِ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حقه) وَالْأَكْلُ مُبَاحٌ وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ وقَوْله تَعَالَى (فَكَاتِبُوهُمْ ان علمتم فيهم خيرا وآتوهم) وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ وَالْكِتَابَةُ سُنَّةٌ وَنَظَائِرُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ: وَأَمَّا الِانْتِضَاحُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ هُوَ نَضْحُ الْفَرْجِ بِقَلِيلٍ مِنْ الْمَاءِ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ: بِدَلِيلِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ: وَهُوَ بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّضْحِ وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ: وَأَمَّا الِاسْتِحْدَادُ فَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيدَةِ: وَصَارَ كِنَايَةً عَنْ حَلْقِ الْعَانَةِ وَأَمَّا رَاوِي الْحَدِيثِ فَهُوَ أَبُو الْيَقْظَانِ (١) عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَاسْمُ أُمِّ عَمَّارٍ سُمَيَّةُ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ
وَهُوَ وَأَبُوهُ يَاسِرٌ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ صَحَابِيُّونَ ﵃: وَكَانُوا مِمَّنْ تَقَدَّمَ إسْلَامُهُمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَكَانُوا يُعَذِّبُهُمْ الْكُفَّارُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَيَمُرُّ بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فَيَقُولُ صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الْجَنَّةُ وَسُمَيَّةُ أَوَّلُ شَهِيدَةٍ فِي الْإِسْلَامِ تُوُفِّيَ عَمَّارٌ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ﵁: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْأَحْكَامِ أَمَّا تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ: وَسَوَاءٌ فِيهِ الرجل والمرأة
_________________
(١) في علوم الحديث لا يعرف مسلم بن مسلمين شهد بدر الا عمار ابن ياسر اه اذرعي
[ ١ / ٢٨٥ ]
وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى ثُمَّ الرِّجْلِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ يَبْدَأُ بِمُسَبِّحَةِ الْيُمْنَى ثم الوسطي ثم البصر ثم خنصر اليسرى إلى ابهامها ثم إبْهَامِ الْيُمْنَى وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا وَكَلَامًا فِي حِكْمَتِهِ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِمَّا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الامام أبو عبد الله المأرزى الْمَالِكِيُّ الْإِمَامُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَالْكَلَامِ وَالْفِقْهِ: وَذَكَرَ فِي إنْكَارِهِ عَلَيْهِ كَلَامًا لَا أُوثِرُ ذِكْرَهُ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ: إلَّا فِي تَأْخِيرِ إبْهَامِ الْيُمْنَى فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ: بَلْ يُقَدِّمُ الْيُمْنَى بِكَمَالِهَا ثُمَّ يَشْرَعُ فِي الْيُسْرَى: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَأَمَّا الرِّجْلَانِ فَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَمُرّ عَلَى التَّرْتِيبِ حَتَّى يَخْتِمَ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى كَمَا فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ: وَأَمَّا التَّوْقِيتُ فِي تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِطُولِهَا: فَمَتَى طَالَتْ قَلَّمَهَا وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ: وَكَذَا الضَّابِطُ فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً رَوَاهُ مُسْلِمُ وَهَذَا لَفْظُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد والبيهقي وقت لنا رسول ﷺ فَذَكَرَ مَا سَبَقَ وَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَكِنَّ إسْنَادَهَا ضَعِيفٌ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ وُقِّتَ لَنَا كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ أُمِرْنَا بِكَذَا وَنُهِينَا عَنْ كَذَا وَهُوَ مَرْفُوعٌ كَقَوْلِهِ قَالَ لَنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ
[ ١ / ٢٨٦ ]
الحديث والفقه الاصول: ثم معنى هذا الحديث اتهم لَا يُؤَخِّرُونَ فِعْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَنْ وَقْتِهَا فَإِنْ أَخَّرُوهَا فَلَا يُؤَخِّرُونَهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِذْنَ فِي التَّأْخِيرِ أَرْبَعِينَ مُطْلَقًا: وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَالْأَخْذُ مِنْ هَذِهِ الشُّعُورِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الْأَظْفَارِ وَسَخٌ فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ لِقِلَّتِهِ صَحَّ الْوُضُوءُ وَإِنْ مَنَعَ فَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ: كَمَا لَوْ كَانَ الْوَسَخُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْبَدَنِ وَقَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ بِالْإِجْزَاءِ وَصِحَّةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وانه يُعْفَى عَنْهُ لِلْحَاجَةِ: قَالَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَيُنْكِرُ مَا تَحْتَهَا مِنْ وَسَخٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثَانِ السَّابِقَانِ وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ جَامِعِهِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: ثُمَّ ضَابِطُ قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يَقُصَّ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَلَا يَحُفُّهُ مِنْ أَصْلِهِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ أَحْمَدُ ﵀ إنْ حَفَّهُ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ قَصَّهُ فَلَا بَأْسَ: وَاحْتَجَّ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَحْفُوا الشَّارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَفِي رِوَايَةٍ انْهَكُوا الشَّوَارِبَ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مَحْمُولَةٌ عِنْدَنَا عَلَى الْحَفِّ من طرف الشفة لامن أَصْلِ الشَّعْرِ: وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي أَنَّ السُّنَّةَ قَصُّ بَعْضِ الشَّارِبِ كَمَا ذَكَرْنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ قَالَ وَكَانَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ رَأَيْت
[ ١ / ٢٨٧ ]
خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ وَعُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَامِرٍ الثُّمَالِيُّ وَالْمِقْدَامُ بْنُ معدي كرب كانوا يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ مَعَ طَرَفِ الشَّفَةِ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْإِمَامِ ﵀ أَنَّهُ ذُكِرَ إحْفَاءُ
بَعْضِ النَّاسِ شَوَارِبَهُمْ فَقَالَ مَالِكٌ يَنْبَغِي أَنْ يُضْرَبَ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ فليس حديت النَّبِيِّ ﷺ كَذَلِكَ وَلَكِنْ يبدى حرف الشقة وَالْفَمِ قَالَ مَالِكٌ حَلْقُ الشَّارِبِ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ فِي النَّاسِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ سباليه وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ: فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ وَغَيْرُهُ: قُلْت وَلَا بَأْسَ أَيْضًا بِتَقْصِيرِهِ رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَيُسْتَحَبُّ فِي قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ لِمَا سَبَقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التيامن في كل شئ وَالتَّوْقِيتُ فِي قَصِّ الشَّارِبِ كَمَا سَبَقَ فِي تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُصَّ شَارِبَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَقُصَّهُ لَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ هَتْكِ مُرُوءَةٍ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا غَسْلُ الْبَرَاجِمِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالْوُضُوءِ: وَقَدْ أَوْضَحَهَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَأَلْحَقَ بِهَا إزَالَةَ مَا يَجْتَمِعُ مِنْ الْوَسَخِ فِي مَعَاطِفِ الْأُذُنِ وَقَعْرِ الصِّمَاخِ فَيُزِيلُهُ بِالْمَسْحِ.
وَرُبَّمَا أَضَرَّتْ كَثْرَتُهُ بِالسَّمْعِ: قَالَ وَكَذَا مَا يَجْتَمِعُ فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ مِنْ الرُّطُوبَاتِ الْمُلْتَصِقَةِ بِجَوَانِبِهِ: وَكَذَا الْوَسَخُ الَّذِي يَجْتَمِعُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَدَنِ بِعَرَقٍ وَغُبَارٍ وَنَحْوِهِمَا: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا نَتْفُ الْإِبْطِ فَمُتَّفَقٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ وَالتَّوْقِيتُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْأَظْفَارِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ ثُمَّ السُّنَّةُ نَتْفُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ: فَلَوْ حَلَقَهُ جَازَ: وَحُكِيَ عن يونس ابن عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ دَخَلْت عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ وَعِنْدَهُ الْمُزَيِّنُ يَحْلِقُ إبْطَيْهِ.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ قَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّنَةَ النَّتْفُ وَلَكِنْ لَا أَقْوَى عَلَى الْوَجَعِ وَلَوْ أَزَالَهُ بِالنُّورَةِ فَلَا بأس: قال الغزالي (١) المستحب
_________________
(١) قال ابن جعران ﵀ الغزالي سقط من أصل الشيخ والحقته بغلبة ضني فلينظر من الاحياء أو من غيره اه اذرعي
[ ١ / ٢٨٨ ]
نَتْفُهُ وَذَلِكَ سَهْلٌ لِمَنْ تَعَوَّدَهُ فَإِنْ حَلَقَهُ جَازَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّظَافَةُ وَأَنْ لَا يَجْتَمِعَ الْوَسَخُ فِي خَلَلِ ذَلِكَ وَرُبَّمَا حَصَلَ بِسَبَبِهِ رَائِحَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْإِبِطِ الْأَيْمَنِ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا حَلْقُ الْعَانَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ أَيْضًا وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا أَمَرَهَا زَوْجُهَا: فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَفْحُشْ بِحَيْثُ يُنَفِّرُ التَّوَّاقَ فَإِنْ فَحُشَ بِحَيْثُ نَفَّرَهُ وَجَبَ قَطْعًا: وَسَتَأْتِي
الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالسُّنَّةُ فِي الْعَانَةِ الْحَلْقُ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْحَدِيثِ فَلَوْ نَتَفَهَا أَوْ قَصَّهَا أَوْ أَزَالَهَا بِالنُّورَةِ جَازَ: وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ وَهُوَ الْحَلْقُ وَيَحْلِقُ عَانَتَهُ بِنَفْسِهِ وَيَحْرُمُ أَنْ يُوَلِّيَهَا غَيْرَهُ إلَّا زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ الَّتِي تَسْتَبِيحُ النَّظَرَ إلَى عَوْرَتِهِ وَمَسَّهَا فَيَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ: وَالتَّوْقِيتُ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ اعْتِبَارِ طُولِهَا: وَأَنَّهُ إنْ أَخَّرَهُ فَلَا يُجَاوِزُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا: وَقَدْ فَعَلَ مِنْ السَّلَفِ جَمَاعَةٌ بِالنُّورَةِ: وَكَرِهَهَا آخَرُونَ مِنْهُمْ: وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ الْآثَارَ عَنْهُمْ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ وَأَفْرَدَ لَهَا بَابًا: وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْعَانَةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ حَلْقُهَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا الشَّعْرُ النَّابِتُ حَوَالَيْ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ وَفَوْقَهُمَا: وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الودائع المنسوب إلى أبي العباس ابن سُرَيْجٍ وَمَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ قَالَ الْعَانَةُ الشَّعْرُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ حَلَقَةِ الدُّبُرِ: وَهَذَا الَّذِي قاله غريب ولكن لا منع مِنْ حَلْقِ شَعْرِ الدُّبُرِ وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِمَنْ يُعْتَمَدُ غَيْرَ هَذَا فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّنَظُّفَ وَسُهُولَةَ الِاسْتِنْجَاءِ فَهُوَ حَسَنٌ مَحْبُوبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (فَرْعٌ)
يُسْتَحَبُّ دَفْنُ مَا أُخِذَ مِنْ
[ ١ / ٢٨٩ ]
هَذِهِ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ وَمُوَارَاتُهُ فِي الْأَرْضِ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَسَنَبْسُطُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ إعْفَاءَ اللِّحْيَةِ من الفظرة فَالْإِعْفَاءُ بِالْمَدِّ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ هُوَ تَوْفِيرُهَا وَتَرْكُهَا بِلَا قَصٍّ: كُرِهَ لَنَا قَصُّهَا كَفِعْلِ الْأَعَاجِمِ: قَالَ وَكَانَ مِنْ زِيِّ كِسْرَى قَصُّ اللِّحَى وَتَوْفِيرُ الشَّوَارِبِ: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَا طَالَ مِنْ اللِّحْيَةِ فَقِيلَ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْبِضَ عَلَيْهَا وَيَقُصَّ مَا تَحْتَ الْقَبْضَةِ: فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ: وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ.
وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَقَالُوا يَتْرُكُهَا عَافِيَةً لِقَوْلِهِ ﷺ واعفو اللِّحَى قَالَ الْغَزَالِيُّ وَالْأَمْرُ فِي هَذَا قَرِيبٌ إذَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى تَقْصِيصِهَا لِأَنَّ الطُّولَ الْمُفْرِطَ قَدْ يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَالصَّحِيحُ كَرَاهَةُ الْأَخْذِ مِنْهَا مُطْلَقًا بَلْ يَتْرُكُهَا عَلَى حَالِهَا كَيْفَ كَانَتْ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَاعْفُوا اللحي واما الحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا فَرَوَاهُ الترمذي باسناد ضعيف لا يحتج به أما الْمَرْأَةُ إذَا نَبَتَتْ لَهَا لِحْيَةٌ فَيُسْتَحَبُّ حَلْقُهَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ وَكَذَا الشَّارِبُ وَالْعَنْفَقَةُ لَهَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جرير لا يجوز لها حلق شئ من ذلك: ولا تغيير شئ مِنْ خِلْقَتِهَا بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ: وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ الْحَاجِبَيْنِ إذَا طَالَا فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِأَصْحَابِنَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لخلق الله لم يثبت فيه شئ فَكُرِهَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ: قَالَ وَكَانَ أَحْمَدُ يَفْعَلُهُ
[ ١ / ٢٩٠ ]
وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: قَالَ الْغَزَالِيُّ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ فِي اللِّحْيَةِ وَالنَّقْصُ مِنْهَا وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي شَعْرِ الْعِذَارَيْنِ مِنْ شَعْرِ الصدغين إذا حلق رأسه أو ينزل بَعْضَ الْعِذَارَيْنِ: قَالَ وَكَذَلِكَ نَتْفُ جَانِبَيْ الْعَنْفَقَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُغَيِّرُ شَيْئًا: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا بَأْسَ بِحَلْقِ مَا تَحْتَ حَلْقِهِ مِنْ لِحْيَتِهِ وَلَا يَقُصُّ مَا زَادَ مِنْهَا عَلَى قَبْضَةِ الْيَدِ: وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابن عمرو أبي هُرَيْرَةَ وَطَاوُسٍ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ: الصَّحِيحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ فِي قُوتِ الْقُلُوبِ ثُمَّ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي اللِّحْيَةِ عَشْرَ خِصَالٍ مَكْرُوهَةٍ: إحْدَاهَا خِضَابُهَا بِالسَّوَادِ إلَّا لِغَرَضِ الْجِهَادِ إرْعَابًا لِلْعَدُوِّ بِإِظْهَارِ الشَّبَابِ وَالْقُوَّةِ فَلَا بَأْسَ إذَا كَانَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ: لَا لِهَوًى وَشَهْوَةٍ: هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَسَأُفْرِدُ فَرْعًا لِلْخِضَابِ بِالسَّوَادِ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: الثَّانِيَةُ تَبْيِيضُهَا بِالْكِبْرِيتِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتِعْجَالًا لِلشَّيْخُوخَةِ وَإِظْهَارًا لِلْعُلُوِّ فِي السِّنِّ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْمَهَابَةِ وَالتَّكْرِيمِ وَلِقَبُولِ حَدِيثِهِ وَإِيهَامًا لِلِقَاءِ الْمَشَايِخِ وَنَحْوِهِ: الثَّالِثَةُ خِضَابُهَا بِحُمْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ تَشَبُّهًا بِالصَّالِحِينَ وَمُتَّبِعِي السُّنَّةِ لَا بِنِيَّةِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ: الرَّابِعَةُ نَتْفُهَا فِي أَوَّلِ طُلُوعِهَا وتخفيفها بالموسى ايثارا للمرودة واستصحابا للصبي وَحُسْنِ الْوَجْهِ وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ مِنْ أَقْبَحِهَا: الْخَامِسَةُ نَتْفُ الشَّيْبِ وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: السَّادِسَةُ تَصْفِيفُهَا وَتَعْبِيَتُهَا طَاقَةً فَوْقَ طَاقَةِ للتزين وَالتَّصَنُّعِ لِيَسْتَحْسِنَهُ النِّسَاءُ وَغَيْرُهُنَّ.
السَّابِعَةُ الزِّيَادَةُ فِيهَا وَالنَّقْصُ مِنْهَا: كَمَا سَبَقَ:
[ ١ / ٢٩١ ]
الثَّامِنَةُ تَرْكُهَا شَعِثَةً مُنْتَفِشَةً إظْهَارًا لِلزَّهَادَةِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِنَفْسِهِ: التَّاسِعَةُ تَسْرِيحُهَا تَصَنُّعًا: الْعَاشِرَةُ النَّظَرُ إلَيْهَا إعْجَابًا وَخُيَلَاءَ غِرَّةً بِالشَّبَابِ وَفَخْرًا بِالْمَشِيبِ وتطاولا على الشَّبَابِ: وَهَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ
فِي التَّحْقِيقِ لَا تَعُودُ الْكَرَاهَةُ فِيهِمَا إلَى مَعْنًى فِي اللِّحْيَةِ بِخِلَافِ الْخِصَالِ السَّابِقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَمِمَّا يُكْرَهُ فِي اللِّحْيَةِ عَقْدُهَا فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ رُوَيْفِعٍ ﵁ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِك فَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا منه برئ قال الخطابي في عقدها تفسيران أحدها أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْقِدُونَ لِحَاهُمْ فِي الْحَرْبِ وَذَلِكَ من زى العجم: والثاني معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد وَذَلِكَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ التَّأْنِيثِ وَالتَّوْضِيعِ
* (فَرْعٌ)
يُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ حسنة قال الترمذي حديث حَسَنٌ هَكَذَا: قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ كَمَا سَبَقَ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ: وَلَوْ قِيلَ يَحْرُمُ لِلنَّهْيِ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ لَمْ يَبْعُدْ: وَلَا فرق
[ ١ / ٢٩٢ ]
بَيْنَ نَتْفِهِ مِنْ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ وَدَهْنُهُ غِبًّا وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الْغِبِّ وَتَسْرِيحُ اللِّحْيَةِ: لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: وَجَهَالَةُ اسْمِ الصَّحَابِيِّ لا يضر لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ: (فَرْعٌ)
يُسَنُّ خِضَابُ
[ ١ / ٢٩٣ ]
الشَّيْبِ بِصُفْرَةٍ أَوْ حُمْرَةٍ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي ذَلِكَ: مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ إنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
(فَرْعٌ)
اتَّفَقُوا عَلَى ذَمِّ خِضَابِ الرَّأْسِ أَوْ اللِّحْيَةِ بِالسَّوَادِ، ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ هُوَ مَكْرُوهٌ: وَظَاهِرُ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ: وَالصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ حَرَامٌ: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ: قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْجِهَادِ: وَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ يَمْنَعُ الْمُحْتَسِبُ النَّاسَ مِنْ خِضَابِ الشَّيْبِ بِالسَّوَادِ إلَّا الْمُجَاهِدَ: وَدَلِيلُ تَحْرِيمِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁ قَالَ أتي بأبي قحافة والدأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيِّرُوا هَذَا وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالثَّغَامَةُ بفتج الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ نَبَاتٌ لَهُ ثَمَرٌ أَبْيَضُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ قَوْمٌ يُخَضِّبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يُرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَلَا فَرْقَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ بَيْنَ الرجل والمرأة: هذا مذهبنا: وحكي عن اسحق بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ تَتَزَيَّنُ بِهِ لِزَوْجِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
أَمَّا خِضَابُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالْحِنَّاءِ فَمُسْتَحَبٌّ لِلْمُتَزَوِّجَةِ مِنْ النِّسَاءِ: لِلْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِيهِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ إلَّا لِحَاجَةِ التَّدَاوِي وَنَحْوِهِ: وَمِنْ الدَّلَائِلِ عَلَى تَحْرِيمِهِ قَوْلُهُ ﷺ
[ ١ / ٢٩٤ ]
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَعَنْ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَالِ ويدل عليه الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلَوْنِهِ لَا لِرِيحِهِ فَإِنَّ رِيحَ الطِّيبِ لِلرِّجَالِ مَحْبُوبٌ وَالْحِنَّاءُ فِي هَذَا كَالزَّعْفَرَانِ وَفِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ فَقَالَ مَا بَالُ هَذَا فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إلَى النَّقِيعِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ فَقَالَ إنِّي نُهِيت عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ لَكِنْ إسْنَادُهُ فِيهِ مَجْهُولٌ وَالنَّقِيعُ بِالنُّونِ: وسعيد هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ أوضح الامام الحافظ أبو موسى الا صبهاني هَذِهِ
الْمَسْأَلَةَ وَبَسَطَهَا بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَظَاهِرَةِ فِي كِتَابِهِ الِاسْتِغْنَاءُ فِي مَعْرِفَةِ اسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ: وَسَنُعِيدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْسُوطَةً مَعَ نَظَائِرِهَا فِي أَوَّلِ بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِ مَنْ جُبِرَ عَظْمُهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ فَهُنَاكَ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأَصْحَابُ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ الصَّحَابِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ خَلُوقٌ فَقَالَ اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ ثُمَّ اغْسِلْهُ ثُمَّ لَا تَعُدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي النَّهْيِ عَنْ الْخَلُوقِ لِلرِّجَالِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وهو مباح للنساء: (فرع)
يستحب فرق شعر الرَّأْسِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يفرقون رؤسهم وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
* (فَرْعٌ)
يُكْرَهُ الْقَزَعُ وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ الرأس لحديث بن عُمَرَ ﵄ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْقَزَعِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ العقيقة وسيأتي هناك مَبْسُوطًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
أَمَّا حلق جمبع الرَّأْسِ فَقَالَ الْغَزَالِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ أَرَادَ التَّنْظِيفَ وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهِ لِمَنْ أَرَادَ دَهْنَهُ وَتَرْجِيلَهُ: هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ: وَكَلَامُ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي مَعْنَاهُ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ
[ ١ / ٢٩٥ ]
حَنْبَلٍ ﵀ لَا بَأْسَ بِقَصِّهِ بِالْمِقْرَاضِ وعنه في كراهة حلقه روايتان: والمختاران لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَكِنَّ السُّنَّةَ تَرْكُهُ فَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَهُ إلَّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَلَمْ يَصِحَّ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْهُ: وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ الْحَلْقِ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيًّا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ شَعْرِهِ وَتَرَك بَعْضَهُ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوْ اُتْرُكُوهُ كُلَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ
ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ ثُمَّ قَالَ اُدْعُوَا لِي بَنِي أَخِي نجئ بنا كأنا أفرخ فقال ادعو إلى الحلاق فأمره فحلق رؤسنا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (فَرْعٌ)
يَحْرُمُ وَصْلُ الشَّعْرِ بِشَعْرٍ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَكَذَلِكَ الْوَشْمُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي لَعْنِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَة وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَة وَالْوَاشِرَةِ إلَى آخِرِهِنَّ وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ
[ ١ / ٢٩٦ ]
اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ عِنْدَ وَصْلِ الْعَظْمِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ وَنَذْكُرُ هُنَاكَ جُمَلًا مِنْ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا تَقَدَّمَ يُكْرَهُ لِمَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ أَوْ رَيْحَانٌ رَدُّهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلَا يَرُدَّهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يرد الطيب رواه البخاري * قال المصنف ﵀ (ويجب الختان لقوله تعالي) (أن اتبع ملة ابراهيم) وروى أن ابراهيم صلي الله عليه وسلم ختن نفسه بالقدوم ولانه لو لم يكن واجبا لما كشفت له العورة لان كشف العورة محرم فلما كشفت له العورة دل على وجوبه) (الشَّرْحُ) رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ رُوِيَ بصيغة الترميض الموضوعة للتضعيف مع أنه في الصحيحين قد سَبَقَ لَهُ نَظِيرُهُ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ هُنَاكَ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ: وفي القدوم روايتان التخفيف والتشديد والا كثرون رَوَوْهُ بِالتَّشْدِيدِ: وَعَلَى هَذَا هُوَ اسْمُ مَكَان بِالشَّامِ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ
[ ١ / ٢٩٧ ]
بالتخفيف: وقيل انه قول أكثر أهل اللغلة: وَاخْتَلَفُوا عَلَى هَذَا فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ أَيْضًا مَوْضِعٌ بِالشَّامِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ: وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ الْمُرَادُ بِهِ آلَةُ النَّجَّارِ وَهِيَ مُخَفَّفَةٌ
لَا غَيْرُ وَجَمْعُهَا قُدُمٌ: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى قَدَائِمَ وَلَا يُقَالُ قَدَادِيمُ قَالَ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى فَتْحِ الْقَافِ فِي الْآلَةِ وَالْمَكَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: فَإِنْ قِيلَ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَة عَلَى وُجُوبِ الْخِتَانِ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِالتَّدَيُّنِ بِدِينِهِ فَمَا فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا وُجُوبَهُ فَعَلْنَاهُ مُعْتَقِدِينَ وُجُوبَهُ وَمَا فَعَلَهُ نَدْبًا فَعَلْنَاهُ نَدْبًا وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُهُ وَاجِبًا: فَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ صَرِيحَةٌ فِي اتِّبَاعِهِ فِيمَا فَعَلَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي إيجَابَ كُلِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّنَا كَالسِّوَاكِ وَنَحْوِهِ: وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ خِصَالَ
[ ١ / ٢٩٨ ]
الْفِطْرَةِ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى إبْرَاهِيمَ ﷺ: وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِكَشْفِ الْعَوْرَةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ آخَرُونَ مَعَ الْمُصَنِّفِ وَقَالَهُ قَبْلَهُمْ أَبُو العباس بن سريج ﵀ وأورد عَلَيْهِ كَشْفُهَا لِلْمُدَاوَاةِ الَّتِي لَا تَجِبُ (١) وَالْجَوَابُ أَنَّ كَشْفَهَا لَا يَجُوزُ لِكُلِّ مُدَاوَاةٍ وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي مَوْضِعٍ يَقُولُ أَهْلُ الْعُرْفِ إنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي الْمُدَاوَاةِ رَاجِحَةٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمُرُوءَةِ وَصِيَانَةِ الْعَوْرَةِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ ان شاء
_________________
(١) هذا الجواب فيه نظر والايراد متجه ولا يندفع الا بوجوب المداواة ولا تجب اه اذرعي
[ ١ / ٢٩٩ ]
اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: فَلَوْ كَانَ الْخِتَانُ سُنَّةً لَمَا كُشِفَتْ الْعَوْرَةُ الْمُحَرَّمُ كَشْفُهَا لَهُ: وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَجَمَاعَةٌ قِيَاسًا فَقَالُوا الْخِتَانُ قَطْعُ عُضْوٍ سَلِيمٍ: فَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمْ يَجُزْ كَقَطْعِ الْأُصْبُعِ فَإِنَّ قَطْعَهَا إذَا كَانَتْ سَلِيمَةً لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا وَجَبَ بِالْقِصَاصِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (فَرْعٌ)
الْخِتَانُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ كَثِيرُونَ مِنْ السَّلَفِ كَذَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَمِمَّنْ أَوْجَبَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ (١) وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا لَنَا: وَحَكَى وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ وَسُنَّةٌ فِي الْمَرْأَةِ: وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ شاذان: والمذهب الصحيح المشهور الذى نص
_________________
(١) قال في شرح مسلم وهو قول اكثر العلماء اه اذرعي
[ ١ / ٣٠٠ ]
عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ: وَدَلِيلُنَا مَا سَبَقَ فَإِنْ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ بِحَدِيثِ الفطرة عشر وَمِنْهَا الْخِتَانُ فَجَوَابُهُ قَدْ سَبَقَ عِنْدَ ذِكْرِنَا تَفْسِيرَ الْفِطْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا الْوَاجِبُ فِي خِتَانِ الرَّجُلِ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ بِحَيْثُ تَنْكَشِفُ الْحَشَفَةُ كُلُّهَا فَإِنْ قَطَعَ بَعْضَهَا وَجَبَ قَطْعُ الْبَاقِي ثَانِيًا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ كَجٍّ أَنَّهُ قَالَ عِنْدِي أَنَّهُ يَكْفِي قطع شئ مِنْ الْقُلْفَةِ وَإِنْ قَلَّ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْقَطْعُ تَدْوِيرَ رَأْسِهَا: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْن كَجٍّ شَاذٌّ ضَعِيفٌ: وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ به الاصحاب في الطريق ما قدمناه
[ ١ / ٣٠١ ]
أَنَّهُ يَجِبُ قَطْعُ جَمِيعِ مَا يُغَطِّي الْحَشَفَةَ وَالْوَاجِبُ فِي الْمَرْأَةِ قَطْعُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ الْجِلْدَةِ الَّتِي كَعُرْفِ الدِّيكِ فَوْقَ مخرج البول صرح بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يقتصر في المرأة على شئ يَسِيرٍ وَلَا يُبَالَغُ فِي الْقَطْعِ: وَاسْتَدَلُّوا فِيهِ بِحَدِيثٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ لا تهكي فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إلَى الْبَعْلِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَكِنْ قَالَ لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ وَتَنْهَكِي بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْهَاءِ أَيْ لَا تُبَالِغِي فِي الْقَطْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا وَقْتُ وُجُوبِ الْخِتَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَكِنْ يستحب للولى أن يختن الصغر
[ ١ / ٣٠٢ ]
في صغره لانه أرفق به: قال صاحب الحاوي وصاحب الْمُسْتَظْهِرِيِّ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْتَنَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ لِخَبَرٍ وَرَدَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يَحْتَمِلُهُ فَيُؤَخِّرَهُ حَتَّى يَحْتَمِلَهُ: قال صاحب الْحَاوِي وَالْمُسْتَظْهَرَيْ وَهَلْ يُحْسَبُ يَوْمُ الْوِلَادَةِ مِنْ السَّبْعَةِ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُحْسَبُ: وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَا يُحْسَبُ: فَيُخْتَنُ فِي السَّابِعِ بَعْدَ يَوْمِ الْوِلَادَةِ ذَكَرَهُ صاحب المستظري فِي بَابِ التَّعْزِيرِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فَإِنْ خَتَنَهُ قَبْلَ الْيَوْمِ السَّابِعِ كُرِهَ: قَالَ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ قَالَ فَإِنْ أَخَّرَ عَنْ السَّابِعِ اُسْتُحِبَّ خِتَانُهُ فِي الْأَرْبَعِينَ: فَإِنْ أَخَّرَ اُسْتُحِبَّ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ خِتَانُهُ فِي الصِّغَرِ وَلَا يَجِبُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: وفي السمألة وجه أن يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ خِتَانُهُ فِي الصِّغَرِ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِهِ فَوَجَبَ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ حكاية القاضى ابي الفتوح عن الصيد لاني وَأَبِي سُلَيْمَانَ (١) قَالَ
وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا لَا يَجِبُ: وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَحْرُمُ خِتَانُهُ قَبْلَ عَشْرِ سِنِينَ لِأَنَّ أَلَمَهُ فَوْقَ أَلَمِ الضَّرْبِ وَلَا يُضْرَبُ عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْبَغَوِيّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصلاة وليس بشئ وهو كالمخالف للاجماع والله أعلم
*
_________________
(١) هو المروزي صاحب المزني قاله الرافعي اه اذرعي
[ ١ / ٣٠٣ ]
(فَرْعٌ)
لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ذَكَرَانِ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ إنْ عُرِفَ الْأَصْلِيُّ مِنْهُمَا خُتِنَ وَحْدَهُ: قال صاحب الا بانة يعرف الاصل بِالْبَوْلِ وَقَالَ غَيْرُهُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ كَانَا عَامِلَيْنِ أَوْ يَبُولُ مِنْهُمَا وَكَانَا عَلَى مَنْبَتِ الذَّكَرِ عَلَى السَّوَاءِ وَجَبَ خِتَانُهُمَا (١) وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَقَالَ فِي الْبَيَانِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ يَجِبُ خِتَانُهُ فِي فَرْجَيْهِ جَمِيعًا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَاجِبٌ وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِخِتَانِهِمَا كَمَا أن من تزوج بكرا لما لما يتمكن من وصوله إلى الوطئ الْمُسْتَحَقِّ إلَّا بِقَطْعِ بَكَارَتِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِلَا ضَمَانٍ قَالَ فَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى صَغِيرًا خَتَنَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ إذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الضَّعِيفِ إنَّ الصَّغِيرَ يَجِبُ خِتَانُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ لَا يَجِبُ خِتَانُ الصَّغِيرِ لَمْ يُخْتَنْ الْخُنْثَى الصَّغِيرُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَجِبُ وَحِينَئِذٍ إنْ كَانَ هُوَ يُحْسِنُ الْخِتَانَ خَتَنَ نَفْسَهُ وَإِلَّا اشْتَرَى لَهُ جَارِيَةً تَخْتِنُهُ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ جَارِيَةٌ تُحْسِنُ ذَلِكَ خَتَنَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ لِلضَّرُورَةِ كالتطيب هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِأَنْ لَا يُخْتَنَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ لِأَنَّ الْجُرْحَ عَلَى الْإِشْكَالِ لَا يَجُوزُ ذَكَرَهُ قَبْلَ كِتَابِ الصَّدَاقِ بِأَسْطُرٍ فِي فَصْلَيْنِ ذَكَرَ فِيهِمَا أَحْكَامَ الْخُنْثَى وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ هُوَ الْأَظْهَرُ الْمُخْتَارُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (٢) (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْخِتَانُ حَتَّى يَبْلُغَ فَإِذَا بَلَغَ وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ بِحَيْثُ لَوْ خُتِنَ خِيفَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يختن بل يتنظر حتى يصير يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَتَهُ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لِأَنَّهُ لَا تَعَبُّدَ فِيمَا يُفْضِي إلَى التَّلَفِ: (فَرْعٌ)
لَوْ مَاتَ غَيْرَ مَخْتُونٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ لَا يُخْتَنُ لان ختانه
_________________
(١) الم يتميز الاصلي من الزائد اه اذرعي
(٢) قال صاحب البيان في زوائده إذا بلغ الخنثى وجب ختانه على مذهبنا بلا خلاف وقال ابن الرفعة أنه المشهور اه اذرعي
[ ١ / ٣٠٤ ]
كَانَ تَكْلِيفًا وَقَدْ زَالَ بِالْمَوْتِ: وَالثَّانِي يُخْتَنُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ: وَالثَّالِثُ يُخْتَنُ الْكَبِيرُ دُونَ الصَّغِيرِ حَكَاهُمَا فِي الْبَيَانِ وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَوْضِعُهَا كِتَابُ الْجَنَائِزِ وَهُنَاكَ ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ وَسَنُوَضِّحُهَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَرْعٌ)
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَخْتِنَ عَبْدَهُ أَوْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
[ ١ / ٣٠٥ ]
كَسْبِهِ لَيَخْتِنَ بِهِ نَفْسَهُ: قَالَ الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ زَمِنًا فَأُجْرَةُ خِتَانِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَى السَّيِّدِ كَالنَّفَقَةِ
* (فَرْعٌ)
أُجْرَةُ خِتَانِ الطِّفْلِ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ له فَعَلَى مِنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ (١) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّبْصِرَةُ فِي الْوَسْوَسَةِ لَوْ وُلِدَ مَخْتُونًا بِلَا قلفة
_________________
(١) عبارته في الروضة في باب ضمان الولادة مؤنة الختان في مال المختون والاوجه تجب على الوالد؟ ختن صغيرا: من هامش الاذرعي
[ ١ / ٣٠٦ ]
فَلَا خِتَانَ لَا إيجَابًا وَلَا اسْتِحْبَابًا: فَإِنْ كان من القلفة التى تغطي الحشفة شئ مَوْجُودٌ وَجَبَ قَطْعُهُ كَمَا لَوْ خُتِنَ خِتَانًا غَيْرَ كَامِلٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَكْمِيلُهُ ثَانِيًا حَتَّى يُبَيِّنَ جَمِيعَ الْقُلْفَةِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِزَالَتِهَا فِي الْخِتَانِ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ الْخِتَانِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَحَبُّوهُ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ
[ ١ / ٣٠٧ ]
وِلَادَتِهِ: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِ الْخِتَانِ مِنْ كتابه الاشراف وهو عقب الا ضحية وَهِيَ عَقِبَ كِتَابِ الْحَجِّ: رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْتِنُ وَلَدَهَا يَوْمَ السَّابِعِ قَالَ وَكَرِهَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ الْخِتَانَ يَوْمَ سَابِعِهِ لَمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ قَالَ مَالِكٌ عَامَّةُ مَا رَأَيْت الْخِتَانَ بِبَلَدِنَا إذَا ثُغِرَ الصبى: وقال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا: وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يُخْتَنُ مَا بين
[ ١ / ٣٠٨ ]
السَّبْعِ إلَى الْعَشْرِ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﷺ ختن ابنه اسحق لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ: وَإِسْمَاعِيلَ لَسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ هَذَا كُلَّهُ لَيْسَ فِي بَابِ الْخِتَانِ نَهْيٌ يَثْبُتُ وَلَا لِوَقْتِهِ حَدٌّ يُرْجَعُ إلَيْهِ وَلَا سُنَّةٌ تُتَّبَعُ وَالْأَشْيَاءُ علي الاباحة ولا يجوز حظر شئ مِنْهَا إلَّا بِحُجَّةٍ.
وَلَا نَعْلَمُ مَعَ مَنْ مَنَعَ أَنْ يُخْتَنَ الصَّبِيُّ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ حُجَّةً.
هذا آخر كلام ابن المنذر * قال المصنف ﵀
* باب (نية الوضوء) (الطَّهَارَةُ ضَرْبَانِ: طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ.
وَطَهَارَةٌ عَنْ نجس: فطهارة النجس لا تفتقر إلى النية لانها من باب التروك.
فلا تفتقر الي نية.
كترك الزنا والخمر واللواط والغصب والسرقة) (الشَّرْحُ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ النِّيَّةُ الْقَصْدُ وَعَزْمُ الْقَلْبِ وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ وَيُقَالُ بِتَخْفِيفِهَا.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِك نَوَيْت بَلْدَةَ كَذَا أَيْ عَزَمْتُ بِقَلْبِي قَصْدَهُ قَالَ وَيُقَالُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْصِدُهُ نِيَّةٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَنِيَةٌ بِتَخْفِيفِهَا وَكَذَلِكَ الطِّيَّةُ
[ ١ / ٣٠٩ ]
وَالطَّيَّةُ الْعَزْمُ وَالْمَوْضِعُ قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَانْتَوَيْت مَوْضِعَ كَذَا أَيْ قَصَدْتُهُ لِلنُّجْعَةِ.
وَيُقَالُ لِلْبَلَدِ الْمَنْوِيِّ نَوِيٌّ أَيْضًا.
وَيُقَالُ نَوَاك اللَّهُ أَيْ حَفِظَك كَانَ الْمَعْنَى قَصْدَ اللَّهِ بِحِفْظِهِ إيَّاكَ.
فَالنِّيَّةُ عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى عَمَلِ فَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ هَذَا كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ: وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُهُ تَشْدِيدَ الْيَاءِ وَتَخْفِيفَهَا مِنْ النِّيَّةِ: وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَهُوَ مِنْ الْوَضَاءَةِ بِالْمَدِّ وَهِيَ النَّظَافَة وَالنَّضَارَةُ وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ أَشْهُرُهَا أَنَّهُ بِضَمِّ الْوَاوِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَغَيْرُهُ وَهَذِهِ اللُّغَةُ هِيَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالثَّانِيَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ فِيهِمَا وَهِيَ قَوْلُ الْخَلِيلِ وَالْأَصْمَعِيِّ وَابْنِ السِّكِّيتِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالضَّمُّ لَا يُعْرَفُ وَالثَّالِثَةُ بِالضَّمِّ فِيهِمَا وَهِيَ غَرِيبَةٌ ضَعِيفَةٌ حَكَاهَا صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ: وَهَذِهِ اللُّغَاتُ هِيَ الَّتِي فِي الطَّهُورِ وَالطُّهُورِ وَقَدْ سَبَقَتْ فِي أَوَّلِ كِتَابِ
الطَّهَارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا قَوْل الْمُصَنِّفِ الطَّهَارَةُ ضَرْبَانِ: طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ وَطَهَارَةٌ عَنْ نَجَسٍ: فَمَعْنَاهُ أَنَّ الطَّهَارَةَ مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ وَالْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ فَإِنَّهَا طَهَارَةٌ: وَلَيْسَ فِيهَا رَفْعُ حَدَثٍ وَلَا إزَالَةُ نَجَسٍ: وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِطَهَارَةِ الْحَدَثِ الطَّهَارَةُ بِسَبَبِ الْحَدَثِ أَوْ عَلَى صُورَتِهَا: وَيَنْقَسِمُ إلَى رَافِعَةٍ لِلْحَدَثِ وَغَيْرِ رَافِعَةٍ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَالتَّيَمُّمِ وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وقوله كترك الزنا هو بالقصر والمدلغتان الْقَصْرُ أَشْهُرُ وَأَفْصَحُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ (وَلا تقربوا الزنا) وقوله لانها من باب التروك مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ تَرْكُ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ: وليس المطلوب تحصيل شئ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَشِبْهِهِ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إيجَادُ فِعْلٍ لَمْ يَكُنْ: فَصَارَتْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ كَتَرْكِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ: فَإِنْ قِيلَ فَالطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ تَرْكٌ أَيْضًا فَإِنَّهَا تَرْكٌ لِلْحَدَثِ: فَالْجَوَابُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَرْكٌ بَلْ إيجَادٌ لِلطَّهَارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ طَهَارَةٌ وَلَا تَرْفَعُ حَدَثًا وَإِنَّمَا تُوجِدُ الطَّهَارَةَ: فَإِنْ قِيلَ الصَّوْمُ تَرْكٌ وَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الصَّوْمَ كَفٌّ مَقْصُودٌ لِقَمْعِ الشَّهْوَةِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى
[ ١ / ٣١٠ ]
فَالْتَحَقَ بِالْأَفْعَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ: وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَجْهًا أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ: حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ غَلِطَ مَنْ نَسَبَهُ إلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَبَيَّنَ الْإِمَامُ سَبَبَ الْغَلَطِ بِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وأما الطهارة عن الحدث من الوضوء والغسل والتيمم فلا يصح شئ منها إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ: وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ولانها عبادة محضة طريقها الافعال فلم تصح من غير نية كالصلاة)
*
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِم فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مدار الاسلام بل هو أعظمها.
وَهِيَ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا.
قَدْ جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُلُثُ الْعِلْمِ: وَقَالَ أَيْضًا يَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْفِقْهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ نَحْوَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ: وَكَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُبْدَأَ كُلُّ تَصْنِيفٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ مُنَبِّهًا عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ لَا يكون العمل شرعيا يتعلق به ثواب عقاب إلَّا بِالنِّيَّةِ وَلَفْظَةُ إنَّمَا لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ وَتَنْفِي مَا سِوَاهُ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَفَادَ قَوْلُهُ ﷺ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَائِدَةً لَمْ تَحْصُلْ بِقَوْلِهِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَهِيَ أَنَّ تَعْيِينَ الْعِبَادَةِ الْمَنْوِيَّةِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
[ ١ / ٣١١ ]
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ.
فَالْمَحْضَةُ الْخَالِصَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَوْبٌ بشئ آخَرَ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ الْعِبَادَةِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ الْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ لِلَّهِ تَعَالَى وَالطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ وَكَذَا نُقِلَ هَذَا عَنْ الْمُصَنِّفِ.
وَذَكَر المصنف في كتابه في الحدود الكلامية الفقهية خِلَافًا فِي الْعِبَادَةِ فَقَالَ الْعِبَادَةُ وَالتَّعَبُّدُ وَالنُّسُكُ بِمَعْنًى وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ فَحَدُّ الْعِبَادَةِ مَا تَعَبَّدْنَا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ.
قَالَ وَقِيلَ الْعِبَادَةُ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقِيلَ مَا كان قربة لله تعالي وامتثالا لا مره.
قَالَ وَهَذَانِ الْحَدَّانِ فَاسِدَانِ.
لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشئ طَاعَةً وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا قُرْبَةٍ وَهُوَ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الامر.
وقال امام الحرمين في كتابه الا ساليب فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ هُنَا الْعِبَادَةُ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ بِالتَّقَرُّبِ إلَى الْمَعْبُودِ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِهِ فِي الْكَلَامِ الْعِبَادَةُ فِعْلٌ يُكَلِّفُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ مُخَالِفًا لِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ عَلَى سَبِيلِ الِابْتِلَاءِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي الْعِبَادَةُ مَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ أَقْوَالٌ أُخَرُ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ
* وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَاحْتَرَزَ بِالْعِبَادَةِ عَنْ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا.
وَبِالْمَحْضَةِ
عَنْ الْعِدَّةِ وَقَوْلُهُ طَرِيقُهَا الْأَفْعَالُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالْقَلْعِيُّ وَغَيْرُهُمَا هُوَ احْتِرَازٌ مِنْ الْأَذَانِ وَالْخُطْبَةِ وَقِيلَ احْتِرَازٌ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
فان طريقها التروك: وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ شَيْخُ مَالِكٍ وَمَالِكٌ والليث بن سعد واحمد بن حنبل واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُد قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحِجَازِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَيُرْوَى
[ ١ / ٣١٢ ]
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ بِلَا نِيَّةٍ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ: وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْهُمَا وَعَنْ زُفَرَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ: وَاحْتُجَّ لِهَؤُلَاءِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الْآيَةَ وَبِقَوْلِهِ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ ﵂ إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْك الْمَاءَ فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْت وَبِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِلنِّيَّةِ وَلَوْ وَجَبَتْ لَذُكِرَتْ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ بِمَائِعٍ فَلَمْ تَجِبْ لَهَا نِيَّةٌ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ: وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ فَلَمْ يَجِبْ لَهُ نِيَّةٌ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ: وَاحْتَرَزُوا عَنْ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ وَلِأَنَّ الذِّمِّيَّةَ الَّتِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ وَطْؤُهَا بِالْإِجْمَاعِ إذَا اغْتَسَلَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ النِّيَّةُ لَمْ تَحِلَّ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ مِنْهَا
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مخلصين له الدين) وَالْإِخْلَاصُ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ النِّيَّةُ وَالْأَمْرُ بِهِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لِلصَّلَاةِ وَهَذَا مَعْنَى النِّيَّةِ: وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ لِأَنَّ لَفْظَةَ إنَّمَا لِلْحَصْرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ صُورَةَ الْعَمَلِ فَإِنَّهَا تُوجَدُ بلانية: وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ حُكْمَ الْعَمَلِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) وَهَذَا لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ فَلَا يَكُونُ لَهُ: وَمِنْ الْقِيَاسِ
أَقْيِسَةٌ أَحَدُهَا قِيَاسُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَهُوَ أَنَّهَا طَهَارَةٌ مِنْ حَدَثٍ تستباح بها الصلاة فلم تصح بلانية كَالتَّيَمُّمِ: وَقَوْلُنَا مِنْ حَدَثٍ احْتِرَازٌ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَقَوْلُنَا تُسْتَبَاحُ بِهَا الصَّلَاةُ احْتِرَازٌ مِنْ غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ: فَإِنْ قَالُوا التَّيَمُّمُ لَا يُسَمَّى طَهَارَةً: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ٣١٣ ]
وَسَلَّمَ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَفِي رِوَايَةٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَمَا كَانَ وُضُوءًا كَانَ طَهُورًا وَحَصَلَتْ بِهِ الطَّهَارَةُ: فَإِنْ قِيلَ التَّيَمُّمُ فَرْعٌ لِلْوُضُوءِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ: يُؤْخَذَ حُكْمُ الْأَصْلِ مِنْ الْفَرْعِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ فَرْعًا لَهُ لِأَنَّ الْفَرْعَ مَا كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ الشئ وَالتَّيَمُّمُ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنْ الْوُضُوءِ بَلْ بَدَلٌ عَنْهُ: فَلَا يَمْتَنِعُ أَخْذُ حُكْمِ الْمُبْدَلِ مِنْ حُكْمِ بَدَلِهِ: وَلِأَنَّهُ إذَا افْتَقَرَ التَّيَمُّمُ إلَى النِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ خَفِيفٌ إذْ هُوَ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَالْوُضُوءُ أَوْلَى: فَإِنْ قِيلَ التَّيَمُّمُ يَكُونُ تَارَةً بِسَبَبِ الْحَدَثِ وَتَارَةً بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ فَوَجَبَتْ فِيهِ النِّيَّةُ لِيَتَمَيَّزَ: فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّمْيِيزَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَلَا مُؤَثِّرٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ جُنُبًا فَغَلِطَ وَظَنَّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ فَتَيَمَّمَ عَنْ الْحَدَثِ أَوْ كَانَ مُحْدِثًا فَظَنَّ أَنَّهُ جُنُبٌ فَتَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ صَحَّ بِالْإِجْمَاعِ (١) الثَّانِي أَنَّ الْوُضُوءَ أَيْضًا يَكُونُ تَارَةً عَنْ الْبَوْلِ وَتَارَةً عَنْ النَّوْمِ فَإِنْ قالوا وان اختلفت أسبابه فالواجب شئ وَاحِدٌ: قُلْنَا وَكَذَا التَّيَمُّمُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهُ فَالْوَاجِبُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ: فَإِنْ قِيلَ التَّيَمُّمُ بَدَلٌ وَشَأْنُ الْبَدَلِ أَنْ يَكُونَ أَضْعَفَ مِنْ الْمُبْدَلِ فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.
فَالْجَوَابُ ان ما ذكروه منتقض؟؟ الْخُفِّ.
فَإِنَّهُ بَدَلٌ وَلَا يَفْتَقِرُ عِنْدَهُمْ إلَى النِّيَّةِ وَإِنَّمَا افْتَقَرَتْ كِنَايَةُ الطَّلَاقِ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ احْتِمَالًا وَاحِدًا.
وَالصَّرِيحُ ظَاهِرٌ فِي الطَّلَاقِ وَأَمَّا الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ فَمُسْتَوِيَانِ بَلْ التَّيَمُّمُ أَظْهَرُ فِي إرَادَةِ الْقُرْبَةِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَادَةً بِخِلَافِ صُورَةِ الْوُضُوءِ فَإِذَا افْتَقَرَ التَّيَمُّمُ الْمُخْتَصُّ بِالْعِبَادَةِ إلَى النِّيَّةِ فَالْوُضُوءُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَادَةِ أَوْلَى فَإِنْ قِيلَ التَّيَمُّمُ نُصَّ فِيهِ عَلَى الْقَصْدِ وَهُوَ النِّيَّةُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ الصَّعِيدِ.
وَذَلِكَ غَيْرُ النِّيَّةِ (قِيَاسٌ آخَرُ) عِبَادَةٌ ذَاتُ أَرْكَانٍ فَوَجَبَتْ فِيهَا النِّيَّةُ كَالصَّلَاةِ: فَإِنْ قَالُوا الوضوء
_________________
(١) عجب فقد نقل في كتاب التيمم هنا هذه المسألة عن مذهبنا وقال عن احمد ومالك لا يصح واستدل للمذهب وبسط القول فيها ذكرها في فرع في مسائل تتعلق بالنية في المسألة الرابعة اه من هامش الاذرعي وبهامشه ايضا ما نصه هذا الاجماع اخذه من كلام الامام في اوائل باب نية الوضوء فانه قال نقل المزني عن العلماء اجماعهم عليه لكن في غلط المتوضئ من حدث إلى حدث ولم يشعر ان الامام حكى في الباب الذي يليه ثلاثة اوجه احدهما ان الغلط لا يضر اصلا: والثاني ان الادنى يرتفع بالاعلى إذا فرض الغلط كذا والاعلى لا يرتفع بالادنى هذا لفظ واراد بالادنى والاعلى الحدث الاكبر والاصغر قال ابن الرفعة في المطلب وهذا قد يتخيل منه اجراء الخلاف فيما إذا غلط في الحدث الاصغر من حدث إلى حدث كما يقتضيه ايراد بعض الشارحين وعندي أن الخلاف انما هو في الغلط من الجنابة إلى الحدث الاصغر أو بالعكس والفرق لائح وبه صرح سراج الدين بن دقيق العيد فقال =
[ ١ / ٣١٤ ]
لَيْسَ عِبَادَةً: قُلْنَا لَا نَسْمَعُ هَذَا.
لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الطَّاعَةُ أَوْ مَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِهِ قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْوُضُوءِ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ فَكَيْفَ يَكُونُ شَطْرَ الْإِيمَانِ وَلَا يَكُونُ عِبَادَةً.
وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ وَسُقُوطِ الْخَطَايَا بِهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ قَدْ جَمَعْتهَا فِي جَامِعِ السُّنَّةِ.
وَكُلُّ هَذَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ: فَإِنْ قَالُوا الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذَا الْفَضْلُ الْوُضُوءُ الَّذِي فِيهِ نِيَّةٌ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا نِيَّةَ فِيهِ لَيْسَ بِوُضُوءٍ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْوُضُوءَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷺ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَقْيِسَةً كَثِيرَةً حَذَفْتهَا كَرَاهَةً لِلْإِطَالَةِ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ فَمِنْ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا جَوَابٌ عَنْ جَمِيعِهَا وَهُوَ أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِبَيَانِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلنِّيَّةِ.
وَقَدْ ثَبَتَ وجوب النية بالآية والحديث والا قيسة الْمَذْكُورَاتِ.
وَالثَّانِي جَوَابٌ عَنْ الْآيَةِ أَنَّ دَلَالَتَهَا لمذهبنا ان لم تكن راحجة فَمُعَارِضَةٌ لِدَلَالَتِهِمْ.
الثَّالِثُ عَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ نَقْضِ الضَّفَائِرِ فَقَطْ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا.
وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ للنية.
وقد عرف وجوب النية من مِنْ قَوَاعِدِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَنَّهَا من
من باب التروك فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ: كَتَرْكِ الزِّنَا وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ تَقْرِيرُهُ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَجَوَابُهُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَهُوَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً مَحْضَةً بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ الصِّيَانَةُ عَنْ الْعُيُونِ وَلِهَذَا يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَةِ مَنْ لَيْسَ مُكَلَّفًا وَلَا مِنْ أَهْلِ الصلاة والعبادة كمجنون وصى لَا يُمَيِّزُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ سَتْرُ عَوْرَتِهِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ طَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ فَهُوَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ إذَا أَسْلَمَتْ هَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ: وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الزوج للوطئ
_________________
(١) = إذا نوى رفع حدث النوم والذي به غيره فان كان عمدا لم يصح على اصح الوجهين وان كان غلطا صح علي أصح الوجه والثالث يصح ان غلط من الادنى للاعلى لا العكس والاوجه الثلاثة حكي منها الفوراني الاول والاخير فيما إذا تيمم لحدث الجنابة وكان عليه الحدث الاصغر أو بالعكس ونسب الثالث إلى قول الربيع والبويطي قال ابن الرفعة نعم يمكن تخريج الخلاف فيما إذا غلط من حدث النوم إلى البول مثلا من ان النظر إلى عين المنوي اولى المقصود منه وساذكره ثم قال وقد رأيت كلام القاضي حسين مصرحا بذلك إذ قال في كتاب التيمم فرع لو كان حدثه البول فتوضأ بنية رفع الحدث عن النوم أو الغائط أو أخطأ من الجنابة إلى الحيض والنفاس ان كان جاهلا به تصح طهارته وكذا ان كان عالما به على الصحيح من الذهب وفيه وجه آخر انه لا يصح سواء أخطأ من النوع إلى النوع أو من النوع إلى الجنس لان نية ذلك غير مغنية وقال مالك لا يجوز سواء أخطأ من الجنس إلى الجنس أو من النوع إلى النوع وبه قال البويطي والربيع والمراد وعلى الجملة فالامام لما حكي عن الصيد لان الخلاف في =
[ ١ / ٣١٥ ]
لِلضَّرُورَةِ إذْ لَوْ لَمْ نَقُلْ بِهِ لَتَعَذَّرَ الوطئ ونكاح الكتابية: والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (يجب أن ينوى بقلبه لان النية هي القصد: تَقُولُ الْعَرَبُ نَوَاك اللَّهُ بِحِفْظِهِ أَيْ قَصَدَك الله بحفظه: فان تلفظ بلسانه وقصد بقلبه فهو آكد)
(الشَّرْحُ) النِّيَّةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْوُضُوءِ هِيَ النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ وَلَا يَجِبُ اللَّفْظُ بِاللِّسَانِ مَعَهَا: وَلَا يجزئ وحده وان جمعها فَهُوَ آكَدُ وَأَفْضَلُ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَنَا قَوْلٌ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّ نِيَّةَ الزَّكَاةِ تُجْزِئُ بِاللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بِالْقَلْبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَوَجْهٌ مَشْهُورٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ تَجِبُ بِالْقَلْبِ وَاللَّفْظِ مَعًا وَهُوَ غَلَطٌ وَقَدْ أَشَارَ الْمَاوَرْدِيُّ إلَى جَرَيَانِهِ فِي الْوُضُوءِ وَهُوَ أَشَذُّ وَأَضْعَفُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالزَّكَاةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَةً فَهِيَ شَبِيهَةٌ بِأَدَاءِ الدُّيُونِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ فِي وُجُوبِ اللَّفْظِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ دُونَ الْوُضُوءِ أَنَّ نِيَّةَ الْوُضُوءِ أَخَفُّ حُكْمًا وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ تَفْرِيقِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْقَصْدُ فَصَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ تَقُولُ الْعَرَبُ نَوَاك اللَّهُ بِحِفْظِهِ أَيْ قَصَدَك بِحِفْظِهِ هَكَذَا عِبَارَةُ شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَكَذَا قَالَهُ قَبْلَهُمْ الْأَزْهَرِيُّ كَمَا قَدَّمْتُهُ عَنْهُ: وَعِبَارَةُ الْأَزْهَرِيِّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِلَفْظِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَهِيَ بِمَعْنَاهَا وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ أبو عمر وبن الصَّلَاحِ عَلَى الْمُصَنِّفِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَالنَّقْلَ عَنْ الْعَرَبِ قَالَ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَخْصُوصٌ بِالْحَادِثِ لَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِي ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ نَظَرٌ لِأَنَّ الَّذِي فِي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ يَقُولُ نَوَاك اللَّهُ أَيْ صَحِبَك فِي سَفَرِك وَحَفِظَك: ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْأَزْهَرِيِّ ثُمَّ قَالَ وَكَأَنَّ الَّذِي فِي الْمُهَذَّبِ تَحْرِيفٌ مِنْ ناقل.
هذا
_________________
(١) = تعيين بعض الاحداث وتبقية ما عداه قال وهذا. يوجب لا محالة اختلافا في أن الغالط من حدث إلى حدث هل يصح وضؤه اه كلام الامام وابن الرفعة بحروفه وقد ثبت في المسألة المحكي فيها الاجماع ثلاثة أوجه اصحها انه لا يصح اه
[ ١ / ٣١٦ ]
كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ بَلْ صَحِيحٌ وَأَبُو عَمْرٍو مِمَّنْ صَحَّحَهُ وَاعْتَمَدَهُ فَإِنَّهُ فِي الْقِطْعَةِ الَّتِي شَرَحَهَا مِنْ أَوَّلِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِ مُسْلِمٍ ﵀ وظننت حين سألتني ذلك تَجَشُّمَ ذَلِكَ
أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ قال أبو عمر ويقدم عَلَى هَذَا أَنَّ الْأَمْرَ فِي إضَافَةِ الْأَفْعَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاسِعٌ لَا يُتَوَقَّفُ فِيهِ عَلَى تَوْقِيفٍ كَمَا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَلِذَلِكَ تَوَسَّعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فِي خُطَبِهِمْ وَغَيْرِهَا قَالَ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمُرَادُ مُسْلِمٍ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ وَالْقَصْدَ وَالْعَزْمَ وَالنِّيَّةَ مُتَقَارِبَةٌ فَيُقَامُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ مَجَازًا وَقَدْ وَرَدَ عَنْ الْعَرَبِ أَنَّهَا قَالَتْ نَوَاك اللَّهُ بِحِفْظِهِ فَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ مَعْنَاهُ قَصَدَك اللَّهُ بِحِفْظِهِ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ رَادٌّ لِكَلَامِهِ هُنَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ قَصَدَك اللَّهُ بِحِفْظِهِ لَمْ يُرِدْ الْقَصْدَ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَةِ الْحَادِثِ بَلْ أَرَادَ الْإِرَادَةَ وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ قَصَدَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ فِي فَضْلِ تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيديكم) الْآيَةَ: فَأَدْخَلَ الْمَسْحَ بَيْنَ الْغَسْلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إيجَابَ التَّرْتِيبِ وَمُرَادُهُ بِالْقَصْدِ الْإِرَادَةُ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَيُقَالُ عُرْبٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَعَرَبٌ بِفَتْحِهِمَا لُغَتَانِ الثَّانِيَةُ أَشْهَرُ وَالْعَرَبُ مُؤَنَّثَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ لَوْ قَالَ بِلِسَانِهِ نَوَيْت التَّبَرُّدَ وَنَوَى بِقَلْبِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالِاعْتِبَارُ بِمَا في القلب بلا خلاف ومثله قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي الْحَجِّ لَوْ نَوَى بِقَلْبِهِ حَجًّا وَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ عُمْرَةٌ أَوْ عَكْسُهُ انْعَقَدَ مَا فِي قَلْبِهِ دُونَ لسانه والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (والافضل أن ينوي من اول الوضوء إلى ان يفرغ منه ليكون مستديما للنية: فان نوى عند غسل الوجه: ثم عزبت نيته اجزأه لانه اول فرض: فإذا نوى عنده اشتملت النية على جميع الفروض: وان عزبت نيته عند المضمضة قبل أن يغسل شيئا من وجهه ففيه وجهان: احدهما
[ ١ / ٣١٧ ]
يجزيه لِأَنَّهُ فِعْلٌ رَاتِبٌ فِي الْوُضُوءِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فرض: فإذا عزبت النية عنده أجزأه كغسل الوجه: والثاني لا يجزية وهو الاصح لانه عزبت نيته قبل الفرض: فاشبه إذا عزبت عند غسل الكف: وما قاله الاول يبطل بغسل الكف: فانه فِعْلٌ رَاتِبٌ فِي الْوُضُوءِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فَرْضٌ: إذا عزبت النية عنده لم يجزه) (الشَّرْحُ) فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا الْأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ مِنْ أَوَّلِ الْوُضُوءِ وَيَسْتَدِيمَ
إحْضَارَ النِّيَّةِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْوُضُوءِ وَهَذَا الِاسْتِحْبَابُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَوَّلُ الْوُضُوءِ التَّسْمِيَةُ (١) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي يُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُ نِيَّةِ الْوُضُوءِ كَمَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَدِيمَ نِيَّتَهَا مِنْ افْتِتَاحِهَا إلَى التَّسْلِيمِ مِنْهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ تَصْرِيحٌ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ فِي استحباب استصحاب النِّيَّةِ فِيهِمَا إلَى الْفَرَاغِ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا لِأَنِّي رَأَيْت كَثِيرًا تَوَهَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ لِكَوْنِ الْجُمْهُورِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ وَهَذَا وَهْمٌ فَاسِدٌ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْوَجِيزِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْعِبَادَاتِ أَنَّ الْأَكْمَلَ أَنْ يَنْوِيَ مرتين مرة عند ابتداء وضوءه وَمَرَّةً عِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ هَذَا عَنْ الْقَفَّالِ وَاسْتَحْسَنَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
_________________
(١) هذا فيه نظر ظاهر بل أول الوضوء السواك وهو قبل التسمية كما أشار الغزالي في الوسيط إليه وغيره وصرح به في الاحياء وكذا الماوردي في الاقناع اه من هامش اذرعي
[ ١ / ٣١٨ ]
إذا نوى عند ابتدا غسل الوجه ولم ينوى قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ صَحَّ وُضُوءُهُ بِلَا خِلَافٍ ولو غسل نصف وجهه بلانية ثُمَّ نَوَى مَعَ غَسْلِ بَاقِيهِ لَمْ يَصِحَّ مَا غَسَلَهُ مِنْهُ بِلَا نِيَّةٍ بِلَا خِلَافٍ لِخُلُوِّ بَعْضِ الْفَرْضِ عَنْ النِّيَّةِ فَيُعِيدُ غَسْلَ ذَلِكَ النِّصْفِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ نَوَى عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ يَعْنِي عند أوله وإذا صح الوضوء بنية عند غسل الوجه قهل يُثَابُ عَلَى السُّنَنِ السَّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّتِي لَمْ تُصَادِفْ نِيَّةً وَهِيَ التَّسْمِيَةُ وَالسِّوَاكُ وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا وَلَا تُحْسَبُ مِنْ طهارته لانه عمل بلانية فلم يصح كغير: مِمَّنْ قَطَعَ بِهَذَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ فِي كِتَابَيْهِ التَّهْذِيبِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ: وَالطَّرِيقُ الثاني ذكره صاحب الحادى انه على وجهين أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي يُثَابُ وَيُعْتَدُّ بِهِ مِنْ طهارته لانه من جملة طهارته منوبة وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا احْتِمَالًا لِنَفْسِهِ وَخَرَّجَهُ مِمَّنْ نَوَى صَوْمَ التَّطَوُّعِ ضَحْوَةً فَإِنَّهُ يُحْسَبُ ثَوَابُ صَوْمِهِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ وَالْمَحْفُوظُ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَنْعَطِفُ: وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ بِفَرْقَيْنِ احدهما
[ ١ / ٣١٩ ]
أَنَّ الصَّوْمَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا صَحَّ بَعْضُهَا صَحَّ كُلُّهَا وَالْوُضُوءُ أَرْكَانٌ مُتَغَايِرَةٌ فَالِانْعِطَافُ فِيهَا أبعد والثاني انه لارتباط لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ بِالْمَضْمَضَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِهَا بِخِلَافِ إمْسَاكِ بَقِيَّةِ النَّهَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا نَوَى عِنْدَ غَسْلِ الْكَفِّ أَوْ الْمَضْمَضَةِ أو الاستنشاق وعزبت نيته قبل غسل شئ مِنْ الْوَجْهِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ وَذَكَرَهَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ أَحَدُهَا يُجْزِيهِ وَيَصِحُّ وُضُوءُهُ قَالَهُ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ وَالثَّانِي لَا يُجْزِيهِ قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَالثَّالِثُ إنْ عَزَبَتْ عِنْدَ الْكَفِّ لَا يُجْزِيهِ وَإِنْ عَزَبَتْ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ يُجْزِيهِ وَدَلِيلُهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ وَشَذَّ عَنْهُمْ الْفُورَانِيُّ فَصَحَّحَ الصِّحَّةَ وَلَوْ نَوَى عِنْدَ التَّسْمِيَةِ أَوْ الِاسْتِنْجَاءِ ثُمَّ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ غسل الكف قطع الجمهور بانه لا يجز به وَحَكَى الْفُورَانِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ فِيهِ وَجْهًا انه يجزيه وليس بشئ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْغَسِلْ مَعَهُمَا شئ مِنْ الْوَجْهِ بِأَنْ تَمَضْمَضَ مِنْ أُنْبُوبَةِ إبْرِيقٍ ونحوه اما إذا انغسل معهما شئ مِنْ الْوَجْهِ كَبَعْضِ الشَّفَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَصْحَابُهُ الثَّلَاثَةُ (١) الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ وَحَكَى صَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي أَنَّهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَغْسِلْ شَيْئًا مِنْ الْوَجْهِ فيكون فيه الخلاف السابق وقال صاحب
_________________
(١) صوابه الاربعة لان البندنيجي من أجل الاصحاب
[ ١ / ٣٢٠ ]
الْبَيَانِ إنْ غَسَلَ ذَلِكَ الْجُزْءَ بِنِيَّةِ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ قَطْعًا وَإِلَّا فَفِيهِ الْوَجْهَانِ كَمَا قَالَ صَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْعُدَّةِ وَانْفَرَدَ الْبَغَوِيّ فَقَالَ الصَّحِيحُ انه يجزيه وان انغسل شئ مِنْ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُ عَنْ الْوَجْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَنْ الْوَجْهِ بَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ ثَانِيًا وَهَذَا قَوِيٌّ وَلَكِنْ خَالَفَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَقَالَ يُجْزِيهِ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَغْسُولِ مِنْ الْوَجْهِ وَلَا تَجِبُ إعَادَتُهُ إذَا صَحَّحْنَا النية وان قَالَ وَهَذَا
عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَقُولُ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِيهَا خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ إلَى نَحْوِ هَذَا الَّذِي فِي التَّتِمَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
* قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ رَاتِبٌ فِي الْوُضُوءِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فَرْضٌ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِعْلٌ عَنْ التَّسْمِيَةِ وَبِقَوْلِهِ رَاتِبٌ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ وَبِقَوْلِهِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فَرْضٌ مِنْ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ: وَقَوْلُهُ نَوَى عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ يُقَالُ عِنْدَ وَعَنْدَ وعند بكسر العين ونتحها وَضَمِّهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ أَشْهُرُهُنَّ الْكَسْرُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ وَقَوْلُهُ عَزَبَتْ أَيْ ذَهَبَتْ وَهُوَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْمُضَارِعُ يَعْزُبُ بِضَمِّ الزَّايِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْمَصْدَرُ عُزُوبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (فَرْعٌ)
وَقْتُ نِيَّةِ الْغُسْلِ عِنْدَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ وَلَا يَضُرُّ عُزُوبُهَا بَعْدَهُ وَيُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُهَا إلَى الْفَرَاغِ كَالْوُضُوءِ فَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ الْبَدَنِ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى أَجْزَأَهُ مَا غَسَلَ بَعْدَ النِّيَّةِ وَيَجِبُ إعَادَةُ مَا غَسَلَهُ قَبْلَهَا وَاَللَّهُ اعلم
* وقال المنصف ﵀
* (وَصِفَةُ النِّيَّةِ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوْ الطَّهَارَةَ مِنْ الْحَدَثِ وَأَيُّهُمَا نَوَى أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ نوى المقصود وهو رفع الحدث) (الشرح) المتوضئون ثلاثة اقسام ما سح خُفٍّ وَمَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَغَيْرُهُمَا وَيُسَمَّى صَاحِبَ طَهَارَةِ الرَّفَاهِيَةِ فَأَمَّا صَاحِبُ طَهَارَةِ الرَّفَاهِيَةِ فَتُجْزِيهِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ بِلَا خِلَافٍ واما ما سح الْخُفِّ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ (١) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ تُجْزِيهِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ كَغَيْرِهِ: وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا تُجْزِيهِ بَلْ يَلْزَمُهُ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَهَذَا الْوَجْهُ مَعَ شِدَّةِ ضَعْفِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ وَسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلِسُ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ فَفِيهِمْ ثلاثة
_________________
(١) في كون ماسح الخف ليس صاحب طهارة رفاهية نظر اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٣٢١ ]
أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا تُجْزِيهِمْ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ وَحْدَهَا وَتُجْزِيهِمْ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ (١) الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُمْ مَعَ جَرَيَانِهِ وَعَلَى هَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الْجَمْعُ بَيْنَ نِيَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ وَرَفْعِ
الْحَدَثِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي يُجْزِيهِمْ الِاقْتِصَارُ عَلَى نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ لِأَنَّ نِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِبَاحَةَ وَالثَّالِثُ يَلْزَمُهُمْ الْجَمْعُ بين النيتين وهو محكي عن ابن أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخُضَرِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ (٢) الْمَرْوَزِيِّ لِيَكُونَ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ الْمَاضِي وَنِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ عَنْ الْمُقَارِنِ والتجدد وَضَعَّفَ الْأَصْحَابُ هَذَا الْوَجْهَ أَشَدَّ تَضْعِيفٍ وَهُوَ حَقِيقٌ بِذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ لَا شَكَّ فِيهِ فَإِنَّ نِيَّةَ الِاسْتِبَاحَةِ كَافِيَةٌ وَكَيْفَ يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مَعَ جَرَيَانِهِ وَإِذَا لَمْ يَرْتَفِعْ فَكَيْفَ تَجِبُ نِيَّتُهُ وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَلِأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَتْ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ صَاحِبَ طَهَارَةِ الرَّفَاهِيَةِ فَالْمُسْتَحَاضَةُ أَوْلَى
* (فَرْعٌ)
(١) ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي صَاحِبِ طَهَارَةِ الرَّفَاهِيَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْدِثًا الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ كَفَاهُ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا كَفَاهُ أَيْضًا نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا تَنْصَرِفُ إلَى حَدَثِهِ فَلَوْ نَوَى الْحَدَثَ الْأَكْبَرَ كَانَ تَأْكِيدًا وَهُوَ أَفْضَلُ وَهَكَذَا قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَجَمَاعَاتٌ بِأَنَّ الْجُنُبَ تُجْزِيهِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ مُطْلَقًا وَحَكَى الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثَانِ أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ فَاغْتَسَلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ مُطْلَقًا فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ الْأَصْغَرَ يَدْخُلُ فِي الْأَكْبَرِ أَجْزَأَهُ وَارْتَفَعَ الْحَدَثَانِ (٣) وَإِلَّا فَلَا يُجْزِيهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا: (فَرْعٌ)
لَوْ نَوَى الْمُحْدِثُ غَسْلَ أَعْضَائِهِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ الْجَنَابَةِ غَالِطًا ظَانًّا أَنَّهُ جُنُبٌ صَحَّ وُضُوءُهُ إنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ غَسْلَ الرَّأْسِ يُجْزِي عَنْ مَسْحِهِ وَإِلَّا فَيَحْصُلُ لَهُ غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ دُونَ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ بِسَبَبِ التَّرْتِيبِ وَلَوْ غَلَطَ (٤) الْجُنُبُ فَظَنَّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ فَاغْتَسَلَ بِنِيَّةِ الْحَدَثِ فَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ الْغُسْلِ أَنَّهُ يُجْزِيهِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ هَلْ يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ كَالْجَنَابَةِ أَمْ الْأَعْضَاءَ الْأَرْبَعَةَ خَاصَّةً وَفِيهِ وَجْهَانِ سَنَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قُلْنَا نَعَمْ صَحَّ غُسْلُهُ لِأَنَّهُ نَوَى طَهَارَةً عَامَّةً مثل التى عليه
_________________
(١) قال ابن الرفعة في المطلب قال الماوردي وليس على صاحب الضرورة تعيين الصلاة التي يستباح فعلها يعنى بخلاف المتيمم على رأي وقال في التتمة يصح طهرها بنية استباحة فريضة الصلاة وان طهرت لاستباحة النفل فعل ما ذكرنا في المتيمم انتهى لفظه قال كاتبه الفقير احمد الاذرعي وفى كلام المتوكل ايماء إلى ان استباحة الصلاة هنا تكني للفريضة الا عند التعرض لها ويحمل اطلاق الاستباحة على النافلة كالمتيمم إذا قلنا انه لا يستبيح بذلك الفرض (٢) المحكي في البحر عن القفال استحباب الجمع لا وجوبه اه من هامش الاذرعي (٣) هذا فيه نظر ظاهر اه اذرعي (٤) ظني ان في فتاوي البغوي ما يخالف هذا اه اذرعي
[ ١ / ٣٢٢ ]
وَإِنْ قُلْنَا يَخْتَصُّ حَصَلَ لَهُ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ فَقَطْ إنْ قُلْنَا يُجْزِيهِ غَسْلُ الرَّأْسِ عَنْ مَسْحِهِ وَإِلَّا حَصَلَتْ الْأَعْضَاءُ الثَّلَاثَةُ هَذَا إذَا كَانَ غَالِطًا فَلَوْ تَعَمَّدَ وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَث الْأَصْغَرِ لَمْ يَصِحَّ غُسْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
قَوْلُهُمْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ مَعْنَاهُ رَفْعُ حكم الحدث * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ نَوَى الطَّهَارَةَ الْمُطْلَقَةَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تَكُونُ عَنْ حَدَثٍ وَقَدْ تَكُونُ عن نجس فلم تصح بنية مطلقة) (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِيهِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا النَّصُّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَدَثِ فَأَمَّا النِّيَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَلَا تَكْفِيهِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الْقَاضِي وَأَخَلَّ الْبُوَيْطِيُّ بِقَوْلِهِ عَنْ الْحَدَثِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُجْزِيهِ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَهَذَا الْوَجْهُ قَوِيٌّ لِأَنَّ نِيَّةَ الطهارة في أعضاء الوضوء علي ترتيب الْمَخْصُوصِ لَا تَكُونُ عَنْ نَجَسٍ وَهَذَا الْخِلَافُ شَبِيهٌ بِالْخِلَافِ فِي وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي صلاة الفرض والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ نَوَى الطَّهَارَةَ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِأَمْرٍ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِطَهَارَةٍ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ أَجْزَأَهُ
لِأَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ مَعَ الْحَدَثِ فَإِذَا نَوَى الطهارة لذلك تضمنت نيته رفع الحدث) (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ثُمَّ إذَا نوى الطهارة لشئ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِالطَّهَارَةِ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ وَاسْتَبَاحَ الَّذِي نَوَاهُ وَغَيْرَهُ (١) وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إذا نوى استباحة الصلاة ليصح وُضُوءُهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا قَدْ تُسْتَبَاحُ مَعَ الْحَدَثِ كَالتَّيَمُّمِ وَهَذَا شَاذٌّ بَلْ غَلَطٌ وَخَيَالٌ عجيب والصواب الذى قطع يه الاصحاب في كل الطرق صحة وضؤه وَفِي الْمُصْحَفِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ضَمُّ الْمِيمِ وَكَسْرُهَا وفتحها افصحهن الضم ثم الكسر وقد أو ضحتهن فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا نوت المغتسلة عن الحيض استباحة وطئ الزَّوْجِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الْأَصَحُّ يَصِحُّ غُسْلُهَا وَتَسْتَبِيحُ الوطئ وَالصَّلَاةَ وَغَيْرَهُمَا لِأَنَّهَا نَوَتْ مَا لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِطَهَارَةٍ: وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ وَلَا تَسْتَبِيحُ
_________________
(١) وحكي الرافعي وجها إلى آخره كلام صحيح ولكن كان من حقه ان يذكر انه إذا نوى استباحة الصلاة انه يجزيه عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ ثم يقول وحكى الرافعي وجها إلى آخره وكأنه توهم ان كلامه يضمن ذلك اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٣٢٣ ]
الوطئ ولا تسبيح غَيْرَهُ لِأَنَّهَا نَوَتْ مَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ: وَالثَّالِثُ تستبيح به الوطئ وَلَا تَسْتَبِيحُ غَيْرَهُ كَاغْتِسَالِ الذِّمِّيَّةِ تَحْتَ مُسْلِمٍ لا نقطاع الْحَيْضِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْأَصَحُّ صِحَّةُ غُسْلِهَا لانها نوت حل الوطئ لا نفس الوطئ وحل الوطئ لا يوجب غسلا * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ نَوَى الطَّهَارَةَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ فَأَشْبَهَ مَا إذَا تَوَضَّأَ لِلُبْسِ الثَّوْبِ: وَالثَّانِي يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَإِذَا نَوَى الطَّهَارَةَ بِذَلِكَ تَضَمَّنَتْ نِيَّتُهُ رفع الحدث) (الشَّرْحُ) هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَدَلِيلُهُمَا مَا ذَكَرَهُ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ: مِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ الْفُرُوعِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَافِي وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ
السُّنَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الصِّحَّةَ: مِنْهُمْ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْفُورَانِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ (١) وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ لِمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْأَذَانُ وَالتَّدْرِيسُ وَزِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ وَقِرَاءَةُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدِرَاسَةُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَفِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَمِمَّا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ دُخُولُ السُّوقِ وَالسَّلَامُ عَلَى الْأَمِيرِ وَلُبْسُ الثَّوْبِ وَالصِّيَامُ وَعَقْدُ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحُ وَالْخُرُوجُ إلَى السَّفَرِ وَلِقَاءُ الْقَادِمِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَكَذَا زِيَارَةُ الْوَالِدَيْنِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَكَذَا عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَزِيَارَةُ الصَّدِيقِ وَالنَّوْمُ وَالْأَكْلُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي النَّوْمِ غَيْرُ مَقْبُولٍ بَلْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِلنَّوْمِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَتَيْت مَضْجَعَك فَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّك الْأَيْمَنِ وَقُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْكَ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَلَوْ نَوَى تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ أَوْ نوى
_________________
(١) وابن الصباع في باب صفة الصلاة اه اذرعي
[ ١ / ٣٢٤ ]
الْجُنُبُ غُسْلًا مَسْنُونًا فَفِي ارْتِفَاعِ حَدَثِهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ وَجَنَابَتُهُ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ لَيْسَ اسْتِحْبَابُهَا بِسَبَبِ الْحَدَثِ فَلَا يَتَضَمَّنُ رَفْعَهُ بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَشِبْهِهَا: وَلَوْ نَوَى الْجُنُبُ الْغُسْلَ لِقِرَاءَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ فَفِي ارْتِفَاعِ جَنَابَتِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ فِي الْمُحْدِثِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَكَذَا لَوْ نَوَى الْمُحْدِثُ الْوُضُوءَ لِلْعُبُورِ فِي الْمَسْجِدِ ففيه الوجهان * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ وَالتَّنْظِيفَ صَحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي الْبُوَيْطِيِّ
لِأَنَّهُ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَضَمَّ إلَيْهِ مَا لَا يُنَافِيهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ فِي النِّيَّةِ بَيْنَ الْقُرْبَةِ وغيرها) (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ صَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالْقَفَّالُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَضَعَّفُوا تَعْلِيلَهُ بِالتَّشْرِيكِ وَقَالُوا لَيْسَ هَذَا تَشْرِيكًا وَإِنَّمَا صَحَّحْنَا وُضُوءَهُ لِأَنَّ التَّبَرُّدَ حَاصِلٌ سَوَاءٌ قَصْدَهُ أَمْ لَا فَلَمْ يُجْعَلْ قَصْدُهُ تَشْرِيكًا وَتَرْكًا لِلْإِخْلَاصِ بَلْ هُوَ قَصْدٌ لِلْعِبَادَةِ عَلَى حَسَبِ وُقُوعِهَا لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَتِهَا حُصُولَ التَّبَرُّدِ: وَلَوْ اغْتَسَلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ وَالتَّبَرُّدِ فَفِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْوُضُوءِ وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا عَنْ غَرِيمٍ يُطَالِبُهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ عَنْ الْغَرِيمِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَصْدٍ وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ فِي الطَّوَافِ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ وَالِاشْتِغَالِ عَنْ الْغَرِيمِ وَغَيْرِهَا وَسَنُوَضِّحُهَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَنْوِي بِهَا الْفَرْضَ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَحَصَلَ لَهُ الْفَرْضُ وَالتَّحِيَّةُ جَمِيعًا لِأَنَّ التَّحِيَّةَ يَحْصُلُ بِهَا الْفَرْضُ فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهَا تَصْرِيحًا بِمُقْتَضَى الْحَالِ
[ ١ / ٣٢٥ ]
وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى التَّصْرِيحِ بِحُصُولِ الْفَرْضِ وَالتَّحِيَّةِ: وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي حُصُولِهِمَا جَمِيعًا وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ سِنِينَ: وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الصلاح لابد مِنْ جَرَيَانِ خِلَافٍ فِيهِ كَمَسْأَلَةِ التَّبَرُّدِ وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ لَمْ يَنْقُلَاهُ عَنْ أَحَدٍ وَالْمَنْقُولُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْأَصْحَابُ فِي تَعْلِيلِ الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ التَّبَرُّدِ هُوَ التَّشْرِيكُ بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي مَسْأَلَةِ التَّحِيَّةِ فَإِنَّ الْفَرْضَ وَالتَّحِيَّةَ قُرْبَتَانِ إحْدَاهُمَا تَحْصُلُ بِلَا قَصْدٍ فَلَا يَضُرُّ فِيهَا الْقَصْدُ كَمَا لَوْ رَفَعَ الْإِمَامُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ لِيُسْمِعَ الْمَأْمُومِينَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَصَدَ أَمْرَيْنِ لَكِنَّهُمَا قُرْبَتَانِ وَهَذَا وَاضِحٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ: وَلَوْ نَوَى بِغُسْلِهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ
وَالْجُمُعَةِ حَصَلَا جَمِيعًا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ هَيْئَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجُمْهُورُ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ وَهُوَ بَعِيدٌ قَالَ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَحَكَاهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ اخْتِيَارِ أَبِي سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ وَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّحِيَّةِ بِأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ ضِمْنًا وَهَذَا بِخِلَافِهَا عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إذَا نَوَى الْجُمُعَةَ وَالْجَنَابَةَ (١) يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَنَابَةِ هَلْ تَحْصُلُ الْجُمُعَةُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ إنْ قُلْنَا لَا يَحْصُلُ لَمْ يَصِحَّ الْغُسْلُ كَمَا لَوْ نَوَى بِصَلَاتِهِ الْفَرْضَ وَالسُّنَّةَ وَإِنْ قُلْنَا يَحْصُلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ فوجهان كمسألة التبرد: والاصح الحصول * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ أَحْدَثَ أَحْدَاثًا وَنَوَى رَفْعَ حَدَثٍ مِنْهَا ففيه ثلاثة أوجه احدها يَصِحُّ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ تَتَدَاخَلُ فَإِذَا ارْتَفَعَ وَاحِدٌ ارْتَفَعَ الْجَمِيعُ: وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ رَفْعَ جَمِيعِ الْأَحْدَاثِ: وَالثَّالِثُ إنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَوَّلِ صَحَّ وَإِنْ نَوَى مَا بَعْدَهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الَّذِي أَوْجَبَ الطَّهَارَةَ هُوَ الْأَوَّلُ دُونَ مَا بَعْدَهُ وَالْأَوَّلُ اصح) (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا ثَلَاثَةً بِأَدِلَّتِهَا أَصَحُّهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ يَصِحُّ وُضُوءُهُ سَوَاءٌ نَوَى الْأَوَّلَ أَوْ غَيْرَهُ وَسَوَاءٌ نَوَى رَفْعَ حَدَثٍ وَنَفَى رَفْعَ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ غَيْرِهِ: وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا: وَالثَّالِثُ إنْ نَوَى رَفْعَ الْأَوَّلِ صَحَّ وُضُوءُهُ وَإِلَّا فَلَا: وَالرَّابِعُ إنْ نوى رفع الا خير صَحَّ وُضُوءُهُ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ مَا قَبْلَ الا خير اندرج فيه حكاه صاحب الشامل
_________________
(١) مقتضى هذا البناء ترجيح عدم الحصول إذا نواهما لان الاصح عند الاكثرين في المسألة المنبي عليها عدم حصول الجمعة كما صححه الشيخ ﵀ وبه جزم الرافعي في المحرر خلاف ما صححه هنا اه هامش الاذرعي
[ ١ / ٣٢٦ ]
وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالْخَامِسُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى نِيَّةِ رَفْعِ أَحَدِ الْأَحْدَاثِ صَحَّ وُضُوءُهُ وَإِنْ نَفَى رَفْعَ غَيْرِهِ فَلَا: حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ وَلَوْ كَانَ عَلَى امْرَأَةٍ غُسْلُ جَنَابَةٍ وَحَيْضٍ فَنَوَتْ أَحَدَهُمَا صَحَّ غُسْلُهَا وَحَصَلَا جَمِيعًا بِلَا خِلَافٍ وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ فِي الْأَحْدَاثِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ وَلَا مُعْتَادَةٍ بِخِلَافِ نِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ فَيَكُونُ مَنْ نَوَى أَحَدَ الْأَحْدَاثِ مُخَالِفًا مُقَصِّرًا فَجَاءَ فِيهِ
الْخِلَافُ بِخِلَافِ الحائض والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاةً وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ غَيْرَهَا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ كَمَا أُمِرَ: والثاني يصح إن نِيَّتَهُ لِلصَّلَاةِ تَضَمَّنَتْ رَفْعَ الْحَدَثِ وَنِيَّتَهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ غَيْرَهَا لَغْوٌ: وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَصِحُّ لما نوى اعتبارا بنيته) (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْأَوْجُهُ مَشْهُورَةٌ وَدَلِيلُهَا كَمَا ذُكِرَ وَأَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ صِحَّةُ الْوُضُوءِ وَيَسْتَبِيحُ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرَهَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْفُورَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ لِمَا نَوَى فَقَطْ هُوَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَبِالْمَنْعِ مُطْلَقًا هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَضَعَّفَ الْأَصْحَابُ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ الْأَصْحَابُ وَلَوْ نَوَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا مِمَّنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ بِوُضُوئِهَا صَلَاةَ فَرْضٍ وَأَنْ لَا تُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا آخَرَ صَحَّ وُضُوءُهَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى طَهَارَتِهَا: وَلَوْ نَوَتْ بِوُضُوئِهَا نَافِلَةً وَأَنْ لَا تُصَلِّيَ غَيْرَهَا أَوْ نَوَتْ فَرِيضَةً وَأَنْ لَا تُصَلِّيَ غَيْرَهَا مِنْ نَفْلٍ وَغَيْرِهِ فَفِي صِحَّةِ وُضُوئِهَا الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ لَوْ نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ بِوُضُوئِهِ صَلَاةً وَأَنْ لَا يُصَلِّيَهَا كَانَ مُتَنَاقِضًا ولا يرتفع حدثه * قال المصنف ﵀
* (وَلَوْ نَوَى نِيَّةً صَحِيحَةً ثُمَّ غَيَّرَ النِّيَّةَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ بِأَنْ نَوَى بِغَسْلِ الرِّجْلِ التَّبَرُّدَ أَوْ التَّنْظِيفَ وَلَمْ يُحْضِرْ نِيَّةَ الْوُضُوءِ لَمْ يَصِحَّ مَا غَسَلَهُ بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ وَالتَّنْظِيفِ وَإِنْ حَضَرَتْهُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ وَأَضَافَ إلَيْهَا نِيَّةَ التبرد فعلي ما ذكرت من الخلاف) (الشَّرْحُ) إذَا نَوَى نِيَّةً صَحِيحَةً ثُمَّ نَوَى بِغَسْلِ الرِّجْلِ مَثَلًا التَّبَرُّدَ فَلَهُ حَالَانِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا تَحْضُرَهُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ فِي حَالِ غَسْلِ الرِّجْلِ بَلْ يَنْوِي التَّبَرُّدَ غَافِلًا عَمَّا سِوَاهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ
[ ١ / ٣٢٧ ]
الصَّحِيحُ مِنْهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا يَصِحُّ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ: وَالثَّانِي حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَضَعَّفُوهُ أَنَّهُ يَصِحُّ لِبَقَاءِ حُكْمِ النِّيَّة الْأُولَى فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ثُمَّ غَسَلَ مَا غَسَلَهُ بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ: وَإِنْ طَالَ فَهَلْ يَبْنِي أَمْ يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي جَوَازِ
تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ الصَّحِيحُ جَوَازُهُ فَيَبْنِي هَذِهِ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ هَلْ يَكْفِيهِ الْبِنَاءُ أَمْ يَجِبُ الاستثناف فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي جَوَازِ تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَسَنَذْكُرُهُمَا فِي مَسَائِلِ الْفَرْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: إنْ قُلْنَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ جَازَ الْبِنَاءُ وَإِلَّا فَلَا: وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْحَاوِي بِجَوَازِ الْبِنَاءِ مَعَ قَوْلِنَا لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ الْحَالُ الثَّانِي أَنْ يَحْضُرَهُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ مَعَ نِيَّةِ التَّبَرُّدِ فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَى مِنْ أَوَّلِ الطَّهَارَةِ الْوُضُوءَ وَالتَّبَرُّدَ وَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَنْصُوصُ فِي الْبُوَيْطِيِّ صِحَّةُ الْوُضُوءِ.
وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ مَا غَسَلَهُ بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ: فَيَكُونُ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَوْ غَسَلَ الْمُتَوَضِّئُ أَعْضَاءَهُ إلَّا رِجْلَيْهِ فقط فِي نَهْرٍ فَانْغَسَلَتَا فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِلنِّيَّةِ صَحَّ وُضُوءُهُ وَإِلَّا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ: وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُجْزِيهِ: هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ (١) الْأَصَحُّ صِحَّةُ وُضُوئِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ إحْدَاهَا إذَا نَوَى الْمُحْدِثُ الْوُضُوءَ فَقَطْ فَفِي ارْتِفَاعِ حَدَثِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَصَحُّهُمَا ارْتِفَاعُهُ: وَالثَّانِي لَا: لِأَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ يَكُونُ تَجْدِيدًا فَلَا يَرْفَعُ حَدَثًا قَالَ الرُّويَانِيُّ فَلَوْ نَوَى الْجُنُبُ الْغُسْلَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَادَةً وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا نوى بوضوءه أَدَاءَ الْوُضُوءِ أَوْ فَرْضَ الْوُضُوءِ صَحَّ وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ وَقَطَعَ أَيْضًا الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ إذَا نَوَى فَرْضَ الْوُضُوءِ أَوْ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ فَرْضَ الْغُسْلِ أَجْزَأَهُمْ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ: فَالْجَوَابُ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْحَدَثِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَضَيَّقُ وَقْتُهُ قَبْلَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ وَهَذَا عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ: وَالثَّانِي أَنَّهُ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ وَالثَّالِثُ: كِلَاهُمَا وَجَوَابٌ آخر أجاب به الرافعي
_________________
(١) قلت لفظ القاضي في آخر في باب سنة الوضوء لو غسل وجهه ويديه ومسح رأسه ثم زلق فوقع في الماء فانغسلت رجلاه فالمذهب انه لا يجب عليه غسلهما وفيه وجه انه يجب غسلهما ثانيا لانه لم يقصد غسلهما: قال ابن الرفعة اي بالماء الذي سقط فيه والا فنية الوضوء شاملة لهما قال القاضي فجعل كانه لم يوجد منه الغسل قال ابن الرفعة وهذا الوجه يظهر اطراده في المغتسل لو شرع يصب الماء عليه بنية الغسل فزلق فوقع في الماء وفيما إذا وضأه غيره بعد ما نوى من غير اذنه ولا قدر على دفعه ولم يرتض ذلك دون ما إذا كان بخلاف ذلك لان الفعل ينسب إليه على حال لاجل الرضي به أما حقيقة أو دلالة بالاذن أو عدم الامتناع مع القدر وعلى هذه الحالة يحمل هذا القائل فيما نظنه نص الشافعي ثم ذكر ابن الرفعة ما ذكره الشيخ عنه عن البغوي والمتولي والقاضي بحروفه ثم قال قلت وانت قد عرفت صورة كلام القاضي وليست بصريحة
[ ١ / ٣٢٨ ]
وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِيَّةِ هُنَا فِعْلُ طَهَارَةِ الحدث المشروطة في صحة الصلاة وشرط الشئ يُسَمَّى فَرْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْفَرْضِيَّةِ لَمَا صَحَّ وُضُوءُ الصَّبِيِّ بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَهُوَ صَحِيحٌ بِهَا: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَنَوَى عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ الْوَجْهِ وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُمَا وَكَذَا عِنْدَ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ ففى صحة وضوءه وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَكَرَهُمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ الصِّحَّةُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ عَلَى الصَّحِيحِ فَكَذَا النِّيَّةُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ وَخَالَفَ الْغَزَالِيُّ الْأَصْحَابَ فَقَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ: ثُمَّ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ أَطْلَقُوا الْمَسْأَلَةَ فِي تَفْرِيقِ النِّيَّةِ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مُطْلَقِ التَّفْرِيقِ قَالَ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ ثُمَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَى تَفْرِيقَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عَلَى تَفْرِيقِ أَفْعَالِهِ فَقَالَ إنْ جَوَّزْنَا تَفْرِيقَ الْأَفْعَالِ فَكَذَا النِّيَّةُ وَإِلَّا فَلَا وَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ إنْ مَنَعْنَا تَفْرِيقَ الْأَفْعَالِ فَالنِّيَّةُ أَوْلَى وَإِلَّا فوجهان والفرق
_________________
(١) = فيما قال يعني النووي بل يجوز ان يكون حكايته الخلاف في حال ذكره النية وهو ما يقتضيه سياق كلامه وتعليل الوجه الصائر إلى عدم الاجزاء فاذن هو والمذكوران متوافقون لكنهما لم يحكيا الوجه المخالف للمذهب في كلامه لضعفه فيما نضنه عندهما والله اعلم بالصواب اه اذرعي
[ ١ / ٣٢٩ ]
أَنَّ الْوُضُوءَ وَإِنْ فُرِّقَ أَفْعَالُهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ يرتبط بِبَعْضٍ وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ مَسَّ الْمُصْحَفِ بِوَجْهِهِ الْمَغْسُولِ قَبْلَ غَسْلِ بَاقِي الْأَعْضَاءِ لَا يَجُوزُ فَلْتَشْمَلْهَا نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهَا لَا تتأتي الا متفرقة والله أعلم
* (الثَّالِثَةُ) أَهْلِيَّةُ النِّيَّةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ فَلَا يَصِحُّ وُضُوءُ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يُمَيِّزُ وَأَمَّا الصبي المميز فيصح وضوه وَغُسْلُهُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي المسألة السادسة: وأما الكافر الاعلى إذَا تَطَهَّرَ ثُمَّ أَسْلَمَ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ: وَالثَّانِي يصح غسله دون تيممه ووضوءه حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَحَكَاهُ آخَرُونَ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْوَجْهُ هُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ قَالَ وَهُوَ غَلَطٌ صَرِيحٌ مَتْرُوكٌ عَلَيْهِ قَالَ وَلَيْسَ مِنْ الرَّأْيِ أَنْ تحسب غلطات الرجال مِنْ مَتْنِ الْمَذْهَبِ: وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ يَصِحُّ مِنْهُ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ دُونَ التَّيَمُّمِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ: وَالرَّابِعُ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ كُلُّ طَهَارَةٍ مِنْ غُسْلٍ وَوُضُوءٍ وَتَيَمُّمٍ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا: وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ غُسْلٌ وَلَا غَيْرُهُ وَلَوْ انْقَطَعَ حَيْضُ مرتدة فاغتسلت ثم أسلمت لم يحل الوطئ إلَّا بِغُسْلٍ جَدِيدٍ بِلَا خِلَافٍ كَذَا قَالُوهُ وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ الِاتِّفَاقِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَلْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ الْخِلَافَ فِي الْمُرْتَدِّ فَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي هَذَا الْبَابِ فِي صِحَّةِ غُسْلِ الْمُرْتَدِّ وَجْهَانِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ الْغُسْلِ حَكَى الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابِ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ كُلُّ طَهَارَةٍ غُسْلًا كَانَ أَوْ وُضُوءًا أَوْ تَيَمُّمًا قَالَ وَهَذَا فِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ فَقَوْلُهُ كُلُّ كَافِرٍ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُرْتَدُّ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا
* وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا تَوَضَّأَ الْكَافِرُ صَحَّ وُضُوءُهُ فَيُصَلِّي بِهِ إذَا أَسْلَمَ وَوَافَقَنَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا الْكِتَابِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ فَإِذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَوْ نفاسها لم يحل له الوطئ حتي تغتسل فإذا اغتسلت حل الوطئ لِلضَّرُورَةِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَإِذَا أَسْلَمَتْ هَلْ يَلْزَمُهَا إعَادَةُ ذَلِكَ الْغُسْلِ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وُجُوبُهَا: مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْفُورَانِيُّ والمتولي وصاحب العدة والروياني والرافعي وغيهم وَصَحَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَدَمَ الْوُجُوبِ قَالَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ نَصَّ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ فَأَدَّاهَا ثُمَّ أَسْلَمَ
لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ قَالَ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ يَتَعَلَّقُ مَصْرِفُهَا بِالْآدَمِيِّ فَتُشْبِهُ الدُّيُونَ بِخِلَافِ الْغُسْلِ قال المتولي ولا يحل للزوج الوطئ إلَّا إذَا اغْتَسَلَتْ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الِاسْتِمْتَاعِ كَمَا لَوْ ظَاهَرَ كَافِرٌ
[ ١ / ٣٣٠ ]
وَأَرَادَ الْإِعْتَاقَ لَا يُجْزِيهِ إلَّا بِنِيَّةِ الْعِتْقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَإِذَا لَمْ يَنْوِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا والثاني يحل الوطئ بِغُسْلِهَا بِلَا نِيَّةٍ لِلضَّرُورَةِ قَالَ وَهَذَا أَقْيَسُ وإذا اغتسلت ثم أسلمت هل لزوجها الوطئ بِهَذَا الْغُسْلِ قَالَ الْمُتَوَلِّي هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ في وجوب اعادة الغسل ان أوجبناها لم يحل الوطئ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَإِلَّا فَيَحِلُّ وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي الْقَطْعُ بِعَدَمِ الْحِلِّ قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِزَوَالِ الضَّرُورَةِ وَلَوْ امْتَنَعَتْ زَوْجَتُهُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ غُسْلِ الْحَيْضِ فَأَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى بَدَنِهَا قَهْرًا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا قَطَعَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَلْ يَلْزَمُهَا إعَادَةُ هَذَا الْغُسْلِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فيه الوجهان فِي الذِّمِّيَّةِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ لِأَنَّهَا تَرَكَتْ النِّيَّةَ وَهِيَ مِنْ أَهْلِهَا وَجَزَمَ الْغَزَالِيُّ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ الْإِمَامُ بِاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الزَّوْجِ بِغُسْلِهِ إيَّاهَا الِاسْتِبَاحَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي غُسْلِهِ الْمَجْنُونَةَ: وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا فَلَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا حتى يغسلها فإذا غسلها حل الوطئ لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ فِي حَقِّهَا وَإِذَا غَسَلَهَا الزَّوْجُ هل يشترط لحل الوطئ أن ينوى بغسله استباحة الوطئ فِيهِ وَجْهَانِ (١) حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ وَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بِعَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَالَ بِخِلَافِ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ نِيَّةُ الْغُسْلِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ غُسْلَهُ تَعَبُّدٌ وَغُسْلَ الْمَجْنُونَةِ لِحَقِّ الزَّوْجِ فَإِذَا أَفَاقَتْ لَزِمَهَا إعَادَةُ الْغُسْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَيْنِ كَالذِّمِّيَّةِ إذَا أَسْلَمَتْ قَالَ وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي حِلِّ وَطْئِهَا لِلزَّوْجِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحَدَثِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوُضُوءُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ فَلَوْ تَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فَهَلْ يُجْزِيهِ ذَلِكَ الْوُضُوءُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَصَحُّهُمَا لَا يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ تَوَضَّأَ مُتَرَدِّدًا فِي النِّيَّةِ إذ ليس هو جاز ما بِالْحَدَثِ وَالتَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ مَانِعٌ مِنْ الصِّحَّةِ فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ وَقَوْلُنَا فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْخَمْسَ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ فِي النِّيَّةِ وَلَكِنْ يُعْفَى عَنْ
تَرَدُّدِهِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي يُجْزِيهِ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا صَادَفَتْ الْحَدَثَ فَرَفَعَتْهُ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ صَلَاةُ الظُّهْرِ أَمْ لَا فَقَضَاهَا عَلَى الشَّكِّ ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ قَطْعًا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مُحْدِثًا فَشَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَمْ لَا فَتَوَضَّأَ شَاكًّا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فَإِنَّهُ يصح وضوءه بلا خلاف لان
_________________
(١) نقل؟؟ الاتفاق على ان النية لا تشترط فقال ولم ينص احد من ائمتنا على وجوبها بل لم يتعرضوا بنفي ولا اثبات ويكفي في استحلالها ايصال الماء إلى بدنها قال فإذا افاقت فهل تعيده فيه خلاف كالذمية إذا اسلمت ويبعد عندي هنا وجوب الاعادة بخلاف الذمية اه اذرعي
[ ١ / ٣٣١ ]
الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةُ وَاقِعَةٌ بِسَبَبِ الْحَدَثِ وَقَدْ صَادَفَتْهُ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلَوْ تَوَضَّأَ وَنَوَى إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ عَنْ فَرْضِ طَهَارَتِهِ وَإِلَّا فَهُوَ تَجْدِيدٌ صَحَّ وُضُوءُهُ عَنْ الْفَرْضِ حَتَّى لَوْ زَالَ شَكُّهُ وَتَيَقَّنَ الْحَدَثَ لَا يَجِبُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَبَنَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْوُضُوءِ لِمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ: فَإِنْ قِيلَ قَوْلُكُمْ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ بِمَنْعِ وُقُوعِ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبًّا وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ يُحْدِثُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُجُوبًا وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ: فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ قَالَ لَا نَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِ الْحَدَثِ وَإِنَّمَا نَقُولُ لَا يَرْتَفِعُ عَلَى تَقْدِيرِ انْكِشَافِ الْحَالِ وَيَكُونُ وُضُوءُهُ هَذَا رَافِعًا لِلْحَدَثِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي نَفْسِ الامر ولم يظهر لنا للضرور فَإِذَا انْكَشَفَ الْحَالُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ فَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ بِنِيَّةٍ جَازِمَةٍ قَالَ وَهَذَا كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ (١) فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْخَمْسَ وَيُجْزِيهِ بِنِيَّةٍ لَا يُجْزِي مِثْلُهَا حَالَ الِانْكِشَافِ (قُلْت) وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ فَصَلَّى الْخَمْسَ ثُمَّ عَلِمَ الْمَنْسِيَّةَ فَلَمْ أَرَ فِيهِ كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْطَعَ بِأَنَّهُ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّا أَوْجَبْنَاهَا عَلَيْهِ وَفَعَلَهَا بِنِيَّةِ الْوَاجِبِ وَلَا نُوجِبهَا ثَانِيًا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) إذَا تَوَضَّأَ ثَلَاثًا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ فَتَرَك لُمْعَةً عَنْ وَجْهِهِ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى نَاسِيًا فَانْغَسَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ وَهُوَ يَقْصِدُ بِهَا التَّنَفُّلَ فَهَلْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ فِي تِلْكَ اللُّمْعَةِ بِهَذَا أَمْ يَجِبُ إعَادَةُ غَسْلِهَا فِيهِ وَجْهَانِ وَكَذَا الْجُنُبُ إذَا تَرَكَ لُمْعَةً مِنْ بَدَنِهِ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى نَاسِيًا فَانْغَسَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ وَكَذَا لَوْ أَغْفَلَ لُمْعَةً في وضوءه فَانْغَسَلَتْ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ حَيْثُ يُشْرَعُ التَّجْدِيدُ فَفِي ارْتِفَاعِ حَدَثِ اللُّمْعَةِ الْوَجْهَانِ وَهُمَا مَشْهُورَانِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ الْفُرُوعِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُ اللُّمْعَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقَالَ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْأَصَحُّ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ بِالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الِارْتِفَاعِ فِي مَسْأَلَةِ التَّجْدِيدِ لِأَنَّ الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثَ طَهَارَةٌ وَاحِدَةٌ وَمُقْتَضَى نِيَّتِهِ الْأُولَى أَنْ تَحْصُلَ الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ كَمَالِ الْأُولَى فَمَا لَمْ تَتِمَّ الْأُولَى لَا يَقَعُ عَنْ الثَّانِيَةِ وَتَوَهُّمُهُ الْغَسْلَ عَنْ الثَّانِيَةِ لَا يَمْنَعُ الْوُقُوعَ عَنْ الْأُولَى كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَسَجَدَ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ بِهَا الْأُولَى وَإِنْ كَانَ يَتَوَهَّمُ خِلَافَ ذَلِكَ وَأَمَّا التَّجْدِيدُ فطهارة مستقلة مفردة
_________________
(١) قال ابن الرفعة في المطلب وفي هذا المثال نظر لانا نقول المذهب فيمن نسي صلاة من الخمس ان يقضي الخمس اعتمادا على ان الاصل في كل صلاة منها انه لم يأتي بها وهي ثابتة في ذمته وعلى هذا لو انكشف الحال لم يعدها فيما نظن لان نيته لها اعتمدت اولا بخلاف ما نحن فيه ولا جرم جزم الامام في كتاب الصيام بانه لا يصح وضوءه بناء على استصحاب الحال في الطهارة ولكنه قال قياس مذهب المزني في نظير المسألة من الصوم الصحة هنا وهو ما اورده ابن الصباغ في تجديد الطهارة إذ قال انه يرفع الحدث ان صادفه والا كان تجديدا اه اذرعي
[ ١ / ٣٣٢ ]
بِنِيَّةٍ لَمْ تُوَجَّهْ إلَى رَفْعِ الْحَدَثِ أَصْلًا هَذَا كُلُّهُ إذَا غَسَلَ اللُّمْعَةَ مُعْتَقِدًا بِهَا التَّنَفُّلَ بِالثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الغسل فاما لو نسى اللمعة وضوءه أَوْ غُسْلِهِ ثُمَّ نَسِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ فَأَعَادَ الْوُضُوءَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَالْغُسْلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ فَانْغَسَلَتْ تِلْكَ اللُّمْعَةُ ثُمَّ تَذَكَّرَ الْحَالَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ وَجَنَابَتُهُ بِلَا خِلَافٍ (١) لِأَنَّ الْفَرْضَ بَاقٍ فِي اللُّمْعَةِ وَقَدْ نَوَى الْفَرْضَ فِي الطَّهَارَةِ الثَّانِيَةِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْحَدَّادِ فِي فُرُوعِهِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي
وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ وَنَقَلَ الْفُورَانِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) نِيَّةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ صَحِيحَةٌ وَطَهَارَتُهُ كَامِلَةٌ فَلَوْ تَطَهَّرَ ثُمَّ بَلَغَ عَلَى تِلْكَ الطَّهَارَةِ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا وَكَذَا لَوْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجٍ أَوْ لَاطَ بِهِ إنْسَانٌ وَاغْتَسَلَ الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْغُسْلِ بَلْ وَقَعَ غُسْلُهُ صَحِيحًا مُجْزِيًا وَالصَّبِيَّةُ إذَا جُومِعَتْ كَالصَّبِيِّ فَلَوْ لَمْ يَغْتَسِلَا حَتَّى بَلَغَا لَزِمَهُمَا الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ طَهَارَةَ الصَّبِيِّ نَاقِصَةٌ فَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ إذَا بَلَغَ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مَا قَدَّمْتُهُ وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْحَاوِي بِأَنَّهُ يُجْزِيهِ طَهَارَتُهُ فِي الصِّبَا وَيُصَلِّي بِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ بِلَا خِلَافٍ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا إذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ بَلَغَ فَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ يُصَلِّي بِهِ النَّفَلَ وَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْبَغَوِيُّ لَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ على أصح الوجهين فيلى بِهِ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ لِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ صَلَاةَ الْوَقْتِ ثُمَّ بَلَغَ وَالْوَقْتُ بَاقٍ اجزأته ذكر الْبَغَوِيّ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ لَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِيهِ وَجْهَانِ وَاَللَّهُ اعلم
*
_________________
(١) قال في البحر وهذا عندي إذا كان ذاكرا للنية وقت غسل تلك اللمعة اه اذرعي
[ ١ / ٣٣٣ ]
(السَّابِعَةُ) هَلْ يُشْتَرَطُ الْإِضَافَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا أَصَحُّهُمَا لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّ عِبَادَةَ الْمُسْلِمِ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ الْقَطْعُ بِأَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (الثَّامِنَةُ) هَلْ تَجِبُ النِّيَّةُ عَلَى غَاسِل الْمَيِّتِ وَتُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ غُسْلِهِ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَذَكَرَهُمَا جَمَاعَةٌ هُنَا وَاخْتُلِفَ فِي الْأَصَحِّ مِنْهُمَا وَسَنُوَضِّحُهُ فِي الْجَنَائِزِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: (التَّاسِعَةُ) إذَا كان على عضو من أعضاء المتوضي أَوْ الْمُغْتَسِلِ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ فَغَسْلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَوْ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَحْدَهُ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ عَنْ النَّجَاسَةِ بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ يَطْهُرُ عَنْ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَصَحُّهُمَا يَطْهُرُ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الِانْتِخَابِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الطَّهَارَتَيْنِ وَاحِدٌ فَكَفَاهَا غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهَا غُسْلُ جَنَابَةٍ وغسل حيض: وَالثَّانِي لَا يَطْهُرُ
وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُعْتَمَدِ وَالرَّافِعِيُّ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَوَانِي وَالْمُتَوَلِّي فِي الْمِيَاهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَلَوْ كَانَ عَلَى يَدِهِ عَجِينٌ أَوْ طِينٌ ونحوهما فغلسهما بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ لَا يُجْزِيهِ وَإِذَا جَرَى الْمَاءُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يُحْسَبُ عَنْ الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْعَاشِرَةُ) إذَا نَوَى رَفْعَ حَدَثِ الْبَوْلِ وَلَمْ يَكُنْ حَدَثُهُ الْبَوْلَ بَلْ النَّوْمَ مَثَلًا فَإِنْ كَانَ غَالِطًا بِأَنْ ظَنَّ حَدَثَهُ الْبَوْلَ صَحَّ وُضُوءُهُ بِلَا خِلَافٍ (١) وَقَدْ أَشَارَ الْمُزَنِيّ ﵀ إلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ مُخْتَصَرِهِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مَنَعَ صِحَّةَ وُضُوءِ هَذَا الغالط وذكر
_________________
(١) ١) تقدم في أول الباب على الحاشية حكاية خلاف في هذه الصورة وممن حكاه الامام في باب سنن الوضوء والقاضي حسين في باب التيمم والفوراني والشاشي والله اعلم اه اذرعي
[ ١ / ٣٣٤ ]
إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا فِي بَابِ النِّيَّةِ أَنَّ الْمُزَنِيَّ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ وفيه عندي أدنى نظر: وان كان متعمدا عَالِمًا بِأَنَّ حَدَثَهُ النَّوْمُ فَنَوَى الْبَوْلَ أَوْ غَيْرَهُ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَصِحُّ وَيُلْغَى تَعْيِينُهُ الْحَدَثَ وَأَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ نَوَى مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَتَرَك مَا هُوَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِخِلَافِ الْغَالِطِ فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ نِيَّتَهُ رَافِعَةٌ لَحَدَثِهِ مُبِيحَةٌ لِلصَّلَاةِ وَكَأَنَّهُ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ
* (فَرْعٌ)
فِي وُقُوعِ الْغَلَطِ فِي النِّيَّةِ أَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى جُمْلَةً مُخْتَصَرَةً وَهِيَ مُقَرَّرَةٌ بِأَدِلَّتِهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَالْمَقْصُودُ جَمْعُهَا فِي مَوْضِعٍ وَهَذَا أَلْيَقُ الْمَوَاضِعِ بِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا غَلِطَ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ فَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ النَّوْمِ وَكَانَ حَدَثُهُ غَيْرَهُ صَحَّ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الاصح كما أو ضحناه وَكَذَا حُكْمُ الْجُنُبِ يَنْوِي رَفْعَ جَنَابَةِ الْجِمَاعِ وَجَنَابَتُهُ بِاحْتِلَامٍ وَعَكْسَهُ وَالْمَرْأَةُ تَنْوِي الْجَنَابَةَ وَحَدَثُهَا الْحَيْضُ وَعَكْسُهُ فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ: وَلَوْ نَوَى التيمم اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ بِسَبَبِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَكَانَ جُنُبًا أَوْ الْجَنَابَةِ فَكَانَ مُحْدِثًا صَحَّ بِالِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ غَالِطًا وَسَلَّمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ احْتِمَالَهُ السابق
لا يحئ هُنَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ غَلِطَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَنَوَى غَيْرَ الَّذِي عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا إذَا نَوَى قَضَاءَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ مَثَلًا وَكَانَ عَلَيْهِ الثَّانِي فَفِي إجْزَائِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ لَكِنَّهُ ذَكَرَهُمَا احْتِمَالَيْنِ وَهُمَا وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ: وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ صَوْمَ الْغَدِ وَهُوَ يَعْتَقِدُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَوْ نَوَى رَمَضَانَ السَّنَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَهُوَ يَعْتَقِدُهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ فَكَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ صَحَّ صَوْمُهُ بِلَا خِلَافٍ لِتَعْيِينِهِ الْوَقْتَ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى صَوْمَ الِاثْنَيْنِ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ وَلَمْ يَنْوِ الْغَدَ أَوْ نَوَى رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ: وَلَوْ نَوَى فِي الصَّلَاةِ قَضَاءَ ظُهْرِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَكَانَ عَلَيْهِ ظُهْرُ الثُّلَاثَاءِ لَمْ يُجْزِهِ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ: وَلَوْ كَانَ يُؤَدِّي الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَكَانَ الثُّلَاثَاءَ صَحَّ ظُهْرُهُ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ: وَلَوْ غَلِطَ فِي الْأَذَانِ وَظَنَّ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَكَانَتْ الْعَصْرُ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نَقْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ
[ ١ / ٣٣٥ ]
الْإِعْلَامُ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَقَدْ حَصَلَ بِهِ: وَلَوْ غَلِطَ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَنَوَى الظُّهْرَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ أَوْ خَمْسًا قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَصِحَّ ظُهْرُهُ وَلَوْ صَلَّى فِي الْغَيْمِ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ ظَانًّا أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ أَوْ الْأَسِيرُ صَامَ بِالِاجْتِهَادِ وَنَوَى رَمَضَانَ فَبَانَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ عَيَّنَ الْإِمَامُ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ فَنَوَى الصَّلَاةَ بِزَيْدٍ فَكَانَ الَّذِي خَلْفَهُ عَمْرًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا: وَلَوْ نَوَى الْمَأْمُومُ الصَّلَاةَ خَلْفَ زَيْدٍ فَكَانَ عَمْرًا أَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ زَيْدٍ فَكَانَ عَمْرًا أَوْ عَلَى امْرَأَةٍ فَكَانَ رَجُلًا أَوْ عَكْسُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَوْ قَالَ خَلْفَ هَذَا زَيْدٍ أَوْ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ زَيْدٍ فَكَانَ عَمْرًا فَفِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَجْهَانِ وَمِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا الْفَرَسَ فَكَانَ بَغْلًا أَوْ عَكْسَهُ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ فِي مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ الصِّحَّةُ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ الْبُطْلَانُ تَغْلِيبًا للعبارة لا ختلاف غَرَضُ الْمَالِيَّةِ وَمِثْلُهُ فِي النِّكَاحِ لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكَ هَذِهِ الْعَرَبِيَّةَ فَكَانَتْ عَجَمِيَّةً أَوْ عَكْسُهُ أَوْ هَذِهِ الْعَجُوزَ فَكَانَتْ شَابَّةً أَوْ عَكْسُهُ أَوْ الْبَيْضَاءَ فَكَانَتْ سَوْدَاءَ أَوْ عَكْسُهُ وَكَذَا الْمُخَالَفَةُ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ النَّسَبِ وَالصِّفَاتِ بِالْعُلُوِّ وَالنُّزُولِ فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ الْأَصَحُّ الصحة: ولو اخرج دراهم بنية زكاة ما له الْغَائِبِ فَكَانَ تَالِفًا لَا يُجْزِيهِ عَنْ الْحَاضِرِ وَلَوْ أَطْلَقَ نِيَّةَ
الزَّكَاةِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْحَاضِرِ وَمِثْلُهُ فِي الْكَفَّارَةِ: وَلَوْ نَوَى كَفَّارَةَ الظِّهَارِ فَكَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ قَتْلٍ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ نَوَى الْكَفَّارَةَ مُطْلَقًا أَجْزَأَهُ فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ يُسْتَضَاءُ بِهَا لِنَظَائِرِهَا وَسَتَأْتِي مَبْسُوطَةً مَعَ غَيْرِهَا فِي مَظَانِّهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (المسألة الحادية عشر) إذَا نَوَى قَطْعَ الطَّهَارَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ كَمَا لَوْ نَوَى قَطْعَ الصَّلَاةِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالْإِجْمَاعِ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهَذَا ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّ طَهَارَتَهُ تَبْطُلُ لِأَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُصَلِّي بِهَا وَإِنْ نَوَى قَطْعَ الطَّهَارَةِ فِي أَثْنَائِهَا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْبَحْرِ وَآخَرُونَ أَحَدُهُمَا تَبْطُلُ كَمَا لَوْ قَطَعَ الصلاة في
[ ١ / ٣٣٦ ]
أَثْنَائِهَا وَأَصَحُّهُمَا لَا يَبْطُلُ مَا مَضَى وَبِهِ قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ كَمَا لَوْ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ وَنَوَى التَّبَرُّدَ فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ فَإِنَّ النِّيَّةَ تَنْقَطِعُ وَلَا يَبْطُلُ مَا مَضَى بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مَتَى انْقَطَعَتْ نِيَّتُهَا بَطَلَتْ كُلُّهَا فَعَلَى هَذَا إذَا أَرَادَ تَمَامَ الطَّهَارَةِ وَجَبَ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ فَإِنْ لَمْ يَتَطَاوَلْ الْفَصْلُ بنى ويجئ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِي تَفْرِيقِ النِّيَّةِ وَإِنْ طَالَ فَعَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ: أَمَّا إذَا قَطَعَ نِيَّةَ الْحَجِّ وَنَوَى الْخُرُوجَ مِنْهُ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَخْرُجُ بِلَا خِلَافٍ: وَلَوْ نَوَى فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الْخُرُوجَ مِنْهَا بَطَلَتْ قَطْعًا وَلَوْ نَوَى فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ الْخُرُوجَ مِنْهُمَا فَفِي بُطْلَانِهِمَا وَجْهَانِ وَسَنُوَضِّحُ كل ذلك في مواضعه ان شاء تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ غَرِيبَةٍ ذَكَرَهَا الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ قَالَ لَوْ نَوَى أن يصلي بوضوءه صلاة لا يدركها به بان نوى بوضوءه فِي رَجَبٍ صَلَاةَ الْعِيدِ قَالَ قَالَ وَالِدِي قياس المذهب صحة وضوءة وَيُصَلِّي بِهِ كُلَّ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِوُضُوءٍ قَالَ قَالَ جَدِّي وَلَوْ أَجْنَبَتْ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ فَنَوَتْ بِغُسْلِهَا رَفْعَ حَدَثِ الْحَيْضِ صَحَّ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا غَلِطَتْ فَإِنْ نَوَتْ مُتَعَمِّدَةً فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَوْ كَانَتْ مِمَّنْ حَاضَتْ فَهَذِهِ أَوْلَى وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِي آخِرِ بَابِ التَّحَرِّي فِي الْأَوَانِي قَالَ لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِصَبِّ الْمَاءِ عليه في وضوءه وَغُسْلِهِ فَصَبَّ الْبَعْضَ وَنَوَى الْمُتَطَهِّرُ ثُمَّ صَبَّ الْبَاقِيَ فِي حَالٍ كَرِهَ الْمُتَطَهِّرِ فِيهَا الصَّبَّ
لِبُرُودَةِ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ الطَّهَارَةُ: وَلَوْ نَوَى الطَّهَارَةَ وَغُسْلَ الْبَعْضَ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهُوَ غَافِلٌ لَا يَعْلَمُ بِهِ وَنِيَّةُ الطَّهَارَةِ عَازِبَةٌ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ النِّيَّةَ تَنَاوَلَتْ فِعْلَهُ لَا فِعْلَ غَيْرِهِ: (قُلْت) فِي هَذَا نَظَرٌ قَالَ وَلَوْ أَمَرَ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وُضُوئِهِ ثُمَّ نَسِيَ الْأَمْرَ بِهِ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِنَفْسِهِ صَحَّ وَلَا يَضُرُّهُ النِّسْيَانُ وَلَوْ نَامَ قَاعِدًا فِي أَثْنَاءِ وضوءه
_________________
(١) وقال في البحر هنا لو نوى رفع حدث يوجد بعد وضوئه لم يصح وقال جدي الامام ﵀ بجوز وهو ظاهر النص لانه قال لو توضأ من ريح ثم علم ان حدثه بول صح وضوءه قال صاحب البحر وهذا لا يصح عندي لان في هذا النص نوى رفع الحدث في الحال بخلاف ذلك اه اذرعي
[ ١ / ٣٣٧ ]
ثُمَّ انْتَبَهَ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ فَفِي وُجُوبِ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ وَجْهَانِ كَمَا لَوْ فَرَّقَ تَفْرِيقًا كثيرا ولو نوى بوضوءه قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ إنْ كَانَتْ كَافِيَةً فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً فَالصَّلَاةُ وَقُلْنَا لَا تَكْفِي نِيَّةُ الْقِرَاءَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ نَوَى زكاة ما له الْغَائِبِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَعَنْ الْحَاضِرِ فيجزيه إذا كان باقيا: ولو نوى بوضوءه الصَّلَاةَ فِي مَكَان نَجِسٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ (١) وَلَوْ نَوَى نِيَّةً صَحِيحَةً وَغَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ ثُمَّ بَطَلَ الْوُضُوءُ فِي أَثْنَائِهِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ هَلْ لَهُ ثَوَابُ الْمَفْعُولِ مِنْهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُهُ كَالصَّلَاةِ إذَا بَطَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنْ بَطَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَهُ ثَوَابُهُ وَإِلَّا فَلَا وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا ثَوَابَ لَهُ بِحَالٍ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ: وَلَهُ الْحَمْدُ وَالنِّعْمَةُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ والعصمة: والحمد لله رب العالمين * قال المصنف ﵀
* باب (صفة الوضوء) (المستحب ان لا يستعين في وضوءه بغيره لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ انا لا نستعين على الوضوء بأحد فان استعان بغيره جاز لما رى أن أسامة والمغيرة والربيع بنت معوذ ابن عفراء ﵃ صبوا على النبي ﷺ الماء فتوضأ وان أمر غيره حتي
وضأه ونوى هو أجزأه لان فعله غير مستحق في الطهارة ألا ترى أنه لو وقف تحت ميزاب فجرى الماء عليه ونوى الطهارة أجزاه) (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْقِطْعَةُ تَتَضَمَّنُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا فِي بيان الاحاديث أما حديث أسلمة ﵁ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْهُ أَنَّهُ صَبَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي وضوءه
_________________
(١) ويحتمل ان يصح؟؟ التعرض للمكان النجس اه اذرعي
[ ١ / ٣٣٨ ]
فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ دَفْعِهِ مِنْ عَرَفَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُزْدَلِفَةِ: وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ فَصَبَّ عليه ﷺ في وضوءه ذات ليلة في غزاة تَبُوكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَأَمَّا حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ بنت معوذ فرواه ابن ماجه باسناد عَنْهَا قَالَتْ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ بِمِيضَأَةٍ فَقَالَ اُسْكُبِي فَسَكَبْتُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَهُ وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا (١)
* فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الله بن محمد ابن عَقِيلٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَاحْتَجَّ بِهِ الاكثرون حسن التِّرْمِذِيُّ أَحَادِيثَ مِنْ رِوَايَتِهِ فَحَدِيثُهُ هَذَا حَسَنٌ: وعن حذيفة ابن أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ قَالَ صَبَبْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي الْوُضُوءِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي تَرْجَمَةِ حُذَيْفَةَ وَأَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ حُذَيْفَةُ سَمَاعًا: وَأَمَّا حَدِيثُ إنَّا لَا نَسْتَعِينُ عَلَى الوضوء بأحد فباطل لا أصل له ويعنى عَنْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِغَيْرِ اسْتِعَانَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي الْأَسْمَاءِ أَمَّا أُسَامَةُ فَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَيُقَالُ أَبُو زَيْدٍ وَيُقَالُ أَبُو حَارِثَةَ وَيُقَالُ أَبُو يَزِيدَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنُ مَوْلَاهُ وَحِبُّهُ وَابْنُ حِبِّهِ أُمُّهُ أُمُّ أَيْمَنَ وَاسْمُهَا بَرَكَةُ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ بالمدينة وقيل
_________________
(١) في هذا الحدث ان المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء لان ظاهره البداءة بغسل الوجه وهو مذهبنا اه اذرعي
[ ١ / ٣٣٩ ]
بوادي القرى سنة أربع خمسين وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وَقِيلَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ ثَمَانِ عَشْرَةَ: وَأَمَّا الْمُغِيرَةُ فَهُوَ أَبُو عِيسَى وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَيُقَالُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ تُوُفِّيَ وَالِيًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي الطَّاعُونِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَهُوَ الْمُغِيرَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا حَكَاهُمَا ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ الضَّمُّ أَشْهَرُ
* وَأَمَّا الرُّبَيِّعُ فَبِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْيَاءِ وَمُعَوِّذٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَعَفْرَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَبِالْمَدِّ وَهِيَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيَّةُ مِنْ الْمُبَايِعَاتِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ (الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ تَحْتَ مِئْزَابٍ هُوَ بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ وَجَمْعُهُ مَآزِيبُ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مِيزَابٌ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَدَلَ الْهَمْزَةِ كَمَا عُرِفَ فِي نَظَائِرِهِ وَأَنْكَرَ ابْنُ السِّكِّيتِ تَرْكَ الْهَمْزِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ يَقُولُ أَصْلُهُ الْيَاءُ فَأَمَّا إنْكَارُ النُّطْقِ بِالْيَاءِ فَغَلَطٌ لَا شَكَّ فيه وهذه قاعدة معروفة لا هل التَّصْرِيفِ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وَلَا تَقُلْ مِزْرَابٌ (١) يَعْنِي بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ وَأَمَّا مِرْزَابٌ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ فَهِيَ لُغَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَلَيْسَتْ بِالْفَصِيحَةِ
* (الرَّابِعَةُ): فِي الْأَحْكَامِ فان استعان بغيره في احضار الماء لوضؤه فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَوَاطِنَ كثيرة وان
_________________
(١) تقديم الزاي لغة حكاها ابن مالك ﵀ اه اذرعي
[ ١ / ٣٤٠ ]
استعان بغيره فغسل له أعضاء صح وضؤه لَكِنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا لِعُذْرٍ وَإِنْ اسْتَعَانَ بِهِ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا بَأْسَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا يُكْرَهُ وَالثَّانِي لَا يُكْرَهُ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَهَذَا أَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَكْثَرِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا وإذا اسْتَعَانَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقِفَ الصَّابُّ عَلَى يَسَارِ الْمُتَوَضِّئِ وَنَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَأَعْوَنُ وَأَحْسَنُ فِي الْأَدَبِ قَالُوا وَإِذَا تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءٍ وَلَمْ يُصَبَّ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ يَغْتَرِفُ مِنْهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ يَصُبُّ مِنْهُ كَالْإِبْرِيقِ جَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ وَأَخَذَ الْمَاءَ مِنْهُ
فِي يَمِينِهِ وَاسْتَثْنَى أبو الفرج السر خسي في لا مالى صورة فقال إذا فرغا مِنْ غَسْلِ وَجْهِهِ وَيَمِينِهِ حَوَّلَ الْإِنَاءَ إلَى يَمِينِهِ وَصَبَّ عَلَى يَسَارِهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ وضؤه قَالَ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي غَسْلِ الْيَدِ أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى كَفِّهِ فَيَغْسِلَهَا ثُمَّ يَغْسِلَ سَاعِدَهُ وَذِرَاعَهُ ثُمَّ مِرْفَقَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ هَذَا التَّحْوِيلَ وَمَا بَعْدَهُ (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا وَضَّأَهُ غَيْرُهُ صَحَّ وَسَوَاءٌ كَانَ الموضئ ممن يصح وضؤه أَمْ لَا كَمَجْنُونٍ وَحَائِضٍ وَكَافِرٍ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى نِيَّةِ الْمُتَوَضِّئِ لَا عَلَى فِعْلِ الموضئ كمسألة الميزاب ولا تعلم فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ عَنْ دَاوُد الظاهرى أنه قال لا يصح وضؤه إذَا وَضَّأَهُ غَيْرُهُ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ وَقَفَ تَحْتَ مِيزَابٍ وَنَوَى صَحَّ وُضُوءُهُ وغسله
*
_________________
(١) وهو ما اورده الماوردي عن النص ورأيت في الرونق للشيخ ابي حامد والمحاملي ذكره في الباب انه يقف عن يمينه وهو غريب اه الاذرعي
[ ١ / ٣٤١ ]
(فَرْعٌ)
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ لَوْ أُلْقِيَ إنْسَانٌ فِي مَاءٍ مُكْرَهًا فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو على أطلق الاصحاب صحة وضوءه إذا نوى رفع الحدث قال ولكن لابد فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ فَإِذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَهُوَ يُرِيدُ الْمُقَامَ فِيهِ وَلَوْ لَحْظَةً صَحَّ لِأَنَّهُ فِعْلٌ يُتَصَوَّرُ قَصْدُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ كَرِهَ الْمُقَامَ وَتَحَقَّقَ الِاضْطِرَارُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لم يصح وضوءه إذا لَا تَتَحَقَّقُ النِّيَّةُ قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ قَدْ يَكُونُ مُرَادًا مِنْ وَجْهٍ مَكْرُوهًا مِنْ وَجْهٍ فَارْتَبَطَتْ النِّيَّةُ بِهِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* (ويستحب أن يسمى الله تعالي على الوضوء لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ من توضأ وذكر اسم الله تعالى عليه كان طهورا لجميع بدنه فان نسى التسمية في أولها وذكرها في اثنائها أتي بها حتى لا يخلو الوضوء من اسم الله ﷿ وان تركها عمدا اجزأه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ من توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لما مر عليه الماء
[ ١ / ٣٤٢ ]
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ هُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَرَّقَهُ فِرْقَتَيْنِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الثَّانِي وَمَنْ تَوَضَّأَ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وُجُوهَ ضَعْفِهِ وَصَحَّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِيمَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ لَا أَعْلَمُ فِي التَّسْمِيَةِ حَدِيثًا ثَابِتًا وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بن سعد
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَأَنَسٍ وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ ثُمَّ قَالَ أَصَحُّ مَا فِي التَّسْمِيَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ الذى فيه الماء ثم قال توضؤا بِاسْمِ اللَّهِ قَالَ فَرَأَيْت الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بين أصابعه والقوم يتوضؤن حتي توضؤا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ وَكَانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَاحْتَجَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ معرفة السنن الآثار وَضَعَّفَ الْأَحَادِيثَ الْبَاقِيَةَ وَأَمَّا قَوْلُ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ عَلَيْهِ إسْنَادُهُ وَاشْتَبَهَ كَذَا قَالَهُ الْحُفَّاظُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ فِي الْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُهُ وَبَيَانُ طُرُقِهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَمَعْنَى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ لِمَا مَرَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ أَيْ مُطَهِّرًا مِنْ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ: وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالتَّسْمِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْوُضُوءِ وَجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَفْعَالِ حَتَّى عِنْدَ الْجِمَاعِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَآخَرُونَ قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ وَكَذَا عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ وَعَقَدَ الْبُخَارِيُّ فِي ذَلِكَ بَابًا فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الْوِقَاعِ وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْمَلَ التَّسْمِيَةِ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنْ قَالَ
بِاسْمِ اللَّهِ فَقَطْ حَصَّلَ فَضِيلَةَ التَّسْمِيَةِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْحَاوِي وَالْإِقْنَاعِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي كِتَابِهِ الِانْتِخَابِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِهَا وَذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا أَتَى بِهَا فَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَبَوَّبَ لَهَا بَابًا قَالَ فيه فان سهى عَنْهَا سَمَّى مَتَى ذَكَرَ إنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الْوُضُوءَ وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ أَيْضًا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا إشَارَةٌ إلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسَمِّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الطَّهَارَةِ
[ ١ / ٣٤٤ ]
لَمْ يُسَمِّ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا: مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا سَبَقَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ أَتَى بِهَا فَهُوَ مُوَافِقٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَبَقَ وَكَذَا عِبَارَةُ كثير بن وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ يَأْتِ بِهَا فِي الْأَثْنَاءِ وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ بَلْ مَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي أَثْنَائِهَا كَالنَّاسِي كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَغَيْرُهُمَا وَيُسْتَحَبُّ إذَا سَمَّى فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ كَمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا قَوْلُهُ وَذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا فَالضَّمِيرُ فِيهِ يَعُودُ إلَى الطَّهَارَةِ وَالْأَثْنَاءُ تضاعيف الشئ وَخِلَالِهِ وَأَحَدُهَا ثِنْيٌ بِكِسَرِ الثَّاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ (فَرْعٌ)
الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَذَكَرَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِي التَّسْمِيَةِ وَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ وَالسِّوَاكِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كُلَّهَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَالثَّانِي أَنَّهَا سُنَنٌ مُسْتَقِلَّةٌ عِنْدَ الْوُضُوءِ لَا مِنْ سُنَنِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا وَهْمٌ عندي فان هذه السننن من الوضوء ولا يمتنع أن يشرع الشئ في مواضع وليس شرط كون الشئ من الشئ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ فَإِنَّ السُّجُودَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ وَمَشْرُوعٌ فِي غَيْرِهَا لِتِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَهُوَ غَالِطٌ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ التَّسْمِيَةُ وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ هَيْئَةٌ
[ ١ / ٣٤٥ ]
وليس بسنة انما السنة ماكان مِنْ وَظَائِفِ الْوُضُوءِ الرَّاتِبَةِ مَعَهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذِهِ مُخَالَفَةٌ فِي الْعِبَارَةِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ مِنْ كِتَابَيْهِ التَّهْذِيبِ وَالِانْتِخَابِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يقول في أول وضوءه بَعْدَ التَّسْمِيَةِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ غَرِيبٌ لَا نَعْلَمُهُ لِغَيْرِهِ وَلَا أَصْلَ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَا بَأْسَ بِهِ: (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَلَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا صَحَّ وُضُوءُهُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ: وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ وَأَصْحَابُنَا عَنْ إِسْحَاقَ (١) بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ إنْ تَرَكَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ لَمْ تَبْطُلْ طَهَارَتُهُ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ هِيَ وَاجِبَةٌ بِكُلِّ حَالٍ وغن أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُسْتَحَبَّةٍ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّهَا بِدْعَةٌ وَرِوَايَةٌ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَا فَضِيلَةَ فِي فِعْلِهَا وَلَا تَرْكِهَا
* وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهَا بِحَدِيثِ لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَوَجَبَ فِي أَوَّلِهَا نُطْقٌ كَالصَّلَاةِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) وَقَوْلِهِ ﷺ تَوَضَّأْ كَمَا امرك الله واشباه ذلك من
_________________
(١) قال في البحر قال اسحاق واحمد في رواية التسمية واجبة فان تركها عمدا بطل وضوءه وان نسيها أو اعتقد انها غير واجبة لا يبطل وضوءه اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٣٤٦ ]
مِنْ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي بَيَانِ الْوُضُوءِ وَلَيْسَ فيها ايجاب التسمية وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ: وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يَجِبُ فِي آخِرِهَا ذِكْرٌ فَلَا يَجِبُ فِي أَوَّلِهَا كَالطَّوَافِ وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَكَذَا سُجُودُ التِّلَاوَةِ إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ يُشْتَرَطُ السَّلَامُ فِيهِ: وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ مِنْ أَوْجُهٍ أَحْسَنُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ: وَالثَّانِي الْمُرَادُ لَا وُضُوءَ كَامِلٌ: وَالثَّالِثُ جَوَابُ رَبِيعَةُ شَيْخِ مَالِكٍ وَالدَّارِمِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ حَكَاهُ عَنْهُمْ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ النِّيَّةُ
* وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالطَّوَافِ وَالثَّانِي نَقْلِبُهُ عَلَيْهِمْ فَنَقُولُ
عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَلَمْ تَجِبْ التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّلهَا كَالصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀
* (ثُمَّ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا لِأَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا رضى الله تعالى عَنْهُمَا وَصَفَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَسَلَا الْيَدَ ثَلَاثًا) (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عُثْمَانَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ صَحِيحٌ أَيْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَيْضًا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ: وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْكَفَّيْنِ سُنَّةٌ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ وَهُوَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَفِيهِ وَجْهٌ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ: (فَرْعٌ)
ذَكَرَ هُنَا عُثْمَانَ وَعَلِيًّا فَأَمَّا عُثْمَانُ فَهُوَ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَيُقَالُ أبو ليلى عثمان ابن عفان ابن أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَيُقَالُ لَهُ ذَا النُّورَيْنِ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ بِابْنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ رُقَيَّةَ فَمَاتَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ أُمَّ كُلْثُومٍ فَمَاتَتْ أَيْضًا عِنْدَهُ ﵄ قُتِلَ يَوْمَ الجمعة لثمان عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ
[ ١ / ٣٤٧ ]
سَنَةً وَقِيلَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَقِيلَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وصلى عليه جبيربن مُطْعَمٍ وَلِيَ الْخِلَافَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً
* وَأَمَّا عَلِيٌّ فَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَاسْمُ أَبِي طَالِبٍ عَبْدُ مَنَافٍ وَأُمُّ عَلِيٍّ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ هَاشِمِيًّا أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ إلَى الْمَدِينَةِ وَتُوُفِّيَتْ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا
* قُتِلَ عَلِيٌّ ﵁ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لَثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَقِيلَ أَرْبَعٌ وَقِيلَ خَمْسٌ وَلِيَ الْخِلَافَةَ خَمْسَ سِنِينَ إلَّا يَسِيرًا ﵄ ومناقبهما كثيرة مشهورة * قال المصنف ﵀
* (ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ لَمْ يَقُمْ مِنْ النَّوْمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ غَمَسَ يَدَهُ ثُمَّ غَسَلَ وَإِنْ شَاءَ أَفْرَغَ الْمَاءَ عَلَى يَدِهِ ثم غمس فَإِنْ قَامَ مِنْ النَّوْمِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَغْمِسَ يَدَهُ حَتَّى يَغْسِلَهَا لِقَوْلِهِ ﷺ إذ اسْتَيْقَظَ
أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ (١) فَإِنْ خَالَفَ وَغَمَسَ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَلَا يزال اليقين بالشك) (الشَّرْحُ) الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ إلَّا قَوْلَهُ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ فِي مُسْلِمٍ دُونَ الْبُخَارِيِّ وَقَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ سَبَبُهُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ فَإِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ عَرِقَ فَلَا يَأْمَنُ النَّائِمُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى الْمَحَلِّ النَّجِسِ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ قَمْلَةٍ (٢) وَنَحْوِ ذلك فتنجس
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ قَدَحٍ وَشِبْهِهِ مِمَّا يُغْمَسُ الْيَدُ فيه ليس فِيهِ قُلَّتَانِ نُظِرَ فَإِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ يَدِهِ كُرِهَ أَنْ يَغْمِسَهَا فِيهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا لِلْحَدِيثِ وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّكُّ فِي نَجَاسَتِهَا لِلْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ أَوْ لِغَيْرِهِ هَكَذَا عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّكِّ قَالُوا وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّوْمَ فِي الْحَدِيثِ مِثَالًا وَنَبَّهَ ﷺ عَلَى الْمَقْصُودِ بِذِكْرِ الْعِلَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا قَامَ مِنْ النوم (٣) فخلاف
_________________
(١) وقال أبو علي الفارقي في كتابه فوائد المهذب ومن اصحابنا من فرق بين نوم الليل ونوم النهار وليس بشئ اه اذرعي (٢) قوله وقملة فيه تصريح بان من قتل قملة تنجست يده أو وقعت على بثرة وليس الامر كذلك بل لو عصر البثرة عمدا عفى عنه على الصحيح كذا قاله هو اه اذرعي (٣) يحمل على انه ذكره موافقة للحديث ومثالا لا قيد اه اذرعي
[ ١ / ٣٤٨ ]
مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةَ يَدِهِ فوجهان الصحيح منهما انه بالخياران شَاءَ غَسَلَ ثُمَّ غَمَسَ وَإِنْ شَاءَ غَمَسَ ثُمَّ غَسَلَ لِأَنَّ كَرَاهَةَ الْغَمْسِ عِنْدَ الشَّكِّ إنَّمَا كَانَتْ لِلْخَوْفِ مِنْ النَّجَاسَةِ وَقَدْ تَحَقَّقْنَا عَدَمَ النَّجَاسَةِ وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ والبند نيجى وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ
* وَالثَّانِي اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الْغَسْلِ لِأَنَّ أَسْبَابَ النَّجَاسَةِ قَدْ تَخْفَى فِي حَقِّ مُعْظَمِ النَّاسِ فَيَتَوَهَّمُ الطَّهَارَةَ فِي مَوْضِعِ
النَّجَاسَةِ وَرُبَّمَا نَسِيَ النَّجَاسَةَ فَضُبِطَ الْبَابُ لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ الشَّاكُّ وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَلَّطَا مَنْ قَالَ خِلَافَهُ (١) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
أُنْكِرَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْفَصْلِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا تَخْصِيصُ اسْتِحْبَابِ الْغَسْلِ قَبْلَ الْغَمْسِ بِمَا إذَا قَامَ مِنْ نَوْمٍ وَالصَّوَابُ ضَبْطُهُ بِالشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْيَدِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ: وَالثَّانِي قَوْلُهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ لَا يَغْمِسَ حَتَّى يَغْسِلَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كراهة الغمس أو لا وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْغَمْسُ قَبْلَ الْغَسْلِ لِلنَّهْيِ الصَّرِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَكَذَا صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَآخَرُونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَقَالَ فَإِنْ غَمَسَ يَدَهُ قَبْلَ الْغَسْلِ أَوْ بَعْدَ الْغَسْلِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ أَسَاءَ هَذَا نَصَّهُ وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَفِي هَذَا النَّصِّ تَصْرِيحٌ بِالْكَرَاهَةِ حَتَّى يَغْسِلَ ثَلَاثًا وَإِنَّ الْغَسْلَتَيْنِ لَا تَنْفِي الْكَرَاهَةَ لَكِنْ تُخَفِّفُهَا وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا كَرَاهَةَ غَمْسِ الْيَدِ قَبْلَ الْغَسْلِ مَتَى شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْيَدِ سَوَاءٌ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ أَوْ شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا بِسَبَبٍ آخَرَ وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ نَوْمِ اللَّيْلِ وَنَوْمِ النَّهَارِ وَالثَّانِيَةُ إنْ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ كُرِهَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَإِنْ قَامَ مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ فَكَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَبِهَذَا قَالَ دَاوُد
* وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ وَالْمَبِيتُ يَكُونُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ اللَّيْلَ ذُكِرَ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ وَنَبَّهَ ﷺ عَلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ وَأَمَرَ بِذَلِكَ احْتِيَاطًا فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا تَرْكُهُ مُحَرَّمًا كَغَيْرِهِ مِمَّا فِي معناه والله أعلم
*
_________________
(١) نقل في البحر الاول ثم قال وقال في الحاوي هذا ذكره الشيخ أبو حامد والصحيح من الذهب وبه قال جماعة من اصحابنا ان القائم من النوم وغيره سواء في هذا فلا يغمسان الا بعد غسلهما لانهما لما استويا في سنة الغسل وان ورد النص في القائم من النوم استويا في تقديم الغسل على الغمس وهذا لان حكم السنة يثبت مع زوال السبب كما ثبت الزول مع زوال سببه قال الروياني وهذا غريب قلت وقضيته انه يكره غمسها مع يقين طهارتها كما افهمه كلام التنبيه فان الروياني انما ذكره بعد ان استوعب اقسام المسألة والله اعلم اه من هامش اذرعي
[ ١ / ٣٤٩ ]
(فَرْعٌ)
إذَا غَمَسَ يَدَهُ وَهُوَ شَاكٌّ فِي نجاستها قبل غسلها كان مرتكبا كرهة التَّنْزِيهِ وَلَا يَنْجُسُ الْمَاءَ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِهِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ يَنْجُسُ إنْ كَانَ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ وَحَكَى هَذَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ وَدَاوُد وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْمَاءِ وَالْيَدِ فَلَا يَنْجُسُ بِالشَّكِّ وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى هَذَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الظَّاهِرُ مِنْ الْيَدِ النَّجَاسَةُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ (١) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
إذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْيَدِ كُرِهَ غَمْسُهَا فِي الْمَائِعَاتِ كُلِّهَا حَتَّى يَغْسِلَهَا فَإِنْ غَمَسَ قَبْلَ الْغَسْلِ لَمْ تَنْجُسْ وَلَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ أَوْ صَخْرَةٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ صَبُّهُ عَلَى الْيَدِ وَلَيْسَ مَعَهُ إنَاءٌ صَغِيرٌ يَغْتَرِفُ بِهِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِفَمِهِ ثُمَّ يَغْسِلَ بِهِ كَفَّيْهِ أَوْ يَأْخُذَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ النَّظِيفِ أَوْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ
* (فَرْعٌ)
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ إنَّمَا هُوَ فِي كَرَاهَةِ تَقْدِيمِ الْغَمْسِ عَلَى الْغَسْلِ وَأَمَّا أَصْلُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَسُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشافعي ودلائله من الاحاديث الصحيحة مشهورة وَمِمَّنْ نَقَلَ اتِّفَاقَ طُرُقِ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ فِي مُخْتَصَرِهِ لِلنِّهَايَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْكَلَامَ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ تُوهِمُ إثْبَاتَ خِلَافٍ فِيهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ فَيَتَأَوَّلُ كَلَامُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي فَوَائِدِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ إحْدَاهَا أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ نَجَّسَتْهُ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ (الثَّانِيَةُ) الْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ الْمَاءِ وَارِدًا أَوْ مَوْرُودًا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي الْمِيَاهِ (الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْغَسْلَ سَبْعًا مُخْتَصٌّ بِنَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِهِمَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا نَظَرٌ (الرَّابِعَةُ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ ثَلَاثًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَحَقَّقَةً أَوْ متوهمة (الخامسة) أن
_________________
(١) قال في البحر وقال داود هو واجب تعبدا فان لم يفعل وادخل يده في الاناء صار الماء مهجورا ولا ينجس الا الماء لا ينجس عنده ما لم يتغير وحكي اصحاب داود عنه انه قال ان قام من نوم الليل لا يجوز له غمسها في الاناء حتى يغسلها ولا اقول غسل اليد واجب لانه لو صب الماء في يده وتوضأ ولم يغسل يده في الاناء مجاز فان غسل يده في الماء لا يفسد الماء وقال احمد في رواية ان قام من نوم الليل وجب عليه غسل يديه ثلاثا فان غمسها قبل ذلك اراق الماء والله اعلم اه من هامش
[ ١ / ٣٥٠ ]
النَّجَاسَةَ الْمُتَوَهَّمَةَ يُسْتَحَبُّ فِيهَا الْغَسْلُ وَلَا يَكْفِي الرَّشُّ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَيَكْفِي الرَّشُّ وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ بِدَلِيلِهَا فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (السَّادِسَةُ) اسْتِحْبَابُ الِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي إلَى الْوَسْوَسَةِ وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي آخِرِ بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ (السَّابِعَةُ) اسْتِحْبَابُ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْكِنَايَاتِ فِيمَا يُتَحَاشَى مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ وَلَمْ يَقُلْ فَلَعَلَّ يَدَهُ وَقَعَتْ عَلَى دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) وقَوْله تَعَالَى (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) وقوله (وان طلفتموهن من قبل أن تمسوهن) وهذا كله إذا عليم أَنَّ السَّامِعَ يَفْهَمُ الْمَقْصُودَ فَهْمًا جَلِيًّا وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ نَفْيًا لِلَّبْسِ وَالْوُقُوعِ فِي خِلَافِ الْمَطْلُوبِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀
* (ثم يتمضمض ويستنشق والمضمضة أَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَيُدِيرَهُ فِيهِ ثم يمجه والاستنشاق أن يجعل الماء في أنفه ويمده بنفسه إلى خياشيمه ثم يستنثر لما روى عمرو بن عبسة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يقرب وضوءه ثم يتمضمض ثم يستنشق ويستنثر الا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء والمستحب أن يبالغ فيهما لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَقِيطِ بْنِ صبرة أسبغ الوضؤ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ولا يستقصى في المبالغة فيصير سعوطا فان كان صائما لم يبالغ للخبر وهل يجمع بينهما أو يفصل قال في الامام يجمع لان عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
﵁ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد وقال في البويطي يفصل بينهما لما روى طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يفصل بين المضمضة والا ستنشاق ولان الفصل أبلغ في النظافة فكان أولى
[ ١ / ٣٥١ ]
واختلف أصحابنا في كيفية الجمع والفصل فقال بعضهم على قوله في الام يغرف غرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثا ويستنشق منها ثلاثا ويبدأ بالمضمضة وعلى رواية البويطى يغرف غرفة يتمضمض منها ثلاثا ثم يغرف غرفة يستنشق منه ثلاثا وقال بعضهم علي قوله في الام يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق ثم يغرف ثالثة يتمضمض منها ويستنشق فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق وعلى رواية البويطي يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق والاول أشبه بكلام الشافعي ﵀ لانه قال يغرف غرفة لفيه وأنفه والثاني أصح لانه أمكن فان ترك المضمضة والاستنشاق جاز لقوله صلى الله على عليه وسلم للأعرابي توضأ كما أمرك الله وليس فيما أمر الله تعالى المضمضة والاستنشاق ولانه عضو باطن دونه حائل معتاد فلا يجب غسله كالعين)
* (الشَّرْحُ) هَذَا الْفَصْلُ فِيهِ جُمَلٌ وَبَيَانُهَا بِمَسَائِلَ أحداها في الاحاديث أما حديث عمرو ابن عَبَسَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَلَفْظُهُ فِي مُسْلِمٍ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يَقْرَبُ وُضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ مِنْ رِوَايَةِ لَقِيطٍ وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْمُهَذَّبِ لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَآخِرُ الْحَدِيثِ فِي الْمُهَذَّبِ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا يَسْتَقْصِي فِي الْمُبَالَغَةِ إلَى آخِرِهِ فَلَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ المصنف وهو بالواو لا بالفاء وقله يَسْتَقْصِي بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ فِي أَوَّلِهِ لَا بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَإِنَّمَا ضَبَطْته لِأَنَّ الْقَلَعِيَّ وغيره غلطوا فيه فجعلوه بالفاء وجعلوه من الحديث هذا خَطَأٌ فَاحِشٌ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁
فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي
[ ١ / ٣٥٢ ]
سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ جَمَعْت مِنْهَا فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ نَحْوَ أَرْبَعِينَ فَائِدَةً وَاَللَّهُ أعلم
* (المسألة الثانية) في الاسماء: أما عمر وبن عَبَسَةَ فَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَاتٍ وَلَيْسَ فِيهِ نُونٌ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَأَمَّا قول بن الْبَزْرِيِّ فِي أَلْفَاظِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يُقَالُ عَنْبَسَةُ بالنون فغلط صريح وتحريف فبيح وكنيته عَمْرُو أَبُو نَجِيحِ السُّلَمِيُّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ ثُمَّ الْمَدِينَةَ وَكَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَخُو أَبِي ذَرٍّ لِأُمِّهِ سَكَنَ حِمْصَ حَتَّى تُوُفِّيَ بها: واما لقيط ابن صَبِرَةَ فَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَصَبِرَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ وكسر الباء وهو لقيط ابن عامر ابن صَبِرَةَ الْعُقَيْلِيُّ أَبُو رَزِينٍ وَقِيلَ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ غَيْرُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ هُمَا واحد وقد أوضحت حاله فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ: وَأَمَّا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ فَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالنَّسَبِ وَالْأَسْمَاءِ وَقَالَ الْقَلَعِيُّ فِي أَلْفَاظِ الْمُهَذَّبِ يُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْضًا وَهَذَا غَرِيبٌ وَلَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ: وَأَمَّا جَدُّ طَلْحَةَ فاسمه كعب بن عمر وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْأَصَحُّ وَقَالَ إمَامُ الْأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ كَعْبٍ وَقِيلَ إنَّهُ لا صحبا لِجَدِّ طَلْحَةَ ذَكَرَ هَذَا الْخِلَافَ فِي صُحْبَتِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَكَانَ طَلْحَةُ مِنْ أَفَاضِلِ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ وَكَانَ أَقْرَأَ أَهْلِ الْكُوفَةِ أو من اقرأهم ﵀
* (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي اللُّغَاتِ وَالْأَلْفَاظِ: الْخَيَاشِيمُ جَمْعُ خَيْشُومٍ وَهُوَ أَقْصَى الْأَنْفِ وَقِيلَ الْخَيَاشِيمُ عِظَامٌ رِقَاقٌ فِي أَصْلِ الْأَنْفِ بَيْنَهُ وبين الدماغ وقيل غيرهم ذَلِكَ: وَأَمَّا الِاسْتِنْثَارُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فَهُوَ طَرْحُ الماء والاذى من الانف بعد الاستنشاق هذا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ
وَاللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ الِاسْتِنْشَاقُ وَكَذَا حَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَةِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ الذى تقضتيه الْأَحَادِيثُ وَقَدْ أَوْضَحْتهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ
[ ١ / ٣٥٣ ]
وَاللُّغَاتِ وَجَمَعْت أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَمِنْ أَحْسَنِهَا رِوَايَةً فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي صِفَةِ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تمضمض واستنشق استنثر وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ يُقَرِّبُ وضوءه فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يُدْنِيهِ وَالْوَضُوءَ هُنَا بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ إلَّا جَرَتْ كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي الْمُهَذَّبِ جَرَتْ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَكَذَا وُجِدَ بِخَطِّ ابْنِ الزَّعْفَرَانِيِّ تِلْمِيذِ الْمُصَنِّفِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ خَرَّتْ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ سَقَطَتْ وَذَهَبَتْ قَالَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ هُوَ فِي مُسْلِمٍ بِالْخَاءِ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ إلَّا ابْنَ أَبِي جَعْفَرٍ فَرَوَاهُ بِالْجِيمِ وَالْمُرَادُ بِالْخَطَايَا الصَّغَائِرُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا لَمْ يَغْشَ الْكَبَائِرَ وَقَوْلُهُ فِي الْمُهَذَّبِ وَيَنْثِرُ هُوَ بِكَسْرِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ نَثَرَ وَانْتَثَرَ وَاسْتَنْثَرَ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ النَّثْرَةِ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ وَقِيلَ الْأَنْفُ كُلُّهُ وَقَوْلُهُ ﷺ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ أَيْ أَكْمِلْهُ وَقَوْلُهُ فَيَصِيرُ سُعُوطًا هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا فَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِمَا يُسْتَعَطُ بِهِ وبالضم اسم للفعل والغرفة بفتح العين وَضَمِّهَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْفِعْلِ وَفِي الْمَغْرُوفِ وَقِيلَ بِالضَّمِّ لِلْمَغْرُوفِ وَبِالْفَتْحِ لِلْفِعْلِ وَقِيلَ بالضم للمغروف إذا كان ملء الْكَفِّ وَبِالْفَتْحِ لِلْمَغْرُوفِ مُطْلَقًا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَيَحْسُنُ الضَّمُّ فِي قَوْلِهِ يَأْخُذُ غُرْفَةً وَقَوْلُهُ غَرَفَاتٍ يَجُوزُ فِيهِ لُغَاتٌ فَتْحُ الْغَيْنِ وَالرَّاءِ وَضَمُّهُمَا وَضَمُّ الْغَيْنِ مَعَ إسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَقَوْلُهُ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ عُضْوٌ بَاطِنٌ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الظَّاهِرِ وَقَوْلُهُ دُونَهُ حَائِلٌ احْتِرَازٌ مِنْ الثُّقْبِ فِي مَحَلِّ الطَّهَارَةِ وَقَوْلُهُ مُعْتَادٌ احْتِرَازٌ مِنْ لِحْيَةِ الْمَرْأَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[ ١ / ٣٥٤ ]
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) فِي الْأَحْكَامِ فَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا كَمَالُ الْمَضْمَضَةِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَيُدِيرَهُ فِيهِ ثُمَّ يَمُجَّهُ وَأَقَلُّهَا يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْمَجُّ وَهَلْ تُشْتَرَطُ الْإِدَارَةُ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا تُشْتَرَطُ هَذَا مُخْتَصَرُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْمَضْمَضَةُ إدْخَالُ الْمَاءِ مُقَدَّمَ الْفَمِ وَالْمُبَالَغَةُ
فِيهَا إدَارَتُهُ فِي جَمِيعِ الْفَمِ قَالَ وَالِاسْتِنْشَاقُ إدْخَالُ الْمَاءِ مُقَدَّمَ الْأَنْفِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ إيصَالُهُ خَيْشُومَهُ قَالَ وَالْمُبَالَغَةُ سُنَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَيْهِمَا وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ الْمَشْرُوعُ فِيهِمَا إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ قَالَ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا سُنَّةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِشَفَتَيْهِ فَيُدِيرَهُ فِي فَمِهِ ثُمَّ يَمُجَّهُ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِأَنْفِهِ وَيَجْذِبَهُ بِنَفَسِهِ ثُمَّ يَنْثُرَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ تَمَامُ الْمَضْمَضَةِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ فِي الْفَمِ وَيُحَرِّكَهُ ثُمَّ يَمُجَّهُ وَتَمَامُ الِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِنَفَسِهِ وَيَبْلُغَ خَيَاشِيمَهُ وَلَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ فَيَصِيرَ سُعُوطًا وَقَالَ الْمُتَوَلِّي الْمَضْمَضَةُ إدْخَالُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَالِاسْتِنْشَاقُ إدْخَالُهُ الْأَنْفَ قَالَ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا سُنَّةٌ في المبالغة فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يُدْخِلَ الْمَاءَ الْفَمَ وَيُدِيرَهُ عَلَى جَمِيعِ جَوَانِبِ فَمِهِ وَيُوصِلَهُ طَرَفَ حَلْقِهِ وَيُمِرَّهُ عَلَى أَسْنَانِهِ وَلِثَاتِهِ ثُمَّ يَمُجَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ يَجْعَلُ الْمَاءَ فِي أَنْفِهِ وَيَأْخُذُهُ بِالنَّفَسِ حَتَّى يَصِلَ الْخَيَاشِيمَ
[ ١ / ٣٥٥ ]
ثُمَّ يُدْخِلَ أَصَابِعَهُ فَيُزِيلَ مَا فِي أَنْفِهِ مِنْ أَذًى ثُمَّ يَسْتَنْثِرَ كَمَا يَفْعَلُ الْمُمْتَخِطُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ سُنَّةٌ فَإِنْ قِيلَ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَيَمُجَّهُ وَأَنْ يَجْذِبَهُ بِنَفَسِهِ فِي أَنْفِهِ وَيَرُدَّهُ: قُلْنَا لَيْسَ كَمَا ذَكَرْتُمْ: بَلْ الْمَضْمَضَةُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الْفَمِ وَالِاسْتِنْشَاقُ إيصَالُهُ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ وَاَلَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ إنَّمَا هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فَلَوْ مَلَأَ فَمَهُ مَاءً ثُمَّ مَجَّهُ أَوْ بَلَعَهُ وَلَمْ يُدِرْهُ فِي فَمِهِ كَانَ مَضْمَضَةً هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ أَقَلَّ الْمَضْمَضَةِ جَعْلُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَالْإِدَارَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِأَصْلِ الْمَضْمَضَةِ بَلْ هِيَ مُبَالَغَةٌ وَخَالَفَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ الْجَمَاعَةَ فَقَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَضْمَضَةُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ فِي فَمِهِ وَيُدِيرَهُ ثُمَّ يَمُجَّهُ فَإِنْ لَمْ يُدِرْهُ فَلَيْسَ بِمَضْمَضَةٍ (١) وَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اشْتِرَاطِ الْإِدَارَةِ وَالْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا كَمَا سَبَقَ
* (فَرْعٌ)
الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَصَاحِبِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِمَا الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ سُنَّةٌ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةً فِي الْمَضْمَضَةِ
لِأَنَّهُمَا ذَكَرَا فِي صِفَةِ الْمَضْمَضَةِ اسْتِحْبَابَ الْمُبَالَغَةِ فِيهَا قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يُبَلِّغَ الْمَاءَ أَقْصَى الْحَلْقِ وَيُدِيرَهُ فِيهِ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يُوَصِّلَهُ الْخَيَاشِيمَ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فِيهِ فَيُنْزِلُ مَا فِي الْأَنْفِ مِنْ أَذًى فَإِنْ كَانَ صَائِمًا كُرِهَ أَنْ يُبَالِغَ فِيهِمَا وقال الما وردى يُبَالِغُ الصَّائِمُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَلَا يُبَالِغُ فِي
_________________
(١) قوله فليس بمضمضة يمكن تأويله بحمله على نفي الكمال اه اذرعي
[ ١ / ٣٥٦ ]
الِاسْتِنْشَاقِ لِقَوْلِهِ ﷺ وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا وَلِأَنَّهُ يُمْكِنهُ رَدُّ الْمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ بِإِطْبَاقِ حَلْقِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ (١) وَيُعَضِّدُهُ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فَإِنَّهُ قَالَ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا رَفَقَ بِالِاسْتِنْشَاقِ لِئَلَّا يَدْخُلَ الْمَاءُ رَأْسَهُ هَذَا نَصُّهُ وَلَكِنْ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَرَاهَةُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا لِلصَّائِمِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ سَبْقُ الْمَاءِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا بَالَغَ غَيْرُ الصَّائِمِ فَلَا يُسْتَقْصَى فِي الْمُبَالَغَةِ فَيَصِيرُ سُعُوطًا وَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ اسْتِنْشَاقًا
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ لِلْمَضْمَضَةِ (٢) بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ الْمَاءَ لِلْمَضْمَضَةِ بِيَمِينِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (فَرْعٌ)
السُّنَّةُ أَنْ يَنْتَثِرَ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ مَا فِي أَنْفِهِ مِنْ مَاءٍ وَأَذًى لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ
_________________
(١) كذا قاله شيخه أبو القاسم الصيمري في شرحه اه اذرعي (٢) قوله للمضمضة ولم يذكر الاستنشاق يوهم ان ذلك في المضمضة فقط وظني انه ليس مراده لتصريح الحديث بالامرين اه اذرعي
[ ١ / ٣٥٧ ]
وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جَمَعْتهَا فِي جَامِعِ السُّنَّةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَسْتَنْثِرُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَانَتْ يَدُهُ ﷺ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى وَسَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ الِاسْتِطَابَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ بَعْدَ غَسْلِ الْكَفِّ فَأَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَمَلَأَ فَمَه فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ
وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى يَفْعَلُ ذَلِكَ ثلاثا والله أعلم
* (فرع)
في كيفية للضمضة وَالِاسْتِنْشَاقِ
* اتَّفَقَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنْ سُنَّتَهُمَا تَحْصُلُ بِالْجَمْعِ وَالْفَصْلِ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى الْعُضْوَيْنِ وَاخْتَلَفَ نَصُّهُ وَاخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ الْكَيْفِيَّتَيْنِ فَنَصَّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ أَنَّ الْجَمْعَ أَفْضَلُ وَنَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّ الْفَصْلَ
[ ١ / ٣٥٨ ]
أَفْضَلُ وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ الْقَوْلُ بِالْجَمْعِ أَكْثَرُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَيْضًا أَكْثَرُ فِي الْأَحَادِيثِ بَلْ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَأَنَّهُ صَحِيحٌ وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فمضمض واستنشق واسنتثر مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ وَفِي رِوَايَةٍ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ تَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ
[ ١ / ٣٥٩ ]
مَرَّةً مَرَّةً وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ فِي الْجَمْعِ: وَأَمَّا الْفَصْلُ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ هَذَا بَيَانُ الْأَحَادِيثِ وَنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ: وَأَمَّا الْأَصْحَابُ فَجُمْهُورُهُمْ حَكَوْا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ أَحَدُهُمَا الْجَمْعُ أَفْضَلُ وَالثَّانِي الْفَصْلُ أَفْضَلُ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُ طَرِيقًا آخَرَ وَهُوَ الْقَطْعُ بِتَفْضِيلِ الْفَصْلِ وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَنُصُوصَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَيَانُ الْجَوَازِ وَهَذَا فَاسِدٌ كَمَا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الَّذِينَ حَكَوْا قَوْلَيْنِ فَاخْتَلَفُوا فِي أَصَحِّهِمَا فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَكَثِيرُونَ الْفَصْلَ وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْجَمْعَ هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَالصَّحِيحُ
بَلْ الصَّوَابُ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ وَلَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ وَأَمَّا حَدِيثُ الْفَصْلِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ فلا يحتج به لو لم يعارضه شئ فَكَيْفَ إذَا عَارَضَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَصْلِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّ ثُمَّ اسْتَنْشَقَ وَلَمْ يَخْلِطْهُمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَهَذَا جَوَابٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ هَذَا كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّ لَفْظَهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد قَالَ دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَرَأَيْته يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فَحَمْلُهُ عَلَى
[ ١ / ٣٦٠ ]
بَيَانِ الْجَوَازِ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ وَأَمَّا مَا تَأَوَّلَهُ الْآخَرُونَ مِنْ حَمْلِ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ وَنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ فَفَاسِدٌ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْجَمْعِ كَثِيرَةٌ مِنْ جِهَاتٍ عَدِيدَةٍ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَرِوَايَةُ الْفَصْلِ وَاحِدَةٌ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ وَهَذَا لَا يُنَاسَبُ بَيَانَ الْجَوَازِ فِي الْجَمْعِ فَإِنَّ بَيَانَ الْجَوَازِ يَكُونُ فِي مَرَّةٍ وَنَحْوِهَا وَيُدَاوِمُ عَلَى الْأَفْضَلِ وَالْأَمْرُ هُنَا بِالْعَكْسِ فَحُصِّلَ أَنَّ الصحيح تفضيل الجميع وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَفِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا بثلاث غرفات ياخذ غرفة تمضمض مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثُمَّ يَأْخُذُ غُرْفَةً ثانية يفعل بها كذلك ثم ثالثة وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ وَاخْتِيَارُ أَبِي يَعْقُوبَ الْأَبِيوَرْدِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَاتَّفَقَ الْمُصَنِّفُونَ عَلَى تَصْحِيحِهِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ نَصْرٌ وَغَيْرُهُ (١) وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَجْمَعُ بِغُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَى هَذَا فِي كَيْفِيَّتِهِ وَجْهَانِ أحدهما يخلط المضمضة بالاستنشاق
_________________
(١) قال في البحر وقيل الجمع ان يأتي بهما في حالة واحدة ولا يقدم المضمضة على الاستنشاق وهذا ضعيف اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٣٦١ ]
فَيُمَضْمِضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِنَا بِغُرْفَةٍ: وَالثَّانِي لَا يَخْلِطُ بَلْ يَتَمَضْمَضُ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ نَقَلَهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يَخْلِطُ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْغُرْفَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا فِي حُكْمِ عُضْوٍ وَاحِدٍ وَقَطَعَ
أَصْحَابُ الْقَفَّالِ بِتَرْكِ الْخَلْطِ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَا صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ وَتَصْحِيحُهُ هُوَ الظَّاهِرُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّهَارَةِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى عُضْوٍ حَتَّى يَفْرُغَ مَا قَبْلَهُ
* وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْفَصْلِ فَفِيهَا وَجْهَانِ (١) أَحَدُهُمَا بِسِتِّ غَرَفَاتٍ يَتَمَضْمَضُ بِثَلَاثٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِثَلَاثٍ وَالثَّانِي بِغُرْفَتَيْنِ يَتَمَضْمَضُ باحدهما ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِالثَّانِيَةِ ثَلَاثًا وَهَذَا الثَّانِي أَصَحُّ صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ: عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ وَالثَّانِي بِغُرْفَةٍ بِلَا خَلْطٍ وَالثَّالِثُ بِغُرْفَةٍ مع الْخَلْطِ وَالرَّابِعُ الْفَصْلُ بِغُرْفَتَيْنِ وَالْخَامِسُ بِسِتِّ غَرَفَاتٍ وَهُوَ أَضْعَفُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ مُقَدِّمَةٌ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ سَوَاءٌ جَمَعَ أَوْ فَصَلَ بِغُرْفَةٍ أَوْ بِغَرَفَاتٍ وَفِي هَذَا التَّقْدِيمِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ شَرْطٌ فَلَا يُحْسَبُ الِاسْتِنْشَاقُ إلَّا بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ مُخْتَلِفَانِ فَاشْتُرِطَ فِيهِمَا التَّرْتِيبُ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَيَحْصُلُ الِاسْتِنْشَاقُ وان قدمه لتقديم الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَكَمِ وَقَتَادَةَ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَرِوَايَةٌ عَنْ عطاء وأحمد
* والمذهب
_________________
(١) قال في البحر بعد حكاية هذين الوجهين وقيل يقدم الاستنشاق على هذا القول وليس بشئ اه اذرعي
[ ١ / ٣٦٢ ]
الثَّانِي أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَشَرْطَانِ لِصِحَّتِهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَحَمَّادٍ وَإِسْحَاقَ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَرِوَايَةٌ عَنْ عَطَاءٍ: وَالثَّالِثُ وَاجِبَتَانِ فِي الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالرَّابِعُ الِاسْتِنْشَاقُ وَاجِبٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ دُونَ الْمَضْمَضَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَدَاوُد وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ
* وَاحْتَجَّ لِمَنْ أوجبهما فيهما بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يفعلهما وَفِعْلُهُ ﷺ بَيَانٌ
لِلطَّهَارَةِ المأمور بهاو عن عَائِشَةَ مَرْفُوعًا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ الْوُضُوءِ الَّذِي لابد مِنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَمَضْمَضُوا وَاسْتَنْشِقُوا وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ من الوجه ويجب غسله من النجس فوجب من الحدث كالخد
* واحتج لمن أو جبهما فِي الْغُسْلِ بِحَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ قَالُوا وَفِي الْأَنْفِ شَعْرٌ وَفِي الْفَمِ بَشَرَةٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ ثَلَاثًا لِلْجُنُبِ فَرِيضَةً وَعَنْ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ الْجَنَابَةِ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنْ النَّارِ قَالَ عَلِيٌّ فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالُوا وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ يَجِبُ غسلهما عن النَّجَاسَةِ فَكَذَا مِنْ الْجَنَابَةِ كَمَا فِي الْأَعْضَاءِ وَلِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ فِي حُكْمِ ظَاهِرِ الْبَدَنِ من
[ ١ / ٣٦٣ ]
أَوْجُهٍ لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِمَا وَلَا يُفْطِرُ بِوَضْعِ الطَّعَامِ فِيهِمَا وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ نَجَاسَةٍ عَلَيْهِمَا قَالُوا وَلِأَنَّ اللِّسَانَ يَلْحَقُهُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ وَلِهَذَا يَحْرُمُ بِهِ الْقِرَاءَةُ
* وَاحْتُجَّ لِمَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِنْشَاقَ دُونَ الْمَضْمَضَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْثُرْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِقَوْلِهِ ﷺ لِلَقِيطٍ وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَبِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا توضأ فَانْتَثِرْ وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فاغسلوا وجوهكم وقوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا) وَالْوَجْهُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا حَصَلَتْ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَقَالَ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ الْجَنَابَةِ تُصِيبُهُ وَلَا يَجِدُ الْمَاءَ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَسَنُوَضِّحُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّيَمُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْبَشَرَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ وَأَمَّا بَاطِنُهُ فَأَدَمَةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ: وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ للأعرابي توضأ
كما أمرك الله وَهُوَ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ غَسْلُ الْوَجْهِ وَهُوَ مَا حَصَلَتْ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ دُونَ بَاطِنِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ صَلَّى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُحْسِنْهَا فَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الصَّلَاةَ الَّتِي تُفْعَلُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَتُشَاهَدُ أَعْمَالُهَا فَعَلَّمَهُ وَاجِبَاتِهَا وَوَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ فَقَالَ ﷺ توضأ كما أمرك الله وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ سُنَنَ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ لِئَلَّا يَكْثُرَ عَلَيْهِ فَلَا يَضْبِطَهَا فَلَوْ كَانَتْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَاجِبَتَيْنِ لَعَلَّمَهُ إيَّاهُمَا فَإِنَّهُ
[ ١ / ٣٦٤ ]
مِمَّا يَخْفَى لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ هَذَا الرجل خَفِيَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ الَّتِي تُشَاهَدُ فَكَيْفَ الْوُضُوءُ الَّذِي يَخْفَى
* وَاحْتَجُّوا مِنْ الْأَقْيِسَةِ وَالْمَعَانِي بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ جِدًّا مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عُضْوٌ بَاطِنٌ دُونَهُ حَائِلٌ مُعْتَادٌ فَلَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ كَدَاخِلِ الْعَيْنِ: وَالْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلِأَنَّ فِيهِ غَسْلَ الْكَفَّيْنِ وَالتَّكْرَارَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ: وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَضَعْفُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لِضَعْفِ الرُّوَاةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُرْسَلٌ ذكر ذلك الدارقطني وَغَيْرُهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى كَمَالِ الْوُضُوءِ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ ابْنِ عُلَاثَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِلَامٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ قَالَ الدارقطني وَغَيْرُهُ هُمَا ضَعِيفَانِ مَتْرُوكَانِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَشَدُّ عِبَارَاتِ الْجَرْحِ تَوْهِينًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ: قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ كَانَ عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ كَذَّابًا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ عُضْوٌ مِنْ الْوَجْهِ فَلَا نسلمه
[ ١ / ٣٦٥ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ إلَى آخِرِهِ فَضَعِيفٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَضَعَّفُوهُ كُلُّهُمْ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَجَوَابٌ ثَالِثٌ لِلْخَطَّابِيِّ أَنَّ الْبَشَرَةَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ظَاهِرُ الْجِلْدِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَدَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لَيْسَ بَشَرَةً وَأَمَّا الشَّعْرُ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا عَلَى الْبَشَرَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَضْمَضَةُ
وَالِاسْتِنْشَاقُ ثَلَاثًا فَرِيضَةٌ فَضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَإِنَّ الثَّلَاثَ لَا تَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فَمَحْمُولُ عَلَى الشَّعْرِ الظَّاهِرِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ عَادَيْتُ رَأْسِي وَأَمَّا قَوْلُهُمْ عُضْوَانِ يَجِبُ غَسْلُهُمَا عَنْ النَّجَاسَةِ فَكَذَا مِنْ الحنابة فمنتقض بناخل الْعَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ دَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فِي حُكْمِ ظَاهِرِ الْبَدَنِ بِدَلِيلِ عَدَمِ الْفِطْرِ وَوُجُوبُ غَسْلِ نَجَاسَتِهِمَا فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَجِبَ غَسْلُهُمَا فَإِنَّ دَاخِلَ الْعَيْنِ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِوَضْعِ طَعَامٍ فِيهَا وَلَا يَجِب غَسْلُهَا فِي الطَّهَارَةِ وَيُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا بوقوع نجاسة فيهما فَإِنْ قَالُوا لَا تَنْجُسُ الْعَيْنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ غَسْلَهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قُلْنَا هَذَا غَلَطٌ فَإِنَّ الْعَيْنَ عِنْدَهُ تَنْجُسُ وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ غَسْلُهَا عِنْدَهُ لكون النجاسة الواقعة فيها لا تبلغا قَدْرَ دِرْهَمٍ وَلِهَذَا لَوْ بَلَغَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْعَيْنِ وَحَوَالَيْهَا الدِّرْهَمَ وَجَبَ غَسْلُهَا عِنْدَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ يَتَعَلَّقُ بِاللِّسَانِ جَنَابَةٌ بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِ حُكْمِ الْحَدَثِ بِهِ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِظَهْرِهِ وَلِسَانِهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْثُرْ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَإِنَّ التَّنَثُّرَ لَا يَجِبُ بالاجماع وقوله صلي الله عليه وسلم
[ ١ / ٣٦٦ ]
وبالع فِي الِاسْتِنْشَاقِ مَحْمُولٌ أَيْضًا عَلَى النَّدْبِ فَإِنَّ المبالغة لا تجب بالاتفاق
* والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (ولا تغسل العين ومن اصحابنا من قال يستحب غسلها لان ابن عمر ﵄ كان
[ ١ / ٣٦٧ ]
يغسل عينه حتى عمى والاول أصح لانه لم ينقل ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قولا ولا فعلا فدل على أنه ليس بمسنون ولان غسلها يؤدى إلى الضرر) (الشَّرْحُ) هَذَا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ (كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ يَتَوَضَّأُ فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَنْضَحُ فِي عَيْنَيْهِ) هَذَا لَفْظُهُ وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ فِي رِوَايَاتِهِمْ حَتَّى عَمِيَ وَفِيهَا وَيَنْضَحُ فِي عَيْنَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ وَفِي الْمُهَذَّبِ عَيْنُهُ بِالْإِفْرَادِ
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ حَتَّى عَمِيَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَمَاهُ بِسَبَبِ غَسْلِ الْعَيْنِ كَمَا هُوَ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَصْحَابِنَا وَيَحْتَمِلُ كَوْنُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَا زَالَ يَغْسِلُهُمَا حَتَّى حَصَلَ سَبَبٌ عَمِيَ بِهِ فَتَرَكَ بَعْدَ ذَلِكَ غَسْلَهُمَا فَفِي تَهْذِيبِ اللُّغَةِ لِلْأَزْهَرِيِّ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ
[ ١ / ٣٦٨ ]
القدع انسلاق العينين من كثرة البكاء وكان عبد الله ابن عُمَرَ قَدِعًا (قُلْتُ) الْقَدَعُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقَوْلُهُ كَانَ قَدِعًا بِكَسْرِ الدَّالِ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ عَمِيَ بِالْبُكَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِالْأَمْرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي اسْتِحْبَابِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يُسْتَحَبُّ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ (١) وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ غَيْرِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: وَصَحَّحَتْ طَائِفَةٌ الِاسْتِحْبَابَ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أبو حامد والبند نيجي وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيّ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ وَلَيْسَ نصه في الام
_________________
(١) قوله والرافعي وقع سهوا فان المسألة لم يذكر فيها الرافعي وهي مذكورة في زيادات الروضة اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٣٦٩ ]
ظَاهِرًا فِيمَا نَقَلَهُ (١) فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ إنَّمَا أَكَّدْتُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ دُونَ غَسْلِ الْعَيْنَيْنِ لِلسُّنَّةِ وَلِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ يَتَغَيَّرَانِ وَأَنَّ الْمَاءَ يَقْطَعُ مِنْ تَغَيُّرِهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَيْنُ وَذَكَر الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ قَالَ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَكَّدْتُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عَلَى غَسْلِ دَاخِلِ العيينين وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إنَّمَا هُوَ فِي غَسْلِ دَاخِلِ الْعَيْنِ أَمَّا مَآقِي الْعَيْنَيْنِ فَيُغْسَلَانِ بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا قَذًى يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْمَحَلِّ الْوَاجِبِ مِنْ الْوَجْهِ وَجَبَ مَسْحُهُ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهُ والا فمسحهما مستحب هكذا فصله الماوردى وأطق الْجُمْهُورُ أَنَّ غَسْلَهُمَا مُسْتَحَبٌّ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ مَآقِيهِ بِسَبَّابَتَيْهِ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مَحْمُولٌ
عَلَى تَفْصِيلِ الْمَاوَرْدِيُّ: وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (كان يمسح المآقين في وضوءه) ورواه أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَقَدْ قَالَ إنَّهُ إذَا لَمْ يُضَعَّفْ الْحَدِيثُ يَكُونُ حَسَنًا أَوْ صَحِيحًا لَكِنْ فِي إسْنَادِهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَقَدْ جَرَّحَهُ جَمَاعَةٌ لَكِنْ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُونَ وَبَيَّنُوا أَنَّ الْجَرْحَ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى ما ليس بجارح والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
_________________
(١) هذا النص ظاهره الاستحباب كما نقله البغوي الا ان يريد تأكدت اصل الاستحباب قلت قال في البحر قال الشافعي في الام استحب ادخال الماء في العينين ولا ابلغ به تأكيد المضمضة والاستنشاق ومن اصحابنا من قال لا يستحب وهو اختيار اكثر اصحابنا وقال في الحاوي لا يجب ولايسن وهل يستحب قال أبو حامد يستحب للنص في الام وقال غيره لا يستحب وهذا اصح لان ما لا يسن لا يستحب اه من الاذرعي
[ ١ / ٣٧٠ ]
(ثم يغسل وجهه وذلك فرض لقوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) والوجه ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن ومنتهى اللحيين طولا ومن الاذن إلى الاذن عرضا والاعتبار بالمنابت المعتادة لا بمن تصلع الشعر عن ناصيته ولا بمن نزل إلى جبهته وفي موضع التحذيف وجهان قال أبو العباس هو من الوجه لانهم أنزلوه من الوجه وقال أبو إسحق هو من الرأس لان الله تعالى خلقه من الرأس فلا يصير وجها بفعل الناس)
* (الشَّرْحُ) غَسْلُ الْوَجْهِ وَاجِبٌ فِي الْوُضُوءِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَنِ الْمُتَظَاهِرَةِ وَالْإِجْمَاعِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي حَدِّ الْوَجْهِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ وَذَكَرَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ فِي حَدِّهِ كَلَامًا طَوِيلًا مُخْتَلًّا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ فِي حَدِّهِ عِبَارَةً حَسَنَةً فَقَالَ قَالَ الْأَصْحَابُ حَدُّهُ طُولًا مَا بَيْنَ مُنْحَدَرِ تَدْوِيرِ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ مُبْتَدَإِ تَسْطِيحِ الْجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى مَا يُقْبِلُ مِنْ الذَّقَنِ وَمِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ عَرْضًا (١) هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَدْخُلُ وَتَدَا الْأُذُنِ فِي الْوَجْهِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ البغوي
_________________
(١) قال ابن الرفعة في المطلب عرض الوجه من الاذن إلى الاذن عبارة كثير من المصنفين اتباعا للغلط الشافعي في الام وعبارة أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ من وتد الاذن إلى وتد الاذن وعبارة القاضي حسين من شحمة الاذن إلى شحمة الاذن قال ابن الرفعة وهذا عندي اهم العبارات لان شحمة الاذن تنحط عن وتد الاذن وانحطاطها سبب لاتساع عرض الوجه ولا تدخل الشحمة ولا الوتد باتفاق اصحابنا اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٣٧١ ]
الا أنه يُمْكِنُ غَسْلُ جَمِيعَ الْوَجْهِ إلَّا بِغَسْلِهِمَا وَالْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ مِنْ الْوَجْهِ عِنْدَنَا وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَدِّ: وَأَمَّا إذَا تَصَلَّعَ الشَّعْرُ عَنْ نَاصِيَتِهِ أَيْ زَالَ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ: وَلَوْ نَزَلَ الشَّعْرُ عَنْ الْمَنَابِتِ الْمُعْتَادَةِ إلَى الْجَبْهَةِ نُظِرَ إنْ عمها وحب غسلها كلها بلا خلاف وان ستر بعهضها فَطَرِيقَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وُجُوبُ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَسْتُورِ وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا هَذَا: وَالثَّانِي لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الرَّأْسِ: وَأَمَّا مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَشْرَافَ وَالنِّسَاءَ يَعْتَادُونَ إزَالَةَ الشَّعْرِ عَنْهُ لِيَتَّسِعَ الْوَجْهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بين النزعة والعذر وَهُوَ الْمُتَّصِلُ بِالصُّدْغِ وَقَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُسْتَظْهِرِيِّ هُوَ مَا بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ دَاخِلًا فِي الْجَبِينِ مِنْ جَانِبَيْ الْوَجْهِ يُؤْخَذُ عَنْهُ الشَّعْرُ يَفْعَلُهُ الْأَشْرَافُ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ هُوَ الْقَدْرُ الَّذِي إذَا وُضِعَ طَرَفُ الْخَيْطِ عَلَى رَأْسِ الْأُذُنِ وَالطَّرَفُ الثَّانِي عَلَى زَاوِيَةِ الْجَبِينِ وَقَعَ فِي جَانِبِ الْوَجْهِ وَقَالَ أَبُو الفرج عبد الرحمن السر خسي فِي أَمَالِيهِ هُوَ مَوْضِعُ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ الَّذِي يَنْزِلُ مَنْبَتُهُ إلَى الْجَبِينِ بَيْنَ بَيَاضَيْنِ أَحَدُهُمَا بَيَاضُ النَّزَعَةِ وَالثَّانِي بَيَاضُ الصُّدْغِ وَقِيلَ فِي حده أقوال أخر
* وأما حكمه ففيه الو جهان اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَكِلَاهُمَا مَنْقُولٌ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ مِنْ الْوَجْهِ وَأَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إلَى نَحْوِ هَذَا وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قال أبو إسحق الْمَرْوَزِيُّ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ فَهَذَانِ نَصَّانِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَيْنِ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ وَجْهَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ كَمَا تَرَى فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ
[ ١ / ٣٧٢ ]
أَحَدُهُمَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فَصَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَصَحَّحَ الْجُمْهُورُ كَوْنَهُ مِنْ الرَّأْسِ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِّ الرَّأْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَى الذَّقَنِ وَمُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا وَإِلَّا فَأَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ وَالذَّقَنُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ وَجَمْعُهُ أَذْقَانٌ وَهُوَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ وَاللَّحْيَانِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَأَحَدُهُمَا لَحْيٌ هَذِهِ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ وَحَكَى صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ وَغَيْرُهُ كَسْرَ اللَّامِ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَهُمَا الْفَكَّانِ وَعَلَيْهِمَا مَنَابِتُ الْأَسْنَانِ السُّفْلَى وَالْأُذُنُ بِضَمِّ الذَّالِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا تَخْفِيفًا وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ عَلَى فُعُلٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ يَجُوزُ إسْكَانُ ثَانِيهِ كَعُنُقٍ وَكُتُبٍ وَرُسُلٍ وَفِي الشَّعَرِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهُ مِنْ الْوَجْهِ مَعْنَاهُ نَزَّلُوهُ مَنْزِلَةَ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَاَلَّذِينَ نَزَّلُوهُ هُمْ الْأَشْرَافُ وَالنِّسَاءُ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ مِنْ الْوَجْهِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد: وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ عَلَى الْأَمْرَدِ غَسْلُهُ دُونَ الْمُلْتَحِي وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا التَّفْصِيلَ عَنْ مَالِكٍ
* وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ المواجهة كالخد واحتج الماوردى وغيره فِيهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ ضَرَبَ بِالْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أَلْقَمَ إبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَيْسَ بقوى لانه من رواية محمد بن اسحق صَاحِبِ الْمَغَازِي وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَلَمْ يُذْكَرْ سَمَاعُهُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ كَمَا عُرِفَ فَلِهَذَا لَمْ أَعْتَمِدْهُ وَإِنَّمَا اعْتَمَدْتُ الْمَعْنَى وَذَكَرْتُ الْحَدِيثَ تَقْوِيَةً ولا بين حاله والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[ ١ / ٣٧٣ ]
(فان كان ملتحيا نظرت فان كانت لحيته خفيفة لاتستر البشرة وجب غسل الشعر والبشرة
للآية وان كانت كثيفة تستر البشرة وجب افاضة الماء على الشعر لان المواهة تقع به ولا يجب غسل ما تحته لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فغرف غرفة وغسل بها وجهه وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر مع كثافة اللحية ولانه باطن دونه حائل معتاد فهو كداخل الفم والانف والمستحب أن يخلل لحيته لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يخلل لحيته فان كان بعضها خفيفا وبعضها كثيفا غسل ما تحت الخفيف وأفاض الماء على الكثيف)
* (الشَّرْحُ) فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَقَوْلُهُ وَبِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَصِلُ الْمَاءُ مَعَ كَثَافَةِ اللِّحْيَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ لِحْيَتَهُ الْكَرِيمَةَ كَانَتْ كَثِيفَةً وَهَذَا صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ رُوِيَ بِصِيغَةِ تَمْرِيضٍ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ (الثَّانِيَةُ) اللِّحْيَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَجَمْعُهَا لِحًى بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ أَفْصَحُ وَهِيَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الذَّقَنِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ بِسَبَبِ الْكَلَامِ فِي الْعَارِضَيْنِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْبَشَرَةَ ظَاهِرُ الْجِلْدِ وَالْكَثَّةُ وَالْكَثِيفَةُ بِمَعْنًى وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ احْتِرَازٌ مِنْ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَقَوْلُهُ دُونَهُ حَائِلٌ احْتِرَازٌ مِنْ الثُّقْبِ فِي مَوْضِعِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِهِ وقوله معتاد اختراز مِنْ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ لِامْرَأَةٍ (الثَّالِثَةُ) اللِّحْيَةُ الْكَثِيفَةُ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهَا وَلَا الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ: وَحَكَى الرَّافِعِيُّ قَوْلًا وَوَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْبَشَرَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ غَلِطَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فَظَنَّ الْمُزَنِيّ ذَكَرَ هَذَا عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا حَكَى مَذْهَبَ نَفْسِهِ وَانْفَرَدَ هُوَ وَأَبُو ثَوْرٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُمَا فِيهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ (قلت) قد نقله
[ ١ / ٣٧٤ ]
الخطابي عن اسحق بْنِ رَاهْوَيْهِ أَيْضًا وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا
* وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْفَرْعِ الثَّالِثِ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَوْلُهُ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ وَقَالَ هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي وَبِالْقِيَاسِ عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَعَلَى الشَّارِبِ وَالْحَاجِبِ
* وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْقِيَاسِ وَأَجَابُوا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِأَنَّهَا أَغْلَظُ وَلِهَذَا وَجَبَ غَسْلُ كُلِّ الْبَدَنِ وَلَمْ يَجُزْ مَسْحُ الْخُفِّ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ غَسْلُ الْبَشَرَةِ فِيهِ مَعَ الْكَثَافَةِ بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ وَأَمَّا الشَّارِبُ وَالْحَاجِبُ فَكَثَافَتُهُ نَادِرَةٌ وَلَا يَشُقُّ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ بِخِلَافِ اللِّحْيَةِ وَإِنْ كَانَتْ اللِّحْيَةُ خَفِيفَةً وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا وَالْبَشَرَةِ تَحْتَهَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا خَفِيفًا وَبَعْضُهَا كَثِيفًا فَلِكُلِّ بَعْضٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ لَوْ كان متمحضا فَلِلْكَثِيفِ حُكْمُ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ وَلِلْخَفِيفِ حُكْمُ اللِّحْيَةِ الْخَفِيفَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطُّرُقِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ الْكَثِيفُ مُتَفَرِّقًا بَيْنَ الْخَفِيفِ لَا يَمْتَازُ وَلَا يَنْفَرِدُ عَنْهُ وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ الشعر والبشرة وحكى الرافعى وَجْهًا أَنَّ لِلْجَمِيعِ حُكْمَ الْخَفِيفِ مُطْلَقًا وَحَكَى الْإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ نَصًّا عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ مَنْ كَانَ جَانِبَا لِحْيَتِهِ خَفِيفَيْنِ وَبَيْنَهُمَا كَثِيفٌ وَجَبَ غَسْلُ الْبَشَرَةِ كُلِّهَا كَالْحَاجِبِ وَهَذَا نَصٌّ غَرِيبٌ جِدًّا وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ الْقَصَّابِ (١) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي ضَبْطِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ وَالْخَفِيفَةِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا مَا عَدَّهُ النَّاسُ خَفِيفًا فَخَفِيفٌ وَمَا عَدُّوهُ كَثِيفًا فَهُوَ كَثِيفٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَهُوَ غَرِيبٌ وَالثَّانِي مَا وَصَلَ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ فَهُوَ خَفِيفٌ وَمَا لَا فَكَثِيفٌ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَا سَتَرَ الْبَشَرَةَ عَنْ النَّاظِرِ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ فَهُوَ كَثِيفٌ وَمَا لَا فخفيف
*
_________________
(١) لم ار لعمر القصاب في طبقانه ذكرا اه من الاذرعي
[ ١ / ٣٧٥ ]
(فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ الْخَفِيفَةِ وَالْبَشَرَةِ تَحْتَهَا وَبِهِ قَالَ مالك وأحمد وداود
* قال أَصْحَابِنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا كَدَاخِلِ الْفَمِ وَكَمَا
سَوَّيْنَا بَيْنَ الْخَفِيفِ وَالْكَثِيفِ فِي الْجَنَابَةِ وَأَوْجَبْنَا غَسْلَ مَا تَحْتَهُمَا فَكَذَا نُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْوُضُوءِ فَلَا نُوجِبُهُ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تعالى (فاغسلوا وجوهكم) وَهَذِهِ الْبَشَرَةُ مِنْ الْوَجْهِ وَيَقَعُ بِهَا الْمُوَاجَهَةُ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ ظَاهِرٌ مِنْ الْوَجْهِ فَأَشْبَهَ الْخَدَّ وَيُخَالِفُ الْكَثِيفَ فَإِنَّهُ يَشُقُّ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ بِخِلَافِ هَذَا، وَالْجَوَابُ عَنْ دَاخِلِ الْفَمِ أَنَّهُ يَحُولُ دُونَهُ حَائِلٌ أَصْلِيٌّ فَأَسْقَطَ فَرْضَ الْوُضُوءِ وَاللِّحْيَةُ طَارِئَةٌ وَالطَّارِئُ إذَا لَمْ يَسْتُرْ الْجَمِيعَ لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ كَالْخُفِّ الْمُخَرَّقِ: وَالْجَوَابُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَشَقَّةُ وَعَدَمُهَا فَلَمَّا كَانَتْ الْجَنَابَة قَلِيلَةً أَوْجَبْنَا مَا تَحْتَ الشُّعُورِ كُلِّهَا بِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فَكَذَا مَا تَحْتَ الْخَفِيفِ فِي الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْكَثِيفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّخْلِيلَ سُنَّةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ كَيْفِيَّتَهُ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ يُخَلِّلُهَا بِأَصَابِعِهِ مِنْ أَسْفَلِهَا قَالَ وَلَوْ أَخَذَ لِلتَّخْلِيلِ مَاءً آخَرَ كَانَ أَحْسَنَ وَيَسْتَدِلُّ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَيْفِيَّةِ بِحَدِيثِ أَنَسٌ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهَا لِحْيَتَهُ وَقَالَ هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀
* (وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ فِي الْوُضُوءِ إلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ الْحَاجِبِ وَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ وَالْعِذَارِ وَاللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ لِلْمَرْأَةِ لِأَنَّ الشَّعْرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يَخِفُّ فِي الْعَادَةِ وَإِنْ كَثُفَ لَمْ يَكُنْ إلَّا نَادِرًا فَلَمْ يكن له حكم)
* (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا ثَمَانِيَةٌ مِنْ شُعُورِ الْوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُهَا وَغَسْلُ الْبَشَرَةِ تَحْتَهَا سَوَاءٌ خَفَّتْ أَوْ كَثُفَتْ وَهِيَ الْحَاجِبُ وَالشَّارِبُ وَالْعَنْفَقَةُ وَالْعِذَارُ وَلِحْيَةُ الْمَرْأَةِ وَلِحْيَةُ الْخُنْثَى وَأَهْدَابُ الْعَيْنِ وَشَعْرُ الْخَدِّ: فَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْأُولَى فَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَأَمَّا الْأَهْدَابُ فَنَصَّ عَلَيْهَا الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ: وأما شعر
[ ١ / ٣٧٦ ]
الحد فَصَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ: وَأَمَّا لِحْيَةُ الْخُنْثَى فَصَرَّحَ بِهَا الدَّارِمِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ
وَآخَرُونَ وَعَلَّلَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ نَادِرٌ وَبِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَحْكَامِ الْخُنْثَى الْعَمَلُ بِالْيَقِينِ وَيُعَلَّلُ بِثَالِثٍ وَهُوَ أَنَّ غَسْلَ الْبَشَرَةِ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ نَبَاتِ اللِّحْيَةِ وَشَكَكْنَا هَلْ سَقَطَ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ: وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ لِحْيَةَ الْخُنْثَى لَا تَكُونُ عَلَامَةً لِذُكُورَتِهِ
* وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ كَوْنَهُ لَمْ يَسْتَثْنِ إلَّا الْخَمْسَةَ وَأَهْمَلَ الثلاثة الا خيرة: وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ رَآهَا ظَاهِرَةً تُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْكَثَافَةَ فِي الْأَهْدَابِ وَالْخَدِّ أَنْدَرُ مِنْهَا فِي الْخَمْسَةِ وَلِحْيَةُ الْخُنْثَى تُعْلَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَهُ حُكْمُ الْمَرْأَةِ فِيمَا فِيهِ احْتِيَاطٌ
* وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّعُورَ الثَّمَانِيَةَ يَجِبُ غَسْلُهَا وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا مَعَ الْكَثَافَةِ بِلَا خِلَافٍ إلَّا وَجْهًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِيهَا كُلِّهَا أَنَّهَا كَاللِّحْيَةِ وَإِلَّا وَجْهًا مَشْهُورًا عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي الْعَنْفَقَةِ وَحْدَهَا أَنَّهَا كَاللِّحْيَةِ وَوَجْهًا أَنَّهَا إنْ اتَّصَلَتْ بِاللِّحْيَةِ فَهِيَ كَاللِّحْيَةِ وَإِنْ انْفَصَلَتْ وَجَبَ غَسْلُ بَشَرَتِهَا مَعَ الْكَثَافَةِ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ فَحَصَلَ فِي الْعَنْفَقَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ، وُجُوبُ غَسْلِ بَشَرَتِهَا مَعَ الْكَثَافَةِ
* (فَرْعٌ)
فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الشُّعُورِ: أَمَّا الْحَاجِبُ فَمَعْرُوفٌ سُمِّيَ حَاجِبًا لِمَنْعِهِ الْعَيْنَ مِنْ الْأَذَى وَالْحَجْبُ الْمَنْعُ وَالشَّارِبُ هُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا: ثُمَّ الْجُمْهُورُ قَالُوا الشَّارِبُ بِالْإِفْرَادِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى أُصُولِ الشَّعْرِ فِي مَوَاضِعِ الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبَيْنِ وَالْعِذَارَيْنِ وَالْعَنْفَقَةِ قَالَ الْقَاضِي قِيلَ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِالشَّارِبِينَ الشَّعْرَ الَّذِي عَلَى ظَاهِرِ الشَّفَتَيْنِ وَقِيلَ أَرَادَ الشَّعْرَ الذى عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا جَعَلَ مَا يَلِي الشِّقَّ الْأَيْمَنَ شَارِبًا وَمَا يَلِي الْأَيْسَرَ شَارِبًا قَالَ الْقَاضِي هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْ الْأُمِّ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْبَابِ وَقَالَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْبَابِ شَارِبٌ بِالْإِفْرَادِ وَمِمَّنْ ذَكَرَ الشَّارِبَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ وَالْغَزَالِيُّ فِي كُتُبِهِ: وَأَمَّا الْعَنْفَقَةُ فَهِيَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفَةِ السُّفْلَى كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْبَيَانِ: وَأَمَّا الْعِذَارُ فَالنَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ بِقُرْبِ الْأُذُنِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي وُجُوبِ غَسْلِ بَشَرَةِ هَذِهِ الشُّعُورِ عِلَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ كَثَافَتَهَا
[ ١ / ٣٧٧ ]
نَادِرَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْمَغْسُولَ يُحِيطُ بِجَوَانِبِهَا فَجَعَلَ لَهَا حُكْمَ الْجَوَانِبِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ
فِي الْأُمِّ إلَى الْعِلَّتَيْنِ وَالْأُولَى أَصَحُّهُمَا وَقَطَعَ بِهَا جَمَاعَةٌ كَمَا قَطَعَ بِهَا الْمُصَنِّفُ
* (فَرْعٌ)
أَمَّا شَعْرُ الْعَارِضَيْنِ فَهُوَ مَا تَحْتَ الْعِذَارِ كَذَا ضَبَطَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَفِيهِ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ لَهُ حُكْمَ اللِّحْيَةِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْخَفِيفِ وَالْكَثِيفِ كَمَا: سَبَقَ ممن قطع به أبو علي البند نيجى وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ إلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا وَشَذَّ السَّرَخْسِيُّ فَقَالَ فِي الْأَمَالِي ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَارِضَ كَالْعِذَارِ فَيَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ مَعَ الْكَثَافَةِ وَهَذَا شاذ متروك لمخالفته النقل وَالدَّلِيلَ: فَإِنَّ الْكَثَافَةَ فِيهِ لَيْسَتْ بِنَادِرَةٍ فَأَشْبَهَ اللِّحْيَةَ
* (فَرْعٌ)
الشَّعْرُ الْكَثِيفُ عَلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ يَجِبُ غَسْلُهُ وَغَسْلُ الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ بِلَا خِلَافٍ لِنُدُورِهِ وَكَذَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِلَا خِلَافٍ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ لِقِلَّةِ وُقُوعِهِ وَلِهَذَا احْتَرَزَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ فِي الْوُضُوءِ
* (فَرْعٌ)
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَثُفَ لَمْ يَكُنْ إلَّا نَادِرًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ: هَذِهِ الْعِبَارَةُ مَشْهُورَةٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْعُلَمَاءِ وَمَعْنَاهَا عِنْدَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّادِرِ حُكْمٌ يُخَالِفُ الْغَالِبَ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُهُ فَمَعْنَاهُ هُنَا أَنَّ الْكَثَافَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لَوْ نَبَتَتْ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ اُسْتُحِبَّ لَهَا نَتْفُهَا وَحَلْقُهَا لِأَنَّهَا مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ وَهَذَا قَدْ قَدَّمْته فِي آخِرِ بَابِ السِّوَاكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
*
[ ١ / ٣٧٨ ]
(وَإِنْ اسْتَرْسَلَتْ اللِّحْيَةُ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَجِبُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ شَعْرٌ لَا يُلَاقِي مَحَلَّ الْفَرْضِ يَكُنْ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ كَالذُّؤَابَةِ: وَالثَّانِي يَجِبُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا غَطَّى لِحْيَتَهُ فَقَالَ اكْشِفْ لِحْيَتَكَ فانها من الوجه ولانه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه فاشبه شعر الخد)
*
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وُجِدَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي بَعْضِهَا وَكَذَا لَمْ يقع في نسخة قيل انها مقرؤة عَلَى الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ قَالَ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا شئ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ شَعْرٌ ظَاهِرٌ احْتِرَازٌ مِنْ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ: وَقَوْلُهُ عَلَى بَشَرَةِ الْوَجْهِ احْتِرَازٌ مِنْ النَّاصِيَةِ وَقَوْلُهُ اسْتَرْسَلَتْ اللِّحْيَةُ أَيْ امْتَدَّتْ وَانْبَسَطَتْ وَالذُّؤَابَةُ بِضَمِّ الذَّالِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا خَرَجَتْ اللِّحْيَةُ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ طُولًا أَوْ عَرْضًا أَوْ خَرَجَ شَعْرُ الْعِذَارِ أَوْ الْعَارِضِ أَوْ السِّبَالِ فَهَلْ يَجِبُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْخَارِجِ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ نَقَلَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ فِيهَا قَوْلَيْنِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ الْوُجُوبُ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ من اصحاب المختصرات والثاني لَا يَجِبُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِي الْخَارِجِ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ طُولًا أَوْ عَرْضًا كما ذكرناه صرح به أبو على البند نيجي فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ وَآخَرُونَ: ثُمَّ إنَّ عِبَارَةَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ يَقُولُونَ هَلْ يَجِبُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْخَارِجِ فِيهِ قَوْلَانِ: وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَقَلِيلِينَ هَلْ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ الْخَارِجِ فِيهِ قَوْلَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَفْظُ الْإِفَاضَةِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الشَّعْرِ كَانَ لِإِمْرَارِ الْمَاءِ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَفْظُ الْغَسْلِ لِلْإِمْرَارِ عَلَى الظَّاهِرِ مَعَ الْإِدْخَالِ فِي الْبَاطِنِ وَلِهَذَا اعْتَرَضُوا عَلَى الزُّبَيْرِيِّ حِينَ قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَجِبُ الْغَسْلُ فِي قَوْلٍ وَالْإِفَاضَةُ فِي قَوْلٍ وَقَالُوا الْغَسْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الْإِفَاضَةِ وَمَقْصُودُ الْأَئِمَّةِ بِلَفْظِ الْإِفَاضَةِ أَنَّ دَاخِلَ الْمُسْتَرْسِلِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ قَوْلًا وَاحِدًا
*
[ ١ / ٣٧٩ ]
كالشعر النابت تحت الذقن هذا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَكَذَا قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ لَا خِلَافَ أَنَّ غَسْلَ الشَّعْرِ الْخَارِجِ لَا يَجِبُ وَهَلْ يَجِبُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ فِيهِ الْقَوْلَانِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كَلَامًا مُخْتَصَرُهُ أَنَّ النَّازِلَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ (١) إنْ كَانَ كَثِيفًا فَالْقَوْلَانِ فِي وُجُوبِ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا فَالْقَوْلَانِ فِي وجوب غسله ظاهر أو باطنا وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَكَلَامُ الْبَاقِينَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ ومرادهم المسترسل الكثيف كما هو الغالب وأما قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْبَسِيطِ إنَّ
الْخَارِجَ عَنْ الْوَجْهِ هَلْ يَجِبُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ خَفِيفًا كَانَ أَوْ كَثِيفًا فَمُخَالِفٌ لِلْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُكْتَفَى فِي الْخَفِيفِ بِالْإِفَاضَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ عَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ: وَأَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ وُجُوبُ غَسْلِ بَاطِنِ الْكَثِيفِ فَقَدْ أَوْجَبَهُ الزُّبَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ بَلْ غَلَّطَهُ الْأَصْحَابُ فِيهِ
* (فَرْعٌ)
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ شُعُورِ الْوَجْهِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَدِّهِ وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ الْوُجُوبُ كَمَا سَبَقَ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَعَدَمُ الْوُجُوبِ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ لِلْقَوْلِ الصَّحِيحِ بِمَا احْتَجَّ بِهِ الْآخَرُ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الذُّؤَابَةِ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الرَّأْسَ اسْمٌ لِمَا تَرَأَّسَ وَعَلَا وَلَيْسَتْ الذُّؤَابَةُ كَذَلِكَ وَالْوَجْهُ مَا حَصَلَتْ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِالْمُسْتَرْسِلِ: وَالثَّانِي أَنَّا سَلَكْنَا الِاحْتِيَاطَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
في مسائل تتعلق بغسل الوجه احدها قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي صِفَةُ غَسْلِ الْوَجْهِ الْمُسْتَحَبَّةِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ أَمْكَنُ وأسبغ وَيَبْدَأُ بِأَعْلَى وَجْهِهِ ثُمَّ يُحْدِرُهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ وَلِأَنَّ أَعْلَى الْوَجْهِ أَشْرَفُ لِكَوْنِهِ مَوْضِعَ السُّجُودِ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ فَيَجْرِي الْمَاءُ بِطَبْعِهِ ثُمَّ يُمِرُّ يَدَيْهِ بِالْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ جميع ما يؤمر با يصال الْمَاءِ إلَيْهِ فَإِنْ أَوْصَلَ الْمَاءَ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى أَجْزَأَهُ: هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ أَخْذِ الْمَاءِ بِالْيَدَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي نُصَّ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَقَطَعَ به الجمهور: وقيل يأخذه بيد وفيه وجه ثالث لزاهر السر خسي مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَغْرِفُ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى وَيَضَعُ ظَهْرَهَا عَلَى بَطْنِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيَصُبُّهُ من أعلى
_________________
(١) النازل عن حد الوجه تارة يكون كثيفا من منبته إلى منتهاه ولا شك في جريان القولين فيما نزل منه عن حد الوجه وتارة يكون خفيفا في منبته وخروجه عن حد الوجه وكلام الامام ظاهر في وجوب غسل جميعه على قول وتارة يكون كثيفا في منبته وما على حد الوجه منه ويكون المسترسل الخارج عن حد الوجه خفيفا وهذا القسم لم اره في كلامه احد والذى يتعين القطع به الحاق المسترسل منه بالقسم الاول حتى يكون في افاضة الماء على ظاهره القولان وكلام يوهم انه من قسم الخفيف كله وفيه نظر فان الامام في النهاية قال كل شعر يجب غسل منبته يجب استيعاب جميع الشعر بالماء إذا كان في حد الوجه وهذا الوجه يرجع فيه إلى وجوه المرد فان وجب غسل المنبت وما هو في حد الوجه فلو طال الشعر وخرج في جهته عن حد الوجه فهل يجب ايثال الماء إليه إلى منتهاه فعلى قولين للشافعي احدهما يجب لئلا يتبعض حكم الشعر والثاني لا يجب فان المغسول هو الوجه والشعر الكائن في حده اه وقله لئلا يتبعض حكم الشعر مرشد لما ذكرته فتأمله والله أعلم اه من هامش اذرعي
[ ١ / ٣٨٠ ]
جَبْهَتِهِ وَقَدْ ثَبَتَ مَعْنَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عبد الله ابن زَيْدٍ فِي صِفَةِ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ وَمُسْلِمٌ يَدَهُ بِالْإِفْرَادِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فَاغْتَرَفَ بِهِمَا فغسل وجه ثَلَاثًا وَكَذَا هُوَ بِالتَّثْنِيَةِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ ﵁ لَكِنْ فِي إسْنَادِهَا ضَعْفٌ وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً فجعل بها هكذا أضافها الي يديه الْأُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ ذلك سنة لكن الاخذ بالتكفين أَفْضَلُ عَلَى الْمُخْتَارِ لِمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَآخَرُونَ يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ رَأْسِهِ وَرَقَبَتِهِ وَمَا تَحْتَ ذَقَنِهِ مَعَ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ إلَّا بِذَلِكَ كَمَا يَجِبُ إمْسَاكُ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي الصِّيَامِ لِيَسْتَوْعِبَ النَّهَارَ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَ ذِكْرِ الْقُلَّتَيْنِ
* (الثَّالِثَة) لَوْ خَرَجَتْ
[ ١ / ٣٨١ ]
فِي وَجْهِهِ سِلْعَةٌ وَخَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ وَجَبَ غَسْلُهَا كُلَّهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبَا الْبَحْرِ وَالْبَيَانِ لِنُدُورِهِ وَلِأَنَّهَا كُلَّهَا تُعَدُّ مِنْ الْوَجْهِ وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ طَرِيقَيْنِ أَصَحُّهُمَا هَذَا: وَالثَّانِي أَنَّ الْخَارِجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ فِيهِ قَوْلَانِ كَاللِّحْيَةِ الْمُسْتَرْسِلَةِ (الرَّابِعَةُ) لَوْ قُطِعَ أَنْفُهُ أَوْ شَفَتُهُ هَلْ يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ كَمَا لَوْ كَشَطَ جِلْدَةَ وَجْهِهِ أَوْ يَدِهِ: وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ غَسْلُهُ قَبْلَ الْقَطْعِ وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ (الْخَامِسَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ
يُسْتَحَبُّ غَسْلُ النَّزَعَتَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ جَعَلَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ فَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ
* (السَّادِسَةُ) يَجِبُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَتَيْنِ ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ
* (السَّابِعَةُ) لَوْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ عَلَى رَأْسَيْنِ وَجَبَ غَسْلُ الْوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ قَالَ وَيُجْزِئُهُ مَسْحُ أَحَدِ الرَّأْسَيْنِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ مَسْحُ بَعْضِ كُلِّ رَأْسٍ (الثَّامِنَةُ) يَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَ الصُّدْغَيْنِ وَهَلْ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ أَوْ الْوَجْهِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهِ سَنُوَضِّحُهَا فِي فَصْلِ مَسْحِ الرَّأْسِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (التَّاسِعَةُ) لَا يَجِبُ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْوَجْهِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ لَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْغُسْل لَكِنْ يُسْتَحَبُّ: هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ يَجِبُ وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ بِدَلَائِلِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْغُسْلِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَاَللَّهُ اعلم * قال المصنف ﵀
* (ثم غسل يديه وهو فرض لقوله تعالى (وايديكم إلى المرافق) ويستحب ان يبدأ باليمني ثم باليسري لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وإذا توضأتم فابدؤا بميامنكم فان بدا باليسرى جاز لقوله تعالى (وايديكم) ولو وجب الترتيب فيهما لما جمع بينهما)
* (الشرح) اما حديث ابى هريرة هذا حديث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ مِنْ سُنَنِهِمَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَفْظُهُ فِي أَكْثَرِ كُتُبِ الْحَدِيثِ إذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فابدؤا بايامنكم كَمَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ الْأَيَامِنُ: جمع ايمن والميمامن جَمْعُ مَيْمَنَةٍ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَبْدَأُ بِالْيُمْنَى ثُمَّ بِالْيُسْرَى هُوَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ وَلَا حَاجَةَ
[ ١ / ٣٨٢ ]
إلى قوله ثم باليسرى ولانه قَدْ عُلِمَ بِقَوْلِهِ يَغْسِلُ يَدَيْهِ وَيَبْدَأُ بِالْيُمْنَى أَنَّ الْيُسْرَى بَعْدَهَا وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ نَظِيرَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَيُقَالُ فِيهَا كُلِّهَا مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَغَسْلُ الْيَدَيْنِ فَرْضٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وتقديم البمنى سُنَّةٌ (١) بِالْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ يَبْدَأُ بِيَسَارِهِ وَكَذَا نَقَلَ
الْإِجْمَاعَ فِيهِ آخَرُونَ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ الشِّيعَةِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى وَاجِبٌ لَكِنَّ الشِّيعَةَ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ
* وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ المذكور ولا صحابنا بِمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى (وايديكم) وَلَوْ وَجَبَ التَّرْتِيبُ لَبَيَّنَهُ فَقَالَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيَامِنَكُمْ وَشَمَائِلَكُمْ كَمَا رَتَّبَ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَقْدِيمِ الْيَمِينِ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَبَدَأَ بِالشِّمَالِ وَفِي رِوَايَةٍ مَا أُبَالِي لَوْ بَدَأْتُ بِالشِّمَالِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي تَقْدِيمِ الشِّمَالِ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ إجْمَاعِ مَنْ يعتد به
*
_________________
(١) قوله سنة بالاجماع فيه نظر فقد حكي الرافعي في الشرح عن احمد رواية بوجوبه وان المرتضى من الشيعة حكاه عن الشافعي في القديم والله اعلم اه اذرعي
[ ١ / ٣٨٣ ]
(فَرْعٌ)
تَقْدِيمُ الْيَسَارِ وَإِنْ كَانَ مُجْزِئًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ الله تعالى في الام ومنه نقلت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيَمِينِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَلُبْسِ الثوب والنعل والخف والسر اويل ودخول المسجد والسواك والا كتحال وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخَلَاءِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُصَافَحَةِ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيَسَارِ فِي ضِدِّ ذَلِكَ كَالِامْتِخَاطِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَخَلْعِ الخف والسراويل والثوب والنعل وفعل المستقذرات واشبه ذَلِكَ وَدَلِيلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ: مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا قَالَتْ كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ: وَكَانَتْ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صحيح وعن حفصة
﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وشرابه وثيابه ويجعل يساره لِمَا سِوَى ذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُنَّ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ ﵂ ابد أن بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا
[ ١ / ٣٨٤ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ إذَا لَبَسْتُمْ وَإِذَا توضأتم فابدؤا بِأَيَامِنِكُمْ وَثَبَتَ الِابْتِدَاءُ فِي الْوُضُوءِ بِالْيَمِينِ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ ﵃
* وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ باليمنى وإذا نزع بالشمال لتكون اليمني أو لهما تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ إذَا دَخَلْت الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِك الْيُمْنَى وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِك الْيُسْرَى رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ فِي أَوَائِلِ بَابِ صفة الصلاة وقال هو حديث صحح عَلَى شَرْطِ مُسْلِمِ
* (فَرْعٌ)
إنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيَمِينِ فِي الْوُضُوءِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَأَمَّا الْكَفَّانِ وَالْخَدَّانِ وَالْأُذُنَانِ فَالسُّنَّةُ تَطْهِيرُهُمَا مَعًا فَإِنْ كان اقطع قدم اليمني والله اعلم * قال المصنف ﵀
* (ويجب ادخال المرفقين في الغسل لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا توضأ امر الماء علي مرفقيه)
* (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلَفْظُهُ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ زُفَرَ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق) فَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَالْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ
[ ١ / ٣٨٥ ]
أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ كَلَامًا مُخْتَصَرُهُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ وَآخَرُونَ قَالُوا إلَى بِمَعْنَى مَعَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ وَأَبُو اسحق الزَّجَّاجُ وَآخَرُونَ
إلَى لِلْغَايَةِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الا شهر فَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى مَعَ فَدُخُولُ الْمِرْفَقِ ظَاهِرٌ وَإِنَّمَا لَمْ يُدْخِلْ الْعَضُدَ لِلْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَتْ للغاية فالجد يَدْخُلُ إذَا كَانَ التَّحْدِيدُ شَامِلًا لِلْحَدِّ وَالْمَحْدُودِ كَقَوْلِك قَطَعْت أَصَابِعَهُ مِنْ الْخِنْصَرِ إلَى الْمُسَبِّحَةِ أَوْ بِعْتُك هَذِهِ الْأَشْجَارَ مِنْ هَذِهِ إلَى هَذِهِ فَإِنَّ الْأُصْبُعَيْنِ وَالشَّجَرَتَيْنِ دَاخِلَانِ فِي الْقَطْعِ وَالْبَيْعِ بِلَا شَكٍّ لِشُمُولِ اللَّفْظِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالتَّحْدِيدِ فِي مِثْلِ هَذَا إخْرَاجَ مَا وَرَاءَ الْحَدِّ مَعَ بَقَاءِ الْحَدِّ دَاخِلًا فَكَذَا هُنَا اسْمُ الْيَدِ شَامِلٌ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى الابط: ففائدة التحديد بالمرافق اخراج ما فوق المرفق مَعَ بَقَاءِ الْمِرْفَقِ
* وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدَيْنِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقَيْنِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَثَبَتَ غُسْلُهُ
[ ١ / ٣٨٦ ]
ﷺ الْمِرْفَقَيْنِ وَفِعْلُهُ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ تَرْكُهُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَالْمِرْفَقُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ عكسه لغتان مشهورتان الاولى افصحهما وهو مجتمع العظمين الْمُتَدَاخِلَيْنِ وَهُمَا طَرَفَا عَظْمِ الْعَضُدِ وَطَرَفُ عَظْمِ الذِّرَاعِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَيْهِ الْمُتَّكِئُ إذَا أَلْقَمَ رَاحَتَهُ رَأْسَهُ وَاتَّكَأَ عَلَى ذِرَاعِهِ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ فِي ضَبْطِ المرفق والله اعلم * قال المصنف ﵀
* (وان طالت أظافيره وخرجت عن رؤوس الاصابع ففيه طريقان قال أبو على بن خيران يجب غسلها قولا واحدا لان ذلك نادر: ومن أصحابنا من قال فيه قولان كاللحية المسترسلة) (الشَّرْحُ) هَذَانِ الطَّرِيقَانِ مَشْهُورَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي على بن أبي هريرة ﵁ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ الْجُرْجَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللِّحْيَةِ بِأَنَّ هَذَا نَادِرٌ وَلِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي غَسْلِهِ وَلِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ.
وَاللِّحْيَةُ تُخَالِفُهُ فِي كُلِّ هَذَا فَلَوْ كَانَ عَلَى طَرَفِ ظُفْرِهِ الْخَارِجِ شَمْعٌ وَنَحْوُهُ فَإِنْ لَمْ نُوجِبْ غَسْلَهُ صَحَّ وُضُوءُهُ وَإِلَّا فَلَا: وَالْأَظَافِيرُ وَالْأَظْفَارُ جَمْعُ ظُفْرٍ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ السِّوَاكِ وَاللِّحْيَةِ الْمُسْتَرْسِلَةِ بِكَسْرِ السِّينِ الثَّانِيَةِ وَابْنُ خَيْرَانَ تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ وَحَالِهِ فِي بَابِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
*
(وَإِنْ كَانَ لَهُ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ أَوْ كَفٌّ زَائِدَةٌ لَزِمَهُ غَسْلُهَا لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ يَدَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ عَلَى مَنْكِبٍ أَوْ مِرْفَقٍ لَزِمَهُ غَسْلُهُمَا لِوُقُوعِ اسْمِ الْيَدِ عيلهما وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا تَامَّةً وَالْأُخْرَى نَاقِصَةً فَالتَّامَّةُ هِيَ الْأَصْلِيَّةُ وَيُنْظَرُ فِي النَّاقِصَةِ فَإِنْ خُلِقَتْ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ لَزِمَهُ غَسْلُهَا كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وان خلفت عَلَى الْعَضُدِ وَلَمْ تُحَاذِ مَحَلَّ الْفَرْضِ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُهَا وَإِنْ حَاذَتْ بَعْضَ مَحَلِّ الْفَرْضِ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا حَاذَى مِنْهَا مَحَلَّ الْفَرْضِ)
[ ١ / ٣٨٧ ]
(الشَّرْحُ) فِي الْأُصْبُعِ عَشْرُ لُغَاتٍ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ السِّوَاكِ: وَالْكَفُّ مُؤَنَّثَةٌ فِي اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ وَحُكِيَ تَذْكِيرُهَا سُمِّيَتْ كَفًّا لِأَنَّهُ يَكُفُّ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْبَدَنِ وَقِيلَ لِأَنَّ بِهَا يَضُمُّ وَيَجْمَعُ وَالْمَنْكِبُ مُجْتَمَعُ مَا بَيْنَ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ وَجَمْعُهُ مَنَاكِبُ وَالْعَضُدُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الضَّادِ وَيُقَال بِإِسْكَانِ الضَّادِ مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْأُولَى أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا كَانَ لَهُ أُصْبُعٌ أَوْ كَفٌّ زَائِدَةٌ وَجَبَ غَسْلُهَا بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ: وَإِنْ كَانَ لَهُ يَدَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الْبَطْشِ وَالْخِلْقَةِ وَجَبَ غَسْلُهُمَا أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ لِوُقُوعِ اسْمِ الْيَدِ: وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا تَامَّةً وَالْأُخْرَى نَاقِصَةً فَالتَّامَّةُ هِيَ الْأَصْلِيَّةُ فَيَجِبُ غَسْلُهَا: وَأَمَّا النَّاقِصَةُ فَإِنْ خُلِقَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُهَا أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ قَالَ الرافعى وغيره وسواء جاوز طولهما الْأَصْلِيَّةَ أَمْ لَا: قَالَ وَمِنْ الْأَمَارَاتِ الْمُمَيِّزَةِ للزائدة تَكُونَ فَاحِشَةَ الْقِصَرِ وَالْأُخْرَى مُعْتَدِلَةً وَمِنْهَا فَقْدُ الْبَطْشِ وَضَعْفِهِ وَنَقْصُ الْأَصَابِعِ: وَإِنْ خُلِقَتْ النَّاقِصَةُ على العضد ولم يخاذ شئ مِنْهَا مَحَلَّ الْفَرْضِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ حَاذَتْهُ وَجَبَ غَسْلُ الْمُحَاذِي عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ نَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ قَالَ المسألة محتملة جداو لكني لَمْ أَرَ فِيهَا إلَّا نَقْلَهُمْ النَّصَّ: هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَنَقَلَ جَمَاعَاتٌ فِي وُجُوبِ غَسْلِ الْمُحَاذِي وَجْهَيْنِ (١) مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الرَّافِعِيُّ قال كثيرن مِنْ الْمُعْتَبَرِينَ لَا يَجِبُ: لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَصْلًا وَلَا نَابِتَةً فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ
فَتُجْعَلُ تَبَعًا وجملوا النص علي ما إذا لصق شئ مِنْهَا بِمَحَلِّ الْفَرْضِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ نَبَتَتْ سِلْعَةٌ فِي الْعَضُدِ وَتَدَلَّتْ إلَى السَّاعِدِ لم يجب غسل شئ مِنْهَا بِلَا خِلَافٍ إذَا تَدَلَّتْ وَلَمْ تَلْتَصِقْ والله أعلم
*
_________________
(١) ويمنع الوجوب أجاب الشيخ أبو محمد في التبصرة قال في البحر وهو الاقرب عندي قلت هو القياس الظاهر اه اذرعي
[ ١ / ٣٨٨ ]
(فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ لَهُ يَدَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ يَلْزَمُهُ غَسْلُهُمَا وَلَوْ سَرَقَ هَذَا الشَّخْصُ قُطِعَتْ إحْدَاهُمَا فَقَطْ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كتاب الانتخاب ذكروه فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَطَعَ بِهِ أَيْضًا الْبَغَوِيّ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْبَغَوِيّ تُقْطَعُ إحْدَاهُمَا ثُمَّ إذَا سَرَقَ ثَانِيًا قُطِعَتْ الْأُخْرَى وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ قَالَ الْأَصْحَابُ نَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا فَغَيْرُ مُوَافَقٌ عَلَيْهِ بَلْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ وَرَدُّوهُ وَالصَّوَابُ الِاكْتِفَاءُ بِإِحْدَاهُمَا وَفَرَّقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ بِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَأَمَّا الْحَدُّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* (وان تقلع جلد من الذراع وتدلى منها لزمه غسله لانه في محل الفرض وان تقلع من الذراع وبلغ التقلع إلى العضد ثم تدلى لم يلزمه غسله لانه صار من العضد وان تقلع من العضد وتدلى منه لم يلزمه غسله لانه تدلى من غير محل الفرض وان تقلع من العضد وبلغ التقلع إلى الذراع ثم تدلى لزمه غسله لانه صار من الذراع وان تقلع من أحدهما والتحم بالآخر لزمه غسل ما حاذى منه محل الفرض لانه بمنزلة الجلد الذى على الذراع الي العضد فان كان متجافيا عن ذراعه لزمه غسل ما تحته)
*
[ ١ / ٣٨٩ ]
(الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسَائِلُ الَّتِي ذَكَرَهَا وَاضِحَةٌ وَحَاصِلُهَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْجِلْدِ الْمُتَقَلِّعِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي انْتَهَى التَّقَلُّعِ إلَيْهِ وَتَدَلَّى مِنْهُ فَيُعْتَبَرُ الْمُنْتَهَى ولا ينظر إلى المواضع الذى تقلع منه وهكذا ذكر هذه الصور أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَأَشَارَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ إلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي
حَرْمَلَةَ صَرَّحَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي حَرْمَلَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِحُرُوفِهِ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِأَصْلِهِ فَيَجِبُ غَسْلُ جِلْدَةِ السَّاعِدِ الْمُتَدَلِّيَةِ مِنْ الْعَضُدِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ جِلْدَةِ الْعَضُدِ الْمُتَدَلِّيَةِ مِنْ السَّاعِدِ إذَا لَمْ تَلْتَصِقْ بِهِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَحَّحَهُ المتولي والمختار الاول: ثم حيث أو جبنا غَسْلَ الْمُتَقَلِّعَةِ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا وَغَسْلُ مَا تَقَلَّعَتْ عَنْهُ وَظَهَرَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَقَوْلُهُ فَإِنْ بَلَغَ التَّقَلُّعُ إلَى الْعَضُدِ ثُمَّ تَدَلَّى مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْ غَسْلُهُ يَعْنِي سَوَاءٌ حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ أَمْ لَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي الْيَدِ الْمُتَدَلِّيَةِ مِنْ الْعَضُدِ الْمُحَاذِيَةِ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمُحَاذِي مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ يَقَعُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْجِلْدَةِ كَذَا فَرَّقَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ مُتَجَافِيًا لَزِمَهُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ
[ ١ / ٣٩٠ ]
وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا بِأَنَّ هَذَا نَادِرٌ فَلَا يَسْقُطُ مَا تَحْتَهُ كَلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ الْتَصَقَتْ جِلْدَةُ الْعَضُدِ بِالسَّاعِدِ وَاسْتَتَرَ مَا تَحْتَهَا مِنْ السَّاعِدِ فَغَسَلَهَا ثُمَّ زَالَتْ الْجِلْدَةُ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ تَحْتِهَا لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ظَاهِرِهَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ زَالَتْ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَسَلَ لحيته ثم حلفت لَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا كَانَ تَحْتَهَا لِأَنَّ غَسْلَ بَاطِنِهَا كَانَ مُمْكِنًا وَإِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ غسل الظاهر وقد فعله والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ محل الفرض شئ فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِسَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْيَدِ مَاءً حَتَّى لَا يَخْلُوَ العضو من الطهارة)
* (الشَّرْحُ) قَوْلُهُ يُمِسُّ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَقَوْلُهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ هَذَا مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ وَكَذَا اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ إمْسَاسِهِ الْمَاءَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ هَذَا الِاسْتِحْبَابُ ثَابِتٌ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ قُطِعَتْ فَوْقَ مَحَلِّ الْفَرْضِ حَتَّى لَوْ قُطِعَتْ مِنْ الْمَنْكِبِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُمِسَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مَاءً بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَآخَرُونَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْلِيلِ أَصْلِ هَذَا الْإِمْسَاسِ فقال جماعة حتى لا يخلوا العضو مِنْ طَهَارَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إطَالَةً لِلْغُرَّةِ أَيْ التَّحْجِيلُ وَقَالَ
الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ علي استحبابه فقال أبو إسحق المروزي لئلا يخلو العضو من طهارة وقال الاكثرون استحبه لانه موضع الحلية والتجليل
* وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يُمِسُّ مَا بَقِيَ مَاءً فَكَذَا عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ وَالْمُرَادُ بِالْإِمْسَاسِ غَسْلُ بَاقِي الْيَدِ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا كَانَ غَسْلُ مَا فَوْقَ الْمِرْفَقِ مُسْتَحَبًّا تَبَعًا لِلذِّرَاعِ وَقَدْ زَالَ الْمَتْبُوعُ فَيَنْبَغِي أَلَّا يُشْرَعَ التَّابِعُ كَمَنْ فَاتَهُ صَلَوَاتٌ فِي زَمَنِ الْجُنُونِ وَالْحَيْضِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي
[ ١ / ٣٩١ ]
النَّوَافِلَ الرَّاتِبَةَ التَّابِعَةَ لِلْفَرَائِضِ كَمَا لَا يَقْضِي الْفَرَائِضَ: فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ عَنْ المجنون رخصة مع امكانة فإذ سَقَطَ الْأَصْلُ مَعَ إمْكَانِهِ فَالتَّابِعُ أَوْلَى وَأَمَّا سُقُوطُ غَسْلِ الذِّرَاعِ هُنَا فَلِتَعَذُّرِهِ وَالتَّعَذُّرُ مُخْتَصٌّ بِالذِّرَاعِ فَبَقِيَ الْعَضُدُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ وَصَارَ كَالْمُحْرِمِ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ محل الفرض شئ فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ فِيهِ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا بقى من محل الفرض شئ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ بِلَا خِلَافٍ (١) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بشئ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الْأَقْطَعُ عَلَى الْوُضُوءِ وَوَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ (٢) فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَلَّى وَأَعَادَ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً ولا ترابا) (الشَّرْحُ) إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُضُوءِ لَزِمَهُ تَحْصِيلُ مَنْ يُوَضِّئُهُ إمَّا مُتَبَرِّعًا وَإِمَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إذَا وَجَدَهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْأُجْرَةَ أَوْ وَجَدَهَا وَلَمْ يجد من يستأجره أو وجده فَلَمْ يَقْنَعْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَأَعَادَ كَمَا يُصَلِّي وَيُعِيدُ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا فَالصَّلَاةُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ والاعادة لا ختلال الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ نَادِرٍ هَذَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ الْأَقْطَعُ عَلَى التَّيَمُّمِ فَإِنْ قَدَرَ لَزِمَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ وَيُعِيدَ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ هُوَ الصَّوَابُ الذى
_________________
(١) قيل ان الامام قال في باب زكاة الفطر ان اليد لو قطعت من الذراع لا يجب غسل الباقي وهذا غريب جدا قال فان صح نقله فهو غلط اه من هامش الاذرعي (٢) لا شك في جريان الوجه الذي يقول إذا وجد الماء يباع بازيد من ثمن المثل بيسير لزمه شراؤه هنا ذا لافرق فيما ظهر لي والله أعلم اه اذرعي
[ ١ / ٣٩٢ ]
نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَشَذَّ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَقَالَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ لَا يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ بَلْ يُصَلِّي بِحَالِهِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّيَمُّمُ وَهَذَا شَاذٌّ مُنْكَرٌ
* وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَاضِحَةً مَبْسُوطَةً وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ مُتَبَرِّعًا لَزِمَهُ الْقَبُولُ إذْ لَا منة: والشراء يمد وَيُقْصَرُ لُغَتَانِ فَإِذَا مُدَّ كُتِبَ بِالْأَلِفِ وَإِذَا قصر كتب بالياء والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ مِنْ الْحَدَثِ وَكَذَا لَوْ مَسَحَ شَعْرَ رَأْسِهِ ثُمَّ حَلَقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ مَسْحُ مَا ظَهَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَمَّا تَحْتَهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِظُهُورِهِ طَهَارَةٌ كَمَا لَوْ غَسَلَ يَدَهُ ثُمَّ كَشَطَ جِلْدَهُ فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ لِأَنَّهُ صَارَ ظَاهِرًا وَإِنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ ثَقْبٌ لَزِمَهُ غَسْلُ بَاطِنِهِ لِأَنَّهُ صار ظاهرا)
* (الشرح التف أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَوْ رِجْلُهُ أَوْ حُلِقَ رَأْسُهُ أَوْ كُشِطَتْ جِلْدَةٌ مِنْ وَجْهِهِ أَوْ يَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ ولا مسحه مادام عَلَى تِلْكَ الطَّهَارَةِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَكَذَا رَأَيْته أَنَا فِي الْبُوَيْطِيِّ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ
* وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُمْ أو جبوا طَهَارَةَ ذَلِكَ الْعُضْوِ وَوَقَعَ فِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَلَطٌ فَقَالَا لَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ ذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ خَيْرَانَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ نَقَلَهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ فَيَقْتَضِي هَذَا أَنْ يَكُونَ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ فَإِنَّ ابا علي ابن خَيْرَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَمُتَقَدِّمِيهِمْ فِي الْعَصْرِ وَالْمَرْتَبَةِ وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ وَتَصْحِيفٌ وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا غَلَطٌ وتصحيف وان صوابه خلافا لا بن جَرِيرٍ بِالْجِيمِ وَهُوَ إمَامٌ مُسْتَقِلٌّ لَا يُعَدُّ قَوْلُهُ وَجْهًا فِي مَذْهَبِنَا وَقَدْ نَقَلَهُ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالْخُرَاسَانِيُّونَ أَجْمَعُونَ وَالْغَزَالِيُّ أَيْضًا فِي الْبَسِيطِ عَنْ ابْنِ جَرِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
وَقَوْلُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ مِنْ الْحَدَثِ احْتِرَازٌ مِنْ النَّجَسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمُقْطَعِ مِنْ النَّجَاسَةِ إنْ كَانَتْ فَإِنْ خَافَ مِنْ غَسْلِهِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ مَنْ عَلَى قُرْحِهِ دَمٌ يَخَافُ مِنْ غَسْلِهِ فَيُصَلِّي بِحَالِهِ وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فِي الْجَدِيدِ إنْ كَانَ دَمًا كَثِيرًا بِحَيْثُ لَا يُعْفَى عَنْهُ: وَقَوْلُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَمَّا تَحْتَهُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بينه وبين الخف: وقوله فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْوَجْهِ فِي مَسَائِلِ الْفَرْعِ وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ تَطَهَّرَ ثُمَّ قُطِعَ أَنْفُهُ
[ ١ / ٣٩٣ ]
أَوْ شَفَتُهُ هَلْ يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ وَقَوْلُهُ وَإِنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ ثَقْبٌ لَزِمَهُ غَسْلُ بَاطِنِهِ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُقَال ثَقْبٌ وثقب بفتح الثاء وضمها لغتان ذكر هما الْفَارَابِيُّ فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ أَشْهَرُهُمَا الْفَتْحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِغَسْلِ الْيَدِ إحْدَاهَا قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ فِي غَسْلِ يَدَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فَيُجْرِيَ الْمَاءَ عَلَى يَدِهِ وَيُدِيرَ كَفَّهُ الْأُخْرَى عَلَيْهَا مُجْرِيًا لِلْمَاءِ بِهَا إلَى مِرْفَقِهِ وَلَا يَكْتَفِي بِجَرَيَانِ الْمَاءِ بِطَبْعِهِ فَإِنْ صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بَدَأَ بِالصَّبِّ مِنْ مِرْفَقِهِ إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَيَقِفُ الصَّابُّ عَنْ يَسَارِهِ (الثَّانِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ فِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ فَلَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ بِتَحْرِيكِهِ أَوْ خَلْعِهِ وَإِنْ تَحَقَّقَ وُصُولُهُ اُسْتُحِبَّ تَحْرِيكُهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ حَدِيثًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَثَرِ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُمَا كَانَا إذَا تَوَضَّآ حَرَّكَا الْخَاتَمَ (الثَّالِثَةُ) يُسْتَحَبُّ دَلْكُ الْيَدَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُ أَصَابِعِهِمَا وَسَنُوَضِّحُهُ فِي مَسْأَلَةِ تَخْلِيلِ الرِّجْلَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ كَانَ عَلَى يَدِهِ شَعْرٌ كَثِيفٌ لَزِمَهُ غَسْلُهُ مَعَ الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ لِنُدُورِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ الْوَجْهِ (الرَّابِعَةُ) إذا قطعت يده فله ثلاثة أحوال ذكره الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ أَحَدُهَا تُقْطَعُ مِنْ تَحْتِ الْمِرْفَقِ فَيَجِبُ غَسْلُ بَاقِي محل الفرض بلا خلاف
* (الثاني) يُقْطَعُ فَوْقَ الْمِرْفَقِ فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْبَاقِي كَمَا سَبَقَ (الثَّالِثُ) يُقْطَعُ مِنْ نفس المرفق بأن يسل
الذراع ويبقى العظمان: فَنَقَلَ الرَّبِيعُ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ ما بقى من المرفق وهو العظمان وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَحَكَى عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِ عَلَى طَرِيقَيْنِ
* أَحَدُهُمَا يَجِبُ غَسْلُهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَبَاقِي الْعِرَاقِيِّينَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ
[ ١ / ٣٩٤ ]
قَالُوا وَغَلِطَ الْمُزَنِيّ فِي النَّقْلِ وَكَانَ صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ قَطَعَ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ فَأَسْقَطَ لَفْظَةَ فَوْقِ: وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِيهِ قَوْلَانِ وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وُجُوبُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْلِ الْقَوْلَيْنِ فَقِيلَ هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ غسل العظمين الْمُحِيطَيْنِ بِإِبْرَةِ الذِّرَاعِ كَانَ قَبْلَ الْقَطْعِ تَبَعًا لِلْإِبْرَةِ أَمْ مَقْصُودًا وَفِيهِ قَوْلَانِ فَإِنْ قُلْنَا تَبَعًا لَمْ يَجِبُ وَإِلَّا وَجَبَ وَقِيلَ مَبْنِيَّانِ على أن حقيقة المرفق ماذا: فَفِي قَوْلٍ هُوَ إبْرَةُ الذِّرَاعِ الدَّاخِلَةُ بَيْنَ ذينك العظمين وفي قول هو الابرة مع العظمين فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ وَعَلَى الثَّانِي يَجِبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* (ثم يمسح برأسه وهو فرض لقوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم) والرأس ما اشتمل عليه منابت الشعر المعتاد والنزعتان منه لانه في سمت الناصية والصدغ من الرأس لانه من منابعت شعره)
* (الشَّرْحُ) يُقَالُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَالنَّزَعَتَانِ بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّاي هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ وحكيت لغية بِإِسْكَانِ الزَّاي وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ فِيهِمَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَالنَّزَعَتَانِ هُمَا الْمَوْضِعَانِ الْمُحِيطَانِ بالناصية في جانبي الجبينين اللذان يَنْحَسِرُ شَعْرُ الرَّأْسِ عَنْهُمَا فِي بَعْضِ النَّاسِ وأما الناصية فهى الشعر الذى بَيْنَ النَّزَعَتَيْنِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الِانْتِخَابِ وَحَكَاهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ هِيَ قِصَاصُ الشَّعْرِ وَجَمْعُهَا نَوَاصٍ وَيُقَالُ لِلنَّاصِيَةِ نَاصَاةً بِلُغَةِ طئ كما يقولون للجارية جاراه وَنَحْوُهُ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَسْحُ الرَّأْسِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَقَوْلُهُ وَالرَّأْسُ مَا اشْتَمَلَتْ عليه منابت
[ ١ / ٣٩٥ ]
الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَقَوْلُهُ وَالنَّزَعَتَانِ مِنْهُ هَذَا مَذْهَبُنَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الاصحا ب وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا النَّزَعَتَانِ مِنْ الْوَجْهِ لِذَهَابِ الشَّعْرِ عَنْهُمَا وَاتِّصَالِهِمَا بِالْوَجْهِ
* وَدَلِيلُنَا أَنَّهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي حَدِّ الرَّأْسِ فَكَانَتَا مِنْهُ وَلَيْسَ ذَهَابُ الشَّعْرِ مُخْرِجًا لَهُمَا عَنْ حُكْمِ الرَّأْسِ كَمَا لَوْ ذَهَبَ شَعْرُ نَاصِيَتِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْعَرَبُ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ النَّزَعَةَ من الرأس وذلك ظاهر في شعرهم نص الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى اسْتِحْبَابِ غَسْلِ النَّزَعَتَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَنَقَلَ النَّصَّ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ غَسْلَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا الصُّدْغُ فَهُوَ بِالصَّادِ وَيُقَالُ بِالسِّينِ لُغَتَانِ الصَّادُ أَشْهَرُ وَهُوَ الْمُحَاذِي لِرَأْسِ الْأُذُنِ نَازِلًا إلَى أَوَّلِ الْعِذَارِ هَكَذَا ضَبَطَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَآخَرُونَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حامد هو المحاذي رأس الْأُذُنِ وَمَوْضِعِ التَّحْذِيفِ قَالَ وَرُبَّمَا تَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ الْحَلْقِ قَالَ وَيَنْبَغِي أَلَّا يُتْرَكَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ الصُّدْغُ مِنْ الرَّأْسِ مِمَّنْ قَطَعَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ فِي الْكِفَايَةِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا مِنْ الرَّأْسِ وَالثَّانِي مِنْ الْوَجْهِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ وَجُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ مَا اسْتَعْلَى عَلَى الْأُذُنَيْنِ مِنْهُ فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ وَمَا انْحَدَرَ عَنْهُمَا فَمِنْ الْوَجْهِ قَالَ الرُّويَانِيُّ هَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ هَذَا الثَّالِثُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ
* وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو عَلَى الْجُمْهُورِ كَوْنَهُمْ قَطَعُوا بِأَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ وَقَالَ الَّذِي رَأَيْته مَنْصُوصًا صَرِيحًا لِلشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الرَّبِيعِ وَمُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ أَنَّ الصُّدْغَ مِنْ الْوَجْهِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيِّ ثُمَّ قَالَ وَالْمَذْهَبُ مَا نَقَلْته عَنْ النَّصِّ وَكَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الا السر خسي صَاحِبُ الْأَمَالِي فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ وَتَأَوَّلَهُ وَقَالَ أَرَادَ بِالصُّدْغِ الْعِذَارَ وَهَذَا مَتْرُوكٌ عَلَيْهِ هَذَا كَلَامُ إلى عَمْرٍو وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِهِ الْأَقْسَامِ وَابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ وَالْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ الصُّدْغَانِ مِنْ الْوَجْهِ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالصُّدْغِ الْعِذَارَ فان ابن القاص وَإِذَا لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ بَشَرَةَ وَجْهِهِ أَجْزَأَهُ
[ ١ / ٣٩٦ ]
إنْ كَانَ شَعْرُهُ كَثِيرًا إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبَيْنِ وَالْعَنْفَقَةِ وَمَوَاضِعِ الصُّدْغَيْنِ هَذَا لَفْظُ ابْنِ الْقَاصِّ وَلَفْظُ الْقَفَّالِ مِثْلُهُ وَزَادَ الْقَفَّالُ بَيَانًا فَقَالَ فِي أَحَدِ تَعْلِيلَيْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَجْهَ أَحَاطَ بِالصُّدْغَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي وَرَاءَ الصُّدْغِ إلَى الْأُذُنِ مِنْ الْوَجْهِ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالصُّدْغِ الْعِذَارُ فَبِهَذَا عَلَّلَ الْأَصْحَابُ غَسْلَ الْعِذَارِ فِي أَحَدِ التَّعْلِيلَيْنِ كَمَا سَبَقَ وَأَمَّا نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَمُحْتَمَلٌ أَنَّهُ أَرَادَ بِالصُّدْغِ الْعِذَارَ كَمَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَكَذَا تَأَوَّلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ وَإِذَا غَسَلَ الْأَمْرَدُ وَجْهَهُ غَسَلَهُ كُلَّهُ ولحيته وصدغيه إلَى أُصُولِ أُذُنَيْهِ وَإِذَا غَسَلَ الْمُلْتَحِي وَجْهَهُ غَسَلَ مَا أَقْبَلَ مِنْ شَعْرِ اللِّحْيَةِ إلَى وَجْهِهِ وَأَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى الصُّدْغِ وَمَا خَلْفَ الصُّدْغِ إلَى الْأُذُنِ فَإِنْ تَرَكَ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَعَادَ هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ وَمِنْ مُخْتَصَرِ الرَّبِيعِ وَالْبُوَيْطِيِّ نَقَلْته وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ نَصَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ بِحُرُوفِهِ ثُمَّ قَالَ قَالَ أَصْحَابُنَا أَرَادَ بِالصُّدْغِ هُنَا الْعِذَارَ (قُلْت) وَهَذَا تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَعَلَّ سَبَبَ هَذَا الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي تَحْقِيقِ ضَبْطِ الصُّدْغِ وَتَحْدِيدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ﵂ قَالَتْ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وادبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة) * قال المصنف ﵀
*
[ ١ / ٣٩٧ ]
(والواجب منه أن يمسح ما يقع عليه اسم المسح وان قل وقال أبو العباس بن القاص أقله ثلاث شعرات كما نقول في الحق في الاحرام والمذهب أنه لا يتقدر لان الله تعالى أمر بالمسح وذلك يقع على القليل والكثير)
* (الشَّرْحُ) الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِنَا الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فِي الطُّرُقِ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ لَا يَتَقَدَّرُ وُجُوبُهُ بشئ بَلْ يَكْفِي فِيهِ مَا يُمْكِنُ
* قَالَ أَصْحَابُنَا حَتَّى لَوْ مَسَحَ بَعْضَ شَعْرَةِ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَيُتَصَوَّر الْمَسْحُ عَلَى بَعْضِ شَعْرَةٍ بِأَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ مَطْلِيًّا بِحِنَّاءٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الشَّعْرِ ظَاهِرًا إلَّا شَعْرَةً فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهَا عَلَى رَأْسِهِ الْمَطْلِيِّ وَقَالَ ابن القاص وأبو الحسن بن خير ان فِي كِتَابِهِ اللَّطِيفِ وَهُوَ غَيْرُ أَبِي عَلِيِّ بن
خير ان أَقَلُّهُ مَسْحُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّ أَقَلَّهُ أَنْ يمسح بأقل شئ من أصبعه على أقل شئ من رأسه مِنْ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ فِي الْعُرْفِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْزِيَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ النَّاصِيَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمْسَحْ أَقَلَّ مِنْهَا
* وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْمُزَنِيِّ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَا نَقُولُ فِي الْحَلْقِ فِي الْإِحْرَامِ يَعْنِي الْحَلْقَ الَّذِي هُوَ نُسُكٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ وَكَذَا الْحَلْقُ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ لَا تَكْمُلُ الْفِدْيَةُ فِيهِ إلَّا بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَقَاسَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْحَلْقِ الْأَوَّلِ وَآخَرُونَ عَلَى الثَّانِي وَآخَرُونَ عَلَيْهِمَا وَكُلُّهُ صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[ ١ / ٣٩٨ ]
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي أَقَلِّ مَا يجزى من مسح الر أس وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَإِنْ قَلَّ وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَدَاوُد
* وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ أَشْهُرُهَا رُبْعُ الرَّأْسِ وَالثَّانِيَةُ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بثلاث أصابع والثالثة قَدْرُ النَّاصِيَةِ
* وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ نِصْفُ الرَّأْسِ وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْمُزَنِيِّ جَمِيعُ الرَّأْسِ عَلَى المشهور عنهم وقال محمد بن مسلمة مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إنْ تَرَكَ نَحْوَ ثُلُثِ الرَّأْسِ جَازَ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ
* وَاحْتُجَّ لمن أوجب الجميع بقوله تعالي (وامسحوا برؤوسكم) قَالُوا وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العتيق) وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ الْجَمِيعَ وَقِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ فِي قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم) وَيَجِبُ فِيهِ الِاسْتِيعَابُ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْمَسْحَ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ فَهَذَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ وَيَمْنَعُ التَّقْدِيرَ بِالرُّبْعِ وَالثُّلُثِ وَالنِّصْفِ فَإِنَّ النَّاصِيَةَ دُونَ الرُّبْعِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ
* والذى اعتمده امام الحرمين في كتابه الا ساليب في الخلاف ان المسح إذا اطلق في المفهوم منه المسح من غير اشتراط للاستعاب وانظم إلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ النَّاصِيَةَ وَحْدَهَا وَلَمْ يَخُصَّ أَحَدٌ النَّاصِيَةَ وَمَنَعَ جَوَازَ قَدْرِهَا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ مُطْلَقِ الْمَسْحِ
[ ١ / ٣٩٩ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا هُنَا لِلْإِلْصَاقِ بَلْ هِيَ لِلتَّبْعِيضِ وَنَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إذَا دَخَلَتْ الْبَاءُ عَلَى فِعْلٍ يتعدى بنفسه كانت للتبعيض كقوله (وامسحوا برؤوسكم) وان لم يتعد فللالصاق كقوله تعالى (وليطوفا بالبيت) قَالَ أَصْحَابُنَا وَعَلَى هَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ فَيَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ مَسَحَ كُلَّ الرَّأْسِ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ بَيَانًا لِفَضِيلَتِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْبَعْضِ فِي وَقْتٍ بَيَانًا لِلْجَوَازِ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى التَّيَمُّمِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ الِاسْتِيعَابُ وَفِي الرَّأْسِ الْبَعْضُ
* الثَّانِي فَرَّقَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ بَيْنَهُمَا فَقَالَ مَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ حُكْمُ لَفْظِهِ وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الْوَجْهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ حُكْمُ مُبْدَلِهِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْفَرْقُ فَاسِدٌ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ الْخُفِّ بِالْمَسْحِ لَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الثَّانِي أَنَّهُ يُفْسِدُ الْخُفَّ مَعَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَلِهَذَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَسْحُ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ كَالْحَلْقِ فِي الْإِحْرَامِ فَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْحَلْقِ الشعر وتقدير الآية محلقين شعر رؤوسكم وَالشَّعْرُ إمَّا جَمْعٌ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَإِمَّا اسْمُ جِنْسٍ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ النَّحْوِ
[ ١ / ٤٠٠ ]
وَالتَّصْرِيفِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنُوطٍ بِالشَّعْرِ وَاسْمُ الْمَسْحِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَهَذَا الْفَرْقُ مَشْهُورُ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَضْعِيفِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاصِّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ قَدْ سَقَطَ وَبَطَلَ التَّقْدِيرُ فَتَعَيَّنَ الِاكْتِفَاءُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَلْ يَخْتَصُّ قَوْلُ ابْنِ القاص بما إذا مسح الشعر ام يجرى فِي مَسْحِ الْبَشَرَةِ وَيُشْتَرَطُ مَسْحُ قَدْرِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ: فِي كَلَامِ النَّقَلَةِ مَا يُشْعِرُ بِالِاحْتِمَالَيْنِ والاول اظهر والله اعلم * قال المصنف ﵀
* (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ جَمِيعَ الرَّأْسِ فَيَأْخُذَ الْمَاءَ بِكَفَّيْهِ ثُمَّ يُرْسِلَهُ ثُمَّ يُلْصِقَ طَرَفَ سَبَّابَتِهِ بِطَرَفِ
سَبَّابَتِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ يَضَعَهُمَا عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيَضَعَ إبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ ثُمَّ يَذْهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ﵁ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ) وَلِأَنَّ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ مُخْتَلِفَةً فَفِي ذَهَابِهِ يستقبل الشعر الذى علي مقدم رأسه فيقع المسح على باطن الشعر دون ظاهره ولا يَسْتَقْبِلُ الشَّعْرَ مِنْ مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ فَيَقَعُ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الشَّعْرِ فَإِذَا رَدَّ يَدَيْهِ حَصَلَ الْمَسْحُ عَلَى مَا لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ فِي ذهابه)
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ زِيَادَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثم رد هما حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ وَقَدْ أَخَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَلَا بُدَّ مِنْهَا لِأَنَّ بِهَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال لِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرَهُ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هَذَا هُوَ رَاوِي حَدِيثِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُهَذَّبِ هُنَاكَ وَفِي أَوَّلِ بَابِ الشَّكِّ فِي الطلاق وهو
[ ١ / ٤٠١ ]
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ وَأُمُّهُ أُمُّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ شَهِدَ هُوَ وَأُمُّهُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقُتِلَ بِالْحَرَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةٍ وَهُوَ غَيْرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ صَاحِبِ الْأَذَانِ وَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ فِي الْجَدِّ وَالْقَبِيلَةِ وقد أو ضحتهما فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا لِلْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالذَّهَابُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إلَى مُؤَخَّرِهِ وَالرُّجُوعُ إلَى مُقَدَّمِهِ كِلَاهُمَا يُحْسَبُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ الذَّهَابُ من الصفا إلى المرور مَرَّةً وَالرُّجُوعُ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَّا مَرَّةً ثانية على المذهب الصحيح خلافا لا بي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَغَيْرِهِ وَالْفَرْقُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّ تَمَامَ الْمَسْحَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَحْصُلُ عَلَى جَمِيعِ الشَّعْرِ إلَّا بِالذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ فَإِنَّهُ فِي رُجُوعِهِ يَمْسَحُ مَا لَمْ يَمْسَحْهُ فِي ذَهَابِهِ بِخِلَافِ السَّعْيِ فَإِنْ قَطَعَ الْمَسَافَةَ
بِتَمَامِهَا يَحْصُلُ فِي ذَهَابِهِ
* قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الرَّدُّ لِمَنْ لَهُ شَعْرٌ مُسْتَرْسِلٌ أَمَّا مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ أَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ وطلع منه يسير فلا يستح لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْقَفَّالُ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ والمتولي وامام الحرمين والروياني وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ وَكَذَا لَا يُسْتَحَبُّ الرَّدُّ لِمَنْ لَهُ شَعْرٌ كَثِيرٌ مَضْفُورٌ قَالَهُ الْقَفَّالُ وامام الحرمين والروياني وصاحب العدة قال الْقَفَّالُ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَوْ رَدَّ فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا الرَّدُّ لَمْ يُحْسَبُ رَدُّهُ مَرَّةً ثَانِيَةً لِأَنَّ الْبَلَلَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا لِحُصُولِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ
* قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ مَسَحَ طَرَفَ رَأْسِهِ ثُمَّ طَرَفًا
[ ١ / ٤٠٢ ]
آخَرَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ التَّكْرَارِ وَإِنَّمَا هُوَ مُحَاوِلَةٌ لِلِاسْتِيعَابِ وَالِاسْتِيعَابُ سُنَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ التَّكْرَارِ وَرَدُّ الْيَدِ مِنْ الْقَفَا إلَى النَّاصِيَةِ مِنْ الِاسْتِيعَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أُحِبُّ أَنْ يَتَحَرَّى جَمِيعَ رَأْسِهِ وَصُدْغَيْهِ هَذَا لَفْظُهُ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ مَنْ جَعَلَ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرأس قال قال الشافعي ذلك لا ستيعاب الرَّأْسِ وَمَنْ جَعَلَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ قَالَ قَالَ الشافعي ذلك ليصير بالابتداء منهما محتلطا في استيفاء أَجْزَاءِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ هَكَذَا تَرَكَ جُزْءًا مِنْ أَوَّلِ الرَّأْسِ لَا يَمُرُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا مَسَحَ جميع الرأس فوجهان مشهوران لا صحابنا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْفَرْضَ مِنْهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَالْبَاقِي سُنَّةٌ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْجَمِيعَ يَقَعُ فَرْضًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَأَيُّ خَصْلَةٍ فَعَلَهَا حُكِمَ بِأَنَّهَا الْوَاجِبُ ثُمَّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْوَجْهَانِ فِيمَنْ مَسَحَ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَمَّا مَنْ مَسَحَ مُتَعَاقِبًا كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فَمَا سِوَى الْأَوَّلِ سُنَّةٌ قَطْعًا وَالْأَكْثَرُونَ أَطْلَقُوا الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ: مِنْهَا إذَا طَوَّلَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ فَهَلْ الْوَاجِبُ الْجَمِيعُ أَمْ الْقَدْرُ الَّذِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ فِيهِ الْوَجْهَانِ: وَمِثْلُهُ لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَهَلْ الْوَاجِبُ مِنْهُ الْخَمْسُ أَوْ الْجَمِيعُ فيه الوجهن وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الزَّكَاةِ: وَمِثْلُهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يُضَحِّيَ بِهَا فَأَهْدَى بَدَنَةً أَوْ ضَحَّى بِهَا أَجْزَأَهُ وَهَلْ الْوَاجِبُ جَمِيعَهَا أَوْ سُبْعُهَا وَالْبَاقِي تَطَوُّعٌ فِيهِ الْوَجْهَانِ وَقَدْ ذَكَرَهَا
الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ النَّذْرِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوَاجِب الْقَدْرُ الْمُجْزِئُ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي تَكْثِيرِ الثَّوَابِ فَإِنَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ النَّفْلِ وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا فِي الزَّكَاةِ فِي الرُّجُوعِ إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ جَرَى مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْوَاجِبِ لَا فِي النَّفْلِ وَفَائِدَتُهُمَا فِي النَّذْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِمَا
[ ١ / ٤٠٣ ]
لَا الْوَاجِبِ عَلَى الصَّحِيحِ فَهَذَا مُخْتَصَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَسَنُوضِحُهَا فِي أَبْوَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ أَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْقَوْلَانِ فِي الْوَقَصِ فِي الزَّكَاةِ هَلْ هُوَ عَفْوٌ أَمْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَرْضُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ طَرَفَ سَبَّابَتِهِ هِيَ الْأُصْبُعُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ لِأَنَّهُ يشاربها عِنْدَ السَّبِّ وَمُقَدَّمِ هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ فَهَذِهِ أُفْصِحُ اللُّغَاتِ الَّتِي فِيهِ وَهُنَّ سِتٌّ وَهِيَ جَارِيَاتٌ فِي الْمُؤَخَّرِ وَالْإِبْهَامِ بِكَسْرِ الهمزة هي الاصبع العظمى وهي معروفة وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ فِي شَرْحِ الْجَمَلِ وَتَذْكِيرُهَا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَجَمْعُهَا أَبَاهِمُ عَلَى وزن أكابر وقال الجوهرى أباهيم بالياء والقفا مقصور والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ فَمَسَحَ الشَّعْرَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ مَسَحَ الْبَشَرَةَ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى رأسا) (الشرح) هذا الذى قطع بن من التخير بَيْنَ مَسْحِ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ وَآخَرُونَ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الشيخ أبو حامد والبند نيجى وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ إنْ كَانَ عَلَى بَعْضِ رَأْسِهِ شَعْرٌ وَلَا شَعْرَ عَلَى بَعْضِهِ تَخَيَّرَ بَيْنَ مَسْحِ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ وَإِنْ كَانَ على رأسه شعرتين مَسْحُهُ وَلَا تُجْزِئُ الْبَشَرَةُ لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ إلَى الشَّعْرِ فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ كَمَا لَوْ غَسَلَ بَشَرَةَ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ وَتَرَكَ شَعْرَهَا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ كَذَا قَطَعَ به الاصحاب في الطرق وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي اللِّحْيَةِ وليس بشئ وَفَرَّقَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ بَيْنَ مَسْحِ بَشَرَةِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ غَسْلُ الْوَجْهِ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَهِيَ
تَحْصُلُ بِالشَّعْرِ دُونَ الْبَشَرَةِ وَأَمَّا الرَّأْسُ فَهُوَ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا وَالْبَشَرَةُ عَالِيَةٌ وَلِأَنَّ أَهْلَ اللِّسَانِ وَالْعُرْفِ يَعُدُّونَ ماسح بشرة الرأس ما سحا عَلَى الرَّأْسِ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَوْجُهُ أَحَدُهَا تُجْزِئُهُ الْبَشَرَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ
[ ١ / ٤٠٤ ]
والثاني لا والثالث وهو مذهب تُجْزِئُهُ فِي الرَّأْسِ دُونَ اللِّحْيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ كَانَ لَهُ ذُؤَابَةٌ قَدْ نَزَلَتْ عَنْ الرَّأْسِ فَمَسَحَ النَّازِلَ مِنْهَا عَنْ الرَّأْسِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّأْسِ وَإِنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ مُسْتَرْسِلٌ عَنْ مَنْبَتِهِ لم يَنْزِلْ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَمَسَحَ أَطْرَافَهُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ اسْمَ الرَّأْسِ يَتَنَاوَلُهُ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى شَعْرٍ فِي غَيْر مَنْبَتِهِ فَهُوَ كَطَرَفِ الذُّؤَابَةِ وَلَيْسَ بشئ)
* (الشَّرْحُ) الذُّؤَابَةُ بِضَمِّ الذَّالِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهِيَ الشعر المضفور إلى جِهَةِ الْقَفَا وَجَمْعُهَا ذَوَائِبُ وَإِذَا مَسَحَ عَلَى شَعْرٍ نَازِلٍ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ لَمْ يُجْزِئْهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُ وَلَوْ عَقَصَ أَطْرَافَ شَعْرِهِ الْمُسْتَرْسِلِ الْخَارِجِ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَشَدَّهُ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ وَمَسَحَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ: فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّقْصِيرِ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مِنْ الشَّعْرِ النَّازِلِ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ: فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي آخِرِ مَسْأَلَةِ اللِّحْيَةِ الْمُسْتَرْسِلَةِ وَقَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْفَرْضُ فِي الْمَسْحِ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّأْسِ وَالرَّأْسُ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا وَمَا نَزَلَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ لَا يُسَمَّى رَأْسًا وَالْفَرْضُ فِي الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّعْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ وَإِذَا كَانَ الْفَرْضُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّعْرِ فَهُوَ وَإِنْ طَالَ يُسَمَّى شَعْرَ الرَّأْسِ
[ ١ / ٤٠٥ ]
أَمَّا إذَا مَسَحَ عَلَى شَعْرٍ مُسْتَرْسِلٍ خَرَجَ عَنْ مَنْبَتِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الام فانه قال لو مسح بشئ مِنْ الشَّعْرِ عَلَى مَنَابِتِ الرَّأْسِ قَدْ أُزِيلَ عَنْ مَنْبَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ شَعْرٌ عَلَى غَيْر مَنْبَتِهِ فَهُوَ كَالْعِمَامَةِ هَذَا نَصّه وَتَأَوَّلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ عَلَى مَا إذَا كَانَ الشَّعْرُ مُسْتَرْسِلًا خَارِجًا عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَعَقَصَهُ فِي وَسَط رَأْسِهِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ ظَاهِرٌ
* وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَجْهَيْنِ فِي شَعْرٍ خَرَجَ عَنْ مَنْبَتِهِ
وَلَكِنْ بِحَيْثُ لَوْ مُدَّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَإِنْ كَانَ مُتَجَعِّدًا بِحَيْثُ لَوْ مُدَّ مَوْضِعُ الْمَسْحِ لَخَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَجْهًا وَاحِدًا: مِمَّنْ قَطَعَ بِذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَجَمَاعَاتٌ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِيهِ وَجْهًا وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ كَمَسْأَلَةِ الْمَعْقُوصِ في وسط الرأس والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ وَلَمْ يُرِدْ نَزْعَهَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّ الْمَسْحَ بِالْعِمَامَةِ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَأْسٍ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ لَا يُلْحِقُ الْمَشَقَّةَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ منفصل عنه كالوجه واليد)
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ حَالِ الْمُغِيرَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ عُضْوٌ لَا يُلْحِقُ الْمَشَقَّةَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْجَبِيرَةِ عَلَى كَسْرٍ (١) وَقَوْلُهُ حَائِلٍ مُنْفَصِلٍ احْتِرَازٌ مِنْ مَسْحِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَالْعُضْوُ بِضَمِّ العين وكسرها لغتان
*
_________________
(١) واحتراز من المسح على الخف أيضا اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٤٠٦ ]
فَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ وَلَمْ يُرِدْ نَزْعَهَا لِعُذْرٍ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ مَسَحَ النَّاصِيَةَ كُلَّهَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ سَوَاءٌ لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ أَوْ حَدَثٍ وَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ قَلَنْسُوَةٌ وَلَمْ يُرِدْ نَزْعَهَا فَهِيَ كَالْعِمَامَةِ فَيَمْسَحُ بِنَاصِيَتِهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَهَكَذَا حُكْمُ مَا عَلَى رَأْسِ الْمَرْأَةِ وَأَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ وَلَمْ يَمْسَحْ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ فَلَا يُجْزِيهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَذَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْقَاسِمِ وَمَالِكٍ وأصحاب الرأى وحكاه غير عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ ﵃
* وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعِمَامَةِ قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ واحمد وأبو ثور واسحق وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَدَاوُد قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِمَّنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
وَأَبُو أمامة وروى عن سعد ابن أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز ومكحول والحسن وقتادة والاوزاعي واحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ ثُمَّ شَرَطَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ لُبْسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ كَوْنَهَا مُحَنِّكَةً أَيْ بَعْضُهَا تَحْتَ الْحَنَكِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ
* وَاحْتُجَّ لِمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ بِلَالٍ ﵁ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
[ ١ / ٤٠٧ ]
مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ
* وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمْ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالْعَصَائِبُ الْعَمَائِمُ وَالتَّسَاخِينُ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْخِفَافُ وَعَنْ بِلَالٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يخرج فيقصي حَاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْمُوقُ بِضَمِّ الْمِيمِ خُفٌّ قَصِيرٌ قَالُوا وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ سَقَطَ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَهُ كَالرِّجْلِ فِي الْخُفِّ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بقول الله تعالى (وامسحوا برؤوسكم) وَالْعِمَامَةُ لَيْسَتْ بِرَأْسٍ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ طَهَارَتُهُ الْمَسْحُ فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَهُ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ فِي التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ عضو لا تلحق المشقة إليه فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ غَالِبًا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ كَالْيَدِ فِي الْقُفَّازِ وَالْوَجْهِ فِي الْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْأَحَادِيثِ فَهُوَ مَا أَجَابَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَسَائِرِ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا اخْتِصَارٌ وَالْمُرَادُ مَسْحُ النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ لِيُكْمِلَ سُنَّةَ الِاسْتِيعَابِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَكَذَا جَاءَ فِي
[ ١ / ٤٠٨ ]
حَدِيثِ بِلَالٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَبِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَسَنٌ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضْ الْعِمَامَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: وَالْقِطْرِيَّةُ
بِكَسْرِ الْقَافِ نَوْعٌ مِنْ الْبُرُودِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهَا حُمْرَةٌ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ وكيف يظن بالرواي حَذْفُ مِثْلِ هَذَا: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ وُجُوبُ مَسْحِ الرَّأْسِ وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِمَسْحِ النَّاصِيَةِ مَعَ الْعِمَامَةِ وَفِي بَعْضِهَا مَسْحُ الْعِمَامَةِ وَلَمْ تَذْكُرْ النَّاصِيَةَ فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِمُوَافَقَةِ الْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَةِ وَمُحْتَمِلًا لِمُخَالِفَتِهَا فَكَانَ حَمْلُهَا عَلَى الِاتِّفَاقِ وَمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ أَوْلَى قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا حَذَفَ بَعْضُ الرُّوَاةِ ذِكْرَ النَّاصِيَةِ لِأَنَّ مَسْحَهَا كَانَ مَعْلُومًا لِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ لَهُمْ وَكَانَ الْمُهِمُّ بَيَانَ مَسْحِ الْعِمَامَةِ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْأَصْلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ مَسْحَ الرَّأْسِ والحديث محتمل للتأويل فلا يتر ك الْيَقِينُ بِالْمُحْتَمَلِ قَالَ هُوَ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ وَقِيَاسُ الْعِمَامَةِ عَلَى الْخُفِّ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَشُقُّ نَزْعُهُ بِخِلَافِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ
* إحْدَاهَا الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي صِفَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مَا سَبَقَ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَذَكَرِهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَتُدْخِلُ يَدَهَا تَحْتَ خِمَارِهَا حَتَّى يَقَعَ الْمَسْحُ عَلَى الشَّعْرِ فَلَوْ
[ ١ / ٤٠٩ ]
وَضَعَتْ يَدَهَا الْمُبْتَلَّةَ عَلَى خِمَارِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ لَمْ يَصِلْ الْبَلَلُ إلَى الشَّعْرِ لَمْ يُجْزِئْهَا وَإِنْ وَصَلَ فَهِيَ كَالرَّجُلِ إذَا وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ عَلَى رَأْسِهِ إنْ أَمَرَّهَا عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ الْإِجْزَاءُ
* (الثَّانِيَةُ) لَوْ كَانَ لَهُ رَأْسَانِ كَفَاهُ مَسْحُ أَحَدِهِمَا وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلدَّارِمِيِّ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي فَصْلِ غسل الوجه
* (الثالثة) قال اصحابنا لا تتيعين الْيَدُ لِمَسْحِ الرَّأْسِ فَلَهُ الْمَسْحُ بِأَصَابِعِهِ وَبِأُصْبُعٍ واحدة أو خشبة أو خرقة أو غيرهما أَوْ يَمْسَحُهُ لَهُ غَيْرُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ أَوْ يَقِفُ تَحْتَ الْمَطَرِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ وَيَنْوِي الْمَسْحَ فَيُجْزِئُهُ كُلُّ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ (١) وَلَوْ قَطَّرَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يسل أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ أَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَسْحِ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْحًا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الِاتِّفَاقَ عَلَى إجْزَاءِ الْغَسْلِ قَالَ لِأَنَّهُ فَوْقَ الْمَسْحِ فَإِجْزَاءُ الْمَسْحِ مَبْنِيٌّ عَلَى إجْزَاءِ الْغَسْلِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ إجْزَاءُ الْغَسْلِ فَقَدْ نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ
فِي الْبَسِيطِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَهَلْ يُكْرَهُ فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ سَرَفٌ كَالْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ وَلَمْ يَذْكُرْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ غَيْرَهُ وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَالرَّافِعِيُّ
* وَأَمَّا غَسْلُ الْخُفِّ بَدَلَ مَسْحِهِ فَمَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ تَعْيِيبٌ لَهُ بِلَا فَائِدَةٍ وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى كَرَاهَتِهِ إمَامُ الحرمين والله اعلم * قال المصنف ﵀
* (ثم يمسح اذنيه ظاهرهما وباطنهما لما روى المقدام بن معد يكرب أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ برأسه واذنيه ظاهرهما وباطنهما وادخل اصبعيه في جحري اذنيه ويكون ذلك بماء جديد غير الذى مسح به الراس لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مسح رأسه وأمسك مسبحتيه لاذنيه ولانه عضو يتميز عن الرأس في الاسم والخلقة فلا يتبعه في الطهارة كسائر الاعضاء وقال في الام والبويطي ويأخذ لصماخيه ماء جديدا غير الماء الذى مسح به ظاهر الاذن وباطنه لان الصماخ في الاذن كالفم والانف في الوجه فكما أفرد الفم والانف عن الوجه بالماء فكذلك الصماخ في الاذن فان ترك مسح الاذن حاز لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للاعرابي توضأ كما امرك الله
_________________
(١) في كون وقطع المطر يجزي عن المسح بلا خلاف بل ينبغي ان يكون على الوجهين في غسل الرأس ووضع اليد من غير مد ل اولى اه اذرعي
[ ١ / ٤١٠ ]
وليس فيما امر الله تعالى مسح الاذنين)
* (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ الْمِقْدَامِ فَحَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِمَعْنَاهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِثْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جَمَعْتهَا فِي جَامِعِ السُّنَّةِ
* وَأَمَّا رَاوِي الْحَدِيثِ فَهُوَ الْمِقْدَامُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ مِيمٌ أُخْرَى وَكَرِبُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَتَرْكُ صَرْفِهِ وَجْهَانِ
مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْبَاء مَضْمُومَةٌ بِكُلِّ حَالٍ: وَأَمَّا يَاءُ مَعْدِي فَسَاكِنَةٌ بِكُلِّ حَالٍ وَالْمِقْدَامُ مِنْ مَشْهُورِي الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ كِنْدِيٌّ شَامِيٌّ حِمْصِيٌّ يُكَنَّى أَبَا كَرِيمَةَ وَقِيلَ أَبَا صَالِحٍ وَقِيلَ أَبَا يَحْيَى وَقِيلَ أَبَا بِشْرٍ وَالْأَوَّلُ أَشْهُرُ تُوُفِّيَ سنة سبعة وَثَمَانِينَ ابْنُ إحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً
* وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأَمْسَكَ مُسَبِّحَتَيْهِ بِأُذُنَيْهِ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ الْمَشْهُورَةِ وَلَيْسَ مَوْجُودًا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ
* قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَهُنَا نُكْتَةٌ خفيت على أهل العناية بالمذهب وَهِيَ أَنَّ مُصَنِّفَهُ رَجَعَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الحديث واسقله من الْمُهَذَّبِ فَلَمْ يُفِدْ ذَلِكَ بَعْدَ انْتِشَارِ الْكِتَابِ قَالَ وَجَدْت بِخَطِّ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ
[ ١ / ٤١١ ]
فِي الْخِلَافِ فِي الْحَاشِيَةِ عِنْدَ اسْتِدْلَالِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الشَّيْخُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي السُّنَنِ فَيَجِبُ أَنْ تَضْرِبُوا عَلَيْهِ وَفِي الْمُهَذَّبِ فَإِنِّي صَنَّفْتُهُ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ وَمَا عَرَفْته قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَبَلَغَنِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَضْرُوبٌ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي هُوَ بِخَطِّهِ وَيُغْنِي عَنْ هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ
* وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فَصَحِيحٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ الْمَضْمَضَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَقَوْلُهُ جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ وَهُوَ الثَّقْبُ الْمَعْرُوفُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ بَدَلَ جُحْرَيْ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ وَالْأُذُنُ بِضَمِّ الذَّالِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا كَمَا سَبَقَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْأَذَنِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ وَالصِّمَاخُ بِكَسْرِ الصَّادِ وَيُقَالُ السِّمَاخُ بِالسِّينِ لُغَتَانِ الصَّادُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَادَّعَى ابْنُ السِّكِّيتِ وَابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالسِّينِ
* وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ كَذَا
[ ١ / ٤١٢ ]
وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ وَقَالَ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَهُوَ صَحِيحٌ
* وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ تَمَيَّزَ عَنْ الرَّأْسِ فِي الِاسْمِ وَالْخِلْقَةِ اُحْتُرِزَ بِالِاسْمِ عَنْ النَّاصِيَةِ وَبِالْخِلْقَةِ عَنْ النَّزَعَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا أَحْكَامُ الْمَسْأَلَةِ فَمَسْحُ
الْأُذُنَيْنِ سُنَّةٌ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَمْسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا فَظَاهِرُهُمَا مَا يَلِي الرَّأْسَ وَبَاطِنُهُمَا مَا يَلِي الْوَجْهَ كَذَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ وَاضِحٌ: وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْمَسْحِ فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَاتٌ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ وَيُدْخِلُ مُسَبِّحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ وَيُدِيرُهُمَا عَلَى الْمَعَاطِفِ وَيُمِرُّ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى ظُهُورِ الْأُذُنَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُلْصِقُ بَعْدَ ذَلِكَ كَفَّيْهِ الْمَبْلُولَتَيْنِ بِأُذُنَيْهِ طَلَبًا لِلِاسْتِيعَابِ وَقَالَ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا يَمْسَحُ بِالْإِبْهَامِ ظَاهِرَ الاذن وبالمسحة بَاطِنَهَا وَيُمِرُّ رَأْسَ الْأُصْبُعِ فِي مَعَاطِفِ الْأُذُنِ وَيُدْخِلُ الْخِنْصَرَ فِي صِمَاخَيْهِ قَالَ الْفُورَانِيُّ وَيَضَعُ الْإِبْهَامَ عَلَى ظَاهِرِ الْأُذُنِ وَيُمِرُّهَا إلَى جِهَةِ الْعُلُوِّ
* قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَمْسَحُ الْأُذُنَيْنِ مَعًا وَلَا يُقَدِّمُ الْيُمْنَى فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ قَدَّمَهَا وحكي الرُّويَانِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى وَهُوَ شَاذٌّ وَغَلَطٌ
* وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ فَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِي حُصُولِهِ وَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ وَيُشْتَرَطُ لِمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ مَاءٌ غَيْرُ الْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ العلماء قال أصحابنا ولا يشترط أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ لِلْمَاءِ لَهُمَا أَخْذًا جَدِيدًا بَلْ لَوْ أَخَذَ الْمَاءَ لِلرَّأْسِ بِأَصَابِعِهِ فَمَسَحَ بِبَعْضِهَا وَأَمْسَكَ بَعْضَهَا ثُمَّ مَسَحَ الْأُذُنَيْنِ بِمَا أَمْسَكَهُ صَحَّ لِأَنَّهُ مَسَحَهُمَا بِغَيْرِ مَاءِ الرَّأْسِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيَأْخُذُ لِلصِّمَاخَيْنِ مَاءً غَيْرَ مَاءِ ظَاهِرِ الْأُذُنِ وَبَاطِنِهِ (١) وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُ وَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ لِلصِّمَاخِ ثَلَاثًا كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كتابه وَهُوَ وَاضِحٌ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَجْهًا أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ الصِّمَاخِ بِبَقِيَّةِ مَاءِ الْأُذُنِ لِكَوْنِهِ مِنْهَا وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ قَوْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأُذُنَيْنِ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ الْوَجْهِ وَلَا مِنْ الرَّأْسِ بَلْ عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ يُسَنُّ مَسْحُهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَا يَجِبُ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ مِنْ السَّلَفِ حَكَوْهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ هُمَا مِنْ الْوَجْهِ فَيُغْسَلَانِ معه وقال الاكثرون هما من الرأس
* قال ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى وَبِهِ قَالَ عَطَّاءُ وَابْنُ المسيب
_________________
(١) الذي يظهر لي رجحان هذا القول أو الوجه لان البلل الباقي من ماء الاذن طهور على الصحيح لانه مستعمل في نقل الطهارة وعلى هذا السياق لو مسح الاذن والصماخ بماء واحد كفى نعم ما ذكر افضل واكمل والله اعلم اه اذرعي
[ ١ / ٤١٣ ]
وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْن جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وابو حنيفة واصحابه واحمد قال الترمذي وهو قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وبه قال الثوري وابن المبارك وأحمد واسحق وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ هَلْ يَأْخُذُ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا أَمْ يَمْسَحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ
* وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا فَهُوَ مِنْ الْوَجْهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فَأَضَافَ السَّمْعَ إلَى الْوَجْهِ كَمَا أَضَافَ إلَيْهِ الْبَصَرَ
* وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (واخذ برأس اخيه يجره إليه) وقيل المراد به الاذن
* واحتجوا بحديث شهرين حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَرُوِيَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وابن عمرو انس وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ: وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ وَقَالَ بِالْوُسْطَيَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ فِي بَاطِنِ أُذُنَيْهِ وَالْإِبْهَامَيْنِ مِنْ وَرَاءِ أُذُنَيْهِ
* وَاحْتُجَّ لِلشَّعْبِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَمُؤَخَّرَ أُذُنَيْهِ وَلِأَنَّ الْوَجْهَ مَا حَصَلَتْ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِمَا أَقْبَلَ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَشْيَاءَ أَحْسَنُهَا حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ الرَّأْسِ إذْ لَوْ كَانَتَا مِنْهُ لَمَا أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا كَسَائِرِ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَخْذِ مَاءٍ جَدِيدٍ فَيُحْتَجُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى مَنْ قَالَ يَمْسَحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ هُمَا مِنْ الْوَجْهِ فَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الدَّلَالَةَ لِلْمَذْهَبِ وَالرَّدَّ عَلَى جَمِيعِ الْمُخَالِفِينَ
* وَاحْتَجُّوا عَلَى مَنْ قَالَ هُمَا مِنْ الْوَجْهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ
[ ١ / ٤١٤ ]
يَمْسَحُهُمَا وَلَمْ يُنْقَلْ غَسْلُهُمَا مَعَ كَثْرَةِ رُوَاةِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى
أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لَا يَلْزَمُهُ مَسْحُهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلِأَنَّ الْأَصْمَعِيَّ وَالْمُفَضَّلَ بْنَ سَلِمَةَ قَالَا الْأُذُنَانِ لَيْسَتَا مِنْ الرَّأْسِ وَهُمَا إمَامَانِ مِنْ أَجَلِّ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْمَرْجِعُ فِي اللُّغَةِ إلَى نَقْلِ أَهْلِهَا
* وَاحْتَجُّوا عَلَى مَنْ قَالَ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَسْحُهُمَا عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ بِخِلَافِ أَجْزَائِهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ قَصَّرَ الْمُحْرِمُ مِنْ شَعْرِهِمَا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ تَقْصِيرِ الرَّأْسِ بِالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ يُخَالِفُ الرَّأْسَ خِلْقَةً وَسَمْتًا فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ كَالْخَدِّ وَقَوْلُنَا وَسَمْتًا احْتِرَازٌ مِنْ النَّزَعَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْبَيَاضَ الدَّائِرَ حَوْلَ الْأُذُنِ لَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ قُرْبِهِ فالاذن أولى ولانه لا يتعلق بالاذن شئ مِنْ أَحْكَامِ الرَّأْسِ سِوَى الْمَسْحِ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ حُكْمَهَا فِي الْمَسْحِ حُكْمُ الرَّأْسِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ الزُّهْرِيِّ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْجُمْلَةُ وَالذَّاتُ كَقَوْلِهِ تعالى (كل شئ هالك الا وجهه) الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ السُّجُودَ حَاصِلٌ بِأَعْضَاءٍ أخر: الثاني ان الشئ يُضَافُ إلَى مَا يُقَارِبُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ
* وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ تَأْوِيلٌ لِلْآيَةِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهَا فَلَا يُقْبَلُ وَالْمُفَسِّرُونَ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ الْمُرَادُ الرَّأْسُ وَقِيلَ الْأُذُنُ وَقِيلَ الذُّؤَابَةُ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ
* وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهَا مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ تَضْعِيفُهَا إلَّا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا ادَّعُوهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ مَسَحَهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الرَّأْسِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا كَأَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ مِنْ كُلِّ يَدٍ أُصْبُعَيْنِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ مَسَحَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ الشَّعْبِيِّ بِفِعْلِ عَلِيٍّ فَمِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا تُعْرَفُ: وَالثَّانِي لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مُقَدَّمِ الْأُذُنِ وَمُؤَخَّرِهَا
* وَالثَّالِثُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ الرَّأْسَ فَانْمَسَحَ مُؤَخَّرُ الْأُذُنِ مَعَهُ ضِمْنًا لَا مَقْصُودًا لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا إلَّا بِذَلِكَ
* الرَّابِعُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَتَعَذَّرَ تَأْوِيلُهُ كَانَ مَا
[ ١ / ٤١٥ ]
قَدَّمْنَاهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيٍّ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَيْنِ تُطَهَّرَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِهِمَا عَلَى
الْمَذَاهِبِ السَّابِقَةِ
* قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَرَكَ مَسْحَهُمَا فَطَهَارَتُهُ صَحِيحَةٌ وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ غَيْرُهُ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُنَا عن اسحق بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَسْحَهُمَا عَمْدًا لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهُمَا فِي الْقُرْآنِ وَلَكِنَّ الشعية لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ وَإِنْ تَبَرَّعْنَا بالرد عليهم فدليله الاحاديث الصَّحِيحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
حَكَى صَاحِبُ الْحَاوِي والمستظهري عن ابي العباس ابن سُرَيْجٍ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ أُذُنَيْهِ ثَلَاثًا مَعَ الْوَجْهِ كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَيَمْسَحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ كَمَا قَالَ الْآخَرُونَ وَيَمْسَحُهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ ثَلَاثًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ سُرَيْجٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَاجِبًا بَلْ احْتِيَاطًا لِيَخْرُجَ
[ ١ / ٤١٦ ]
من الخلاف
* وقال الشيخ أبو عمر وبن الصَّلَاحِ لَمْ يَخْرُجْ ابْنُ سُرَيْجٍ بِهَذَا مِنْ الخلاف بل زاد فيه في الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَمِيعِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ بَلْ يَفْعَلُهُ اسْتِحْبَابًا وَاحْتِيَاطًا كَمَا سَبَقَ وَذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ مَحْبُوبٌ وَكَمْ مِنْ مَوْضِعٍ مِثْلِ هَذَا اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِفِعْلِ أَشْيَاءَ لَا يَقُولُ بِإِيجَابِهَا كُلِّهَا أَحَدٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّ الشافعي والاصحاب رحمهما اللَّهُ قَالُوا يُسْتَحَبُّ غَسْلُ النَّزَعَتَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَهُمَا مِمَّا يُمْسَحُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذْ هُمَا من الرأس واستعابه بِالْمَسْحِ مَأْمُورٌ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا اسْتَحَبُّوا غَسْلَهُمَا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ هُمَا مِنْ الْوَجْهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ غَسْلِهِمَا وَمَسْحِهِمَا وَمَعَ هَذَا اسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فَالصَّوَابُ اسْتِحْسَانُ فِعْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ ﵀ والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَهُوَ فَرْضٌ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا توضأ ان نغسل ارجلنا)
(الشرح) هذا الحديث رواه الدارقطني بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَيُغْنِي عَنْهُ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ الْمَدَنِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو مُحَمَّدٍ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تسع عشرة غزوة توفى بالمدنية سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَتُوُفِّيَ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً ﵁
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ
* وَقَالَتْ الشِّيعَةُ الْوَاجِبُ مَسْحُهُمَا وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ محمد بن جريرر أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ غَسْلِهِمَا وَمَسْحِهِمَا وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْجُبَّائِيُّ الْمُعْتَزِلِيِّ وَأَوْجَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ الْغَسْلَ وَالْمَسْحَ جَمِيعًا
* وَاحْتَجَّ
[ ١ / ٤١٧ ]
القائلون بالمسح بقوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) بِالْجَرِّ عَلَى إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي السَّبْعِ فَعَطَفَ الْمَمْسُوحَ عَلَى الْمَمْسُوحِ وَجَعَلَ الْأَعْضَاءَ أَرْبَعَةً قِسْمَيْنِ مَغْسُولَيْنِ ثُمَّ مَمْسُوحَيْنِ
* وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَ فَقَالَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَقَالَ أَنَسٌ صدق الله وكذب الحجاج (فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) قَرَأَهَا جَرًّا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا هُمَا غَسْلَتَانِ وَمَسْحَتَانِ وَعَنْهُ أَمَرَ اللَّهُ بِالْمَسْحِ وَيَأْبَى النَّاسُ إلَّا الْغَسْلَ
* وَعَنْ رِفَاعَةَ فِي حَدِيثِ المسيئ صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ إنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَيَمْسَحَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَفِيهَا نعله ثم فتلها بها ثُمَّ صَنَعَ بِالْيُسْرَى كَذَلِكَ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ يَسْقُطُ فِي التَّيَمُّمِ فَكَانَ فَرْضُهُ الْمَسْحَ كَالرَّأْسِ
* وَاحْتَجَّ اصحابنا بالاحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوءه ﷺ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ مِنْهَا حَدِيثُ عُثْمَانَ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ والربيع بنت معوز وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَغَيْرُهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ جَمَعْتُهَا كُلَّهَا فِي جَامِعِ السُّنَّةِ وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رأى جماعة توضأوا وَبَقِيَتْ أَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَقَالَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَرَوَيَا نَحْوَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ اسْتِيعَابَ الرِّجْلَيْنِ بِالْغَسْلِ وَاجِبٌ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ عَلَى قَدَمَيْهِ فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وعن عمرو ابن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يا رسول الله كيف الطهور فدعى بِمَاءٍ فِي إنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثلاثا
[ ١ / ٤١٨ ]
ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَرِيبًا وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وُضُوءَهُ فَيُمَضْمِضُ إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ الْمَاءِ إلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الماء رواه مسلم بهذا اللفظ وفي روايته قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ سبع مرار وقال الْبَيْهَقِيُّ رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِهِمَا وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ الْمَضْمَضَةِ وَسَنُعِيدُهُ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِلْغَسْلِ: وَالْأَحَادِيثُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ
* قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ مَحْدُودَانِ فَكَانَ وَاجِبُهُمَا الْغَسْلَ كَالْيَدَيْنِ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احتحاجهم بقوله تعالى (وأرجلكم)
فَقَدْ قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ فَالنَّصْبُ صَرِيحٌ فِي الغسل ويكون مَعْطُوفَةً عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَأَمَّا الْجَرُّ فَأَجَابَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَشْهَرُهَا أَنَّ الْجَرَّ علي مجاورة الرؤوس مَعَ أَنَّ الْأَرْجُلَ مَنْصُوبَةٌ وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَفِيهِ أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَفِيهِ من منثور كَلَامِهِمْ كَثِيرٌ: مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ بِجَرِّ خَرِبٍ عَلَى جِوَارِ ضَبٍّ وَهُوَ مَرْفُوعٌ صِفَةٌ لِجُحْرٍ وَمِنْهُ فِي الْقُرْآنِ (اني اخاف عليكم عذاب يوم اليم) فَجَرَّ أَلِيمًا عَلَى جِوَارِ يَوْمٍ وَهُوَ مَنْصُوبُ
[ ١ / ٤١٩ ]
صِفَةً لِعَذَابٍ
* فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يَصِحُّ الْإِتْبَاعُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَاوٌ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ يَصِحَّ وَالْآيَةُ فِيهَا وَاوٌ قُلْنَا هَذَا غلط فان الاتباع مع الواو ومشهور فِي أَشْعَارِهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا أَنْشَدُوهُ: لَمْ يَبْقَ إلَّا أَسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتِ
* وَمُوثَقٍ فِي عقال الاسر مكبول فخفض موثقا لمجاورته مُنْفَلِتٍ وَهُوَ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلَى أَسِيرٍ فَإِنْ قَالُوا الْإِتْبَاعُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَا لَبْسَ فِيهِ وَهَذَا فِيهِ لَبْسٌ قُلْنَا لَا لَبْسَ هُنَا لِأَنَّهُ حُدِّدَ بِالْكَعْبَيْنِ وَالْمَسْحُ لَا يَكُونُ إلَى الْكَعْبَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ: وَالْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ قِرَاءَتَيْ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ يَتَعَادَلَانِ وَالسُّنَّةُ بَيَّنَتْ وَرَجَّحَتْ الْغَسْلَ فَتَعَيَّنَ: الثَّالِثُ ذَكَرَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْجَرَّ مَحْمُولٌ عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ وَالنَّصْبَ عَلَى الْغَسْلِ إذَا لَمْ يَكُنْ خُفٌّ
* الرَّابِعُ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمَسْحُ لِحُمِلَ الْمَسْحُ عَلَى الْغَسْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْقِرَاءَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَسْحَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ كَذَا نَقَلَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ العرب تسمي خفيف الغسل مسحا وردى البيهقي باسناده عن الاعمش قال كانوا يقرؤونها وَكَانُوا يَغْسِلُونَ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِكَلَامِ أَنَسٍ فَمِنْ أَوْجُهٍ أَشْهَرُهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَنَسًا أَنْكَرَ عَلَى الْحَجَّاجِ كَوْنَ الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْغَسْلِ وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْغَسْلَ إنَّمَا عُلِمَ وُجُوبُهُ مِنْ بَيَانِ السُّنَّةِ فَهُوَ موافق للحجاج كَوْنَ الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْغَسْلِ وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْغَسْلَ إنَّمَا عُلِمَ وُجُوبُهُ مِنْ بَيَانِ السُّنَّةِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْحَجَّاجِ فِي الْغَسْلِ مُخَالِفٌ لَهُ فِي الدَّلِيلِ
* وَالثَّانِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ الْغَسْلَ إنَّمَا أَنْكَرَ القراءة فكأنه لم يكن (١) قِرَاءَةَ النَّصْبِ وَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَيُؤَيِّدُ
هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّ أَنَسًا نَقَلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا دَلَّ عَلَى الْغَسْلِ وَكَانَ أَنَسٌ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ
* الثَّالِثُ لَوْ تَعَذَّرَ تَأْوِيلُ كَلَامِ أَنَسٍ كَانَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلِهِ وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَقَوْلِهِمْ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ: وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحْسَنُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا مَعْرُوفٍ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِهِ اختلاف العلماء الا أن إسناده ضعيف
_________________
(١) بهامش نسخة الاذرعي ما نصه كذا في الاصل ولعله (بلغه) اه
[ ١ / ٤٢٠ ]
بَلْ الصَّحِيحُ الثَّابِتُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ (وأرجلكم بِالنَّصْبِ وَيَقُولُ عَطْفٌ عَلَى الْمَغْسُولِ: هَكَذَا رَوَاهُ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ الْحُفَّاظُ الْأَعْلَامُ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَجَمَاعَاتُ الْقُرَّاءِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدِهِمْ: وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ: وَالْجَوَابُ الثَّانِي نَحْوُ الْجَوَابِ السَّابِقِ فِي كَلَامِ أَنَسٍ
* وَأَمَّا حَدِيثُ رِفَاعَةَ فَهُوَ عَلَى لَفْظِ الْآيَةِ فَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ
* وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحْسَنُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ فَكَيْفَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَنِ الْمُتَظَاهِرَةِ وَالدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ: الثَّانِي لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ الْغَسْلُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
* الثَّالِث جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَوَجَبَ حَمْلُ الرِّوَايَةِ الْمُحْتَمِلَةِ عَلَى الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ
* وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الرَّأْسِ فَمُنْتَقَضٌ بِرِجْلِ الْجُنُبِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُهَا في التيمم ولا يجزئ مسحا بالاتفاق والله اعلم * قال المصنف ﵀
* (وَيَجِبُ إدْخَالُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وأرجلكم إلى الكعبين) قال أهل التقسير مع الكعبين والكعبان هما العظمان النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ وَمَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِهِ فَدَلَّ عَلَى
أَنَّ الْكَعْبَ مَا قلناه)
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ النُّعْمَانِ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ جَزْمٍ فَقَالَ فِي أبواب تسوية الصفوف وقال النعمان
[ ١ / ٤٢١ ]
ابن بَشِيرٍ رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ تَعْلِيقَاتِ الْبُخَارِيِّ إذَا كَانَتْ بِصِيغَةِ جَزْمٍ كَانَتْ صَحِيحَةً وَقَوْلُهُ وَرَوَى النُّعْمَانُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا هُوَ مِنْ بَابِ تَلْوِينِ الْخِطَابِ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ قَالَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا وَلَوْ أَتَى الْمُصَنِّفُ بِلَفْظَةِ قَالَ كَمَا هِيَ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ لَكَانَ أَحْسَنَ.
وَقَوْلُهُ ﷺ أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ مَعْنَاهُ أَتِمُّوهَا وَاعْتَدِلُوا وَاسْتَوُوا فِيهَا.
وَقَوْلُهُ يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ وَمَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِهِ إخْبَارٌ عَنْ شِدَّةِ مُبَالَغَتِهِمْ فِي إقَامَةِ الصُّفُوفِ وَتَسْوِيَتِهَا.
وَالْمَنْكِبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَقَوْلُ المصنف العظمان النَّاتِئَانِ هُوَ بِالنُّونِ فِي أَوَّلِهِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تاء مثناة فوق ثم همزة ومعناه الناشز ان الْمُرْتَفِعَانِ.
وَقَوْلُهُ مَفْصِلُ السَّاقِ هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ وَالسَّاقُ مُؤَنَّثَةٌ غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ وَفِيهَا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ بِالْهَمْزِ وَقَدْ قُرِئَ بِهَا فِي السبع في قوله تعالى فكشفت عن ساقيها وَغَيْرِهِ
* وَأَمَّا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَاوِي الْحَدِيثِ فَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيُّ وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْأَنْصَارِ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُوَ وَأَبُوهُ بَشِيرٌ صَحَابِيَّانِ وَأُمُّ النُّعْمَانَ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ أُخْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ صَحَابِيَّةٌ وَوُلِدَ النُّعْمَانُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقُتِلَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى حِمْصٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ سَنَةَ سِتِّينَ ﵁
* أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ (إحْدَاهُمَا) أَنَّهُ يَجِبُ إدْخَالُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ فِيهِ زُفَرُ وَابْنُ دَاوُد وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ وَدَلِيلَهُ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَيْ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ كَمَا سَبَقَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ الْكَعْبَيْنِ هُمَا العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم هذا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءُ وَقَالَتْ الشِّيعَةُ هُمَا النَّاتِئَانِ فِي ظَهْرِ الْقَدَمَيْنِ فَعِنْدَهُمْ
أَنَّ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبًا وَاحِدًا وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِهِ الزِّيَادَاتِ فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ وحكاه
[ ١ / ٤٢٢ ]
الرافعى وجها لنا وليس بشئ وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ الْمُخَالِفِينَ حُجَّةٌ تُذْكَرُ وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِمْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاللُّغَةُ وَالِاشْتِقَاقُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تعالى (وأرجلكم الي الكعبين) قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي كل رجل كعبان ولا يجئ هَذَا إلَّا عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَلَوْ كَانَ كما قال إلَى الْكِعَابِ كَمَا قَالَ إلَى الْمَرَافِقِ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ فِي صِفَةِ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ قَوْلُهُ يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْكَعْبِ الَّذِي قُلْنَاهُ وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْأَحَادِيثِ كَثِيرَةٌ: وَأَمَّا الِاشْتِقَاقُ فَهُوَ أَنَّ الْكَعْبَ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّكَعُّبِ وَهُوَ النُّتُوُّ مَعَ الِاسْتِدَارَةِ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ وَمِنْهُ كَعْبُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ وَهَذِهِ صِفَةُ الْكَعْبِ الَّذِي قلناه لا الذى قالوه قال الْخَطَّابِيُّ وَقَالَتْ الْعَرَبُ كَعْبٌ أَدْرَمُ وَهُوَ الْمُنْدَمِجُ الْمُمْتَلِئُ وَلَا يُوصَفُ ظَهْرُ الْقَدَمِ بِالدَّرَمِ: وَأَمَّا نَقْلُ اللُّغَةِ فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْمَحْكِيُّ عَنْ قُرَيْشٍ وَنِزَارٍ كُلِّهَا مُضَرُ وَرَبِيعَةُ لَا يَخْتَلِفُ لِسَانُ جَمِيعِهِمْ أَنَّ الْكَعْبَ اسْمٌ لِلنَّاتِئِ بَيْنَ السَّاقِ والقدم قال وهو أَوْلَى بِأَنْ يُعْتَبَرَ لِسَانُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وَقَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ الْكَعْبُ مَا أَشْرَفَ فوق الرسغ ونقله أبو عبيد عن الا صمعي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ النَّحْوِيِّ الْأَنْصَارِيِّ وَالْمُفَضَّلِ بْنِ سَلَمَةَ وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَهَؤُلَاءِ أَعْلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَلَا يُعَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ الْكَعْبُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ اللُّغَةِ وَالْأَخْبَارِ وَإِجْمَاعِ النَّاسِ فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ الْمُصَرِّحَةُ بِمَا قُلْنَا قَالَ الرُّويَانِيُّ فَإِنْ قِيلَ لِلْبَهَائِمِ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ كَذَا فِي الْآدَمِيِّ قُلْنَا خِلْقَةُ الْآدَمِيِّ تُخَالِفُ الْبَهَائِمَ لِأَنَّ كَعْبَ الْبَهِيمَةِ فَوْقَ سَاقِهَا وَكَعْبُ الْآدَمِيِّ فِي أَسْفَلِهِ فلا يلزم اتفاقهما والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[ ١ / ٤٢٣ ]
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْيَدِ فَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ مُنْفَرِجَةً
فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ بَيْنَهَا لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَإِنْ كَانَتْ مُلْتَفَّةً لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّخْلِيلِ وَجَبَ التَّخْلِيلُ لِقَوْلِهِ ﷺ خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ لَا يخلل الله بينها بالنار)
* (الشرح) حديث لقيط سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ رَوَاهُ الدارقطني مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ﵂ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَفِي التَّخْلِيلِ أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فخلل بين أصابع قدميه ثَلَاثًا وَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فعل كما فعلت رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَاجْعَلْ الْمَاءَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حنبل والترمذي وقال حديث حسن غريب هذا كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ مولي التؤمة وَقَدْ ضَعَّفَهُ مَالِكٌ فَلَعَلَّهُ اُعْتُضِدَ فَصَارَ حَسَنًا كما قاله الترمذي.
وعن المستوردين شَدَّادِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضعيف عند أهل الحديث) وأما الْأَحْكَامُ فَهُنَا مَسْأَلَتَانِ (إحْدَاهُمَا) يُسْتَحَبُّ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى بَلْ يُكْرَهُ تَقْدِيمُ الْيُسْرَى وقد سبق بيان هذا ود ليله فِي فَصْلِ الْيَدَيْنِ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَبْدَأُ بِالْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى هُوَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ وَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ قَبْلَ الْيُسْرَى وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي فَصْلِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ
* (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي التَّخْلِيلِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَتْ أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ مُنْفَرِجَةً اُسْتُحِبَّ التَّخْلِيلُ وَلَا يَجِبُ وَحَدِيثُ لَقِيطٍ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى
[ ١ / ٤٢٤ ]
مَا بَيْنهَا إلَّا بِالتَّخْلِيلِ وَإِنْ كَانَتْ مُلْتَفَّةً وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَهَا وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي إيصَالِهِ التَّخْلِيلُ بَلْ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَوْصَلَهُ حَصَلَ الْوَاجِبُ وَيُسْتَحَبُّ مَعَ إيصَالِهِ التَّخْلِيلُ فَالتَّخْلِيلُ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا وَإِيصَالُ الْمَاءِ وَاجِبٌ
* وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِمْ إنْ كَانَتْ مُلْتَفَّةً وَجَبَ التَّخْلِيلُ أَرَادُوا بِهِ إيصَالَ الْمَاءِ لِأَنَّهُمْ فَرَضُوا
الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَّا بِالتَّخْلِيلِ
* وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّخْلِيلِ فَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ يُخَلِّلُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَيَكُونُ مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ مُبْتَدِئًا بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى مِمَّنْ ذَكَرَهُ هَكَذَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الْقَاضِي ابو الطيب في تعليه يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُمْنَى مِنْ تَحْتِ الرِّجْلِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَسْتُ أَرَى لِتَعْيِينِ الْيَدِ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى فِي ذَلِكَ أَصْلًا إلَّا النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ وَلَيْسَ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ مُشَابِهًا لَهُ فَلَا حَجْرَ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ فِي اسْتِعْمَالِ الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ فَإِنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَخَلَلُ الْأَصَابِعِ جُزْءٌ مِنْهَا وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي فِي تَعْيِينِ احدى اليدين شئ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ أَنَّ مُسْتَنِدَ الْأَصْحَابِ فِي تَعْيِينِ الْيُسْرَى الِاسْتِنْجَاءُ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْمَشْهُورَ عَنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ اسْتِحْبَابِ خِنْصَرِ الْيُسْرَى وَنَقَلَهُ عَنْ معظم الائمة ثم حكي عن ابي ظاهر الزِّيَادِيِّ أَنَّهُ قَالَ يُخَلِّلُ مَا بَيْنَ كُلِّ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بِأُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ لِيَكُونَ بِمَاءٍ جَدِيدٍ وَيَتْرُكُ الْإِبْهَامَيْنِ فَلَا يخلل بهنا لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا أَنَّ التَّخْلِيلَ مِنْ أَسْفَلِ الرِّجْلِ وَيَبْدَأُ مِنْ خِنْصَرِ الْيَمِينِ وَفِي الْأُصْبُعِ الَّتِي يُخَلِّلُ بِهَا أَوْجُهٌ الْأَشْهَرُ أَنَّهَا خِنْصَرُ الْيُسْرَى وَالثَّانِي خنصر اليمنى قال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ
* الثَّالِثُ قَوْلُ أَبِي طَاهِرٍ
* الرَّابِعُ قَوْلُ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ يَدٌ وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ هَذَا حُكْمُ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ
* وَأَمَّا أَصَابِعُ الْيَدَيْنِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْجُمْهُورُ وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثُ ابن عباس الذي قد مناه وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ اسْتِحْبَابَ تَخْلِيلِهِمَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ سَكَتَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ يُسْتَحَبُّ لِحَدِيثِ لَقِيطٍ فَإِنَّ الْأَصَابِعَ تَشْمَلُهَا وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَخْلِيلُهُمَا بِالتَّشْبِيكِ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
في مسائل تتعلق بغسل الرجليل إحْدَاهَا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي غَسْلِهِمَا قال الشافعي
[ ١ / ٤٢٥ ]
﵀ فِي الْأُمِّ يَنْصِبُ قَدَمَيْهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِمَا الْمَاءَ بِيَمِينِهِ أَوْ يَصُبُّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ هَذَا نَصُّهُ وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَيَدْلُكْهُمَا بِيَسَارِهِ وَيَجْتَهِدُ فِي دَلْكِ الْعَقِبِ لَا سِيَّمَا فِي الشِّتَاءِ
فَإِنَّ الْمَاءَ يَتَجَافَى عَنْهَا وَكَذَا أَطْلَقَ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَآخَرُونَ اسْتِحْبَابَ الِابْتِدَاءِ بِأَصَابِعِ رِجْلِهِ وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُهُ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ يَصُبُّ عَلَى نَفْسِهِ بَدَأَ بِأَصَابِعِ رِجْلِهِ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَصُبُّ عَلَيْهِ بَدَأَ مِنْ كَعْبَيْهِ إلَى أَصَابِعِهِ وَالْمُخْتَارُ مَا نُصَّ عَلَيْهِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ اسْتِحْبَابِ الِابْتِدَاءِ بِالْأَصَابِعِ مُطْلَقًا
* (الثَّانِيَةُ) إذَا كَانَ لِرِجْلِهِ أُصْبُعٌ أَوْ قَدَمٌ زَائِدَةٌ أَوْ انْكَشَطَتْ جِلْدَتُهَا فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الْيَدِ
* (الثَّالِثَةُ) إذَا قُطِعَ بَعْضُ الْقَدَمِ وَجَبَ غَسْلُ الْبَاقِي فَإِنْ قُطِعَ فَوْقَ الْكَعْبِ فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْبَاقِي كَمَا سَبَقَ فِي الْيَدِ
* (الرَّابِعَةُ) قَالَ الدَّارِمِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَعْبَانِ قَدَّرَ بِقَدْرِهِمَا
* (الْخَامِسَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ إنْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ مُلْتَحِمَةً بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ لَا يَلْزَمُهُ شَقُّهَا بَلْ لَا يَجُوزُ (١) لَكِنْ يَغْسِلُ مَا ظَهَرَ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ كَانَ عَلَى رِجْلِهِ شُقُوقٌ وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ بَاطِنَ تِلْكَ الشُّقُوقِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِثْلَهُ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ فَإِنْ شَكَّ فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِهَا أَوْ بَاطِنِ الْأَصَابِعِ لَزِمَهُ الْغَسْلُ ثَانِيًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْوُصُولُ هَذَا إذا كان بعد فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ: فَأَمَّا إذَا شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَفِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْبَابِ فِي الْمَسَائِلِ الزَّائِدَةِ
* قَالَ أَصْحَابُنَا فَلَوْ أَذَابَ فِي شُقُوقِ رِجْلَيْهِ شَحْمًا أَوْ شَمْعًا أَوْ عَجِينًا أَوْ خَضَّبَهُمَا بِحِنَّاءٍ وَبَقِيَ جِرْمُهُ لَزِمَهُ إزَالَةُ عَيْنِهِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ فَلَوْ بَقِيَ لَوْنُ الْحِنَّاءَ دُونَ عَيْنِهِ لَمْ يَضُرَّهُ وَيَصِحُّ وُضُوءُهُ وَلَوْ كَانَ عَلَى أَعْضَائِهِ أَثَرُ دُهْنٍ مائع فتوضأ وأمس بالماء البشرة وجرى
_________________
(١) وقغ في تمييز التعجير لقاضي حماه انه يجوز وكانه توهمه في قول الرافعي ملتحمة لم يجب الفتق ولا يستحب اه اذرعي
[ ١ / ٤٢٦ ]
عليها ولم يثبت صح وضؤه لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرُهُمْ (فَرْعٌ)
لَوْ تَنَفَّطَتْ رِجْلُهُ وَلَمْ تَنْشَقَّ كَفَاهُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا فلو انشقت بعد وضؤه لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بِالِانْشِقَاقِ كَمَا سَبَقَ فِيمَنْ حَلَقَ شَعْرَهُ بَعْدَ الطَّهَارَةِ فَإِنْ تَطَهَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ فَإِنْ كَانَ قَدْ عَادَ الِالْتِحَامُ لَمْ يَلْزَمْهُ شقه والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (والمستحب ان يغسل فوق المرفقين وفوق الكعبين لقوله ﷺ " تأتي امتي يوم القيامة غرا
محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع ان يطيل غرته فليفعل) (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ نُعَيْمٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ثُمَّ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ وَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْتُمْ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إسْبَاغِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ منكن فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ فَكَانَ يُمِرُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إبْطَيْهِ فَقُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا هَذَا الْوُضُوءُ فَقَالَ سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ تبلغ الحليلة مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ هُنَا وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ فِي إتْلَافِ الصُّوَرِ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِبُلُوغِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِالْمَاءِ إبْطَيْهِ.
وَعَنْ نُعَيْمٍ أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغَ الْمَنْكِبَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْغُرَّةُ بَيَاضٌ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ وَالتَّحْجِيلُ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَمَعْنَى
[ ١ / ٤٢٧ ]
الْحَدِيثِ يَأْتُونَ بِيضَ الْوُجُوهِ وَالْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ غَسْلِ ما فوق المرفقين والكعبين ثم جَمَاعَةً مِنْهُمْ أَطْلَقُوا اسْتِحْبَابَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحُدُّوا غَايَةَ الِاسْتِحْبَابِ بِحَدٍّ كَمَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀
* وَقَالَ جَمَاعَةٌ يُسْتَحَبُّ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَالْعَضُدِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ يَبْلُغُ بِهِ الْإِبِطَ وَالرُّكْبَةَ
* وَقَالَ الْبَغَوِيّ نِصْفَ الْعَضُدِ فَمَا فَوْقَهُ وَنِصْفَ السَّاقِ فَمَا فَوْقَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ فِي الْمُرَادِ بِتَطْوِيلِ الْغُرَّةِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ أَنَّهَا فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَكَذَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ﵀ في كتابه الا ساليب فِي الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ تَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ ثُمَّ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةُ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀ إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ
فَوْقَ الْمِرْفَقِ اُسْتُحِبَّ إمْسَاسُ الْمَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ عَضُدِهِ فَإِنَّ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ مُسْتَحَبُّ وَهَذَا مِمَّا أُنْكِرَ عَلَى الْغَزَالِيِّ لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّ الْغُرَّةَ تَكُونُ فِي الْيَدِ وَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي أَنَّ الْغُرَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْوَجْهِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ إسْبَاغُ الوضوء سنة إطالة لِلْغُرَّةِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الْوَجْهِ بِالْغَسْلَةِ حَتَّى يَغْسِلَ جُزْءًا مِنْ رَأْسِهِ وَيَغْسِلَ الْيَدَيْنِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ سُنَّةٌ وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضَ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ مَعَ الْوَجْهِ وَتَطْوِيلُ التَّحْجِيلِ سُنَّةٌ وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضَ الْعَضُدِ مَعَ الْمِرْفَقِ وَبَعْضَ السَّاقِ مَعَ الْقَدَمِ
* وَقَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي ذَلِكَ فَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فَقَالُوا تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ غَسْلُ مُقَدَّمَاتِ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ وَكَذَا صَفْحَةُ الْعُنُقِ وَتَطْوِيلُ التَّحْجِيلِ غَسْلُ بَعْضَ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ وَغَايَتُهُ اسْتِيعَابُ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ قَالَ وَفَسَّرَ كَثِيرُونَ تَطْوِيلَ الغرة بغسل شئ مِنْ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ وَأَعْرَضُوا عَمَّا حَوَالَيْ الْوَجْهِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَوْفَقُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ
* وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عِنْدَ اسْتِحْبَابِ غَسْلِ بَاقِي الْعَضُدِ بَعْدَ الْقَطْعِ إنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ الْغَزَالِيُّ يَغْسِلُ الْبَاقِيَ لِتَطْوِيلِ الْغُرَّةِ وَالْغُرَّةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْوَجْهِ وَاَلَّذِي فِي الْيَدِ التَّحْجِيلُ: قُلْنَا تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ نَوْعٌ وَاحِدٌ من
[ ١ / ٤٢٨ ]
السُّنَنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لِتَطْوِيلِ الْغُرَّةِ إشَارَةً إلَى النَّوْعِ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا وَيُطْلِقُونَ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ فِي الْيَدِ قَالَ وَرَأَيْتُ بَعْضَهُمْ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الْإِطَالَةُ فِي الْيَدِ لِأَنَّ الْوَجْهَ يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وهذا الاحتجاج ليس بشئ لِأَنَّ الْإِطَالَةَ فِي الْوَجْهِ أَنْ يَغْسِلَ إلَى اللَّبَّةِ وَصَفْحَةِ الْعُنُقِ وَهُوَ مُسْتَحَبّ نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ
* قُلْتُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْغُرَّةَ غَيْرُ التَّحْجِيلِ لِقَوْلِهِ ﷺ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا وَرِوَايَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْغُرَّةِ لَا تُخَالِفُ هَذَا لِأَنَّ فِي هَذَا زِيَادَةً وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ أَحَدُ الْقَرِينَيْنِ وَيَكُونُ الْآخَرُ مُرَادًا كَقَوْلِهِ تعالى (سرابيل تقيكم الحر) أَيْ وَالْبَرْدَ
* وَإِذَا ثَبَتَ تَغَايُرُهُمَا فَأَحْسَنُ مَا فِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيِّ وَمُرَادُهُمَا غَسْلُ جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْ
الرَّأْسِ وَمَا يُلَاصِقُ الْوَجْهَ مِنْ صَفْحَةِ الْعُنُقِ وَهَذَا غَيْرُ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَتِمُّ غَسْلُ الْوَجْهِ إلَّا بِهِ (فَرْعٌ)
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ غَسْلِ مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ هُوَ مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْن أَصْحَابِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَبَقَ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَالْمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُتَعَدَّى بِهِ مَا حَدَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَمْ يُجَاوِزْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطُّ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ فِيمَا بَلَغَنَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ (١) مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ خَطَأٌ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ تَفْسِيرَ الرَّاوِي إذَا لَمْ يُخَالِفْ الظَّاهِرَ يَجِب قَبُولُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصحيح لا هل الْأُصُولِ
* وَأَمَّا نَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ فَلَا يُقْبَلُ مَعَ خِلَافِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَصْحَابِنَا وَأَمَّا كَوْنُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ فَلَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ سُنَّةً بَعْدَ صِحَّةِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ فَالْمُرَادُ زَادَ فِي الْعَدَدِ فَغَسَلَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه
_________________
(١) هذا يرده رواية مسلم السابقة فانها صريحة في المجاوزة في اليدين والرجلين وقد وافق القاضي عياض ابن بطال على هذه المقالة على هذه المقالة الباطلة وهو عجيب منها اه اذرعي
[ ١ / ٤٢٩ ]
وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ثُمَّ قَالَ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ مَنْ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ آتَاهُ اللَّهُ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي وَوُضُوءُ خَلِيلِي إبْرَاهِيمَ ﷺ)
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أُبَيِّ هَذَا ضَعِيفٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ هَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ أُبَيِّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١) وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَإِسْنَادُهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ قَالَ
الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ قَالَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ نَحْوُ حَدِيثِ أُبَيِّ قَالَ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا وَوُضُوءُ خَلِيلِي إبْرَاهِيمَ
* قُلْت قَوْلُهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا وَوُضُوءُ خَلِيلِي إبْرَاهِيمَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ كَذَلِكَ رَأَيْتُهُ فِيهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ فِي حَدِيثِ ابي هذا خلافا لا صحابنا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذه الوضوءات فِي مَجَالِسَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ لَصَارَ غَسْلُ كُلِّ عُضْوٍ سِتَّ مَرَّاتٍ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لِلتَّعْلِيمِ وَيَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلتَّعْلِيمِ وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْبَحْرِ كَوْنَهُ فِي مَجَالِسَ
* قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَمْ يَنْقُلُوهُ عَنْ رِوَايَةٍ بَلْ قَالُوهُ بِالِاجْتِهَادِ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَهَذَا كَالْمُتَعَيَّنِ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ لَا يَكَادُ يَحْصُلُ إلَّا فِي مَجْلِسٍ وَكَيْفَ كَانَ فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِذَا ثَبَتَ ضَعْفُهُ تَعَيَّنَ الِاحْتِجَاجُ بِغَيْرِهِ وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁
_________________
(١) رواه البيهقي ايضا من رواية انس وضعفه قال ولم يقع له اسناد قوي وفيه ابراهيم خليل الرحمن هكذا من رواية ابن عمر ﵃ اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٤٣٠ ]
تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ رَأَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا قَالُوا نَعَمْ وَمِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ الترمذي هذا أحسن شئ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ وَعَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ (رَأَيْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵄ يَتَوَضَّآنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَيَقُولَانِ هَكَذَا كَانَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا وَهُوَ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالطَّهَارَةُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا مُسْتَحَبَّةٌ فِي جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ إلَّا
الرَّأْسَ فَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ سَنُفْرِدُهُ بِفَرْعٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (١) وَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ يَكُونُ ثَلَاثًا كَغَيْرِهِ وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الثَّلَاثُ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَوْجَبَ الثَّلَاثَ وَكِلَاهُمَا غَلَطٌ وَلَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ أَحَدٍ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ الرَّاوِي هُنَا هُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ وَيُقَالُ أَبُو الطُّفَيْلِ أُبَيّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ ابن عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بن مالك بن النجار الانصاري الخزر جى النَّجَّارِيُّ بِالنُّونِ شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَبَدْرًا وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ عليه (لم يكن الذين
_________________
(١) في الاذان ايضا خلاف ضعيف في مذهبنا اه اذرعي
[ ١ / ٤٣١ ]
كفروا) وقال امرني الله أن أقر أعَلَيْكَ وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ وَهُوَ أَحَدُ كُتَّابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَقِيلَ عُثْمَانَ وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِهِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ
* (فَرْعٌ)
فِي تَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ مَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي كُتُبِهِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُ الرَّأْسِ ثَلَاثًا كَمَا يُسْتَحَبُّ تَطْهِيرُ بَاقِي الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا وَحَكَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ﵏ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةٌ (١) وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا حَكَى هَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَكِنْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَّاطِيُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةٌ وَحَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ أَيْضًا وَمَال الْبَغَوِيّ إلَى اخْتِيَارِهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَحَكَى بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِهِ وَأَشَارَ أَيْضًا إلَى تَرْجِيحِهِ الْبَيْهَقِيُّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ عَنْهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ﵃ اسْتِحْبَابُ الثَّلَاثِ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَزَاذَانَ وَمَيْسَرَةَ ﵃
* وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُنَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا
يُسَنُّ مَسْحَةٌ وَاحِدَةٌ هَكَذَا حَكَاهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ التِّرْمِذِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالنَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ ﵃ وَحَكَاهُ غَيْرُ ابْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ غَيْرِهِمْ أَيْضًا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ واسحاق بن راهوية واختاره ابن المنذره
* فَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ فَاحْتُجَّ لَهُ بِحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ
_________________
(١) قَالَ في البيان واختاره أبو نصر البندنيجي صاحب المعتمد اه اذرعي
[ ١ / ٤٣٢ ]
مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُهُ
* وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِمَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ فَاحْتَجُّوا بالاحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما رِوَايَاتِ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي صِفَةِ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ غَسْلِهِ بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا مِنْهَا رِوَايَةُ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵃ وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أو في وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَالرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الصَّحِيحُ فِي أَحَادِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ مَسْحُ الرَّأْسِ مَرَّةً وَقَدْ سَلَّمَ لَهُمْ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا وَاعْتَرَفَ بِهِ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ الْمَعْرُوفُ بِالِانْتِصَارِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ وَاجِبٌ فَلَمْ يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ التَّيَمُّمِ وَالْخُفِّ وَلِأَنَّ تَكْرَارَهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَصِيرَ الْمَسْحُ غَسْلًا وَلِأَنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا قَبْلَ الشَّافِعِيِّ ﵁ عَلَى عَدَم التَّكْرَارِ فَقَوْلُهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ
* وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ بِأَحَادِيثَ وَأَقْيِسَةٍ أَحَدُهَا وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ حَدِيثُ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ منه أن
_________________
(١) قال البيهقي في الخلافيات بعد ان روى الحديث في مسح الرأس ثلاثا اسناد حسن وسيأتي ما يؤيده اه اذرعي
[ ١ / ٤٣٣ ]
قَوْلَهُ تَوَضَّأَ يَشْمَلُ الْمَسْحَ وَالْغَسْلَ وَقَدْ مَنَعَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ الدَّلَالَةَ مِنْ هَذَا لِأَنَّهَا رِوَايَةٌ مُطْلَقَةٌ وَجَاءَتْ
الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ فِي الصَّحِيحِ الْمُفَسَّرَةُ مُصَرِّحَةً بِأَنَّ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً فَصَرَّحُوا بِالثَّلَاثِ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ وَقَالُوا فِي الرَّأْسِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا ثُمَّ قَالُوا بَعْدَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَجَاءَ فِي رِوَايَاتٍ فِي الصَّحِيحِ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مرة ثم غسل رليه ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ دَلَالَةٌ
* الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا وَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَيْضًا الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرُبَّمَا ارْتَفَعَ مِنْ الْحُسْنِ إلَى الصِّحَّةِ بِشَوَاهِدِهِ وَكَثْرَةِ طُرُقِهِ فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ وَغَيْرَهُ رَوَوْهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد
* الْحَدِيثُ الثَّالِثُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ وَقَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ رَوَوْهُ عَنْ عَلِيَّ ﵁ دُون ذِكْرِ التَّكْرَارِ قَالَ وَأَحْسَنُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِيهِ مَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ وَذَكَرَ مَسْحَ الرَّأْسِ ثَلَاثًا وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ
* وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا واعتمد الشيخ أبو حامد الاسفرايني حَدِيثَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ السَّابِقَ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ
* وَأَمَّا الْأَقْيِسَةُ فَقَالُوا أَحَدُ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَغَيْرِهِ قالوا وَلِأَنَّهُ إيرَادُ أَصْلٍ عَلَى أَصْلٍ فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَالْوَجْهِ وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ التَّيَمُّمِ وَمَسْحِ الْخُفِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَادَةُ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي هَذَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ الْمُبَعَّضَةِ يَحْتَرِزُونَ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ قَالَ وَإِنَّمَا فَعَلُوا
[ ١ / ٤٣٤ ]
هَذَا لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْمَذْهَبَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسَنُّ تَكْرَارُ الْغُسْلِ فِيهِ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ سِيرِينَ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ فَمِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ
* (وَالثَّانِي) لَوْ صَحَّ لَكَانَ حَدِيثُ الثَّلَاثِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ من الزيادة
* (الثَّالِثُ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَأَحَادِيثُ
الثَّلَاثِ لِلِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَقَدْ أَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى مَنْعِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ مِنْ حيث ان سفيان بن عينية انْفَرَدَ عَنْ رُفْقَتِهِ فَرَوَاهُ مَرَّتَيْنِ وَالْبَاقُونَ رَوَوْهُ مَرَّةً فَعَلَى هَذَا يُجَابُ عَنْهُ بِالْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ
* وَأَمَّا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِمَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهَا بِأَجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَحْسَنِهَا أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ رُوَاتِهَا الْمَسْحُ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً كَمَا سَبَقَ فوجب الجمع بينها فَيُقَالُ الْوَاحِدَةُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَالثِّنْتَانِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَزِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثُ لِلْكَمَالِ وَالْفَضِيلَةِ
* وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ رُوِيَ الْوُضُوءُ عَلَى أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ فَرُوِيَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ وَرُوِيَ غَسْلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً وَبَعْضِهَا مَرَّتَيْنِ وَرُوِيَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّوْسِعَةِ وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ كَيْفَ تَوَضَّأَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا وَبَعْضِهَا مَرَّتَيْنِ مَعَ أَنَّ حَدِيثَهُ هَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَصْدَ بِمَا سِوَى الثَّلَاثِ بَيَانُ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ لَوْ وَاظَبَ ﷺ عَلَى الثَّلَاثِ لَظُنَّ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَبَيَّنَ فِي أَوْقَاتٍ الْجَوَازَ بِدُونِ ذَلِكَ وَكَرَّرَ بَيَانَهُ فِي أَوْقَاتٍ وَعَلَى أَوْجُهٍ لِيَسْتَقِرَّ مَعْرِفَتُهُ وَلِاخْتِلَافِ الْحَاضِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوا الْوَقْت الْآخَرَ فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ الثَّلَاثُ أَفْضَلَ فَكَيْفَ تَرَكَهُ فِي أَوْقَاتٍ: فَالْجَوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ قَصَدَ ﷺ الْبَيَانَ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ﷺ فَثَوَابُهُ فِيهِ أَكْثَرُ وَكَانَ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ آكَدَ وَأَقْوَى فِي النُّفُوسِ وَأَوْضَحَ مِنْ الْقَوْلِ
* وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي قَوْلِهِ
[ ١ / ٤٣٥ ]
وَالثَّانِي أَنَّ عُمُومَ إطْلَاقِهِ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْحِسَانِ وَغَيْرِهَا
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى التَّيَمُّمِ وَمَسْحِ الْخُفِّ فَهُوَ أَنَّهُمَا رُخْصَةٌ فَنَاسَبَ تَخْفِيفَهُمَا (١) وَالرَّأْسُ أَصْلٌ فَإِلْحَاقُهُ بِبَاقِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أُولَى
* وَأَمَّا قَوْلُهُمْ تَكْرَارُهُ يُؤَدِّي إلَى غَسْلِهِ فَلَا نُسَلِّمُهُ لِأَنَّ الْغَسْلَ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِتَكْرَارِ الْمَسْحِ ثَلَاثًا وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَوْ مَسَحَ بَدَنَهُ بِالْمَاءِ وَكَرَّرَ ذَلِكَ لَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ بَلْ يُشْتَرَطُ جَرْيُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ
* وَأَمَّا قَوْلُهُمْ خَرَقَ الشَّافِعِيُّ
﵁ الْإِجْمَاعَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ سَبَقَ بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمَا كَمَا قدمناه عن حكاية بن الْمُنْذِرِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ فِي نقل المذاهب باتفاق الفرق والله أعلم * قال المصنف ﵀
* فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ وَأَسْبَغَ أَجْزَأَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا به
_________________
(١) يجاب عن مسح الخف أيضا بأن التكرار فيه يؤدي إلى تعيبه وقد نهى عن اضاعة المال اه اذرعي
[ ١ / ٤٣٦ ]
(الشَّرْحُ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَآخَرُونَ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَوْجَبَ الثَّلَاثَ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَرْدُودًا باجماع من قبله وبالاحاديث الصَّحِيحَةُ: مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَحَدِيثُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ ثَلَاثًا وَبَعْضَهَا مَرَّتَيْنِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ خِلَافُهُ
* وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْمُصَنِّفِ بِحَدِيثِ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْإِجْمَاعِ وَقَوْلُهُ وَأَسْبَغَ أَيْ عَمَّمَ الْأَعْضَاءَ وَاسْتَوْعَبَهَا وَمِنْهُ دِرْعُ سَابِغَةٍ وَثَوْبٌ سَابِغٌ والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[ ١ / ٤٣٧ ]
فان خَالَفَ بَيْن الْأَعْضَاءِ فَغَسَلَ بَعْضَهَا مَرَّةً وَبَعْضَهَا مَرَّتَيْنِ وَبَعْضَهَا ثَلَاثًا جَازَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ مرتين
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحُكْمُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ هَكَذَا وَفِيهِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ انه مسح رأسه مرة واحدة والزيادة لا ئقة هُنَا لِيَكُونَ الْحَدِيثُ جَامِعًا لِطَهَارَةِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً وَبَعْضِهَا مَرَّتَيْنِ وَبَعْضِهَا ثَلَاثًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ تَقَدَّمَ بَيَانه في مسح الرأس والله أعلم * قال المصنف ﵀
* فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ كُرِهَ لِمَا رَوَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وظلم (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وغيرهم باسانيد صحيحه وليس في روايته أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَوْلُهُ أَوْ نَقَصَ إلَّا الرواية أَبِي دَاوُد فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهَا وَلَيْسَ فِي رِوَايَاتِهِمْ تَصْرِيحٌ بِمَسْحِ الرَّأْسِ ثَلَاثًا وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ أَنَّ جُمْهُورَ الْمُحَدِّثِينَ صَحَّحُوا الِاحْتِجَاجُ بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَطَعَ فِي كِتَابِهِ اللُّمَعِ بِأَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِاحْتِمَالِ الْإِرْسَالِ وَبَيَّنْتُ سَبَبَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ هُنَاكَ وَاضِحًا وَأَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى أَسَاءَ وَظَلَمَ فَقِيلَ أَسَاءَ فِي النَّقْصِ وَظَلَمَ فِي الزِّيَادَةِ فَإِنَّ الظلم مجاوزة الحد ووضع الشئ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَقِيلَ عَكْسُهُ لِأَنَّ الظُّلْمَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى النَّقْصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (آتَتْ أُكُلَهَا ولم تظلم منه شيئا) وَقِيلَ أَسَاءَ وَظَلَمَ فِي النَّقْصِ وَأَسَاءَ وَظَلَمَ أَيْضًا فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رواية الاكثرين فمن زاد فقد اساء وظلم وَلَمْ يَذْكُرُوا النَّقْصَ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ كُرِهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَلَا يَحْرُمُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْغَسْلَةُ الرَّابِعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً فَلَيْسَتْ مَعْصِيَةً قَالَ وَمَعْنَى أَسَاءَ تَرَكَ الْأَوْلَى وَتَعَدَّى حَدَّ السُّنَّةِ: وَظَلَمَ أَيْ وَضَعَ الشئ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ
* وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
[ ١ / ٤٣٨ ]
﵁ في الام أحب يَتَجَاوَزَ الثَّلَاثَ فَإِنْ جَاوَزَهَا لَمْ يَضُرَّهُ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَضُرَّهُ أَيْ لا يأتم قَالَ وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ قَالَ وَلَيْسَ ظاهر الْمَذْهَبُ هَذَا وَالْمُرَادُ
بِالْإِسَاءَةِ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ التحريم لانه يستعمل أساء فيهما لَا إثْمَ فِيهِ وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وجها في تحريم الزيادة قال وليس بشئ وقال الماوردى الزيادة علي الثلاث لاتسن وَهَلْ تُكْرَهُ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الاسفراينى لَا تُكْرَهُ وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا تُكْرَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَمَّا نَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْأُمِّ فَقَالَ لَا أُحِبُّ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثٍ فَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ وَمَعْنَى لَمْ أَكْرَهْهُ أَيْ لَمْ أُحَرِّمْهُ فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ (وَالثَّانِي) لَا تَحْرُمُ وَلَا تُكْرَهُ لَكِنَّهَا خِلَافُ الْأُولَى (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ تُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ إلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي كتاب الوضوء بين النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوضوء مرة وتوضأ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا وَلَمْ يَزِدْ قَالَ وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ
* (فَرْعٌ)
الْمَشْهُورُ فِي كتب الفقه وشروح الحديث وغيرها لا صحابنا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ مَعْنَاهُ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا وغيرهم مع كثرة كتبهم وحكاياتهم الوجوه الْغَرِيبَةُ وَالْمَذَاهِبُ الْمَشْهُورَةُ وَالْمَهْجُورَةُ الرَّاجِحَةُ وَالْمَرْجُوحَةُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ السُّنَنِ الكبير يحتمل أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّقْصِ نَقْصُ الْعُضْوِ يَعْنِي لَمْ يستوعبه
[ ١ / ٤٣٩ ]
وَهَذَا تَأْوِيلٌ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْعُضْوِ وَهِيَ غَسْلُ مَا فَوْقَ الْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ إسَاءَةً وَظُلْمًا وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ كَمَا سَبَقَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِمَّنْ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَعَقَدَ فِيهِ با بين أَحَدُهُمَا بَابُ اسْتِحْبَابِ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَى الْعَضُدِ: وَالثَّانِي بَابُ الْإِشْرَاعِ فِي السَّاقِ وَذَكَرَ فِيهِمَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ النَّقْصُ عَنْ الثَّلَاثِ إسَاءَةً وَظُلْمًا وَمَكْرُوهًا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قُلْنَا ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْبَيَانَ وَاجِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
إذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَدْ ارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ وَلَا يَبْطُلُ وُضُوءُهُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ
الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ يَبْطُلُ كَمَا لَوْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ
* (فَرْعٌ)
إذَا شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى حُكْمِ الْيَقِينِ وَأَنَّهُمَا غَسْلَتَانِ فَيَأْتِي بِثَالِثَةٍ
* وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلُ وَالِدِهِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ ﵀ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا جَرَى وَلَا يَأْتِيَ بِأُخْرَى لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الرَّابِعَةِ وَهِيَ بِدْعَةٌ وَالثَّالِثَةِ وَهِيَ سُنَّةٌ وَتَرْكُ سُنَّةٍ أَوْلَى مِنْ اقْتِحَامِ بِدْعَةٍ بِخِلَافِ الْمُصَلِّي يَشُكُّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالْأَقَلِّ لِيَتَيَقَّنَ أَدَاءَ الْفَرْضِ وَالشَّكُّ هُنَا لَيْسَ فِي فَرْضٍ
* وَالْوَجْهُ الثَّانِي يغسل
[ ١ / ٤٤٠ ]
أُخْرَى كَالصَّلَاةِ: وَالْبِدْعَةُ إنَّمَا هِيَ تَعَمُّدُ غَسْلَةٍ رَابِعَةٍ بِلَا سَبَبٍ مَعَ أَنَّ الرَّابِعَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً فَلَيْسَتْ مَعْصِيَةً هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْتِي بِأُخْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ لَوْ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ الْأَعْضَاءَ مَرَّةً مَرَّةً ثُمَّ عَادَ فَغَسَلَهَا مَرَّةً مَرَّةً ثُمَّ عَادَ كَذَلِكَ ثَالِثَةً لَمْ يَجُزْ (١) قَالَ وَلَوْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ جَازَ قَالَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَجْهَ وَالْيَدَ مُتَبَاعِدَانِ يَنْفَصِلُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْرَغَ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى الْآخَرِ: وَأَمَّا الْفَمُ وَالْأَنْفُ فَكَعُضْوٍ فَجَازَ تَطْهِيرُهُمَا مَعًا كَالْيَدَيْنِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* (ويجب أن يرتب الوضوء فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه وحكي أبو العباس ابن القاص قولا آخر انه ان نسى الترتيب جاز والمشهور هو الاول والدليل عليه قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الي المرافق) الآية فأدخل المسح بين الغسل وقطع حكم النظير عن النظير فدل على أنه قصد ايجاب الترتيب ولانه عبادة يشتمل على أفعال متغايرة يرتبط بعضها ببعض فوجب فيها الترتيب كالصلاة والحج)
* (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاصِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ كَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ التَّلْخِيصِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْقَوْلُ إنْ صَحَّ فَهُوَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ فَلَا يُعَدُّ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ عَمْدًا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ بِلَا خِلَافٍ (٢) وَإِنْ نَسِيَهُ فَطَرِيقَانِ الْمَشْهُورُ القطع ببطلان وضوءه (وَالثَّانِي) عَلَى قَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ بُطْلَانُهُ وَالْقَدِيمُ صِحَّتُهُ وَسَنُوَضِّحُ دَلِيلَهُمَا فِي فَرْعٍ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ ان شاء الله تعالى:
_________________
(١) معنى قوله لم يجز أي لم يحصل له سنة التثليث لا أنه يحرم لا يصح وضوءه اه اذرعي (٢) قال ابن الاستاذ في شرح الوسيط ورأيت في كتاب الترتيب للشيخ ابي الحسن محمد بن خفيف الطرسوسي حكاية قول قديم أن الترتيب لم يجب وقال في البيان وهو اختيار الشيخ أبي نصر في المعتمد اه اذرعي
[ ١ / ٤٤١ ]
وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى أَفْعَالٍ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهَا أَقْوَالٌ وَلَا يُشْتَرَطُ تَرْتِيبُ أَرْكَانِهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ: وَقَوْلُهُ مُتَغَايِرَةٌ يَعْنِي فَرْضًا وَنَفْلًا وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الطَّوَافِ وقيل قوله أفعل مُتَغَايِرَةٌ كِلَاهُمَا احْتِرَازٌ مِنْ الْغُسْلِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وهو الذى ذكره الشيخ أبو حامد الاسفراينى وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مَعْنَاهُ إذَا غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ لَا يَسْتَبِيحُ شَيْئًا مِمَّا حرم على المحدث حتى يتم وضؤه وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْمُخْرَجِ عِبَادَةٌ تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ عِنْدَ الدَّفْعِ وَلَا تَقِفُ صِحَّةُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ مَا إذَا كَانَ فِي بَعْضِ بَدَنِ الْجُنُبِ جَبِيرَةٌ فَإِنَّ طَهَارَتَهُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَفْعَالٍ مُتَغَايِرَةٍ مَسْحًا وَغَسْلًا وَلَا يَجِبُ فِيهَا التَّرْتِيبُ وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْغَسْلَ هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلَى أَفْعَالٍ مُتَغَايِرَةٍ وَقَوْلُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إيجَابَ التَّرْتِيبِ مَعْنَى قَصَدَ أَرَادَ فَأُطْلِقَ الْقَصْدُ عَلَى الْإِرَادَةِ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ هَذَا وَبُسِطَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ نِسْيَانَ تَرْتِيبِ الوضوء هل يكون عذرا وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ أَمْ لَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَمِثْلُهُ لَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَكَذَا لَوْ صَلَّى أَوْ صَامَ أَوْ تَوَضَّأَ بِالِاجْتِهَادِ فَصَادَفَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ الْإِنَاءَ النَّجِسَ أَوْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الْقِبْلَةِ أَوْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَبَانَ شَجَرًا أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا أَوْ مَرِضَ وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ إنَّهُ مَعْضُوبٌ فَأَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَبَرِئَ أَوْ غَلِطُوا فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَوَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ أَوْ بَاعَهُ حَيَوَانًا عَلَى أَنَّهُ بَغْلٌ فَبَانَ حِمَارًا أَوْ عَكْسَهُ فَفِي كُلِّ هذه المسائل خلاف والاصح أنه
[ ١ / ٤٤٢ ]
لا يعذر في شئ مِنْهَا وَالْخِلَافُ فِي بَعْضِهَا أَقْوَى مِنْهُ فِي بَعْضِهَا وَالْخِلَافُ فِي كُلِّهَا قَوْلَانِ إلَّا مَسْأَلَةَ الْوُقُوفِ وَالْبَيْعِ فَهُوَ وَجْهَانِ وَمِثْلُهُ مَسَائِلُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهَا أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُعْذَرُ: مِنْهَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ خَلْفَ زَيْدٍ هَذَا فَكَانَ عَمْرًا أَوْ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ زَيْدٍ فَكَانَ عَمْرًا أَوْ صَلَّى عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَكَانَ امْرَأَةً وَعَكْسُهُ أَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ وَهُوَ يَظُنُّهُ حَيًّا فَكَانَ مَيِّتًا أَوْ شَرَطَ فِي الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ نَسَبًا أَوْ وَصْفًا فَبَانَ خِلَافُهُ سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَى مِنْ الْمَشْرُوطِ أَمْ لَا.
وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرَةٌ وَسَنُوَضِّحُهَا فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَقْصُودِي بِهَذَا الْفَرْعِ وَشَبَهِهِ جَمْعُ النَّظَائِرِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الضَّوَابِطِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي تريب الْوُضُوءِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرِوَايَةٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ
* وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَجِبُ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ وبه قال سعيد ابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وأصحابهما والمزني وداود واختاره ابن المنذر قال صاحب البيان واختاره أبو نصر البندنجى
[ ١ / ٤٤٣ ]
مِنْ أَصْحَابِنَا
* وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِآيَةِ الْوُضُوءِ وَالْوَاو لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَكَيْفَمَا غَسَلَ الْمُتَوَضِّئُ أَعْضَاءَهُ كان ممتثلا للامر قالوا وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا تَرْتِيبٌ كَالْجَنَابَةِ وَكَتَقْدِيمِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ وَالْمِرْفَقِ عَلَى الْكَعْبِ وَلِأَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ارْتَفَعَ حَدَثُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ لَا يَجِبُ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْآيَةِ قَالُوا وَفِيهَا دَلَالَتَانِ إحْدَاهُمَا الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَاتٍ وَعَادَةُ الْعَرَبِ إذَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ مُتَجَانِسَةً وَغَيْرَ مُتَجَانِسَةٍ جَمَعَتْ الْمُتَجَانِسَةَ عَلَى نَسَقٍ ثُمَّ عَطَفَتْ غَيْرَهَا لَا يُخَالِفُونَ ذَلِكَ إلَّا لِفَائِدَةٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ التَّرْتِيبُ واجبا لما قطع النظيره فَإِنْ قِيلَ فَائِدَتُهُ اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيبِ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: وَالثَّانِي أَنَّ الْآيَةَ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْوَاجِبِ لَا لِلْمَسْنُونِ فَلَيْسَ فِيهَا شئ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ
* الدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ مَذْهَبَ الْعَرَبِ إذَا ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ
[ ١ / ٤٤٤ ]
وَعَطَفَتْ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ تَبْتَدِئُ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ لَا يُخَالَفُ ذَلِكَ إلَّا لِمَقْصُودٍ فَلَمَّا بَدَأَ سُبْحَانَهُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ الرَّأْسِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ دَلَّ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّرْتِيبِ وَإِلَّا لَقَالَ فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برؤسكم وَاغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا مِنْ الْآيَةِ دَلِيلَيْنِ آخَرَيْنِ ضَعِيفَيْنِ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِمَا إلَّا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِهِمَا لِئَلَّا يُعَوَّلَ عَلَيْهِمَا: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ وَنَقَلُوهُ عَنْ الْفَرَّاءِ وَثَعْلَبٍ وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَاسْتَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِأَشْيَاءَ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةُ الدَّلَالَةِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ ضَعِيفٌ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الْأَسَالِيبِ صَارَ عُلَمَاؤُنَا إلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ وَتَكَلَّفُوا نَقْلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَاسْتَشْهَدُوا بِأَمْثِلَةٍ فَاسِدَةٍ قَالَ وَاَلَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَمَنْ ادَّعَاهُ فَهُوَ مُكَابِرٌ فَلَوْ اقْتَضَتْ لَمَا صَحَّ قَوْلُهُمْ تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو كَمَا لَا يَصِحُّ تَقَاتَلَ زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو وَهَذَا الَّذِي قاله الامام هو الصواب المعروف لا هل الْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ
* الدَّلِيلُ الثَّانِي نَقَلَهُ أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فَعَقَّبَ الْقِيَامَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ بِالْفَاءِ وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ بِلَا خِلَافٍ وَمَتَى وَجَبَ تَقْدِيمُ الْوَجْهِ تَعَيَّنَ التَّرْتِيبُ إذْ لَا قَائِلَ بِالتَّرْتِيبِ فِي الْبَعْضِ وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ وَكَأَنَّ قَائِلَهُ حَصَلَ لَهُ ذُهُولٌ وَاشْتِبَاهٌ فَاخْتَرَعَهُ وَتُوبِعَ عَلَيْهِ تَقْلِيدًا وَوَجْهُ بطلانه ان الفاء وان اقتضت التريب لَكِنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ مع ما دخلت عليه كشئ وَاحِدٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْوَاوِ فَمَعْنَى الْآيَةِ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا الْأَعْضَاءَ فَأَفَادَتْ الْفَاءُ تَرْتِيبَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لَا تَرْتِيبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَهَذَا مما يعلم بالبديهة ولا شك في أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إذَا دَخَلْتَ السُّوقَ فَاشْتَرِ خُبْزًا وَتَمْرًا لَمْ يَلْزَمْهُ تَقْدِيمُ الْخُبْزِ بَلْ كَيْفَ اشْتَرَاهُمَا كَانَ مُمْتَثِلًا بِشَرْطِ كَوْنِ الشِّرَاءِ بَعْدَ دُخُولِ السُّوقِ كَمَا أَنَّهُ هُنَا يَغْسِلُ الْأَعْضَاءَ بَعْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ
* واحتج الاصحاب من السنة بالاحاديث الصحية
الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكُلُّهُمْ وَصَفُوهُ مُرَتَّبًا مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَكَثْرَةِ الْمَوَاطِنِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا وَكَثْرَةِ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِفَاتِهِ فِي مَرَّةٍ وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثٍ
[ ١ / ٤٤٥ ]
وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ صِفَةٌ غَيْرُ مُرَتَّبَةٍ وَفِعْلُهُ ﷺ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَوْ جَازَ تَرْكُ التَّرْتِيبِ لَتَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ كَمَا تَرَكَ التَّكْرَارَ فِي أَوْقَاتٍ
* وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرُ التَّرْتِيبِ صَرِيحًا بِحَرْفِ ثم لكنه ضعيف غير معروف (١)
* واجتجوا مِنْ الْقِيَاسِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى أَفْعَالٍ مُتَغَايِرَةٍ إلَخْ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى أَفْعَالٍ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَوَجَبَ تَرْتِيبُهَا كَالصَّلَاةِ وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْغُسْلِ فَإِنْ قَالُوا الْوُضُوءُ لَيْسَ عِبَادَةً فَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ كَوْنِهِ عِبَادَةً فِي أَوَّلِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهَا دَلِيلٌ لَنَا كَمَا سَبَقَ وَعَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُعْرَفُ وَعَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَنَّ جميع بدن الجنب شئ وَاحِدٌ فَلَمْ يَجِبْ تَرْتِيبُهُ كَالْوَجْهِ بِخِلَافِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهَا مُتَغَايِرَةٌ مُتَفَاصِلَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ بدن الجنب شئ وَاحِدٌ أَنَّهُ لَوْ جَرَى الْمَاءُ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ فِي الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ مِنْ الوجه إلى اليد لم يجزه: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَقْدِيمِ الْيَمِينِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ الْأَعْضَاءَ الْأَرْبَعَةَ وَأَطْلَقَ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ وَلَوْ وَجَبَ تَرْتِيبُهُمَا لَقَالَ وايمانكم: والثاني ان اليدين كعضو لا نطلاق اسْمِ الْيَدِ عَلَيْهِمَا فَلَمْ يَجِبْ فِيهِمَا تَرْتِيبٌ كَالْخَدَّيْنِ بِخِلَافِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْمُحْدِثُ إذَا انْغَمَسَ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ فَهُوَ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَرْتَفِعُ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ كَمَا سَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ قَرِيبًا
_________________
(١) احتج البيهقي للترتيب بالحديث الصحيح ابدوا بما بدأ الله به وإذا وجب البداءة بالوجه تعين الترتيب كما سبق وهذا توجيه حسن فان الخبر وان خرج على سبب خاص فان الصحيح ان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب اه اذرعي
[ ١ / ٤٤٦ ]
إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ مَنَعْنَا فَذَاكَ: وَإِلَّا فَالتَّرْتِيبُ يَحْصُلُ فِي لَحَظَاتٍ لَطِيفَةٍ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ
الْأَكْبَرَ فَالْأَصْغَرَ أَوْلَى: وَذَكَرَ امام الحرمين في الا ساليب الْأَدِلَّةَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ثُمَّ قَالَ الْوُضُوءُ يَغْلِبُ فِيهِ التَّعَبُّدُ وَالِاتِّبَاعُ لِأَنَّا إذَا أَوْجَبْنَا التَّرْتِيبَ فِي الصَّلَاةِ لِلِاتِّبَاعِ مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْخُشُوعُ وَالِابْتِهَالُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ولم يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا أحد من أصحابه تنكييس الْوُضُوءِ وَلَا التَّخْيِيرُ فِيهِ وَلَا التَّنْبِيهُ عَلَى جَوَازِهِ وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ فِعْلِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ إلَّا التَّرْتِيبُ كَمَا لَمْ يُنْقَلْ فِي أركان الصلاة الا التريب وَطَرِيقُهُمَا الِاتِّبَاعُ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ بِالْإِجْمَاعِ والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (فان غسل أربعة أنفس أعضاءه الاربعة دفعة واحدة لم يجزيه الاغسل الوجه لانه لم يرتب)
* (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ الْمَعْضُوبُ رَجُلَيْنِ لِيَحُجَّا عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَحَجَّةَ نَذْرٍ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَحَجَّا فِيهَا فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الْحَجَّتَانِ عَلَى الصحيح المنوص: وَفِيهِ وَجْهٌ مُخَرَّجٌ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْوُضُوءِ التَّرْتِيبُ وَلَمْ يَحْصُلْ وَفِي الْحَجِّ أَلَّا يُقَدَّمَ عَلَى حَجَّةِ الاسلام غيرها ولم يقدم * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ اغْتَسَلَ وَهُوَ مُحْدِثٌ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ ونوى الغسل ففيه وجهان أحدهما انه يجزيه لانه إذا جاز ذلك عن الحدث الا على فَلَأَنْ يَجُوزَ عَنْ الْحَدَثِ الْأَدْنَى أَوْلَى
* وَالثَّانِي لا يجزيه وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ تَرْتِيبًا وَاجِبًا بِفِعْلِ ما ليس بواجب)
* (الشَّرْحُ) إذَا غَسَلَ الْمُحْدِثُ جَمِيعَ بَدَنِهِ بِنِيَّةِ الغسل كما ذكره المصنف وغيه أَوْ بِنِيَّةِ الطَّهَارَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَوْ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ كَمَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا أَنْ يَغْسِلَ بَدَنَهُ مُنَكِّسًا لَا عَلَى تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ فَهَلْ
[ ١ / ٤٤٧ ]
يُجْزِيهِ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْكِتَابِ بِدَلِيلِهِمَا أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا يُجْزِيهِ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَنْغَمِسَ فِي الْمَاءِ وَيَمْكُثَ زَمَانًا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّرْتِيبُ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَيُجْزِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ
الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ (الثَّالِثُ) أَنْ يَنْغَمِسَ وَلَا يَمْكُثَ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرِينَ الصِّحَّةُ وَيُقَدَّرُ التَّرْتِيبُ فِي لَحَظَاتٍ لَطِيفَةٍ وَالْخِلَافُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ فِيمَا سِوَى الْوَجْهِ: وَأَمَّا الْوَجْهُ فَيُجْزِيهِ فِي جَمِيعِهَا بِلَا خِلَافٍ إذَا قَارَنَتْهُ النِّيَّةُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْخِلَافُ إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يُجْزِيهِ لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ الْأَصَحُّ يُجْزِيهِ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ التَّرْتِيبِ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ هَذَا الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ تَخْفِيفًا أَمْ يَخْتَصُّ حُلُولُهُ بِالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَفِيهِ وَجْهَانِ إنْ قُلْنَا يَحِلُّ الْجَمِيعُ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ لِأَنَّهُ أُتِيَ بِالْأَصْلِ وَإِلَّا فَلَا: وَسَأُوَضِّحُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْبَابِ فِي الْمَسَائِلِ الزَّائِدَةِ وَقَالَ صَاحِبُ المستظهرى هذا البناء فاسدو الله أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالتَّرْتِيبِ إحْدَاهَا إذَا تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا فَبَدَأَ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ وَجْهِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إلَّا الْوَجْهُ إنْ قَارَنَتْهُ النِّيَّةُ فَإِنْ تَوَضَّأَ منكسا ثانيا وثالثا ورابعا ثم وضؤه وَلَوْ تَوَضَّأَ وَنَسِيَ أَحَدَ أَعْضَائِهِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ الْوَجْهُ وَلَوْ تَرَكَ مَوْضِعًا مِنْ وَجْهِهِ غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَأَعَادَ مَا بَعْدَ الْوَجْهِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَهُ اسْتَأْنَفَ الْجَمِيعَ (الثَّانِيَةُ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي التَّرْتِيبِ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَسْنُونَةِ وَهِيَ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ ثُمَّ الْمَضْمَضَةُ ثُمَّ الِاسْتِنْشَاقُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَسْنُونٌ كَتَقْدِيمِ الْيَمِينِ فَلَوْ قَدَّمَ الْمَضْمَضَةَ علي الكفين أو الاستنشاق علي
[ ١ / ٤٤٨ ]
المضمضة حص كل ذَلِكَ.
وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ شَرْطٌ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَا قَدَّمَهُ كَمَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ فِي أَرْكَانِ صَلَاةِ النَّفْلِ وَفِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ يَجِبُ تَرْتِيبُهُ وَهُوَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ الْوَاجِبَةُ وَقِسْمٌ لَا يَجِبُ وَهُوَ الْيَمِينُ عَلَى الشِّمَالِ وَقِسْمٌ فِيهِ وَجْهَانِ وَهُوَ الْمَسْنُونُ وَالْأَصَحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاطُ (الثَّالِثَةُ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي أَثْنَاءِ مَسْأَلَةِ التَّرْتِيبِ قَوْلُ اللَّهِ تعالى (فآمنوا بالله ورسوله) قَالَ لَوْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ
تَعَالَى لَمْ يَصِحَّ إيمَانُهُ (الرَّابِعَةُ) ذَكَرَ الْأَصْحَابُ مَسْأَلَةً التَّلْخِيصِ وَفُرُوعِ ابْنِ الْحَدَّادِ وَبَسَطُوهَا وَصُورَتُهَا جُنُبٌ غَسَلَ بَدَنَهُ كُلَّهُ إلَّا رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَالُوا يَتَعَلَّقُ حُكْمُ الْحَدَثِ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرَأْسِهِ دون
[ ١ / ٤٤٩ ]
رِجْلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ مُرَتِّبًا فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي الرِّجْلَيْنِ إنْ شَاءَ غَسَلَهُمَا قَبْلَ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهَا وَإِنْ شَاءَ بَيْنَهَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْدَثَ لَمْ يَتَعَلَّقْ حُكْمُ الْحَدَثِ بِالرِّجْلَيْنِ لِبَقَاءِ الْجَنَابَةِ فِيهِمَا وَإِنَّمَا أَثَّرَ في الاعضاء الثلاثة لطهارتها قال صاحب التخليص وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُعَايَاةِ وَآخَرُونَ لَا نَظِيرَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: قَالَ الْأَصْحَابُ وَلَوْ غَسَلَ الْجُنُبُ جَمِيعَ بَدَنِهِ إلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فَقَطْ ثُمَّ أَحْدَثَ لَمْ يَجِبْ تَرْتِيبُ الْأَعْضَاءِ بَلْ يَغْسِلُهَا كَيْفَ شَاءَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فَقَطْ ثُمَّ أَحْدَثَ وَجَبَ تَرْتِيبُهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَاتٌ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقَالَ هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ وَجْهٌ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو محمد في الفروق وله إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَغَيْرِهَا وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَيْضًا حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي بَابِ صِفَةِ الغسل والمذهب الاولى: هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ حَدَثٌ وَجَنَابَةٌ انْدَرَجَ الْحَدَثُ فِي الْجَنَابَةِ: فَأَمَّا إذَا قُلْنَا لَا يَنْدَرِجُ وَأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ عَنْ الْحَدَثَيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ هُنَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَنْ الْحَدَثِ فَيَكُونُ بَعْدَ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمَرَّةً عَنْ الْجَنَابَةِ يَفْعَلُهَا مَتَى شَاءَ: وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ أَنَّهُ لَا يَنْدَرِجُ التَّرْتِيبُ وَيَنْدَرِجُ مَا سِوَاهُ وَأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَكِنْ مُرَتَّبَةً وَجَبَ هُنَا غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً بَعْدَ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَكِنْ هَذَانِ الْوَجْهَانِ ضَعِيفَانِ وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ الِانْدِرَاجُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَإِنْ قِيلَ الْأَصْغَرُ يَنْدَرِجُ تَحْتَ
[ ١ / ٤٥٠ ]
الْأَكْبَرِ إذَا كَانَا بَاقِيَيْنِ بِكَمَالِهِمَا فَأَمَّا إذَا بَقِيَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ ثُمَّ طَرَأَ الْحَدَثُ فَالْوُضُوءُ الْآنَ أَكْمَلُ
مِمَّا بَقِيَ مِنْ الْغُسْلِ: قُلْنَا مِنْ هَذَا خَرَّجَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَجْهَ الَّذِي قَالَهُ أَنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فَيُؤَخِّرُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ وَلَكِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَدُّ بِهِ وَحُكْمُ الْجَنَابَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ أَغْلَبُ وَهُوَ بِأَنْ يُسْتَتْبَعَ أَوْلَى قَالَ فَلَوْ نَسِيَ حُكْمَ الْجَنَابَةِ فِي رِجْلَيْهِ وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ تَرْتَفِعُ الْجَنَابَةُ عَنْ رِجْلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّ أَعْيَانَ الْأَحْدَاثِ لَا أَثَرَ لَهَا فَلَا يَضُرُّ الْغَلَطُ فِيهَا وَحَكَى وَجْهًا أَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَرْتَفِعُ فيهما لانها أغلط مِنْ الْحَدَثِ قَالَ الْإِمَامُ هَذَا ضَعِيفٌ مُزَيَّفٌ وَلَوْ غَسَلَ كُلَّ الْبَدَنِ إلَّا يَدَيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَلَا تَرْتِيبَ فِي يَدَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ فَلَهُ غَسْلُهُمَا مَتَى شَاءَ وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَرْكِ الْوَجْهِ أَوْ الرَّأْسِ أَوْ تَرْكِ عُضْوَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* قَالَ أَصْحَابُنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُلْقَى فِي الْمُعَايَاةِ عَلَى أَوْجُهٍ فَيُقَالُ وُضُوءٌ لَمْ يَجِبْ فِيهِ غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ مَعَ وُجُودِهِمَا مَكْشُوفَتَيْنِ بِلَا عِلَّةٍ فِيهِمَا وَهَذِهِ صُورَتُهُ كَمَا سَبَقَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَيُقَالُ مُحْدِثٌ اقْتَضَى حَدَثُهُ طَهَارَةَ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ دُونَ بَعْضٍ مَعَ سَلَامَتِهَا قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَيُقَالُ وُضُوءٌ سَقَطَ فِيهِ التَّرْتِيبُ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِرِجْلَيْهِ لَكِنْ نَقَلَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ غلطوه وقالوا ليس هذا وضوء بِلَا تَرْتِيبٍ بَلْ لَمْ يَجِبْ فِيهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَإِنْكَارُ الْأَصْحَابِ إنْكَارٌ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀
* (ويوالى بين اعضائه فان فرق تفريقا يسير الم يضر لانه لا يمكن الاحتراز منه وان كان تفريقا كثيرا وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل ففيه قولان قال في القديم لا يجزيه لانها عبادة يبطلها الحدث فابطلها التفريق كالصلاة وقال في الحديث يجزيه لانها عبادة لا يبطلها التفريق القليل فلا يبطلها التفريق الكثير كتفرقة الزكاة فإذا قلنا إنه يجوز فهل يلزمه استئناف النية فيه وجهان احدهما يلزمه لانها انقطعت بطول الزمان والثاني لا يستأنف لانه لم
[ ١ / ٤٥١ ]
يقطع حكم النية فلم يلزمه الاستئناف)
* (الشَّرْحُ) قَوْلُهُ عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَقَوْلُهُ عِبَادَةٌ لَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْقَلِيلُ احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ كَمَا يُبْطِلُهَا الْكَثِيرُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو
الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ تَفْرِيقُ الصَّلَاةِ هُوَ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَبِينُ ذَلِكَ إلَّا فِي تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَصْدًا فَتَفْرِيقُ الصَّلَاةِ هُوَ تَطْوِيلُ رُكْنٍ قَصِيرٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ التَّفْرِيقُ الْمُبْطِلُ لِلصَّلَاةِ هُوَ أَنْ يُسَلِّمَ نَاسِيًا وَعَلَيْهِ رَكْعَةٌ مَثَلًا وَيَذْكُرَ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا سَبَبَ لِبُطْلَانِهَا إلَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ غَيْرُ مُصَلٍّ وَإِنَّمَا لَمْ يَبْطُلْ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي مَحَلِّ الْعَفْوِ كَمَا عُفِيَ عَنْ الْفِعْلِ الْقَلِيلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّلَاةِ: وَيُقَالُ زَمَانٌ وَزَمَنٌ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ﵀ لَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْقَلِيلُ إلَى آخِرِهِ يُنْتَقَضُ بِالْأَذَانِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُهُ التَّفْرِيقُ الْفَاحِشُ دُونَ الْقَلِيلِ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالتَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَا يَضُرُّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْجَدِيدِ وَدَلِيلُهُمَا ما ذكره المصنف ﵀ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ الْقَوْلَانِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ فَرَّقَ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ وَقَالَ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْقَوْلَانِ فِي تَفْرِيقٍ بِلَا عُذْرٍ: أَمَّا التَّفْرِيقُ بِعُذْرٍ فَلَا يَضُرُّ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ الْفُورَانِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالسَّرَخْسِيِّ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْبَسِيطِ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ قَالَ الرَّافِعِيُّ هِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَحَكَى عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَالَ الْمَسْعُودِيُّ وَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ جَوَّزَ فِي الْقَدِيمِ تَفْرِيقَ الصَّلَاةِ بِالْعُذْرِ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَيَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي فَالطَّهَارَةُ أَوْلَى ثُمَّ مِنْ الْأَعْذَارِ أَنْ يفرغ ماوءه فيذهب لتحصيل غيره أو خاف من شئ فَهَرَبَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَهَلْ
[ ١ / ٤٥٢ ]
النِّسْيَانُ عُذْرٌ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ فَطَوَّلَ الْأَرْكَانَ الْقَصِيرَةَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ قَالَ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ مُصَلٍّ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ وَتَارِكُ الْوُضُوءِ لَيْسَ مُشْتَغِلًا بِعِبَادَةٍ.
وَفِي ضَبْطِ التَّفْرِيقِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ إذَا مَضَى بَيْنَ الْعُضْوَيْنِ زَمَنٌ يَجِفُّ فِيهِ الْعُضْوُ
الْمَغْسُولُ مَعَ اعْتِدَالِ الزَّمَانِ وَحَالِ الشَّخْصِ فَهُوَ تَفْرِيقٌ كثيرو الا فَقَلِيلٌ وَلَا اعْتِبَارَ بِتَأَخُّرِ الْجَفَافِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَلَا بِتَسَارُعِهِ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَلَا بِحَالِ الْمَبْرُودِ وَالْمَحْمُومِ وَيُعْتَبَرُ التَّفْرِيقُ مِنْ آخِرِ الْفِعْلِ الْمَأْتِيِّ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ حَتَّى لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ اشْتَغَلَ لَحْظَةً ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بَعْدَ جَفَافِ الْوَجْهِ وَقَبْلَ جَفَافِ الْيَدِ فَتَفْرِيقٌ قَلِيلٌ وَإِذَا غَسَلَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَالِاعْتِبَارُ مِنْ الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ هَكَذَا صَرَّحَ بِمَعْنَى هذه الجملة الشيخ أبو حامد والبند نيجي وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَأَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ اعْتِبَارَ اعْتِدَالِ حَالِ الشَّخْصِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَمَتَى كَانَ فِي غَيْرِ حَالِ الِاعْتِدَالِ قُدِّرَ بِحَالِ الِاعْتِدَالِ وَكَذَا فِي التَّيَمُّمِ يُقَدَّرُ لَوْ كَانَ مَاءً
* (وَالْوَجْهُ الثَّانِي)
* التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ هُوَ الطَّوِيلُ الْمُتَفَاحِشُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ حِكَايَةِ شَيْخِهِ أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِمْلَاءِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَلَمْ أَرَهُ فِي الْإِمْلَاءِ وَلَا حَكَاهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا
* (والوجه الثالث)
* يوءخذ التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ وَالْقَلِيلُ مِنْ الْعَادَةِ
* (وَالرَّابِعُ)
* أَنَّ الْكَثِيرَ قَدْرٌ يُمْكِنُ فِيهِ تَمَامُ الطَّهَارَةِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ هَذَا حُكْمُ تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ: وَأَمَّا الْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ فَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ أَحَدُهَا أَنَّهُمَا كَالْوُضُوءِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ وَبِهَذَا قَطَعَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا
* (وَالثَّانِي)
* لَا يَضُرُّ تَفْرِيقُهُمَا قَطْعًا
* (وَالثَّالِثُ)
* الْغُسْلُ كَالْوُضُوءِ وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَيَبْطُلُ قَطْعًا وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ هَذَا لَيْسَ بشئ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُمَا كَالْوُضُوءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَإِذَا جَوَّزْنَا التَّفْرِيقَ الْكَثِيرَ فَإِنْ كَانَتْ النِّيَّةُ الْأُولَى مستصحبة فبنى علي وضوءه وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهَا أَجْزَأَهُ: وَإِنْ كَانَتْ قَدْ عُزِّبَتْ فَهَلْ يَجِبُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللذان
[ ١ / ٤٥٣ ]
ذكرها الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَهُمَا مَشْهُورَانِ اُخْتُلِفَ فِي أَصَحِّهِمَا فَصَحَّحَ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ الْوُجُوبَ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أبو حامد وصحح الا كثرون عَدَمَ الْوُجُوبِ مِنْهُمْ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إذا قلنا يجب تجديد النية قجددها وبني ففى صحة وضؤه وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَفِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي آخِرِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ هَذَا الْبِنَاءَ: أَمَّا إذَا
فَرَّقَ تَفْرِيقًا يَسِيرًا وَبَنَى فَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ إذَا فَرَّقَ تَفْرِيقًا كَثِيرًا لِعُذْرٍ جَازَ الْبِنَاءُ بِلَا نِيَّةٍ قَطْعًا وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ الْعُذْرِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِأَنَّ الْمُتَفَرِّقَ بِالْعُذْرِ لَهُ حُكْمُ الْمَجْمُوعِ وَالتَّفْرِيقُ بِلَا عُذْرٍ كَالتَّوْهِينِ لِلنِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ والنخعي وسفيان الثوري وأحمد في رواية وداود وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَضُرُّ التَّفْرِيقُ وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ وَرَبِيعَةَ
[ ١ / ٤٥٤ ]
وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَحْمَدَ قَالَ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ ﵁ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ إنْ فَرَّقَ بِعُذْرٍ جَازَ وَإِلَّا فَلَا
* وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْمُوَالَاةَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَعَنْ عُمَرَ ابن الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ عَلَى قَدَمِهِ فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وضؤك فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عُمَرَ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ فَعَلَ ذلك أعد وضؤك وَفِي رِوَايَةٍ اغْسِلْ مَا تَرَكْتَ
* وَاحْتَجَّ لِمَنْ لم يُوجِبُ الْمُوَالَاةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَلَمْ يُوجِبْ مُوَالَاةً وَبِالْأَثَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ فِي السُّوقِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ دُعِيَ إلَى جِنَازَةٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وضؤه وَصَلَّى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَشْهُورٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهَذَا دَلِيلٌ حَسَنٌ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ بِحَضْرَةِ حَاضِرِي الْجِنَازَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ
* وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خَالِدٍ أَنَّهُ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ وَحَدِيثُ عُمَرَ لَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ وَالْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ رِوَايَتَانِ (١) إحْدَاهُمَا للاستحباب والاخري للجواز والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (والمستحب لمن فرغ من الوضوء أن يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريك له وأن
_________________
(١) هذا الجواب عن الاثر صحيح ويدل عليه ان مذهب عمر ﵁ عدم وجوب الموالاة كما سبق اه اذرعي
[ ١ / ٤٥٥ ]
محمدا عبده ورسوله لِمَا رَوَى عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وضؤه ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صادقا من قلبه فتح الله له ثمانية ابواب من الجنة يدخلها من أي باب شاء ويستحب أيضا أن يقول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ الا أنت أستغفرك وأتوب اليك لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال من توضأ وقال سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ الا أنت أستغفرك وأتوب اليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يفتح إلى يوم القيامة)
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ لَكِنَّ فِي الْمُهَذَّبِ تَغْيِيرَاتٍ فِيهِ فَلَفْظُهُ فِي مُسْلِمٍ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ يُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ فقال اشهد أن لا اله اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ وُضُوئِهِ وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ كَاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إلَّا قَوْلَهُ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ وَلَكِنَّهُ شَرْطٌ لَا شَكَّ فِيهِ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ مِنْ طَرِيقِ الثِّقَاتِ وَرُوِيَتْ الزِّيَادَةُ الَّتِي
[ ١ / ٤٥٦ ]
زَادَهَا التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرِ عُمَرَ وَرَوَى أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسول فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ دَخَلَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ ماجه باسناده ضَعِيفٍ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِهِ عَمَلُ الْيَوْمِ
وَاللَّيْلَةِ بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ ضَعِيفٍ وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ: وَفِي سنن الدارقطني عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ غُفِرَ لَهُ ما بين الوضوء ين وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَأَمَّا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَبِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٌ إلَى بَنِي خُدْرَةَ بَطْنٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ﵃ وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ وَكَانَ أَبُوهُ مَالِكٌ صَحَابِيًّا اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ تُوُفِّيَ أَبُو سَعِيدٍ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ: وَقَوْلُهُ كُتِبَ فِي رَقٍّ هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالطَّابَعُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ وَهُوَ الْخَاتَمُ وَمَعْنَى طُبِعَ خُتِمَ وَقَوْلُهُ فَلَمْ يُفْتَحْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَعْنَاهُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ إبْطَالٌ وَإِحْبَاطٌ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا الذِّكْرِ عَقِيبَ الْوُضُوءِ وَلَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ الْفَرَاغِ لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَغَيْرِهَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرِ وَالْبُلْغَةِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ هَذَا الذِّكْرَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَيَقُولُ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَى محمد وعلى آل محمد والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[ ١ / ٤٥٧ ]
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَوَضَّأَ أَنْ لَا يَنْفُضَ يَدَهُ لقوله ﷺ إذا توضأ ثم فلا تنفضوا أيديكم) (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لَا يُعْرَفُ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ضِدَّهُ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ نَاوَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ اغْتِسَالِهِ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ وَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وفي رواية مسلم أتيته بالمنديل فلم يمسك وَجَعَلَ يَقُولُ بِالْمَاءِ هَكَذَا يَعْنِي يَنْفُضُهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي النَّفْضِ عَلَى أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُ النَّفْضِ وَلَا يُقَالُ النَّفْضُ مَكْرُوهٌ (١) قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَآخَرُونَ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ (وَالثَّالِثُ) مُبَاحٌ يَسْتَوِي فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ
الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا نَفْضَ الْيَدِ وَأَظُنُّهُمْ رَأَوْهُ مباحا فتركوه فمن لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَغَيْرُهُمْ وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ حديث ميمونة ولم يثبت في النهى شئ والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُنَشِّفَ أَعْضَاءَهُ مِنْ بَلَلِ الْوُضُوءِ لِمَا رَوَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ قَالَتْ أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غلامي الْجَنَابَةِ فَأَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى فَإِنْ تَنَشَّفَ جَازَ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ﵄ قَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) قَالَ ابن كج في التجريد قال الشافعي استحب له إذا توضأ أن لا ينفض يديه اه وإذا كان هذا هو المنصوص والمذهب ولا يلزم من ترك ذكره ان يكون الراجح خلافه فقد قطع به ايضا خلائق من الاصحاب منهم المصنف في المنهاج والله اعلم بالصواب اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٤٥٨ ]
فوضعا لَهُ غُسْلًا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ فَالْتَحَفَ بِهَا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْوَرْسِ عَلَى عُكَنِهِ) (الشَّرْحُ (أَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ ﵂ فَمُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَحَدِيثُ قَيْسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ سُنَنِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابِهِ عَمَلُ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَابْنُ مَاجَهْ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَكِتَابِ اللِّبَاسِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْغُسْلِ وَغَيْرُهُمْ وَإِسْنَادُهُ مُخْتَلِفٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَرُوِيَ فِي التَّنْشِيفِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِرْقَةٌ ينشف بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَائِمِ وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَلَا يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ شئ وقول ميونة أَدْنَيْت أَيْ قَرَّبْتُ وَقَوْلُهَا غُسْلًا هُوَ بِضَمِّ الْغَيْنِ أَيْ مَا يُغْتَسَلُ بِهِ وَلَفْظَةُ الْغُسْلِ مُثَلَّثَةٌ فَهِيَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ اسْمٌ
لِمَا يُغْسَلُ به الرأس من سدر وخطمى ونحوها وَبِفَتْحِهَا مَصْدَرٌ وَهُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ بِمَعْنَى الِاغْتِسَالِ وَبِضَمِّهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَاءِ فَحَصَلَ فِي الْفِعْلِ لُغَتَانِ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ وَقَدْ زَعَمَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي أَلْفَاظِ الْفِقْهِ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يُقَالُ إلَّا بِالْفَتْحِ وَغَلَّطُوا الْفُقَهَاءَ فِي قَوْلِهِمْ بَابُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ بِالضَّمِّ وَهَذَا الْإِنْكَارُ غَلَطٌ بَلْ هُمَا لُغَتَانِ كَمَا ذَكَرْنَا وَالْمِلْحَفَةُ وَالْمِنْدِيلُ بِكَسْرِ مِيمِهِمَا فَالْمِلْحَفَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الِالْتِحَافِ وَهُوَ الِاشْتِمَالُ وَالْمِنْدِيلُ مِنْ النَّدْلِ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَهُوَ الْوَسَخُ
[ ١ / ٤٥٩ ]
لِأَنَّهُ يُنْدَلُ بِهِ وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ لَعَلَّهُ مِنْ النَّدْلِ وَهُوَ النَّقْلُ وَقَوْلُهُ وَرْسِيَّةٍ هَكَذَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ وَكَذَا وُجِدَ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مِلْحَفَةٌ وَرِيسَةٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ سِينٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ هَاءٌ وَمَعْنَاهُ مَصْبُوغَةٌ بِالْوَرْسِ وَهُوَ ثَمَرٌ أَصْفَرُ لِشَجَرٍ يَكُونُ بِالْيَمَنِ يُصْبَغُ بِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ: وَقَوْلُهُ عَلَى عُكَنِهِ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْكَافِ جَمْعُ عُكْنَةٍ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ قَالَ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ الْعُكَنُ الْأَطْوَاءُ فِي بطن المرأة من السمن وتعكن الشئ إذَا رُكِمَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ مُصَنِّفِي أَلْفَاظِ الْمُهَذَّبِ إنْكَارًا عَلَى الْمُصَنِّفِ قَالَ قَوْلُهُ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْوَرْسِ عَلَى عُكَنِهِ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا النكار غَلَطٌ مِنْهُ بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الحديث مصرح بها في الرواية النسائي والبيهقي
* وأما ميمونة رواية الحديث فهي أم المؤمنين ميمونة الحارث الهلالية كان اسمها برة فسمها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَالْمَيْمُونُ الْمُبَارَكُ مِنْ الْيُمْنِ وَهُوَ الْبَرَكَةُ وَهِيَ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ
[ ١ / ٤٦٠ ]
بَسَطْتُ أَحْوَالَهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ
* وَأَمَّا قَيْسٌ فَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبُو عَبْدُ الْمَلِكِ وَقِيلَ أَبُو الْفَضْلِ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمٍ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وفتح اللام الانصاري وكان قيس وآباوءه الثَّلَاثَةُ يُضْرَبُ بِهِمْ الْمَثَلُ فِي الْكَرَمِ وَقَيْسٌ وَسَعْدٌ صَحَابِيَّانِ تُوُفِّيَ قَيْسٌ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سِتِّينَ ﵁
* أَمَّا حُكْمُ التَّنْشِيفِ فَفِيهِ طُرُقٌ مُتَبَاعِدَةٌ لِلْأَصْحَابِ يَجْمَعُهَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ مِنْهَا أَنَّهُ لَا
يُكْرَهُ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ وَبِهَذَا قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُطَّلِعِينَ (والثاني) يكره النتشيف حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ (الثَّالِثُ) أَنَّهُ مُبَاحٌ يَسْتَوِي فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ قَالَهُ
[ ١ / ٤٦١ ]
أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ (وَالرَّابِعُ) يُسْتَحَبُّ التَّنْشِيفُ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلَامَةِ مِنْ غُبَارٍ نَجِسٍ وَغَيْرِهِ حكاه الْفُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ (وَالْخَامِسُ) إنْ كَانَ فِي الصَّيْفِ كُرِهَ التَّنْشِيفُ وَإِنْ كَانَ فِي الشِّتَاءِ فَلَا لِعُذْرِ الْبَرْدِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ التَّنْشِيفُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى التَّنْشِيفِ لِخَوْفِ بَرْدٍ أَوْ الْتِصَاقٍ بِنَجَاسَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فَلَا كَرَاهَةَ قَطْعًا وَلَا يُقَالُ إنَّهُ خِلَافُ الْمُسْتَحَبِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَحْمِلُ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَنَشَّفُ بِهِ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْمُتَطَهِّرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ السَّلَفِ فِي التَّنْشِيفِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ وَلَا يُقَال التَّنْشِيفُ مَكْرُوهٌ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إبَاحَةَ التَّنْشِيفِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَبَشِيرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ وَالضَّحَّاكِ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَحَكَى كَرَاهَتَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرَاهَتُهُ فِي الْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْلِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ وَنَقَلَ الْمَحَامِلِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْكَرَاهَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف ﵀
* (وَالْفَرْضُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ النِّيَّةُ وَغَسْلُ الْوَجْهِ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ وَمَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَالتَّرْتِيبُ وَأَضَافَ إلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ الْمُوَالَاةَ فَجَعَلَهُ سَبْعَةً وَسُنَنُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ التَّسْمِيَةُ وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ وَإِدْخَالُ الْمَاءِ فِي صماخيه وتخليل أصابع الرجل وَتَطْوِيلُ الْغُرَّةِ وَالِابْتِدَاءُ بِالْمَيَامِنِ وَالتَّكْرَارُ وَزَادَ
[ ١ / ٤٦٢ ]
أبو العباس بن القاص مسح العنق مسح الاذنين فجعله ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَزَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى وضؤه فيقول عند الغسل الْوَجْهِ اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَسْوَدُّ الْوُجُوهُ وَعَلَى غَسْلِ الْيَدِ اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَلَا تُعْطِنِي بِشِمَالِي وَعَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي وَبَشَرِي عَلَى النَّارِ وَعَلَى مَسْحِ الْأُذُنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وَعَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قدمى على الصراط فجعله أربع عشرة)
* (الشَّرْحُ) أَمَّا وَاجِبَاتُ الْوُضُوءِ فَهِيَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَيَجِبُ مَعَ غَسْلِ الْوَجْهِ غَسْلُ جُزْءٍ مِمَّا يُجَاوِرُهُ لِيَتَحَقَّقَ غَسْلُ الْوَجْهِ بِكَمَالِهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ غَسْلُ الْوَجْهِ لان مرادهم الغسل المجزى وَلَا يُجْزِئُ إلَّا بِذَلِكَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمَاءَ الطَّهُورَ فَرْضًا آخَرَ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي السُّنَنِ مِنْهَا التَّسْمِيَةُ وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ (١) وقد قدمنا في أول الباب وجها أنها سُنَّتَانِ مُسْتَقِلَّتَانِ لَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ وتطويل الغرة أراد به غسل من فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ وَفِيهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ وَقَوْلُهُ الابتدإ بِالْمَيَامِنِ يَعْنِي فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ دُونَ الْأُذُنَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَمَا سَبَقَ وَقَوْلُهُ وَالتَّكْرَارُ يَعْنِي فِي الْمَمْسُوحِ وَالْمَغْسُولِ كَمَا سبق وقولة وزاد أبو العباس ابن الْقَاصِّ مَسْحَ الْعُنُقِ هَذَا قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ القاضي فِي كِتَابِهِ الْمِفْتَاحُ وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ فِيهِ أَشَدَّ اخْتِلَافٍ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ بِأَلْفَاظِهِمْ مُخْتَصَرًا ثُمَّ أُلَخِّصَهُ وَأُبَيِّنَ الصَّوَابَ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مَسْحُ الْعُنُقِ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا وَرَدَتْ بِهِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْإِقْنَاعِ لَيْسَ هُوَ سُنَّةً وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ هُوَ سُنَّةٌ وَقِيلَ وَجْهَانِ فَإِنْ قُلْنَا سُنَّةٌ مَسَحَهُ بِالْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الْأُذُنَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ بِمَاءٍ جَدِيدٍ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي هُوَ مُسْتَحَبٌّ لَا سُنَّةٌ يَمْسَحُ بِبَقِيَّةِ مَاءِ الرَّأْسِ أَوْ الاذن ولا يفرد بماء وقال
_________________
(١) قال ابن الاستاذ في شرح الوسيط التسمية سنة وقال أبو حامد هيئة وفرق أبو حامد بينهما بان الهيئة ما تهيأ بها لفعل العبادة والسنة ما كانت في افعالها الراتبة وهكذا نقول في غسل الكفين قال قال صاحب الحاوي وهذه ممانعة في العبارة مع تسليم المعني وقال اسحاق وداود بوجوبها فان تركها عمدا بطلت طهارته أو سهوا فباطلة عند داود صحيحة عند اسحاق اه اذرعي
[ ١ / ٤٦٣ ]
الْبَغَوِيّ يُسْتَحَبُّ مَسْحُهُ تَبَعًا لِلرَّأْسِ أَوْ الْأُذُنِ وقال الفواني يُسْتَحَبُّ بِمَاءٍ جَدِيدٍ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ هُوَ سُنَّةٌ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كَانَ شَيْخِي يَحْكِي فِيهِ وجهين احدهما انه سنة والثاني أدب قال الْإِمَامُ وَلَسْتُ أَرَى لِهَذَا التَّرَدُّدِ حَاصِلًا وَقَالَ الرَّافِعِيُّ هَلْ يَمْسَحُهُ بِمَاءٍ جَدِيدٍ أَمْ بِبَاقِي بَلَلِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنِ بَنَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سنة أم أدب وفيه وَجْهَانِ إنْ قُلْنَا سُنَّةٌ فَبِجَدِيدٍ وَإِلَّا فَبِالْبَاقِي وَالسُّنَّةُ وَالْأَدَبُ يَشْتَرِكَانِ فِي النَّدْبِيَّةِ لَكِنَّ السُّنَّةَ تَتَأَكَّدُ قَالَ وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ مَسْحَهُ بِمَاءٍ جَدِيدٍ وَمَيْلُ الْأَكْثَرِينَ إلَى مِسْحِهِ بِالْبَاقِي هَذَا مُخْتَصَرُ مَا قَالُوهُ وَحَاصِلُهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا يُسَنُّ مَسْحُهُ بِمَاءٍ جَدِيدٍ
* (وَالثَّانِي) يُسْتَحَبُّ وَلَا يُقَالُ مَسْنُونٌ (وَالثَّالِثُ) يُسْتَحَبُّ بِبَقِيَّةِ مَاءِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنِ (وَالرَّابِعُ) لَا يُسَنُّ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَهَذَا الرَّابِعُ هُوَ الصَّوَابُ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَلَا أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَيْضًا أَكْثَرُ الْمُصَنِّفِينَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ مُتَابَعَةً لِابْنِ الْقَاصِّ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْقَذَالَ وَمَا يَلِيهِ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْبَيْهَقِيُّ
[ ١ / ٤٦٤ ]
مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ (١) وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ إنَّ مَسْحَ (٢) الرَّقَبَةِ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ مَسْحُ الرَّقَبَةِ أَمَانٌ مِنْ الْغُلِّ فَغَلَطٌ لِأَنَّ هَذَا مَوْضُوعٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَجَبٌ قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ
بِصِيغَةِ الْجَزْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا الدُّعَاءُ الْمَذْكُورُ فَلَا أَصْلَ لَهُ وَذَكَرَهُ كَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَزَادَ فِيهِ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ اللَّهُمَّ اسْقِنِي مِنْ حَوْضِ نَبِيِّك كَأْسًا لَا أَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا وَعِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ اللَّهُمَّ لا تحرمنى رائحة نعيمك وجناتك قال ويقول عند الرأس اللهم أظني تَحْتَ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّكَ وَقَوْلُهُ ثَبِّتْ قَدَمَيَّ عَلَى الصِّرَاطِ هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى التَّثْنِيَةِ وَالصِّرَاطُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ وَبِإِشْمَامِ الزاى ثلاث لغات وقراآت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ سُنَنَ الْوُضُوءِ اثْنَتَا عَشْرَةَ وَكَذَا ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ زاد بَعْضُهُمْ زِيَادَاتٍ وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الزِّيَادَاتِ وَأَنَا أُلَخِّصُ جَمِيعَ ذَلِكَ وَأَضْبِطُهُ ضَبْطًا وَاضِحًا مُخْتَصَرًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَحْذِفُ أَدِلَّةَ مَا أَذْكُرُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ لِيَقْرُبَ ضَبْطُهَا وَيَسْهُلَ حِفْظُهَا فأقول: سنن الوضوء ومستحباته منها استقبل الْقِبْلَةِ وَأَنْ يَجْلِسَ فِي مَكَان لَا يَرْجِعُ رَشَاشُ الْمَاءِ إلَيْهِ وَأَنْ يَجْعَلَ الْإِنَاءَ عَنْ يَسَارِهِ فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا يَغْتَرِفُ مِنْهُ فَعَنْ يَمِينِهِ وَأَنْ يَنْوِيَ مِنْ أَوَّلِ الطَّهَارَةِ وَأَنْ يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ إلَى آخِرِهَا وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ نِيَّةِ الْقَلْبِ وَلَفْظِ اللِّسَانِ وَأَنْ لَا يَسْتَعِينَ فِي وُضُوئِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَالتَّسْمِيَةُ وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا لِغَيْرِ الصَّائِمِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِثَلَاثِ غُرَفٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَالسِّوَاكُ عَلَى الْأَصَحِّ وَالِاسْتِنْثَارُ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ وَأَنْ يَبْدَأَ فِي الْوَجْهِ بِأَعْلَاهُ وَفِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِالْأَصَابِعِ وَيَخْتِمَ بِالْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ وَيَبْدَأُ فِي الرَّأْسِ بِمُقَدَّمِهِ وَأَنْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ وَأَنْ يَتَعَهَّدَ الْمَاقَيْنِ بِالسَّبَّابَتَيْنِ وَأَنْ يُدَلِّكَ الْأَعْضَاءَ وَيُحَرِّكَ الْخَاتَمَ وَيَتَعَهَّدَ مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الِاحْتِيَاطِ كَالْعَقِبِ وَأَنْ يُخَلِّلَ اللِّحْيَةَ وَالْعَارِضَ الْكَثِيفَيْنِ وَإِطَالَةُ الْغُرَّةِ وَإِطَالَةُ التَّحْجِيلِ وَمَسْحُ كُلِّ الرَّأْسِ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ وَمَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ وَغَسْلُ النَّزَعَتَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَكَذَا مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ وَالصُّدْغُ إذَا قُلْنَا هُمَا مِنْ الرَّأْسِ لِلْخُرُوجِ من الخلاف وتخليل الاصابع والابتدأ باليد
_________________
(١) قلت ان لم يكن ضعف هذا الحديث الا كونه من رواية ليث بن ابي سليم فهو ضعيف محتمل فان ليثا ﵀ روى له مسلم مقرونا بغيره وحديثه في السنن الاربعة اعني الترمذي والنائي وابا داود وابن ماجه وروى عنه البخاري في التاريخ وفيه ضعف يسير من جهة حفطه قاله الذهبي في الكاشف وكان ذا صيام وصلاة وعلم كثير واحتج بعضهم قال أبو داود ليس به بأس وقال ابن عدي له احاديث صالحة روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من ثقات الناس ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه وقال الدارقطني صاحب سند استشهد به البخاري في الصحيح فان لم يكن للحديث علة الا كونه من رواية ليث فهو حسن ويقوي القول باستحباب مسح الرقبة اه اذرعي (٢) قال ابن الاستاذ في شرح الوسيط في هذا الموضع: قال الروياني ورأيت في تصنيف الشيخ أبي الحسن أحمد بن فارس باسناده عن فليح ابن سليمان عن نافع عن ابي عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال من توضأ ومسح يديه على عنقه وقي الغلل يوم القيامة وهذا صحيح: هذا لفظه بحروفه اه اذرعي
[ ١ / ٤٦٥ ]
وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى وَتَكْرَارُ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَأَنْ لَا يُسْرِفَ فِي صَبِّ الْمَاءِ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ وَأَنْ لَا يَنْقُصَ منها وَأَنْ لَا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ وَالْمُوَالَاةُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ وَأَنْ يَقُولَ عقب الفراغ أشهد أن لا اله اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إلَى آخِرِ الذِّكْرِ السَّابِقِ وَأَنْ لَا يُنَشِّفَ أَعْضَاءَهُ وَكَذَا لَا يَنْفُضَ يَدَهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ السَّابِقِ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْعُلَمَاءَ كَرِهُوا الْكَلَامَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ مَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَإِلَّا فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ فَلَا يُسَمَّى مَكْرُوهًا إلَّا بِمَعْنَى تَرْكِ الْأَوْلَى
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ الْوُضُوءُ يَشْتَمِلُ عَلَى فَرْضٍ وَسُنَّةٍ وَنَفْلٍ وَأَدَبٍ وَكَرَاهَةٍ وَشَرْطٍ فَالْفَرْضُ سِتَّةٌ وَفِي الْقَدِيمِ سَبْعَةٌ كَمَا سَبَقَ وَالسُّنَّةُ خَمْسَةَ عَشْرَ وَذَكَرَ نَحْوَ بَعْضِ مَا سَبَقَ وَالنَّفَلُ التَّطَهُّرُ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَالْأَدَبُ عَشَرَةٌ (١) اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالْعُلُوُّ عَلَى مَكَان لَا يَتَرَشَّشُ إلَيْهِ الْمَاءُ وَأَنْ يَجْعَلَ الاناء عن يساره والواسع عن يَمِينِهِ وَيَغْرِفَ بِهَا وَأَنْ لَا يَسْتَعِينَ إلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ وَأَنْ يَبْدَأَ بِأَعْلَى الْوَجْهِ وَبِالْكَفَّيْنِ وَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَأَنْ لَا يَنْفُضَ يَدَيْهِ وَلَا يُنَشِّفَ أَعْضَاءَهُ: وَالْكَرَاهَةُ ثَلَاثَةٌ
الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ وَلَوْ كَانَ بِشَطِّ الْبَحْرِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَغَسْلُ الرَّأْسِ بَدَلَ مَسْحِهِ: وَالشَّرْطُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ هَذَا كَلَامُهُ وَمُعْظَمُهُ حَسَنٌ: وَقَوْلُهُ غَسْلُ الرَّأْسِ مَكْرُوهٌ هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ زَائِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ (إحْدَاهَا) فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٌ حَكَاهَا الْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ وَغَيْرِهِمَا (أَحَدُهَا) وُجُودُ الْحَدَثِ فَلَوْلَاهُ لَمْ يَجِبْ (وَالثَّانِي) الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ يَجِبُ بِالْحَدَثِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ جَمِيعًا وَالْأَوْجُهُ جَارِيَةٌ فِي مُوجِبِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ هَلْ هُوَ إنْزَالُ الْمَنِيِّ وَالْجِمَاعُ أَمْ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ أَمْ كِلَاهُمَا فَإِذَا قُلْنَا يَجِبُ بِوُجُودِ الْحَدَثِ فَهُوَ وُجُوبٌ مُوَسَّعٌ إلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْحَدَثِ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ إذَا أَجْنَبَ أَوْ أَحْدَثَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَلَا الْوُضُوءُ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِالْفِعْلِ أَوْ الزَّمَانِ وَمَعْنَى الْفِعْلِ أَنْ يُرِيدَ قَضَاءَ فَائِتَةٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ لِأَنَّ مُرَادَهُ لَا يُكَلَّفُ بِالْفِعْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ ابن المنذر في
_________________
(١) الذي رأيته في نسختين باللباب وأما الادب فاثنى عشر شيئا فأهمل المصنف شيئين أحدهما ان يغترف بيمينه وان إذا استعان باحد لحاجة جعله عن يمينه وكذا هو في اصل اللباب وهو الرونق للشيخ أبي حامد والذي نقله الماوردي عن نص الشافعي ان ان المعين يكون عن يساره وبه اجاب الجرجاني في التحرير اه اذرعي
[ ١ / ٤٦٦ ]
كِتَابِهِ الْإِجْمَاعِ وَآخَرُونَ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ ومن في معناها فانه لا يصح وضؤها إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثَةُ) أَجْمَعُوا أَنَّ الْجَنَابَةَ تَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ: وَأَمَّا الحدث الاصغر ففيه وجهان لا صحابنا مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ وَحَكَاهُمَا الشَّاشِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَحَدُهُمَا يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ كَالْجَنَابَةِ وَلَيْسَ بَعْضُ الْبَدَنِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ وَلِأَنَّ الْمُحْدِثَ مَمْنُوعٌ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ بِظَهْرِهِ وَسَائِرِ بَدَنِهِ ولولا الْحَدَثُ فِيهِ لَمْ يُمْنَعْ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا اكتفى بغسل الاعضاء الاربعة تخفيفا لتكرره بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ:
وَالثَّانِي لَا يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ بَلْ يَخْتَصُّ بِالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مُخْتَصٌّ بِهَا وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِغَيْرِهَا لِأَنَّ شَرْطَ الْمَاسِّ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا ولا يكون شئ من بدنه محدثا ولا بكفيه طَهَارَةُ مَحَلِّ الْمَسِّ وَحْدَهُ وَلِهَذَا لَوْ غَسَلَ وجهه ويديه لم يجز مسه بيايه مَعَ قَوْلِنَا بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ إنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ الْعُضْوِ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَرَاغِ الْوُضُوءِ وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: واحتلفوا فِي الْأَصَحِّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَقَالَ الشَّاشِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَعُمُّ الْبَدَنَ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ الْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَهَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ هُوَ الْأَرْجَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الرَّابِعَةُ) الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْوُضُوءِ إلَّا فِي اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ كما سبق (الخامس) يُشْتَرَطُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَيْهَا فَإِنْ أَمَسَّهُ الْمَاءَ وَلَمْ يَجْرِ لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ قَدْرِ الْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْآنِيَةِ فِي قَوْلِهِ إذَا تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءِ الْفِضَّةِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ هُوَ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى غَسْلًا مَا لَمْ يَجْرِ وَلَوْ غَمَسَ عُضْوَهُ فِي الْمَاءِ كَفَاهُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى غَسْلًا (السَّادِسَةُ) مَاءُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ وَلَا فِي الْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ وَالْإِسْرَافُ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ وَسَيَأْتِي هَذَا كُلُّهُ مَبْسُوطًا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْغُسْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (السَّابِعَةُ) إذَا كَانَ عَلَى بَعْضِ أعضائه شمع أو عجين أو حناء واشتباه ذلك فمنع وصول الماء الى شئ من العضو لم تصح طهارته سواء كثر ذَلِكَ أَمْ قَلَّ وَلَوْ بَقِيَ عَلَى الْيَدِ وَغَيْرِهَا أَثَرُ الْحِنَّاءِ وَلَوْنُهُ دُونَ عَيْنِهِ أَوْ أثر
[ ١ / ٤٦٧ ]
دُهْنٍ مَائِعٍ بِحَيْثُ يَمَسُّ الْمَاءُ بَشَرَةَ الْعُضْوِ وَيَجْرِي عَلَيْهَا لَكِنْ لَا يَثْبُتُ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي فَصْلِ غَسْلِ الرِّجْلِ: وَلَوْ كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ السِّوَاكِ (الثَّامِنَةُ) يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَلَا يَجِبُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْوَجْهِ (التَّاسِعَةُ) إذَا شَرَعَ الْمُتَوَضِّئُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ارْتِفَاعُهُ عَنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ عَلَى غَسْلِ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ
فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَتَوَقَّفُ فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ رأسه لم يرتفع الحدث عن شئ مِنْهَا حَتَّى يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ
* وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِيَدِهِ فَلَوْلَا بَقَاءُ الْحَدَثِ عَلَيْهَا لَجَازَ
* وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ موجب لا زالة الْحَدَثِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا: وَالْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ أَنَّ شَرْطَ الْمَاسِّ أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الطَّهَارَةِ وَلَا يَكُونَ عَلَيْهِ حَدَثٌ وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ بِصَدْرِهِ وَإِنْ قُلْنَا الْحَدَثُ يَخْتَصُّ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ (الْعَاشِرَةُ) إذَا شَرَعَ فِي الْوُضُوءِ فَشَكَّ فِي أَثْنَائِهِ فِي غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَسْلِهِ وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّهَارَةِ فِي غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَهَلْ هُوَ كَالشَّكِّ فِي أَثْنَائِهَا فَيَلْزَمُهُ غَسْلُهُ وَمَا بَعْدَهُ أَمْ لا يلزمه شئ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ السَّلَامِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمُتَوَلِّي فِي آخِرِ بَابِ الْأَحْدَاثِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرُّويَانِيُّ هُنَا وَآخَرُونَ وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرُّويَانِيُّ وُجُوبَ غَسْلِهِ وَهُوَ احْتِمَالٌ لِصَاحِبِ الشَّامِلِ قَالُوا لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تُرَادُ لِغَيْرِهَا فَلَمْ تَتَّصِلْ بِالْمَقْصُودِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَقَطَعَ الشيخ أبو حامد بأنه لا شئ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ هَذَا يُؤَدِّي إلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا فَقَالَ هَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ هُوَ الْأَظْهَرُ الْمُخْتَارُ
* وَاحْتَجَّ الرُّويَانِيُّ لِمَا رَجَّحَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُسَافِرِ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَفَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ شَكَّ فِي فَرْضٍ مِنْهَا وأراد أن يجمع االيها العصر لم بجز لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْعِلْمُ بِصِحَّةِ الظُّهْرِ قَالَ وَمِثْلُهُ لَوْ خَطَبَ لِلْجُمُعَةِ
[ ١ / ٤٦٨ ]
ثُمَّ شَكَّ فِي تَرْكِ فَرْضٍ مِنْ الْخُطْبَةِ لَمْ تَجُزْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ إتْمَامَ الْخُطْبَةِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي الْمِثَالَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ وَسَنَعُودُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) إذَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ تَيَقَّنَ تَرْكَ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَهَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَكَلَامٌ طَوِيلٌ وَفُرُوعٌ كَثِيرَةٌ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي آخِرِ بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) يستحب لمن توضأ أن يصلي رَكْعَتَيْنِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ وَفِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَنْ النَّوَافِلِ الَّتِي
لَا سَبَبَ لَهَا لان هذه لها سَبَبٌ وَهُوَ الْوُضُوءُ وَذَكَرَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا النَّافِلَةُ وَذَكَرَهَا فِي هَذَا الْبَابِ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَغَيْرُهُ وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ ﵁ حَدِّثْنِي بأرجأ عمل عملته في الاسلام فاني سمعت دق نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ مَا عملت عملا أرجأ عِنْدِي مِنْ أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَكَذَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ
* وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْدِثَ وَمَتَى يُسْتَحَبُّ: فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا إنْ صَلَّى بالوضوء الاول فرضا أو نفلا استحب والا فلا وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ (وَالثَّانِي) إنْ صَلَّى فَرْضًا اُسْتُحِبَّ وَإِلَّا فَلَا وَبِهِ قَطَعَ الْفُورَانِيُّ (وَالثَّالِثُ) يُسْتَحَبُّ إنْ كَانَ فَعَلَ بِالْوُضُوءِ الْأَوَّلِ مَا يَقْصِدُ لَهُ الْوُضُوءَ وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَهُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمُعْتَمَدِ وَالْمُسْتَظْهَرَيْ فِي بَابِ الْمَاءِ واختاره (والرابع) إن صلى بالاول
[ ١ / ٤٦٩ ]
أو سجده لِتِلَاوَةٍ أَوْ شُكْرٍ أَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي مصحف اُسْتُحِبَّ وَإِلَّا فَلَا وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الْفُرُوقِ: وَالْخَامِسُ يُسْتَحَبُّ التَّجْدِيدُ وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ بِالْوُضُوءِ الْأَوَّلِ شَيْئًا أَصْلًا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّجْدِيدِ زَمَنٌ يَقَعُ بِمِثْلِهِ تَفْرِيقٌ فَأَمَّا إذَا وَصَلَهُ بِالْوُضُوءِ فَهُوَ فِي حُكْمِ غَسْلَةٍ رَابِعَةٍ وَهَذَا الْوَجْهُ غَرِيبٌ جِدًّا وَقَدْ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ الْفُرُوعِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّجْدِيدُ إذَا لَمْ يؤد بالاول كِتَابِهِ شَرْحِ الْفُرُوعِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ بأنه يُكْرَهُ التَّجْدِيدُ قَالَا وَلَوْ سَجَدَ لِتِلَاوَةٍ أَوْ شُكْرٍ لَمْ يُسْتَحَبَّ التَّجْدِيدُ وَلَا يُكْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَمَّا الْغُسْلُ فَلَا يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: أَمَّا التَّيَمُّمُ
فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهُ وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ يُسْتَحَبُّ وَصُورَتُهُ فِي الْجَرِيحِ وَالْمَرِيضِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَيُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِهِمَا إذَا لَمْ نُوجِبْ الطَّلَبَ ثَانِيًا إذَا بَقِيَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي التَّيَمُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قُلْنَا بِتَجْدِيدِ التَّيَمُّمِ فَيُتَصَوَّرُ لِلنَّافِلَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ وَكَذَا لِلْفَرِيضَةِ بَعْدَ النَّافِلَةِ إذَا قَدَّمَ النَّافِلَةَ
* وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِأَصْلِ اسْتِحْبَابِ التَّجْدِيدِ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَمِمَّنْ ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ
* وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَكَانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ لَكِنْ لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِلتَّجْدِيدِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ عَنْ حَدَثٍ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ مقاوم لاحتمال التجديد فلا ترجح التجديد الا بمرجح آخر (الرابعة عشرة) إذَا تَوَضَّأَ الصَّحِيحُ وَهُوَ غَيْرُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا مِمَّنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْوُضُوءِ الْوَاحِدِ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ مَا لَمْ يُحْدِثْ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ بن بطال ى شرح صحيح البخازي عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا وَحَكَى الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ ابن حزم الظاهرى في كتابه كتاب
_________________
(١) قول أنس وكان احدنا يكفيه فيه اشارة إلى التجديد وهنا يرجح احتمال التجديد فهو ارجح اه أذرعي
[ ١ / ٤٧٠ ]
الاجماع هذا المذهب عن عمر بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ يَعْنِي النَّخَعِيّ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ لِلْمُسَافِرِ دُونَ الْحَاضِرِ
* وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ طاهرا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الْآيَةَ وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَقَدْ صَنَعْتَ
الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ فَقَالَ عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ سُوَيْد بْنِ النُّعْمَانِ رضى اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَكَلَ سَوِيقًا ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِي أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَدَّمَتْ لَهُ شَاةً مَصْلِيَّةً فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا ثُمَّ حَانَتْ الظُّهْرُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ إلَى فَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ ثُمَّ حَانَتْ الْعَصْرُ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذَا كَحَدِيثِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ وَفِي سَائِرِ الْأَسْفَارِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَاتِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَمَعْنَاهَا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ مُحْدِثِينَ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَبِتَقْرِيرِهِ أَصْحَابَهُ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلِسُ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ فَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُهُمْ اسْتَبَاحَ فَرِيضَةً وَاحِدَةً وَمَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ وَلَا يُبَاحُ لَهُ غَيْرُ فَرِيضَةٍ كَمَا سَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
[ ١ / ٤٧١ ]
وَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ بِالْوُضُوءِ فِيهِ طَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ لَا يَرْتَفِعُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِيهِ قَوْلَانِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمَا هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّالُ غَلَطٌ وَكَيْفَ يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مَعَ جَرَيَانِهِ دَائِمًا ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) إذَا أَحْدَثَ أَحْدَاثًا مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً كَفَاهُ وُضُوءٌ وَاحِدٌ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا لَوْ أَجْنَبَ مَرَّاتٍ بجماع امرأة واحدة ونسوة أَوْ احْتِلَامٍ أَوْ بِالْمَجْمُوعِ كَفَاهُ غُسْلٌ بِالْإِجْمَاعِ سواء كَانَ الْجِمَاعُ مُبَاحًا أَوْ زِنًا وَمِمَّنْ نَقَلَ الاجماع فيه أبو محمد بن جزم وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) يُسْتَحَبُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَلَى الْمَبِيتِ عَلَى طَهَارَةٍ وَفِيهِمَا أَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ وَقَدْ ذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ أَنْوَاعَ الْوُضُوءِ الْمَسْنُونِ فَجَعَلَهَا عَشَرَةً وَزَادَ فِيهَا غَيْرُهُ فَبَلَغَ مَجْمُوعُهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ
نَوْعًا مِنْهَا تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ وَالْوُضُوءُ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءُ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْوُضُوءُ لِلْجُنُبِ
[ ١ / ٤٧٢ ]
عِنْدَ الْأَكْلِ (١) أَوْ الشُّرْبِ (٢) وَالْوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ الْمَيِّتِ وَعِنْدَ الْغَضَبِ وَعِنْدَ الْغِيبَةِ (٣) وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَعِنْدَ قِرَاءَةِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَرِوَايَتِهِ وَدِرَاسَةِ الْعِلْمِ وَعِنْدَ الْأَذَانِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَلِلْخُطْبَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَكَذَا لِلْجُمُعَةِ إذَا لَمْ نُوجِبْ فِيهَا الطَّهَارَةَ وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَلِلسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُضُوءُ مِنْ الفصد والحاجة والقئ وأكل لجم الْجَزُورِ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِهِ
* وَكَذَا يُنْدَبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ نَوْمٍ أَوْ لَمْسٍ أَوْ مَسٍّ اُخْتُلِفَ فِي النَّقْضِ بِهِ وَقُلْنَا لَا يَنْقُضُ وَكَذَا فِي مَسِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْخُنْثَى وَمَسِّهِ أَحَدَ فَرْجَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَرَأَيْتُ فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَصَّ شَارِبَهُ الْوُضُوءُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ طَهَارَةَ مَا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ فَيُعِيدُ الْوُضُوءُ لِلتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) قَالَ الْبَغَوِيّ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَوَضَّأَ انْعَقَدَ نَذْرُهُ وَعَلَيْهِ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأَوَّلِ صَلَاةً فَإِنْ تَوَضَّأَ وَهُوَ مُحْدِثٌ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ نَذْرِهِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ شَرْعًا.
وَإِنْ جَدَّدَ الْوُضُوءَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأَوَّلِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ نَذْرِهِ: قَالَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَلْزَمُ الْوُضُوءُ بِالنَّذْرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ قَالَ وَلَوْ نَذَرَ التَّيَمُّمَ لَا يَنْعَقِدُ قَطْعًا لِأَنَّهُ لَا يُجَدَّدُ هَذَا كَلَامُ الْبَغَوِيِّ وَقَدْ جَزَمَ الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ النَّذْرِ بِانْعِقَادِ نَذْرِ الوضوء وحكي وجها في انعقاد نذر نذر التيمم وهو بمني عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ فِي تَجْدِيدِ التَّيَمُّمِ فَالْمَذْهَبُ انْعِقَادُ نَذْرِ الْوُضُوءِ وَعَدَمُ انْعِقَادِ نَذْرِ التَّيَمُّمِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَلَوْ نَذَرَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَزِمَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ لَهَا عَنْ حَدَثٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوُضُوءُ لَهَا ثَانِيًا بَلْ يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ الْوَاحِدُ لِوَاجِبَيْ الشَّرْعِ وَالنَّذْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي آخر هذا الباب بعد
_________________
(١) قال الحليمي في المنهاج وإذا اراد الجنب أن يعود فقد جاء الحديث أنه يتوضأ ومعناه فليتنظف بغسل فرجه لانه روى في حديث آخر مفسرا إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يعود فليغسل فرجه وفي رواية إخرى فلا يعود حتى يغسل فرجه اه وقال القرطبي في شرح مسلم وقوله ﷺ إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ اهله ثم اراد ان يعاود فليتوضأ منها وضوآن ذهب بعض اهل الظاهر إلى انه الوضوء العرفي وأنه واجب واستحبه احمد وغيره وذهب الفقهاء واكثر اهل العلم إلى انه غسل الفرج ثم استدل له بحديث فيه وليغسل فرجه مكان فليتوضأ وايده بمعنى ظاهر اه من هامش الاذرعي (٢) قال القرطبي مساق حديث عائشة يقتضي ان يكون وضوء الجنب للاكل هو وضوء الصلاة لانها جمعت من الاكل =
[ ١ / ٤٧٣ ]
أَنْ ذَكَرَ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَسُنَنَهُ وَذَلِكَ أَكْمَلُ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ اسْتِحْبَابَ غَسْلِ الْعَيْنَيْنِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يفعله فاستثنى لا خلاله بِذَلِكَ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْوُضُوءِ وَهَذَا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرُوهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الْحُسْنِ فَالْأَجْوَدُ غَيْرُهُ وَهُوَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِزِيَادَةٍ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَوْ بِإِبْطَالِ مَا أَثْبَتَهُ وَلَمْ تَبْلُغْهُ فَاحْتَاطَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَشْيَاءَ لم يثبها بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَحَذَفَ أَشْيَاءَ أَثْبَتَهَا بَعْضُهُمْ فَالِاسْتِثْنَاءُ حَسَنٌ لِهَذَا مَعَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَيْسَتْ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ فَتُغْسَلَانِ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ أَوْ أكثرهم هذا لحن لانه جواب النفى بالفإ فَصَوَابُهُ فَتُغْسَلَا بِحَذْفِ النُّونِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَوْلُهُ فَتُغْسَلَانِ بِالنُّونِ صَحِيحٌ عِنْدَ عَامَّةِ النَّحْوِيِّينَ عَلَى إضْمَارِ الْمُبْتَدَأِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا يُؤْذَنُ لهم فيعتذرون أَيْ فَهُمْ يَعْتَذِرُونَ
* وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ مَرَّةً وَذِرَاعَيْهِ مَرَّةً مَرَّةً وَمَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالنَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ وَغَسَلَ رجليه مرة مرة عم بِكُلِّ مَرَّةٍ أَجْزَأَهُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً هَذَا لفظه فاعترض عليه لا دخل حَدِيثِ مَسْحِ النَّاصِيَةِ وَذِكْرِ النَّزَعَتَيْنِ بَيْنَ أَعْضَاءِ الوضوء والجواب عنه أن هذا كلام اعتراض بَيْنَ الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِهِ وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ عِنْدَ ذِكْرِهِ الِاقْتِصَارَ فَكَانَ الِاحْتِجَاجُ لَهُ مُهِمًّا فَعَجَّلَهُ وَذَكَرَ النَّزَعَتَيْنِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ الَّذِي
تَكَلَّمَ فِيهِ وَحَكَمَ بِأَنَّ بَعْضَهُ يَكْفِي فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ وَلَوْ بَعْضَ النَّزَعَةِ منه
_________________
(١) = والنوم في الوضوء ويحكي ذلك عن ابن عمر والجمهور على خلافه وان وضوءه عند الاكل غسل يديه وقد روى النسائي هذا عن عائشة مفسرا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ توضأ وان اراد ان يأكل أو يشرب قالت غسل يديه ثم يأكل أو يشرب قلت ويؤيد هذا ما رواه ابو داود وغيره مرفوعا الوضوء قبل الطعام وبعده بركعة والمراد به غسل اليدين والله اعلم اه اذرعي (٣) ومنها الوضوء من الغيبة ومن الكذب وانشاد الشعر ومن استغراق الضحك قاله الحليمي في مناهجه اه اذرعي
[ ١ / ٤٧٤ ]
جَازَ فَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَهُ مُهِمًّا اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ الْجُمَلِ وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْله فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحمد في السموات والارض وعشيا اعترض قوله تعالى وله الحمد في السموات والارض ومثله قوله تعالي وإنه لقسم لو تعلمون عظيم اعترض لو تعلمون وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالانثى واني سميتها مريم اعْتَرَضَ قَوْله تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وَضَعَتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَمِمَّا جَاءَ مِنْهُ في شعر العرب قول امرئ القيس الاهل اتاها والحوادث جمة
* بان امرئ الْقَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا فَاعْتَرَضَ قَوْلُهُ وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ
* وَقَوْلُ الْآخَرِ أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تُنْمَى
* بما لا قت لَبُونُ بَنِي زِيَادِ فَاعْتَرَضَ وَالْأَنْبَاءُ تُنْمَى
* وَقَوْلُ الْآخَرِ إلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ كِلَالُهَا
* إلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ فَاعْتَرَضَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ: وَفِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ شَوَاهِدُ لِمَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ
* وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ) أُنْكِرَ عَلَى صَاحِبِ الْوَسِيطِ مَسَائِلُ وَأَلْفَاظٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْبَابِ وَنَبَّهْنَا عَلَى صَوَابِهَا: مِنْهَا قَوْلُهُ فِي غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةَ الْيَدِ فَفِي (١) بَقَاءِ
الِاسْتِحْبَابِ وَجْهَانِ: وَمِنْهَا قَوْلُهُ إذَا حَلَقَ شَعْرَهُ لَا يَلْزَمُهُ طهارة موضعه خلافا لا بن خَيْرَانَ وَصَوَابُهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ وَقَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ مَسْحُ الرَّقَبَةِ أَمَانٌ مِنْ الْغُلِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة * قال المصنف ﵀
*
_________________
(١) هذا الاول ليس بمنكر ومعناه ففي بقاء استحباب تقديم الغسل على الغمس كما سبق خلاف ما توهم صاحب الذخائر من أن المراد أصل غسل اليد فانه لا خلاف فيها اه اذرعي
[ ١ / ٤٧٥ ]