يجوز المسح على الخفين في الوضوء لما روى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الخفين فقلت يا رسول الله نسيت فقال بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي ولان الحاجة تدعوا إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه فجاز المسح عليه كالجبائر) (الشَّرْحُ) فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم في صحيحهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عن الْخُفَّيْنِ وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَقَوْلُهُ ﷺ لِلْمُغِيرَةِ بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ بِنِسْيَانِهِ وَإِنَّمَا هُوَ للمقابلة كما يقول الرجل فَعَلْتَ كَذَا وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ فَيَقُولُ بَلْ أَنْتَ فَعَلْتَهُ مُبَالَغَةً فِي بَرَاءَتِهِ مِنْهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ كَمَا أَنَّكَ لَمْ تَفْعَلْهُ وَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ غَيْرُ هَذَا وَالْمُغِيرَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ (الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي الْوُضُوءِ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَسَائِرِ الْأَغْسَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَسْنُونَةِ وَمِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَسَنُوَضِّحُهَا كُلَّهَا إنْ شَاءَ الله وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى لُبْسِهِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالْجَبِيرَةِ هَكَذَا قَاسَهُ أَصْحَابُنَا وَأَرَادُوا إلْزَامَ طَائِفَةٍ خَالَفَتْ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَوَافَقَتْ فِي الْجَبِيرَةِ فَالْجَبِيرَةُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا (الثَّالِثَةُ) مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَقَالَتْ الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ لَا يَجُوزُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد وَحَكَى الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عن مالك ستة رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ: الثَّانِيَةُ يَجُوزُ لكنه يُكْرَهُ: الثَّالِثَةُ يَجُوزُ أَبَدًا وَهِيَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: الرَّابِعَةُ يَجُوزُ مُؤَقَّتًا: الْخَامِسَةُ يجوز للمسافر دون الحاضر: السادس عَكْسُهُ وَكُلُّ هَذَا الْخِلَافِ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَيَدُلُّ عليه
[ ١ / ٤٧٦ ]
الاحاديث الصحيحة المستفيضة في حديث مَسْحِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَأَمْرُهُ بِذَلِكَ وَتَرْخِيصُهُ فِيهِ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ رَوَيْنَا جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة ابن الْيَمَانِ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وعمر وابن الْعَاصِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ (قُلْتُ) وَرَوَاهُ خَلَائِقُ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ الْبَيْهَقِيُّ وَأَحَادِيثُهُمْ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَسَلْمَانَ وَبُرَيْدَةَ وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ وَيَعْلَى بْنِ مُرَّةَ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَصَفْوَانَ ابن عَسَّالٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي بَكْرَةَ وَبِلَالٍ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قال أبو بكر ابن الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اخْتِلَافٌ هُوَ جَائِزٌ وَقَالَ جَمَاعَاتٌ مِنْ السَّلَفِ نَحْوَ هَذَا وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهِيَ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهِ ﷺ وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمَائِدَةِ نَزَلَتْ قَبْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِمُدَدٍ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ ﵁ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ زَادَ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَتِهِ قَالُوا لِجَرِيرٍ إنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ فَقَالَ جَرِيرٌ
وَمَا أَسْلَمْتُ إلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَكَانَ إسْلَامُ جَرِيرٍ مُتَأَخِّرًا جِدًّا (١) وَرَوَيْنَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ ﵀ قَالَ مَا سَمِعْتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَدِيثًا أَحْسَنَ مِنْ حديث جرير وأما
_________________
(١) كان اسلامه في العاشرة من الهجرة ﵁ اه اذرعي
[ ١ / ٤٧٧ ]
الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ فِي الْآيَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ لا بس الْخُفِّ بِبَيَانِ السُّنَّةِ وَلَيْسَ لِلْمُخَالِفِينَ شُبْهَةٌ فِيهَا رُوحٌ: وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ مِنْ كَرَاهَةِ الْمَسْحِ فَلَيْسَ بِثَابِتٍ (١) بَلْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ رَوَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ذَلِكَ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِمَا جَوَازَ الْمَسْحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بَلَغَا رَجَعَا وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَى هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلَى الْجُمْلَةِ الْمَسْأَلَةُ غَنِيَّةٌ عَنْ الْإِطْنَابِ فِي بَسْطِ أَدِلَّتِهَا بِكَثْرَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا جَوَازُ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ فَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْهَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْتَهَى إلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ سُبَاطَةِ قَوْمٍ بِالْمَدِينَةِ وَعَنْ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ وعليه وَسَلَّمَ جَعَلَ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ: وَمِنْهَا حديث خزيمة ابن ثَابِتٍ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَهُمَا صَحِيحَانِ سَيَأْتِي بَيَانُهُمَا قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ التَّوْقِيتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا مَسْحُ الْخُفَّيْنِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَغَسْلُ الرِّجْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتْرُكَ المسح رغبة عن السنة ولا شكا فِي جَوَازِهِ وَقَدْ صَرَّحَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ بِهَذَا فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فِي مَسْأَلَةِ تَفْضِيلِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ وَفِي غَيْرِهَا وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ يَجُوزُ الْمَسْحُ وَلَمْ يَقُلْ يُسَنُّ أَوْ يُسْتَحَبُّ وَدَلِيلُ تَفْضِيلِ غَسْلِ الرِّجْلِ أَنَّهُ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ وَلِأَنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ هُوَ الْأَصْلُ فَكَانَ أَفْضَلَ كَالْوُضُوءِ مَعَ التَّيَمُّمِ فِي مَوْضِعِ جَوَازِ التَّيَمُّمِ وَهُوَ إذَا وَجَدَ فِي السَّفَرِ مَاءً يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَهُ التَّيَمُّمُ فَلَوْ اشْتَرَاهُ وَتَوَضَّأَ كَانَ أَفْضَلَ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ
﵄ تَفْضِيلَ غَسْلِ الرِّجْلِ أَيْضًا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ايضا
* وقال الشعبي
_________________
(١) وفي الحديث عن عائشة أنها سئلت عن المسح على الخفين فقالت سل عليا اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٤٧٨ ]
والحكم وحماد المسح أفضل وهو أصح الراويتين عَنْ أَحْمَدَ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ
* وَاحْتُجَّ لِمَنْ فَضَّلَ الْمَسْحَ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ بِهَذَا أَمَرَنِي وَبِحَدِيثِ صَفْوَانَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا الْحَدِيثَ وَالْأَمْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ كَانَ نَدْبًا وَدَلِيلُنَا مَا سَبَقَ وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ فِي الْحَدِيثَيْنِ أَمْرُ إبَاحَةٍ وَتَرْخِيصٍ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ أَرْخَصَ لَنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ أَيْ أَمَرَنِي بِبَيَانِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْخَامِسَةُ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ فِي الْيَدَيْنِ وَالْبُرْقُعِ فِي الْوَجْهِ وَأَمَّا الْعِمَامَةُ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا وَحْدَهَا وَفِيهَا خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ سَبَقَ بَيَانُهُ بِدَلَائِلِهِ فِي فَصْلِ مَسْحِ الرَّأْسِ والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (ولا يجوز ذلك في غسل الجنابة لما روى صفوان بن عسل المرادى ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن الا من جنابة لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ ثم نحدث بعد ذلك وضوءا ولان غسل الجنابة يندر فلا تدعوا الحاجة فيه إلى المسح على الخف فلم يجز)
* (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ صَفْوَانَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي الْأُمِّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ قَوْلُهُ ثُمَّ نُحْدِثُ بعد ذلك وضوء أو هي زِيَادَةٌ بَاطِلَةٌ لَا تُعْرَفُ وَقَوْلُهُ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ هَكَذَا هُوَ أَيْضًا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ إلَّا وَهِيَ إلَّا الَّتِي لِلِاسْتِثْنَاءِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ رُوِيَ أَيْضًا لَا مِنْ جَنَابَةٍ بِحَرْفِ لَا الَّتِي لِلنَّفْيِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحُ
الْمَعْنَى لَكِنَّ المشهور الا: وقوله لكن من غائط وبول أَوْ نَوْمٍ كَذَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ بِحَرْفِ أَوْ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ بِالْوَاوِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ أَرْخَصَ لَنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا بَدَلَ قَوْلِهِ يَأْمُرُنَا وَقَوْلُهُ لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ إلَى آخِرِهِ قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ لَفْظَةُ لَكِنْ لِلِاسْتِدْرَاكِ تَعْطِفُ فِي النَّفْيِ مُفْرَدًا عَلَى مُفْرَدٍ وَتُثْبِتُ لِلثَّانِي مَا نَفَتْهُ عَنْ الْأَوَّلِ تَقُولُ مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى مُثْبَتٍ اُحْتِيجَ بَعْدَهَا إلَى جُمْلَةٍ تَقُولُ قَامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو لَمْ يَقُمْ فَقَوْلُهُ لَا نَنْزِعَهَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ مَعْنَاهُ أَرْخَصَ لَنَا فِي الْمَسْحِ مَعَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَمْ نُؤْمَرْ بِنَزْعِهَا إلَّا فِي حَالِ
[ ١ / ٤٧٩ ]
الْجَنَابَةِ وَفِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَكِنْ لَا نَنْزِعُ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْأَوَّلِ أُمِرْنَا بِنَزْعِهَا مِنْ الْجَنَابَةِ وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ بَيَانُ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْمَسْحُ وَنُبِّهَ بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ بَاقِي أَنْوَاعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَهِيَ زَوَالُ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْسُ النِّسَاءِ وَمَسُّ فَرْجِ الْآدَمِيِّ وَنُبِّهَ بِالْجَنَابَةِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ ذِكْرِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ عَنْ النَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَعَسَّالٌ وَالِدُ صَفْوَانَ هُوَ بِعَيْنٍ ثُمَّ سِينٍ مُشَدَّدَةٍ مُهْمَلَتَيْنِ وَصَفْوَانُ هَذَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ﵃ غَزَا مَعَ النبي ﷺ اثني عَشْرَةَ غَزْوَةً سَكَنَ الْكُوفَةَ: وَقَوْلُهُ مُسَافِرِينَ أَوْ سَفْرًا شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ مُسَافِرِينَ أَوْ قَالَ سَفْرًا وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلَكِنْ لَمَّا شَكَّ الرَّاوِي أَيَّهُمَا قَالَ احْتَاطَ فَتَرَدَّدَ ولم يجزم باحدهما وهكذا صوابه سفر بِرَاءٍ مُنَوَّنَةٍ وَيُكْتَبُ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا بِلَا خِلَافٍ وَرُبَّمَا غُلِطَ فِيهِ فَقِيلَ سَفْرِيٌّ بِالْيَاءِ وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ وَتَصْحِيفٌ قَبِيحٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلُهُ سَفْرًا جَمْعُ سافر كما يقال ركب وراكب وَصَاحِبٌ وَصَحْبٌ وَقِيلَ إنَّهُ لَمْ يُنْطَقْ بِوَاحِدِهِ الَّذِي هُوَ سَافِرٌ بَلْ قَدَّرُوهُ وَقِيلَ نُطِقَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ إحْدَاهَا جَوَازُ مَسْحِ الْخُفِّ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ مُؤَقَّتٌ الثَّالِثَةُ أَنَّ وَقْتَهُ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ الرَّابِعَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَغْسَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَسْنُونَةِ الْخَامِسَةُ جَوَازُهُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ السَّادِسَةُ أَنَّ
[ ١ / ٤٨٠ ]
الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ وَالنَّوْمَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى نَوْمِ غَيْرِ مُمَكِّنِ مَقْعَدِهِ (السَّابِعَةُ) أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالنَّزْعِ لِلْجَنَابَةِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ حَتَّى لَوْ غَسَلَ الرِّجْلَ فِي الْخُفِّ ثُمَّ أَحْدَثَ وَأَرَادَ الْمَسْحَ لَمْ يَجُزْ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ وَقَدْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا حُكْمُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ وَلَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ دَمِيَتْ رِجْلُهُ فِي الْخُفِّ فَوَجَبَ غَسْلُهَا لَا يُجْزِيهِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَكُلُّ هَذَا مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ كَمَا سَبَقَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا لَزِمَهُ غُسْلُ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ فَصَبَّ الْمَاءَ فِي الْخُفِّ فَانْغَسَلَتْ الرِّجْلَانِ ارْتَفَعَتْ الْجَنَابَةُ عَنْهُمَا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَكِنْ لَوْ أَحْدَثَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ حَتَّى يَنْزِعَ الْخُفَّ فَيَلْبَسَهُ طَاهِرًا وَكَذَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَوْ غَسَلَ الرِّجْلَ فِي الْخُفِّ صَحَّ وُضُوءُهُ (١) وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بَعْدَهُ حَتَّى يَنْزِعَهُ وَكُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَوْ دَمِيَتْ رِجْلُهُ فِي الْخُفِّ فَغَسَلَهَا فِيهِ جَازَ الْمَسْحُ بَعْدَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ نَزْعُهُ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وُجُوبَ النَّزْعِ إذَا أَصَابَ الرِّجْلَ نَجَاسَةٌ وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْغَسْلُ فِي الْخُفِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَنَابَةِ وَالنَّجَاسَةِ أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِنَزْعِ الْخُفِّ لِلْجَنَابَةِ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ ولم يأمر به للنجاسة والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وهل هو مؤقت أم لا فيه قولان قال في القديم غير مؤقت لما روى ابي ابن عمارة ﵁ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله امسح على الخف قال نعم قلت يوما قال ويومين قلت وثلاثة قال نعم وما شئت وروى وما بدالك وروى حتى بلغ سبعا قال نعم وما بدا لك ولانه مسح بالماء فلم يتوقت كالمسح على الجبائر ورجع عنه قبل أن يخرج إلى مصر وقال يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام وليا لهن
_________________
(١) المراد به أنه توضأ وغسل رجليه في الخف لا أنهما غسلا فقط اه من هامش الاذرعي
(٢) قال القاضي ابن كج وقال في القديم يمسح المسافر بلا تأقيت وبه قال مالك مقتضاه الا يكون الحاضر كذلك وكلام المصنف والشارح وغيرهما يقتضي ان لا فرق اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٤٨١ ]
لِمَا رَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جعل للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى أَكْثَرِ مِنْ ذلك فلم تجز الزيادة عليه) (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ واما حديث ابي ابن عمارة فرواه أبو داود والدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أنه ضعيف مضطرب لا يحتح بِهِ وَعُمَارَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ: مِمَّنْ ذَكَرَهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ الِاسْتِيعَابِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ وَآخَرُونَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَسْرَ أفصح واشهر ولم يذكر ابن ما كولا وآخرون غير الكسر ورواه الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ وَخَالَفَهُمْ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ الضَّمُّ هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ عِمَارَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ غَيْرُهُ وَقَدْ بَسَطْتُ بَيَانَهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَقَوْلُهُ وَمَا بَدَا لَكَ هُوَ بالف ساكنة قال اهل اللغة يقال بداله في هذا الامر بدأ بِالْمَدِّ أَيْ حَدَثَ لَهُ رَأْيٌ لَمْ يَكُنْ وَيُقَالُ رَجُلٌ لَهُ بَدَوَاتٌ وَالْبَدَاءُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ النَّسْخِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِالْمَاءِ فَلَمْ يَتَوَقَّتْ فَاحْتِرَازٌ مِنْ التَّيَمُّمِ وَقَوْلُهُ كَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّتْ قَوْلًا وَاحِدًا وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَفِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ ذَكَرَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ تَوْقِيتُ الْمَسْحِ وَأَنَّ الْقَدِيمَ فِي تَرْكِ التَّوْقِيتِ ضَعِيفٌ وَاهٍ جِدًّا وَلَمْ يَذْكُرْهُ كَثِيرُونَ مِنْ الاصحاب فعلى القديم لا يتوقف المسح بالايام (١) لكن لواجنب وَجَبَ النَّزْعُ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ الْقَدِيمِ وَنَقَلَهُ أَيْضًا الْقَفَّالُ فِي شَرْحِهِ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْبَحْرِ وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَدِيمِ وَإِنَّمَا تَتَفَرَّعُ الْمَسَائِلُ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ مُؤَقَّتٌ فَعَلَى هذا لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ مَا شَاءَ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَرَائِضَ الْوَقْتِ وَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وَالتَّطَوُّعِ بِلَا خِلَافٍ قَالَ أَصْحَابُنَا فَأَكْثَرُ
مَا يُمْكِنُ الْمُقِيمَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ مِنْ فَرَائِضِ الْوَقْتِ سَبْعُ صَلَوَاتٍ إذا جمع بين الصلاتين في المطر فان لم يجمع فست والمسافر ان جمع سبع عشرة والافست عشرة وصورته أن يُحْدِثْ فِي نِصْفِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي أَوَّلِ الوقت ويصلى ثم في اليوم الثاني وَالرَّابِعِ مَسَحَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ هَذَا مَذْهَبُنَا
* وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَأَبِي ثور واسحق وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِالْمَسْحِ الا
_________________
(١) قال في البحر وحكى الزعفراني ان الشافعي كان يقول بعدم التوقيت ثم رجع عن ذلك قبل ان يخرج إلى مصر فقيل في المسألة قولان وقيل بالتوقيت قولا واحدا وقال المحاملي في التعليق قال أبو على الحسين ابن الصباح الزعفراني رجع الشافعي إلى التوقيت عندنا ببغداد قبل ان يخرج منها وحكي الساجي عن الزعفراني قال قدم علينا الشافعي ببغداد وهو لا يقول بالتوقيت ثم رجع إلى التوقيت قبل خروجه إلى مصر اه اذرعي
[ ١ / ٤٨٢ ]
خَمْسَ صَلَوَاتٍ إنْ كَانَ مُقِيمًا وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَخَمْسَ عَشْرَةَ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ دَاوُد وهو مَذْهَبٌ بَاطِلٌ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي التَّوْقِيتِ بِالزَّمَانِ تَرُدُّهُ
* وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
الْمُرَادُ بِالْمُسَافِرِ الَّذِي يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ الْمُسَافِرُ سَفَرًا طَوِيلًا وَهُوَ السَّفَرُ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ وَقَدْرُهُ بِالْمَرَاحِلِ مَرْحَلَتَانِ قَاصِدَتَانِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَسْحَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَا يَكُونُ إلَّا فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَيَّنَهُ هُنَا وَمِنْهُمْ مَنْ بَيَّنَهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَمِنْهُمْ مَنْ بَيَّنَهُ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ التَّنَفُّلَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ وَجُمْهُورُهُمْ بَيَّنُوهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَخَالَفَهُمْ الْمُصَنِّفُ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ هَذِهِ المذكورات وبينه في ثلاث مواضع غيرها من المذهب أَحَدُهَا مَسْأَلَةُ نَقْلِ الزَّكَاةِ فِي بَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ وَالثَّانِي فِي سَفَرِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ بِالْوَلَدِ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ وَالثَّالِثُ فِي مَسْأَلَةِ تَغْرِيبِ الزَّانِي فَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ إنَّمَا يَجُوزُ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ قَالَ أَصْحَابُنَا الرُّخَصُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّفَرِ ثمان: ثلاثة تَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ وَهِيَ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ ومسح الخف ثلاثة أيام وثنتان تجوز ان
فِي الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ وَهُمَا تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَثَلَاثٌ فِي اخْتِصَاصِهَا بِالطَّوِيلِ قَوْلَانِ وَهِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَإِسْقَاطُ الْفَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ وَجَوَازُ التَّنَفُّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُ الْجَمْعِ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ دُونَ الْآخَرَيْنِ وَسَيَأْتِي إيضَاحُ كُلِّ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَأْتِي قَرِيبًا بَيَانُ صِحَّةِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ السَّفَرُ الْقَصِيرُ الَّذِي يُبِيحُ التَّنَفُّلَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالتَّيَمُّمَ وَغَيْرَهُمَا هُوَ مِثْلُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ مَسِيرَةَ مِيلٍ أَوْ نَحْوِهِ هَذَا لَفْظُهُ وكذا قاله غَيْرُهُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ السَّلَفِ فِي تَوْقِيتِ مَسْحِ الْخُفِّ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِنَا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالتَّفْرِيعُ أَنَّهُ مُؤَقَّتٌ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ التَّوْقِيتُ ثَلَاثًا لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ التَّوْقِيتُ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ قَالَ بِالتَّوْقِيتِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ
[ ١ / ٤٨٣ ]
وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وشريح وعطاء والثوري وأصحاب الرأى واحمد واسحق وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ
* وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا تَوْقِيتَ وَيَمْسَحُ مَا شَاءَ حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالشَّعْبِيِّ (١) وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ مُؤَقَّتٌ وَفِي رِوَايَةٍ مُؤَقَّتٌ لِلْحَاضِرِ دُونَ الْمُسَافِرِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَمْسَحُ مِنْ غُدُوِّهِ إلَى اللَّيْلِ
* وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لَا تَوْقِيتَ بما ذكره المصنف من حديث ابي ابن عِمَارَةَ وَالْقِيَاسِ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَبِحَدِيثِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ جَعَلَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا وَلَوْ اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَنَا يَعْنِي الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ وَبِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذا توضأ أحدكم وليس خُفَّيْهِ فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا وَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا ثُمَّ لَا يَخْلَعْهُمَا إنْ شَاءَ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَبِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ خَرَجْتُ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ مَتَى أَوْلَجْت خُفَّيْكَ
فِي رِجْلَيْكَ قُلْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ فَهَلْ نَزَعْتَهُمَا قُلْتُ لَا قَالَ أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَبِسْتُهُمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَالْيَوْمُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثَمَانٍ قَالَ أَصَبْتَ السُّنَّةَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَقِّتُ فِي الْخُفَّيْنِ وَقْتًا
* وَاحْتَجَّ أصابنا وَالْجُمْهُورُ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ فِي التَّوْقِيتِ مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَبِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ السَّابِقِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَبِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَبِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثٌ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَبِحَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ وَالْأَحَادِيثُ فِي التَّوْقِيتِ كَثِيرَةٌ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ الْأَوَّلِينَ بِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ فَهُوَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ أَبَدًا بِشَرْطِ مُرَاعَاةِ التَّوْقِيتِ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ جَوَازِ الْمَسْحِ لا عن توقيته:
_________________
(١) نقل المحاملي في تعليقه الكبير عن الشعبي أنه قال لا يزيد المقيم على يوم بلا ليلة انتهى وهذا يدل على أنه يقول في التوقيت اه (٢) قال في البحر وروى عن ابن ابي ذئب عن مالك انه أبطل المسح على الخفين في آخر ايامه وروى الشافعي عن أنه قال يكره ذلك وعنه رواية ثالثة انه يمسح في الحضر دون السفر وعنه رواية رابعة عكس الثالثة وهو الصحيح عنه وعنه رواية خامسة انه يمسح ابدا من غير تأقيت وعنه رواية سادسة مثل قولنا وكذا نقل عنه المحاملي في تعليقه ست روايات الا انه قال في الاول قال ابن ابي فديك ابطل مالك في آخر عمره المسح على الخفين قال والرابع هو المشهور عنه يمسح المسافر دون المقيم قال مالك اقام النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وعثمان وعلي بالمدينة ست وثلاثين سنة فما نقل عن احد منهم انه مسح على الخفين قال والسادسة يمسح المسافر من غير تأقيت ما احب اهو مقتضى ما في الكتاب وما نقله الروياني أنه لا تأقيت حاضر والمسافر والمحاملى خص ذلك بالمسافر فيحمل الاول عليه والا فهو رواية سابعة وفيه بعد ثم رأيت المحاملي يقول فيما بعد عن مالك رواية انه يمسح ما شاء مقيما كان أو مسافر فصح أن المنقول عنه سبع روايا ت اه
[ ١ / ٤٨٤ ]
فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﷺ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ سِنِينَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ التَّيَمُّمَ مَرَّةً بَعْدِ أُخْرَى وَإِنْ بَلَغَتْ مُدَّةُ عَدَمِ الْمَاءِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَسْحَةً وَاحِدَةً تَكْفِيهِ عَشْرَ سِنِينَ فَكَذَا هُنَا: وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ وَضَعْفُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ قَالَ شُعْبَةُ لَمْ يَسْمَعْ إبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَلَا يُعْرَفُ لِلْجَدَلِيِّ سَمَاعٌ مِنْ خُزَيْمَةَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَا يَصِحُّ وَلَوْ صَحَّ لَمْ تَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ ظَنَّ أَنْ لَوْ اسْتَزَادَهُ لَزَادَهُ وَالْأَحْكَامُ لَا تَثْبُتَ بِهَذَا: وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَضَعِيفٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهِ: وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ فَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ ثُمَّ قَالَ قَدْ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ التَّوْقِيتَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَجَعَ إلَيْهِ حِينَ بَلَغَهُ التَّوْقِيتُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الموافق للسنة الصحيحة المشهورة أولى والمروى عَنْ ابْنِ عُمَرَ يُجَابُ عَنْهُ بِهَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ والله أعلم
* قال الصنف ﵀
* (وان كان السفر معصية لم يجز أن يمسح أكثر من يوم وليلة لان ما زاد يستفيده بالسفر وهو معصية فلا يجوز أن يستفاد بها رخصة)
* (الشَّرْحُ) إذَا كَانَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِبَاقِ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَلْ يَجُوزُ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَمْ لَا يَسْتَبِيحُ شَيْئًا أَصْلًا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَالشَّاشِيُّ هُنَا وَحَكَاهُمَا الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ أَصَحُّهُمَا يَجُوزُ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْمُصَنِّفِينَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ
الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِلَا سَفَرٍ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ أَرَادَ الْأَكْلَ وَالْمَسْحَ فَلْيَتُبْ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَفِي الْحَاضِرِ الْمُقِيمِ عَلَى مَعْصِيَةٍ قَالَ وَبِالْجَوَازِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَبِالْمَنْعِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَهَذَا الْوَجْهُ فِي الْمُقِيمِ غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ وَنَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرَّافِعِيُّ الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا فِي الْعَاصِي بِالْإِقَامَةِ كَعَبْدٍ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِالسَّفَرِ فَأَقَامَ وَيُقَالُ رُخْصَةٌ وَرُخْصَةٌ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا لَا يَسْتَبِيحُ مَنْ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً شيئا من
[ ١ / ٤٨٥ ]
رُخَصِ السَّفَرِ مِنْ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا وَالْجَمْعِ وَالتَّنَفُّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ إلَّا التَّيَمُّمَ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ وَتَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَوُجُوبُ التَّيَمُّمِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَالْإِعَادَةُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ التَّوْبَةِ وَالثَّانِي يَجُوزُ التَّيَمُّمُ وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ التَّيَمُّمُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِ الصلاة اثم تارك لها مع امان الطهارة لانه قادر على استباحة التيمم بالنوبة مِنْ مَعْصِيَتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُمَا وَلَوْ وَجَدَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ مَاءً فَاحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ بِلَا خِلَافٍ قَالُوا وَكَذَا مَنْ بِهِ قُرُوحٌ يَخَافُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْهَلَاكَ وَهُوَ عَاصٍ بِسَفَرِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوْبَةِ وواجد للماء قال القفال في شرح التخليص: فان قيل كيف حرمتهم أَكْلَ الْمَيْتَةِ عَلَى الْعَاصِي بِسَفَرِهِ مَعَ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْحَاضِرِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ وَكَذَا لَوْ كَانَ بِهِ قُرُوحٌ فِي الْحَضَرِ جَازَ التَّيَمُّمُ: فَالْجَوَابُ أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فِي الْحَضَرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَكِنَّ سَفَرَهُ سَبَبٌ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمَيْتَةُ فِي الضَّرُورَةِ كَمَا لَوْ سَافَرَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ فجرح لم يجز له التيمم لذك الْجُرْحِ مَعَ أَنَّ الْجَرِيحَ الْحَاضِرَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ فَإِنْ قِيلَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ وَاسْتِعْمَالُ الْجَرِيحِ الماء يؤدى إلى الهلاك فجوابه ما سبق أنه قادر على استحباحته بِالتَّوْبَةِ هَذَا كَلَامُ الْقَفَّالِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا جَوَازُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ لِأَنَّ لِلْمُقِيمِ أَكْلَهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ
الَّتِي تَحِلُّ فِي السَّفَرِ بِسَبَبِ السَّفَرِ غَيْرُ الَّتِي تَحِلُّ فِي الْحَضَرِ وَلِهَذَا لَا تَحِلُّ الْمَيْتَةُ لِعَاصٍ بِسَفَرِهِ وَتَحِلُّ لِلْمُقِيمِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ هَذَا كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْرِيعٌ وَكَلَامٌ سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (ويعتبر ابتداء المدة من حين يحدث بعد لبس الخف لانها عبادة مؤقتة فكان ابتدأ وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة)
* (الشَّرْحُ) مَذْهَبُنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ مِنْ أَوَّلِ حدث اللُّبْسِ فَلَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى مَضَى مِنْ بَعْدِ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ إنْ كَانَ مُسَافِرًا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ لُبْسًا عَلَى طَهَارَةٍ وَمَا لَمْ يُحْدِثْ لَا تُحْسَبُ الْمُدَّةُ فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ اللِّبْسِ يَوْمًا عَلَى طَهَارَةِ اللبس
[ ١ / ٤٨٦ ]
ثُمَّ أَحْدَثَ اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إنْ كَانَ حَاضِرًا وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إنْ كَانَ مُسَافِرًا هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَدَاوُد وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ يَمْسَحُ بَعْدَ الْحَدَثِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَدَاوُد وَهُوَ الْمُخْتَارُ الرَّاجِحُ دَلِيلًا وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَكَى نَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ اللِّبْسِ
* وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ مِنْ حِينِ الْمَسْحِ بِقَوْلِهِ ﷺ يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهِيَ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ كَمَا سَبَقَ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَمْسَحُ ثَلَاثَةً وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ مِنْ الْمَسْحِ وَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ قَالَ إذَا أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ وَمَسَحَ فِي السَّفَرِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالْمَسْحِ
* واحتج اصحابنا برواية رواه الْحَافِظُ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُطَّرِزِيّ فِي حَدِيثِ صفوان من الْحَدَثَ إلَى الْحَدَثِ وَهِيَ زِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ لَيْسَتْ ثَابِتَةً وَبِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَجَابُوا عَنْ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إذَا مَسَحَ عَقِبَ الْحَدَثِ فَإِنْ أَخَّرَ فَهُوَ مُفَوِّتٌ عَلَى نَفْسِهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إذَا أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ وَمَسَحَ فِي السَّفَرِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ فَجَوَابُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْمُدَّةِ بِجَوَازِ الْفِعْل وَمِنْ الْحَدَثِ جَازَ الْفِعْلُ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْعِبَادَةِ بِالتَّلَبُّسِ بِهَا وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ
فِي مَسْأَلَةِ الْمُسَافِرِ فِي السَّفَرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ دَخَلَ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَهُوَ حَاضِرٌ ثُمَّ سَافَرَ فِي الوقت فله القصر ومن دخل في الصَّلَاةَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَارَتْ بِهِ السَّفِينَةُ يُتِمُّ فَدُخُولُ وَقْتِ الْمَسْحِ كَدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وابتداء السمح كَابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّرَخُّصِ بِالْمَسْحِ مِنْ حِينِ يُحْدِثُ وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ بِمُجَرَّدِ اللِّبْسِ لِتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا لَبِسَهُ ثُمَّ أَرَادَ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ فَلَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ حَتَّى يُحْدِثَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَقِيلَ احْتِرَازٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَقِيلَ لَيْسَ بِاحْتِرَازٍ بَلْ تَقْرِيبٌ لِلْفَرْعِ مِنْ الْأَصْلِ وَقِيلَ إنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا وَلَيْسَ بِمُنْتَقَضٍ بِهَا لِأَنَّهُ قَالَ مِنْ حِينِ جَوَازِ فِعْلِهَا لَا مِنْ حِين وُجُوبِهِ
* قال المصنف ﵀
[ ١ / ٤٨٧ ]
(وان لبس الخف في الحضر وأحدث ومسح ثم سافر أتم مسح مقيم لانه بدأ بالعبادة في الحضر فلزمه حُكْمُ الْحَضَرِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فِي الحضر ثم سافر وان أحدث في الحضر ثم سافر ومسح في السفر قبل خروج وقت الصلاة أتم مسح مسافر من حين أحدث في الحضر لانه بدأ بالعبادة في السفر فثبت له رخصة السفر وان سافر بعد خروج وقت الصلاة ثم مسح ففيه وجهان قال أبو اسحق يتم مسح مقيم لان خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزلة دخوله في الصلاة في وجوب الاتمام فكذا في المسح وقال أبو علي بن أبي هريرة يتم مسح مسافر لانه تلبس بالمسح وهو مسافر فهو كما لو سافر قبل خروج الوقت ويخالف الصلاة لانها تفوت وتقضي فإذا فاتت في الحضر ثبتت في الذمة صلاة الحضر فلزمه قضاؤها والمسح لا يفوت ولا يثبت في الذمة فصار كالصلاة قبل فوات الوقت) (الشَّرْحُ) فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا لَبِسَ الْخُفَّ فِي الْحَضَرِ وَسَافَرَ قَبْلَ الْحَدَثِ فَيَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ بِالْإِجْمَاعِ: (الثَّانِيَةُ) لَبِسَ وَأَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَيَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ أَيْضًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ مَسْحُ مُقِيمٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ كَذَا حَكَاهُ الدَّارَكِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ غَلَطٌ بَلْ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ كَمَذْهَبِنَا مَسْحُ
مُسَافِرٍ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَلَبَّسَ بِالْمُدَّةِ فِي الْحَضَرِ قُلْنَا الْحَضَرُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ وَهِيَ الْمَسْحُ لَا فِي الْمُدَّةِ (الثَّالِثَةُ) أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَهَلْ يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ أَمْ مُقِيمٍ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا الصَّحِيحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ صَحَّحَهُ جَمِيعُ الْمُصَنِّفِينَ وَقَالَهُ مَعَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ جُمْهُورُ الْمُتَقَدِّمِينَ (الرَّابِعَةُ) أَحْدَثَ وَمَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ حِينِ أحدث وبه قال مالك واسحق وَأَحْمَدُ وَدَاوُد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَدَاوُد
* وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا ذَكَرَهُ الصمنف وَهُوَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ فَتَغَلَّبَ حُكْمُ الْحَضَرِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَلَدِ فَسَارَتْ وَفَارَقَتْ الْبَلَدَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا صَلَاةَ حَضَرٍ باجماع المسلمين وهذا القياس (١) اعتمده اصحابنا وفيه سُؤَالٌ ظَاهِرٌ فَيُقَالُ كَيْفَ صُورَةُ مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ إنْ أَحْرَمَ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا إلَّا إمَامَ الْحَرَمَيْنِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ احْتِمَالَيْنِ وَالْمَذْهَبُ الْبُطْلَانُ وَإِنْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ مُطْلَقًا أَوْ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ فَالْإِتْمَامُ وَاجِبٌ لَكِنْ لَيْسَ سَبَبُهُ اجْتِمَاعَ الْحَضَرِ والسفر بل
_________________
(١) ينبغي ان يقاس على عكس المقيس عليه وهو ما لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ في أثنائها فانه يلزمه الاتمام بالاجماع كما ذكر بعد ولا سبب لوجوبه الا الجمع بين الحضر والسفر فانه نوى القصر عند الاحرام بالصلاة ولا يرد السؤال على هذه المسألة اه اذرعي
[ ١ / ٤٨٨ ]
سَبَبُهُ فَقْدُ شَرْطِ الْقَصْرِ وَهُوَ نِيَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ وَهَذَا سُؤَالٌ حَسَنٌ: وَالْجَوَابُ أَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَتَحْصُلُ بِهِ الدَّلَالَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ إتْمَامُ الصَّلَاةِ مُعَلَّلٌ بِعِلَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا اجْتِمَاعُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ: وَالثَّانِيَةُ فَقْدُ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ مُرَادَ الْأَصْحَابِ إلْزَامُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فَإِنَّهُ وَافَقَنَا عَلَى وُجُوبِ الْإِتْمَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ فَلَيْسَ لِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ عِنْدَهُ سَبَبٌ إلَّا اجْتِمَاعَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأَوْجَبَ الْإِتْمَامَ تَغْلِيبًا لِلْحَضَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ مَسْحَ مُقِيمٍ تَغْلِيبًا لِلْحَضَرِ
* وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا مَسَحَ أَحَدَ خُفَّيْهِ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ وَمَسَحَ الْآخَرَ فِي السَّفَرِ فَهَلْ يَمْسَحُ مَسْحَ مُقِيمٍ
أَمْ مُسَافِرٍ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا مَسْحَ مُسَافِرٍ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ قَالَ الْقَاضِي وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى سَافَرَ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ مَسَحَ مَسْحَ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ فكأنه لم يأت بشئ مِنْهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي مَسْحَ مُقِيمٍ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَصَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِالْعِبَادَةِ فِي الْحَضَرِ وَاجْتَمَعَ فِيهَا الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ فَغَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْأَصْحَابُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وان مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مقيم وقال المزني إن مسح يوما وليلة يمسح ثلث يومين وليلتين وهو ثلثا يوم وليلة لانه لو مسح ثم أقام في الحال مسح ثلث ما بقي وهو يوم وليلة فإذا بقي له يومان وليلتان وجب أن يمسح ثلثهما ووجه المذهب أنه عبادة تتغير بالسفر والحضر فإذا اجتمع فيها السفر والحضر غلب حكم الحضر ولم يسقط عليهما كالصلاة) (الشَّرْحُ) مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى بَعْدَ الْحَدَثِ دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَمَّمَهُمَا وَإِنْ كَانَ مَضَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُ فِي السَّفَرِ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بِمُجَرَّدِ قُدُومِهِ وَحُكْمُ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ مَعْرُوفٌ قَالَ أَصْحَابُنَا فان كان مسح في السفر أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ قَدِمَ فَصَلَوَاتُهُ فِي السَّفَرِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ بِالْقُدُومِ قَالُوا وَلَوْ قَدِمَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ بَعْدَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي السَّفَرِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ الْقُدُومِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْمُدَّةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا فَإِنَّهُ يُوجِبُ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ أَوْ كَمَالَ الْوُضُوءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّهَا لَمْ تَبْطُلْ وَدَلِيلُ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ
[ ١ / ٤٨٩ ]
هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ هَذَا عُمْدَةُ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ
* وَأَمَّا مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ فَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَمَاعَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُونَ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ ذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ فِي مَسَائِلِهِ الْمُعْتَبَرَةِ عَلَى الشافعي: قال القاضي أبو الطيب والمحامل قال أبو العباس ابن سُرَيْجٍ فِي التَّوَسُّطِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ إنْ كَانَ الْمُزَنِيّ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ هَذَا وَلَكِنْ تُرِكَ
لِلْإِجْمَاعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ كَبِيرُ خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهَذَا فَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ تَصْرِيحٌ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْمُزَنِيِّ فَيَكُونُ دَلِيلًا آخَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ ضَابِطُ مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ يَمْسَحُ ثُلُثَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَيُقَالُ بَقِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبَقِيَ بِفَتْحِهَا فَالْفَتْحُ لغة طي وَالْكَسْرُ هُوَ الْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ وَهُوَ لُغَةُ سَائِرِ الْعَرَبِ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وذروا ما بقى من الربا): وقوله الْمُصَنِّفِ يَغْلِبُ حُكْمُ الْحَضَرِ وَلَا يُقَسَّطُ عَلَيْهِمَا كَالصَّلَاةِ يَعْنِي لِمَنْ صَلَّى فِي سَفِينَةٍ فِي السَّفَرِ فَدَخَلَتْ دَارَ الْإِقَامَةِ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يُوَزِّعُ فَيُقَالُ يُتِمُّهَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَنَقَضَ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَلَى الْمُزَنِيِّ أَيْضًا بِمَنْ مَسَحَ نِصْفَ يَوْمٍ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَلَا يُقَسِّطُ: وَقَوْلُهُ وَلَوْ مَسَحَ ثُمَّ أَقَامَ أيام فَرْقَ فِيهِ مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُقِيمًا بِوُصُولِهِ دَارَ إقَامَتِهِ أَوْ يُقِيمَ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ فِي بَلَدٍ بِنِيَّةِ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرِ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ فَأَمَّا إنْ نَوَى فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ إقَامَةً دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ مُدَّةَ مُسَافِرٍ لِأَنَّ رُخَصَ السَّفَرِ بَاقِيَةٌ والله أعلم قال المصنف ﵀
* (وان شك هل مسح في الحضر أو السفر بنى الامر على انه مسح في الحضر لان الاصل غسل الرجل والمسح رخصة بشرط فإذا لم يتيقن شرط الرخصة رجع إلى اصل الفرض وهو الغسل وان شك هل أحدث في وقت الظهر أو في وقت العصر بنى الامر على أنه احدث في وقت الظهر لان الاصل غسل الرجل فلا يجوز المسح الا فيما تيقنه)
* (الشَّرْحُ) هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ هَكَذَا وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِمَا وَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ تَكُونُ الْمُدَّةُ مِنْ الْعَصْرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ غَسْلُ الرِّجْلِ ثُمَّ ضَابِطُ المذهب انه متى شك ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ انْقِضَائِهَا بَنَى عَلَى مَا يوجب
[ ١ / ٤٩٠ ]
غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ لِأَنَّهُ أَصْلٌ مُتَيَقَّنٌ فَلَا يُتْرَكُ بِالشَّكِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ والاصحاب فانه حَصَلَ لَهُ هَذَا الشَّكُّ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ مَسَحَ فِي السَّفَرِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ تَنْقَضِ الْمُدَّةُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ
اللُّبْسِ وَيَسْتَبِيحَ الْمَسْحَ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَذَكَّرَهَا قَالُوا فَإِنْ كَانَ صَلَّى فِي حَالِ الشَّكِّ لَزِمَهُ إعَادَةُ مَا صَلَّى فِي حَالِ الشَّكِّ لِأَنَّهُ صَلَّى وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الطَّهَارَةُ فَلَزِمَهُ الاعادة كمال تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَصَلَّى عَلَى شَكِّهِ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ صَلَّى شَاكًّا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ يُبْنَى عَلَيْهِ وَكَمَا لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَوَافَقَهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ إعَادَةِ مَا صَلَّى فِي حَالِ شَكِّهِ فِي بَقَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ فِي مُدَّةِ الشَّكِّ بَلْ يَنْزِعَ الْخُفَّ وَيَسْتَأْنِفَ الْمُدَّةَ فلو مسح الشَّكِّ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ الْمُدَّةَ لَمْ تَنْقَضِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ الْمَسْحُ بَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ وَفِي وُجُوبِ اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِهِ التَّلْخِيصِ وَصَاحِبُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُهُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ وَحَكَاهُ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْمُسْتَظْهَرَيْ عَنْ شيخه الشيخ أبي اسحق مُصَنَّفِ الْكِتَابِ وَخَالَفَهُمْ صَاحِبُ الشَّامِلِ فَقَالَ مَسْحُهُ فِي حَالِ شَكِّهِ صَحِيحٌ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهَا كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَتَوَضَّأَ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فَإِنَّهُ تُجْزِيهِ طَهَارَتُهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ ضَعِيفٌ أَوْ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ وَهِيَ الْمَسْحُ وُجِدَتْ فِي الشَّكِّ فَلَمْ تَصِحَّ كَمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا سَبَقَ وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي الْقِبْلَةِ فصل بِلَا اجْتِهَادٍ فَوَافَقَ الْقِبْلَةَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَدَثِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا بَانَ الْحَالُ وتيقن أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ بَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ مَعَ شَكِّهِ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ فَلَيْسَتْ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَقَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ وَأَبْطَلَ الشَّاشِيُّ قَوْلَ صَاحِبِ الشَّامِلِ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْتُهُ قَالَ وَاسْتِشْهَادُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لِأَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالطَّهَارَةِ إمَّا اسْتِحْسَانًا إنْ كَانَ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ وَإِمَّا إيجَابًا إنْ كَانَ عَكْسَهُ فَإِذَا كان مأمورا
[ ١ / ٤٩١ ]
بِالطَّهَارَةِ ثُمَّ بَانَ الْحَدَثُ فَقَدْ تَيَقَّنَ وُجُودَ ما تطهر بسببه بخلاف مسح الْخُفِّ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي
حَالِ شَكِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِيمَا يُفْعَلُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ الشَّكِّ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ يُرَدُّ إلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ فَلَا يُجْزِيهِ وَإِنْ وَافَقَ الصَّوَابَ
* فَمِنْ ذَلِكَ إذَا شَكَّ فِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَصَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ فَوَافَقَ الْوَقْتَ لَا يُجْزِيهِ وَكَذَا لَوْ شَكَّ الْأَسِيرُ وَنَحْوُهُ فِي دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ بِلَا اجْتِهَادٍ فَوَافَقَ رَمَضَانَ أَوْ شَكَّ إنْسَانٌ فِي الْقِبْلَةِ فَصَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ فَوَافَقَ الْقِبْلَةَ أَوْ شَكَّ الْمُتَيَمِّمُ فِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَتَيَمَّمَ لَهَا بِلَا اجْتِهَادٍ أَوْ طَلَبَ الْمَاءَ شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ بِلَا اجْتِهَادٍ فَوَافَقَهُ أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَصَلَّى شَاكًّا فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَوْ شَكَّ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ هَلْ هُوَ مِنْ رَمَضَانَ فَصَامَ بِلَا دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَوَافَقَ رَمَضَانَ فَفِي كُلِّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا يُجْزِيهِ مَا فَعَلَهُ بِلَا خِلَافٍ وَمِثْلُهُ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ مُرَتَّبَةٌ فَنَوَى الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ الرَّقَبَةَ ثُمَّ طَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا لَا يُجْزِيهِ صَوْمُهُ إلَّا أَنْ يُجَدِّدَ النِّيَّةَ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ الْعَدَمِ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسَائِلُ مَعَ نَظَائِرِهَا فِي مَوَاطِنِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى مبسوطة: ولو اشتبه ما آن طَاهِرٌ وَنَجِسٌ فَتَوَضَّأَ بِأَحَدِهِمَا بِلَا اجْتِهَادٍ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ يَجِبُ الِاجْتِهَادُ فَبَانَ أَنَّهُ الطَّاهِرُ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ فَهَذِهِ أمثله يستدل بها على نظائرها وسنوضحها مَعَ نَظَائِرِهَا فِي مَوَاطِنِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا غَيْرُ الْعِبَادَاتِ فَمِنْهُ مَا لَا يَصِحُّ فِي حَالِ الشَّكِّ كَمَا فِي الْعِبَادَاتِ وَمِنْهُ مَا يَصِحُّ وَمِنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمِنْ الْأَوَّلِ مَا إذَا أُخْبِرَ رَجُلٌ بِمَوْلُودٍ لَهُ فَقَالَ إنْ كَانَ بِنْتًا فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا أَوْ قَالَ إنْ كَانَتْ بِنْتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا أَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعَةُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إنْ كانت أحداهن ما تت فَقَدْ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَبَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَدَّرَ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ وَمِنْ الثَّانِي مَا إذَا رَأَى امْرَأَةً وَشَكَّ هَلْ هِيَ زَوْجَتُهُ أَمْ أَجْنَبِيَّةٌ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ حرة نفذ الطلاق والعتق بِلَا خِلَافٍ وَمِنْ الثَّالِثِ إذَا بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا أَوْ بَاعَ مالا يظنه لا جنبي فَبَانَ أَنَّ وَكِيلَهُ كَانَ اشْتَرَاهُ لَهُ أَوْ بَانَ أَنَّ مَالِكَهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ وَقِيلَ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ نَظَائِرُ سَنَذْكُرُهَا وَاضِحَةً بِفُرُوعِهَا فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
(فَرْعٌ)
ذَكَرَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالْقَفَّالُ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ
[ ١ / ٤٩٢ ]
بِمَسْأَلَةِ الشَّكِّ فِي الْمَسْحِ وَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ يُتْرَكُ بِالشَّكِّ فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَا الْمَسَائِلَ الَّتِي ذَكَرُوهَا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا وَضَمَمْتُ إلَيْهَا نَظَائِرَهَا فِي آخِرِ بَابِ الشَّكِّ في نجاسة الماء وبالله التوفيق * قال المصنف ﵀
* (وان لبس خفيه وأحدث ومسح وصلي الظهر والعصر وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ قبل الظهر أو بعده بني الامر في الصلاة انه صلاها قبل المسح فتلزمه الاعادة لان الاصل بقاؤها في ذمته وبنى الامر في المدة انها من الزوال ليرجع إلى الاصل وهو غسل الرجل (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعْدُودَةٌ فِي مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ مَشْهُورَةٌ بِالْإِشْكَالِ وَإِشْكَالُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ مَسَحَ وَصَلَّى الظُّهْرَ فَجَعَلَهُ مُصَلِّيًا لِلظُّهْرِ وَإِنَّهُ شَكَّ هَلْ صَلَّاهَا بِوُضُوءٍ أَمْ لَا أوجب اعادتها وقد علم من طريقة سَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّ الشَّكَّ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ لَا يُوجِبُ الْإِعَادَةَ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ: الْإِشْكَالُ الثَّانِي أَنَّهُ قَالَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ بَعْدَهَا فَجَعَلَ الشَّكَّ فِي نَفْسِ الْمَسْحِ وَوَقْتِهِ وَرَبَطَ بِهِ حُكْمَ الْمُدَّةِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مُدَّةَ الْمَسْحِ تُعْتَبَرُ مِنْ الْحَدَثِ لَا مِنْ الْمَسْحِ: فَأَجَابَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي كِتَابِهِ مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ فَقَالَ لَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ لَهَا فَإِنَّ مَنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى بِطَهَارَةٍ أَمْ لَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا قَالَ بَلْ صُورَتُهَا أَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِطَهَارَةٍ وَشَكَّ هَلْ كَانَ حَدَثُهُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَتَوَضَّأَ لَهَا وَصَلَّاهَا أَمْ كَانَ حَدَثُهُ بَعْدَهَا وَلَمْ يُصَلِّهَا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَأَنْ يَبْنِيَ الْمُدَّةَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الزَّوَالِ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الزَّبِيدِيُّ بِفَتْحِ الزَّايِ صُورَةُ المسألة أنه ليس خُفَّيْهِ فِي الْحَضَرِ وَأَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ قَبْلَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ مَثَلًا وَصَلَّى الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ فِي السَّفَرِ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ بَعْدَ الظُّهْرِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ فَلَهُ مدة المسافرين وعليه قضاء الظهر ان كَانَ مَسْحُهُ قَبْلَ الظُّهْرِ فَلَهُ مُدَّةُ مُقِيمٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الظُّهْرِ فَنَقُولُ لَهُ يَلْزَمُكَ الْأَخْذُ بِالْأَشَدِّ وَهُوَ أَنَّكَ
صَلَّيْتَهَا بِغَيْرِ مَسْحٍ فَيَجِبُ قَضَاؤُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا فِي ذِمَّتِكَ وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ الْمَسْحِ فَالْأَصْلَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى وُجُوبِ قَضَائِهَا وَأَمَّا الْمُدَّةُ فَيَبْنِي عَلَى أَنَّهَا قَبْلَ الظُّهْرِ لِيَرْجِعَ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلِ فَوَقْتُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ قَبْلَ الِاسْتِوَاءِ مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ وَالظُّهْرُ صَلَّاهَا فِي الْحَضَرِ بِيَقِينٍ
[ ١ / ٤٩٣ ]
هذا كلام الزبيدى وقال الشيخ عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ الْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ مُخَرَّجٌ عَلَى قَوْلٍ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّ حُصُولَ مِثْلِ هَذَا الشَّكِّ بَعْدَ الصَّلَاةِ يُوجِبُ إعَادَتَهَا وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقْتَرِنَ الْحَدَثُ وَالْمَسْحُ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَبِسَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَمَسَحَ جَمِيعًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ بَعْدَهَا وَمَعْنَاهُ هَلْ كَانَ حَدَثُهُ وَمَسْحُهُ الْمُقْتَرِنَيْنِ فَاجْتَزَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا اقْتِصَارًا هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو فَأَمَّا مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَخِلَافُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَمَّا مَا قاله الزبيدى فمحتمل أن يكون مر اد الْمُصَنِّفِ: وَأَمَّا مَا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو فَالْجَوَابُ الثَّانِي حَسَنٌ (١) وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا كَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى قَوْلٍ غَرِيبٍ ضَعِيفٍ فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ مُصَرِّحُونَ بِخِلَافِهِ وَكَذَا كَثِيرُونَ أو الاكثرون من الخراسانيين وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِي الْتَزَمَهُ أَنَّ الشك في الشَّكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ لَا يوجب اعادتها كالشك في ركعة بِمَقْبُولٍ بَلْ مَنْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ الفراغ من الصلاة يلزمه اعادة بها الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي أَرْكَانِهَا كَرَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ فانه لا يلزمه شئ عَلَى الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إنَّمَا هُوَ فِي الشَّكِّ فِي أَرْكَانِهَا هَكَذَا صَرَّحُوا بِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَرْكَانِ وَالطَّهَارَةِ: مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّكَّ فِي الْأَرْكَانِ يكثر فعفى عمه نَفْيًا لِلْحَرَجِ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ: وَالثَّانِي أَنَّ الشَّكَّ فِي السَّجْدَةِ وَشِبْهِهَا حَصَلَ بَعْدَ تَيَقُّنِ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهَا عَلَى الصِّحَّةِ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ شَكَّ هَلْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدُّخُولِ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِمَا وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ فِي بَابِ الْمِيَاهِ وَآخَرُونَ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ فُرُوعِ ابْنِ الْحَدَّادِ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ بِمَعْنَى مَا قُلْتُهُ فَقَالُوا إذَا تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ ثُمَّ جَدَّدَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَسِيَ مسح رأسه من أحد الوضوء ين
لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ الْمَسْحَ مِنْ الطَّهَارَةِ الْأُولَى وَلَمْ يَقُولُوا إنَّهُ شَكَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا نَظَائِرُ لَا تُحْصَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الاسفراينى قال في تعليقه في آخر باب الاجارة عَلَى الْحَجِّ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ وَهُوَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ في الا ملاء وَلَوْ اعْتَمَرَ أَوْ حَجَّ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الطواف شك هل طاف متطهر أم لا أجبت أن يعيد الطواف ولا يلزمه ذلك ذَلِكَ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يُعِيدُ الطَّوَافَ لِأَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ منه حكمنا بصحته في الظاهر ولا يوءثر فيه الشك الطارئ
_________________
(١) قوله حسن فيه نظر فان الظهر صحيح على التقديرين فكيف يجب قضاؤها واما صاحب البيان فكأنه اراد حمل كلام المصنف على المسألة التي نص عليها الشافعي والاصحاب المذكورة بعد لكنه تأويل بعيد واما الزبيدي فجوابه مبني على أَنَّ الشَّكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصلاة يؤثر وفيه ما نص عليه في الاملاء وما قاله الشيخ أبو حامد وغيره ﵏ اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٤٩٤ ]
بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ فِي الظَّاهِرِ بِخِلَافِ مَنْ شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ هَلْ هُوَ مُتَطَهِّرٌ أم لا فانها لا تجزيه لِأَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِأَدَائِهَا فِي الظَّاهِرِ قَالَ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ إذَا فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ شَكَّ هَلْ صَلَّى بِطَهَارَةٍ أَمْ لَا أَوْ هَلْ قَرَأَ فِيهَا أَمْ لَا أَوْ هَلْ تَرَكَ مِنْهَا سَجْدَةً أَمْ لَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ حُكِمَ لَهُ بِصِحَّتِهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا فِي الظَّاهِرِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الشَّكُّ بَعْدَهَا قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حَسَنَةٌ هَذَا كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ وَنَقَلَهُ وَهَكَذَا نَقَلَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ الْإِمْلَاءِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ التَّعْلِيقِ وَالْمُجَرَّدِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَغَيْرُهُمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا خِلَافًا فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فِي أَنَّ الشَّكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ هَلْ يُوجِبُ إعَادَتَهَا أَمْ لَا: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ نَصَّ عَلَيْهَا الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالُوا إذَا شَكَّ هَلْ أَدَّى بِالْمَسْحِ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ أَمْ أَرْبَعًا أَخَذَ فِي وَقْتِ الْمَسْحِ بِالْأَكْثَرِ وَفِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالْأَقَلِّ احْتِيَاطًا
لِلْأَمْرَيْنِ مِثَالُهُ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ أَحْدَثَ وَمَسَحَ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَشَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ حَدَثُهُ وَمَسْحُهُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ أَمْ تَأَخَّرَ حَدَثُهُ وَمَسْحُهُ إلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَلَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فَيَأْخُذُ فِي الصَّلَاةِ بِاحْتِمَالِ التَّأَخُّرِ وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا فَيَجِبُ قَضَاؤُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ فِي الْمُدَّةِ بِاحْتِمَالِ التَّقَدُّمِ فَيَجْعَلُهَا مِنْ الزَّوَالِ لِأَنَّ الْأَصْلَ غَسْلُ الرِّجْلِ فَيُعْمَلُ بِالْأَصْلِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي الطَّرَفَيْنِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* (ويجوز المسح على كل خف صحيح يمكن متابعة المشي عليه سواء كان من الجلود أو اللبود أو الخرق أو غيرها فاما الخف المخرق ففيه قولان قال في القديم ان كان الخرق لا يمنع متابعي المشى عليه جاز المسح عليه لانه خف يمكن متابعة المشي عليه فأشبه الصحيح وقال في الجديد إن ظهر من الرجل شئ لم يجز المسح عليه لان ما انكشف حكمه الغسل وما استتر حكمه المسح والجمع بينهما لا يجوز فغلب حكم الغسل كَمَا لَوْ انْكَشَفَتْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَاسْتَتَرَتْ الْأُخْرَى)
[ ١ / ٤٩٥ ]
(الشَّرْحُ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْخُفِّ جِنْسُ الْجُلُودِ بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُلُودِ وَاللُّبُودِ وَالْخِرَقِ الْمُطْبَقَةِ وَالْخَشَبِ وَغَيْرِهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لِأَنَّ سَبَبَ الْإِبَاحَةِ الْحَاجَةُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَهُوَ نَظِيرُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ وَنُصُوصُ الشَّافِعِيِّ ﵁ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْخُفِّ كَوْنُهُ قَوِيًّا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ قَالُوا وَمَعْنَى ذَلِكَ أن يمكن المشى عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعِ النُّزُولِ وَعِنْدَ الْحَطِّ وَالتَّرْحَالِ وَفِي الْحَوَائِجِ الَّتِي يَتَرَدَّدُ فِيهَا فِي الْمَنْزِلِ وَفِي الْمُقِيمِ نَحْوُ ذَلِكَ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ لَابِسِي الْخِفَافِ وَلَا يُشْتَرَطُ إمْكَانُ مُتَابَعَةِ الْمَشْيِ فَرَاسِخَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا: وَأَمَّا الْمُخَرَّقُ فَفِيهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ إحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ الْخَرْقُ فَوْقَ الْكَعْبِ فَلَا يَضُرُّ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عليه فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِمَا وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ (الثَّانِيَةُ) يَكُونُ الْخَرْقُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَهُوَ فَاحِشٌ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَلَا يجوز المسح بلا خلاف (الثالثة) يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَلَكِنَّهُ يَسِيرٌ جِدًّا بحيث لا يظهر منه شئ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَذَلِكَ كَمَوَاضِعِ الْخَرْزِ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ بِلَا خِلَافٍ
قَالَ الْقَاضِي حسين وغيره ما يبقي مِنْ مَوَاضِعِ الْخَرْزِ لَا يَضُرُّ وَإِنْ نَفَذَ مِنْهُ الْمَاءُ (الرَّابِعَةُ) يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ يظهر منه شئ مِنْ الرِّجْلِ وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَفِيهِ القولان المذكوران في الكتاب وهما مشهور ان أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْجَدِيدِ وَسَوَاءٌ حَدَثَ الْخَرْقُ بَعْدَ اللُّبْسِ أَوْ كَانَ قَبْلَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي مُقَدَّمِ الْخُفِّ أَوْ مُؤَخَّرِهِ أَوْ وَسَطِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْمُخْتَصَرِ وَإِنْ تَخَرَّقَ من مقدم الخف شئ فَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّقْيِيدَ بِالْمُقَدَّمِ بَلْ ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ كَذَا أَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرُّويَانِيُّ أَرَادَ مَوْضِعَ الْقَدَمِ وَلَمْ يُرِدْ الْمُقَدَّمَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْمُؤَخَّرِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَا لَوْ انْكَشَفَتْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَاسْتَتَرَتْ الْأُخْرَى فَقِيَاسٌ صَحِيحٌ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ مُهِمَّةٍ مِنْ أُصُولِ الْبَابِ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا فِي رِجْلٍ دون الاخرى ومسح عليه وغسل الاخر لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ وَسَنُوَضِّحُهَا مَقْصُودَةً بِتَفْرِيعِهَا فِي الْمَسَائِلِ الزَّائِدَةِ فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ خَرْقًا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ الْجَدِيدَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ
[ ١ / ٤٩٦ ]
حَنْبَلٍ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ واسحق ويزيد بن هرون وَأَبِي ثَوْرٍ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى جَمِيعِ الْخِفَافِ: وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ إنْ ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ مِنْ رِجْلِهِ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ رِجْلِهِ: وَعَنْ مَالِكٍ ﵁ إنْ كَانَ الْخَرْقُ يَسِيرًا مَسَحَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ إنْ كَانَ الْخَرْقُ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ جَازَ: وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إنْ ظَهَرَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَصَابِعِهِ لَمْ يَجُزْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِقَوْلِ الثَّوْرِيِّ أَقُولُ لِظَاهِرِ إبَاحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَوْلًا عَامًّا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْخِفَافِ
* وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ على اختلاف مذاهبهم بما احتج بن ابن المنذر وبأنه جوز الْمَسْحِ رُخْصَةٌ وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الْمُخَرَّقِ وَبِأَنَّهُ لا تخلوا الْخِفَافُ عَنْ الْخَرْقِ غَالِبًا وَقَدْ يَتَعَذَّرُ خَرْزُهُ لَا سِيَّمَا فِي السَّفَرِ فَعُفِيَ عَنْهُ لِلْحَاجَةِ وَبِأَنَّهُ خُفٌّ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لُبْسُهُ وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالصَّحِيحِ
*
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ أَحْسَنُهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وأجابوا عن استدلا لهم بِإِطْلَاقِ إبَاحَةِ الْمَسْحِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ وهو الخف الصحيح وعن الثاني أن المخرق لَا يُلْبَسُ غَالِبًا فَلَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ وَعَنْ قَوْلِهِمْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لُبْسُهُ وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ بِأَنَّ إيجَابَ الْفِدْيَةِ مَنُوطٌ بِالتَّرَفُّهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْمُخَرَّقِ وَالْمَسْحُ مَنُوطٌ بِالسِّتْرِ وَلَا يَحْصُلُ بِالْمُخَرَّقِ وَلِهَذَا لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ فِي إحْدَى الرِّجْلَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ وَلَوْ لَبِسَهُ مُحْرِمٌ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (فَإِنْ تَخَرَّقَتْ الظِّهَارَةُ فَإِنْ كَانَتْ الْبِطَانَةُ صَفِيقَةً جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ تَشِفُّ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ كَالْمَكْشُوفِ)
* (الشَّرْحُ) الظِّهَارَةُ وَالْبِطَانَةُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا وَقَوْلُهُ تَشِفُّ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَمَعْنَاهُ رَقِيقَةٌ وَالصَّفِيقَةُ الْقَوِيَّةُ الْمَتِينَةُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إذَا تَخَرَّقَتْ الظِّهَارَةُ وَبَقِيَتْ الْبِطَانَةُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا هذا نصه قال جمهور الاصحاب مراده إذا كَانَتْ الْبِطَانَةُ صَفِيقَةً يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ رَقِيقَةً لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْي عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ
[ ١ / ٤٩٧ ]
والاصحاب في الطرق وحكي الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَجْهًا غَرِيبًا ضَعِيفًا أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَتْ الْبِطَانَةُ رَقِيقَةً كَمَا لو كان الخف طافا وَاحِدًا فَتَشَقَّقَ ظَاهِرُهُ وَلَمْ يَنْفُذْ يَجُوزُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ اللِّفَافَة لِأَنَّهَا مُفْرَدَةٌ قَالَ الرُّويَانِيُّ قَالَ الشافعي وكل شئ أُلْصِقَ بِالْخُفِّ فَهُوَ مِنْهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَخَرُّقِ الظِّهَارَةِ دُونَ الْبِطَانَةِ يُقَاسُ مَا إذَا تَخَرَّقَ مِنْ الظِّهَارَةِ مَوْضِعٌ وَمَنْ الْبِطَانَةِ مَوْضِعٌ لَا يُحَاذِيهِ وَقَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْجَوَازِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلَوْ تَخَرَّقَ الْخُفُّ وَتَحْتَهُ جَوْرَبٌ يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ بِخِلَافِ الْبِطَانَةِ لِأَنَّ الْجَوْرَبَ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْخُفِّ وَالْبِطَانَةُ مُتَّصِلَةٌ بِهِ وَلِهَذَا يُتْبِعُ الْبِطَانَةَ الْخُفَّ فِي الْبَيْعِ وَلَا يُتْبِعُهُ الْجَوْرَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وإن لبس خفاله شَرَجٌ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ فَإِنْ كَانَ مَشْدُودًا بحيث لا يظهر شئ مِنْ الرِّجْلِ وَاللِّفَافَةِ إذَا مَشَى فِيهِ جَازَ المسح عليه)
*
(الشرح) الشرج بفتح وَالرَّاءِ وَبِالْجِيمِ وَهِيَ الْعُرْيُ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا لَبِسَ خُفًّا لَهُ شَرَجٌ وَهُوَ الْمَشْقُوقُ فِي مُقَدَّمِهِ نُظِرَ إنْ كَانَ الشَّقُّ فَوْقَ مَحَلِّ الْفَرْضِ لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَسْتُورًا جَازَ الْمَسْحُ وَإِنْ كَانَ الشَّقُّ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَإِنْ كَانَ لَا يرى منه شئ مِنْ الرِّجْلِ إذَا مَشَى جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ تُرَى فَإِنْ لَمْ يَشُدَّهُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ وَإِنْ شَدَّهُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بشرط أن لا يبقى شئ مِنْ الرِّجْلِ أَوْ اللِّفَافَةِ يَبِينُ فِي حَالِ المشئ هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ وَأَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَنَقَلُوهُ عَنْ نَصِّهِ وَقَطَعُوا بِهِ وَكَذَا قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ وَالِدِهِ أَبِي محمد أنه حكي وجها انه لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُشَرَّجِ الْمَشْدُودِ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ لَفَّ عَلَى رِجْلِهِ قِطْعَةَ جِلْدٍ وَشَدَّهَا قَالَ وَالصَّحِيحُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ لِأَنَّ السَّتْرَ حَاصِلٌ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا لَبِسَهُ وَشَدَّهُ ثُمَّ فَتَحَ الشَّرَجَ بَطَلَ الْمَسْحُ فِي الْحَالِ وان لم يظهر شئ مِنْ الرِّجْلِ لِأَنَّهُ إذَا مَشَى فِيهِ ظَهَرَتْ الرِّجْلُ فَبِمُجَرَّدِ الْفَتْحِ
[ ١ / ٤٩٨ ]
خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ مَعَ السَّتْرِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ لَبِسَ جَوْرَبًا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا لَا يَشِفُّ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُنَعَّلًا فَإِنْ اخْتَلَّ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ لم يجز المسح عليه)
* (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ وَفِيهَا كَلَامٌ مُضْطَرِبٌ لِلْأَصْحَابِ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَيْهَا فِي الْأُمِّ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا مُنَعَّلًا وَهَكَذَا قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ لَا يُمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْ الْقَدَمَيْنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ قَالَ وَمَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْ الْقَدَمَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْجَوْرَبَ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ مُجَلَّدَ الْقَدَمَيْنِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ
وَذَكَرَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِثْلَهُ وَنَقَلَ صَاحِبَا الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ وَإِنْ كَانَ صَفِيقًا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ مُجَلَّدَ الْقَدَمَيْنِ وَالصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَفَّالُ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ جَازَ كَيْفَ كَانَ وَإِلَّا فَلَا وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْفُورَانِيُّ فِي الْإِبَانَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَجْمَعِينَ فَقَالَ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ أَمْكَنَ مُتَابَعَةُ المشى على الجوربين جاز المسح عليهما وَإِلَّا فَلَا وَالْجَوْرَبُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَوْرَبِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْجَوْرَبَ إنْ كَانَ صَفِيقًا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إبَاحَةَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِلَالٍ وَالْبَرَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
[ ١ / ٤٩٩ ]
وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَعْمَشِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَابْنِ المبارك وزفر واحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ
* قَالَ وَكَرِهَ ذلك مجاهد وعمر وابن دِينَارٍ وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ
* وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا وحكوه عن أبي يوسف ومحمد واسحق وَدَاوُد وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْإِبَاحَةِ
* وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَهُ مُطْلَقًا: بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُفًّا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالنَّعْلِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَأَشْبَهَ الْخُفَّ وَلَا بَأْسَ بِكَوْنِهِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّعْلِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ
* وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ وَعَنْ أَبِي مُوسَى مِثْلُهُ مَرْفُوعًا
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ كَالْخِرْقَةِ: وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَنُقِلَ تَضْعِيفُهُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدَ ابن حَنْبَلٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَعْلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ فهوءلاء مقدمون عليه بل كل واحد من هوءلاء لَوْ انْفَرَدَ قُدِّمَ عَلَى
التِّرْمِذِيِّ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ: الثَّانِي لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى الَّذِي يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ: الثَّالِثُ حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ لَا أَنَّهُ جَوْرَبٌ مُنْفَرِدٌ ونعل منفردة فكأنه قال مسح على جور بيه الْمُنَعَّلَيْنِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ ضَعْفًا وَفِيهِ أَيْضًا إرْسَالٌ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* (وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لِرِقَّتِهِ أَوْ لِثِقَلِهِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الَّذِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ وَمَا سِوَاهُ لَا تَدْعُو الحاجة إليه فلم تتعلق به الرخصة)
[ ١ / ٥٠٠ ]
(الشَّرْحُ) أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لِرِقَّتِهِ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ (١) لِمَا ذَكَرَهُ وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لِثِقَلِهِ كَخُفِّ الْحَدِيدِ الثَّقِيلِ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي الطُّرُقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِمَا ذكره المصنف وممن قطع به الشيخ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَخَلَائِقُ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا وَقَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ بِالْجَوَازِ وَإِنْ عَسُرَ الْمَشْيُ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِ اللَّابِسِ لَا الملبوس ولا نظر إلى احوال اللابسين وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ على أن خف الحديد الذى يمكن متابعة المشى عليه يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ عَلَى مَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ المشي عليه معا عُسْرٍ وَمَشَقَّةٍ وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ صَالِحٌ لِهَذَا التَّأْوِيلِ وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ بُعْدٌ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ فَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى خِلَافٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمَا سَبَقَ (إحْدَاهَا) قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ جِنْسِ الْخُفَّيْنِ بَلْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا جِلْدًا وَالْآخَرُ لِبْدًا وَشِبْهَ ذَلِكَ جَازَ وَلِذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ جِلْدٍ وَالْآخَرُ مِنْ خَشَبٍ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ هَذَا فِيمَنْ قُطِعَ بَعْضُ إحْدَى رِجْلَيْهِ (الثَّانِيَةُ) لَوْ اتَّخَذَ خُفًّا وَاسِعًا لَا يَثْبُتُ فِي الرِّجْلِ إذَا مَشَى فِيهِ أَوْ ضَيِّقًا جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَصَحُّهُمَا لَا يَجُوزُ
الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ فِي الضَّيِّقِ الشَّاشِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَالثَّانِي يَجُوزُ لِأَنَّهُ صَالِحٌ فِي نَفْسِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ فَأَمَّا الضَّيِّقُ الَّذِي يَتَّسِعُ بِالْمَشْيِ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ (الثَّالِثَةُ) لَوْ لَبِسَ خُفًّا وَاسِعَ الرأس يرى
_________________
(١) قوله بلا خلاف يعني في غير مسألة تخرق الظهارة دون البطانة فانه سبق فيها وجه ضعيف انه لا يجوز المسح وان كانت رقيقة لظاهر النص اه اذرعي
[ ١ / ٥٠١ ]
مِنْهُ الْقَدَمُ وَلَكِنَّ مَحَلَّ الْفَرْضِ مَسْتُورٌ مِنْ أَسْفَلَ وَمِنْ الْجَوَانِبِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ جَوَازُ الْمَسْحِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ مَحَلَّ الْفَرْضِ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وبه قطع البندنيجي وصاحب الْحَاوِي وَالْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ كَمَا لَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ وَالْمَذْهَبُ الاول قال أصحابنا ولو صَلَّى فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْجَيْبِ تُرَى عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَوْ كَانَ ضَيِّقَ الْجَيْبِ وَلَكِنْ وَقَفَ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ بِحَيْثُ تُرَى عَوْرَتُهُ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ صَحَّتْ صلاته قالوا فيجب فِي الْخُفِّ السَّتْرُ مِنْ أَسْفَلَ وَمِنْ الْجَوَانِبِ دُونَ الْأَعْلَى وَفِي الْعَوْرَةِ مِنْ فَوْقٍ وَمِنْ الْجَوَانِبِ دُونَ الْأَسْفَلِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَمِيصَ يُلْبَسُ مِنْ أَعْلَى وَيُتَّخَذُ لِيَسْتُرَ أَعْلَى الْبَدَنِ وَالْخُفُّ يُلْبَسُ مِنْ أَسْفَلَ وَيُتَّخَذُ لِيَسْتُرَ أَسْفَلَ الرِّجْلِ فَأَخَذَ بِهِ قالوا فالمسألتان مختلفان صُورَةً مُتَّفِقَتَانِ مَعْنًى وَشَذَّ الشَّاشِيُّ فَقَالَ فِي الْمُعْتَمَدِ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ تُرَى مِنْ تَحْتِهِ عَوْرَتُهُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سِتْرًا وَوَافَقَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْخُفِّ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ سَتْرُ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الرَّابِعَةُ) إذَا لَبِسَ خُفَّ زُجَاجٍ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ تُرَى تَحْتَهُ الْبَشَرَةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ بِزُجَاجٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إذَا وَصَفَ لَوْنَ الْبَشَرَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَتْرُهَا عَنْ الْأَعْيُنِ وَلَمْ يَحْصُلْ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْخُفِّ عُسْرُ الْقُدْرَةِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلِ بِسَبَبِ السَّاتِرِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ هَكَذَا قَطَعَ بِهِ أَصْحَابُنَا فِي الطَّرِيقَيْنِ وممن صرح به القفال والصيد لاني والْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَأَمَّا قَوْلُ الروياني في البحر قال القفال يجوز المسح على خف زجاج وقال سائر اصحابنا لا يَجُوزُ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ بَلْ قَطَعَ الْجُمْهُورُ
بَلْ الْجَمِيعُ بِالْجَوَازِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا صَرَّحَ بِمَنْعِهِ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ جَوَازَهُ عَنْ الاصحاب مطلقا (١) (الخامسة) إذا ليس خُفًّا مِنْ خَشَبٍ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عَصًا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا بِعَصًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ فِي رِجْلِهِ كَقُرُوحٍ وَنَحْوِهَا جَازَ الْمَسْحُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ لِلزَّمِنِ وَالْمُقْعَدِ وَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُ الْمَشْيِ لِحِدَةٍ فِي رَأْسِ الْخُفِّ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ (السَّادِسَةُ) لَوْ لَفَّ عَلَى رِجْلِهِ قِطْعَةَ أَدَمٍ وَاسْتَوْثَقَ شده بالرباط
_________________
(١) ومن البعيد أو المحال امكان متابعة المشي الكثير على خف الزجاج الا ان يمشي به على بساط أو ارض دمثة لا حصى ولا حجر بها اه اذرعي
[ ١ / ٥٠٢ ]
وَكَانَ قَوِيًّا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُفًّا وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ التَّرَدُّدِ غَالِبًا هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُمَا (السَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفَّيْنِ قُطِعَا مِنْ فَوْقِ الْكَعْبَيْنِ وَلَا يُشْتَرَطُ ارْتِفَاعُهُمَا عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَنَقَلَ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ الرازي في كتابه رؤس الْمَسَائِلِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا أَصْلَ لَهُ
* (الثَّامِنَةُ) هَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْخُفِّ صَفِيقًا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا يُشْتَرَطُ فَإِنْ كَانَ مَنْسُوجًا بِحَيْثُ لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ نَفَذَ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَائِلًا بَيْنَ الْمَاءِ وَالْقَدَمِ وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ وَإِنْ نَفَذَ الْمَاءُ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ لِوُجُودِ السَّتْرِ قَالَ الْإِمَامُ وَلِأَنَّ عُلَمَاءَنَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لو انتقبت ظهارة الخف من موضع وبطانته مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يُحَاذِيهِ وَكَانَ بِحَيْثُ لا يظهر من القدمين شئ وَلَكِنْ لَوْ صُبَّ الْمَاءُ فِي ثُقْبِ الظِّهَارَةِ يَجْرِي إلَى ثُقْبِ الْبِطَانَةِ وَوَصَلَ إلَى الْقَدَمِ جاز المسح فإذا لَا أَثَرَ لِنُفُوذِ الْمَاءِ مَعَ أَنَّ الْمَاءَ فِي الْمَسْحِ لَا يَنْفُذُ وَالْغَسْلُ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀ (وفي الجرموقين وهو الخف الذى يلبس فوق الخف وهما صحيحان قولان قال في القديم والاملاء
يجوز المسح عليه لانه خف صحيح يمكن متابعة المشى عليه فاشبه المنفرد وقال في الجديد لا يجوز لان الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب وانما تدعو الحاجة إليه في النادر فلا يتعلق به رخصة عامة كالجبيرة فان قلنا بقوله الجديد فادخل يده في ساق الجرمون ومسح على الخف ففيه وجهان قال الشيخ ابو حامد الاسفراينى ﵀ لا يجوز وقال شيخنا القاضى أبو الطيب ﵀ يجوز لانه مسح على ما يجوز المسح عليه فاشبه إذا نزع الجرموق ثم مسح عليه وإذا قلنا يجوز المسح علي الجرموق فلم يمسح عليه وادخل يده إلى الخف ومسح عليه ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه يجوز المسح على الظاهر فإذا أدخل يده ومسح علي الباطن لم يجز كما لو كان في رجله خف منفرد فادخل يده إلى باطنه ومسح الجلد الذي يلي الرجل والثاني يجوز لان كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح علي ما شاء منهما (الشرح) الجرموق بضم الجيم والميم وهو عجمي مُعَرَّبٌ وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْخُفُّ وَلَمْ يَقُلْ وَهُمَا
[ ١ / ٥٠٣ ]
أَرَادَ الْجُرْمُوقَ الْفَرْدَ وَلَيْسَ الْجُرْمُوقُ فِي الْأَصْلِ مطلق الخف فوق الخف بل هو شئ يُشْبِهُ الْخُفَّ فِيهِ اتِّسَاعٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ وَالْفُقَهَاءُ يُطْلِقُونَ أَنَّهُ الْخُفُّ فوق الخف ولان الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِخُفٍّ فَوْقَ خُفٍّ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ اتِّسَاعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ: وَقَوْلُهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ كَالْجَبِيرَةِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ خَاصَّةٌ حَتَّى يَجُوزَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا فِي بَعْضِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَبِيرَةِ رُخْصَةٌ خَاصَّةٌ فِي حَقِّ الْكَسِيرِ وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو عَنْ وَالِدِهِ الْجَزْمَ بِذَلِكَ قَالَ فَلَا أَدْرِي أَخَذَهُ مِنْ إشْعَارِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِهِ أَمْ رَآهُ مَنْقُولًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالَ وَلَمْ أَجِدْ لِمَا ذَكَرَهُ أَصْلًا فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ بَلْ وَجَدْتُ مَا يُشْعِرُ بخلافه والحافه عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِالْقُفَّازَيْنِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْجَبِيرَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَاتِ فَإِذَا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ فِي الْمَوَاضِعِ الْبَارِدَةِ فَكَذَا الْجُرْمُوقُ الَّذِي لَا يَعْسُرُ إدْخَالُ الْيَدِ تَحْتَهُ وَمَسْحُ الْخُفِّ قال وانما قال المصنف ﵀ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ لِيُتِمَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْجَبِيرَةِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ كَالْجَبِيرَةِ لم يستقم فان الجبيرة يتعلق بِهَا رُخْصَةٌ وَهِيَ الْخَاصَّةُ فِي حَقِّ الْكَسِيرِ فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ انْتِفَاءُ الرُّخْصَةِ الْعَامَّةِ ثَبَتَ مَحَلُّ النِّزَاعِ هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ قَوْلَهُ
رُخْصَةٌ عَامَّةٌ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ تَعَلُّقِ رُخْصَةٍ خَاصَّةٍ بِهِ بَلْ هُوَ لِتَقْرِيبِ الشَّبَهِ مِنْ الْجَبِيرَةِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا وَأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ يَجْرِيَانِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَالْأَصَحُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ في تعليقه وخالفهم في كتابه شرح فروح ابن الحداد فصحح الْجَوَازُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَشَرْطُ مَسْأَلَةِ الْقَوْلَيْنِ أن يكون الخفاف وَالْجُرْمُوقَانِ صَحِيحَيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ لو انفرد كما قاله المصنف فاما لان كَانَ الْأَعْلَى صَحِيحًا وَالْأَسْفَلُ مُخَرَّقًا فَيَجُوزُ الْمَسْحُ
[ ١ / ٥٠٤ ]
عَلَى الْأَعْلَى قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْأَسْفَلَ فِي حكم اللفافة هكذا قطع به الاصحاب الطُّرُقِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَشَذَّ الدَّارِمِيُّ فَحَكَى فِيهِ طَرِيقَيْنِ الْمَنْصُوصُ مِنْهُمَا هَذَا: والثاني أنه على القولين وليس بشئ وَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى مُخَرَّقًا وَالْأَسْفَلُ صَحِيحًا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى وَيَجُوزُ عَلَى الْأَسْفَلِ قَوْلًا وَاحِدًا وَيَكُونُ الْأَعْلَى فِي مَعْنَى خِرْقَةٍ لَفَّهَا فَوْقَ الْخُفِّ فَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْأَعْلَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَوَصَلَ الْبَلَلُ إلَى الْأَسْفَلِ فَإِنْ قَصَدَ مَسْحَ الْأَسْفَلِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ قَصَدَ مَسْحَ الْأَعْلَى لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ قَصَدَهُمَا أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا بَلْ قَصَدَ أَصْلَ الْمَسْحِ فَوَجْهَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ لِأَنَّهُ قَصَدَ إسْقَاطَ فَرْضِ الرِّجْلِ بِالْمَسْحِ وَقَدْ وَصَلَ الْمَاءُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَإِذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَلَبِسَ فَوْقَهُمَا ثَانِيًا وَثَالِثًا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْبَغَوِيّ فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مُخَرَّقَةً إلَّا الْأَعْلَى جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ وَكَانَ مَا تَحْتَهُ كَاللِّفَافَةِ وَإِذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَهُ وَمَسَحَ الْأَسْفَلَ فَفِي جَوَازِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَهُمَا مَشْهُورَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الْجَوَازُ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ وَمَسَحَ الرَّأْسَ وَكَمَا لَوْ أَدْخَلَ الْمَاءَ فِي الْخُفِّ وَغَسَلَ الرِّجْلَ: مِمَّنْ صَحَّحَهُ صَاحِبَا الْحَاوِي وَالتَّتِمَّةِ وَالرُّويَانِيُّ وَقَطَعَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَقَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ بِالْوَجْهِ الْآخَرِ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ الْوَجْهَ الْقَائِلَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ هُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ تَخْرِيجٌ لَهُ
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ نَقَلَهُ أَبُو حامد في تعليقه عن الاصحاب فقال قال أصحابنا لَا يُجْزِيهِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَسْفَلِ وَتَمَسَّكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْأُمِّ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ طَرَحَهُمَا وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفِّ لا يجوز قال والفرق بينه وبين مَا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ الرَّأْسَ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ أَصْلٌ فَقَوِيَ أَمْرُهُ وَهَذَا بَدَلٌ فَضَعُفَ فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مع
[ ١ / ٥٠٥ ]
اسْتِتَارِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْغَالِبِ أَنَّ الْمَاسِحَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مَسْحِ الْأَسْفَلِ إلَّا بِطَرْحِ الْأَعْلَى كَمَا قَالَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ نَزَعَ الْخُفَّيْنِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ من غسل الرجلين الا ينزع الْخُفَّيْنِ وَإِلَّا فَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَنْزِعْهُمَا قَالَ الرُّويَانِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَنْ يُقَالَ غَيْرُهُ قَالَ وَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ لَا مَعْنَى لَهُ فَحَصَلَ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْأَسْفَلِ وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ وَمَسَحَ الْأَسْفَلَ فَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي جَوَازِهِ وَجْهَيْنِ وَهُمَا مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ صَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَحَلٌّ لِلْمَسْحِ فَأَشْبَهَ شَعْرَ الرَّأْسِ وَبَشَرَتَهُ (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمَسْحِ الْجُرْمُوقَيْنِ إحْدَاهَا إذَا قُلْنَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْبِسَ الْخُفَّيْنِ وَالْجُرْمُوقَيْنِ جَمِيعًا عَلَى طَهَارَةِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ عَلَى حَدَثٍ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْمَذْهَبِ وبه قطع العراقييون وَصَحَّحَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ لِأَنَّهُ لَبِسَ مَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ عَلَى حَدَثٍ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَمَا لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ رَقَّعَ فِيهِ رُقْعَةً وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ وَمَسَحَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ عَلَى طَهَارَةِ الْمَسْحِ فَفِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا أَحَدُهُمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِأَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ نَاقِصَةٌ هَكَذَا عَلَّلَهُ الْأَكْثَرُونَ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ قَالَ الرُّويَانِيُّ الْأَصَحُّ مَنْعُ الْمَسْحِ وَهُوَ قَوْلُ الدَّارَكِيِّ وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ وَهُوَ قَوْلِ الشيخ بي حَامِدٍ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ تَرْجِيحُهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ
الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ وَقَوْلُهُمْ إنَّهَا طَهَارَةٌ نَاقِصَةٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ إذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ هُنَا فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ أَحْدَثَ بَعْدَ لبس الخف لامن حِينِ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْجُرْمُوقِ قَالَ وَفِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْأَسْفَلِ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ قَالَ وَلَوْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ عَلَى حَدَثٍ ثُمَّ غَسَلَ الرِّجْلَ فِيهِ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ عَلَى هَذِهِ الطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى الْأَسْفَلِ وَفِي جَوَازِهِ عَلَى الْأَعْلَى وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابن سُرَيْجٍ فِيهِ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ أَصَحُّهَا أَنَّ الْجُرْمُوقَ
_________________
(١) هذا الوجه مبني على المعنى الثالث الاتي في المسألة الثانية وهو انهما كخف واحد لكنه ضعيف اه اذرعي
[ ١ / ٥٠٦ ]
بَدَلٌ عَنْ الْخُفِّ وَالْخُفُّ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ وَالثَّانِي أَنَّ الْأَسْفَلَ كَلِفَافَةٍ وَالْأَعْلَى هُوَ الْخُفُّ وَالثَّالِثُ أَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ فَالْأَعْلَى ظِهَارَةٌ وَالْأَسْفَلُ بِطَانَةٌ: وَفَرَّعَ الْأَصْحَابُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي مَسَائِلَ كَثِيرَةً مِنْهَا لَوْ لَبِسَهُمَا مَعًا فَأَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ الْأَسْفَلِ جَازَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ دُونَ الْآخَرَيْنِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ: وَمِنْهَا لَوْ تَخَرَّقَ الْأَعْلَى مِنْ الرِّجْلَيْنِ جَمِيعًا أَوْ خَلَعَهُ مِنْهُمَا بَعْدَ مَسْحِهِ وَبَقِيَ الْأَسْفَلُ بِحَالِهِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَمْ يَجِبْ نَزْعُ الْأَسْفَلِ بل يجب مسحه وهل يكفيه مَسْحُهُ أَمْ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي نَازِعِ الْخُفَّيْنِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ فلا شئ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي وَجَبَ نَزْعُ الْأَسْفَلِ أَيْضًا وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ وَفِي وُجُوبِ اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ الْقَوْلَانِ فَحَصَلَ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أقوال أحدهها لا يجب شئ وَأَصَحُّهَا يَجِبُ مَسْحُ الْأَسْفَلِ فَقَطْ وَالثَّالِثُ يَجِبُ مَسْحُهُ مَعَ اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ وَالرَّابِعُ يَجِبُ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَالْخَامِسُ يَجِبُ ذَلِكَ مَعَ اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ الْبَابِ: ومنها لو تخرق الا علي مِنْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ نَزَعَهُ فَإِنْ قُلْنَا بالمعني الثالث فلا شئ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي وَجَبَ نَزْعُ الْأَسْفَلِ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الرِّجْلِ وَوَجَبَ نَزْعُهُمَا مِنْ الرِّجْلِ الْأُخْرَى وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ وَفِي اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ القولان: وان قلنا بالمعنى الاولى فَهَلْ يَلْزَمُهُ نَزْعُ الْأَعْلَى مِنْ الرِّجْلِ الْأُخْرَى فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ كَمَنْ نَزَعَ إحْدَى الْخُفَّيْنِ فَإِذَا نَزَعَهُ عَادَ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّهُ يَكْفِيه
مَسْحُ الْأَسْفَلِ أَمْ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ الثَّانِي وَفِي وَاجِبِهِ الْقَوْلَانِ أَحَدُهُمَا مَسْحُ الْأَسْفَلِ الَّذِي نُزِعَ أَعْلَاهُ وَالثَّانِي اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَمَسْحُ هَذَا الْأَسْفَلِ وَالْأَعْلَى مِنْ الرِّجْلِ الْأُخْرَى: وَمِنْهَا لَوْ تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ مِنْهُمَا لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمَعَانِي كُلِّهَا فَلَوْ تَخَرَّقَ مِنْ إحْدَاهُمَا فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي أو الثالث فلا شئ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وَجَبَ نَزْعُ وَاحِدٍ مِنْ الرِّجْلِ الْأُخْرَى لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ ثُمَّ إذَا نَزَعَ فَفِي وَاجِبِهِ الْقَوْلَانِ أَحَدُهُمَا مَسْحُ الْخُفِّ الَّذِي نَزَعَ جُرْمُوقَهُ وَالثَّانِي اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَالْمَسْحُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَعْلَى الَّذِي تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ تَحْتَهُ وَمِنْهَا لَوْ تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ وَالْأَعْلَى مِنْ الرِّجْلَيْنِ أَوْ مِنْ إحْدَاهُمَا وَجَبَ نَزْعُ الْجَمِيعِ عَلَى الْمَعَانِي كُلِّهَا لَكِنْ إذَا قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ وَكَانَ الْخَرْقَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ غَيْرِ مُتَحَاذِيَيْنِ لَمْ يَضُرَّهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الخف ما نعا نفوذ الماء: ومنها لو تخرق الا على مِنْ رِجْلٍ وَالْأَسْفَلُ مِنْ أُخْرَى فَإِنْ قُلْنَا بالثالث فلا شئ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ نَزَعَ الْأَعْلَى الْمُتَخَرَّقَ وَأَعَادَ مَسْحَ مَا تَحْتَهُ وَهَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ أم يجب استئناف الوضوء ما سحا عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَعْلَى
[ ١ / ٥٠٧ ]
مِنْ الرِّجْلِ الْأُخْرَى فِيهِ الْقَوْلَانِ هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى جَوَازِ مَسْحِ الْجُرْمُوقَيْنِ أَمَّا إذَا مَنَعْنَاهُ فَتَخَرَّقَ الْأَسْفَلَانِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ التَّخَرُّقِ عَلَى طَهَارَةِ لُبْسِهِ الْأَسْفَلَ مَسَحَ الْأَعْلَى لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا لِخُرُوجِ الْأَسْفَلِ عَنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْمَسْحِ وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا لَمْ يَجُزْ مَسْحُ الْأَعْلَى كَاللُّبْسِ عَلَى حَدَثٍ وَإِنْ كَانَ عَلَى طَهَارَةِ مَسْحٍ فَوَجْهَانِ كَمَا سَبَقَ فِي تَفْرِيعِ الْقَدِيمِ وَلَوْ لَبِسَ جُرْمُوقًا فِي رِجْلٍ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْخُفِّ فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى فَعَلَى الْجَدِيدِ لَا يَجُوزُ مَسْحُ الْجُرْمُوقِ وَعَلَى الْقَدِيمِ يَبْنِي عَلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ كَمَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ فِي خُفٍّ وَغَسْلُ الرِّجْلِ الْأُخْرَى وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ جَازَ وَكَذَا إنْ قُلْنَا بِالثَّانِي عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا احْتَاجَ إلَى وَضْعِ جَبِيرَةٍ عَلَى رِجْلَيْهِ فَوَضَعَهَا ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهَا الْخُفَّ فَفِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ لِأَنَّهُ خُفٌّ صَحِيحٌ وَالْجَبِيرَةُ كَلِفَافَةٍ وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَأَصَحُّهُمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ فَوْقَ مَمْسُوحٍ فَأَشْبَهَ الْعِمَامَةَ وَمِمَّنْ صَحَّحَ الْمَنْعَ صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ كَالْجُرْمُوقِ
فَوْقَ الْخُفِّ (الرَّابِعَةُ) قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ لبس خفا ذا طاقتين غَيْرِ مُلْتَصِقَيْنِ فَمَسَحَ عَلَى الطَّاقِ الْأَعْلَى فَهُوَ كَمَسْحِ الْجُرْمُوقِ وَإِنْ مَسَحَ الْأَسْفَلَ فَكَمَسْحِ الْخُفِّ تَحْتَ الْجُرْمُوقِ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأَسْفَلِ لِأَنَّ الْجَمِيعَ خُفٌّ وَاحِدٌ فَمَسْحُ الْأَسْفَلِ كَمَسْحِ بَاطِنِ الْخُفِّ (الْخَامِسَةُ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجُرْمُوقَيْنِ قد سبق ان مذهبنا الجديد الا ظهر مَنْعُ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ﵁ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَالْمُزَنِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَقَالَ الْمُزَنِيّ فِي مُخْتَصَرِهِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جوازه خلافا
* واحتج المجوزون من الحديث بِحَدِيثِ بِلَالٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ: وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَنَّ الْمُوقَ هُوَ الْخُفُّ لَا الْجُرْمُوقُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَرِيبِهِ وَهَذَا
[ ١ / ٥٠٨ ]
مُتَعَيَّنٌ لِأَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ اسْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ جُرْمُوقَانِ مَعَ أَنَّهُمْ نَقَلُوا جَمِيعَ آلَاتِهِ ﷺ والثالث أن الحجار لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَيَبْعُدُ لُبْسُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ المسألة الشيخ ابا حامد الاسفرايني وَالْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ وَهُمَا أَجَلُّ مُصَنِّفِي الْعِرَاقِيِّينَ وَقَدْ بَسَطْتُ أَحْوَالَهُمَا بَعْضَ الْبَسْطِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَفِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ وَأُنَبِّهُ هُنَا عَلَى رُمُوزٍ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَّا أَبُو حَامِدٍ فَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ شَيْخُ الْأَصْحَابِ وَعَلَيْهِ وَعَلَى تَعْلِيقِهِ مُعَوَّلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ انْتَهَتْ إلَيْهِ رِيَاسَةُ بَغْدَادَ وَإِمَامَتُهَا وَكَانَ أَوْحَدَ أَهْلِ عَصْرِهِ قَالَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ كَانَ يَحْضُرُ دَرْسَهُ سَبْعُمِائَةِ مُتَفَقِّهٍ قَالَ غَيْرُهُ أَفْتَى وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا فَكَانَ فِي الْمِائَةِ الْأُولَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّانِيَةِ الشَّافِعِيُّ وَالثَّالِثَةِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالرَّابِعَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا ﵀ تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَهُوَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ عُمَرَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَبَرِسْتَانَ
الْإِمَامُ الْجَامِعُ لِلْفُنُونِ الْمُعَمِّرُ بَدَأَ بِالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَلَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُخِلَّ بِدَرْسِهِ يَوْمًا وَاحِدًا إلَى أَنْ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ ولد سنة ثمان وأربعين وثلثمائة وتوفى عصر السبب وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ نَفِيسَةٌ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ وَمِنْ أَحْسَنِهَا تَعْلِيقُهُ في المذهب ولم أر لا صحابنا أَحْسَنَ مِنْهُ فِي أُسْلُوبِهِ وَلَهُ الْمُجَرَّدُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ كَثِيرُ الْفَوَائِدِ وَشَرْحُ فُرُوعِ ابْنِ الحداد وما أكثر فوائده وله في الاصل وَالْخِلَافِ وَفِي ذَمِّ الْغِنَى وَفِي أَنْوَاعِ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ وَكَانَ يَرْوِي الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ بِالرِّوَايَاتِ الْعَالِيَةِ ويقول الشعر الحسن ﵀ * قال المصنف ﵀
* (وان لبس خفا مغصوبا ففيه وجهان قال ابن القاص لا يجوز المسح عليه لان لبسه معصية فلم يتعلق به رخصة وقال سائر أصحابنا يجوز لان المعصية لا تختص باللبس فلم تمنع صحة العبادة كالصلاة في الدار المغصوبة)
*
[ ١ / ٥٠٩ ]
(الشَّرْحُ) هَذَا الْخِلَافُ مَشْهُورٌ فِي الْمَذْهَبِ وَعِبَارَةُ الْأَصْحَابِ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ يَقُولُونَ قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ لَا يَجُوزُ (١) وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ صِحَّةُ الْمَسْحِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ كَالصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ وَالذَّبْحِ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبٍ وَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ بِمَاءٍ وَتُرَابٍ مَغْصُوبَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ صَحِيحٌ وَإِنْ عَصَى بِالْفِعْلِ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْآنِيَةِ بَيَانُ هَذَا مَعَ غَيْرِهِ وَأَشَارَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا إلَى تَرْجِيحِ مَنْعِ الصِّحَّةِ لِأَنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا جَازَ لِمَشَقَّةِ النَّزْعِ وَهَذَا عَاصٍ بِتَرْكِ النَّزْعِ وَاسْتِدَامَةِ اللُّبْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْذَرَ وَلِأَنَّهُ يَعْصِي بِاللُّبْسِ أَكْثَرَ مِنْ الْإِمْسَاكِ وَلِأَنَّ تَجْوِيزَهُ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِهِ بِالْمَسْحِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا وَالْجُلُوسَ سَوَاءٌ قَالَ الرُّويَانِيُّ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ بالمإ فَقَدْ أَتْلَفَهُ وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الصِّحَّةَ (قُلْتُ) لِلْآخَرِينَ أَنْ يُفَرِّقُوا بِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ فَلَا تُسْتَفَادُ بِالْمَعْصِيَةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَيُقَاسُ عَلَى التَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ حَيْثُ لَا يَجِبُ كَالتَّيَمُّمِ لِنَافِلَةٍ فَإِنَّهُ رُخْصَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ لَا يَجُوزُ وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ فَمَعْنَاهُ قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَبِيحُ
بِهِ شَيْئًا وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا يَصِحُّ وَيَسْتَبِيحُ بِهِ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا فَأَرَادَ بِالْجَوَازِ الصِّحَّةَ وَإِلَّا فَالْفِعْلُ حَرَامٌ بِلَا شَكَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
لَوْ لَبِسَ خُفَّ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ فِي الْمَغْصُوبِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِالْمَنْعِ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ تَحْرِيمَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الْخُفِّ فَصَارَ كَاَلَّذِي لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ وَلَوْ لَبِسَ الرَّجُلُ خُفًّا مِنْ حَرِيرٍ صَفِيقٍ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالذَّهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ مِنْ جِلْدِ كَلْبٍ (٢) أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَكَذَا لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَفَائِدَةُ الْمَسْحِ وَإِنْ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الصَّلَاةِ فَالْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ هُوَ الصَّلَاةُ وَمَا عَدَاهَا مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِ كَتَبَعٍ لَهَا وَلِأَنَّ الْخُفَّ بَدَلٌ عن الرجل ولو
_________________
(١) صحح ابن الصباغ المنع ايضا اه اذرعي (٢) قال الرافعي في شرحه الصغير هنا ما لفظه ولو اتخذ خفا من جلد الكلب أو الميتة فهو نجس العين ولا يحل لبسه في اصح القولين ونص في الام انه لا يجوز المسح عليه وهذا غريب اعني حكاية الخلاف في جواز ليس جلد الكلب الا ان يؤول كلامه وفي تأويله بعد اه اذرعي
[ ١ / ٥١٠ ]
كَانَتْ نَجِسَةً لَمْ تَطْهُرْ عَنْ الْحَدَثِ مَعَ بقاء النجاسة عليها فكيف يمسح على البدن وَهُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَكَذَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ خُرِزَ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ وان غسله سبعا احداهن بالتراب لان المإ وَالتُّرَابَ لَا يَصِلُ إلَى مَوَاضِعِ الْخَرَزِ الْمُتَنَجِّسَةِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْفَتْحِ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالُوا فَإِذَا غَسَلَهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ طَهُرَ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ سَأَلْتُ الشَّيْخَ أَبَا زَيْدٍ عَنْ الصَّلَاةِ في الخف المخروز بالهلت يَعْنِي شَعْرَ الْخِنْزِيرِ فَقَالَ الْأَمْرُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ قَالَ الْقَفَّالُ وَمُرَادُهُ أَنَّ بِالنَّاسِ إلَى الْخَرْزِ بِهِ حَاجَةٌ
فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ إذَا تَنَجَّسَ الْخُفُّ بِخَرْزِهِ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ فَغُسِلَ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ طَهُرَ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ الْخَرْزِ قَالَ وَقِيلَ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ يُصَلِّي فِي الْخُفِّ النَّوَافِلَ دُونَ الْفَرَائِضِ فَرَاجَعَهُ الْقَفَّالُ فِيهِ فَقَالَ الْأَمْرُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ أَشَارَ إلَى كَثْرَةِ النَّوَافِلِ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ: وَقَوْلُهُ أَشَارَ إلَى كَثْرَةِ النَّوَافِلِ لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَتَعَذَّرُ أَوْ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَعُفِيَ عَنْهُ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا كَانَ لَا يُصَلِّي فِيهِ الْفَرِيضَةَ احْتِيَاطًا لَهَا وَإِلَّا فَمُقْتَضَى قَوْلِهِ الْعَفْوُ فِيهِمَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا تَأَوَّلْتُهُ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْ نَقْلِ القفال في شرحه التلخيص والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ علي طهارة كاملة فان غسل احدى الرجلين فادخلها الخف ثم غسل الاخرى فادخلها الخف لم يجز المسح حتى يخلع ما لبسه قبل كمال الطهارة ثم يعيده إلى رجله والدليل عليه ما روى ابو بكرة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرخص للمسافر ثلاثة ايام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما) (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَحَدِيثٌ حَسَنٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْقِيتِ وَاسْمُ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعٌ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَهُوَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ كُنِّيَ بِأَبِي بَكْرَةَ لِأَنَّهُ تَدَلَّى بِبَكْرَةٍ مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ﵁ وَقَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ احْتَرَزَ بِكَامِلَةٍ عَمَّا إذَا غَسَلَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَلَبِسَ خُفَّهَا ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَلَبِسَهَا فَإِنَّهُ قَدْ يُسَمَّى لُبْسًا عَلَى طَهَارَةٍ مَجَازًا فَأَرَادَ نَفْيَ هَذَا المجاوز والتوهم
[ ١ / ٥١١ ]
وَلَوْ حَذَفَ كَامِلَةٍ لَصَحَّ كَلَامُهُ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الطَّهَارَةِ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْفَرَاغِ وَيُقَالُ لَبِسَ الخف والثوب وغير هما بِكَسْرِ الْبَاءِ يَلْبَسُهُ بِفَتْحِهَا
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يَلْبَسَهُ على طهارة كاملة فلو غمس أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ إلَّا رِجْلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ أو لبسه قبل غسل شئ ثُمَّ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إذَا أَحْدَثَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَخْلَعَ الْخُفَّيْنِ
ثُمَّ يَلْبَسَهُمَا وَلَوْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّهَا ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَلَبِسَ خُفَّهَا اُشْتُرِطَ نَزْعُ الْأَوَّلِ ثُمَّ لُبْسُهُ عَلَى الطَّهَارَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُشْتَرَطُ نَزْعُ الثَّانِي وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهًا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُفَّيْنِ مُرْتَبِطٌ بِالْآخَرِ وَلِهَذَا لَوْ نَزَعَ أَحَدَهُمَا وَجَبَ نَزْعُ الْآخَرِ وَهَذَا الوجه شاذ ليس بشئ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ لُبْسُهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَقَدْ وجد والترتيب في اللبس ليس بشرط باللاجماع (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ فِي لُبْسِ الْخُفِّ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ شَرْطٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ واسحق وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُد ﵃ يَجُوزُ لُبْسُهُمَا عَلَى حَدَثٍ ثُمَّ يُكْمِلُ الطَّهَارَةَ فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ جَازَ الْمَسْحُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيمَا إذَا غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّهَا قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى
* وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسٍ وَطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَلِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ كَالِابْتِدَاءِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يلبس وهو لا بس فَاسْتَدَامَ حَنِثَ فَإِذَا لَبِسَ عَلَى حَدَثٍ ثُمَّ تَطَهَّرَ فَاسْتِدَامَتُهُ اللُّبْسَ عَلَى طَهَارَةٍ كَالِابْتِدَاءِ قَالُوا وَلِأَنَّ عِنْدَكُمْ لَوْ نَزَعَ ثُمَّ لَبِسَ اسْتَبَاحَ الْمَسْحَ وَلَا فَائِدَةَ فِي النَّزْعِ ثُمَّ اللُّبْسِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَعَنْ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ صَبَبْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في وضوئه ثم أهويت لا نزع خُفَّيْهِ فَقَالَ دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إذَا نحن أدخلنا هما عَلَى طُهْرٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ سَأَلْتُ عُمَرَ ﵁ أَيَتَوَضَّأُ أَحَدُنَا وَرِجْلَاهُ فِي الْخُفَّيْنِ قَالَ نَعَمْ إذَا أَدْخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَإِنْ قَالُوا دَلَالَةُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِالْمَفْهُومِ وَلَا نَقُولُ بِهِ قُلْنَا هُوَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ وَاتَّفَقُوا علي اشتراط
[ ١ / ٥١٢ ]
الطَّهَارَةِ لَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهَا وَجَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُبَيِّنَةً لِجَوَازِ الْمَسْحِ لِمَنْ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ صريح فان قالو إذَا لَبِسَ خُفًّا بَعْدَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ الْآخَرَ كَذَلِكَ
فَقَدْ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الطَّهَارَةِ لَا تَكُونُ إلَّا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَلُبْسُ الْخُفِّ الْأَوَّلِ كَانَ سَابِقًا عَلَى كَمَالِ الطَّهَارَةِ وَسَلَكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الاساليب طرقة حَسَنَةً فَقَالَ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ عَلَى الْمَسْحِ شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ وَالطَّهَارَةُ تُرَادُ لِغَيْرِهَا: فَإِنْ تَخَيَّلَ مُتَخَيِّلٌ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لِلْمَسْحِ كَانَ مُحَالًا لِأَنَّ الْمَسْحَ يَتَقَدَّمُهُ الْحَدَثُ وَهُوَ نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ فَاسْتَحَالَ تَقْدِيرُهَا شَرْطًا فِيهِ مَعَ تَخَلُّلِ الْحَدَثِ فَوَضَحَ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي اللُّبْسِ وَكُلُّ مَا شُرِطَتْ الطَّهَارَةُ فِيهِ شُرِطَ تَقْدِيمُهَا بِكَمَالِهَا عَلَى ابْتِدَائِهِ ثُمَّ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ فِي اللُّبْسِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لِأَنَّ اللُّبْسَ فِي نَفْسِهِ ليس قربة وإذا أحدث بعد اللبس بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ وَلَا تَنْقَطِعُ الطَّهَارَةُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ مَأْخَذِ الْمَعْنَى وَالْمَسْحُ رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ فَتَثْبُتُ حَيْثُ يَتَحَقَّقُهُ وَإِذَا تَرَدَّدَ فِيهِ تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلِ وَلَيْسَ مَعَ الْمُخَالِفِينَ نَصٌّ: وَقَدْ ثَبَتَتْ الرُّخْصَةُ فِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِهِمْ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى اشْتِرَاطِ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إنَّمَا تَكُونُ كَالِابْتِدَاءِ إذَا كَانَ الِابْتِدَاءُ صَحِيحًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ هُنَا: وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِاشْتِرَاطِ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ وَالنَّزْعُ ثُمَّ اللُّبْسُ مُحَصِّلَانِ لِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ عَبَثًا بَلْ طَاعَةً وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّ الْمُحْرِمَ لَوْ اصْطَادَ صَيْدًا وَبَقِيَ فِي يَدِهِ حَتَّى حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ ثُمَّ لَهُ اصْطِيَادُهُ بِمُجَرَّدِ إرْسَالِهِ وَلَا يُقَالُ لَا فَائِدَةَ فِي إرْسَالِهِ ثُمَّ أخذه والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (فان لبس خفين على طهارة ثم أحدث ثم لبس الجرموقين لم يجز المسح عليه قولا واحدا لانه لبس علي حدث وان مسح على الخفين ثم لبس الجرموقين ثم أحدث وقلنا انه يجوز المسح علي الجرموق ففيه وجهان أحدهما لا يجوز المسح عليه لان المسح على الخف لم يزل الحدث عن الرجل فكأنه لبس على حدث والثاني يجوز لان مسح الخف قام مقام غسل الرجلين)
[ ١ / ٥١٣ ]
(الشَّرْحُ) هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا وَاضِحًا فِي فَرْعِ مَسَائِلِ الْجُرْمُوقِ وَالْأَصَحُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الْجَوَازُ كَمَا سَبَقَ وَقَوْلُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ قَوْلًا وَاحِدًا يَعْنِي سَوَاءٌ قُلْنَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ أَمْ لَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى طَرِيقَةِ الْعِرَاقِيِّينَ وَفِيهِ وَجْهٌ
سَبَقَ بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يُزِلْ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ هَذَا اخْتِيَارُهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ سَنَذْكُرُهُمَا وَاضِحَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ المصنف ﵀
* (وان تطهر ولبس خفيه فاحدث قبل ان تبلغ الرجل إلى قدم الخف لم يجز المسح نص عليه في الام لان الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فصار كما لو بدأ باللبس وهو محدث (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ رِجْلَهُ مِنْ قَدَمِ الْخُفِّ إلَى السَّاقِ ثُمَّ رَدَّهَا لَا يَبْطُلُ مسحه ويجعل حكمه حكم لا بس لَمْ يَنْزِعْ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي آخِرِ الْبَابِ حَيْثُ فَرَّقَ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي سَاقِ الْخُفِّ قَبْلَ الْغَسْلِ ثُمَّ غَسَلَهَا فِي السَّاقِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا مَوْضِعَ الْقَدَمِ جَازَ الْمَسْحُ وَهَذَا وَاضِحٌ فَإِنَّ إدْخَالَهَا السَّاقَ لَيْسَ بِلُبْسٍ ويجئ فيه وجه الرافعى وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وإذا توضأت المستحاضة ولبست الخفين ثم أحدثت حدثا غير حدث الاستحاضة ومسحت على الخف جاز لها أن تصلي بالمسح فريضة واحدة وما شاءت من النوافل وان تيمم المحدث ولبس الخف ثم وجد الماء لم يجز له المسح علي الخف لان التيمم طهارة ضرورة فإذا زالت الضرورة بطلت من أصلها فيصير كما لو لبس الخف علي حدث: وقال أبو العباس بن سريج يصلى بالمسح فريضة واحدة وما شاء من النوافل كالمستحاضة) (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَفِي صُورَتِهَا فِي الْمُهَذَّبِ بَعْضُ الْخَفَاءِ فَصُورَتُهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنْ تَتَوَضَّأَ الْمُسْتَحَاضَةُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ فَرِيضَةٍ وَتَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ عَلَى تِلْكَ
[ ١ / ٥١٤ ]
الطَّهَارَةِ ثُمَّ تُحْدِثُ بِغَيْرِ حَدَثِ الِاسْتِحَاضَةِ كَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَلَمْسٍ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ تِلْكَ الْفَرِيضَةَ فَإِذَا تَوَضَّأَتْ جَازَ لَهَا الْمَسْحُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ وَتُصَلِّي بِالْمَسْحِ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ وَمَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ فَإِنْ أَحْدَثَتْ مَرَّةً أُخْرَى فَلَهَا الْمَسْحُ لِاسْتِبَاحَةِ النَّوَافِلِ وَلَا يَجُوزُ لِفَرِيضَةٍ أُخْرَى وَلَوْ تَوَضَّأَتْ وَلَبِسَتْ الْخُفَّ وَصَلَّتْ فَرِيضَةَ الْوَقْتِ ثُمَّ أَحْدَثَتْ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَمْسَحَ فِي حَقِّ فَرِيضَةٍ أَصْلًا لَا فَائِتَةٍ وَلَا مُؤَدَّاةٍ
وَلَكِنْ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ لِمَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ
* وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِكَوْنِهَا لَا تَمْسَحُ لِغَيْرِ فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ بِأَنَّ طَهَارَتَهَا فِي الْحُكْمِ مَقْصُورَةٌ عَلَى اسْتِبَاحَةِ فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ وَهِيَ مُحْدِثَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَكَأَنَّهَا لَبِسَتْ عَلَى حَدَثٍ بَلْ لَبِسَتْ عَلَى حَدَثٍ حَقِيقَةً فَإِنَّ طَهَارَتَهَا لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الْمَذْهَبِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ فِي الطُّرُقِ وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁: وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ لَهَا الْمَسْحُ أَصْلًا لَا لِفَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالدَّارِمِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَبِهِ قَطَعَ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ لِأَنَّهَا مُحْدِثَةٌ وَإِنَّمَا جُوِّزَتْ لَهَا الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ الدَّائِمِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى مَسْحِ الْخُفِّ بَلْ هِيَ رُخْصَةٌ بِشَرْطِ لُبْسِهِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ: وَالْوَجْهُ الْآخَرُ إنَّهَا تَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ وَلَكِنَّهَا تجدد الطهارة ما سحة لِكُلِّ فَرِيضَةٍ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَاحْتِمَالٍ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى فَرِيضَةٍ وَمَذْهَبُ زُفَرَ وَأَحْمَدَ ﵄ أَنَّهَا تَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ سَفَرًا وَيَوْمًا وَلَيْلَةً حَضَرًا وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ لَا تَزِيدُ عَلَى فَرِيضَةٍ بِالْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مَذْهَبُ زُفَرَ وَأَحْمَدَ وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي جَوَازِ مَسْحِهَا لِفَرِيضَةٍ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ طَهَارَتَهَا هَلْ تَرْفَعُ الْحَدَثَ وَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَخْرِيجُهُ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا مَعَ جَرَيَانِهِ دَائِمًا وَكَذَا قَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْمُسْتَظْهَرَيْ هَذَا الْبِنَاءُ فَاسِدٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا مَعَ دَوَامِهِ وَاتِّصَالِهِ
[ ١ / ٥١٥ ]
فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ وَسَنُوَضِّحُ الْخِلَافَ فِي ارْتِفَاعِ حَدَثِهَا بِالطَّهَارَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْحَيْضِ فِي مَسَائِلِ طَهَارَتِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* هَذَا كُلُّهُ إذَا أَحْدَثَتْ غَيْرَ حَدَثِ الِاسْتِحَاضَةِ أَمَّا حَدَثُ الِاسْتِحَاضَةِ فَلَا يَضُرُّ وَلَا تَحْتَاجُ بِسَبَبِهِ إلَى اسْتِئْنَافِ طَهَارَةٍ إلَّا إذَا أَخَّرَتْ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ وَحَدَثُهَا يَجْرِي وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ يَنْقُضُ طَهَارَتَهَا وَيَجِبُ اسْتِئْنَافُهَا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَدَثُ الِاسْتِحَاضَةِ كَغَيْرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ دَمُهَا أَمَّا إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا قَبْلَ أَنْ تمسح وشفت فَلَا يَجُوزُ لَهَا الْمَسْحُ
بَلْ يَجِبُ الْخَلْعُ وَاسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَحَكَى الْبَغَوِيّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّ انْقِطَاعَ دَمِهَا كَحَدَثٍ طَارِئٍ فَلَهَا الْمَسْحُ وَهَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَالدَّلِيلِ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لضرورة وقد زالت الطهارة والضرورة فصارت لا بسة عَلَى حَدَثٍ بِلَا ضَرُورَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَحُكْمُ سَلِسِ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَمَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ وَجُرْحٌ سَائِلٌ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى مَا سَبَقَ وَكَذَا الْوُضُوءُ الْمَضْمُومُ إلَيْهِ التَّيَمُّمَ لِجُرْحٍ أَوْ كَسْرٍ لَهُ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَإِذَا شُفِيَ الْجَرِيحُ لَزِمَهُ النَّزْعُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ صَرَّحَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَإِمَامُ الحرمين وغيرهما: وأما التيمم الَّذِي مَحَّضَ التَّيَمُّمَ وَلَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ فَإِنْ كَانَ تَيَمُّمُهُ لَا بِإِعْوَازِ الْمَاءِ بَلْ بِسَبَبٍ آخَرَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَثَّرُ بِوُجُودِ الْمَاءِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَصَارَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بَلْ إذَا وُجِدَ الْمَاءُ وَجَبَ الْوُضُوءُ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ هُوَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ فَتَسْتَبِيحُ فَرِيضَةً وَنَوَافِلَ كَمَا سَبَقَ وَالْمَذْهَبُ الْفَرْقُ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ لَا تَسْتَمِرُّ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ فَنَظِيرُهُ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ أَنْ يَنْقَطِعَ دَمُهَا والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (والمستحب أن يمسح أعلى الخف وأسفله فيغمس يديه في الماء ثم يَضَعُ كَفَّهُ الْيُسْرَى تَحْتَ عَقِبِ الْخُفِّ وَكَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ ثُمَّ يُمِرُّ الْيُمْنَى الي ساقه واليسرى إلى اطراف أصابعه لما روى المغيرة ابن شعبة ﵁ قال وضأت رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غزوة تبوك فمسح أعلي الخف وأسفله وهل يمسح على عقب الخف فيه طريقان من اصحابنا من قال يمسح عليه
[ ١ / ٥١٦ ]
قولا واحد لانه خارج من الخف يلاقي محل الفرض فهو كغيره ومنهم من قال فيه قولان أحدهما يمسح عليه وهو الاصح لما ذكرناه والثاني لا يمسح لانه صقيل وبه قوام الخف فإذا تكرر المسح عليه بلى وخلق وأضربه وان اقتصر على مسح القليل من أعلاه اجزأه لان الخبر ورد بالمسح وهذا يقع عليه اسم المسح وان اقتصر على ذلك من أسلفه ففيه وجهان قال أبو اسحق يجزيه لانه خارج من الخف يحاذي محل الفرض فهو كاعلاه وقال أبو العباس لا يجزئه وهو المنصوص في البويطي وهو ظاهر
ما نقله المزني) (الشَّرْحُ) فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ وَضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِمَّنْ نَصَّ عَلَى ضَعْفِهِ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَآخَرُونَ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي هَذَا عَلَى الْأَثَرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ (١) بِإِسْنَادِهِ عن عبد الرحمن ابن أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ حَكَمَ التِّرْمِذِيُّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ جَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ ابْنَ أَبِي الزِّنَادِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ سَبَبُ الْجَرْحِ فَلَمْ يَعْتَدَّ بِهِ كَمَا احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا بِجَمَاعَةٍ سَبَقَ جَرْحُهُمْ حِينَ لَمْ يَثْبُتْ جَرْحُهُمْ مُبِينَ السَّبَبِ: وَالثَّانِي أَنَّهُ اعْتَضَدَ بِطَرِيقٍ أَوْ طُرُقٍ أُخْرَى فَقَوِيَ وَصَارَ حَسَنًا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْفَنِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (الثَّانِيَةُ) الْمُغِيرَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ تَقَدَّمَتَا مَعَ بَيَانِ حَالِهِ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَعَقِبُ الرِّجْلِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْقَافِ مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَالسَّاقُ مُؤَنَّثَةٌ غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ وَفِيهَا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ بِالْهَمْزِ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَتَبُوكَ بِفَتْحِ التَّاءِ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ وَيُقَالُ غَزْوَةٌ وَغُزَاةٌ لغتان مشهور تان وكانت غزوة
_________________
(١) ١) قال البهيقي في حديث المغيرة ان صح اسناده فهو على الاختيار قال وهو عن ابن عمر من فعله صحيح اه اذرعي
[ ١ / ٥١٧ ]
تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَهِيَ مِنْ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْخُفِّ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ بَاطِنِهِ الَّذِي يُلَاقِي بَشَرَةَ الرِّجْلِ وَقَوْلُهُ يُلَاقِي مَحَلَّ الْفَرْضِ احْتِرَازٌ مِنْ سَاقِ الْخُفِّ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ صَقِيلٌ يَعْنِي أَمْلَسَ رَقِيقًا وَقَوْلُهُ وَبِهِ قِوَامُ الْخُفِّ هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْكَسْرُ أَفْصَحُ أَيْ بَقَاؤُهُ وَقَوْلُهُ وخلق هو بفتح الخاء وبضم اللام وَفَتْحِهَا
وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَأَخْلَقَ أَيْضًا لُغَةٌ رابعة وقوله وأضربه يقال ضره وأضربه يُضِرُّهُ وَيَضُرُّ بِهِ فَإِذَا حُذِفَتْ الْبَاءُ كَانَ ثُلَاثِيًّا وَإِذَا ثَبَتَتْ كَانَ رُبَاعِيًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (الثَّالِثَةُ) فِي أَحْكَامِ الْفَصْلِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ قَالُوا وَكَيْفِيَّتُهُ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ لِكَوْنِهِ أَمْكَنَ وَأَسْهَلَ وَلِأَنَّ الْيَدَ الْيُسْرَى لِمُبَاشَرَةِ الْأَقْذَارِ وَالْأَذَى وَالْيُمْنَى لِغَيْرِ ذَلِكَ فَكَانَتْ الْيُسْرَى أَلْيَقَ بِأَسْفَلِهِ وَالْيُمْنَى بِأَعْلَاهُ وَأَمَّا الْعَقِبُ فَنَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِهِ كَذَا رَأَيْته فِيهِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ عَنْهُ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ اسْتِحْبَابَهُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَنَقَلَهُ القاضى أبو حامد والماوردي وغير هما عَنْ نَصِّهِ فِي مُخْتَصَرِ الطَّهَارَةِ الصَّغِيرِ: وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ عَنْ ظَاهِرِ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ وَظَاهِرُ نَصِّهِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ لَا يُمْسَحُ فَإِنَّهُ قَالَ يَضَعُ كَفَّهُ الْيُسْرَى تَحْتَ عَقِبِ الْخُفِّ وَكَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ ثُمَّ يُمِرُّ الْيُمْنَى إلَى سَاقِهِ وَالْيُسْرَى إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَحَدُهُمَا فِي اسْتِحْبَابِهِ قَوْلَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ وَجْهَانِ: وَدَلِيلُهُمَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ جَزَمَ كَثِيرُونَ الْقَطْعَ بِاسْتِحْبَابِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ وَتَأَوَّلَ نَصَّهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَضْعُ أَصَابِعِهِ تَحْتَ عَقِبِهِ وَرَاحَتِهِ عَلَى عَقِبِهِ وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَدَمَ اسْتِحْبَابِهِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا الْوَاجِبُ مِنْ الْمَسْحِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ جُزْءٍ مِنْ أَعْلَاهُ أَجْزَأَهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ أَسْفَلِهِ أَوْ بَعْضِ أَسْفَلِهِ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَيَجِبُ إعَادَةُ مَا صَلَّى بِهِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ عَنْ نَصِّهِ في الجامع الكبير وفي رواية موسى ابن ابي الجارود
[ ١ / ٥١٨ ]
وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَلِلْأَصْحَابِ ثَلَاثُ طُرُقٍ حَكَاهَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا أَحَدُهَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ أَسْفَلِهِ بِلَا خِلَافٍ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ ابن سُرَيْجٍ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ وَهِيَ الْمَذْهَبُ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وابن الصباغ قال ابن سريج لا يجزى ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي يُجْزِئُ قَوْلًا واحد وهو قول ابي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَزَعَمَ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ قَالَ وَغَلِطَ الْمُزَنِيّ فِي نَقْلِهِ ذَلِكَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا لِلشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا اسْتَنْبَطَهُ
الْمُزَنِيّ وَغَلِطَ فِي اسْتِنْبَاطِهِ وَتَأَوَّلَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ نَصَّهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَاطِنِ دَاخِلَ الْخُفِّ وَهُوَ مَا يَمَسُّ بَشَرَةَ الرِّجْلِ: وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ فِي إجْزَائِهِ قَوْلَانِ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ ابن أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَالصَّوَابُ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْقَطْعُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ نَقْلًا وَدَلِيلًا: أَمَّا النَّقْلُ فَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْكُتُبِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ خلافا واما دعوي ابي اسحق أَنَّ الْمُزَنِيَّ غَلِطَ فَغَلَّطَهُ أَصْحَابُنَا فِيهَا قَالُوا وَالْمُزَنِيُّ لَمْ يَسْتَنْبِطْ مَا نَقَلَهُ بَلْ نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ سَمَاعًا وَحِفْظًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ حِفْظِي عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ ان مسح الباطن وترك الظاهر لا يجوز ثُمَّ إنَّ الْمُزَنِيَّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ بَلْ وَافَقَهُ الْبُوَيْطِيُّ وَابْنُ أَبِي الْجَارُودِ وَنَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا الدَّلِيلُ فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ الاقتصار علي الاعلي عن البنى ﷺ وَلَمْ يَثْبُتْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَسْفَلِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الرُّخَصِ الِاتِّبَاعُ فَلَا يَجُوزُ غَيْرُ مَا ثَبَتَ التَّوْقِيفُ فِيهِ وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ كَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ قَالَ الشَّيْخُ أبوا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُمَا مَعْنَى كَلَامِ عَلِيٍّ ﵁ لَكَانَ مَسْحُ الْأَسْفَلِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ يُلَاقِي النَّجَاسَاتِ وَالْأَقْذَارَ لَكِنَّ الرَّأْيَ مَتْرُوكٌ بِالنَّصِّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يُرَى غَالِبًا فَلَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ كَالْبَاطِنِ الَّذِي يَلِي بَشَرَةَ الرِّجْلِ قَالُوا وَأَمَّا مَسْحُهُ مع الاعلي استحبابا فعلى طريق التبع للا على لِاتِّصَالِهِ بِهِ بِخِلَافِ الْبَاطِنِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِهِ خَارِقٌ
[ ١ / ٥١٩ ]
لِلْإِجْمَاعِ فَكَانَ بَاطِلًا وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يجزى الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَسْفَلِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا خالف أبو إسحق إجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ قَبْلَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
لَوْ مَسَحَ فَوْقَ كَعْبِهِ مِنْ الْخُفِّ أَوْ مَسَحَ بَاطِنَهُ الَّذِي يَلِي بَشَرَةَ الرِّجْلِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ حَرْفِ الْخُفِّ قَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ كَأَسْفَلِهِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ عَقِبِهِ فَفِيهِ طُرُقٌ
إحْدَاهَا أَنَّهُ كَأَسْفَلِهِ نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ وَالثَّانِي إنْ قُلْنَا يُجْزِئُ الْأَسْفَلُ فَالْعَقِبُ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ لِأَنَّ الْعَقِبَ أَقْرَبُ إلَى الْأَعْلَى ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَالثَّالِثُ إنْ قُلْنَا لَا يُجْزِئُ الْأَسْفَلُ فَالْعَقِبُ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ وَهُوَ ضَعِيفٌ: وَالرَّابِعُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إنْ قُلْنَا مَسْحُ الْعَقِبِ سُنَّةٌ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أحدهما لا يجزئ كالسباق والثاني يجرئ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ: وَالْخَامِسُ قَالَ الشَّاشِيُّ إنْ قُلْنَا مَسْحُهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ لَمْ يُجْزِئْ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ كَأَسْفَلِهِ: وَالسَّادِسُ الْجَزْمُ بِإِجْزَائِهِ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ قَالَ الرَّافِعِيُّ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ بِالْيَدِ وَبِأُصْبُعٍ وَبِخَشَبَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْمَسْحِ بِخِلَافِ الرَّأْسِ لِأَنَّ الْمَسْحَ هُنَا بَدَلٌ فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ بَلْ نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ التَّكْرَارَ مَكْرُوهٌ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ يُسَنُّ التَّكْرَارُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ ﵃ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا هُوَ المعتمد ولم يثبت في التكرار شئ فَلَا يُصَار إلَيْهِ
* (فَرْعٌ)
لَوْ غَسَلَ الْخُفَّ بَدَلَ مَسْحِهِ فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ جَوَازُهُ وَفِيهِ وَجْهٌ كَمَا سَبَقَ فِي الرَّأْسِ فَعَلَى الصَّحِيحِ هُوَ مَكْرُوهٌ وَتَقَدَّمَ فِي كَرَاهَةِ غَسْلِ الرَّأْسِ وَجْهَانِ وَسَبَقَ بَيَانُ الْفَرْقِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لَوْ غَسَلَ الْخُفَّ بَدَلَ مَسْحِهِ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ أَوْ قَطَّرَ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسِلْ أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَعِنْدَ الْقَفَّالِ لَا يُجْزِئُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الرَّأْسِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيمَا إذَا غَسَلَ الْخُفَّ أَوْ أَصَابَهُ الْمَطَرُ ونوى انه يجرئه (١) عن الحسن بن صالح وأصحاب
_________________
(١) قال في البيان فان اصاب الخف بلل المطر أو نضح عليه الماء قال الشيخ أبو نصر ليس للشافعي فيه نص والذي يجرى على مذهبه انه لا يجزيه على المسح قال أبو نصر لان ما فرضه المسح لا يجري منه الغسل كمسح الرأس قال صاحب البيان وعندي انها على وجهيني كغسل الرأس اه اذرعي
[ ١ / ٥٢٠ ]
الرأي وسفيان الثوري واسحق وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ﵄ لَا يُجْزِئُهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ
(فَرْعٌ)
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ قَصْدُ اسْتِيعَابِ الْخُفِّ لَيْسَ بِسُنَّةٍ بَلْ السُّنَّةُ مَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُ مِنْ مَسْحِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ وَأَطْلَقَ جُمْهُورُ الاصحاب استحباب استيعاب الخف المسح (١) مِمَّنْ أَطْلَقَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبُلْغَةِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ
* (فَرْعٌ)
لَوْ كَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ نَجِسًا بِنَجَاسَةٍ يُعْفَى عَنْهَا لَا يَمْسَحُ عَلَى (٢) أَسْفَلِهِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَسْحِ أَعْلَاهُ وَعَقِبِهِ وَمَا لَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الرُّويَانِيُّ لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَهُ زَادَ التَّلْوِيثُ وَلَزِمَهُ حِينَئِذٍ غَسْلُ الْيَدِ وَأَسْفَلِ الْخُفِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ مَسْحِ أَسْفَلِ الْخُفِّ وَفِي الْوَاجِبِ مِنْ أَعْلَاهُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ مَسْحِ أَسْفَلِهِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ أَقَلُّ جُزْءٍ مِنْ أَعْلَاهُ فَأَمَّا اسْتِحْبَابُ الْأَسْفَلِ فَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وابن المبارك واسحق
* وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَحْمَدَ ﵃ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ الْأَسْفَلِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ
* وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَبِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ ظَاهِرَ الْخُفِّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَجَوَابُهُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ فَلَا يُسَنُّ كَالسَّاقِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى أَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ وَبِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ لَكِنَّ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ وَلِأَنَّهُ بَارِزٌ مِنْ الْخُفِّ يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ فَسُنَّ مَسْحُهُ كَأَعْلَاهُ وَلِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ مُنْفَصِلٍ فَتَعَلَّقَ بِكُلِّ مَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ كَالْجَبِيرَةِ وَلِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ فَسُنَّ اسْتِيعَابُهُ كَالرَّأْسِ وَلِأَنَّهُ طَهَارَةٌ فَاسْتَوَى أَسْفَلُ الْقَدَمِ وَأَعْلَاهُ كَالْوُضُوءِ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الاقتصار عى أَقَلِّ مَا يُجْزِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَسْفَلِهِ ولكني رأيت رسول الله
_________________
(١) قال في الروضة وليس استيعاب جميعه سنة على اصح الوجهين اه من هامش الاذرعي (٢) الذي ذكره الامام والغزالي وغيرهما استثناء النجاسة من غير تقييد وحمل الرافعى ذلك علي انه تفريع علي القول القديم إذا أصاب اسفل الخف نجاسة ودلكها بالارض وكذا صور المسألة صاحب البحر وتخصيصه الاسفل بالذكر يدل علي ذلك وعلى مساق كلام المصنف لو كان على اسفل الخف نجاسة معفو عنها لا يستوعب مسح الاعلى أيضا اه أذرعي
[ ١ / ٥٢١ ]
ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى أَعْلَاهُ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَسْفَلِهِ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ اسْتِحْبَابِ الِاسْتِيعَابِ وَهَذَا كَمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نَفْيُ اسْتِحْبَابِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ بَيَانُ أَنَّ الِاسْتِيعَابَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى السَّاقِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَاذٍ لِلْفَرْضِ فَلَمْ يُسَنَّ مَسْحُهُ كَالذُّؤَابَةِ النازلة عن الرَّأْسِ بِخِلَافِ أَسْفَلِهِ فَإِنَّهُ مُحَاذٍ مَحَلَّ الْفَرْضِ فَهُوَ كَشَعْرِ الرَّأْسِ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ عَنْ محل الفرض: الثاني أن هذا منتفض بِمَسْحِ الْعِمَامَةِ (١) مَعَ النَّاصِيَةِ وَبِمَسْحِ الْأُذُنِ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ قَدْ يَكُونُ عَلَى أَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ نَجَاسَةٌ لَمْ يَمْسَحْ أَسْفَلَهُ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ جُزْءٍ مِنْ أَعْلَاهُ فَوَافَقَنَا عَلَيْهِ الثوري وأبو ثور وداود: وقال بو حَنِيفَةَ ﵁ يَجِبُ مَسْحُ قَدْرِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ: وَقَالَ أَحْمَدُ ﵁ يَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ ظَاهِرِهِ وَعَنْ مَالِكٍ مَسْحُ جَمِيعِهِ إلَّا مَوَاضِعَ الْغُضُونِ
* وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵃ وَأَقَلُّ الْأَصَابِعِ ثَلَاثٌ وَلِأَنَّهُ مَسَحَ فِي الطَّهَارَةِ لم يكف فِيهِ مُطْلَقُ الِاسْمِ كَمَا لَوْ بَلَّ شَعْرَةً وَوَضَعَهَا عَلَى الْخُفِّ وَلِأَنَّ مَنْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ لَا يُسَمَّى مَاسِحًا وَلِأَنَّ الْمَسْحَ وَرَدَ مُطْلَقًا فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِأَنَّهُ مَسَحَ فِي طَهَارَةٍ فَلَمْ يَكْفِ مُطْلَقُ الِاسْمِ كَمَسْحِ وَجْهِ الْمُتَيَمِّمِ
* وَاحْتَجَّ أصحابنا بان لامس وَرَدَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ
النَّبِيِّ ﷺ فِي تقدير واجبه شئ فتين الِاكْتِفَاءُ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَإِنْ قَالُوا لَمْ يُنْقَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى مُطْلَقِ الِاسْمِ قُلْنَا لَا يَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَى نَقْلٍ لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ إطْلَاقِ إبَاحَةِ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَإِنْ قَالُوا لَا يُسَمَّى ذَلِكَ مَسْحًا قُلْنَا هَذَا خِلَافُ اللُّغَةِ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِ الِاسْمِ عِنْدَهُمْ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ دَلَائِلهمْ فَكُلُّهَا تحكم لا أصل لشئ مِنْهَا: وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحْسَنُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَالثَّانِي لَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ: الثَّالِثُ أَنَّهُ قَالَ مَسَحَ بِأَصَابِعِهِ وَلَا يَقُولُونَ بِظَاهِرِهِ فَإِنْ تَأَوَّلُوهُ فَلَيْسَ تَأْوِيلُهُمْ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِنَا وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَإِنَّ قَوْلَ التَّابِعِيِّ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا لَا يَكُونُ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ هَذَا هُوَ الصحيح المشهور
*
_________________
(١) مسح العمامد لايرد على احمد فانه يجوز الاقتصار عليها اه اذرعي
[ ١ / ٥٢٢ ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ مَرْفُوعٌ مُرْسَلٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَالثَّانِي لَوْ كَانَ حُجَّةً لَحُمِلَ عَلَى النَّدْبِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَوْ مَسَحَ بِشَعْرَةٍ فَجَوَابُهُ إنْ سُمِّيَ ذَلِكَ مَسْحًا قُلْنَا بِجَوَازِهِ وَإِلَّا فَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا وَقَوْلُهُمْ لَا يسمى المسح بالاصبع مسحالا نُسَلِّمُهُ وَقَوْلُهُمْ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ التَّقْدِيرُ الَّذِي قَالُوهُ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى التَّيَمُّمِ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُ ذَا بِذَاكَ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى الِاسْتِيعَابِ هُنَاكَ دُونَ هُنَا فَتَعَيَّنَ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قال المصنف ﵀
* (إذا مسح علي الخف ثم خلعه أو انقضت مدة المسح وهو على طهارة المسح قَالَ فِي الْجَدِيدِ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ وَقَالَ فِي القديم يستأنف الوضوء واختلف اصحابنا في القولين فقال أبو اسحق هي مبنية علي القولين في تفريق الوضوء فان قلنا يجوز التفريق كفاه غسل القدمين وان قلنا لا يجوز لزمه استئناف الْوُضُوءِ وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا الْقَوْلَانِ أَصْلٌ فِي نفسه أحدهما يكفيه غسل القدمين لان
المسح قائم مقام غسل القدمين فإذا بطل المسح عاد الي ما قام المسح مقامه كالمتيمم إذا رأى الماء والثاني يلزمه استئناف الوضوء لان ما ابطل بعض الوضوء ابطل جميعه كالحدث) (الشرح) قوله قال أبو اسحق هِيَ مَبْنِيَّةٌ هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ أَيْ الْمَسْأَلَةُ وَلِلشَّافِعِيِّ ﵁ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ مُخْتَلِفَةٌ: قَالَ الْمُزَنِيّ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَإِنْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ مَسْحِهِمَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ قَالَ وَفِي الْقَدِيمِ وَكِتَابِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَتَوَضَّأُ هَذَا نَقْلُ الْمُزَنِيِّ وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مَنْ مَسَحَ خُفَّيْهِ ثُمَّ نَزَعَهُمَا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ الْوُضُوءَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَطْ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةِ الْمَسْحِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ غَسَلَهُمَا بِقُرْبِ نَزْعِهِ أَوْ بَعْدَهُ مَا لَمْ ينتقض وُضُوءُهُ هَذَا نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَقَالَ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْمَسْحَ إذَا أَخْرَجَ إحْدَى قَدَمَيْهِ أَوْ هُمَا مِنْ الْخُفِّ بَعْدَ مَسْحِهِ فَقَدْ انْتَقَضَ الْمَسْحُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَقَالَ فِي الْأُمِّ أَيْضًا فِي بَابِ وَقْتِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ أَوْ قَدِمَ بَلَدَهُ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَاسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ لَا يُجْزِيه غَيْرُ ذَلِكَ قَالَ وَلَوْ كَانَ الْمُسَافِرُ قَدْ اسْتَكْمَلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ فَنَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ إكْمَالِ الصَّلَاةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ وُضُوءًا ثُمَّ يصلى تلك الصلاة
* ثم قال بعده با سطر وَإِذَا شَكَّ الْمُقِيمُ هَلْ اسْتَكْمَلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَمْ لَا نَزَعَ خُفَّيْهِ وَاسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ وَقَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي ليلى ﵄ من كتب الْأُمِّ أَيْضًا إذَا صَلَّى وَقَدْ مَسَحَ
[ ١ / ٥٢٣ ]
خُفَّيْهِ ثُمَّ نَزَعَهُمَا أَحْبَبْتُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ الْوُضُوءَ فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ جَازَ فَهَذِهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ نَقَلْتُهَا وَنَقَلَ الْأَصْحَابُ وَالْمُزَنِيُّ عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّهُ يَكْفِيه غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ وَخَالَفَهُمْ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ فَنَقَلَا وُجُوبَ الِاسْتِئْنَافِ عَنْ الْقَدِيمِ وَالْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ وَحَرْمَلَةَ وَنَقَلَا جَوَازَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ وَكِتَابِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى هَذِهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا وُجُوبُ الِاسْتِئْنَافِ وَالثَّانِي يَكْفِي غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَصْلِهِمَا عَلَى سِتِّ طُرُقٍ أَحَدُهَا أَنَّ أَصْلَهُمَا تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ إنْ جَوَّزْنَاهُ كَفَى غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ وَإِلَّا وَجَبَ
الِاسْتِئْنَافُ وَهَذَا الطَّرِيقُ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وأبي اسحق وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وجمهور البغداديين: والطريق الثاني القولان أصل بنفسه غير مبنى على شئ وهذا الطريق نقله المصنف وغيره عن الْجُمْهُورِ: وَالثَّالِثُ هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ طَهَارَةَ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ إذَا اُنْتُقِضَتْ هَلْ يَنْتَقِضُ الْبَاقِي إنْ قُلْنَا يَنْتَقِضُ وَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَإِلَّا كَفَى الْقَدَمَانِ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ: وَالرَّابِعُ هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ إنْ قُلْنَا نَعَمْ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ لِأَنَّ الْحَدَثَ عَادَ إلَى الرِّجْلِ فَيَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَرْفَعُ كَفَى الْقَدَمَانِ وَهَذَا الطَّرِيقُ مَشْهُورٌ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ: وَالْخَامِسُ أَنَّهُمَا مُرَتَّبَانِ وَمَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ عَلَى غَيْرِ مَا سَبَقَ فَإِنْ جَوَّزْنَا التَّفْرِيقَ كَفَى الْقَدَمَانِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ: وَالسَّادِسُ عَكْسُهُ إنْ مَنَعْنَا التَّفْرِيقَ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ حَكَى هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَاخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَرْجَحِ هَذِهِ الطُّرُقِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الصَّحِيحُ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْبِنَاءُ على تفريق الوضوء: وقال الخراسانيين هَذَا الطَّرِيقُ غَلَطٌ صَرِيحٌ مِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ شَيْخُهُمْ الْقَفَّالُ وَأَصْحَابُهُ الثَّلَاثَةُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الطَّرِيقُ غَلَطٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَاحْتَجُّوا فِي تَغْلِيطِهِ بِأَشْيَاءَ: أَحَدُهَا أَنَّ التَّفْرِيقَ لَا يَضُرُّ فِي الْجَدِيدِ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ نَصَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيدِ كَمَا سَبَقَ: وَالثَّانِي أَنَّ التَّفْرِيقَ بِعُذْرٍ لَا يَضُرُّ وَانْقِضَاءُ الْمُدَّةِ عُذْرٌ
* الثَّالِثُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَانِ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ الْخُفَّ ثُمَّ خَلَعَهُ قَبْلَ جَفَافِ
[ ١ / ٥٢٤ ]
الْأَعْضَاءِ جَرَى الْقَوْلَانِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّفْرِيقِ لَا يَضُرُّ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ: وَفَرَّقَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ بَيْنَ التَّفْرِيقِ هُنَا وهناك بان ما سح الْخُفِّ إذَا نَزَعَهُ بَطَلَتْ طَهَارَةُ الْقَدَمَيْنِ وَالطَّهَارَةُ إذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَتْ كُلُّهَا فَلِهَذَا جَرَى الْقَوْلَانِ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ: وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ الوضوء تفريقا يسيرا فلم يبطل شئ مِمَّا فَعَلَ فَلِهَذَا جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ
بِلَا خِلَافٍ وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا نَصَّ فِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ الْجَدِيدِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِئْنَافِ لَا عَلَى وُجُوبِهِ وَهَذَا الْجَوَابُ فَاسِدٌ لِأَنَّ الِاسْتِئْنَافَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ كِتَابِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ كَالْأُمِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ: وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ التَّفْرِيقَ بِعُذْرٍ لَا يَضُرُّ فَلَا يُسَلِّمُهُ الْعِرَاقِيُّونَ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ: وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ نَزَعَ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُسَلِّمُهُ صَاحِبُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَقَالَ الْقَفَّالُ وَسَائِرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالْمَحَامِلِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَصَحُّ الطُّرُقِ الْبِنَاءُ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ (١) وَضَعَّفَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبُهُ الشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ الْبِنَاءَ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَقَالُوا الْأَصَحُّ أَنَّهُمَا أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَاخْتَارَ الدَّارِمِيُّ الطَّرِيقَ السَّادِسَ فَهَذِهِ طُرُقُ الْأَصْحَابِ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي أَرْجَحِهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ (٢) وا ما أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ وُجُوبَ الِاسْتِئْنَافِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابِهِ وَسُلَيْمٌ الرازي في كتابه رؤس الْمَسَائِلِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي كِتَابَيْهِ الِانْتِخَابِ وَالتَّهْذِيبِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ كَالْمُقْنِعِ لِلْمَحَامِلِيِّ وَالْكِفَايَةِ لَسُلَيْمٍ الرَّازِيِّ وَالْكَافِي لِلشَّيْخِ نَصْرٍ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الِاكْتِفَاءَ بِالْقَدَمَيْنِ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ التَّحْرِيرِ وَالْبُلْغَةِ وَالشَّاشِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَالرَّافِعِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْإِقْنَاعِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِ لِيَخْرُج مِنْ الْخِلَافِ
* ثُمَّ إذَا قُلْنَا يَكْفِيه غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ فَغَسَلَهُمَا عَقِبَ النَّزْعِ أَجْزَأَهُ فان أخر غلسهما حَتَّى طَالَ الزَّمَانُ فَفِيهِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وهو واضح ويجئ حِينَئِذٍ الْخِلَافُ فِي التَّفْرِيقِ بِعُذْرٍ هَلْ يُؤَثِّرُ أَمْ لَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* هَذَا كُلُّهُ إذَا خَلَعَ الْخُفَّيْنِ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةِ الْمَسْحِ فَإِنْ كان على طهارة الغسل بأن كان
_________________
(١) جزم المحاملي في الباب بان المسح لا يرفع الحدث وكذا الشيخ أبو حامد اه اذرعي (٢) قد صحح الشيخ أبو حامد الطريق الاول وهذا يقتضي تصحيح الاكتفاء بالقدمين وصحيح البهيقي في السنن الصغير وجوب الاستئناف واختار الشيخ في آخر الفصل مذهب الحسن وغيره انه لا شئ عليه لا غسل القدمين ولا غيره واختاره ابن المنذر وهو قوى لان طهارته صحيحة فلا تبطل الا بالحدث كالوضوء اه اذرعي
[ ١ / ٥٢٥ ]
غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ فَطَهَارَتُهُ كَامِلَةٌ وَلَا يلزمه شي بِلَا خِلَافٍ بَلْ يُصَلِّي بِطَهَارَتِهِ مَا أَرَادَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ يَسْتَأْنِفُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَدِيدِ الِاسْتِئْنَافُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِي الْجَدِيدِ قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ وَقَوْلُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو إسحق هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا الْقَوْلَانِ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ هَذَا مِمَّا يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ قَوْلَهُ سَائِرُ أَصْحَابِنَا معناه بالقيهم غير أبي اسحق فهو تصريح بان أبا اسحق انْفَرَدَ وَاتَّفَقَ الْبَاقُونَ عَلَى خِلَافِهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِ أَبِي اسحق ابن سريج وأبو علي بن أبي هريرة وَالْبَغْدَادِيُّونَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَلَا يُعْذَرُ الْمُصَنِّفُ فِي مِثْلِ هَذَا لِأَنَّهُ مَشْهُورٌ مَوْجُودٌ فِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَهُوَ كَثِيرُ النَّقْلِ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا ظَهَرَتْ الرجل انقضت الْمُدَّةُ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا سَبَقَ فِي نَصِّهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالُوا ولا يجئ فِيهِ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ فِي سَبْقِ الْحَدَثِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي لِأَنَّ هَذَا مُقَصِّرٌ بِمُضَايَقَةِ الْمُدَّةِ وَتَرْكِ تَعَهُّدِ الْخُفِّ بِخِلَافِ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ ودليل بطلان صلاته ان طهارته بطلت فِي رِجْلَيْهِ وَوَجَبَ غَسْلُهَا بِلَا خِلَافٍ وَفِي الْبَاقِي الْقَوْلَانِ
* (فَرْعٌ)
إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ مُدَّةِ الْمَسْحِ قَدْرٌ يَسَعُ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فَافْتَتَحَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فَهَلْ يَصِحُّ الِافْتِتَاحُ ثُمَّ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَمْ لَا تَصِحُّ أَصْلًا فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ قَالَ وَفَائِدَتُهُمَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ غَيْرُهُ ثُمَّ فَارَقَهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ هَلْ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ فِيهِ الْوَجْهَانِ (١) (قُلْت) وَفَائِدَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ نَافِلَةً ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رَكْعَةٍ وَيُسَلِّمَ إنْ قُلْنَا انْعَقَدَتْ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَالْأَصَحُّ الِانْعِقَادُ لِأَنَّهُ عَلَى طَهَارَةٍ فِي الْحَالِ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ انْعِقَادُ صَلَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ أَوْ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةِ الْمَسْحِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي مَذْهَبِنَا قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا يَكْفِيه غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ وَالثَّانِي يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَلِلْعُلَمَاءِ
أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا يَكْفِيه غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ﵃
* وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ أبي ليلى والاوزاعي
_________________
(١) الخلاف في صحة الاقتداء هو في العالم بحاله اما الجاهل فيصح اقتداؤه كما لو اقتدى بمحدث وقد قيده بالعالم في الروضة ولعله تركه هنا لان قوله ثم فارقه يشعر بان كلامه في العالم اه اذرعي
[ ١ / ٥٢٦ ]
والحسن بن صالح واسحق وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ﵁: الثَّالِثُ إنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ عَقِبَ النَّزْعِ كَفَاهُ وَإِنْ أَخَّرَ حَتَّى طَالَ الْفَصْلُ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ: الرَّابِعُ لَا شئ عَلَيْهِ لَا غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ وَلَا غَيْرَهُ بَلْ طَهَارَتُهُ صَحِيحَةٌ يُصَلِّي بِهَا مَا لَمْ يُحْدِثْ كَمَا لَوْ لَمْ يَخْلَعْ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ الْأَقْوَى وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ دَاوُد إلَّا أَنَّهُ قَالَ يَلْزَمُهُ نَزْعُهُمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِمَا وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ تُعْرَفُ أَدِلَّتُهَا مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ وَجَرَى فِي خِلَالِ الشَّرْحِ إلَّا مَذْهَبَ الْحَسَنِ فَاحْتُجَّ لَهُ بِأَنَّ طَهَارَتَهُ صَحِيحَةٌ فَلَا تَبْطُلُ بِلَا حَدَثٍ كَالْوُضُوءِ وَأَمَّا نَزْعُ الْخُفِّ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ صِحَّتِهَا كَمَا لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْأَصْلُ غَسْلُ الرِّجْلِ وَالْمَسْحُ بَدَلٌ فَإِذَا زَالَ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا نَزَعَ أَحَدَ خُفَّيْهِ فَهُوَ كَنَزْعِهِمَا وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ ﵃ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُمَا قَالَا يَغْسِلُ الَّتِي نَزَعَ خُفَّهَا وَيَمْسَحُ عَلَى خُفِّ الْأُخْرَى: دَلِيلُنَا أَنَّهُمَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهِمَا فَصَارَ ظُهُورُ أَحَدِهِمَا كَظُهُورِهِمَا وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ أَخْرَجَ الرِّجْلَيْنِ مِنْ قَدَمِ الْخُفِّ إلَى السَّاقِ لَمْ يَبْطُلْ الْمَسْحُ عَلَى الْمَنْصُوصِ لِأَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ الرِّجْلُ مِنْ الْخُفِّ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ يَبْطُلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا الْقَاضِي
أَبِي الطيب لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْمَسْحِ تَتَعَلَّقُ بِاسْتِقْرَارِ الْقَدَمِ فِي الْخُفِّ وَلِهَذَا لَوْ بَدَأَ بِاللُّبْسِ فَأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الرِّجْلُ قَدَمَ الْخُفِّ ثُمَّ أَقَرَّهَا لم يجز)
* (الشَّرْحُ) نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ مَنْ بَدَأَ بِاللُّبْسِ فَأَحْدَثَ قَبْلَ بُلُوغِ الرِّجْلِ قَدَمَ الْخُفِّ لَمْ يَصِحَّ لُبْسُهُ ولا يستبيح المسح ونص أن لا بس الْخُفَّيْنِ لَوْ نَزَعَ الرِّجْلَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا مِنْ قَدَمِ الْخُفِّ وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ السَّاقِ ثُمَّ رَدَّهَا لَمْ يَبْطُلْ مَسْحُهُ وَنَصَّ عَلَى هَذِهِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا فِي الْقَدِيمِ هَكَذَا
* فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَالْمَذْهَبُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ إلَّا وَجْهًا شَاذًّا قَدَّمْنَاهُ حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي فَصْلِ اللبس عى طَهَارَةٍ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَفِيهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ الْأَصَحُّ أَيْضًا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَالْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَسْحُهُ وَبِهِ قَطَعَ المحاملى
[ ١ / ٥٢٧ ]
فِي كِتَابَيْهِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ (١) وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَسُلَيْمٌ عَنْ شَيْخِهِمَا أَبِي حَامِدٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ فِي رؤس المسائل والدارمى في الاستذكار والشاشى وغيرهم فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ الْجَدِيدُ يَبْطُلُ مَسْحُهُ وَالْقَدِيمُ لَا يَبْطُلُ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ لَا يَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَبْطُلُ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ وَسَلَكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ طَرِيقَةً لَمْ يَذْكُرْهَا الْجُمْهُورُ فَقَالَ كَانَ شَيْخِي يَنْقُلُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَابِسَ الْخُفِّ لَوْ نَزَعَ رِجْلًا مِنْ مَقَرِّهَا وَأَنْهَاهَا مِنْ مَقَرِّهَا إلَى السَّاقِ فَهُوَ نَازِعٌ وَإِنْ بقي منها شئ فِي مَقَرِّ الْقَدَمِ وَهُوَ مَحَلُّ فَرْض الْغَسْلِ فَلَيْسَ نَازِعًا فَإِذَا رَدَّ الْقَدَمَ فَاللُّبْسُ مُسْتَدَامٌ وَلَا يَضُرُّ مَا جَرَى: قَالَ الْإِمَامُ وَلَمْ أَرَ فِي الطُّرُقِ مَا يُخَالِفُ هَذَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ: وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا بِفَرْقَيْنِ أَحَدُهُمَا فَرْقُ جَمْعٍ وَهُوَ أَنَّا عَمِلْنَا بِالْأَصْلِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاسْتَدَمْنَا مَا كَانَتْ الرِّجْلُ عَلَيْهِ قَالُوا وَنَظِيرُهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَا يَحْنَثُ إلَّا بِانْفِصَالِ جَمِيعِهِ دُخُولًا أَوْ خُرُوجًا الثَّانِي أَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ كَمَا تَقُولُ الْإِحْرَامُ وَالْعِدَّةُ يَمْنَعَانِ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ دُونَ دَوَامِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ زَلْزَلَ الرِّجْلَ فِي الْخُفِّ وَلَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ الْقَدَمِ لَمْ يَبْطُلْ مَسْحُهُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ خَرَجَ مِنْ أعلا الخف شئ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ
بَطَلَ الْمَسْحُ بِلَا خِلَافٍ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَلَوْ كَانَ الْخُفُّ طَوِيلًا خَارِجًا عَنْ الْعَادَةِ فَأَخْرَجَ رِجْلَهُ إلَى مَوْضِعٍ لو كان الخف معتادا لبان شئ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ بَطَلَ مَسْحُهُ يَعْنِي بِلَا خِلَافٍ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَصْحَابُنَا إبْطَالَ الْمَسْحِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حنيفة والثوري واحمد واسحق ﵃ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ لَا يَبْطُلُ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَ الْجَمِيعِ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ من النجاسة وذكر الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ مَسَحَ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ وَقُلْنَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ثُمَّ نَزَعَ الْجُرْمُوقَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْجُرْمُوقَ كَالْخُفِّ الْمُنْفَرِدِ فَإِذَا نَزَعَهُ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَيَمْسَحُ رأسه وَيَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالثَّانِي لَا يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ فَعَلَى هَذَا يَكْفِيه الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّ نَزْعَ الْجُرْمُوقِ لَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّ الْجُرْمُوقَ مَعَ الْخُفِّ تَحْتَهُ بِمَنْزِلَةِ الظِّهَارَةِ مَعَ البطانة ولو تقلعت الظِّهَارَةُ بَعْدَ الْمَسْحِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي طَهَارَتِهِ: الطريق الثالث ان الجرموق فوق الخف
_________________
(١) لكن الشيخ أبو محمد في الفروق انما صور المسألة فيما إذا أخرج بعض قدمه إلى الساق ومقتضاه انه إذا أخرج جميعه إلى الساق بطل مسحه كما نقل عن الامام وذكره المصنف هنا عنه اه من هامش الاذرعي
[ ١ / ٥٢٨ ]
كَالْخُفِّ فَوْقَ اللِّفَافَةِ فَعَلَى هَذَا إذَا نَزَعَ الْجُرْمُوقَ نَزَعَ الْخُفَّ كَمَا يَنْزِعُ اللِّفَافَةَ وَهَلْ يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ أَمْ يَقْتَصِرُ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ فيه قولان) (الشَّرْحُ) هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَذْهَبِ لَكِنَّ بعض الاصحاب يسميها طرقا وبعضهم يسميها أو جها وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ ذَكَرَهَا ابْنُ سُرَيْجٍ وَاتَّفَقَ الْخُرَاسَانِيُّونَ عَلَى نَقْلِهَا عَنْهُ وَنَقَلَهَا عَنْهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا مَعَ شَرْحِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مُوَضَّحًا فِي مَسَائِلِ مَسْحِ الْجُرْمُوقَيْنِ وَأَوْرَدَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ فَقَالَ هَذَا بَاطِلٌ بَلْ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَدِيمِ وَفِي الْقَدِيمِ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ فَأَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ وُجُوبِ
اسْتِئْنَافِ الطَّهَارَةِ بِنَزْعِ الْخُفَّيْنِ وَلَا يَرْجِعُ عَنْ مَسْحِ الْجُرْمُوقِ فَيَصِحُّ أَنْ يُخَرَّجُ فِيهِ الْقَوْلَانِ قُلْت هَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ وَلَكِنْ يُجَابُ بِجَوَابَيْنِ حَسَنَيْنِ أَجْوَدُهُمَا أَنَّ جَوَازَ مَسْحِ الْجُرْمُوقِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْقَدِيمِ بَلْ هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَجَمِيعُ الْأَصْحَابِ وَالْإِمْلَاءُ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ وَالثَّانِي (١) أَنَّ ذَلِكَ مُتَصَوَّرٌ عَلَى الْقَدِيمِ أَيْضًا فِيمَا إذَا نَزَعَ الْجُرْمُوقَ عَقِبَ الْمَسْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ: إحْدَاهَا قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ مَسْحُ الْخُفِّ لمن لا يحتاج الي شى كَزَمِنٍ وَامْرَأَةٍ تُلَازِمُ بَيْتَهَا وَمُلَازِمٍ لِلرُّكُوبِ وَغَيْرِهِ: (الثَّانِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا سَلِيمُ الرِّجْلَيْنِ لَوْ لَبِسَ خفا في احداها لا يصح مسح وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا رِجْلٌ وَاحِدَةٌ جَازَ الْمَسْحُ عَلَى خُفِّهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ بَقِيَتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى بَقِيَّةٌ لَمْ يَصِحَّ الْمَسْحُ حَتَّى يَسْتُرَهَا بِمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا جميع فَلَوْ كَانَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلِيلَةً بِحَيْثُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا فَلَبِسَ الْخُفَّ فِي الصَّحِيحَةِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِصِحَّةِ الْمَسْحِ وَقَطَعَ صَاحِبُ الْبَيَانِ بِمَنْعِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَنْ الرِّجْلِ الْعَلِيلَةِ فَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ (الثَّالِثَةُ) مَسْحُ الْخُفِّ هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ قَوْلَيْنِ وَحَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهَيْنِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ هُمَا قَوْلَانِ مُسْتَنْبَطَانِ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ ويؤيد كونهما قولين انهم
_________________
(١) هذا الثاني صحيح ان لم يسلم جريان القولين في نازع الخفين عقب المسح كما سبق والا فلا يصح إذ يجب الاستئناف على القديم كما سبق على انه لا يتصور جريان القولين في نازع الجرموقين أو الخفين على القديم وان تصور الاقتصاد على القدمين بل ان نزع عقب المسح اقتصر على القدمين وان طالت المدة وجب الاستئناف وهذا مذهب مالك والليث كما سبق اه اذرعي
[ ١ / ٥٢٩ ]
بَنَوْا مَسْأَلَةَ مَنْ نَزَعَ الْخُفَّيْنِ هَلْ يَسْتَأْنِفُ أَمْ يَكْفِيه غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ يرفع الحدت أم لا ولولا انهما قولان لم يصح البناء إذا كَيْفَ يُبْنَى قَوْلَانِ عَلَى وَجْهَيْنِ: ثُمَّ اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَخَالَفَهُمْ الْجُرْجَانِيُّ فَقَالَ فِي التَّحْرِيرِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا أَنَّهُ طهارة تبطل بظهور الاصل فلم ترفع الحدث كالمتيمم وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ قَائِمٌ مَقَامَ الْغَسْلِ فَلَمْ يَرْفَعْ كَالتَّيَمُّمِ وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ وَحُجَّةٌ الْأَصَحِّ فِي أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَنَّهُ مَسْحٌ بِالْمَاءِ فَرَفَعَ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرَائِضَ وَلَوْ كَانَ لَا يَرْفَعُ لَمَا جُمِعَ بِهِ فَرَائِضُ كَالتَّيَمُّمِ وَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الرَّابِعَةُ) إذَا لَبِسَ الْخُفَّ وَهُوَ يُدَافِعُ الْحَدَثَ لَمْ يُكْرَهُ وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ بَالَ: وَقَالَ أَحْمَدُ ابن حَنْبَلٍ ﵁ يُكْرَهُ كَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَدَلِيلُ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ أَنَّ إبَاحَةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ مُطْلَقَةٌ وَلَمْ يَثْبُتْ نَهْيٌ وَيُخَالِفُ الصَّلَاةَ فَإِنَّ مُدَافَعَةَ الْحَدَثِ فِيهَا يُذْهِبُ الْخُشُوعَ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لُبْسُ الْخُفِّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ وَأَرْهَقَهُ حَدَثٌ وَوَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه لِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرَأْسِهِ دُونَ رِجْلَيْهِ وَوَجَدَ خُفًّا يُمْكِنُهُ لُبْسُهُ وَمَسْحُهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَظْهَرُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ وَقَدْ عَبَّرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ عَنْ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ بِالتَّرَدُّدِ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ وَجْهَانِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مَبْسُوطَةً حَيْثُ ذكراها إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: (الْخَامِسَةُ) أُنْكِرَ عَلَى الْغَزَالِيِّ ﵀ قَوْلُهُ مَسْحُ الْخُفِّ يُبِيحُ الصَّلَاةَ إلَى إحْدَى غَايَتَيْنِ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَضَرًا وَثَلَاثَةٍ سَفَرًا وَتَرَكَ غَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَهُمَا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلُ جَنَابَةٍ وَحَيْضٍ وَنَحْوِهِمَا أَوْ دَمِيَتْ رِجْلُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ غَسْلُهَا فِي الْخُفِّ وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا وَأُنْكِرَ عَلَيْهِ وعلى المزني أشياء سبق مُفَرَّقَةً فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ الْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وله الحمد والمنة
*
[ ١ / ٥٣٠ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
*