* قال المصنف ﵀
* (سجود التلاوة مشروع للقارى والمستمع لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بسجدة كبر وسجد وسجدنا " فان ترك القارى سجد المستمع لانه توجه عليهما فلا يتركه أحدهما بترك الآخر وأما من سمع القارئ وهو غير مستمع إليه فقال الشافعي لا أؤكد عليه كما أؤكد على المستمع لما روي عن عثمان وعمران ابن الحصين ﵃ السجدة علي من استمع وعن ابن عباس ﵄ السجدة لمن جلس لها وهو سنة غير واجب لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ " عرضت النجم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلم يسجد منا أحد ")
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ إلَّا قَوْلَهُ كَبَّرَ فَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمَا وَهَذَا اللَّفْظُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَإِسْنَادُهَا ضَعِيفٌ: وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بن ثابت فرواه البخاري ومسلم بمعناه لفظ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ زَيْدٍ قَالَ " قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا " وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ " أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا ": وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَصَحِيحٌ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَكَذَا الْأَثَرَانِ عَنْ عُثْمَانَ وَعِمْرَانَ ذَكَرَهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فسجود التلاوة سنة للقارى وَالْمُسْتَمِعِ بِلَا خِلَافٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَارِئُ فِي صَلَاةٍ أَمْ لَا وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ ضَعِيفٍ لَا يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ لِقِرَاءَةِ مُصَلٍّ غَيْرَ إمَامِهِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَسَوَاءٌ سَجَدَ الْقَارِئُ أَمْ لَمْ يَسْجُدْ يُسَنُّ لِلْمُسْتَمِعِ أَنْ يَسْجُدَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ لَا يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ إذَا لَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ اسْتَمَعَ إلَى قِرَاءَةِ مُحْدِثٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ صَبِيٍّ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ اسْتِحْبَابُ السُّجُودِ لِأَنَّهُ اسْتَمَعَ سَجْدَةً: (وَالثَّانِي) لَا لِأَنَّهُ كَالتَّابِعِ لِلْقَارِئِ: وَأَمَّا الَّذِي لَا يَسْتَمِعُ لَكِنْ يَسْمَعُ بِلَا إصْغَاءٍ وَلَا قَصْدٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ وَلَا يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ تَأَكُّدَهُ فِي حَقِّ الْمُسْتَمِعِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ كَالْمُسْتَمِعِ: (وَالثَّالِثُ) لَا يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ
*
(فَرْعٌ)
المصلي إذا كَانَ مُنْفَرِدًا سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ فَلَوْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فَلَمْ يَسْجُدْ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَسْجُدَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِالْفَرْضِ فَلَا يَتْرُكُهُ لِلْعَوْدِ إلَى سُنَّةٍ وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ زَائِدًا رُكُوعًا فَلَوْ بَدَا لَهُ قَبْلَ بُلُوغِ
[ ٤ / ٥٨ ]
حد الراكعين جَازَ وَلَوْ هَوَى لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ جَازَ كَمَا لَوْ قَرَأَ بَعْضَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُتِمَّهُ جَازَ بِلَا شَكٍّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي الْإِصْغَاءُ إلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ فَإِنْ أَصْغَى الْمُنْفَرِدُ لِقِرَاءَةِ قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْجُدَ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ هَذَا الْإِصْغَاءِ فَإِنْ سَجَدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي إمَامًا فَهُوَ كَالْمُنْفَرِدِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُكْرَهُ لَهُ قِرَاءَةُ آيَةِ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ كَانَتْ صَلَاةً جَهْرِيَّةً أَوْ سِرِّيَّةً هَذَا مَذْهَبُنَا وَسَنَذْكُرُ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذَا سَجَدَ الْإِمَامُ لَزِمَ الْمَأْمُومَ السُّجُودُ مَعَهُ فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ لِتَخَلُّفِهِ عَنْ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ الْمَأْمُومُ فَإِنْ خَالَفَ وَسَجَدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ سَلَامِهِ لِيَتَدَارَكَهَا وَلَا يَتَأَكَّدُ وَلَوْ سَجَدَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُومُ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ لِأَنَّهُ تَخَلَّفَ بِعُذْرٍ وَلَكِنْ لَا يَسْجُدُ فَلَوْ عَلِمَ وَالْإِمَامُ بَعْدُ فِي السُّجُودِ لَزِمَهُ السُّجُودُ وَلَوْ هَوَى الْمَأْمُومُ لِيَسْجُدَ مَعَهُ فَرَفَعَ الْإِمَامُ وَهُوَ فِي الْهَوِيِّ رَجَعَ مَعَهُ وَلَمْ يسجد وكذا الضعيف البطئ الْحَرَكَةِ الَّذِي هَوَى مَعَ الْإِمَامِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ انْتِهَائِهِ إلَى الْأَرْضِ لَا يَسْجُدُ بَلْ يَرْجِعُ مَعَهُ بِخِلَافِ سُجُودِ نفس الصلاة فانه لابد أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَإِنْ رَفَعَ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ فَرْضٌ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيُكْرَهُ لَهُ قِرَاءَةُ السَّجْدَةِ وَيُكْرَهُ لَهُ أَيْضًا الْإِصْغَاءُ إلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ كَمَا سَبَقَ فَلَوْ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ أَوْ لِقِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ سُجُودًا عَمْدًا * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وَسَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ سَجْدَةٌ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (ويسبحونه وله يسجدون) وَسَجْدَةٌ فِي الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷾ (بالغدو والاصال) وَسَجْدَةٌ فِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (وَيَفْعَلُونَ ما يؤمرون) وَسَجْدَةٌ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (ويزيدهم خشوعا) وَسَجْدَةٌ فِي مَرْيَمَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (خَرُّوا سجدا وبكيا) وَسَجْدَتَانِ فِي الْحَجِّ: (إحْدَاهُمَا) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (ان الله يفعل ما يشاء): (وَالثَّانِيَةُ) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تفلحون) وَسَجْدَةٌ فِي الْفُرْقَانِ
عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (وَزَادَهُمْ نفورا) وَسَجْدَةٌ فِي النَّمْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (رَبُّ العرش العظيم) وَسَجْدَةٌ فِي الم تَنْزِيلُ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (وهم لا يستكبرون) وَسَجْدَةٌ فِي حم السَّجْدَةُ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (وهم لا يسئمون) وَثَلَاثُ سَجَدَاتٍ فِي الْمُفَصَّلِ (إحْدَاهَا) فِي آخِرِ النجم (فاسجدوا لله واعبدوا): (والثانية) في (إذا السماء انشقت) (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون): (والثالثة) في آخر اقرأ (واسجد واقترب) وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ قَالَ " أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
[ ٤ / ٥٩ ]
خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَفِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ " وَفِي الْقَدِيمِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً وَأَسْقَطَ سَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " لم يسجد في شئ مِنْ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَدِينَةِ ")
* (الشَّرْحُ) حديث عمرو رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَذْهَبُنَا أَنَّ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ هَذِهِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَفِي الْقَدِيمِ أَنَّهَا احدي عشرة كما حكاه المنصف وَهَذَا الْقَدِيمُ ضَعِيفٌ فِي النَّقْلِ وَدَلِيلُهُ بَاطِلٌ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَمَوَاضِعُ السَّجَدَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ المصنف ولا خلاف في شئ مِنْهَا إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
سَجْدَةُ حم السَّجْدَةُ فِيهَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَصَحُّهُمَا عِنْدَ يَسْأَمُونَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ:
(وَالثَّانِي)
أَنَّهَا عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَصْحَابِ ابن مسعود وابراهيم والنخعي وَأَبِي صَالِحٍ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَزَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ ﵃ وَحَكَى الْأَوَّلَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ سِيرِينَ أَيْضًا وَأَبِي وَائِلٍ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ ﵏ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ: الْمَوْضِعُ الثَّانِي سَجْدَةُ النَّمْلِ الصَّوَابُ أَنَّهَا عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (رَبُّ العرش العظيم) كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَشَذَّ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْكِفَايَةُ هي عند قوله تعالي (ويعلم ما يخفون وما يعلنون) قَالَ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ هِيَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (رَبُّ
الْعَرْشِ العظيم) وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ الْعَبْدَرِيُّ وَنَقْلُهُ عَنْ مَذْهَبِنَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
* قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وَأَمَّا سَجْدَةُ ص فَهِيَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى (وخر راكعا وأناب) وَلَيْسَتْ مِنْ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ وَإِنَّمَا هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ قَالَ " خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَرَأَ ص فَلَمَّا مر بالسجدة تشزنا بالسجود فلما رآنا قَالَ " إنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ " وَلَكِنْ قَدْ اسْتَعْدَدْتُمْ لِلسُّجُودِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ " وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " سَجَدَهَا نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُد تَوْبَةً وَسَجَدْنَاهَا شُكْرًا " فَإِنْ قَرَأَهَا فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ فِيهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ فَبَطَلَتْ بِهَا الصَّلَاةُ كَالسُّجُودِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ: (وَالثَّانِي) لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالتِّلَاوَةِ فَهِيَ كَسَائِرِ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ)
*
[ ٤ / ٦٠ ]
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البخاري وقوله نشزنا هو بتاء مثناة فوق ثم شين الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ زَايٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ نُونٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْضًا أَيْ تَهَيَّأْنَا وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا سَجْدَةُ ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ مَعْنَاهُ لَيْسَتْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ وَلَكِنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أبو العباس ابن سريج وابو اسحق الْمَرْوَزِيُّ هِيَ سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَقَرَأَهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَسْجُدَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّابِقِ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي ص رَوَاهُ (١) وَإِنْ قَرَأَهَا فِي الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْجُدَ فَإِنْ خَالَفَ وَسَجَدَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ سَجَدَهَا عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَلَوْ سَجَدَ إمَامُهُ فِي ص لِكَوْنِهِ يَعْتَقِدُهَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا لَا يُتَابِعُهُ بَلْ إنْ شَاءَ نَوَى مُفَارَقَتَهُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَإِنْ شَاءَ يَنْتَظِرُهُ قَائِمًا كَمَا لَوْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ لَا يُتَابِعُهُ بَلْ إنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ فَإِنْ انْتَظَرَهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ: (وَالثَّانِي) لَا يُتَابِعُهُ أَيْضًا وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْمُفَارَقَةِ وَالِانْتِظَارِ كَمَا سَبَقَ
فَإِنْ انْتَظَرَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ سلام الامام لانه يعتقدان إمَامَهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ جَاهِلًا وَأَنَّ لِسُجُودِ السَّهْوِ تَوَجُّهًا عَلَيْهِمَا فَإِذَا أَخَلَّ بِهِ الْإِمَامُ سَجَدَ الْمَأْمُومُ: (وَالثَّالِثُ) يُتَابِعُهُ فِي سُجُودِهِ فِي ص حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ لِتَأَكُّدِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَتَأْوِيلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ: قَدْ ذَكَرْنَا أن مذهبنا انه سنة وليس بواجب وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وعمران بن الحصين ومالك والاوزاعي واحمد واسحق وابو ثور وداود وَغَيْرِهِمْ ﵃ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَاجِبٌ عَلَى الْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ واحتج له بقول الله تعالي (فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) وبقوله تعالي فاسجدوا الله واعبدوا) وَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ وَقِيَاسًا عَلَى سُجُودِ الصَّلَاةِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْهَا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ " قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فَإِنْ قَالُوا لَعَلَّهُ سَجَدَ فِي وَقْتٍ آخَرَ قُلْنَا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُطْلِقْ الرَّاوِي نَفْيَ السُّجُودِ فَإِنْ قَالُوا لَعَلَّ زَيْدًا قَرَأَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ أَوْ الْعَصْرِ وَلَا يَحِلُّ السُّجُودُ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِالِاتِّفَاقِ قُلْنَا لَوْ كَانَ سَبَبُ التَّرْكِ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يطلق
_________________
(١) كذا بالاصل *
[ ٤ / ٦١ ]
زَيْدٌ النَّفْيَ وَزَمَنَ الْقِرَاءَةِ وَمِنْ الدَّلَائِلِ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ " خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إلَّا أَنْ تتطوع " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ مَرَّاتٍ وَاحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَمِنْهَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النَّحْلِ حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَهَا حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ " وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ (إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ) رَوَى الْبُخَارِيُّ الرِّوَايَتَيْنِ بِلَفْظِهِمَا وَهَذَا الْفِعْلُ وَالْقَوْلُ مِنْ عُمَرَ ﵁ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَالْمَجْمَعُ الْعَظِيمُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ حَتَّى يَثْبُتَ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِهِ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى هَذَا وَقِيَاسًا عَلَى سُجُودِ الشُّكْرِ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِالِاتِّفَاقِ فِي السَّفَرِ فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَجُزْ كَسُجُودِ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فَهِيَ أَنَّهَا وَرَدَتْ
فِي ذَمِّ الْكُفَّارِ وَتَرْكِهِمْ السُّجُودَ اسْتِكْبَارًا وَجُحُودًا وَالْمُرَادُ بِالسُّجُودِ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ سُجُودُ الصَّلَاةِ وَالْأَحَادِيثُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي عَدَدِ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الصَّحِيحَ أَنَّهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْهَا سَجْدَتَانِ فِي الْحَجِّ وَثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَلَيْسَتْ ص سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَكِنَّهُ أَسْقَطَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْحَجِّ وَأَثْبَتَ ص وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَقَوْلِنَا وَأَشْهَرُهُمَا إحْدَى عَشْرَةَ أَسْقَطَ سَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَقَوْلِنَا وَالثَّانِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَثْبَتَ ص وَهَذَا مَذْهَبُ اسحاق ابن رَاهْوَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا سَبَقَ وَأَجْمَعُوا عَلَى السَّجْدَةِ الْأُولَى فِي الْحَجِّ وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّانِيَةِ فممن أَثْبَتَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو مُوسَى وابو عبد الرحمن السلمي وابو العالية وذر بْنُ حُبَيْشٍ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد ﵃ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يَعْنِي السَّبِيعِيَّ التَّابِعِيَّ الْكَبِيرَ " أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُونَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ " وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ إسْقَاطَهَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَتَانِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِإِثْبَاتِهَا أَقُولُ وَاخْتَلَفَ العلماء في سجدات المفصل وهي النجم وإذا السماء انشقت وَاقْرَأْ فَأَثْبَتَهُنَّ الْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وحذفهن جماعة واحتج أَصْحَابُنَا لِلْمَذْهَبِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ سَجْدَةُ ص فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى السُّجُودِ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ سُجُودُ شُكْرٍ كَمَا سَنُوَضِّحُ دَلِيلَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سجد في إذا السماء انشقت وقال
[ ٤ / ٦٢ ]
" سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ " وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي إِذَا السَّمَاءُ انشقت واقرأ باسم ربك وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إنَّمَا أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَوْ صَحَّ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلسُّجُودِ وَالْعُمْدَةُ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْحَجِّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وأما حديث عقبة بن عامر قَالَ " قُلْتُ
لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا " فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَا لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَتِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِأُبَيِّنَهُ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وعن ابن عباس قال سجدة ص ليس مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وَحُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ حُكْمُ صَلَاةِ النَّفْلِ يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ وَالسِّتَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَ بِتَكْبِيرٍ وَرَفَعَ بِتَكْبِيرٍ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَإِنْ كَانَ السُّجُودُ فِي آخِرِ سُورَةٍ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ وَيَقْرَأَ مِنْ السُّورَةِ بَعْدَهَا شَيْئًا ثُمَّ يَرْكَعُ فَإِنْ قَامَ وَلَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا وَرَكَعَ جَازَ وَإِنْ قَامَ مِنْ السُّجُودِ إلَى الرُّكُوعِ ولم يقم لم يجز لانه يَبْتَدِئْ الرُّكُوعَ مِنْ قِيَامٍ)
* (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا حُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي الشُّرُوطِ حُكْمُ صَلَاةِ النَّفْلِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ طَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةُ عَنْ النَّجَسِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَدُخُولُ وَقْتِ السُّجُودِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ قَرَأَ الْآيَةَ أَوْ سَمِعَهَا فَلَوْ سَجَدَ قَبْلَ الِانْتِهَاءِ إلَى آخِرِ آيَةِ السَّجْدَةِ وَلَوْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ السِّتَارَةُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ السُّتْرَةُ أَيْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُكَبِّرْ لِلِافْتِتَاحِ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّمٌ بِالصَّلَاةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْهَوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَلَا يَرْفَعُ الْيَدَ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تُرْفَعُ فِي الْهُوِيِّ إلَى السُّجُودِ وَيُكَبِّرُ عِنْدَ رَفْعِهِ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ كَمَا يَفْعَلُ فِي سَجَدَاتِ الصَّلَاةِ وَهَذَا التَّكْبِيرُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَفِيهِ وَجْهٌ لابي على ابن أَبِي هُرَيْرَةَ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لِلْهَوِيِّ وَلَا لِلرَّفْعِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَامَ وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قَامَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا ثُمَّ يَرْكَعَ فَإِنْ انْتَصَبَ قَائِمًا ثُمَّ رَكَعَ بِلَا قِرَاءَةٍ جَازَ إذَا كَانَ قَدْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ سُجُودِهِ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الِانْتِصَابِ قَائِمًا لِأَنَّ الْهَوِيَّ إلَى الرُّكُوعِ مِنْ القيام واجب
[ ٤ / ٦٣ ]
كَمَا سَبَقَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَسَبَقَ هُنَاكَ مَسَائِلُ حَسَنَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي الْإِبَانَةِ وَالْبَيَانِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ إلَى الرُّكُوعِ وَلَمْ يَنْتَصِبْ أَجْزَأَهُ الرُّكُوعُ وَهُوَ غَلَطٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَانَ السُّجُودُ فِي آخِرِ سُورَةٍ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ آخِرِ سُورَةٍ لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الِانْتِصَابِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ آخِرِ سُورَةٍ وَغَيْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ التَّنْبِيهَ بِآخِرِ السُّورَةِ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ إذَا أَحَبَّ اسْتِفْتَاحَ سورة أخرى فاتمام الاول أولي والله أعلم (وقال) أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَرَأَ الْمُصَلِّي آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ رَكَعَ لِلصَّلَاةِ وَسَجَدَ سَقَطَ بِهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سَقَطَ فِي الرُّكُوعِ وَرُوِيَ بِالسُّجُودِ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَبَّرَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ لِأَنَّهُ تَكْبِيرَةُ افْتِتَاحٍ فَهِيَ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً أُخْرَى لِلسُّجُودِ وَلَا يَرْفَعُ الْيَدَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِهِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ " كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ " وَإِنْ قَالَ اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُد ﵇ فَهُوَ حَسَنٌ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ " أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رسول الله رأيت هذه الليلة في ما يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ وَكَأَنِّي قَرَأْت سَجْدَةً فَسَجَدْتُ فَرَأَيْتُ الشَّجَرَةَ تَسْجُدُ لِسُجُودِي فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ سَاجِدَةٌ تَقُولُ اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُد قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فقرأ النبي ﷺ سَجْدَةً فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَ الرَّجُلُ عَنْ الشَّجَرَةِ " وَإِنْ قَالَ فِيهِ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ جَازَ وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى السَّلَامِ فِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي البويطي لا يسلم كما لا يُسَلِّمُ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَرَوَى الْمُزَنِيّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يُسَلِّمُ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ تَفْتَقِرُ إلَى الْإِحْرَامِ فَافْتَقَرَتْ إلَى السَّلَامِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَهَلْ تفتقر الي التشهد المذهب أَنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ لِأَنَّهُ لَا قِيَامَ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَشَهُّدٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَتَشَهَّدُ لِأَنَّهُ سُجُودٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ فَافْتَقَرَ إلَى التَّشَهُّدِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ)
*
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَإِسْنَادُ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ زَادَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِيهِ " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " قَالَ الْحَاكِمُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ الْحَاكِمُ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ نَوَى وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَةِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كَمَا يفعل
[ ٤ / ٦٤ ]
فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً أُخْرَى لِلْهَوِيِّ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْيَدِ قَالَ أَصْحَابُنَا تَكْبِيرُ الْهَوِيِّ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَفِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَوْجُهُ (الصَّحِيحُ) الْمَشْهُورُ أَنَّهَا شَرْطٌ (وَالثَّانِي) مُسْتَحَبَّةٌ (وَالثَّالِثُ) لَا تُشْرَعُ أَصْلًا قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا حَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَى شُذُوذِهِ وَفَسَادِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا شَاذٌّ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ سِوَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ السُّجُودَ أَنْ يَقُومَ فَيَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ يَهْوِيَ لِلسُّجُودِ بِالتَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ فِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
يُسْتَحَبُّ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَتَابَعَهُمْ الرَّافِعِيُّ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا يُسْتَحَبُّ وَهَذَا اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقِينَ قَالَ الْإِمَامُ وَلَمْ أَرَ لِهَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا وَلَا أَصْلًا (قُلْتُ) وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ هَذَا القيام ولا ثبت فيه شئ يُعْتَمَدُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ فَالِاخْتِيَارُ تَرْكُهُ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحْدَثَاتِ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْمُحْدَثَاتِ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الْأَزْدِيَّةِ قَالَتْ " رَأَيْتُ عَائِشَةَ تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَإِذَا مَرَّتْ بِسَجْدَةٍ قَامَتْ فَسَجَدَتْ " فَهُوَ ضَعِيفٌ أُمُّ سَلَمَةَ هَذِهِ مَجْهُولَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُهُ سَجَدَ وَجْهِي إلَى آخِرِهِ وَسُجُودُ الشَّجَرَةِ أَيْضًا وَلَوْ قَالَ مَا يَقُولُهُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ جَازَ وَكَانَ حَسَنًا وَسَوَاءٌ فِيهِ التَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ إسْمَاعِيلُ الضَّرِيرُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ اخْتِيَارَ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ سُبْحَانَ رَبِّنَا إنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي مَدْحَ هَذَا فَهُوَ حَسَنٌ وَصِفَةُ هَذَا السُّجُودِ صِفَةُ سُجُودِ الصَّلَاةِ فِي كَشْفِ الْجَبْهَةِ وَوَضْعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْأَنْفِ وَمُجَافَاةِ الْمِرْفَقَيْنِ عَنْ الْجَنْبَيْنِ وَإِقْلَالِ الْبَطْنِ عَنْ الْفَخِذَيْنِ وَرَفْعِ أَسَافِلِهِ عَلَى
أَعَالِيهِ وَتَوْجِيهِ أَصَابِعِهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فَالْمُبَاشَرَةُ بِالْجَبْهَةِ شَرْطٌ وَوَضْعُ الْأَنْفِ مُسْتَحَبٌّ وَكَذَا مُجَافَاةُ الْمِرْفَقِ وَإِقْلَالُ الْبَطْنِ وَتَوْجِيهُ الْأَصَابِعِ وَفِي اشْتِرَاطِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ هُنَاكَ بِفُرُوعِهِمَا وَحُكْمُ رَفْعِ الْأَسَافِلِ عَلَى مَا سبق هناك والطمأنينة ركن لابد مِنْهَا وَالذِّكْرُ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِرُكْنٍ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا وَهَذَا التَّكْبِيرُ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وغيره عن أَبِي جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَهَلْ يُسْتَحَبُّ مَدُّ تَكْبِيرِ السُّجُودِ وَالرَّفْعُ منه يجئ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَدُّ الْأَوَّلِ حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَمَدُّ الثَّانِي حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى السَّلَامِ وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ سُجُودِهِ فِيهِ قَوْلَانِ مشهوران نقلهما البويطى والمزنى كما حكاه المنصف أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ اشْتِرَاطُهُ مِمَّنْ صَحَّحَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تلعيقهما وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ فَإِنْ قُلْنَا لَا يُشْتَرَطُ السَّلَامُ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّشَهُّدُ وَإِنْ شَرَطْنَا السَّلَامَ فَفِي اشْتِرَاطِ التَّشَهُّدِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا
[ ٤ / ٦٥ ]
الْمُصَنِّفُ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا لَا يُشْتَرَطُ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي السَّلَامِ وَالتَّشَهُّدِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا يُشْتَرَطُ السَّلَامُ دُونَ التَّشَهُّدِ وَالثَّانِي يُشْتَرَطَانِ وَالثَّالِثُ لَا يُشْتَرَطَانِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يُشْتَرَطُ التَّشَهُّدُ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا يُسْتَحَبُّ إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ قِيلَ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَقِيلَ يُسَلِّمُ وَلَا يَتَشَهَّدُ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ وَلَا يُسَلِّمُ فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَوْهَمَ أَوْ صَرَّحَ بِأَنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ وَلَيْسَ لَهُ نَصٌّ غَيْرُهُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الْقَوْلَانِ فِي اشْتِرَاطِ السَّلَامِ مَشْهُورَانِ كَمَا ذَكَرَهُمَا هُوَ هَاهُنَا فِي الْمُهَذَّبِ وَالثَّانِي أَنَّهُ أَوْهَمَ أَوْ صَرَّحَ بِأَنَّ الرَّاجِحَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ اشْتِرَاطُ السَّلَامِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ والله أعلم
*
* قال المصنف ﵀
* (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى وَإِنْ مَرَّتْ بِهِ آيَةُ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهُ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ ﵁ قَالَ " صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فلما مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا سَأَلَ وَلَا بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا اسْتَعَاذَ " وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُتَابِعَ الْإِمَامَ فِي سُؤَالِ الرَّحْمَةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ
الْعَذَابِ لانه دعاء فسواء المأموم والامام فيه كالتأمين)
* (الشرح) قال الشافعي واصحابنا يسن للقارى فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا إذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الرَّحْمَةَ أَوْ بِآيَةِ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَوْ بِآيَةِ تَسْبِيحٍ أَنْ يُسَبِّحَ أَوْ بِآيَةٍ مَثَلُ أَنْ يَتَدَبَّرَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ وَإِذَا قَرَأَ (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) قَالَ بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ وَإِذَا قرأ (فبأي حديث بعده يؤمنون) قَالَ آمَنَا بِاَللَّهِ وَكُلُّ هَذَا يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ قَارِئٍ فِي صَلَاتِهِ أَوْ غَيْرِهَا وَسَوَاءٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالْمَأْمُومُ وَالْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَاسْتَوَوْا فِيهِ كَالتَّأْمِينِ وَدَلِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ النبي
[ ٤ / ٦٦ ]
ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ البقرة فقلت يركع عند المائدة ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إذَا مَضَى بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ سُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَكَانَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ حِينَئِذٍ مُقَدَّمَةً عَلَى آلِ عِمْرَانَ وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ " قُمْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَكَ ذَا الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ ثُمَّ قَالَ فِي سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِمَا وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ بِأَسَانِيدَ صحيحة وفى پواية النَّسَائِيّ ثُمَّ سَجَدَ بِقَدْرِ رُكُوعِهِ وَعَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ " سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من قَرَأَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَانْتَهَى إلَى آخِرِهَا فَلْيَقُلْ وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ وَمَنْ قَرَأَ لا أقسم بيوم القيامة فَانْتَهَى إلَى آخِرِهَا أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى فليقل بلي ومن قرأ والمرسلات فبلغ باى حديث بعده يؤمنون فَلْيَقُلْ آمَنَّا بِاَللَّهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ إنَّمَا يُرْوَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يُسَمَّى (قُلْتُ) فَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ مَجْهُولٌ فَلَا يُعْلَمْ حَالُهُ وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُنَا قَدْ احْتَجُّوا بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يُكْرَهُ السُّؤَالُ عِنْدَ آيَةِ الرَّحْمَةِ وَالِاسْتِعَاذَةُ
فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ بمذهبنا جمهور العلماء من السلف ممن بعدهم * قال المصنف ﵀
* (ويستحب لم تَجَدَّدَتْ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ انْدَفَعَتْ عَنْهُ نِقْمَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنْ يَسْجُدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا جاء الشئ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى " وَحُكْمُ سُجُودِ الشُّكْرِ فِي الشُّرُوطِ وَالصِّفَاتِ حُكْمُ سجود التلاوة خارج الصلاة)
[ ٤ / ٦٧ ]
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ أُبَيِّ بَكْرَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي إسْنَادِهِ ضعيف وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَلَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ سُجُودُ الشُّكْرِ سُنَّةٌ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ وَانْدِفَاعِ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ سَوَاءٌ خَصَّتْهُ النِّعْمَةُ وَالنِّقْمَةُ أَوْ عَمَّتْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَكَذَا إذَا رَأَى مُبْتَلًى بِبَلِيَّةٍ فِي بَدَنِهِ أو بغيرها أبو بِمَعْصِيَةٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْجُدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِاسْتِمْرَارِ النِّعَمِ لِأَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا سَجَدَ لِنِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ اُسْتُحِبَّ إظْهَارُ السُّجُودِ وَإِنْ سَجَدَ لِبَلِيَّةٍ فِي غَيْرِهِ وَصَاحِبُهَا غير معذور كالفاسق اظهر السجود السُّجُودَ فَلَعَلَّهُ يَتُوبُ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا كَالزَّمِنِ وَنَحْوِهِ أَخْفَاهُ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِهِ فَإِنْ خَافَ مِنْ إظْهَارِهِ لِلْفَاسِقِ مَفْسَدَةً أَوْ ضَرَرًا أَخْفَاهُ أَيْضًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَفْتَقِرُ سُجُودُ الشُّكْرِ إلَى شروط الصلاة وحكمه في الصفات وغيرهما حُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ وَفِي السَّلَامِ مِنْهُ وَالتَّشَهُّدِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَمَا فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ (الصَّحِيحُ) السَّلَامُ دُونَ التَّشَهُّدِ (وَالثَّانِي) لَا يُشْتَرَطَانِ (وَالثَّالِثُ) يُشْتَرَطَانِ
* (فَرْعٌ)
اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَحْرِيمِ سُجُودِ الشُّكْرِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ سَجَدَهَا فِيهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا فِي مَسْأَلَةِ سَجْدَةِ ص وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ سَجَدَ بِهَا لِلشُّكْرِ فَفِي جَوَازِ السُّجُودِ وَجْهَانِ فِي الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرِهِمَا أَصَحُّهُمَا تَحْرُمُ وتبطل صلاته وهما كالوجهين فيمن دخل المسجد لَا لِغَرَضٍ آخَرَ
* (فَرْعٌ)
فِي صِحَّةِ سُجُودِ الشُّكْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ بِالْإِيمَاءِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَأَمَّا سُجُودُ
التِّلَاوَةِ فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ جَازَ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ وَإِلَّا فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي سُجُودِ الشُّكْرِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَجِهَةُ الْمَنْعِ نُدُورُهُ وَعَدَمُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ غَالِبًا بِخِلَافِ صَلَاةِ النَّفْلِ وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ بِالْجَوَازِ وَمَسْأَلَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ فَإِنْ كَانَ فِي مَرْقَدٍ وَنَحْوِهِ وَأَتَمَّ السُّجُودَ جَازَ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الْمَاشِي فِي السَّفَرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ شُرُوطُهُ عَلَى الْأَرْضِ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ وَنُدُورِهِ (وَالثَّانِي) يُجْزِيهِ الْإِيمَاءُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ
*
[ ٤ / ٦٨ ]
(فَرْعٌ)
لَوْ تَصَدَّقَ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ النِّعْمَةُ أَوْ انْدَفَعَتْ عَنْهُ النِّقْمَةُ أَوْ صَلَّى شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى كَانَ حَسَنًا يَعْنِي مَعَ فِعْلِهِ سَجْدَةَ الشُّكْرِ
* (فَرْعٌ)
لَوْ خَضَعَ إنْسَانٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَتَقَرَّبَ بِسَجْدَةٍ بِغَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي سُجُودَ شُكْرٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ
(أَحَدُهُمَا)
يَجُوزُ قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَأَصَحُّهُمَا لَا يَجُوزُ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ شَيْخِي يَعْنِي أَبَا مُحَمَّدٍ يُشَدِّدُ فِي إنْكَارِ هَذَا السُّجُودِ وَاسْتَدَلُّوا لِهَذَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ لَوْ تَطَوَّعَ بِرُكُوعٍ مُفْرَدًا كَانَ حَرَامًا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ إلَّا مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِثْنَائِهِ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِ السَّجْدَةِ مَا يُفْعَلُ بَعْدَ صَلَاةٍ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْجَهَلَةِ مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ بَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ قَطْعًا بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَسَوَاءٌ قَصَدَ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ غَفَلَ وَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ أَوْ يُقَارِبُهُ عَافَانَا اللَّهُ الْكَرِيمُ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي آخِرِ بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
لَوْ فَاتَتْ سَجْدَةُ الشُّكْرِ فَهَلْ يُشْرَعُ قَضَاؤُهَا فِيهِ طَرِيقَانِ " قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ فِيهِ الْخِلَافُ فِي قَضَاءِ الرَّوَاتِبِ وَقَطَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا تُقْضَى وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَتَطَوَّعُ بِمِثْلِهِ ابْتِدَاءً أَمْ لَا فَعِنْدَ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ يَتَطَوَّعُ بِهِ كَمَا سَبَقَ فَيُشْبِهُ الرَّوَاتِبَ وَعِنْدَ غَيْرِهِ يَحْرُمُ التَّطَوُّعُ بِسَجْدَةٍ فَلَا تُقْضَى كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ
*
[ ٤ / ٦٩ ]
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي سُجُودِ الشُّكْرِ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عن أبي بكر الصديق وعلي وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵃ وَعَنْ اسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ النَّخَعِيِّ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ (أَشْهَرُهُمَا) الْكَرَاهَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ ابن المنذر غيرها: (والثانية) أنه ليس بسنة وَاحْتُجَّ لِمَنْ كَرِهَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " شَكَا إلَيْهِ رَجُلٌ الْقَحْطَ وَهُوَ يخطب فرفع يديه ودعى فَسُقُوا فِي الْحَالِ وَدَامَ الْمَطَرُ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يَرْفَعْهُ عَنَّا فدعي فرفعه فِي الْحَالِ " وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ لِتَجَدُّدِ نِعْمَةِ الْمَطَرِ أَوَّلًا وَلَا لِدَفْعِ نِقْمَتِهِ آخِرًا قَالُوا وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ نِعْمَةٍ فَإِنْ كُلِّفَهُ لَزِمَ الْحَرَجُ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَقَدْ بيناه وعن سعيد بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَلَمَّا كُنَّا قريبا من عروزاء نَزَلَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ قَالَ إنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي فَخَرَرْتُ لِرَبِّي شُكْرًا ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الْآخَرَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لَا نَعْلَمُ ضَعْفَ أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد وَمَا لَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ عِنْدَهُ حَسَنٌ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خر ساجدا جَاءَهُ كِتَابُ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ اليمن بسلام همذان رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِي حَدِيثِ تَوْبَتِهِ قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ الْفَرَجُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ سُجُودَ الشُّكْرِ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ الصديق وعمر وعلي ﵃ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ تَرَكَ السُّجُودَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَفِي السُّجُودِ حينئذ مشقة
[ ٤ / ٧٠ ]
أَوْ اكْتَفَى بِسُجُودِ الصَّلَاةِ وَالْجَوَابُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ أَوْ غَيْرِهَا مُتَعَيَّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ
*
(فَصْلٌ)