* يُقَالُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَغُسْلُ الْحَيْضِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ وَغُسْلُ الْمَيِّتِ وَمَا أَشْبَهَهَا بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالضَّمُّ هُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ غَلِطُوا فِي الضَّمِّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ غَلِطَ هُوَ فِي إنْكَارِهِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَأَشَرْتُ إلَى بَعْضِهِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ * قال المصنف ﵀
* [والذى يوجب الغسل ايلاج الحشفة في الفرج وخروج المني والحيض والنفاس: فأما ايلاج الحشفة فانه يوجب الغسل لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذَا التقى
الختانان وجب الغسل) التقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة في الفرج وذلك ان ختان الرجل هو الجلد الذي يبقي بعد الختان وختان المرأة جلدة كعرف الديك فوق الفرج فيقطع منها في الختان فإذا غابت الحشفة في الفرج حاذى ختانه ختانها وإذا تحاذيا فقد التقيا ولهذا يقال التقى الفارسان إذا تحاذيا وان لم يتضاما] [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ) هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ
[ ٢ / ١٣٠ ]
بِلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِسْنَادُهُ أَيْضًا صَحِيحٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ يَحْصُلُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ إلَى آخِرِهِ فَهُوَ لَفْظُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَبَيَّنَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَرْجَ الْمَرْأَةِ وَالْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ بَيَانًا شَافِيًا فَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ خِتَانُ الرَّجُلِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ فِي حَالِ الْخِتَانِ وَهُوَ مَا دُونَ حُزَّةِ الْحَشَفَةِ وَأَمَّا خِتَانُ الْمَرْأَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ هُوَ مَخْرَجُ الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ وَالْمَنِيِّ وَفَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ ثَقْبٌ مِثْلُ إحْلِيلِ الرَّجُلِ هُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَبَيْنَ هَذَا الثَّقْبِ وَمَدْخَلِ الذَّكَرِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ وَفَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ مِثْلُ وَرَقَةٍ بَيْنَ الشَّفْرَيْنِ وَالشَّفْرَانِ تُحِيطَانِ بِالْجَمِيعِ فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ يُقْطَعُ مِنْهَا فِي الْخِتَانِ وَهِيَ خِتَانُ الْمَرْأَةِ فَحَصَلَ أَنَّ خِتَانَ المرأة مستقل وَتَحْتَهُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَتَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَدْخَلُ الذَّكَرِ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَخْرَجُ الْحَيْضِ الَّذِي هُوَ مَخْرَجُ الْوَلَدِ وَمَدْخَلُ الذَّكَرِ هُوَ خَرْقٌ لَطِيفٌ فَإِذَا اُفْتُضَّتْ الْبِكْرُ اتَّسَعَ ذَلِكَ الْخَرْقُ فَصَارَتْ ثَيِّبًا قَالَ أَصْحَابُنَا فَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ فَإِذَا غَابَتْ فَقَدْ حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانَهَا وَالْمُحَاذَاةُ هِيَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ الْتِصَاقَهُمَا وَضَمَّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَوْ وَضَعَ مَوْضِعَ خِتَانِهِ عَلَى مَوْضِعِ خِتَانِهَا وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي مَدْخَلِ الذَّكَرِ لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ هَذَا آخر كلام الشيخ أبي حامد وغيره يزيد بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَشَبَّهَ الْعُلَمَاءُ الْفَرْجَ بِعَقْدِ الْأَصَابِعِ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ فَعَقْدُ الثَّلَاثِينَ هُوَ صُورَةُ الْفَرْجِ وَعَقْدُ الْخَمْسَةِ بَعْدَهَا فِي أَسْفَلِهَا هِيَ مَدْخَلُ الذَّكَرِ وَمَخْرَجُ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ وَالْوَلَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا حُكْمُ
الْمَسْأَلَةِ فَاَلَّذِي يُوجِبُ اغْتِسَالَ الْحَيِّ أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَهِيَ إيلَاجُ حَشَفَةِ الذَّكَرِ فِي فَرْجٍ وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَفِي خُرُوجِ الْوَلَدِ وَالْعَلَقَةِ والمضعة خِلَافٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَسَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّهُ مُنْدَرِجٌ عِنْدَهُ فِي خُرُوجِ الْمَنِيِّ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ مُنْعَقِدٌ وَيَجِبُ غُسْلُ
[ ٢ / ١٣١ ]
الْمَيِّتِ وَلَهُ بَابٌ مَعْرُوفٌ وَقَدْ يَجِبُ غُسْلُ الْبَدَنِ بِعَارِضٍ بِأَنْ يُصِيبَهُ كُلَّهُ نَجَاسَةٌ أَوْ تَقَعَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ وَيَخْفَى مَكَانُهَا أَمَّا إيلَاجُ الْحَشَفَةِ فَيُوجِبُ الْغُسْلَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَالْمُرَادُ بِإِيلَاجِهَا إدْخَالُهَا بِكَمَالِهَا فِي فَرْجِ حَيَوَانٍ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَيَجِبُ الْغُسْلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَإِنْ أَوْلَجَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ مَيِّتَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِأَنَّهُ فَرْجُ آدَمِيَّةٍ فَأَشْبَهَ فَرْجَ الْحَيَّةِ وَإِنْ أَوْلَجَ فِي دُبُرِ امْرَأَةٍ أَوْ رجل أو بهيمة وجب الْغُسْلُ لِأَنَّهُ فَرْجُ حَيَوَانٍ فَأَشْبَهَ فَرْجَ الْمَرْأَةِ وَإِنْ أَوْلَجَ فِي دُبُرِ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَإِنْ أَوْلَجَ فِي فَرْجِهِ لَمْ يجب لجواز ان يكون ذلك عضوا زائد فلا يجب الغسل بالشك]
* [الشَّرْحُ] هَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَنَا كما ذكرها المصنف ودليها ما ذكره (فرع)
مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ: إحْدَاهَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ امْرَأَةٍ أَوْ دُبُرِهَا أَوْ دُبُرِ رَجُلٍ أَوْ خُنْثَى أَوْ صَبِيٍّ أَوْ فِي قُبُلِ بَهِيمَةٍ أَوْ دُبُرِهَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُولَجُ فِيهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مكرها مُبَاحًا كَالزَّوْجَةِ أَوْ مُحَرَّمًا وَيَجِبُ عَلَى الْمُولِجِ وَالْمَوْلَجِ فِيهِ الْمُكَلَّفَيْنِ وَعَلَى النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ وَأَمَّا الصبى إذا أولج في امْرَأَةٍ أَوْ دُبُرِ رَجُلٍ أَوْ أَوْلَجَ رَجُلٌ فِي دُبُرِهِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وَكَذَا إذَا اسْتَدْخَلَتِ امْرَأَةٌ ذَكَرَ صَبِيٍّ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ وَيَصِيرُ الصَّبِيُّ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ جُنُبًا وَكَذَا الصَّبِيَّةُ إذَا أَوْلَجَ فِيهَا رَجُلٌ أَوْ صَبِيٌّ وَكَذَا لَوْ أَوْلَجَ صَبِيٌّ فِي صَبِيٍّ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَغَيْرُهُ وَإِذَا صَارَ جُنُبًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَغْتَسِلْ كَمَا إذَا بَالَ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ: وَلَا يُقَالُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ كَمَا لَا يُقَالُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بَلْ يُقَالُ صَارَ مُحْدِثًا وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْغُسْلِ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا كَمَا يَأْمُرُهُ بِالْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى بَلَغَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ كَمَا إذَا بَالَ ثُمَّ بَلَغَ يلزمه الوضوء
[ ٢ / ١٣٢ ]
وَإِنْ اغْتَسَلَ وَهُوَ مُمَيِّزٌ صَحَّ غُسْلُهُ فَإِذَا بَلَغَ لَا تَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ بَلَغَ يُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ وَقَدْ سَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ تَجِبُ إعَادَةُ طَهَارَتِهِ إذَا بَلَغَ وَالصَّبِيَّةُ كَالصَّبِيِّ فِيمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ أَوْلَجَ مَجْنُونٌ أَوْ أُولِجَ فِيهِ صَارَ جُنُبًا فَإِذَا أَفَاقَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ: (الثَّانِيَةُ) لَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ رَجُلٍ وجب الغسل عليه وعليها سواء كان عَالِمًا بِذَلِكَ مُخْتَارًا أَمْ نَائِمًا أَمْ مُكْرَهًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرًا مَقْطُوعًا فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ (١) هُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّهِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ قال الدارمي ولاحد عَلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَا مَهْرَ لَهَا لَوْ أَوْلَجَ الْمَقْطُوعَ فِيهَا رَجُلٌ: وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ مَيِّتٍ لَزِمَهَا الْغُسْلُ كَمَا لَوْ أَوْلَجَ فِي مَيِّتٍ وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ لَزِمَهَا الْغُسْلُ كَمَا لَوْ أَوْلَجَ فِي بَهِيمَةٍ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ (٢) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَادِرٌ قَالَ ثُمَّ فِي اعْتِبَارِ قَدْرِ الْحَشَفَةِ فِيهِ كَلَامٌ يُوَكَّلُ إلَى فِكْرِ الْفَقِيهِ: (الثَّالِثَةُ) وُجُوبُ الْغُسْلِ وَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجِمَاعِ يُشْتَرَطُ فِيهَا تَغْيِيبُ الحشفة بكمالها في الفرج ولا يشرط زيادة على الحشفة ولا يتعلق ببعض الحشفة وحده شئ مِنْ الْأَحْكَامِ وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إلَّا وَجْهًا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ كَجٍّ أَنَّ بَعْضَ الْحَشَفَةِ كَجَمِيعِهَا وَهَذَا فِي نِهَايَةٍ مِنْ الشُّذُوذِ وَالضَّعْفِ وَيَكْفِي فِي بُطْلَانِهِ قَوْلُهُ ﷺ (إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ): أَمَّا إذَا قُطِعَ بَعْضُ الذَّكَرِ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ قَدْرِ الْحَشَفَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شئ مِنْ الْأَحْكَامِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَإِنْ كَانَ قَدْرُهَا فقط تعلقت الاحكام بتغيبه كُلِّهِ دُونَ بَعْضِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَشَفَةِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْمُهَذَّبِ مِنْهَا بَابُ الْخِيَارِ فِي النكاح في مسألة العنين ورجح المصنف
_________________
(١) قال في البحر هما مبنيان على الوجهين في الانتقاض اه اذرعى (٢) وقال بلا خلاف بينهم فيه اه اذرعى
[ ٢ / ١٣٣ ]
منهما أنه لَا يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِبَعْضِهِ وَلَا يَتَعَلَّقَ إلَّا بِتَغْيِيبِ جَمِيعِ الْبَاقِي وَكَذَا رَجَّحَهُ الشَّاشِيُّ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ
عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَ الْأَكْثَرُونَ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْهُ وَقَطَعَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ (الرَّابِعَةُ) إذَا كَانَ غَيْرَ مَخْتُونٍ فَأَوْلَجَ الْحَشَفَةَ لَزِمَهُمَا الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ: وَلَوْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ حرقة وَأَوْلَجَهُ بِحَيْثُ غَابَتْ الْحَشَفَةُ وَلَمْ يُنْزِلْ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِمَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِيلَاجِ وَقَدْ حَصَلَ (وَالثَّانِي) لَا يَجِبُ الْغُسْلُ وَلَا الْوُضُوءُ لِأَنَّهُ أَوْلَجَ فِي خِرْقَةٍ وَلَمْ يَلْمِسْ بَشَرَةً وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ قَالَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الحناطى (الثالث) إنْ كَانَتْ الْخِرْقَةُ غَلِيظَةً تَمْنَعُ اللَّذَّةَ لَمْ يَجِبْ وَإِنْ كَانَتْ رَقِيقَةً لَا تَمْنَعُهَا وَجَبَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ: وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي هَذَا الثَّالِثِ الْغَلِيظَةُ هِيَ الَّتِي تَمْنَعُ وُصُولَ بَلَلِ الْفَرْجِ إلَى الذَّكَرِ وَوُصُولَ الْحَرَارَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ وَالرَّقِيقَةُ مالا تَمْنَعُ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي إفْسَادِ الْحَجِّ بِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ (الْخَامِسَةُ) إذَا أُولِجَ ذَكَرٌ أَشَلُّ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ (السَّادِسَةُ) إذَا انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ غَيْرُ الْأَصْلِيِّ وَحَكَمْنَا بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْخَارِجِ فَأَوْلَجَ فِيهِ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ الصَّحِيحُ لا يجب ولو أولج في الاصل وَجَبَ بِلَا خِلَافٍ (السَّابِعَةُ) لَوْ كَانَ لَهُ ذَكَرَانِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي مَسَائِلِ لَمْسِ الْخُنْثَى إنْ كَانَ يَبُولُ مِنْهُمَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِ أَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ دُونَ الْآخَرِ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَذَكَرْتُ هُنَاكَ إيلَاجَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَالْإِيلَاجَ فِيهِ مَبْسُوطًا (الثَّامِنَةُ) إذَا أَتَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَلَا غُسْلَ مَا لَمْ تُنْزِلْ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَقَدْ ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يَخْفَى فَنَبَّهُوا عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ لَوْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي فَمِ الْمَرْأَةِ وَأُذُنِهَا وَإِبِطِهَا وَبَيْنَ أَلْيَتِهَا وَلَمْ يُنْزِلْ فَلَا
[ ٢ / ١٣٤ ]
غُسْلَ وَنَقَلَ فِيهِ ابْنُ جَرِيرٍ الْإِجْمَاعَ (التَّاسِعَةُ) ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ فِي الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ نُزُولُ الْمَنِيِّ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجَنَابَةِ فَتَعَلَّقَ بِسَبَبِهِ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا: وَالثَّانِي الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَبْلَهُ: وَالثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ
يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ مَعَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ بِالْإِنْزَالِ مَعَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ كَمَا أَنَّ النِّكَاحَ يُوجِبُ الْمِيرَاثَ عِنْدَ الْمَوْتِ والوطئ يُوجِبُ الْعِدَّةَ عِنْدَ الطَّلَاقِ وَتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ وَبَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ هَذَا كُلِّهِ بَسْطًا كَامِلًا فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ (الْعَاشِرَةُ) إذَا وَطِئَ امْرَأَةً مَيِّتَةً فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ وَهَلْ يَجِبُ إعَادَةُ غُسْلِ الْمَيِّتَةِ إنْ كَانَتْ غُسِّلَتْ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَجِبُ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ وَإِنَّمَا يَجِبُ غُسْلُ الْمَيِّتِ تَنْظِيفًا وَإِكْرَامًا وَشَذَّ الرُّويَانِيُّ فَصَحَّحَ وُجُوبَ إعَادَتِهِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَجِبُ بِوَطْئِهَا مَهْرٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ كَمَا لَا يجب بقطع يد هادية: وَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْوَاطِئِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا يجب لانه وطئ مُحَرَّمٌ بِلَا شُبْهَةٍ: وَالثَّانِي لَا لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمَظِنَّةِ: وَالثَّالِثُ وَقِيلَ إنَّهُ مَنْصُوصٌ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ بِوَطْئِهَا فِي الْحَيَاةِ وَهِيَ الزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ وَالْمُشْتَرَكَةُ وَجَارِيَةُ الِابْنِ وَنَحْوُهُنَّ فَلَا حَدَّ وَإِلَّا فَيُحَدُّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مطلقا: قال أصحابنا وتفسد العبادات بوطئ الْمَيِّتَةِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ: (الْحَادِيَةَ عشرة) قال صاحب الْحَاوِي وَالْبَيَانِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ قَالَ أَصْحَابُنَا الاحكام المتعلقة بالوطئ في قبل المرأة تتعلق بالوطئ فِي دُبُرِهَا إلَّا خَمْسَةَ أَحْكَامٍ: التَّحْلِيلُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ: وَالْإِحْصَانُ وَالْخُرُوجُ مِنْ التَّعْنِينِ وَمِنْ الْإِيلَاءِ: وَالْخَامِسُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ إذْنُ الْبِكْرِ بَلْ يبقى اذنها بالسكوت هكذا ذكراه وذكر المحاملى في اللباب سادسا وهو أن الوطئ فِي الدُّبُرِ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ بِخِلَافِ الْقُبُلِ: وَسَابِعًا وَهُوَ أَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ الرَّجُلِ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ مِنْ دُبُرِهَا لَا يُوجِبُ غُسْلًا ثَانِيًا وخروجه من قبلها يوجبه على تفصيل سندكره قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: (قُلْت) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ ضَابِطٌ نَفِيسٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ فَوَائِدُ وَقَدْ يَخْرُجُ مِنْ الضَّابِطِ مَسَائِلُ يَسِيرَةٌ فِي بَعْضِهَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ كَالْمُصَاهَرَةِ وَتَقْرِيرِ الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَكِنَّهَا وُجُوهٌ ضَعِيفَةٌ شَاذَّةٌ لَا تَقْدَحُ فِي الضَّابِطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (الثَّانِيَةَ عشرة)
[ ٢ / ١٣٥ ]
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْإِيلَاجِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْإِيلَاجَ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَدُبُرِهَا وَدُبُرِ الرَّجُلِ وَدُبُرِ الْبَهِيمَةِ وَفَرْجِهَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ دَاوُد لَا يَجِبُ مَا لَمْ يُنْزِلْ وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ
وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵃: ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ عَنْهُ إلَى مُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لا يجب بالايلاج في بهيمة ولاميتة
* وَاحْتَجَّ لِمَنْ لَمْ يُوجِبْ مُطْلَقًا بِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ (أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَنْ الرَّجُلِ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَقَالَ عُثْمَانُ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) قَالَ زَيْدٌ فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب فأمروه بذلك: وعن أبي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ (يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي) قَالَ الْبُخَارِيُّ الْغُسْلُ أَحْوَطُ وَذَاكَ الْآخِرُ إنَّمَا بَيَّنَّا اخْتِلَافَهُمْ يَعْنِي أَنَّ الْغُسْلَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَصَدْنَا بَيَانَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ الْغُسْلُ هَذَا كُلُّهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَبَعْضُهُ فِي مُسْلِمٍ: وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَقَالَ لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاك قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إذَا أَعْجَلْت أَوْ أَقْحَطْت فَلَا غُسْلَ عَلَيْك وَعَلَيْك الْوُضُوءُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَعْنَى أَعْجَلْت أَوْ أَقْحَطْت أَيْ جَامَعْت وَلَمْ تُنْزِلْ وَرُوِيَ أَقْحَطْتُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِفَتْحِهَا وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ إلَّا مِنْ إنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ وَهُوَ الْمَنِيُّ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ) وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ)
[ ٢ / ١٣٦ ]
وفي رواية البيهقى (أنزل أولم يُنْزِلْ) قِيلَ الْمُرَادُ بِشُعَبِهَا رِجْلَاهَا وَشَفْرَاهَا وَقِيلَ يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا وَقِيلَ سَاقَاهَا وَفَخْذَاهَا: وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ الرَّجُلُ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ
يَكْسَلُ هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ: وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سبيل حتى تغتسلوا) قَالَ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجِمَاعَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ جَنَابَةً: وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا مِنْ الْقِيَاسِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْجِمَاعِ فَتَعَلَّقَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ كَالْحُدُودِ: وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ: وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ جَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْمَاءِ مِنْ الْمَاءِ أَيْ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالرُّؤْيَةِ فِي النَّوْمِ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ: وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَقَالُوهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُمْ النَّسْخُ: وَدَلِيلُ النَّسْخِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَأَرْسَلُوا إلَى عَائِشَةَ ﵂ فَأَخْبَرَتْهُمْ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَجَهَدَهَا وَجَبَ الْغُسْلُ) فَرَجَعَ إلَى قَوْلِهَا مَنْ خَالَفَ: وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يُفْتُونَ إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ: وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ أَمَرَنَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ سَأَلْت زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ أَهْلَهُ ثُمَّ يَكْسَلُ وَلَا يُنْزِلُ قَالَ يَغْتَسِلُ فَقُلْت إنَّ أُبَيًّا كَانَ لَا يَرَى الْغُسْلَ فَقَالَ زَيْدٌ إنَّ أُبَيًّا نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ هَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ نَزَعَ أَيْ رَجَعَ: وَمَقْصُودِي بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بَيَانُ أَحَادِيثِ الْمَسْأَلَةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَإِلَّا فَالْمَسْأَلَةُ الْيَوْمَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَمُخَالَفَةُ دَاوُد لَا تَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مَنْعِ الْغُسْلِ بِإِيلَاجِهِ فِي بَهِيمَةٍ وَمَيْتَةٍ بِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ اللَّذَّةَ فَلَمْ يَجِبْ كَإِيلَاجِ أُصْبُعِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجٍ فَأَشْبَهَ قُبُلَ الْمَرْأَةِ الْحَيَّةِ: فَإِنْ قَالُوا يَنْتَقِضُ هَذَا بالمسك فَإِنَّ فِي الْبَحْرِ سَمَكَةً يُولِجُ فِيهَا سُفَهَاءُ الملاحين ببحر البصرة فالواجب مَا أَجَابَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ إنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِالْإِيلَاجِ فِيهَا لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَهُ فَرْجٌ: وَالْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما أنه منتقض بوطئ الْعَجُوزِ الشَّوْهَاءِ الْمُتَنَاهِيَةِ فِي الْقُبْحِ الْعَمْيَاءِ الْجَذْمَاءِ البرصاء
[ ٢ / ١٣٧ ]
المقطعة الاطراف فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ لَذَّةٌ فِي الْعَادَةِ: وَالثَّانِي أَنَّ الْأُصْبُعَ لَيْسَتْ آلَةً لِلْجِمَاعِ: وَلِهَذَا لَوْ أَوْلَجَهَا فِي امْرَأَةٍ حَيَّةٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ بِخِلَافِ الذكر والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَأَمَّا خُرُوجُ الْمَنِيِّ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ (الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ نَعَمْ إذا رأت الماء]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ لَفْظُهُ فِيهِمَا (إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ (الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) كما وقع في المهذب ومعناه يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ مِنْ إنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ وهو المنى: وأما حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالدَّارِمِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ الْجَمِيعَ حَضَرُوا الْقِصَّةَ فَرَوَوْهَا: وَأُمُّ سَلَمَةَ هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْمُهَا هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ كَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَوْجَةً لِأَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ وَهَاجَرَ بِهَا الْهِجْرَتَيْنِ إلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَلَهَا أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ: وَأَمَّا أُمُّ سُلَيْمٍ فَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَقَوْلُ الصَّيْدَلَانِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَالرُّويَانِيِّ هِيَ جَدَّةُ أَنَسٍ غَلَطٌ بِلَا شَكٍّ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ مِنْ الطَّوَائِفِ: قِيلَ اسْمُهَا سَهْلَةُ وَقِيلَ رُمَيْلَةُ وَقِيلَ رميثة وقيل أنيفة وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَهِيَ مِنْ فَاضِلَاتِ الصَّحَابِيَّاتِ وَمَشْهُورَاتهنَّ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يكرمها ويكرم اختها ام حزام بِنْتَ مِلْحَانَ وَيُقِيلُ عِنْدَهُمَا وَكَانَتَا خَالَتَيْهِ وَمَحْرَمَيْنِ لَهُ: وَاسْمُ أَبِي طَلْحَةَ زَوْجِهَا زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مِنْ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ وَمَنَاقِبُهُ مَشْهُورَةٌ ﵁: وَقَوْلُهَا إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنْ الْحَقِّ رُوِيَ يَسْتَحْيِي بِيَاءَيْنِ وَرُوِيَ يَسْتَحِي بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَصْلُ بِيَاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْدَاهُمَا قَالَ الْأَخْفَشُ أَسْتَحِي بِوَاحِدَةٍ لُغَةُ تَمِيمٍ وَأَسْتَحْيِي بِيَاءَيْنِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ
[ ٢ / ١٣٨ ]
وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ: وَالِاحْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنْ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ الْمَنَامَاتِ يُقَالُ حَلَمَ فِي مَنَامِهِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَاللَّامِ وَاحْتَلَمَ وَحَلَمْتُ كَذَا وَحَلَمْتُ بِكَذَا هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِمَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ الْجِمَاعِ فَيَحْدُثُ مَعَهُ إنْزَالُ المنى غالبا فغلب لَفْظُ الِاحْتِلَامِ فِي هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَامِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ: وَقَوْلُهُ ﷺ (نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ) بَيَانٌ لِحَالَةِ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالِاحْتِلَامِ وَهِيَ إذَا كَانَ مَعَهُ إنْزَالُ الْمَنِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَقَوْلُهُ وَالْيَقَظَةُ هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَهِيَ ضِدُّ النَّوْمِ: أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ خُرُوجِهِ بِجِمَاعٍ أَوْ احْتِلَامٍ أَوْ اسْتِمْنَاءٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ سَوَاءٌ خَرَجَ بِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَسَوَاءٌ تَلَذَّذَ بِخُرُوجِهِ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ خَرَجَ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا وَلَوْ بَعْضُ قَطْرَةٍ وَسَوَاءٌ خَرَجَ فِي النَّوْمِ أَوْ الْيَقَظَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْعَاقِلِ وَالْمَجْنُونِ فَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْغُسْلَ عِنْدَنَا: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا خَرَجَ بِشَهْوَةٍ وَدَفْقٍ كَمَا لَا يَجِبُ بِالْمَذْيِ لِعَدَمِ الدَّفْقِ: دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُطْلَقَةُ كَحَدِيثِ (الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَبِالْقِيَاسِ عَلَى إيلَاجِ الْحَشَفَةِ فانه لافرق فِيهِ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَذْيِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْمَنِيِّ: وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَلَا أَظُنُّ هَذَا يَصِحُّ عَنْهُ فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَقَدْ نَقَلَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِإِنْزَالِ الْمَنِيِّ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا أَمْنَى وَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ عَلَى الْقُرْبِ بَعْدَ غُسْلِهِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ ثَانِيًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ بَعْدَ الْمَنِيِّ أَوْ بَعْدَ بَوْلِهِ هَذَا مَذْهَبُنَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ واحمد في رواية عنه: وقال مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَإِسْحَاقُ بْنُ راهويه لاغسل مطلقا وهي اشهر الروايات عن احمد وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ ﵃ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ مَا بَالَ قَبْلَ الْغُسْلِ ثُمَّ خَرَجَ الْمَنِيُّ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ الَّذِي اغْتَسَلَ عَنْهُ وَإِلَّا فَيَجِبُ الْغُسْلُ ثَانِيًا وَهُوَ رواية ثالثة عن أحمد: وعن أبي حَنِيفَةَ عَكْسُ هَذَا إنْ كَانَ بَالَ لَمْ يَغْتَسِلْ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ وَإِلَّا
[ ٢ / ١٣٩ ]
وَجَبَ الْغُسْلُ لِأَنَّهُ عَنْ شَهْوَةٍ: دَلِيلُنَا عَلَى الْجَمِيعِ قَوْلُهُ ﷺ (الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ حَدَثٍ فَنَقَضَ مُطْلَقًا كَالْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ وَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ: (الثَّالِثَةُ) لو قبل امرأة فأحس بانتقال المني ونزوله فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فِي الْحَالِ شئ وَلَا عَلِمَ خُرُوجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَجِبُ الْغُسْلُ قَالَ وَلَا يُتَصَوَّرُ رُجُوعُ الْمَنِيِّ: دَلِيلُنَا قَوْلُهُ ﷺ (إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِالْحَدَثِ كَالْقَرْقَرَةِ وَالرِّيحِ وَلَمْ يخرج منه شئ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ فَكَذَا هُنَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَلَوْ أَنْزَلَتْ الْمَرْأَةُ الْمَنِيَّ إلَى فَرْجِهَا فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا لَمْ يَلْزَمْهَا الْغُسْلُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ فَرْجِهَا لِأَنَّ دَاخِلَ فَرْجِهَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهَا تَطْهِيرُهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَالْغُسْلِ فَأَشْبَهَ إحْلِيلَ الذَّكَرِ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لَزِمَهَا الْغُسْلُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا تَطْهِيرُ دَاخِلِ فَرْجِهَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ فَأَشْبَهَ الْعُضْوَ الظَّاهِرَ (الرَّابِعَةُ) لَوْ انْكَسَرَ صُلْبُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْ الذَّكَرِ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الشَّاشِيُّ أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هُمَا مَأْخُوذَانِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِخَارِجٍ مِنْ مُنْفَتِحٍ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ: وَقَالَ الْمُتَوَلِّي إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ ثَقْبٍ فِي الذَّكَرِ غَيْرِ الْإِحْلِيلِ أَوْ مِنْ ثَقْبٍ فِي الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ الصُّلْبِ فَحَيْثُ نَقَضْنَا الْوُضُوءَ بِالْخَارِجِ مِنْهُ أَوْجَبْنَا الْغُسْلَ: وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ الذَّكَرِ وَالصَّوَابُ تَفْصِيلُ الْمُتَوَلِّي قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَنِيِّ الْمُسْتَحْكِمِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَحْكِم لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ قُبُلَيْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ: أَحَدُهُمَا يَجِبُ: وَالثَّانِي عَلَى وَجْهَيْنِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ دُبُرٍ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَجْهَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ بِنَاءً عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي لُغَاتِ الْمَنِيِّ وَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ وَتَحْقِيقِ صِفَاتِهَا: أَمَّا الْمَنِيُّ فَمُشَدَّدٌ وَيُسَمَّى منيا لانه يمنى أي يصب وسميت مني لِمَا يُرَاقُ فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ: وَيُقَالُ أَمْنَى وَمَنَى بِالتَّخْفِيفِ وَمَنَّى بِالتَّشْدِيدِ
ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْأُولَى أَفْصَحُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (أفرأيتم ما تمنون) وَفِي الْمَذْيِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْمَذْيُ بِإِسْكَانِ الذَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَالْمَذِيُّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وهاتان مشهورتان
[ ٢ / ١٤٠ ]
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ التَّخْفِيفُ أَفْصَحُ وَأَكْثَرُ: وَالثَّالِثَةُ الْمَذْيِ بِكَسْرِ الذَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ حَكَاهَا أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: وَيُقَالُ مَذَى بِالتَّخْفِيفِ وَأَمْذَى وَمَذَّى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأُولَى أَفْصَحُ: وَالْوَدْيُ بِإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ غَيْرُ هَذَا وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ عَنْ الْأُمَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ: وَحَكَى صَاحِبُ مطالع الانوار لغية أَنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهَذَانِ شَاذَانَ: وَيُقَالُ وَدَى بتخفيف الدال وأودى وَوَدَّى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأُولَى أَفْصَحُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ لَمْ أَسْمَعْ غَيْرَهَا: قَالَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يُقَالُ مَذَى وَأَمْذَى وَمَذَّى بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْمَذْيُ مِثَالُ الرَّمْيِ وَالْمَذَى مِثَالُ الْعَمَى وَوَدَى وَأَوْدَى وَوَدَّى وَأَمْنَى وَمَنَى وَمَنَّى قَالَ وَالْأُولَى مِنْهَا كُلِّهَا أَفْصَحُ: وَأَمَّا صِفَاتُهَا فَمِمَّا يَتَأَكَّدُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ لِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَمَنِيُّ الرجل في حال صحته ابيض ثحين يَتَدَفَّقُ فِي خُرُوجِهِ دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ وَيَخْرُجُ بِشَهْوَةٍ وَيُتَلَذَّذُ بِخُرُوجِهِ ثُمَّ إذَا خَرَجَ يَعْقُبُهُ فُتُورٌ وَرَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ طَلْعِ النَّخْلِ قَرِيبَةٌ مِنْ رَائِحَةِ الْعَجِينِ وَإِذَا يَبِسَ كَانَتْ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الْبَيْضِ هَذِهِ صِفَاتُهُ وَقَدْ يُفْقَدُ بَعْضُهَا مَعَ أَنَّهُ مَنِيٌّ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ بِأَنْ يَرِقَّ وَيَصْفَرَّ لِمَرَضٍ أَوْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا لَذَّةٍ لِاسْتِرْخَاءِ وِعَائِهِ أَوْ يَحْمَرَّ لِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ وَيَصِيرَ كَمَاءِ اللَّحْمِ وَرُبَّمَا خَرَجَ دَمًا عَبِيطًا وَيَكُونُ طَاهِرًا مُوجِبًا لِلْغُسْلِ: وَفِي تَعْلِيقِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ أَنَّهُ فِي الشِّتَاءِ أَبْيَضُ ثَخِينٌ وَفِي الصَّيْفِ رَقِيقٌ: ثُمَّ إنَّ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يشاركه فيها غيره كالثخانة والبياض يشاركه فيهما الودى ومنها مالا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ وَهِيَ خَوَاصُّهُ الَّتِي عَلَيْهَا الِاعْتِمَادُ فِي مَعْرِفَتِهِ وَهِيَ ثَلَاثٌ إحْدَاهَا الْخُرُوجُ بِشَهْوَةٍ مَعَ الْفُتُورِ عَقِيبَهُ: وَالثَّانِيَةُ الرَّائِحَةُ الَّتِي تشبه الطلع والعجين كما سبق: الثالثة الْخُرُوجُ بِتَزْرِيقٍ وَدَفْقٍ فِي دَفَعَاتٍ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَافِيَةً فِي كَوْنِهِ مَنِيًّا وَلَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا شئ لَمْ يُحْكَمْ بِكَوْنِهِ مَنِيًّا: وَأَمَّا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ فَأَصْفَرُ رَقِيقٌ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَقَدْ يَبْيَضُّ لِفَضْلِ قُوَّتِهَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَلَا خَاصِّيَّةَ لَهُ إلَّا التَّلَذُّذُ وَفُتُورُ شَهْوَتِهَا عَقِيبَ خُرُوجِهِ
وَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِذَلِكَ: وَقَالَ الرُّويَانِيُّ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ مَنِيِّ الرَّجُلِ فَعَلَى هَذَا لَهُ خَاصِّيَّتَانِ يُعْرَفُ بِإِحْدَاهُمَا وَقَالَ الْبَغَوِيّ خُرُوجُ مَنِيِّهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَمَنِيِّ الرَّجُلِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا يَطَّرِدُ فِي مَنِيِّهَا الْخَوَاصُّ الثَّلَاثُ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَقَالَ هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ لَيْسَ كَمَا قَالَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا الْمَذْيُ فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ يَخْرُجَ عِنْدَ شَهْوَةٍ لَا بِشَهْوَةٍ وَلَا دَفْقٍ وَلَا يَعْقُبُهُ فُتُورٌ وَرُبَّمَا لَا يَحُسُّ بِخُرُوجِهِ وَيَشْتَرِك الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِذَا
[ ٢ / ١٤١ ]
هَاجَتْ الْمَرْأَةُ خَرَجَ مِنْهَا الْمَذْيُ قَالَ وَهُوَ أُغْلَبُ فِيهِنَّ مِنْهُ فِي الرِّجَالِ: وَأَمَّا الْوَدْيُ فَمَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ ثَخِينٌ يُشْبِهُ الْمَنِيَّ فِي الثَّخَانَةِ وَيُخَالِفُهُ فِي الْكُدُورَةِ وَلَا رَائِحَةَ لَهُ وَيَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ إذَا كَانَتْ الطَّبِيعَةُ مُسْتَمْسِكَةً وعند حمل شئ ثَقِيلٍ وَيَخْرُجْ قَطْرَةً أَوْ قَطْرَتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ: وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ عَلَى أَيِّ حَالٍ وَلَوْ كَانَ دَمًا عَبِيطًا وَيَكُونُ حِينَئِذٍ طَاهِرًا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ إذَا كَانَ كَلَوْنِ الدَّمِ لَمْ يَجِبْ الغسل وليس بشئ والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [فان احتلم ولم ير المنى أو شك هل خرج منه المني لم يلزمه الغسل وان رأى المنى ولم يذكر احتلاما لزمه الغسل لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام قال يغتسل وعن الرجل يرى انه احتلم ولا يجد البلل قال لا غسل عليه)]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا مَشْهُورٌ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عند أهل العلم لا يحتج بروايته ويعنى عَنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سُلَيْمٍ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الِاحْتِلَامِ وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ونقل ابن المنذر الاجماع أَنَّهُ إذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ احْتَلَمَ أَوْ جَامَعَ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ عليه والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وان رأي المني في فراش ينام فيه هو وغيره لم يلزمه الغسل لان الغسل لا يجب بالشك والاولى أنه يغتسل وان كان لا ينام فيه غيره لزمه الغسل واعادة الصلاة من آخر نوم نام فيه]
* [الشَّرْحُ] هُنَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا رَأَى مَنِيًّا فِي فِرَاشٍ يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يُمْنِي فَلَا غُسْلَ
[ ٢ / ١٤٢ ]
عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَجِبُ على صاحبه لاحتمال أنه من الآخر ولايجوز أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُهُمَا خَلْفَ الْآخَرِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ وَالْمُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَغْتَسِلَ (الثَّانِيَةُ) رَأَى الْمَنِيَّ فِي فِرَاشٍ يَنَامُ فِيهِ وَلَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ أَوْ ثَوْبِهِ الَّذِي يَلْبَسُهُ وَلَا يَلْبَسُهُ غَيْرُهُ أَوْ يَنَامُ فِيهِ وَيَلْبَسُهُ صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ إنْزَالِ الْمَنِيِّ فَيَلْزَمُهُ الْغُسْلُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إلَّا وَجْهًا شَاذًّا حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ (١) أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَلَيْسَ بشئ وَالصَّوَابُ الْوُجُوبُ فَعَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا لَا يُحْتَمَلُ حُدُوثُ الْمَنِيِّ بَعْدَهَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَ كُلَّ صَلَاةٍ يَجُوزُ أَنَّ الْمَنِيَّ كَانَ مَوْجُودًا فِيهَا: ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْأَصْحَابَ أَطْلَقُوا الْمَسْأَلَةَ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي هَذَا إذَا رَأَى الْمَنِيَّ فِي بَاطِنِ الثَّوْبِ فَإِنْ رَآهُ فِي ظَاهِرِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَصَابَهُ مِنْ غَيْرِهِ والله أعلم * قال المصنف ﵀ [وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ الْمَذْيِ وَهُوَ الْمَاءُ الذي يخرج بأدني شهوة والدليل عليه ماروى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ (كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ إذَا رَأَيْت الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ) وَلَا مِنْ الودى وهو ما يقطر عِنْدَ الْبَوْلِ لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِالشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ الشرع الا في المنى]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ صَحِيحٌ روه أبو داود والنسائي والبيهقي بلفظه في المذهب إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ ذُكِرَ لَهُ: وَرَوَاهُ البخاري ومسلم في صحيحهما عَنْ عَلِيٍّ قَالَ (كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْت الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَك) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا فَأَمَرْت رَجُلًا وَفِي رواية للنسائي فأمرت عمار بن يسار وفى رواية لمسلم (توضأ وانضح
_________________
(١) حكاه في البيان عن صاحب الفروع وأبي المحاسن وهو ما أجاب به أبو حاتم القزويني في كتابه تجريد التجريد للمحاملي حيث قال ولو وجد في ثوبه منيا لم يلزمه الاغتسال سواء كان على ظاهره أو باطنه أو في ثوب لا يلبسه غيره أو يلبسه ما لم يتيقن انه خرج منه اه اذرعى
[ ٢ / ١٤٣ ]
فَرْجَك) وَفِي رِوَايَةٍ (مِنْهُ الْوُضُوءُ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُهَذَّبِ فَإِذَا نَضَحْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ بِالنُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي بَعْضِهَا فَضَخْتَ بِالْفَاءِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُمَا دَفَقْتَ: وَقَوْلُهُ كُنْتُ مَذَّاءً هو
بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ وَبِالْمَدِّ وَمَعْنَاهُ كَثِيرُ الْمَذْيِ كَضَرَّابٍ: وَقَوْلُهُ أَمَرْت الْمِقْدَادَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَمَّارًا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ أَمَرَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ صَاحِبِ الْكِتَابِ وَمَنْ وَافَقَهُ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أي امرت من ذكركما جاء في معظم الرويات: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فَاسْتَحْيَيْت أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْت رَجُلًا فَسَأَلَهُ وَمَعْنَى اسْتَحْيَيْت لِمَكَانِ ابْنَتِهِ أَنَّ الْمَذْيَ يَكُونُ غَالِبًا لِمُدَاعَبَةِ الزَّوْجَةِ وَقُبْلَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَذْكُرَ الرَّجُلُ مَعَ أَصْهَارِهِ مَا يَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ والله أعلم: أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ وَالْوَدْيَ لَا يُوجِبَانِ الْغُسْلَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هذا وبيان حقيقة المذى والودى ولغاتهما قَرِيبًا: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِالشَّرْعِ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالشَّرْعِ وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يُحَسِّنُهُ وَلَا يُقَبِّحُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ هَذَا فَوَائِدُ: مِنْهَا أَنَّ الْمَذْيَ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَأَنَّهُ نَجَسٌ وَأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ وَأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلِ إذَا كَانَ نَادِرًا لَا يَكْفِي فِي الِاسْتِنْجَاءِ مِنْهُ الْحَجَرُ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ الْمَنِيِّ وَأَنَّ الْمَذْيَ وَغَيْرَهُ مِنْ النَّادِرَاتِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الِاسْتِفْتَاءِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ هُنَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ بِالْمُشَافَهَةِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مُجَامَلَةُ الْأَصْهَارِ وَالتَّأَدُّبُ مَعَهُمْ بِتَرْكِ الْكَلَامِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِاحْتِيَاطُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَقْصُودِ وَلِهَذَا أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ فَقَطْ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ كُلِّ الذَّكَرِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يجب غسل الذكر والانثيين: دليلنا ماروى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ﵁ قَالَ (كُنْت أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً فَكُنْت أُكْثِرُ مِنْ الْغُسْلِ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ
[ ٢ / ١٤٤ ]
فَقَالَ (إنَّمَا يُجْزِئُك مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مِنْ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَأَمَّا الْأَمْرُ بِغَسْلِ الذَّكَرِ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ فَعَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الذَّكَرِ وَهُوَ مَا أَصَابَهُ الْمَذْيُ:
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَعَنْ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ فَقَالَ ذَلِكَ الْمَذْيُ وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَك وَأُنْثَيَيْك وَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَصَابَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِاحْتِمَالِ إصَابَةِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* [فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ الْمَنِيَّ وَالْمَذْيَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ مِنْهُ لِأَنَّ وُجُوبَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مُسْتَيْقَنٌ وَمَا زَادَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَشْكُوكٌ فِي وُجُوبِهِ فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَنِيًّا فَيَجِبُ مِنْهُ الْغُسْلُ وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَذْيًا فَيَجِبُ الْوُضُوءُ وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ احْتِمَالًا وَاحِدًا وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَحْسَنَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا وَيَغْسِلَ سَائِرَ بَدَنِهِ وَيَغْسِلَ الثَّوْبَ مِنْهُ (١) لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ منيا أو جبنا عَلَيْهِ غَسْلَ مَا زَادَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مَذْيًا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ غَسْلَ الثَّوْبِ وَالتَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَلَا سَبِيلَ إلَى إسْقَاطِ حُكْمِهِمَا لِأَنَّ الذِّمَّةَ قَدْ اشْتَغَلَتْ بِفَرْضِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ: وَالتَّخْيِيرُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَهُ مَذْيًا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ مَنِيًّا فَلَمْ يَغْتَسِلْ لَهُ وَإِنْ جَعَلَهُ مَنِيًّا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ مَذْيًا وَلَمْ يَغْسِلْ الثَّوْبَ مِنْهُ وَلَمْ يُرَتِّبْ الْوُضُوءَ مِنْهُ وَأُحِبُّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِيَسْقُطَ الفرض بيقين]
* [الشَّرْحُ] إذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ الْمَنِيَّ وَالْمَذْيَ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا يَجِبُ الْوُضُوءُ مُرَتَّبًا وَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فَعَلَى هَذَا لَوْ اغْتَسَلَ كَانَ كَمُحْدِثٍ اغْتَسَلَ: وَالثَّانِي يَجِبُ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ وَلَا يَجِب تَرْتِيبُهَا بَلْ يَغْسِلُهَا كَيْفَ شَاءَ لِأَنَّ الْمُتَحَقِّقَ هُوَ وُجُوبُهَا وَالتَّرْتِيبُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَهَذَا الْوَجْهُ مَشْهُورٌ فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ وَهَذَا عَجَبٌ منه بل هذا الوجه غلط صريح لاشك فيه
_________________
(١) قوله لانا الخ هذه العبارة إلى اخر المتن لم تذكر في نسخ الشرح وانما اشار لها الشارح بقوله (وذكر دليله) ونحن اثبتنا الدليل بنصه في عبارة المتن كما التزمنا أننا نذكر جميع عبارة المصنف اه مصححه
[ ٢ / ١٤٥ ]
فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُرَتِّبْ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمُوجَبٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ هَذَا الْوَجْهَ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ عَنْ شَيْخِهِ الْقَفَّالِ وَأَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ قَالَ الْقَفَّالُ التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: إحْدَاهَا هَذِهِ (وَالثَّانِيَةُ) إذَا أَوْلَجَ الْخُنْثَى ذَكَرَهُ فِي دُبُرِ رَجُلٍ فَعَلَى المولج فيه الوضوء بلا ترتيب و(الثالثة) مَسْأَلَةُ ابْنِ الْحَدَّادِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي فَصْلِ تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ: قَالَ الْقَاضِي ثُمَّ إنَّ الْقَفَّالَ رجع عن المسألتين الاوليين وَقَالَ الْأَصْلُ شَغْلُ ذِمَّتِهِ بِالصَّلَاةِ وَلَا تَبْرَأُ بِهَذَا فَصَرَّحَ الْقَاضِي بِرُجُوعِ الْقَفَّالِ وَأَنَّ هَذَا الْوَجْهَ خَطَأٌ وَكَأَنَّ مَنْ حَكَاهُ خَفِيَ عَلَيْهِ رُجُوعُ الْقَفَّالِ عَنْهُ: وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْتِزَامِ حُكْمِ الْمَنِيِّ أَوْ الْمَذْيِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْمُصَنِّفِينَ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِمُقْتَضَى أَحَدِهِمَا بَرِئَ مِنْهُ يَقِينًا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْ الْآخَرِ وَلَا مُعَارِضَ لِهَذَا الْأَصْلِ بِخِلَافِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاتَيْنِ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِهِمَا جَمِيعًا وَالْأَصْلُ بَقَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ يَلْزَمُهُ مُقْتَضَى الْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ جَمِيعًا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ (١) وَجَعَلَهُ احْتِمَالًا لِنَفْسِهِ وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِطَهَارَةٍ وَلَا يَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ إلَّا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مَظْنُونَةٍ أَوْ مُسْتَصْحَبَةٍ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِفِعْلِ مُقْتَضَاهُمَا جَمِيعًا: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فِي ثَوْبٍ آخَرَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي فِيهِ الْبَلَلُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ إمَّا جُنُبٌ وَإِمَّا حَامِلُ نَجَاسَةٍ: وَإِنْ اغْتَسَلَ وَصَلَّى فِي هَذَا الثَّوْبِ قَبْلَ غَسْلِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَنِيٌّ: قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ فِي دُبُرِ رَجُلٍ فَهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ ذُكُورَةِ الْخُنْثَى جُنُبَانِ وَإِلَّا فَمُحْدِثَانِ فَالْجَنَابَةُ مُحْتَمَلَةٌ فَإِذَا تَوَضَّأَ وَجَبَ التَّرْتِيبُ وَفِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ وَهُوَ غَلَطٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ عَلَى اخْتِيَارِهِ يَلْزَمُهُ غَسْلُ الثَّوْبِ مَعَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَيُقَالُ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ طهارة فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ بِالشَّكِّ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِأَحَدِهِمَا وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ أتي به الا إذا جمع بينهما
_________________
(١) هذا الذى اختاره المصنف فيه نظر فان استصحاب الطهارة حاصل على الوجه الثالث وهو المختار والجواب عن الاعتراض المذكور انا انما اوجبنا الوضوء احتياطا لاحتمال انه مذي ولا يحصل
[ ٢ / ١٤٦ ]
فَوَجَبَ الْجَمْعُ وَهَذَا اعْتِرَاضٌ حَسَنٌ: فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا إذَا مَلَكَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُخْتَلِطَيْنِ وَزْنُهُ أَلْفٌ: سِتُّمِائَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَأَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ الْآخَرِ وَلَا يُعْرَفُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ وُجُوبُ الِاحْتِيَاطِ بِأَنْ يُزَكِّيَ سِتَّمِائَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَلَمْ يُلْزِمْهُ الْجُمْهُورُ هُنَا الِاحْتِيَاطَ: فَالْجَوَابُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءِ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ الْيَقِينِ بِسَبْكِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْيَقِينُ بِعَيْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* [وَأَمَّا الْحَيْضُ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأتوهن) قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ هُوَ الِاغْتِسَالُ وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ (إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فاغتسلي وصل) وَأَمَّا دَمُ النِّفَاسِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِأَنَّهُ حيض مجتمع ولانه يحرم الصوم والوطئ ويسقط فرض الصلاة فأوجب الغسل كالحيض]
* [الشَّرْحُ] أَمَّا تَفْسِيرُ الْآيَةِ فَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ الْمَحِيضُ هُنَا هُوَ الْحَيْضُ وَهُوَ مَذْهَبُنَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْحَيْضِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَحِيضِ فَعِنْدَنَا هُوَ الدَّمُ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الْفَرْجُ نَفْسُهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الدَّمِ كَالْمَبِيتِ وَالْمَقِيلِ مَوْضِعُ الْبَيْتُوتَةِ وَالْقَيْلُولَةِ: وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ زَمَانُ الْحَيْضِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ غَلَطٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال (قل هو أذى) وَالْفَرْجُ وَالزَّمَانُ لَا يُوصَفَانِ بِذَلِكَ وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ (سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ) أَيْ الدَّمِ وَسَنَزِيدُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَإِيضَاحِهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَيْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا حَدِيثُ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ﵂ مِنْ طُرُقٍ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِمَا (وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي) كَمَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ وَفِي بَعْضِهَا (فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي) وَالْحَيْضَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا فَالْكَسْرُ اسْمٌ لِحَالَةِ الْحَيْضِ وَالْفَتْحُ بِمَعْنَى الْحَيْضِ وَهِيَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الصَّوَابُ الْكَسْرُ وَغَلِطَ مَنْ فَتَحَ وَجَوَّزَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْفَتْحَ
وَهُوَ أَقْوَى: وَحُبَيْشٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثم ياء مثناة من تحت ساكنة
[ ٢ / ١٤٧ ]
ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ: وَاسْمُ أَبِي حُبَيْشٍ قَيْسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى
* أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَبِسَبَبِ النِّفَاسِ وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ أنه يلزمها تمكين الزوج من الوطئ ولا يجوز ذلك الا بالغسل ومالا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ وُجُوبِهِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالرُّويَانِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ بِأَوَّلِ خُرُوجِ الدَّمِ كَمَا قَالُوا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ الْبَوْلِ قَالُوا وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجِبُ بِانْقِطَاعِ الدم وليس بشئ وَعَكَسَ الْخُرَاسَانِيُّونَ هَذَا فَقَالُوا الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ بِانْقِطَاعِهِ لَا بِخُرُوجِهِ كَذَا صَحَّحَهُ الْفُورَانِيُّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يَجِبُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ يَجِبُ بِخُرُوجِهِ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ الْغُسْلَ مَعَ دَوَامِ الحيض غير ممكن ومالا يُمْكِنُ لَا يَجِبُ: قَالَ الْإِمَامُ وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ بِخُرُوجِ جَمِيعِ الدَّمِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ: وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِوُجُوبِهِ بِالِانْقِطَاعِ وَالْبَغَوِيُّ بِالْخُرُوجِ وَكُلُّ مَنْ أَوْجَبَ بِالْخُرُوجِ قَاسُوهُ عَلَى الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ وَقَدْ سَبَقَ فِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ فِي أَنَّ الْوُجُوبَ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ أَمْ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَمْ بِالْمَجْمُوعِ: قَالَ الْمُتَوَلِّي وَتِلْكَ الْأَوْجُهُ جَارِيَةٌ فِي الْحَيْضِ قَالَ إلَّا أَنَّ الْقَائِلِينَ هُنَاكَ يَجِبُ بِالْخُرُوجِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجِبُ بِخُرُوجِ الدَّمِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِانْقِطَاعِهِ فَحَصَلَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ فِي وَقْتِ وُجُوبِ غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ: أَحَدُهَا بِخُرُوجِ الدَّمِ: وَالثَّانِي بِانْقِطَاعِهِ: وَالثَّالِثُ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ: وَالرَّابِعُ بِالْخُرُوجِ وَالِانْقِطَاعِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَالْأَصَحُّ وُجُوبُهُ بِالِانْقِطَاعِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ فَائِدَتُهُ أَنَّ الْحَائِضَ إذَا أَجْنَبَتْ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ غُسْلُ الْحَيْضِ إلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَقُلْنَا بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فَلَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عَنْ الْجَنَابَةِ لِاسْتِبَاحَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسَيَأْتِي هَذَا مَعَ زِيَادَةِ إيضَاحٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَيْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لَهُ فَائِدَةً أُخْرَى حَسَنَةً
فَقَالَ لَوْ اُسْتُشْهِدَتْ الْحَائِضُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ قَبْلَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا فَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ بِالِانْقِطَاعِ لَمْ تُغَسَّلْ
[ ٢ / ١٤٨ ]
وَإِنْ قُلْنَا بِالْخُرُوجِ فَهَلْ تُغَسَّلُ فِيهِ الْوَجْهَانِ فِي غُسْلِ الْجُنُبِ الشَّهِيدِ: فَحَصَلَ فِي الْخِلَافِ فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا مَسْأَلَةُ الشَّهِيدِ: وَالثَّانِيَةُ مَسْأَلَةُ الْحَائِضِ إذَا أَجْنَبَتْ: فَإِنْ قِيلَ الْحَائِضُ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ يُبَاحُ لَهَا الْقِرَاءَةُ سَوَاءٌ قُلْنَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الدَّمِ أَمْ بِانْقِطَاعِهِ فَيَنْبَغِي إذَا أَجْنَبَتْ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ: فَالْجَوَابُ أَنَّا إذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الدَّمِ فَأَجْنَبَتْ فَهَذِهِ امْرَأَةٌ جُنُبٌ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا لِلْجَنَابَةِ فَإِذَا اغْتَسَلَتْ لَهَا ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهَا وَبَقِيَتْ حَائِضًا مُجَرَّدَةً فَتُبَاحُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَدِيمِ وَإِذَا قُلْنَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْخُرُوجِ فَاغْتَسَلَتْ لِلْجَنَابَةِ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ تَرْتَفِعْ جَنَابَتُهَا لِأَنَّ عَلَيْهَا غُسْلَيْنِ غُسْلُ حَيْضٍ وَغُسْلُ جَنَابَةٍ وَغُسْلُ الْحَيْضِ لَا يُمْكِنُ صِحَّتُهُ مَعَ جَرَيَانِ الدَّمِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ غُسْلُ الْحَيْضِ لَمْ يَصِحَّ غُسْلُ الْجَنَابَةِ لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَدَثَانِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْتَفِعَ أَحَدُهُمَا وَيَبْقَى الْآخَرُ كَمَنْ أَحْدَثَ بِنَوْمٍ مَثَلًا ثُمَّ شَرَعَ فِي الْبَوْلِ وَتَوَضَّأَ فِي حَالِ بَوْلِهِ عَنْ النَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَا شَكٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ لَوْ خَرَجَ الدَّمُ مِنْ قُبُلَيْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِصِفَةِ دَمِ الْحَيْضِ وَفِي وَقْتِهِ لِجَوَازِ أَنَّهُ رَجُلٌ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْمُخْتَصَرِ وَتَغْتَسِلُ الْحَائِضُ إذَا طَهُرَتْ وَالنُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الْبَحْرِ قِيلَ لَا مَعْنَى لِتَغْيِيرِ الْعِبَارَةِ فِي الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ إلَّا تَحْسِينَ اللَّفْظِ وَقِيلَ هِيَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ دَمَ النِّفَاسِ لَا يَتَقَدَّرُ أَقَلُّهُ فَمَتَى ارْتَفَعَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَإِنْ قَلَّ وَجَبَ الْغُسْلُ وَدَمُ الْحَائِضِ لَوْ ارْتَفَعَ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَكُونُ حيضا ولا غسل * قال المصنف ﵀
* [وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدًا وَلَمْ تَرَ دَمًا فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَنِيٌّ مُنْعَقِدٌ: وَالثَّانِي لَا يَجِبُ لانه لا يسمى منيا]
* [الشَّرْحُ] هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَالْأَصَحُّ مِنْهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ وَشَذَّ الشَّاشِيُّ فَصَحَّحَ عَدَمَ الْوُجُوبِ: ثُمَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ
ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ هُنَا وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ الْحَيْضِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَبِعَدَمِهِ قَوْلُ أبى علي ابن
[ ٢ / ١٤٩ ]
أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْوَجْهَيْنِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ كَوْنُ الْوَلَدِ مَنِيًّا مُنْعَقِدًا هُوَ التَّعْلِيلُ الْمَشْهُورُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ هَذَا التَّعْلِيلَ وَعِلَّةً أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَخْلُو عَنْ رُطُوبَةٍ وَإِنْ خَفِيَتْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَتُوجَدُ الْوِلَادَةُ بِلَا دَمٍ فِي نِسَاءِ الْأَكْرَادِ كَثِيرًا: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قُلْنَا لَا غُسْلَ عَلَيْهَا فَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ: وَلَوْ خَرَجَ مِنْهَا وَلَدٌ بَعْدَ وَلَدٍ وَقُلْنَا يَجِبُ الْغُسْلُ فَاغْتَسَلَتْ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّانِي وَجَبَ الْغُسْلُ لِلثَّانِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَلَوْ أَلْقَتْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ الْوَجْهَانِ الْأَصَحُّ الْوُجُوبُ ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ بِالْوُجُوبِ فِي الْمُضْغَةِ وَخَصَّ الْوَجْهَيْنِ بِالْعَلَقَةِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَلْ يَصِحُّ غُسْلُهَا بِمُجَرَّدِ وَضْعِهَا أَمْ لَا يَصِحُّ حَتَّى تَمْضِيَ سَاعَةٌ: فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ مَحْدُودٌ بِسَاعَةٍ أَمْ لَا وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَقْتَضِيه إطْلَاقُ الْجُمْهُورِ صِحَّةُ الْغُسْلِ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النِّفَاسَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذا ولدت في نهار رمضان ولم ترد ما فَفِي بُطْلَانِ صَوْمِهَا طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَبْطُلُ سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الْغُسْلَ أَمْ لَا وَبِهِ قَطَعَ الْفُورَانِيُّ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ: (وَالثَّانِي) فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْغُسْلِ إنْ أَوْجَبْنَاهُ بَطَلَ الصَّوْمُ وَإِلَّا فَلَا وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَأَنْكَرَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَقَالَ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ لِأَنَّهَا مَغْلُوبَةٌ كَالِاحْتِلَامِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَوِيٌّ فِي الْمَعْنَى ضَعِيفُ التَّعْلِيلِ (١) أَمَّا ضَعْفُ تَعْلِيلِهِ فَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْحَيْضِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الصَّوْمَ وَإِنْ كَانَتْ مَغْلُوبَةً: وَأَمَّا قُوَّتُهُ فِي الْمَعْنَى فَلِأَنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْأَصْحَابُ فِي تَعْلِيلِ وُجُوبِ الْغُسْلِ أَنَّ الْوَلَدَ مَنِيٌّ مُنْعَقِدٌ وَهَذَا يَصْلُحُ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ لَا لِبُطْلَانِ الصَّوْمِ فَإِنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَلَا اسْتِمْنَاءٍ لَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا حَاضَتْ ثُمَّ أَجْنَبَتْ أَوْ أَجْنَبَتْ ثُمَّ حَاضَتْ لَمْ يَصِحَّ غُسْلُهَا عَنْ الْجَنَابَةِ فِي حَالِ الْحَيْضِ
لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَفِيهِ وَجْهٌ ضعيف ذكره الخراسانيون انه يصح غسلها عن الْجَنَابَةِ وَيُفِيدُهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ إذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا قَرِيبًا عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ أَعْضَاءُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَعَرَقُهُمْ طاهر وهذا لا خلاف فيه بين
_________________
(١) تعليله مني علي العلة المشهورة وهى انه مني منعقد وأما العلة الاخرى فيبطل كالحيض وقوله فيه وجه ضعيف فيه نظر فانه صحح وجوبه بالانقطاع اه اذرعى
[ ٢ / ١٥٠ ]
الْعُلَمَاءِ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ فِيهِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ بَدَنَ الْحَائِضِ نَجِسٌ فَلَوْ أَصَابَتْ مَاءً قَلِيلًا نَجَّسَتْهُ وَهَذَا النَّقْلُ لَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ وَبِقَوْلِهِ ﷺ (حَيْضَتُكِ لَيْسَتْ فِي يَدِك) وَقَوْلِهِ ﷺ (إنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَنَبْسُطُ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ كتاب الحيض إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* [وان استدخلت المرأة المنى ثم خرج منها لم يلزمها الغسل]
* [الشَّرْحُ] إذَا اسْتَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ الْمَنِيَّ فِي فَرْجِهَا أَوْ دُبُرِهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهَا الْغُسْلُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَحَكَى الْقَفَّالُ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ إدْخَالِهَا قُبُلَهَا أَوْ دُبُرَهَا كَتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ وَحَكَوْا مِثْلَ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَهُوَ غَلَطٌ وَإِنْ كَثُرَ قَائِلُوهُ وَنَاقِلُوهُ ثُمَّ إنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَدْنَى خَيَالٍ إذَا اسْتَدْخَلَتْهُ فِي قُبُلِهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا تَلَذَّذَتْ فَأَنْزَلَتْ مَنِيَّهَا فَاخْتَلَطَ بِهِ فَإِذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ الْأَجْنَبِيُّ صَحِبَهُ مَنِيُّهَا لَكِنَّ إيجَابَهُ بِخُرُوجِهِ مِنْ الدُّبُرِ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا خَيَالَ: وَمِمَّنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ لَا يَجِبُ قَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَلِيلُهُ النُّصُوصُ فِي أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ بِمَنِيِّهِ: وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهَا لَوْ أَدْخَلَتْ فِي فَرْجِهَا دَمَ الْحَيْضِ أَوْ أَدْخَلَ الرَّجُلُ فِي دُبُرِهِ أَوْ قُبُلِهِ الْمَنِيَّ وَخَرَجَا فَلَا غُسْلَ نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَيَلْزَمُهَا الْوُضُوءُ بِخُرُوجِهِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ: أَمَّا إذَا جُومِعَتْ فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ فَقَالَ الْأَصْحَابُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا أَيْضًا وَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ قَالَ الْمُتَوَلِّي كَانَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ يَقُولُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ إذَا كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ صَغِيرَةً
لَا تُنْزِلُ أَوْ كَبِيرَةً لَكِنْ أَنْزَلَ الزَّوْجُ عَقِيبَ الْإِيلَاجِ بِحَيْثُ لَمْ تُنْزِلْ هِيَ فِي الْعَادَةِ فَأَمَّا إذَا امْتَدَّ الزَّمَانُ قَبْلَ إنْزَالِهِ فَالْغَالِبُ أَنَّهَا تُنْزِلُ وَيَخْتَلِطُ الْمَنِيَّانِ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ ثَانِيًا: وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْقَاضِي بِحُرُوفِهِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وجوب الغسل
[ ٢ / ١٥١ ]
ثُمَّ قَالَ وَعِنْدِي فِي هَذَا تَفْصِيلٌ فَذَكَرَ نحو كلام القاضى والله أعلم: قال المصنف ﵀
* [وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غُسْلٌ فِي حَالِ الْكُفْرِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ يَغْتَسِلَ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِالْغُسْلِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلٌ فِي حَالِ الْكُفْرِ وَلَمْ يَغْتَسِلْ لَزِمَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَإِنْ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ فِي حَالِ الْكُفْرِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا تَجِبُ إعَادَتُهُ لِأَنَّهُ غُسْلٌ صَحِيحٌ بِدَلِيلِ انه تعلق به اباحة الوطئ فِي حَقِّ الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ فَلَمْ تَجِبْ اعادته كغسل المسلمة: وَالثَّانِي تَجِبُ إعَادَتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ الْكَافِرِ فِي حَقِّ اللَّهِ تعالى كالصوم والصلاة]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ هَذَا: قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَيْسٌ هَذَا مِنْ سَادَاتِ الْعَرَبِ كُنْيَتُهُ أَبُو عَلِيٍّ وَقِيلَ أَبُو قَبِيصَةُ وَقِيلَ أَبُو طَلْحَةَ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ فَأَسْلَمَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلًا قِيلَ لِلْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ مِمَّنْ تَعَلَّمْت الْحِلْمَ قَالَ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ اُحْتُرِزَ بِعِبَادَةٍ عَنْ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ وَبِمَحْضَةٍ عَنْ الْعِدَّةِ وَالْكَفَّارَةِ وَقَوْلُهُ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ الْكَافِرِ فِي حَقِّ اللَّهِ احْتِرَازٌ مِنْ غُسْلِ الْكَافِرَةِ الَّتِي طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَيَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ لَكِنْ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ: أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا إذَا أَجْنَبَ الْكَافِرُ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ: وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِ اللَّهِ تعال (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا
يُغْفَرْ لَهُمْ ما قد سلف) وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَهُمْ الزَّوْجَاتُ وَالْأَوْلَادُ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِالْغُسْلِ وُجُوبًا وَلَوْ وَجَبَ لامرهم به وهذا الوجه ليس بشئ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبُولَ ثُمَّ يُسْلِمَ أَوْ يُجْنِبَ ثُمَّ يُسْلِمَ: وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَالْحَدِيثُ فَالْمُرَادُ بِهِمَا غُفْرَانُ
[ ٢ / ١٥٢ ]
الذُّنُوبِ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ كن عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ قِصَاصٌ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ وَلِأَنَّ إيجَابَ الْغُسْلِ لَيْسَ مُؤَاخَذَةً وَتَكْلِيفًا بِمَا وَجَبَ فِي الْكُفْرِ بَلْ هُوَ إلْزَامُ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ جُنُبٌ وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْجُنُبِ وَلَا يَخْرُجُ بِإِسْلَامِهِ عَنْ كَوْنِهِ جُنُبًا وَالْجَوَابُ عَنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْغُسْلِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْوُضُوءِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لَهُمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَمَنْعِ قَضَاءِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا سَبَقَ أَنَّ الْغُسْلَ مُؤَاخَذَةٌ بِمَا هُوَ حَاصِلٌ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ كَوْنُهُ جُنُبًا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ: وَالثَّانِي أَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ يَكْثُرَانِ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهُمَا وَيُنَفِّرُ عَنْ الْإِسْلَامِ: وَأَمَّا الْغُسْلُ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا غُسْلٌ وَاحِدٌ وَلَوْ أَجْنَبَ أَلْفَ مَرَّةٍ وَأَكْثَرَ فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا أَجْنَبَ وَاغْتَسَلَ فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَفِي وُجُوبِ إعَادَةِ الْغُسْلِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ وَأَجَابُوا عَنْ احْتِجَاجِ الْقَائِلِ الْآخَرِ بِالْحَائِضِ فَقَالُوا لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ لِلضَّرُورَةِ صِحَّتُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ قَاسُوهُ عَلَى الْمَجْنُونَةِ إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَغَسَّلَهَا زوجها ليستبيحها فانها إذا فاقت يلزمها الغسل وهذا على المذهب والمشهور: وَفِيهَا خِلَافٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْكَافِرِ الْمُغْتَسِلِ فِي الْكُفْرِ وَالْكَافِرَةِ الْمُغْتَسِلَةِ لِحِلِّهَا لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ (١) فَالْأَصَحُّ فِي الْجَمِيعِ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَخَالَفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُمْهُورَ فَصَحَّحَ فِي الْحَائِضِ عَدَمَ الْإِعَادَةِ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي آخِرِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ (الثَّالِثَةُ) إذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يُجْنِبْ فِي الْكُفْرِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَغْتَسِلَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ وَالْمُرْتَدُّ وَالذِّمِّيُّ وَالْحَرْبِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ فَانْطَلَقَ إلَى نَخْلٍ قريب من المسجد فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (مَرَّ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَأَطْلَقَهُ وَبَعَثَ بِهِ إلَى حَائِطِ أَبِي طَلْحَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أسلم عند
_________________
(١) وان لم يكن لها زوج أو كان كافرا قال الامام يجب اعادة الغسل وجها واحدا وقال أبو بكر الفارسي بطرد الخلاف في اجزاء الغسل في كل كافر قال وهذا غلط صريح متروك عليه وليس من الرأى ان تحتسب غلطات الرجال من متن المذهب اه اذرعى
[ ٢ / ١٥٣ ]
النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَظْهَرَ الشَّهَادَةَ ثَانِيًا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِالِاغْتِسَالِ وَلِأَنَّهُ تَرْكُ مَعْصِيَةٍ فَلَمْ يَجِبْ مَعَهُ غُسْلٌ كَالتَّوْبَةِ مِنْ سَائِرِ الْمَعَاصِي: وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثَيْهِمَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا حَمْلُهُمَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ قَيْسًا أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ السِّدْرَ غَيْرُ وَاجِبٍ (الثَّانِي) أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُمَا أَجْنَبَا لِكَوْنِهِمَا كانت لهما أولاد فأمرهما بالغسل لِذَلِكَ لَا لِلْإِسْلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
يُسْتَحَبُّ لِلْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ أَنْ يَحْلِقَ شَعْرَ رَأْسِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ والشيخ نصر وآخرون
* واحتجوا لَهُ بِحَدِيثِ عُثَيْمٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَسْلَمْتُ: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ (أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ) يَقُولُ احْلِقْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأَنَّ عُثَيْمًا وَكُلَيْبًا لَيْسَا بِمَشْهُورَيْنِ وَلَا وُثِّقَا لكن أبا داود رواه ولم يضعفه وقد قال انه إذا ذكر حديث وَلَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ عِنْدَهُ صَالِحٌ أَيْ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ فَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُ حَسَنٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ قَيْسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
(فَرْعٌ)
إذَا أَرَادَ الْكَافِرُ الْإِسْلَامَ فَلْيُبَادِرْ بِهِ وَلَا يُؤَخِّرْهُ لِلِاغْتِسَالِ بَلْ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالْإِسْلَامِ وَيُحَرَّمُ تَحْرِيمًا شَدِيدًا تَأْخِيرُهُ لِلِاغْتِسَالِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا إذَا اسْتَشَارَ مُسْلِمًا فِي ذَلِكَ حُرِّمَ عَلَى الْمُسْتَشَارِ تَحْرِيمًا غَلِيظًا أَنْ يَقُولَ لَهُ أَخِّرْهُ إلَى الِاغْتِسَالِ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُثَّهُ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالْإِسْلَامِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَجْهًا أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْغُسْلَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِيُسْلِمَ مُغْتَسِلًا قَالَ وَهُوَ بَعِيدٌ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِ وَخَطَأٌ فَاحِشٌ بَلْ هُوَ مِنْ الْفَوَاحِشِ الْمُنْكَرَاتِ وَكَيْفَ يَجُوزُ الْبَقَاءُ عَلَى أَعْظَمِ الْمَعَاصِي وَأَفْحَشِ الْكَبَائِرِ وَرَأْسِ الْمُوبِقَاتِ وَأَقْبَحِ الْمُهْلِكَاتِ لِتَحْصِيلِ غُسْلٍ لَا يُحْسَبُ عِبَادَةً لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ فَاعِلِهِ وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ لَوْ رَضِيَ مُسْلِمٌ بِكُفْرِ كَافِرٍ بِأَنْ طَلَبَ كَافِرٌ مِنْهُ أَنْ يُلَقِّنَهُ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يَفْعَلْ أَوْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يُسْلِمَ أَوْ أَخَّرَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ صَارَ مُرْتَدًّا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْكُفْرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إفْرَاطٌ أَيْضًا بَلْ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً: وَأَمَّا قَوْلُ النَّسَائِيّ (١) فِي سُنَنِهِ بَابُ تَقْدِيمِ غُسْلِ الْكَافِرِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ثمامة انطلق فاغتسل
_________________
(١) هذا الذى احتج به النسائي محمول على ما سبق وهو انه اظهر اسلامه بعد الغسل بدليل الرواية الاخرى فانها مصرحة بتقديم الاسلام اه اذرعي
[ ٢ / ١٥٤ ]
ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا دَلَالَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ لِمَا ادَّعَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلُ نَفِيسَةٌ تَقَدَّمَتْ فِي أَوَاخِرِ باب نية الوضوء وبالله التوفيق * قال المصنف ﵀
* [ومن اجنب حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله لانا دللنا علي أن ذلك يحرم على المحدث فلان يحرم على الجنب اولى ويحرم عليه قراءة القرآن لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ القرآن) ويحرم عليه اللبث في المسجد ولا يحرم عليه العبور لقوله تَعَالَى (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سبيل) واراد موضع الصلاة وقال في البويطي ويكره له ان ينام حتى يتوضأ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جنب قال (نعم إذا توضأ احدكم فليرقد) قال أبو على الطبري وإذا اراد ان يطأ أو يأكل أو يشرب توضأ
ولا يستحب ذلك للحائض لان الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة لانه يخففه ويزيله عن اعضاء الوضوء]
* [الشَّرْحُ] هَذَا الْفَصْلُ مُشْتَمِلٌ عَلَى جُمَلٍ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ فَالْوَجْهُ أَنْ نَشْرَحَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مُخْتَصَرًا ثُمَّ نَعْطِفَ عَلَيْهِ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ الْفُرُوعَ وَالْمُتَعَلِّقَات: أَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا وَالْمُرَادُ بِهَا فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَالضَّعْفُ فِيهِ بَيِّنٌ وَسَنَذْكُرُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ غَيْرَهُ مِمَّا يُغْنِي عَنْهُ ان شاء الله تعالى: وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَوْلُهُ فَلَأَنْ يَحْرُمَ عَلَى الْجُنُبِ هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُهُ فِي بَابِ الْآنِيَةِ ثُمَّ فِي مَوَاضِعَ وَقَوْلُهُ لا يقرأ الجنب روى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَرُوِيَ بِضَمِّهَا عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي يراد به النهي وهما صحيحان وممن ذكرهما الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَنَظَائِرُهُمَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَاللُّبْثُ هُوَ الْإِقَامَةُ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ لَبِثَ بِالْمَكَانِ وَتَلَبَّثَ أَيْ أَقَامَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَصَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَغَيْرُهُمَا يُقَالُ لَبِثَ يَلْبَثُ لَبْثًا وَلَبَثًا بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا زَادَ فِي الْمُحْكَمِ وَلَبَاثَةً وَلَبِيثَةً يَعْنِي بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا: وَأَمَّا الْجَنَابَةُ فَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْبُعْدُ وَتُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَنْ أَنْزَلَ الْمَنِيَّ وَعَلَى مَنْ جَامَعَ وَسُمِّيَ جُنُبًا لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ الصَّلَاةَ وَالْمَسْجِدَ وَالْقِرَاءَةَ وَيَتَبَاعَدُ عَنْهَا وَيُقَالُ أَجْنَبَ الرَّجُلُ يُجْنِبُ وَجُنِبَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ يُجْنَبُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْأُولَى
[ ٢ / ١٥٥ ]
أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ يُقَالُ رَجُلٌ جُنُبٌ وَرَجُلَانِ وَرِجَالٌ وَامْرَأَةٌ وَامْرَأَتَانِ وَنِسْوَةٌ جُنُبٌ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَيُقَالُ جُنُبَانِ وَأَجْنَابٌ فَيُثَنَّى ويجمع والاول أفصح وأشهر: أما أحكام الْمَسْأَلَةِ فَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ وَاللَّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ: فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْأُولَى فَتَقَدَّمَ شَرْحُهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ: وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَيَحْرُمُ كَثِيرُهَا وَقَلِيلُهَا حَتَّى بَعْضُ آيَةٍ: وَكَذَا يَحْرُمُ اللَّبْثُ فِي جُزْءٍ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لَحْظَةً: وَأَمَّا الْعُبُورُ فَلَا يَحْرُمُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَ الْجَمِيعِ
قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُكْرَهُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَيُسْتَحَبُّ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَطَأَ مَنْ وَطِئَهَا أَوَّلًا أَوْ غَيْرَهَا أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلَ فَرْجَهُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَلَا يُسْتَحَبُّ هَذَا الْوُضُوءُ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِهَا لِأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ فَلَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ وَهَذَا مَا دَامَتْ حَائِضًا فَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا فَتَصِيرُ كَالْجُنُبِ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِهَا كَالْجُنُبِ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ إنَّ الْوُضُوءَ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِ الْجُنُبِ وَيُزِيلُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَ فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ لَا يرتفع شئ مِنْ الْحَدَثِ حَتَّى تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الْمَسَائِلِ الزَّوَائِدِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ وَغَسْلِ الْفَرْجِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ فَقَالَ نَعَمْ إذَا تَوَضَّأَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَك ثُمَّ نَمْ) وَعَنْ عَائِشَةَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ) وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ إذا أراد أن يأكل: وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ
[ ٢ / ١٥٦ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةٍ (فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ): وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ) فَالْمُرَادُ بِحَاجَتِهِ
الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ فَقَالَ أَبُو دَاوُد عَنْ يَزِيدَ بْنِ هرون وَهَمَ السَّبِيعِيُّ فِي هَذَا يَعْنِي قَوْلَهُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ السَّبِيعِيِّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ طَعَنَ الْحُفَّاظُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَتَوَهَّمُوهَا مَأْخُوذَةً عَنْ غَيْرِ الْأَسْوَدِ وَأَنَّ السَّبِيعِيَّ دَلَّسَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيثُ السَّبِيعِيِّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ بَيَّنَ سَمَاعَهُ مِنْ الْأَسْوَدِ وَالْمُدَلِّسُ إذَا بَيَّنَ سَمَاعَهُ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ وَكَانَ ثِقَةً فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ: (قُلْت) قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ إنَّ الْمُدَلِّسَ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ وَإِنْ بَيَّنَ السَّمَاعَ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ إذَا بَيَّنَ السَّمَاعَ اُحْتُجَّ بِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ الْحَدِيثُ صَحِيحًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ وَعَلَى الثَّانِي جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ ﵀ وَاسْتَحْسَنَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَمَسُّ مَاءً لِلْغُسْلِ لِنَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حديثها الْآخَرِ وَحَدِيثِ عُمَرَ الثَّابِتَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: وَالثَّانِي (١) أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ الْوُضُوءَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لَيُبَيِّنَ الْجَوَازَ إذْ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَاعْتَقَدُوا وُجُوبَهُ وَهَذَا عِنْدِي حَسَنٌ أَوْ أَحْسَنُ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (طَافَ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَهُنَّ تِسْعُ نِسْوَةٍ) فَيُحْتَمَلُ أنه كان يتوضأ بينهما وَيُحْتَمَلُ تَرْكُ الْوُضُوءِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد أَنَّهُ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا فَقَالَ (هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ) قَالَ أَبُو دَاوُد وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ: (قُلْت) وَإِنْ صَحَّ هَذَا الثَّانِي حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ وَذَاكَ فِي وَقْتٍ وَالْحَدِيثَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِرِضَاهُنَّ إنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ﷺ فِي الدَّوَامِ فَإِنَّ الْقَسْمَ لا يجوز أقل من ليلة ليلة الا بِرِضَاهُنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا جُنُبٌ وَلَا كَلْبٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ لَا الْحَفَظَةُ لِأَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْجُنُبَ وَلَا غَيْرَهُ: قال وقيل لم يرد
_________________
(١) هذا الثاني هو المختار كما اختاره الشيخ ﵀ وهو ظاهر الحديث والاول فيه نظر فانه تأويل بعيد لا حاجة إليه إذ لا منافاة بين الروايتين اه اذرعي
[ ٢ / ١٥٧ ]
بِالْجُنُبِ مَنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَأَخَّرَ الِاغْتِسَالَ إلَى حُضُورِ الصَّلَاةِ وَلَكِنَّهُ الْجُنُبُ الَّذِي يَتَهَاوَنُ بِالْغُسْلِ وَيَتَّخِذُ تَرْكَهُ عَادَةً لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ): قَالَ وَأَمَّا الْكَلْبُ فَهُوَ أَنْ يَقْتَنِيَ كَلْبًا لِغَيْرِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ وَحِرَاسَةِ الدَّارِ: قَالَ وَأَمَّا الصُّورَةُ فَهِيَ كُلُّ مُصَوَّرٍ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى جِدَارٍ أَوْ سَقْفٍ أَوْ ثَوْبٍ هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَفِي تَخْصِيصِهِ الْجُنُبَ بِالْمُتَهَاوِنِ وَالْكَلْبَ بِاَلَّذِي يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ نَظَرٌ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ
* (فَرْعٌ)
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَ الْوُضُوءِ لِلْجُنُبِ هُوَ مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ السَّلَفِ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ هُوَ بِالْخِيَارِ: دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي قِرَاءَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا حَتَّى بَعْضُ آيَةٍ وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كَذَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ وَجَابِرٍ ﵃ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ دَاوُد يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ قِرَاءَةُ كُلِّ الْقُرْآنِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ مَالِكٌ يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ لِلتَّعَوُّذِ وَفِي الحائض روايتان عنه احداهما تقرأ والثاني لَا تَقْرَأُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْرَأُ الْجُنُبُ بَعْضَ آيَةٍ وَلَا يَقْرَأُ آيَةً وَلَهُ رِوَايَةٌ كَمَذْهَبِنَا
* وَاحْتَجَّ مَنْ جَوَّزَ مُطْلَقًا بِحَدِيثِ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالُوا وَالْقُرْآنُ ذِكْرٌ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَكُنْ يحجبه وربما قال يحجزه عن القرآن شئ ليس
[ ٢ / ١٥٨ ]
الجناية) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُحَقِّقِينَ هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي سُنَنِ حَرْمَلَةَ ثُمَّ قَالَ إنْ كَانَ ثَابِتًا فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ جِمَاعِ الطُّهُورِ وَقَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْحَدِيثِ يُثْبِتُونَهُ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي ثُبُوتِهِ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ وَكَانَ قَدْ كَبُرَ وَأُنْكِرَ مِنْ حَدِيثِهِ وَعَقْلُهُ بَعْضُ النَّكَرَةِ وانما روى هذا الحديث بعد ما كَبُرَ قَالَهُ شُعْبَةُ ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الائمة تحقيق ما قال ثم قال البيقى وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَرِهَ الْقِرَاءَةَ لِلْجُنُبِ ثُمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْغَافِقِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ إذَا تَوَضَّأْتُ وَأَنَا جُنُبٌ أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ وَلَا أُصَلِّي وَلَا أَقْرَأُ حَتَّى أَغْتَسِلَ) وَإِسْنَادُهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِقِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵁ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ امْرَأَتَهُ رَأَتْهُ يُوَاقِعُ جَارِيَةً لَهُ فَذَهَبَتْ فَأَخَذَتْ سِكِّينًا وَجَاءَتْ تُرِيدُ قَتْلَهُ فَأَنْكَرَ أَنَّهُ وَاقَعَ الْجَارِيَةَ وَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجُنُبَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ: قَالَتْ بَلَى فَأَنْشَدَهَا الْأَبْيَاتَ الْمَشْهُورَةَ فَتَوَهَّمَتْهَا قُرْآنًا فَكَفَّتْ عَنْهُ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَضَحِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ: وَالدَّلَالَةُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ يَعْرِفُهُ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَلَكِنَّ إسْنَادَ هَذِهِ الْقِصَّةِ ضَعِيفٌ وَمُنْقَطِعٌ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ احْتِجَاجِ دَاوُد (١) بِحَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ غَيْرُ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ: وَأَمَّا الْمَذَاهِبُ الْبَاقِيَةُ فَقَدْ سَلَّمُوا تَحْرِيمَ الْقِرَاءَةِ فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ ادَّعُوا تَخْصِيصًا لَا مُسْتَنَدَ لَهُ: فَإِنْ قَالُوا جَوَّزْنَا لِلْحَائِضِ خَوْفَ النِّسْيَانِ قُلْنَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بتفكرها بقلبها والله أعلم
*
_________________
(١) مذهب داود قوي فانه لم يثبت في المسألة شئ يحتج به لنا كما اوضحه وقد نقل البيهقى في معرفة السنن والاثا عن الشافعي انه قال احب للجنب ان لا يقرأ القرآن لحديث لا يثبته اهل الحديث وهذا المذهب هو اختيار ابن المنذر كما سبق والاصل عدم التحريم اه من هامش الاذرعي
[ ٢ / ١٥٩ ]
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مُكْثِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ وَعُبُورِهِ فِيهِ بِلَا مُكْثٍ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ
فِي الْمَسْجِدِ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا أَوْ مُتَرَدِّدًا أَوْ عَلَى أَيِّ حال كان متوضأ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَيَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ أَمْ لَا وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِثْلَ هَذَا عَنْ عبد الله ابن مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَمَالِكٍ وَحُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وأصحابه واسحاق ابن رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا مِنْهُ فَيَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَمُرَّ وَقَالَ أَحْمَدُ يَحْرُمُ الْمُكْثُ وَيُبَاحُ الْعُبُورُ لِحَاجَةٍ وَلَا يُبَاحُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ قَالَ وَلَوْ تَوَضَّأَ اسْتَبَاحَ الْمُكْثَ: وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي هَذَا وَقَالَ الْمُزَنِيّ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ
* وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ الْمُكْثَ مُطْلَقًا بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبِمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَاحْتَجَّ بِهِ غَيْرُهُ أَنَّ الْمُشْرِكَ يَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ فَالْمُسْلِمُ الْجُنُبُ أَوْلَى: وَأَحْسَنُ مَا يُوَجَّهُ بِهِ هَذَا الْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَلَيْسَ لِمَنْ حَرَّمَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عابرى سبيل) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْقُرْآنِ مَعْنَاهَا لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ بِمَا قَالَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ إنَّمَا عُبُورُ السَّبِيلِ فِي مَوْضِعِهَا وَهُوَ الْمَسْجِدُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَعَلَى مَا تَأَوَّلَهَا الشَّافِعِيُّ تَأَوَّلَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَرَوَيْنَا هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ مُجْتَازًا وَهُوَ جُنُبٌ وَعَنْ أَفْلَتَ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَبُيُوتُ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ (وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَيْسَ هُوَ بِقَوِيٍّ قَالَ قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ جَسْرَةَ عَجَائِبُ وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرُهَا فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ وَقَالَ الخطابي ضعف جماعة هَذَا الْحَدِيثُ وَقَالُوا أَفْلَتُ مَجْهُولٌ وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ (قُلْت) وخالفهم غيرهم فقال احمد ابن حَنْبَلٍ لَا أَرَى بِأَفْلَتَ
[ ٢ / ١٦٠ ]
بَأْسًا وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ هُوَ كُوفِيٌّ صَالِحٌ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ جَسْرَةُ تَابِعِيَّةٌ ثِقَةٌ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ مَا رَوَاهُ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَلَمْ يَجِدْ لِغَيْرِهِ فيه تضعفيا فَهُوَ عِنْدَهُ صَالِحٌ وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعَّفَهُ مَنْ ذَكَرْنَا وَجَسْرَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَأَفْلَتُ بِالْفَاءِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وُجُوهُ الْبُيُوتِ أَبْوَابُهَا وَقَالَ وَمَعْنَى وَجِّهُوهَا عَنْ الْمَسْجِدِ اصْرِفُوا وُجُوهَهَا عَنْ الْمَسْجِدِ: وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِحَدِيثِ (الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ) بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ نَجَاسَتِهِ جَوَازُ لُبْثِهِ فِي الْمَسْجِدِ: وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْمُشْرِكِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَامَ دَلِيلُ تَحْرِيمِ مُكْثِ الْجُنُبِ وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا فَرَّقَ الشَّرْعُ لَمْ يَجُزْ التَّسْوِيَةُ وَالثَّانِي أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ فَلَا يُكَلَّفُ بِهَا بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَتْلَفَ عَلَى الْمُسْلِمِ شَيْئًا لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الضَّمَانَ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ إذَا أَتْلَفَا
* وَاحْتَجَّ مَنْ حَرَّمَ الْمُكْثَ وَالْعُبُورَ بِحَدِيثِ (لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) وَبِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ الْمُفَسِّرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ (يَا عَلِيُّ لَا يحل لاحد يُجْنِبَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرِك) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرِك قَالَ التِّرْمِذِيُّ سَمِعَ الْبُخَارِيُّ مِنِّي هذا الحديث واستغر به قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَجُوزُ الْمُكْثُ فِيهِ فَكَذَا الْعُبُورُ كَالدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَقِيَاسًا عَلَى الْحَائِضِ وَمَنْ فِي رِجْلِهِ نَجَاسَةٌ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سبيل) وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّلَالَةِ مِنْهَا قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَجْنَبَ وَعَدِمَ الْمَاءَ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَتْ الْجَنَابَةُ بَاقِيَةً لِأَنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ الصَّلَاةِ: وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْمُسَافِرِ بَلْ يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ فَلَا تُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ الظَّاهِرُ وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ (٢) وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَتَفْسِيرُهُمْ عَلَى وَفْقِهِ فكان أولى
* واحتجوا بحديث جابر (كنا
_________________
(١) قوله ولم يجد لغيره هكذا ذكره في علوم الحديث وفيه نظر فانه قال وما لم اذكر فيه شيئا فهو صالح أي صحيح أو حسن كما سبق ولم يشترط عدم تضعيف غيره فان ضعفه غيره فهو عند ابى
(٢) قوله وقد جاء الحديث فيه نظر فانه لم يذكر حديثا في جواز العبور يحتج به والعمدة فيه الاية الكريمة اه اذرعى
[ ٢ / ١٦١ ]
نَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا لَا نَرَى بِهِ بَأْسًا (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ أُمِنَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ فَجَازَ عُبُورُهُ كَالْمُحْدِثِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِهِمْ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَنَّهُ إنْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْمُكْثِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ: وَأَمَّا الثَّانِي فَضَعِيفٌ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَعَطِيَّةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ جِدًّا شِيعِيَّانِ مُتَّهَمَانِ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَضْعِيفِ سَالِمٍ وَغُلُوِّهِ فِي التَّشَيُّعِ وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ بَعْضُ مَا ذَكَرنَا لاسيما وَقَدْ اسْتَغْرَبَهُ الْبُخَارِيُّ إمَامُ الْفَنِّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ بَلْ مَعْنَاهُ إبَاحَةُ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَنَابَةِ وَقَدْ ذكر أبو العباس ابن الْقَاصِّ هَذَا فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ: وأما قياسهم على الدر الْمَغْصُوبَةِ فَمُنْتَقَضٌ بِمَوَاضِعِ الْخُمُورِ وَالْمَلَاهِي وَالطُّرُقِ الضَّيِّقَةِ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَنْ عَلَى رِجْلِهِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّمَا يُمْنَعُ عُبُورُهُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَارِيَةً أَوْ مُتَعَرِّضَةً لِلْجَرَيَانِ وَهَذَا يُمْنَعُ صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ مِنْ تَلْوِيثِهِ وَالْجُنُبُ بِخِلَافِهِ فَنَظِيرُ الْجُنُبِ مَنْ عَلَى رِجْلِهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ فَلَهُ الْعُبُورُ وَبِهَذَا يجاب عن قياسم عَلَى الْحَائِضِ إنْ حَرَّمْنَا عُبُورَهَا وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ جَوَازُ عُبُورِهَا إذَا أَمِنَتْ التَّلْوِيثَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* [فَصْلٌ] يَتَعَلَّقُ بِقِرَاءَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ وَأَذْكَارِهِمْ وَمَوَاضِعِ الْقِرَاءَةِ وَأَحْوَالِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا الْفَصْلُ مِنْ الْمُهِمَّاتِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ لِطَالِبِ الْآخِرَةِ مَعْرِفَتُهَا وَقَدْ جَمَعْت فِي هَذَا كِتَابًا لَطِيفًا وَهُوَ (التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ) وَأَنَا أُشِيرُ هُنَا إلَى جُمَلٍ مِنْ مَقَاصِدِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهِ مَسَائِلُ: (إحْدَاهَا) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قِرَاءَةُ شئ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنْ قَلَّ حَتَّى بَعْضِ آيَةٍ وَلَوْ كَانَ يُكَرِّرُ فِي كِتَابِ فِقْهٍ أَوْ غَيْرِهِ فِيهِ احْتِجَاجٌ بِآيَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الْفَتَاوَى لِأَنَّهُ يَقْصِدُ الْقُرْآنَ لِلِاحْتِجَاجِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْآنَ جاز وكذا ما أشبههه وَيَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ
فِي مَعْنَاهُ أَنْ تَقُولَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون) إذَا لَمْ تَقْصِدْ الْقُرْآنَ: قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَيَجُوزُ عِنْدَ رُكُوبِ الدَّابَّةِ أَنْ يَقُولَ (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مقرنين)
[ ٢ / ١٦٢ ]
لَا بِقَصْدِ الْقُرْآنِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَأَشَارَ الْعِرَاقِيُّونَ إلَى مَنْعِهِ وَالْمُخْتَارُ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِي الدُّعَاءِ (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عذاب النار): قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَوَالِدُهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ إذَا قَالَ الْجُنُبُ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَإِنْ قَصَدَ الْقُرْآنَ عصا وَإِنْ قَصَدَ الذِّكْرَ لَمْ يَعْصِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ يَعْصِ أَيْضًا قَطْعًا لان القصد مرعي في هذه الْأَبْوَابِ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) تَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ مَا نسخت تلاوته كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما وما أشبههه: صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ: (الثَّالِثَةُ) يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَتُهُ بِالْقَلْبِ دُونَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ: (الرَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْجُنُبُ مَاءً وَلَا تُرَابًا يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ وَحْدَهَا لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَا يَقْرَأْ زِيَادَةً عَلَى الْفَاتِحَةِ وَفِي الْفَاتِحَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ أَحَدُهُمَا وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهَا شَرْعًا فَيَأْتِي بِالْأَذْكَارِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ: (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ وَقِرَاءَتُهُ كَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَبْسُوطَةً فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: (الْخَامِسَةُ) غَيْرُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ لَوْ كَانَ فَمُهُ نَجِسًا كُرِهَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ: قَالَ الرُّويَانِيُّ وَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا وَالِدِي: أَحَدُهُمَا يَحْرُمُ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ بِيَدِهِ النَّجِسَةِ: (وَالثَّانِي) لَا يَحْرُمُ كَقِرَاءَةِ الْمُحْدِثِ كَذَا أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ وَإِطْلَاقِهِمْ أَنَّ غَيْرَ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لَا يَحْرُم عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ: (السَّادِسَةُ) أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يتوضأ لها قال امام الحرمين وغيره ولايقال قِرَاءَةُ الْمُحْدِثِ مَكْرُوهَةٌ فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ مَعَ الْحَدَثِ) وَالْمُسْتَحَاضَةُ فِي الزَّمَنِ الْمَحْكُومِ بِأَنَّهُ طُهْرٌ
كَالْمُحْدِثِ: (السَّابِعَةُ) لَا يُكْرَه لِلْمُحْدِثِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ (١) فِي الْحَمَّامِ نَقَلَهُ صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ومالك ونقل عن أبي وائل
_________________
(١) نقل المصنف في التبيان، عدم الكراهة عن الاصحاب مطلقا فقال قال اصحابنا لا تكره يعني القراءة في الحمام وهذا فيه نظر لا يخفى لان قراءة القرآن عبادة وليس الحمام من موضع العبادة ثم رأيت بعد هذا بزمان جماعة من اصحابنا كرهوا ذلك منهم الحليمى والصيمري وغيرهما اه اذرعى
[ ٢ / ١٦٣ ]
شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ وَالشَّعْبِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالْحَسَنِ وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ كَرَاهَتُهُ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَيَكُونُ عَنْهُ خِلَافٌ: دَلِيلُنَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِكَرَاهَتِهِ فَلَمْ يُكْرَهْ كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ: (الثَّامِنَةُ) لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الطَّرِيقِ مَارًّا إذَا لَمْ يَلْتَهِ وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهَا قَالَ الشَّعْبِيُّ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْحَشِّ وَبَيْتِ الرَّحَا وَهِيَ تَدُورُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا: (التَّاسِعَةُ) إذَا كَانَ يَقْرَأُ فَعَرَضَتْ لَهُ رِيحٌ أَمْسَكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَالَ خُرُوجِهَا: (الْعَاشِرَةُ) أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ وَمَا سِوَى الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَدَلَائِلُهُ مَعَ الْإِجْمَاعِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَشْهُورَةٌ: (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَذِهِ الْأَذْكَارِ فِيهَا وَسَتَأْتِي دَلَائِلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَذْكَارِ الطَّوَافِ: (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَظِّفَ فَمَه قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ بِسِوَاكٍ وَنَحْوِهِ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَجْلِسَ مُتَخَشِّعًا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَلَوْ قَرَأَ قَائِمًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ عَلَى فِرَاشِهِ جَازَ وَدَلَائِلُهُ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ مَشْهُورَةٌ وَإِذَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ تَعَوَّذَ وجهربه (١): وَالتَّعَوُّذُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيُحَافِظُ عَلَى قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ غَيْرَ بَرَاءَةٍ فَإِذَا شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَلْيَكُنْ شَأْنُهُ الْخُشُوعَ وَالتَّدَبُّرَ وَالْخُضُوعَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَالْمَقْصُودُ وَبِهِ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ وَتَسْتَنِيرُ الْقُلُوبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) وقال تعالى (أفلا يتدبرون القرآن وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ وَقَدْ بَاتَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ يُرَدِّدُ أَحَدُهُمْ الْآيَةَ جَمِيعَ لَيْلَتِهِ أَوْ مُعْظَمَهَا وَصَعِقَ جَمَاعَاتٌ مِنْ السَّلَفِ عِنْدِ الْقِرَاءَةِ
وَمَاتَ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ بِسَبَبِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْ ذَكَرْت فِي التِّبْيَانِ جُمْلَةً مِنْ أَخْبَارِ هَؤُلَاءِ ﵃: ويسن تحسين الصوت بالقرءان لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِيهِ: وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي التِّبْيَانِ وَسَأَبْسُطُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْكِتَابِ حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ حَسَّنَهُ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَخْرُجُ بِتَحْسِينِهِ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ إلَى التَّمْطِيطِ الْمُخْرِجِ لَهُ عَنْ حُدُودِهِ وَيُسْتَحَبُّ الْبُكَاءُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَهِيَ صفة العارفين وشعار عباد الله الصحالحين: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خشوعا) وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابن مسعود
_________________
(١) هي يعني في غير الصلاة اه اذرعى
[ ٢ / ١٦٤ ]
﵁ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَى أَنْ قَالَ (حَسْبُك) قَالَ فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ وَطَرِيقُهُ فِي تَحْصِيلِ الْبُكَاءِ أَنْ يَتَأَمَّلَ مَا يَقْرَؤُهُ مِنْ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَالْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ ثُمَّ يُفَكِّرُ فِي تَقْصِيرِهِ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ عِنْدَ ذَلِكَ حُزْنٌ وَبُكَاء فَلْيَبْكِ عَلَى فَقْدِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَصَائِبِ: وَيُسَنُّ تَرْتِيلُ الْقِرَاءَةِ: قَالَ الله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا) وَثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ مُرَتَّلَةً وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ الْإِفْرَاطِ فِي الْإِسْرَاعِ وَيُسَمَّى الْهَذُّ قَالُوا وَقِرَاءَةُ جُزْءٍ بِتَرْتِيلٍ أَفْضَلُ مِنْ قراءة جزءين فِي قَدْرِ ذَلِكَ الزَّمَنِ بِلَا تَرْتِيلٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالتَّرْتِيلُ مُسْتَحَبٌّ لِلتَّدَبُّرِ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجْلَالِ وَالتَّوْقِيرِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي الْقَلْبِ وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ التَّرْتِيلُ لِلْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ وَيُسْتَحَبُّ إذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْ الْعَذَابِ أَوْ مِنْ الشَّرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ تَنْزِيهٍ لله تعالى نزه فقال تبارك الله أوجلت عَظَمَةُ رَبِّنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ: وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ قَارِئٍ سَوَاءٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا وَسَوَاءٌ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَنَبْسُطُ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالْأَعْجَمِيَّةِ سواء أحسن العربية أم لا سواء كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ خَارِجَهَا وَتَجُوزُ بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ وَلَا تَجُوزُ بِالشَّوَاذِّ وَسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَوْلَى
أَنْ يَقْرَأَ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ سَوَاءٌ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ خَارِجَهَا وَإِذَا قَرَأَ سُورَةً قَرَأَ بَعْدَهَا الَّتِي تَلِيهَا لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْمُصْحَفِ لِحِكْمَةٍ فَلَا يَتْرُكْهَا إلَّا فِيمَا وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِالتَّفْرِيقِ كَصَلَاةِ الصبح يوم الجمعة (بآلم) (وهل أتي) وصلاة العيد (بق) (وَاقْتَرَبَتْ) وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فَلَوْ فَرَّقَ أَوْ عَكَسَ جَازَ وَتَرَكَ الْأَفْضَلَ وَأَمَّا قِرَاءَةُ السُّورَةِ مِنْ آخِرِهَا إلَى أَوَّلِهَا فَمُتَّفَقٌ عَلَى مَنْعِهِ وَذَمِّهِ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْإِعْجَازِ وَيُزِيلُ حِكْمَةَ التَّرْتِيبِ وَأَمَّا تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ مِنْ آخِرِ الْخَتْمَةِ إلَى أَوَّلِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ يَقَعُ في أيام
*
[ ٢ / ١٦٥ ]
(فَرْعٌ)
الْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْقِرَاءَةَ وَالنَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ وَهُوَ عِبَادَةٌ أُخْرَى كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ السَّلَفِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَسْتَوِي خُشُوعُهُ وَحُضُورُ قَلْبِهِ فِي الْحَالَيْنِ فَأَمَّا مَنْ يَزِيدُ خُشُوعُهُ وَحُضُورُ قَلْبِهِ وَتَدَبُّرُهُ فِي الْقِرَاءَةِ عن ظهر القلب وهى أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ
* (فَرْعٌ)
لَا كَرَاهَةَ فِي قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ مُجْتَمِعِينَ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَكَذَا الْإِدَارَةُ وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضُهُمْ جُزْءًا أَوْ سُورَةً مَثَلًا وَيَسْكُتَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ يَقْرَأَ السَّاكِتُونَ وَيَسْكُتَ الْقَارِئُونَ وَقَدْ ذَكَرْتُ دَلَائِلَهُ فِي التِّبْيَانِ وَلِلْقَارِئِينَ مُجْتَمِعِينَ آدَابٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا سَبَقَ فِي آدَابِ الْقَارِئِ وَحْدَهُ وَمِنْهَا أَشْيَاءُ يُتَسَاهَلُ فِيهَا فِي الْعَادَةِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاجْتِنَابِ الضَّحِكِ وَاللَّغَطِ وَالْحَدِيثِ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ إلَّا كَلَامًا يَسِيرًا لِلضَّرُورَةِ وَبِاجْتِنَابِ الْعَبَثِ بِالْيَدِ وَغَيْرِهَا وَالنَّظَرِ إلَى مَا يُلْهِي أَوْ يُبَدِّدُ الذِّهْنَ وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ النَّظَرُ إلَى مَنْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ كَالْأَمْرَدِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَمْ بِغَيْرِهَا وَيَجِبُ عَلَى الْحَاضِرِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَنْ يُنْكِرَ مَا يَرَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ وَغَيْرِهَا فَيُنْكِرَ بِيَدِهِ ثُمَّ لِسَانِهِ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ
* (فَرْعٌ)
جَاءَتْ فِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ تَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَأَحَادِيثُ تَقْتَضِي أَنَّ الْإِسْرَارَ وَالْإِخْفَاءَ أَفْضَلُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا أَنَّ الْإِخْفَاءَ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ يَخَافُ الرِّيَاءَ وَكَذَا ما يَتَأَذَّى الْمُصَلُّونَ وَغَيْرُهُمْ بِجَهْرِهِ فَالْإِخْفَاءُ أَفْضَلُ فِي
حَقِّهِ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ الرِّيَاءَ وَلَمْ يَتَأَذَّ أَحَدٌ بِجَهْرِهِ فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَكْثَرُ وَلِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَتَعَدَّى إلَى السَّامِعِينَ وَلِأَنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِئِ وَيَجْمَعُ هَمَّهُ إلَى الْفِكْرِ وَيَصْرِفُ سَمْعَهُ إلَيْهِ وَيَطْرُدُ النَّوْمَ وَيُزِيدُ فِي النَّشَاطِ وَقَدْ أَوْضَحْت جُمْلَةً مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْوَارِدَةِ مِنْ ذَلِكَ فِي التِّبْيَانِ
* (فَرْعٌ)
يُسَنُّ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِيهِ وَسَنَبْسُطُهُ إنْ شَاءَ
[ ٢ / ١٦٦ ]
اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَيُسَنُّ طَلَبُ الْقِرَاءَةِ مِنْ حَسَنِ الصَّوْتِ وَالْإِصْغَاءُ إلَيْهَا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَهُوَ عَادَةُ الْأَخْيَارِ وَالْمُتَعَبِّدِينَ وَعِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغَ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) وَالْآثَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَقَدْ مَاتَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّالِحِينَ بِقِرَاءَةِ مَنْ سَأَلُوهُ الْقِرَاءَةَ وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ افْتِتَاحَ مَجْلِسِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ حَسَنِ الصَّوْتِ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ
* (فَرْعٌ)
يَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ أَوْ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ الْمُرْتَبِطِ وَيَقِفَ عَلَى آخِرِهَا أَوْ آخِرِ الْكَلَامِ الْمُرْتَبِطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَلَا يَتَقَيَّدَ بِالْأَجْزَاءِ وَالْأَعْشَارِ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي وَسَطِ كَلَامٍ مُرْتَبِطٍ كَالْجُزْءِ فِي قَوْله تَعَالَى (وَالْمُحْصَنَاتُ) (وما أبرئ نفسي) (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ معي صبرا) (ومن يقنت منكن) (وما أنزلنا علي قومه) (إليه يرد علم الساعة) (قال فما خطبكم) فكل هذا وشبهه لا يبتدأ به لا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَلَا يُغْتَرُّ بِكَثْرَةِ الْفَاعِلِينَ لَهُ وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ قِرَاءَةُ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ بِكَمَالِهَا أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى الِارْتِبَاطُ
* (فَرْعٌ)
تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي أَحْوَالٍ مِنْهَا حَالُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ سِوَى الْقِيَامِ وَتُكْرَهُ فِي حَالِ الْقُعُودِ عَلَى الْخَلَاءِ وَفِي حَالِ النُّعَاسِ وَحَالِ الْخُطْبَةِ لِمَنْ يَسْمَعُهَا وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةُ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَلَا يُكْرَهُ فِي الطَّوَافِ
وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ وَقِرَاءَةُ مَنْ فَمُهُ نَجِسٌ
* (فَرْعٌ)
إذَا مَرَّ الْقَارِئُ عَلَى قَوْمٍ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَعَادَ إلَى الْقِرَاءَةِ فَإِنْ أَعَادَ التَّعَوُّذَ كَانَ حَسَنًا وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَرَّ عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ (١) وَيَلْزَمُ الْقَارِئَ رَدُّ السَّلَامِ بِاللَّفْظِ وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يُسَلِّمُ الْمَارُّ فَإِنْ سَلَّمَ رَدَّ عَلَيْهِ الْقَارِئُ بِالْإِشَارَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَلَوْ عَطَسَ الْقَارِئُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ تَعَالَى وَلَوْ عَطَسَ غَيْرُهُ شَمَّتَهُ الْقَارِئُ وَلَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَوْ الْمُقِيمَ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ وَتَابَعَهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الْأَذَانِ وَلَوْ طُلِبَتْ مِنْهُ حَاجَةٌ وَأَمْكَنَهُ الْجَوَابُ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَى الطالب اجابه اشارة
*
_________________
(١) أما السلام عليه ففيه نظر واما وجوب الرد باللفظ فقريب لانه يقطع القراءة لاجابة الموذن فهنا اولى اه اذرعى
[ ٢ / ١٦٧ ]
(فَرْعٌ)
إذَا قَرَأَ (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ وَإِذَا قَرَأَ (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى) قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَإِذَا قَرَأَ (وقل الحمد الله الذى لم يتخذ ولدا) قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَقَدْ بَسَطْت ذَلِكَ فِي التِّبْيَانِ وَسَأَذْكُرُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مَبْسُوطًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
جَاءَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مغلولة) (وقالت اليهود عزير ابن الله) وَنَحْوَهُمَا خَفَضَ صَوْتَهُ قَلِيلًا وَقَالَ غَيْرُهُ إذَا قَرَأَ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) الْآيَةَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ ﷺ تَسْلِيمًا
* (فَرْعٌ)
فِي الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَارَةِ لِلْقِرَاءَةِ أَفْضَلُهَا مَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ وَمَذْهَبُنَا أَنَّ تَطْوِيلَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ السُّجُودِ وَغَيْرِهِ وَسَنَبْسُطُ الْمَسْأَلَةَ بِأَدِلَّتِهَا وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ: وَأَفْضَلُ الْأَوْقَاتِ اللَّيْلُ وَنِصْفُهُ الْآخَرُ أَفْضَلُ وَالْقِرَاءَةُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مَحْبُوبَةٌ وَأَفْضَلُ النَّهَارِ بعد الصبح ولا كراهة في شئ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ كَرَاهَةُ القراءة بعد العصر وليس بشئ وَلَا أَصْلَ لَهُ وَيَخْتَارُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ عَرَفَةَ ثُمَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَمِنْ الْأَعْشَارِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ
شَهْرِ رَمَضَانَ وَالْأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَمِنْ الشُّهُورِ رَمَضَانَ
* (فَرْعٌ)
فِي آدَابِ خَتْمِ الْقُرْآنِ يُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَإِنْ قَرَأَ وَحْدَهُ فَالْخَتْمُ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ وَاسْتَحَبَّ السَّلَفُ صِيَامَ يَوْمِ الْخَتْمِ وَحُضُورَ مَجْلِسِهِ وَقَالُوا يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ عِنْدَ الْخَتْمِ وَتَنْزِلُ الرَّحْمَةُ وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ إذَا أَرَادَ الْخَتْمَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَخَتَمَ وَدَعَا وَاسْتَحَبُّوا الدُّعَاءَ بَعْدَ الْخَتْمِ اسْتِحْبَابًا مُتَأَكَّدًا وَجَاءَ فِيهِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ وَيُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ وَيَدْعُو بِالْمُهِمَّاتِ وَيُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ فِي صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاحِ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ وَيَخْتَارُ الدَّعَوَاتِ الْجَامِعَةَ وَقَدْ جَمَعْت فِي التِّبْيَانِ مِنْهَا جُمْلَةً وَاسْتَحَبُّوا إذَا خَتَمَ أَنْ يَشْرَعَ فِي خَتْمَةٍ أُخْرَى
* (فَرْعٌ)
فِي آدَابِ حَامِلِ الْقُرْآنِ لِيَكُنْ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَأَكْرَمِ الشَّمَائِلِ وَيَرْفَعُ نَفْسَهُ عَنْ
[ ٢ / ١٦٨ ]
كُلِّ مَا نَهَى الْقُرْآنُ عَنْهُ وَيَتَصَوَّنُ عَنْ دنئ الِاكْتِسَابِ وَلْيَكُنْ شَرِيفَ النَّفْسِ عَفِيفًا مُتَوَاضِعًا لِلصَّالِحِينَ وَضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ مُتَخَشِّعًا ذَا سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ ينبغى لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا النَّاسُ يَخْتَالُونَ: وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵀ إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَأَوْا الْقُرْآنَ رَسَائِلَ مِنْ رَبِّهِمْ فَكَانُوا يَتَدَبَّرُونَهَا بِاللَّيْلِ وَيُنَفِّذُونَهَا بِالنَّهَارِ وَقَالَ الْفُضَيْلُ ﵀ حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الْإِسْلَامِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْهُوَ مَعَ مَنْ يَلْهُو وَلَا يَسْهُوَ مَعَ مَنْ يَسْهُو وَلَا يَلْغُوَ مَعَ مَنْ يَلْغُو تَعْظِيمًا لِحَقِّ الْقُرْآنِ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَتَّخِذَ الْقُرْآنَ مَعِيشَةً يَكْتَسِبُ بِهَا: وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِئْجَارِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَنَا وَسَنَبْسُطُ الْمَسْأَلَةَ بِأَدِلَّتِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَلْيُحَافِظْ عَلَى تِلَاوَتِهِ وَيُكْثِرْ مِنْهَا بِحَسَبِ حَالِهِ وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ فِي بَيَانِ هَذَا وَعَادَاتِ السَّلَفِ فِيهِ فِي التِّبْيَانِ وَيَكُونُ اعْتِنَاؤُهُ بِتِلَاوَتِهِ فِي اللَّيْلِ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِلْقَلْبِ وَأَبْعَدُ مِنْ الشَّاغِلَاتِ وَالْمُلْهِيَاتِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْحَاجَاتِ وَأَصُونُ فِي تَطَرُّقِ الرِّيَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحْبِطَاتِ مَعَ مَا جَاءَ فِي الشَّرْعِ مِنْ بَيَانِ مَا فِيهِ الْخَيْرَاتُ كَالْإِسْرَاءِ وَحَدِيثِ النُّزُولِ وَحَدِيثِ فِي اللَّيْلِ سَاعَةٌ يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ وَسَنَبْسُطُ الْكَلَامَ وَالْأَحَادِيثَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ ذَكَرَهَا
الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ نِسْيَانِهِ أَوْ نِسْيَانِ شئ مِنْهُ أَوْ تَعْرِيضِهِ لِلنِّسْيَانِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا) وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا) وَفِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[ ٢ / ١٦٩ ]
(فَرْعٌ)
فِي آدَابِ النَّاسِ كُلِّهِمْ مَعَ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فانها من تقوى القلوب) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَوْضَحْت شَرْحَهُ فِي أَوَّلِ شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَبَيَّنْت الدَّلَائِلَ فِي أَنَّ مَدَارَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِي شَرْحِهِ: وَمُخْتَصَرُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا نَصِيحَةُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وتنزيله لا يشبهه شئ مِنْ كَلَامِ الْخَلْقِ وَلَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِ سُورَةٍ مِنْهُ وَتِلَاوَتُهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ وَتَحْسِينُهَا وَتَدَبُّرُهَا وَالْخُشُوعُ عِنْدَهَا وَإِقَامَةُ حُرُوفِهِ فِي التِّلَاوَةِ وَالذَّبُّ عَنْهُ لِتَأْوِيلِ الْمُحَرِّفِينَ وَتَعَرُّضِ الْمُلْحِدِينَ وَالتَّصْدِيقُ بِمَا فِيهِ وَالْوُقُوفُ مَعَ أَحْكَامِهِ وَتَفَهُّمُ عُلُومِهِ وَأَمْثَالِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِمَوَاعِظِهِ وَالتَّفَكُّرُ فِي عَجَائِبِهِ وَالْبَحْثُ عَنْ عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَمُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِهِ وَنَشْرُ عُلُومِهِ وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ وَإِلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَصِيحَتِهِ: وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ تَعْظِيمِ الْقُرْآنِ عَلَى الاطلاق وتنزيهه وصيانته: واجمعو عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ مِنْهُ حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ زَادَ حَرْفًا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ: وَأَجْمَعُوا على ان من استخف بالقرآن أو بشئ مِنْهُ أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ أَلْقَاهُ فِي قَاذُورَةٍ أو كذب بشئ مِمَّا جَاءَ بِهِ مِنْ حُكْمٍ أَوْ خَبَرٍ أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ أَوْ أَثْبَتَ مَا نفاه أو شك في شئ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ كَفَرَ: وَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَالْكَلَامُ فِي مَعَانِيهِ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ: وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْعُلَمَاءِ فَحَسَنٌ بِالْإِجْمَاعِ: وَيَحْرُم الْمِرَاءُ فِيهِ
وَالْجِدَالُ بِغَيْرِ حَقٍّ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا بَلْ يَقُولُ أُنْسِيتُهَا أَوْ أُسْقِطْتُهَا: ويجوز أن يقول سورة البقرة وسورة انساء وسورة العنكبوت وغيرها ولا كراهة في شئ مِنْ هَذَا وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ وَكَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ هَذَا وَقَالَ إنَّمَا يُقَالُ السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ
[ ٢ / ١٧٠ ]
وَنَحْوُهَا وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فَقَدْ تَظَاهَرَتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَأَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَابْنِ كَثِيرٍ وَغَيْرِهِمَا وَكَرِهَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَالصَّوَابُ أَنْ لَا كَرَاهَةَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ وَكَرِهَهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ التَّابِعِيُّ وَقَالَ إنَّمَا يُقَالُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (والله يقول الحق) وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَقَدْ جَمَعْتُ مِنْهَا جُمْلَةً فِي أَوَّلِ شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَفِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ وَلَا يُكْرَهُ النَّفْثُ مَعَ الْقِرَاءَةِ لِلرُّقْيَةِ وَهُوَ نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلَا رِيقٍ وَكَرِهَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ الصَّحَابِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ ﵃ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي التِّبْيَانِ: وَلَوْ كَتَبَ الْقُرْآنَ فِي إنَاءٍ ثُمَّ غَسَلَهُ وَسَقَاهُ الْمَرِيضَ فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو قِلَابَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ قَدَّمْنَا فِي مَسَائِلِ مَسِّ الْمُصْحَفِ أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ الْقُرْآنَ عَلَى حَلْوَى أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ (فَرْعٌ)
فِي الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي أَوْقَاتٍ وَأَحْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ: هَذَا الْبَابُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ لِكَثْرَةِ مَا جَاءَ فِيهِ وَمُعْظَمُهُ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الشَّرْحِ فِي مَوَاطِنِهِ كالسور المستحبة في الصلوات الخاصة كالجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة وقاف واقتربت في العيد وسبح وهل أَتَاك فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ فَكِلَاهُمَا سُنَّةٌ فِي صحيح مسلم وغيره وآلم تنزيل وهل أَتَى فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوَاضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ويحافظ على يس والواقعة وتبارك الملك وقل هو الله أحد والمعوذتين وآية الكرسي كل وقت والكهف يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهَا وَيَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ كُلَّ لَيْلَةٍ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ وَيَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ الْبَقَرَةِ (آمَنَ الرَّسُولُ) إلَى آخِرِهَا
والْمُعَوِّذتَيْن عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ وَيَقْرَأُ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ وَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ آخر آل عمران (ان في خلق السموات والارض) إلَى آخِرِهَا وَيَقْرَأُ عِنْدَ الْمَرِيضِ الْفَاتِحَةَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والْمُعَوِّذتَيْن مَعَ النَّفْخِ فِي الْيَدَيْنِ وَيَمْسَحُهُ بِهِمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلّ مَا ذَكَرْتُهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِيهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ مَشْهُورَةٌ وَيَقْرَأُ عِنْدَ الْمَيِّتِ يس لِحَدِيثٍ فِيهِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ آدَابَ الْقِرَاءَةِ وَالْقَارِئِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا لَا تَنْحَصِرُ فَنَقْتَصِرُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْرُفِ منها؟؟؟ نَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الشَّرْحِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وبالله التوفيق
[ ٢ / ١٧١ ]
(فَرْعٌ)
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ ﷺ يَدَهُ عَلَى حَائِطٍ وَتَيَمَّمَ ثُمَّ أَجَابَ وَقِيلَ كَانَ التَّيَمُّمُ فِي الْإِقَامَةِ وَمَوْضِعِ الْمَاءِ وَلَكِنْ أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ تَعْظِيمًا لِلسَّلَامِ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ التَّيَمُّمُ إبَاحَةَ مَحْظُورٍ قَالَ فَلَوْ تَيَمَّمَ الْمُحْدِثُ وَقَرَأَ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ كَانَ جَائِزًا عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثِ هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ مِثْلَهُ وَلَا نعرف أحد وَافَقَهُمَا وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أبى الجهيم ابن الحرث الا انه ليس فيه انه تيمم فِي الْمَدِينَةِ بَلْ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَتَيَمَّمَ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَعَادِمًا لِلْمَاءِ وَسَنُعِيدُ الْحَدِيثَ وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
*