*
* (أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شئ مثله غير الظل الذى يكون للشخص عند الزوال والدليل عليه مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أَمَّنِي جِبْرِيلُ ﵇ عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر في المرة الاولى حين زالت الشمس والفئ مثل الشراك ثم صلى المرة الاخيرة حين كان ظل كل شئ مثليه ")
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَصْلٌ فِي الْمَوَاقِيتِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُقَطَّعًا وَالْوَجْهُ أَنْ نَذْكُرَهُ هُنَا بِكَمَالِهِ وَنَضُمُّ إلَيْهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الْمَوَاقِيتِ: عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَالَ أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى حين كان الفئ مِثْلَ الشِّرَاكِ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كل شئ مِثْلَ ظِلَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثانية الظهر حين كان ظل كل شئ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حين كان ظل كل شئ مِثْلَيْهِ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الْأَرْضُ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيَّ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَذَا الْمَذْكُورُ
[ ٣ / ١٨ ]
لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَلَفْظُ الْبَاقِينَ بِمَعْنَاهُ وَرَوَى حَدِيثَ إمَامَةِ جِبْرِيلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ ابن عباس وليس في هذا الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ قَوْلُهُ فِي الْمُهَذَّبِ " عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ " إنَّمَا فِيهَا عِنْدَ الْبَيْتِ ثُمَّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَمَّنِي جِبْرِيلُ قَالَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَسَنٌ قَالَ وَقَالَ محمد يعنى البخاري اصح شئ فِي الْمَوَاقِيتِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا ﵁ فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا ان كان اليوم الثاني أمره فابرد الظهر فَأَبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ فِي الْمَغْرِبِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ لِلْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ الشَّفَقُ وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا قَالَ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ
الْفَجْرُ وَالنَّاسُ لَا يَكَادُونَ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثم أمره فاقام بالظهر حين زَالَتْ الشَّمْسُ وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنْ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ
[ ٣ / ١٩ ]
سُقُوطِ الشَّفَقِ ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ " الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ سَنَذْكُرُهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ ﷺ " أَمَّنِي جِبْرِيلُ " هُوَ الْمَلَكُ الْكَرِيمُ رَسُولُ اللَّهِ تَعَالَى إلَى رُسُلِهِ الْآدَمِيِّينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَفِيهِ تِسْعُ لُغَاتٍ حَكَاهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَحَكَاهَا عَنْهُ أَيْضًا أبو منصور موهوب ابن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَضِرِ الْجَوَالِيقِيُّ فِي كِتَابِ الْمُعَرَّبِ وَهِيَ جِبْرِيلُ وَجَبْرِيلُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وفتحها وجبرئيل بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وجبرائيل بهمزة ثم ياء مع الالف وجبراييل بياءين بعد الالف وجبرئيل بهمزة بعد الراء وياء وجبرئيل بكسر الهمزة تخفيف اللَّامِ وَجَبْرِينُ وَجَبْرِينُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا قَالَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَنَّ جَبْرَ وَمِيكَ اسْمَانِ أُضِيفَا إلَى إيَّلَ وَآلَ قَالُوا وَإِيَّلُ وَآلُ اسْمَانِ لِلَّهِ تَعَالَى قَالُوا وَمَعْنَى جَبْرَ وَمِيكَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ عَبْدٌ فَتَقْدِيرُهُ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ هَذَا خطأ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إيَّلَ وَآلَ لَا يُعْرَفَانِ في اسماء الله في اللغة والعربية: وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ آخِرُ الِاسْمِ فِي وُجُوهِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَكَانَ آخِرُهُ مَجْرُورًا أَبَدًا كَعَبْدِ اللَّهِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا فِي الْعَرَبِيَّةِ قَالَ وَقَدْ قَالَ بِالْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قُلْتُ الصَّوَابُ قَوْلُ أبي على فان ما ادعوه لا أصيل لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا لَفْظُ الظُّهْرِ فَمُشْتَقٌّ مِنْ الظُّهُورِ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي وَسَطِ النَّهَارِ: وقوله صلي الله عليه وسلم (والفئ مثل الشراك) هو بسكر الشِّينِ وَهُوَ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى وَجْهِهَا وَلَيْسَ الشِّرَاكُ هُنَا لِلتَّحْدِيدِ وَالِاشْتِرَاطِ بَلْ لِأَنَّ الزَّوَالَ لَا يَبِينُ بِأَقَلَّ مِنْهُ وأما الظل والفئ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ فِي أَوَائِلِ أَدَبِ
الْكَاتِبِ يَتَوَهَّمُ الناس ان الظل والفئ بِمَعْنًى وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الظِّلُّ يَكُونُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً وَمِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ وَمَعْنَى الظِّلِّ السَّتْرُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ " أَنَا فِي ظِلِّكَ " ومنه " ظل الجنة " وظل شجرها انما هو سِتْرُهَا وَنَوَاحِيهَا وَظِلُّ اللَّيْلِ سَوَادُهُ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ كل شئ وَظِلُّ الشَّمْسِ مَا سَتَرَتْهُ الشُّخُوصُ مِنْ مَسْقَطِهَا قال وأما الفئ فَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَا يُقَالُ لما قبل الزوال فئ وانما سمي بعد الزوال فيأ لِأَنَّهُ ظِلٌّ فَاءَ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ أي رجع والفيئ الرُّجُوعُ هَذَا كَلَامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَهُوَ كَلَامٌ
[ ٣ / ٢٠ ]
نَفِيسٌ وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: أَمَّا أَحْكَامُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ زَوَالُ الشَّمْسِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ خَلَائِقُ وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ وَالْمُرَادُ بِالزَّوَالِ مَا يَظْهَرُ لَنَا لَا الزَّوَالُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَلَكِنْ لَا اعْتِبَارَ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ وَيَدْخُلُ الْوَقْتُ بِالزَّوَالِ الذى يظهر لنا فلو شرع في تكببرة الْإِحْرَامِ بِالظُّهْرِ قَبْلَ ظُهُورِ الزَّوَالِ ثُمَّ ظَهَرَ عَقِبَهَا أَوْ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَصِحَّ الظُّهْرُ وَإِنْ كَانَتْ التَّكْبِيرَةُ حَاصِلَةً بَعْدَ الزَّوَالِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ قَبْلَ ظُهُورِهِ لَنَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَالُوا وَأَمَّا قَبْلَ ظُهُورِ الظِّلِّ فَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ وَقْتِ الِاسْتِوَاءِ قَالَ وَكَذَا الصُّبْحُ وَلَوْ اجْتَهَدَ فِيهَا وَطَلَعَ الْفَجْرُ بِحَيْثُ عَلِمَ وُقُوعَهَا بَعْدَ طُلُوعِهِ لَكِنْ فِي وَقْتٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَبِينَ الْفَجْرُ لِلنَّاظِرِ لَمْ تَصِحَّ الصُّبْحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا آخِرُ وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشئ مِثْلَهُ غَيْرَ الظِّلِّ الَّذِي يَكُونُ لَهُ عِنْدَ الزَّوَالِ وَإِذَا خَرَجَ هَذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ مُتَّصِلًا بِهِ وَلَا اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ إذَا صَارَ ظل الشئ مِثْلَهُ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَمَا بَعْدَهُ وَقْتُ للظهر وَالْعَصْرِ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وقال اسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ إذَا صَارَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ فَقَدْرُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بعده وقت للظهر وَالْعَصْرِ ثُمَّ يَتَمَحَّضُ الْوَقْتُ لِلْعَصْرِ وَقَالَ مَالِكٌ إذَا صَارَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالِاشْتِرَاكِ فَإِذَا زَادَ عَلَى الْمِثْلِ زِيَادَةً بَيِّنَةً خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ يَمْتَدُّ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْقَى وَقْتُ الظُّهْرِ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَسِيرًا
كَانَ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ قَالُوا فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ فِي الْأَوَّلِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ " جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا قَالُوا وَلِأَنَّ الصَّلَوَاتِ زِيدَ فِيهَا عَلَى بَيَانِ جِبْرِيلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَلِلِاخْتِيَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ
[ ٣ / ٢١ ]
" إذَا صَلَّيْتُمْ الْفَجْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلَى أَنْ يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ ثُمَّ إذَا صَلَّيْتُمْ الظُّهْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلَى أَنْ تَحْضُرَ الْعَصْرُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ الي أن يسفط الشَّفَقُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَفِي بَعْضِهَا " وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ " وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابى موسي السابق عن صحيح مسلم قال فيه في صلاة الطهر فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ " الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ " وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لَا يَمْتَدُّ وَرَاءَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أَلَا إنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى من لم يصل الصلاة حتي يجئ وَقْتُ الْأُخْرَى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا مَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَبِأَقْيِسَةٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ " صَلَّى بِي الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ الشئ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حين صار ظل كل شئ مِثْلَهُ " فَمَعْنَاهُ بَدَأَ بِالْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حين صار ظل كل شئ مِثْلَهُ وَفَرَغَ مِنْ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ يَحْصُلُ بَيَانُ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَآخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الِاشْتِرَاكِ لَمْ يَحْصُلْ تَحْدِيدُ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَفَاتَ بَيَانُهُ وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ " الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ " قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ حِينَ صَارَ ظِلُّ الشئ مثله فمعنا
الْإِجْمَاعُ مِنْ إرَادَةِ ذَلِكَ فِي الْعَصْرِ فَتَأَوَّلْنَاهَا عَلَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ حِينَئِذٍ وَبَقِيَتْ الظُّهْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَنَظِيرُ مَا تَأَوَّلْنَا عَلَيْهِ لَفْظَ الْحَدِيثِ قول الله تعالى (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن) وقال تعالى (فإذا بلغن أجلهن فلا تعضلوهن) المراد بالبلوغ الاول مقارنته وبالثانى حقيقة القضاء الْأَجَلِ وَيُقَالُ بَلَغَ الْمُسَافِرُ الْبَلَدَ إذَا انْتَهَى إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ وَبَلَغَهُ إذَا دَخَلَهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْجَمْعِ بِالْمَدِينَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَقَدَّمَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَصَارَ صُورَتُهُ صُورَةَ جَمْعٍ وَلَيْسَ بِجَمْعٍ وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَمَلَهُ إمَامَانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ رُوَاتِهِ وَهُمَا أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ رواية عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْآخَرُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ والثانى أنه
[ ٣ / ٢٢ ]
جَمْعٌ بِعُذْرٍ إمَّا بِمَطَرٍ وَإِمَّا مَرَضٍ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا قَوْلُهُمْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى بَيَانِ جِبْرِيلَ فَتِلْكَ الزِّيَادَاتُ ثَبَتَتْ بِنُصُوصٍ وَلَا نَصَّ هُنَا فِي الزِّيَادَةِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " يَقُولُ إنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ مِنْ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى غروب الشمس أوبى أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ فَعَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فعلمنا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ من شئ قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالُوا فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ أَقْصَرُ مِنْ وَقْتِ الظهر ومن حين يصير ظل الشئ مِثْلَهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ هُوَ رُبْعُ النَّهَارِ وَلَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ بَلْ هُوَ مِثْلُهُ وَاحْتَجُّوا بِأَقْيِسَةٍ وَمُنَاسِبَاتٍ لَا أَصْلَ لَهَا وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأَوْقَاتِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي دَلَالَةِ بَعْضِهَا نَظَرٌ وَيُغْنِي عَنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَوْجَزَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ فَقَالَ عُمْدَتُنَا حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَلَا حُجَّةَ لِلْمُخَالِفِ إلَّا حَدِيثٌ سَاقَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَسَاقَ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ
وَالْأَمْثَالُ مَظِنَّةُ التَّوَسُّعَاتِ وَالْمَجَازِ ثُمَّ التَّأْوِيلُ مُتَطَرِّقٌ إلَى حَدِيثِهِمْ وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَى مَا اعْتَمَدْنَاهُ تَأْوِيلٌ وَلَا مَطْمَعٌ فِي الْقِيَاسِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَرْبَعَةِ أَجْوِبَةٍ (أَحَدُهَا) جَوَابُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْمَذْكُورُ (الثَّانِي) أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ أَكْثَرُ عَمَلًا أَنَّ مَجْمُوعَ عَمَلِ الْفَرِيقَيْنِ أَكْثَرُ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ مَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَعَ التَّأَهُّبِ لَهَا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالطَّهَارَةِ وَصَلَاةِ السُّنَّةِ أَقَلُّ مِمَّا بَيْنَ الْعَصْرِ وَنِصْفِ النَّهَارِ الرَّابِعُ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ قَالَ كَثْرَةُ الْعَمَلِ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا كَثْرَةُ الزَّمَانِ فَقَدْ يَعْمَلُ الْإِنْسَانُ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْمَلُ غَيْرُهُ فِي زَمَنٍ مِثْلِهِ أَوْ أطول منه
[ ٣ / ٢٣ ]
(فَرْعٌ)
لِلظُّهْرِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَوَقْتُ اختيار ووقت عذر فوقت أَوَّلُهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْخِلَافِ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ تَعَرَّضَ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَوَقْتُ الِاخْتِيَارِ مَا بَعْدَ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَوَقْتُ الْعُذْرِ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي حَقِّ مَنْ يَجْمَعُ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ هَكَذَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ إنَّ أَوْقَاتَ الظُّهْرِ ثَلَاثَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ وَوَقْتُ عُذْرٍ فَوَقْتُ الْفَضِيلَةِ إذا صار ظل الشئ مِثْلَ رُبْعِهِ وَالِاخْتِيَارِ إذَا صَارَ مِثْلَ نِصْفِهِ وَالْجَوَازِ إذَا صَارَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ وَهُوَ آخِرُ الْوَقْتِ وَالْعُذْرِ وَقْتُ الْعَصْرِ لِمَنْ جَمَعَ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ
* (فَرْعٌ)
بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ كَمَا بَدَأَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ تَأَسِّيًا بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِالظُّهْرِ كَمَا سَبَقَ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بَدَأَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ بِالظُّهْرِ وَفِي الْقَدِيمِ بِالصُّبْحِ قَالَ وَعَلَيْهِ كُلُّ الْفُقَهَاءِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ بَدَأَ بِالظُّهْرِ وَالْإِسْرَاءُ كَانَ فِي اللَّيْلِ وَوَجَبَتْ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِي اللَّيْلِ فَأَوَّلُ صَلَاةٍ تَحْضُرُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ الصُّبْحُ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وُجُوبِ الْخَمْسِ مِنْ الظُّهْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَجَبَتْ الظُّهْرُ وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا حِينَئِذٍ ولا ينتظر بها مصير الفئ مِثْلَ الشِّرَاكِ وَحَكَى السَّاجِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ
وَلَيْسَ بشئ قَالَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ أن يصلي حتى يصير الفئ مِثْلَ الشِّرَاكِ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ قَالَ وَهُوَ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَخِلَافُ الْأَحَادِيثِ دَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى السَّابِقُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّابِقُ قَرِيبًا " وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ " وَأَمَّا حَدِيثُ جِبْرِيلَ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حِينَ زالت الشمس كان الفيئ حِينَئِذٍ مِثْلَ الشِّرَاكِ مِنْ وَرَائِهِ لَا أَنَّهُ أَخَّرَ إلَى أَنْ صَارَ مِثْلَ الشِّرَاكِ
* (فَرْعٌ)
فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ الزَّوَالُ هُوَ مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ بَعْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ وَعَلَامَتُهُ زِيَادَةُ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ وَذَلِكَ أَنَّ ظِلَّ الشَّخْصِ يَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ طَوِيلًا مُمْتَدًّا فَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَقَصَ فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَقَفَ الظِّلُّ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ عَادَ الظِّلُّ إلَى الزِّيَادَةِ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ هَلْ زَالَتْ فَانْصِبْ عَصًا أَوْ غَيْرَهَا فِي الشَّمْسِ عَلَى أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ وَعَلِّمْ عَلَى طَرْفِ ظِلِّهَا ثُمَّ رَاقِبْهُ فَإِنْ نَقَصَ الظِّلُّ عَلِمْتَ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَزُلْ وَلَا تَزَالُ تُرَاقِبُهُ حَتَّى يَزِيدَ فَمَتَى زَادَ عَلِمْتَ الزَّوَالَ حِينَئِذٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَخْتَلِفُ قَدْرُ مَا يَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ الظِّلِّ باختلاف
[ ٣ / ٢٤ ]
الْأَزْمَانِ وَالْبِلَادِ فَأَقْصَرُ مَا يَكُونُ الظِّلُّ عِنْدَ الزَّوَالِ فِي الصَّيْفِ عِنْدَ تَنَاهِي طُولِ النَّهَارِ وَأَطْوَلُ مَا يَكُونُ فِي الشِّتَاءِ عِنْدَ تَنَاهِي قِصَرِ النَّهَارِ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّاسِبِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ إنَّ عِنْدَ انْتِهَاءِ طُولِ النَّهَارِ فِي الصَّيْفِ لا يكون بمكة ظل لشئ من الاشخاص عند الزوال لستة وَعِشْرِينَ يَوْمًا قِبَلَ انْتِهَاءِ الطُّولِ وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا بَعْدَ انْتِهَائِهِ وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَتَى لَمْ يُرَ لِلشَّخْصِ ظِلٌّ فَإِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَزُلْ فَإِذَا رَأَى الظِّلَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّمْسَ قَدْ زَالَتْ وَبَاقِي أَيَّامِ السَّنَةِ مُعَرَّفَةُ الزَّوَالِ بِمَكَّةَ كَمَعْرِفَتِهَا بِغَيْرِهَا وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ إنَّمَا لَا يَكُونُ للانسان فيئ بِمَكَّةَ عِنْدَ الزَّوَالِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ لَا غَيْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* قَالَ أَصْحَابُنَا قَامَةُ الْإِنْسَانِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٌ بِقَدَمِ نَفْسِهِ
* (فَرْعٌ)
فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (أَقِمِ الصَّلاةَ لدلوك الشمس الي غسق الليل) أَمَّا غَسَقُ اللَّيْلِ فَظَلَامُهُ وَأَمَّا الدُّلُوكُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَاللُّغَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَأَصْحَابُنَا هُوَ زَوَالُ
الشَّمْسِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي بُرْدَةَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ الْغُرُوبُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ زَيْدٍ وَهُمَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ وَمِمَّنْ حَكَاهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَالْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ وَجَزَمَ الزُّبَيْدِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَابْنُ فَارِسٍ بِأَنَّهُ الزَّوَالُ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ وَاخْتَارَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الْغُرُوبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ الظُّهْرَ هَلْ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ أم لا مذهبنا الْوُجُوبُ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِخِلَافِهِ وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا إنْ شاء الله * قال المصنف ﵀
*
* (وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثله وزاد أدنى زيادة وآخره إذا صار ظل كل شئ مثليه لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " وصلي بى جبريل العصر حين صار ظل كل شئ مثل ظله ثم صلى المرة الاخيرة حين صار ظل كل شئ مثليه " ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز والاداء إلى غروب الشمس وقال أبو سعيد الاصطخرى إذا صار ظل كل شئ مثليه فاتت الصلاة ويكون ما بعده وقت القضاء والمذهب الاول لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " ليس التفريط في النوم انما التفريط في اليقظة ان تؤخر صلاة حتي يدخل وقت صلاة أخرى ")
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ صَحِيحٌ أَيْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ قَالَ " لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى من لم يصل الصلاة حتى يجئ وَقْتُ الْأُخْرَى " وَالْيَقَظَةُ بِفَتْحِ الْيَاءِ
[ ٣ / ٢٥ ]
وَالْقَافِ وَأَبُو قَتَادَةَ اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَقِيلَ النُّعْمَانُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ رِبْعِيِّ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ سَلَمِيٌّ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ مَدَنِيٌّ يُقَالُ لَهُ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهُمَا مِنْ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً ﵁: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُ العصر إذا صار ظل كل شئ مِثْلَهُ غَيْرَ الظِّلِّ الَّذِي يَكُونُ لَهُ عِنْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ إذَا
انْقَضَى وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا وَلَا فَاصِلَ بَيْنَهُمَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَسَبَقَ بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَزَادَ أَدْنَى زِيَادَةٍ " فَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهَا لِبَيَانِ انْتِهَاءِ الظِّلِّ إلَى الْمِثْلِ وَإِلَّا فَالْوَقْتُ قَدْ دَخَلَ قَبْلَ حُصُولِ الزِّيَادَةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الْمِثْلِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَالثَّانِي أَنَّهَا مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَإِنَّمَا تَدْخُلُ الْعَصْرُ عَقِبَهَا قَالَ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَالثَّالِثُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَا مِنْ وَقْتِ العصر بل هي فاصل بين الوقتين هذا مَا حَكَاهُ فِي الذَّخَائِرِ وَهَذَا الثَّالِثُ لَيْسَ بشئ لقوله صلي الله عليه وسلم " وقت الظهر مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَاصِلَ بَيْنَهُمَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ آخِرُهُ إذَا صَارَ ظل الشئ مِثْلَيْهِ فَإِنْ أَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ أَثِمَ وَكَانَتْ قَضَاءً قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ لَمْ يُخَرِّجْهُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَنَّ وقتها يمتد حتى تغرب الشمس وانما هُوَ اخْتِيَارٌ لِنَفْسِهِ
[ ٣ / ٢٦ ]
وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ وَأَمَّا حَدِيثُ جِبْرِيلَ فَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لَا وَقْتِ الْجَوَازِ بِدَلِيلِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ فَيَكُونُ الْعَمَلُ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهَا أَصَحُّ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ هُوَ أَيْضًا صَحِيحًا
ولان الحائض وغيرها من أهل العذار إذَا زَالَ عُذْرُهُمْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِرَكْعَةٍ لَزِمَتْهُمْ الْعَصْرُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قد خرج لم يلزمهم وَهَذَا الْإِلْزَامُ حَسَنٌ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي دَرْسِهِ إنَّ الْإِصْطَخْرِيَّ يَحْمِلُ حَدِيثَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ (فَرْعٌ)
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ لِلْعَصْرِ خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ بِلَا كَرَاهَةٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ وَكَرَاهَةٍ وَوَقْتُ عُذْرٍ فَالْفَضِيلَةُ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ الشَّخْصِ مِثْلَهُ وَنِصْفَ مِثْلِهِ وَوَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ يَصِيرَ مِثْلَيْنِ وَالْجَوَازِ بِلَا كَرَاهَةٍ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ حَالَ الِاصْفِرَارِ حَتَّى تَغْرُبَ وَالْعُذْرُ
[ ٣ / ٢٧ ]
وَقْتُ الظُّهْرِ لِمَنْ جَمَعَ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ تَأْخِيرِ الْعَصْرِ وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يذكر الله فيها الا قليلا " رواه مُسْلِمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لِلْعَصْرِ يَمْتَدُّ إلَى مصير ظل كل شئ مِثْلَيْهِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يمتد الي اصفرار الشمس * قال المصنف ﵀
*
* (وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس لما روى ان جبرائيل ﵇ صلي المغرب حين غابت وافطر الصائم وليس لها الا وقت واحد وهو بقدر ما يتطهر ويستر العورة ويؤذن ويقيم ويدخل فيها فان الدخول عن هذا الوقت اثم لما روى ابن عباس ان جبريل ﵇ صلي المغرب في المرة الاخيرة كما صلاها في المرة الاولى ولو كان لها وقت آخر لبين كما بين في سائر الصلوات فان دخل فيها في وقتها ففيه ثلاثة أوجه أحدها ان له ان يستديمها إلى غيبوبة الشفق لان النبي صلي الله عليه وسلم قرأ الاعراف في صلاة المغرب والثاني لا يجوز أن يستديمها اكثر من قدر ثلاث ركعات لان جبريل صلي ثلاث ركعات والثالث له ان يصلى مقدار أول الوقت في سائر الصلوات لانه لا يكون مؤخرا في هذا القدر ويكون مؤخرا فيما زاد عليه ويكره ان يسمى صلاة المغرب العشاء
لما روى عبد الله ابن مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " لا تغلبنكم الاعراب علي اسم صلاة المغرب وتقول الاعراب هي العشاء ")
*
[ ٣ / ٢٨ ]
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ جِبْرِيلَ ﵇ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ هُوَ تَمَامُ الْأَوَّلِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ صَحِيحٌ أَيْضًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْأَعْرَابُ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ وَحَدِيثُ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْأَعْرَافِ فِي الْمَغْرِبِ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ فَرَوَاهُ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثابت " مالك تقرأ في المغرب بقصار وقد سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِأَطْوَلِ الطوليين " هذا لفظ البخاري وفى رواية النسائي واسادها صَحِيحٌ عَنْ زَيْدٍ " لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيهَا بِأَطْوَلِ الطوليين المص " وَأَمَّا مُغَفَّلٌ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ المعجمة والفاء وكنية عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَبُو سَعِيدٍ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو زِيَادٍ الْمُزَنِيّ مِمَّنْ بَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ سَكَنَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ الْبَصْرَةَ وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتِّينَ وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ﵃: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَتَكَامَلَ غُرُوبُهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالِاعْتِبَارُ سُقُوطُ قُرْصِهَا بِكَمَالِهِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الصَّحْرَاءِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ وَلَا نَظَرَ بَعْدَ تَكَامُلِ الْغُرُوبِ إلَى بَقَاءِ شُعَاعِهَا بَلْ يَدْخُلُ وَقْتُهَا مَعَ بَقَائِهِ وأما في العمران وقلل الجبال فالاعتبار بان لا يرى شئ مِنْ شُعَاعِهَا عَلَى الْجُدَرَانِ وَقُلَلِ الْجِبَالِ وَيُقْبِلُ الظَّلَّامُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ الْجَدِيدَةِ وَالْقَدِيمَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَنَقَلَ أَبُو ثَوْرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ الثَّانِي مِنْهُمَا ينتهي إلى مغيب الشفق هكخذا نَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ قَالَ الْقَاضِي وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي حَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ يَمْتَدُّ ثَانِيهِمَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَقَالَ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَهُ قَوْلًا ثَانِيًا قَالَ وَأَنْكَرَهُ جُمْهُورُهُمْ لِأَنَّ الزَّعْفَرَانِيَّ وَهُوَ أَثْبَتُ أَصْحَابِ القديم
[ ٣ / ٢٩ ]
حَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُصَنِّفُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّ لَهَا وَقْتًا فَقَطْ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي يَمْتَدُّ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَلَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاهِيرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ أَبَا ثَوْرٍ ثِقَةٌ إمَامٌ وَنَقْلُ الثِّقَةِ مَقْبُولٌ وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُ غَيْرِهِ لَمْ يَنْقُلْهُ وَلَا كَوْنُهُ لَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ اُخْتُلِفَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّحَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ الْقَوْلَ الْجَدِيدَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الْقَدِيمَ وَهُوَ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بكر ابن خُزَيْمَةَ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَفِي دَرْسِهِ وَالْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْعِجْلِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ قُلْتُ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَقْتُ الْمَغْرِبِ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مَا لَمْ يَسْقُطْ الشَّفَقُ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ كُلِّهَا وَقَوْلُهُ ثَوْرُ الشَّفَقِ هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ: أَيْ ثَوَرَانُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فَوْرُ الشَّفَقِ بِالْفَاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى ثَوْرِهِ وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي بَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لِلسَّائِلِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ قَالَ " ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي حَدِيثِهِ السَّابِقِ " لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يجئ وَقْتُ الْأُخْرَى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فَإِذَا عُرِفَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِهِ جَزْمًا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِيثِ وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ بَلْ أَحَادِيثُ وَالْإِمْلَاءُ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدَةِ فَيَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّهُ إذَا صَحَّ الحديث
[ ٣ / ٣٠ ]
خِلَافَ قَوْلِهِ يُتْرَكُ قَوْلُهُ وَيُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ وَأَنَّ مَذْهَبَهُ مَا صَحَّ فِيهِ الْحَدِيثُ وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ وَلَمْ يَتْرُكْهُ الشَّافِعِيُّ إلَّا لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ وَلِهَذَا عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِيثِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
* وَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاةِ جِبْرِيلَ ﵇ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ فَجَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحْسَنُهَا وَأَصَحُّهَا أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بَيَانَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لَا وَقْتِ الْجَوَازِ فَهَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ وَهِيَ الْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ وَكَذَا الْمَغْرِبُ (وَالثَّانِي) أَنَّ حَدِيثَ جِبْرِيلَ مُقَدَّمٌ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِمَكَّةَ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَأَخِّرَةٌ بِالْمَدِينَةِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا فِي الْعَمَلِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ رُوَاتَهَا أَكْثَرُ وَالثَّانِي أَنَّهَا أَصَحُّ إسْنَادًا وَلِهَذَا خَرَّجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ دُونَ حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ فَحَصَلَ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتَيْنِ يَمْتَدُّ مَا بَيْنَهُمَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَيَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ هَذَا فَعَلَى هَذَا لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَالثَّانِي وَقْتُ جَوَازٍ وَهُوَ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ وَالثَّالِثُ وَقْتُ عُذْرٍ وَهُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ فِي حَقِّ مَنْ جَمَعَ لِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ وَوَقْتَ الِاخْتِيَارِ وَاحِدٌ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ هُوَ الصَّوَابُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُحَقِّقُونَ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ عَلَى هَذَا يَكُونُ النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِمَّا بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَمَغِيبِ الشَّفَقِ وَقْتَ اخْتِيَارٍ وَالنِّصْفُ الثَّانِي وَقْتَ جَوَازٍ وَهَذَا ليس بشئ وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً مِنْ الصحابة فمن بعدهم كراهة تأخير المغرب واما إذَا قُلْنَا لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ فَهُوَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَمَضَى قَدْرُ طَهَارَةٍ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَأَذَانٌ وَإِقَامَةٌ وَخَمْسُ رَكَعَاتٍ هَذَا هو الصحيح
[ ٣ / ٣١ ]
وَبِهِ قَطَعَ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِلْفَرْضِ فَقَطْ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَادَّعَى الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَجْهًا انه لا يتقدر بالصلاة بل بالعرف فمن أَخَّرَ عَنْ الْمُتَعَارَفِ فِي الْعَادَةِ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهَذَا قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ اعْتِبَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْهَا رَكْعَتَانِ لِلسُّنَّةِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ السُّنَّةَ تَكُونُ مَقْضِيَّةً فَإِذَا مَضَى
هَذَا الْقَدْرُ فَقَدْ انْقَضَى الْوَقْتُ وَمَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْغُرُوبِ كَالطَّهَارَةِ وَالسَّتْرِ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ وفيه وجه ان يَجِبُ تَقْدِيمُ مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ وَهُوَ الْوُضُوءُ وَالسَّتْرُ دُونَ التَّيَمُّمِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَوُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ شَاذٌّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي كل لك الْوَسَطُ الْمُعْتَدِلُ بِلَا إطَالَةٍ وَلَا اسْتِعْجَالٍ هَكَذَا اطلق الجمهور قال الفقال تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْأُمُورُ مُتَوَسِّطَةً لَا طَوِيلَةً وَلَا قَصِيرَةً لَكِنْ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ فِعْلُ نَفْسِهِ لِأَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهُمْ خَفِيفُ الْحَرَكَاتِ وَالْجِسْمِ وَالْقِرَاءَةِ وَبَعْضُهُمْ عَكْسُهُ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَيُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا أَكْلُ لُقَمٍ يَكْسِرُ بِهَا حِدَةَ الْجُوعِ هَكَذَا قَالُوا وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ الْجَوَازُ فِي لُقَمٍ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٌ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " إذَا قدم العشاء فابدؤا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ " فَإِنْ أَخَّرَ الدُّخُولَ فِيهَا عَنْ هَذَا الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ أَثِمَ وَصَارَتْ قَضَاءً وَإِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ بَلْ دَخَلَ فِيهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَمُدَّهَا وَيَسْتَدِيمَهَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ وَالْمَحَامِلِيُّ وآخرون قال البندنجي هذه الاوجه حكاها أبو اسحاق المروزى في الشرح وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَدِلَّتَهَا أَحَدُهَا لَا يَجُوزُ وَالثَّانِي يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَتَمَادَى إلَيْهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَغْرِبِ الاعراف
[ ٣ / ٣٢ ]
وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ قَرَأَ بِالْأَعْرَافِ فَرَّقَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَهَذَا يَمْنَعُ تَأْوِيلَ مَنْ قَالَ قَرَأَ بِبَعْضِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَلَى أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ قَوْلَهُمْ هَلْ لِلْمَغْرِبِ وَقْتٌ أَمْ وَقْتَانِ وَقَالَ عِبَارَتُهُمْ هَذِهِ غَلَطٌ قَالَ بَلْ لِلصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَلَكِنَّ الْمَغْرِبَ يَقْصُرُ وقتها وغيرها بطول وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ عَنْ هَذَا الْإِنْكَارِ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا لِلصُّبْحِ وَغَيْرِهَا وَقْتَانِ أَنْ يَكُونَ وَقْتَانِ مُنْفَرِدَيْنِ وَلَكِنْ وَقْتٌ وَاحِدٌ لَهُ أَوَّلُ وَآخِرٌ
كَالصُّبْحِ وَقْتُهَا أَوَّلُ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَوَقْتُهَا الثَّانِي مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ وَحِينَئِذٍ لَا إنْكَارَ عَلَى طَائِفَةٍ اصْطَلَحَتْ عَلَى هَذَا
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ قِيلَ كَيْفَ قُلْتُمْ لِلْمَغْرِبِ وَقْتٌ وَاحِدٌ عَلَى الْجَدِيدِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِالسَّفَرِ وَالْمَطَرِ وَمِنْ شَرْطِ الْجَمْعِ وُقُوعُ الصلاتين في احداهما فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وقوع الصلاتين في وقت أحداهما إنَّمَا يُشْتَرَطُ وُقُوعُ إحْدَاهُمَا عَقِبَ الْأُخْرَى وَالثَّانِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا قَدْرُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ لِلْفَرِيضَةِ وَالسُّنَّةِ وَهَذَا الْقَدْرُ يُمْكِنُ فيه الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مَقْصُورَةً وَكَذَا تَامَّةً تَفْرِيعًا عَلَى الاصح أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي يَقَعُ بَعْضُهَا خَارِجَ الْوَقْتِ أَدَاءٌ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالسُّؤَالُ قَوِيٍّ وَالْجَوَابَانِ ضَعِيفَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَيُنْتَقَضُ بِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ بِحَيْثُ وَقَعَتْ الظُّهْرُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْعَصْرُ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ جَمْعُ التَّقْدِيمِ قُلْنَا إنَّمَا صَحَّتْ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ بِحَيْثُ وَقَعَتْ الْعَصْرُ فِي وَقْتِهَا لِأَنَّ الْوَقْتَ قَابِلٌ لَهَا بِخِلَافِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَإِنَّ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ لَا يَصْلُحُ الْوَقْتُ لِلْعِشَاءِ عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ وَقَدْ صَحَّتْ بِالِاتِّفَاقِ فَدَلَّ عَلَى امْتِدَادِ الْوَقْتِ وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي فَظَاهِرُ الْفَسَادِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
[ ٣ / ٣٣ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بِحَيْثُ يَقَعُ بَعْضُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ لَا فِي وَقْتِ الْأُولَى وَلَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَلِأَنَّهُ إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ جَازَ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي لَكَانَ فِي صِحَّةِ الْقَصْرِ خِلَافٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي يَقَعُ بَعْضُهَا خَارِجَ الْوَقْتِ أَدَاءٌ أم قضاء وبناء علي المقتضية فِي السَّفَرِ فَظَهَرَ بِمَا قُلْنَاهُ أَنَّ الصَّحِيحَ امْتِدَادُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ: قَدْ ذَكَرْنَا إجْمَاعَهُمْ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ وَبَيَّنَّا الْمُرَادَ بِالْغُرُوبِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا حَتَّى يَشْتَبِكَ النُّجُومُ وَالشِّيعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِهَا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ يَمْتَدُّ ثَانِيهِمَا إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ وَمِمَّنْ قَالَ
بِالْوَقْتَيْنِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ قَالَ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ الاوزاعي ونقل أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ غَيْرَهَا وَالثَّانِيَةُ وَقْتَانِ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَالثَّالِثَةُ يَبْقَى إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَقَدْ سَبَقَتْ دَلَائِلُ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِلشِّيعَةِ بِحَدِيثٍ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " صَلَّى الْمَغْرِبَ عِنْدَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ " وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ جِبْرِيلَ ﵇ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَبُرَيْدَةَ أَنَّهُ " صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ " وَهِيَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ كَمَا سبق وعن رافع
[ ٣ / ٣٤ ]
ابن خَدِيجٍ ﵁ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَغْرِبَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَغْرِبَ إذَا تَوَارَتْ بالحجاب " رواه البخاري ومسلم: وعن أبى أيوب ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ وَقَدْ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ أَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ: وَعَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْأَحَادِيثُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ
* وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُحْتَجُّ لَهُمْ بِهِ فَبَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ وَلَا يَصِحُّ وَلَوْ نُقِلَ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا كَذَلِكَ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَقَدْ صَحَّ فِي أَحَادِيثَ سَبَقَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً كَذَا صَرَّحَ به المصنف وغيره للحديث للسابق
*
* قال المصنف ﵀
*
* (وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق وهو الحمرة وقال المزني الشفق البياض والدليل عليه
ان جبريل عليه السذم صلي العشاء الاخيرة حين غاب الشفق والشفق هو الحمرة وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ
[ ٣ / ٣٥ ]
" وَقْتُ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ " ولانها صلاة تتعلق باحد النيرين والمتفقين في الاسم الخاص فتعلقت باظهرهما وانورهما كالصبح: وفى آخره قولان قال في الجديد الي ثلث الليل لما روي ان جبريل ﵇ صلي في المرة الاخيرة العشاء الاخيرة حين ذهب ثلث الليل وقال في القديم والاملاء الي نصف الليل لما روى عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " وقت العشاء ما بينك وبين نصف لليل " ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز الي طلوع الفجر قال أبو سعيد الاصطخري إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه فاتت الصلاة وتكون قضاء والمذهب الاول لما روينا من حديث أبى قتادة ﵁ ويكره ان تسمي العشاء العتمة لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " لَا يغلبنكم الاعراب علي اسم صلاتكم " قال ابن عيينة انها العشاء وانهم يعتمون بالابل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روى أبو برزة ﵁ قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن النوم قبلها والحديث بعدها)
*
* (الشَّرْحُ)
* فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا فِي الْأَحَادِيثِ أَمَّا حَدِيثَا جِبْرِيلَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَصَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا: وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصي " وَقْتُ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ " فَغَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالثَّابِتُ مِنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ " كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَتَحْصِيلُ الدَّلَالَةِ بِهَذَا لِأَنَّ ثَوْرَهُ هُوَ ثَوَرَانُهُ وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَحْمَرِ لَا الْأَبْيَضِ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْآخَرُ فَصَحِيحٌ أيضا رواه مسلم ولفظه في مسلم عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " وَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ " وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَصَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ: وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ عِنْدَهُ أَنَّ رسول الله صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ " لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ علي اسما صَلَاتِكُمْ إلَّا أَنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ ابْنُ
[ ٣ / ٣٦ ]
عُيَيْنَةَ إنَّهَا الْعِشَاءُ إلَى آخِرِهِ كَانَ يَنْبَغِي حذف ذكر ابن عيينة: واما أَبِي بَرْزَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لَكِنَّ لَفْظَهُ عِنْدَهُمَا عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ كَانَ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا يَعْنِي الْعِشَاءَ
* (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ فَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو قَتَادَةَ وَالْمُزَنِيُّ سَبَقَ بَيَانُهُمْ وَذِكْرُ أَحْوَالِهِمْ فِي مَوَاضِعِهِمْ: وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِفَتْحِ الْعَيْنِ فَرَوَى عَنْهُ هُنَا حَدِيثَيْنِ حَدِيثَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ وَالْحَدِيثَ الْآخَرَ وَقْتُ الْعِشَاءِ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ وهو عبد الله ابن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي بِالْيَاءِ عَلَى الْفَصِيحِ وَبِحَذْفِهَا عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ وَفِي أَلْسِنَتِهِمْ ابْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سُعَيْدٍ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ بن سهم بن عمرو بن هصيص بضم الهاء بصادين مهملتين بن كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ كنية عبد الله أبو محمد وقبل أبو عبد الرحمن وقيل أبو نصير أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيهِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِي السِّنِّ إلَّا إحْدَى عَشْرَةَ سُنَّةً وَقِيلَ اثْنَتَا عَشْرَةَ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ " نِعْمَ أَهْلُ الْبَيْتِ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ " وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ مُجْتَهِدًا فِي الْعِبَادَةِ اجْتِهَادًا بَلِيغًا وَكَانَ كَثِيرَ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ وَقِيلَ بِالطَّائِفِ وَقِيلَ بِمِصْرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَقِيلَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً: وَأَمَّا أَبُو بَرْزَةَ فَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا زَايٌ وَهُوَ أَبُو بَرْزَةَ نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَسْلَمِيُّ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَشَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ ثُمَّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ ثُمَّ غَزَا خُرَاسَانَ وَتُوُفِّيَ بِهَا وَقِيلَ بِالْبَصْرَةِ وقيل بنيسابور وقيل في مفازة بَيْنَ سِجِسْتَانَ وَهَرَاةَ سَنَةَ سِتِّينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وستين
[ ٣ / ٣٧ ]
واما ابن عيينة فهو أبو محمد سفين بْنُ عُيَيْنَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ الْهِلَالِيُّ كُوفِيٌّ سَكَنَ مَكَّةَ وَكَانَ إمَامَ أَهْلِهَا فِي عَصْرِهِ وهو أحد شيوخ الشافعي أحد أَجْدَادِنَا فِي سِلْسِلَةِ التَّفَقُّهِ سَمِعَ خَلَائِقَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ
رَوَى عَنْهُ الْأَعْمَشُ وَهُوَ تَابِعِيٌّ وَأَحَدُ شُيُوخِهِ وَخَلَائِقُ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَوَكِيعٍ وَابْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ فِيهِ مِنْ آلَةِ الْعِلْمِ مَا في سفين بْنِ عُيَيْنَةَ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ تَفْسِيرًا للحديث منه روينا عن سفين قَالَ قَرَأْت الْقُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ وكتبت الحديث وانا ابن سبع سنين وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ يَوْمَ السَّبْتِ غُرَّةَ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ﵀
* (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي الْأَحْكَامِ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ مَغِيبُ الشَّفَقِ وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ هَلْ هُوَ الْحُمْرَةُ أَمْ الْبَيَاضُ وَسَنَذْكُرُ فِيهِ فَرْعًا مُسْتَقِلًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ الْحُمْرَةُ دُونَ الْبَيَاضِ وَأَمَّا الصُّفْرَةُ الَّتِي بَعْدَ الْحُمْرَةِ وَقَبْلَ الْبَيَاضِ فَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِيهَا فَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ دُونَ الصُّفْرَةِ وَالْبَيَاضِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعِشَاءِ بِزَوَالِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُمَا بِمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي فِي الْمَغْرِبِ فَإِذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ وَلَمْ يُرَ مِنْهَا شئ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُهَا وَمَنْ افْتَتَحَهَا وَقَدْ بَقِيَ من الحمرة شئ أَعَادَهَا فَهَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّ الْحُمْرَةَ تَرِقُّ وَتَسْتَحِيلُ لَوْنًا آخَرَ بِحَيْثُ يُعَدُّ بَقِيَّةً لِلَوْنِ الْحُمْرَةِ وَفِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْهَا وَلَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ وَهَكَذَا عِبَارَاتُ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَدْخُلُ الْوَقْتُ بمغيب الحمرة
[ ٣ / ٣٨ ]
وَإِنْ بَقِيَتْ الصُّفْرَةُ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ
* وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أحدهما وهو المشهور في الجديد أَنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَالثَّانِي وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ مِنْ الْجَدِيدِ يَمْتَدُّ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَهُمَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ وَاخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ صَحَّحَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ كَوْنَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَصَحَّحَ أَصْحَابُنَا ثُلُثَ اللَّيْلِ وَمِمَّنْ صَحَّحَ ثُلُثَ اللَّيْلِ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالشَّاشِيُّ فِي الْعُمْدَةِ وَدَلِيلُ الثُّلُثِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ وَمِمَّنْ صَحَّحَ النِّصْفَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسُلَيْمَانُ فِي
رُءُوسِ الْمَسَائِلِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي تَهْذِيبِهِ وَالرُّويَانِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَسُلَيْمٌ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْكَافِي: هَذِهِ طَرِيقَةُ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ فِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ قَالَ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلْ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِالْأَمْرَيْنِ وَالنَّصَّانِ لِلشَّافِعِيِّ مَحْمُولَانِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ فَالْمُرَادُ بالثلث أئه آخِرُ وَقْتِ الِابْتِدَاءِ بِهَا وَالْمُرَادُ بِالنِّصْفِ أَنَّهُ آخِرُ وَقْتِ الِانْتِهَاءِ وَهَذَا الطَّرِيقُ غَرِيبٌ وَالْمُخْتَارُ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَإِذَا ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ بَقِيَ وَقْتُ الْجَوَازِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ إذَا ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ فَاتَتْ الْعِشَاءُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا وَتَصِيرُ قَضَاءً وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ أَيْضًا أَحَدُ احْتِمَالَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَا أَرَاهَا إلَّا فَائِتَةً
[ ٣ / ٣٩ ]
فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ وَافَقَ الْإِصْطَخْرِيَّ لِظَاهِرِ هَذَا النص وتأوله الْجُمْهُورُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ فَاتَ دُونَ وَقْتِ الْجَوَازِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ إنَّ الْمَعْذُورِينَ إذَا زَالَتْ أَعْذَارُهُمْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِتَكْبِيرَةٍ لَزِمَتْهُمْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لَهَا لَمَا لَزِمَتْهُمْ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْإِصْطَخْرِيِّ إذَا كَمَلَ الصَّبِيُّ وَالْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْحَائِضُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ لَزِمَتْهُمْ الْعِشَاءُ بِلَا خِلَافٍ وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْإِصْطَخْرِيُّ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا لَمْ يَلْزَمْهُمْ فَهَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّارِحِينَ لِلتَّنْبِيهِ فَنَقَلَ عَنْهُ مُوَافَقَةَ الْإِصْطَخْرِيِّ وَهَذِهِ غَبَاوَةٌ مِنْ هَذَا الشَّارِحِ وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ لِطُولِهِ وَالصَّوَابُ عَنْ أَبِي حَامِدٍ مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ وَإِنْكَارُهُ عَلَى الْإِصْطَخْرِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
لِلْعِشَاءِ أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَجَوَازٍ وَعُذْرٍ فَالْفَضِيلَةُ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَالِاخْتِيَارُ
بَعْدَهُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي قَوْلٍ نِصْفُهُ وَالْجَوَازُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي وَالْعُذْرُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ لِمَنْ جَمَعَ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ
*
[ ٣ / ٤٠ ]
(فَرْعٌ)
قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ نَوَاحٍ تَقْصُرُ لَيَالِيهِمْ فَلَا يَغِيبُ الشَّفَقُ عِنْدَهُمْ فَأَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ الزَّمَانِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَدْرٌ يَغِيبُ الشَّفَقُ فِي مِثْلِهِ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ
* (فَرْعٌ)
قِيلَ إنَّ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ نِصْفُ سُدُسِ اللَّيْلِ فَإِنْ طَالَ اللَّيْلُ طَالَ نِصْفُ السُّدُسِ وَإِنْ قَصُرَ قَصُرَ
* (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ عَتَمَةً لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ هَكَذَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى عَتَمَةً وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ عَتَمَةً وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ يُكْرَهُ أَنْ تُسَمَّى عَتَمَةً: فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِتَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً كَقَوْلِهِ ﷺ " لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ: فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ وَرَدَ فِي نَادِرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ خُوطِبَ بِهِ مَنْ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ بِالْمَغْرِبِ فَلَوْ قِيلَ الْعِشَاءُ لَتَوَهَّمَ إرَادَةَ الْمَغْرِبِ لانها كانت
[ ٣ / ٤١ ]
مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ بِالْعِشَاءِ وَأَمَّا الْعَتَمَةُ فَصَرِيحَةٌ فِي العشاء الآخرة فاحتمل اطلاق العتمة هنا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ وَالْعِشَاءُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ بِالْآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العشاء) وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة " وثبت فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ اسْتِعْمَالُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ مِنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَدْ أَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ قَوْلَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَقَالَ الصَّوَابُ الْعِشَاءُ فَقَطْ وَهَذَا غَلَطٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا كُلَّهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ (الْخَامِسَةُ) يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يُكْرَهُ بَعْدَهَا
ما كان مباحا في؟ فير هَذَا الْوَقْتِ أَمَّا الْمَكْرُوهُ فِي غَيْرِهِ فَهُنَا أشد كراهة وسبب الكراهة انه يتأخر نومه فَيُخَافُ تَفْوِيتُهُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ إنْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةُ لَيْلٍ أَوْ تَفْوِيتُهُ الصُّبْحَ عَنْ وَقْتِهَا أو عن أوله وهذ الْكَرَاهَةُ إذَا لَمْ تَدَعْ حَاجَةً إلَى الْكَلَامِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَمَّا الْحَدِيثُ لِلْحَاجَةِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَكَذَا الْحَدِيثُ بِالْخَيْرِ كَقِرَاءَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومذاكرة الفقه وحكايات الصالحين والحاديث مع الضيف ونحوها فلا كراهة في شئ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَتْ بِهَذَا كُلِّهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ وَجَمَعْتُهَا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ وَسَبَبُ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ خَيْرٌ نَاجِزٌ فَلَا يُتْرَكُ لِمَفْسَدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ خَيْرٌ فَإِنَّهُ مُخَاطَرَةٌ بِتَفْوِيتِ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الشَّفَقِ وَآخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ أَمَّا الشَّفَقُ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعِشَاءِ بِمَغِيبِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ الْحُمْرَةُ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵃ وَمَكْحُولٍ وسفين الثَّوْرِيِّ وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ مَرْفُوعًا وَحَكَاهُ ابْنُ المنذر عن
[ ٣ / ٤٢ ]
ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُ أبى ثور وداود
* وقال أبوحينيفة وَزُفَرُ وَالْمُزَنِيُّ هُوَ الْبَيَاضُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ والاوزاعي واختاره ابن المذر قَالَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَتَانِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِلْحُمْرَةِ بِأَشْيَاءَ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ لَا يظهر منها دلالة لشئ يَصِحُّ مِنْهَا وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ الشَّفَقَ الْحُمْرَةُ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي شِعْرِهِمْ وَنَثْرِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا نَقْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الشَّفَقُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْحُمْرَةُ قَالَ الْفَرَّاءُ سَمِعْتُ بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ كَأَنَّهُ الشَّفَقُ وَكَانَ أحمر وقال ابن فارس في الجمل قَالَ الْخَلِيلُ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ قَالَ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَيْضًا الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ وَذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ قَوْلَ الْفَرَّاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا وَقَالَ
الربيدى فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الشَّفَقُ بَقِيَّةُ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَحُمْرَتُهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْعَتَمَةِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْخَلِيلِ وَالْفَرَّاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ هَذَا فَهَذَا كَلَامُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وبالله التوفيق
* قال المصنف رحمة الله
*
* (ووقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق الذى يحرم به الطعام والشراب على الصائم وآخره إذا اسفر لما روى ان جبربل ﵇ صلي الصبح حين طلع الفجر وصلى من الغد حين اسفر ثم التفت وقال هذا وقت الانبياء من قبل قبلك وفيما بين هذين وقت ثم يذهب وقت الاختيار ويبقي وقت الجواز الي طلوع الشمس وقال أبو سعيد الاصطخرى يذهب الوقت وما بعده وقت القضاء والمذهب الاول لحديث أبي قتادة ﵁ ويكره ان تسمى صلاة الغداة لان الله تعالى سماها بالفجر فقال تعالي (وقرآن الفجر) وسماها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ فقال " من ادرك ركعة من الصبح فقد ادركها ")
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ جِبْرِيلَ ﵇ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَحَدِيثُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَهُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَآخِرَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ إذَا أَسْفَرَ أَيْ أَضَاءَ ثُمَّ يَبْقَى وَقْتُ الْجَوَازِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ يَخْرُجُ الْوَقْتُ بِالْإِسْفَارِ وَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ قَضَاءً وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ إلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَ دَلِيلُهُ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ
[ ٣ / ٤٣ ]
وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الصُّبْحِ بِغَيْرِ عُذْرٍ إلَى طُلُوعِ الْحُمْرَةِ يَعْنِي الْحُمْرَةَ الَّتِي قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا الْفَجْرُ فَجْرَانِ أَحَدُهُمَا يُسَمَّى الْفَجْرَ الْأَوَّلَ وَالْفَجْرَ الْكَاذِبَ وَالْآخَرُ يُسَمَّى الْفَجْرَ الثَّانِي وَالْفَجْرَ الصَّادِقَ فَالْفَجْرُ الْأَوَّلُ يَطْلُعُ مُسْتَطِيلًا نَحْوَ السَّمَاءِ كَذَنْبِ السَّرْحَانِ وَهُوَ الذِّئْبُ ثُمَّ يَغِيبُ ذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ يَطْلُعُ الْفَجْرُ الثَّانِي الصَّادِقُ مُسْتَطِيرًا بِالرَّاءِ أَيْ مُنْتَشِرًا عَرْضًا فِي الاوفق قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْأَحْكَامُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفَجْرِ الثَّانِي فبه يَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَيَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ وَيَحْرُمُ بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ وَبِهِ يَنْقَضِي اللَّيْلُ وَيَدْخُلُ النَّهَارُ ولا
يتعلق بالفجر الاول شئ مِنْ الْأَحْكَامِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ سمي الفجر الاول كاذبا لانه يضئ ثم يسود ويذهب وسمي الثَّانِي صَادِقًا لِأَنَّهُ صَدَقَ عَنْ الصُّبْحِ وَبَيَّنَهُ ومما يستدل للفجرين به مِنْ الْحَدِيثِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ وَاحِدًا مِنْكُمْ اذان بلال من سحوره فان يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَلِيَتَنَبَّهَ نَائِمُكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ أَوْ الصُّبْحُ وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَهَا إلَى أَسْفَلَ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ بِسَبَّابَتَيْهِ إحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى ثُمَّ مَدَّهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ سُمْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا هَذَا الْعَارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتَّى يَسْتَطِيرَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
[ ٣ / ٤٤ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ اذان بلال ولا الفجر المستطيل لكن الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (كلوا واشربوا ولا يهمنكم السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمْ الْأَحْمَرُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العلم انه لَا يَحْرُمُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَلَى الصَّائِمِ حَتَّى يكون الفجر المتعرض وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
صَلَاةُ الصُّبْحِ مِنْ صَلَوَاتِ النها وأول النهار طلوع الفجر الثاني هذا مذهبا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْفَجْرِ لَا مِنْ اللَّيْلِ وَلَا مِنْ النَّهَارِ بَلْ زَمَنٌ مُسْتَقِلٌّ فَاصِلٌ بَيْنَهُمَا قَالُوا وَصَلَاةُ الصُّبْحِ لَا فِي اللَّيْلِ وَلَا فِي النَّهَارِ وَحَكَى الشيخ أبو حامد أيضا عن حذيفة ابن الْيَمَانِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَالْأَعْمَشِ ﵃ انهم قالو آخِرُ اللَّيْلِ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَهُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ قَالُوا وَصَلَاةُ الصُّبْحِ مِنْ صَلَوَاتِ اللَّيْلِ قَالُوا وَلِلصَّائِمِ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ هَكَذَا نقله أبو حامد عن هؤلاء ولا أظله يَصِحُّ عَنْهُمْ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَحُكِيَ عَنْ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَالَ هِيَ مِنْ صَلَوَاتِ اللَّيْلِ وَإِنَّمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ من الليل يحل فيه الاكل للصائم قالا وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ بَعِيدٌ صِحَّتُهَا مَعَ ظُهُورِ
تَحْرِيمِ الْأَكْلِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مَعَ ظاهر القرآن قان اُحْتُجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجعلنا آنة النهار مبصرة) وَآيَةُ النَّهَارِ هِيَ الشَّمْسُ فَيَكُونُ النَّهَارُ مِنْ طلوعها وبقول أمية ابن أيى الصلت
* والشمس تطله كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ
* حَمْرَاءَ تُبْصِرُ لَوْنَهَا تَتَوَقَّدُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَثْبُتُ كَوْنُهُ مِنْ النَّهَارِ بِقَوْلِهِ تعالي (فكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخيط الاسود من الفجر) وَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَثَبَتَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ " وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ
[ ٣ / ٤٥ ]
فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) وَاللَّيْلُ لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الَّتِي اُحْتُجَّ لَهُ بِهَا فَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الشَّمْسَ آيَةٌ لِلنَّهَارِ وَلَمْ يَنْفِ كَوْنَ غَيْرِهَا آيَةً فَإِذَا قَامَتْ الدَّلَائِلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ مِنْ النَّهَارِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا وَلِأَنَّ الْآيَةَ الْعَلَامَةُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يقارن جميع الشئ كَمَا أَنَّ الْقَمَرَ آيَةُ اللَّيْلِ وَلَا يَلْزَمُ مُقَارَنَتُهُ لِجَمِيعِ اللَّيْلِ وَأَمَّا الشِّعْرُ فَقَدْ نَقَلَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ إمَامُ اللُّغَةِ أَنَّ النَّهَارَ هُوَ الضِّيَاءُ الَّذِي بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ وَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ قَوْلُ الشَّاعِرِ أَنَّهُ أَرَادَ قَرِيبَ آخِرِ كُلِّ لَيْلَةٍ لَا آخِرَهَا حَقِيقَةً فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ) قُلْنَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ هَذَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ يُرْوَ عَنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَأَلْتُ عَنْهُ أَبَا الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ صَحِيحًا وَلَا فَاسِدًا مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مُعْظَمُ صَلَوَاتِ النَّهَارِ وَلِهَذَا يُجْهَرُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ لَا مِنْ اللَّيْلِ وَلَا مِنْ النَّهَارِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النهار ويولج النهار في الليل) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَاصِلَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
(فَرْعٌ)
لِصَلَاةِ الصُّبْحِ اسْمَانِ الْفَجْرُ وَالصُّبْحُ جاء القرآن بِالْفَجْرِ وَالصُّبْحِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ في الاول أُحِبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى إلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الاسمين لا أُحِبُّ أَنْ تُسَمَّى الْغَدَاةَ هَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَالُوا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهَا صُبْحًا وَفَجْرًا وَلَا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهَا غَدَاةً وَلَمْ يَقُولُوا تُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا غَدَاةً وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وشيخه القاضى أبو الطَّيِّبِ يُكْرَهُ أَنْ تُسَمَّى غَدَاةً غَرِيبٌ ضَعِيفٌ لَا دَلِيلَ لَهُ وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ غَيْرُ جَازِمٍ وَلَمْ يَرِدْ فِي الْغَدَاةِ نهى بل اشهر اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْغَدَاةِ فِيهَا فِي الْحَدِيثِ وَفِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْفَجْرُ وَالصُّبْحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[ ٣ / ٤٦ ]
(فَرْعٌ)
لَوْ دَخَلَ فِي الصُّبْحِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَخَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى فِي الْوَقْتِ رَكْعَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَكِنْ هَلْ تَكُونُ أَدَاءً أَمْ قَضَاءً فِيهِ خِلَافٌ سَنُوَضِّحُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
* وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَبْطُلُ الصُّبْحُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَبَطَلَتْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فِيهَا كَطَهَارَةِ مَسْحِ الْخُفِّ: دَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْخُفِّ أَنَّ صَلَاتَهُ إنَّمَا بَطَلَتْ هُنَاكَ لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ وَهُنَا لَمْ تَبْطُلْ طَهَارَتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ " ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لُبْثُهُ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ لَا اُقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ " فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ سَيُحْتَاجُ إلَيْهَا نَبَّهْتُ عَلَيْهَا لِيُعْلَمَ حُكْمُهَا بِنَصِّ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الحديث الصحيح وبالله التوفيق * قال المصنف ﵀
** (وتجب الصلاة في أول الوقت لان الامر تناول أول الوقت فاقتضى الوجوب فيه)
*
* (الشرح)
* مذهبنا الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا وَيَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ بِإِمْكَانِ فِعْلِهَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الفقهاء: وعن أبي حنيفة روايات احداهما كَمَذْهَبِنَا وَهِيَ غَرِيبَةٌ وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ زُفَرَ عَنْهُ يَجِبُ إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ صَلَاةَ الْوَقْتِ وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ وَحَكَاهَا عَنْهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَجِبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ إذَا بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ فَلَوْ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ تَقَعُ صَلَاتُهُ مَوْقُوفَةً فَإِنْ بَقِيَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مُكَلَّفًا تَبَيَّنَّا وُقُوعَهَا فَرْضًا وَإِلَّا كَانَتْ نَفْلًا وَقَالَ الْكَرْخِيُّ مِنْهُمْ تَقَعُ نَفْلًا فَإِنْ بَقِيَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مُكَلَّفًا منع ذلك النقل وُجُوبَ الْفَرْضِ عَلَيْهِ
* وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي كَوْنِهَا لَا تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَلِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ كَحَوْلِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ كَالصَّلَاةِ ثُمَّ الزَّكَاةُ تَجِبُ بِآخِرِهِ فَكَذَا الصَّلَاةُ وَلِأَنَّ مَنْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ حَاضِرٌ وَمَضَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ سَافَرَ فَلَهُ قَصْرُ هَذِهِ الصَّلَاةِ فَلَوْ وَجَبَتْ بِأَوَّلِ
[ ٣ / ٤٧ ]
الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ قَصْرُهَا كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ الْوَقْتِ وَلِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَتَرْكِهَا فَإِذَا فَعَلَهَا فِيهِ كَانَتْ نفلا
* واحتج اصحابنا بقول اللَّهِ تَعَالَى (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غسق الليل) وَالدُّلُوكُ الزَّوَالُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَهَذَا أَمْرٌ وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ: وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " كَيْفَ أَنْتَ إذَا بَقِيَتْ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا قَالَ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِك فَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا فَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ وَهُوَ التَّأَخُّرُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا عَنْ الْوَقْتِ كُلِّهِ وَمَعْنَى صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا أَيْ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا لِغَيْرِهَا تَجِبُ فِي الْبَدَنِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْمَالِ تَجُوزُ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ فَكَانَ كُلُّ وَقْتٍ لِجَوَازِهَا وَقْتًا لِوُجُوبِهَا كَالصَّوْمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ احْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا مَقْصُودَةٌ لَا لِغَيْرِهَا عَنْ الْوُضُوءِ وَبِقَوْلِنَا تَجِبُ فِي الْبَدَنِ عَنْ الزَّكَاةِ وَبِقَوْلِنَا لَا تتعلق بِالْمَالِ عَنْ الْحَجِّ وَبِقَوْلِنَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ عَنْ
صَلَاةِ الْجَمْعِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ تَبَعًا وَإِنْ كَانَتْ الْآنَ غَيْرَ وَاجِبَةٍ لَكِنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ فِي نُسُكِ الْحَجِّ وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ لَوْ وَجَبَتْ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَنَّ الْوَاجِبَ ضربان موسع ومضيق فالموسع تبع فِيهِ التَّوَسُّعَ وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ الْمَحْدُودِ لِلتَّوَسُّعِ وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ الصَّلَاةُ وَأَمَّا الْمُضَيَّقُ فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ وَمِنْ هَذَا صَوْمُ رَمَضَانَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حَوْلِ الزَّكَاةِ أَنَّ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ جُوِّزَ رُخْصَةً لِلْحَاجَةِ وَإِلَّا فقياس العبادات ان لا تُقَدَّمَ وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ بِالِاتِّفَاقِ وَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ فِي الْوَقْتِ لَكِنْ قُلْنَا نَحْنُ تَجِبُ بِأَوَّلِهِ وَهُمْ بِآخِرِهِ فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا بِهَا وَالْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمُسَافِرِ أن لنا فيها خلافا ففى وجه قاله الْمُزَنِيّ وَابْنُ سُرَيْجٍ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ وَعَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا جَازَ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلصَّلَاةِ وَالِاعْتِبَارُ فِي صِفَتِهَا بِحَالِ فِعْلِهَا لَا بِحَالِ وُجُوبِهَا وَلِهَذَا لَوْ فَاتَهُ صَلَاةٌ فِي حَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ الْمَاءِ ثُمَّ عجز
[ ٣ / ٤٨ ]
عَنْهُمَا صَلَّاهَا قَاعِدًا بِالتَّيَمُّمِ وَأَجْزَأَتْهُ وَلَوْ فَاتَتْهُ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُمَا فَقَضَاهَا وَهُوَ قَادِرٌ لَزِمَهُ القيام والوضوء: والجواب عن قياسهم علي النوفل أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا مُطْلَقًا وَالْمَكْتُوبَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا مُطْلَقًا بِالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي يَوْمِ كَذَا فَلَهُ ان يصليها في أي وقت منه شاء فلو صلاها فِي أَوَّلِهِ وَقَعَتَا فَرْضًا: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ الْوَجْهُ أَنْ نَقُولَ لَهُمْ أَتُسَلِّمُونَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ أَمْ تُنْكِرُونَهُ فَإِنْ أَنْكَرُوهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ قَوَاطِعَ الْأَدِلَّةِ وَالْقَوْلُ الْوَجِيزُ فِيهِ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ تَحْصِيلَ هَذَا الْفِعْلِ وَضَرَبْتُ لِتَحْصِيلِكَ إيَّاهُ هَذَا الْأَمَدَ فَمَتَى فَعَلْتَهُ فِيهِ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ فَقَدْ امْتَثَلْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فَهَذَا غَيْرُ مُنْكَرٍ عَقْلًا وَلَهُ نَظَائِرُ ثَابِتَةٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْكَفَّارَاتِ وَقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَنْسِيَّاتِ وَالصَّوْمِ الْمَتْرُوكِ بِعُذْرٍ وَإِنْ اعْتَرَفُوا بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ قُلْنَا لَهُمْ الْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ مُوَسَّعٍ وَمَتَى أَوْقَعَهَا فِيهِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ وعبادات البدن لا تصح قبل وقت وُجُوبِهَا فَإِنْ قَالُوا لَوْ وَجَبَتْ لَعَصَى بِتَأْخِيرِهَا عن أول الوقت قلنا هذه صفة الواجب الْمُضَيَّقِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ كَالْكَفَّارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
(فَرْعٌ)
إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَأَرَادَ تَأْخِيرَهَا إلَى أَثْنَاءِ الْوَقْتِ أَوْ آخره هل يلزمه العزم علي فعلها فيه وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي اللُّمَعِ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُمَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ صَاحِبُ الْحَاوِي أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ الْعَزْمُ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ فَإِنْ أَخَّرَهَا بِلَا عَزْمٍ وَصَلَّاهَا فِي الْوَقْتِ أَثِمَ وَكَانَتْ أَدَاءً وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي كُلِّ وَاجِبٍ مُوَسَّعٍ وَجَزَمَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى بِوُجُوبِ الْعَزْمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ صَلِّ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْعَزْمِ فَإِيجَابُهُ زِيَادَةٌ عَلَى مُقْتَضَى الصِّيغَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ غَفَلَ عَنْ الْعَزْمِ وَمَاتَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا قُلْنَا قَوْلُكُمْ لَوْ غَفَلَ عَنْ الْعَزْمِ لَا يَكُونُ عَاصِيًا صَحِيحٌ وَسَبَبُهُ أَنَّ الْغَافِلَ لَا يُكَلَّفُ أَمَّا إذَا لَمْ يَغْفُلْ عَنْ الْأَمْرِ فَلَا يُتْرَكُ الْعَزْمُ إلَّا بِضِدِّهِ وَهُوَ الْعَزْمُ علي الترك مطلقا وهذا حرام ومالا خَلَاصَ مِنْ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَهَذَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ مِنْ حَيْثُ وَضْعُ اللِّسَانِ لَكِنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الصِّيغَةِ وَاَللَّهُ اعلم
*
[ ٣ / ٤٩ ]
(فَرْعٌ)
إذَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ الْعَزْمُ أَوْ أَوْجَبْنَاهُ وَعَزَمَ ثُمَّ مَاتَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ فَجْأَةً فَهَلْ يَمُوتُ عَاصِيًا فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ الصَّحِيحُ لَا يَمُوتُ عَاصِيًا لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَمَنْ قَالَ يَمُوتُ عَاصِيًا فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ السَّلَفِ فَإِنَّا نَعْلَمُ انهم كانوا لا يأثمون مَنْ مَاتَ فَجْأَةً بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ الزَّوَالِ وَلَا يَنْسُبُونَهُ إلَى تَقْصِيرٍ لاسيما إذَا اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ وَنَهَضَ إلَى الْمَسْجِدِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ بَلْ مُحَالٌ أَنْ يَعْصِيَ وَقَدْ جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ وَمَتَى فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ كَيْفَ يُمْكِنُ تَعْصِيَتُهُ: فَإِنْ قِيلَ جَازَ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ قُلْنَا مُحَالٌ لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ عَنْهُ فَإِذَا سَأَلْنَا وَقَالَ الْعَاقِبَةُ مسورة عَنِّي وَعَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ وَأُرِيدُ تَأْخِيرَهُ إلَى الْغَدِ فَهَلْ لِي تَأْخِيرُهُ مَعَ جَهْلِ الْعَاقِبَةِ أَمْ أَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ فَإِنْ قُلْنَا لَا تَعْصِي قَالَ فَلِمَ آثَمُ بِالْمَوْتِ الَّذِي لَيْسَ إلَيَّ وَإِنْ قُلْنَا يَعْصِي خَالَفْنَا الْإِجْمَاعَ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَإِنْ قُلْنَا إنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّكَ تَمُوتُ قَبْلَ الْغَدِ عَصَيْتَ وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّكَ تَحْيَا فَلَكَ التَّأْخِيرُ قَالَ فَمَا يُدْرِينِي مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تعالى فما قولكم في حق الجاهل فلابد مِنْ الْجَزْمِ بِتَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ فَإِنْ قِيلَ إذَا جَوَّزْتُمْ تَأْخِيرَهُ
أَبَدًا وَلَا يَعْصِي إذَا مَاتَ فَلَا مَعْنَى لِوُجُوبِهِ قُلْنَا تَحَقَّقَ الْوُجُوبُ بِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ التَّأْخِيرُ إلَّا بِشَرْطِ الْعَزْمِ وَلَا يَجُوزُ الْعَزْمُ عَلَى التَّأْخِيرِ إلَّا إلَى مدة تغلب عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إلَيْهَا كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ سَاعَةٍ إلَى سَاعَةٍ وَتَأْخِيرِ الصَّوْمِ مِنْ يَوْمٍ إلَى يَوْمٍ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى التَّفَرُّغِ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَتَأْخِيرِ الْحَجِّ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ فَلَوْ عَزَمَ الْمَرِيضُ الْمُشْرِفُ عَلَى الْهَلَاكِ عَلَى التَّأْخِيرِ شَهْرًا أَوْ الشَّيْخُ الضَّعِيفُ علي التأخير سِنِينَ وَغَالِبُ ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ عَصَى بِهَذَا التَّأْخِيرِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ وَوُفِّقَ لِلْعَمَلِ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِظَنِّهِ كَالْمُعَزَّرِ إذا ضرب ضربا يهلك أو قطع سلعة وَغَالِبُ ظَنِّهِ الْهَلَاكُ بِهَا يَأْثَمُ وَإِنْ سَلِمَ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَجِّ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ لِأَنَّ الْبَقَاءَ إلَى سَنَةٍ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وَرَآهُ الشَّافِعِيُّ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ فِي الشَّابِّ الصَّحِيحِ دون الشيح وَالْمَرِيضِ ثُمَّ الْمُعَزَّرُ إذَا فَعَلَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ السَّلَامَةُ فَهَلَكَ مِنْهُ ضَمِنَ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي ظَنِّهِ وَالْمُخْطِئُ ضَامِنٌ غَيْرُ آثِمٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ ﵀
* وَلَنَا فِيمَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى مَاتَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ اصحها يموت عاصيا الشيخ والشاب الصحيح الثاني لَا يَمُوتُ عَاصِيًا وَالثَّالِثُ يَعْصِي الشَّيْخُ دُونَ الشَّابِّ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ هُنَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ الْعِصْيَانُ مُطْلَقًا وَسَنَبْسُطُ الْمَسْأَلَةَ بِفُرُوعِهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعِصْيَانِ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي
[ ٣ / ٥٠ ]
كِتَاب الْحَجِّ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * قال المصنف ﵀
*
* (والافضل فيما سوى الظهر والعشاء التقديم في أول الوقت لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ ﵁ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فقال " الصلاة في اول وقتها " ولان الله تعالى أمر بالمحافظة عليها قال الشافعي ﵀ ومن المحافظة عليها تَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهَا عرضها للنسيان وحوادث الزمان)
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالْبَيْهَقِيُّ هَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ فَرْوَةَ الصَّحَابِيَّةِ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ هَكَذَا وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعْفُهُ بَيِّنٌ وَيُغْنِي عَنْهُ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُ
الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهُوَ إذَا تَحَقَّقَ طُلُوعُ الْفَجْرِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَنَسٍ وَأَبِي مُوسَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ واحمد واسحق وَدَاوُد وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ تَأْخِيرُهَا إلَى الْإِسْفَارِ أَفْضَلُ
* وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِالْإِسْفَارِ بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ فانه أعظم للاجر " وعن عبد الله ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ " مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ يَعْنِي الْمُزْدَلِفَةَ وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالُوا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَإِنَّمَا صَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِهِ مُغَلِّسًا بِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُسْفِرًا بِهَا قَالُوا وَلِأَنَّ الْإِسْفَارَ يُفِيدُ كَثْرَةَ الْجَمَاعَةِ وَاتِّصَالَ الصُّفُوفِ وَلِأَنَّ الْإِسْفَارَ يَتَّسِعُ بِهِ وَقْتُ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا وَمَا أَفَادَ كَثْرَةَ النَّافِلَةِ كَانَ أَفْضَلَ
* وَاحْتَجَّ اصحابنا يقول الله تعالى (حافظوا على الصلوات) وَمِنْ الْمُحَافَظَةِ تَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ إذا أخرها عرضها للفوات وبقول اللَّهُ تَعَالَى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) والصلاة تحصل ذلك وبقوله تعالي (واستبقوا الخيرات) وبحديث
[ ٣ / ٥١ ]
عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ " كُنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ الْمُتَلَفِّعَاتُ المتلفات وَالْمُرُوطُ الْأَكْسِيَةُ وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءَ إذَا رَأَى فِي النَّاسِ قِلَّةً أَخَّرَ وَإِذَا رَأَى كَثْرَةً عَجَّلَ وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " تَسَحَّرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى قُلْتُ لِأَنَسٍ كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِهِ وَمُسْلِمٌ بمعناه وعن سهل بن سعدر ﵁ قَالَ " كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعُدْ إلَى أَنْ يُسْفِرَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَعَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ صلاة الفجر
[ ٣ / ٥٢ ]
فَصَلَّى بِغَلَسٍ وَكَانَ يُسْفِرُ بِهَا فَلَمَّا سَلَّمَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ إلَى جَانِبِي فَقَالَ هَذِهِ صَلَاتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ أسفر بهما عُثْمَانُ ﵁ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْفَارِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَهُوَ ظُهُورُهُ يُقَالُ سَفَرَتْ الْمَرْأَةُ أَيْ كَشَفَتْ وَجْهَهَا فَإِنْ قِيلَ لَا يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ لِقَوْلِهِ ﷺ (فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ) لِأَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصلاة قبل الاسقار لَكِنَّ الْأَجْرَ فِيهَا أَقَلُّ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ دُخُولُ الْوَقْتِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْهُ جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ وَلَكِنَّ التَّأْخِيرَ إلَى إسْفَارِ الْفَجْرِ وَهُوَ ظُهُورُهُ الَّذِي يُتَيَقَّنُ بِهِ طُلُوعُهُ أَفْضَلُ وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْإِسْفَارِ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ فِيهَا الْفَجْرُ إلَّا بِاسْتِظْهَارٍ فِي الْإِسْفَارِ وَالثَّانِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِالتَّعْجِيلِ صَلَّوْا بَيْنَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي طَلَبًا لِلثَّوَابِ فَقِيلَ لَهُمْ صَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ الثَّانِي وَأَصْبِحُوا بِهَا فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِكُمْ فَإِنْ قِيلَ لَوْ صَلَّوْا قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَجْرٌ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ يُؤْجَرُونَ عَلَى نِيَّتِهِمْ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ " إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْفَجْرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَبْلَ عَادَتِهِ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ وَصَلَّى فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِيَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَفِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ كَانَ يُؤَخِّرُ عَنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ الْمُحْدِثُ وَيَغْتَسِلُ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ فَقَوْلُهُ قبل
[ ٣ / ٥٣ ]
ميقاتها معناه قبل ميقاتها المعتاد بشئ يَسِيرٍ وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْإِسْفَارُ تُفِيدُ كَثْرَةَ الْجَمَاعَةِ وَيَتَّسِعُ بِهِ وَقْتُ النَّافِلَةِ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَا تَلْتَحِقُ بِفَائِدَةِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُغَلِّسُ بِالْفَجْرِ
*
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الظُّهْرُ فِي غيره شِدَّةِ الْحَرِّ فَمَذْهَبُنَا أَنَّ تَعْجِيلَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ مَالِكٌ أحب ان تصلى في الصيف والشتاء والفئ ذِرَاعٌ كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁ دَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا دَحَضَتْ الشَّمْسُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَوْلُهُ وَالشَّمْسُ دَحَضَتْ أَيْ زَالَتْ
*
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْعَصْرُ فَتَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَقِمِ الصلاة طرفي النهار) وبحديث علي ابن شَيْبَانَ ﵁ قَالَ " قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتْ الشَّمْسُ نَقِيَّةً " وَعَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ " أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ " وَلِأَنَّهَا إذَا أُخِّرَتْ اتَّسَعَ وَقْتُ النَّافِلَةِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (حافظوا على الصلوات) وقد سبق تقرير وجه الدليل وبالآيتين السَّابِقَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى قُبَاءَ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ "
[ ٣ / ٥٤ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا " فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْعَوَالِي " قَالَ الْعُلَمَاءُ الْعَوَالِي قُرَى عِنْدَ الْمَدِينَةِ أَقْرَبُهَا مِنْهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ وَأَبْعَدُهَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَعَنْ أَبِي أمامة بن سهل بن حبيب وهو صحابي بن صَحَابِيٍّ ﵄ قَالَ " صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ فَقُلْتُ يَا عَمِّ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ قَالَ الْعَصْرُ وَهَذِهِ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ
رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نم تُنْحَرُ الْجَزُورُ فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا وَنُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ فَنُحِرَتْ ثُمَّ قُطِّعَتْ ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنْ صَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ ثَلَاثَ فَرَاسِخَ " رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامٍ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الطَّرْفُ مَا بَعْدَ النِّصْفِ وَعَنْ حَدِيثِ عَلِيِّ ابن شَيْبَانَ أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ وَعَنْ حَدِيثِ رَافِعٍ أَنَّهُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَاهُ وَبَيَّنَّا ضَعْفَهُ وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ وَأَبُو القسم اللالكائ وغيرهما وقولهم يسع وَقْتُ النَّافِلَةِ سَبَقَ جَوَابُهُ فِي تَقْدِيمِ الصُّبْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَتَعْجِيلُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ بِالْإِجْمَاعِ
*
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْعِشَاءُ فذكر المصنف والاصحاب فيها قولين أَحَدُهُمَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ
[ ٣ / ٥٥ ]
والقديم أن تقديمها فضل كَغَيْرِهَا وَلِأَنَّهُ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وقد روى النعمان ابن بَشِيرٍ ﵄ قَالَ أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ عِشَاءِ الْآخِرَةِ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصليها لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَهَذَا نَصٌّ فِي تَقْدِيمِهَا وَالْقَوْلُ الثَّانِي تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أبو داود بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَقَالَ " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ
صَلَاةٍ " وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ " فَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَا يُعْرَفُ وَقَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الآخرة " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ " أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ ﵁ الصَّلَاةَ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ وَقَالَ مَا يَنْتَظِرُهَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ غَيْرُكُمْ وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لمسلم " اغتم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ " أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ الصَّلَاةَ فَخَرَجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى
[ ٣ / ٥٦ ]
أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ " مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَخَرَجَ إلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بعده فلا ندرى أشئ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ إنَّكُمْ تَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ وَلَوْلَا أَنْ تَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ (٧) وَالْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا أَمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ " أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ فِي فَضِيلَةِ التَّأْخِيرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أبى حنيفة وأحمد واسحق وَآخَرِينَ وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَصَحُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَقْدِيمَهَا أَفْضَلُ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَالشَّاشِيُّ فِي الْمُسْتَظْهِرِيِّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ سَلِيمٌ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالْجُرْجَانِيُّ في كتابيه والشيخ نصر في الكافي والغزالي في الخلاصة والشاشبى فِي الْعُمْدَةِ وَقَطَعَ الزُّبَيْرِيُّ فِي الْكَافِي بِتَفْضِيلِ التَّأْخِيرِ وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلًا لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا أُخِّرَتْ إلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ فِي قَوْلٍ وَثُلُثُهُ فِي قَوْلٍ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ قَالُوا وَلَا يُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ فِي اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَتَقْدِيمِهَا قَوْلَيْنِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَقَالَ ابْنُ أَبِي هريرة ليست علي قولين بل على
_________________
(١) بهامش الاصل لعله يمعناه اه
[ ٣ / ٥٧ ]
حَالَيْنِ فَإِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَهَا لَا يَغْلِبُهُ نَوْمٌ وَلَا كَسَلٌ اُسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهَا وَإِلَّا فَتَعْجِيلُهَا وَجُمِعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِهَذَا وَضَعَّفَ الشَّاشِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ هُوَ بِضَعِيفٍ كَمَا زَعَمَ بَلْ وظاهر أَوْ الْأَرْجَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِيمَا يَحْصُلُ به فضيلة أول لوقت فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَصَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَآخَرُونَ يَحْصُلُ بِأَنْ يشتغل أَوَّلَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَضُرُّ الشُّغْلُ الْخَفِيفُ كَأَكْلِ لُقَمٍ وَكَلَامٍ قَصِيرٍ وَلَا يُكَلَّفُ الْعَجَلَةَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَشَرَطَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ تَقْدِيمَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ قَبْلَ الْوَقْتِ لِنَيْلِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّ السَّتْرَ وَاجِبٌ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالصَّلَاةِ وَضَعَّفَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلُوا عن عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَبْقَى وَقْتُ الْفَضِيلَةِ إلَى نِصْفِ الْوَقْتِ
وَادَّعَى صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَكَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ آخَرُونَ إلَى نِصْفِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَالثَّالِثُ لَا تَحْصُلُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ حَتَّى يُقَدِّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنْ تَقْدِيمُهُ مِنْ الْأَسْبَابِ لِتَنْطَبِقَ الصَّلَاةُ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ وَعَلَى هَذَا قِيلَ لَا يَنَالُ الْمُتَيَمِّمُ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ غَلَطٌ صَرِيحٌ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَهُمَا ضَعِيفَانِ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ تُؤَخَّرَ الصَّلَاةُ حَتَّى يُتَيَقَّنَ الْوَقْتُ أَوْ لَا يَبْقَى إلَّا وَقْتٌ لَوْ أَخَّرَ عَنْهُ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ
* (فَرْعٌ)
لَوْ كَانَ عَادَةُ الْإِمَامِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ تَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ الوقت لحيازة فضيلة أَمْ تَأْخِيرُهَا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ خِلَافٌ مُنْتَشِرٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ
* (فَرْعٌ)
هَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ تُسْتَثْنَى مِنْهُ صُوَرٌ مِنْهَا مَنْ يُدَافِعُ الْحَدَثَ وَمَنْ
[ ٣ / ٥٨ ]
حضره طعام وتاق إليه والمتيمم الذى يتيقين الماء في آخر الوقت كذا الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَيَعْلَمُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ فِي آخِرِهِ بِالْعَادَةِ وَالْمُنْفَرِدُ الَّذِي يَعْلَمُ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إذَا قُلْنَا يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّأْخِيرُ عَلَى ما سبق في باب التيمم * قال المصنف ﵀
*
* (واما الظهر فانه ان كان في غير حر شديد فتقديمها أفضل لما ذكرناه وان كان في حر شديد وتصلي جماعة في موضع تقصده الناس من البعد استحب الابراد بها بقدر ما يحصل فيئ يمشى فيه القاصد الي الصَّلَاةِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فان شدة الحر من فيح جهنم) وفى صلاة الجمعة وجهان أحدهما انها كالظهر لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ إذَا اشتد البرد بكربها وإذا اشتد الحر ابرد بها والثاني تقديمها أفضل بكل حال لان الناس لا يتأخرون عنها لانهم ندبوا الي التبكير إليها فلم يكن للتأخير وجه:)
*
** (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفَيْحُ جَهَنَّمَ بِفَتْحِ الْفَاء وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَبِالْحَاءِ وَهُوَ غَلَيَانُهَا وَانْتِشَارُ لَهَبِهَا وَوَهَجِهَا وَحَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَكِنَّ لَفْظَهُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ " هَذَا لَفْظُهُ وَتَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ بَابُ " إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ "
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَتَقْدِيمُ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إلَى جَمَاعَةٍ وَطَرِيقُهُ فِي الْحَرِّ فَالْإِبْرَادُ بِهَا سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ العراقيين والخرسانيين وفيه وجه شاذ حكاه الخراسانيون أن الايراد رُخْصَةٌ وَأَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ الْمَشَقَّةَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَانَ أَفْضَلَ هَكَذَا حَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَمِنْهُمْ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَنِ الْمُتَظَاهِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِبْرَادِ وَأَنَّهُ فَعَلَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْمَشْيَ إلَيْهَا يَسْلُبُ الْخُشُوعَ أَوْ كَمَالَهُ فَاسْتُحِبَّ التَّأْخِيرُ لِتَحْصِيلِ الْخُشُوعِ كَمَنْ حَضَرَهُ طَعَامٌ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَيْهِ أَوْ كَانَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ وَحَقِيقَةُ الْإِبْرَادِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ
[ ٣ / ٥٩ ]
بقدر ما يحصل للحيطان فيئ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُؤَخِّرُ عَنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوَقْتِ وَلِلْإِبْرَادِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَأَنْ تَكُونَ بلاد حارة وان تصلي جَمَاعَةً وَأَنْ يَقْصِدَهَا النَّاسُ مِنْ الْبُعْدِ هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ اشْتِرَاطَ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ مَشْهُورٌ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَفِي الْبُوَيْطِيِّ قَوْلٌ أَنَّهُ لَوْ قَرُبَتْ مَنَازِلُهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ اُسْتُحِبَّ الْإِبْرَادُ كَمَا لَوْ بَعُدُوا وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَطَرَدُوهُ فِي جَمَاعَةٍ هُمْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَأْتِيهِمْ إلَيْهِ أَحَدٌ وَفِيمَنْ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ إلَى الْمَسْجِدِ فِي ظِلٍّ وَفِيمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ لَا يُبْرِدُونَ بَلْ تُشْتَرَطُ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ مُتَابَعَةً
لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ اشْتِدَادِ الْحَرِّ وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ لَا يُبْرِدُونَ بِهَا وَدَلِيلُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا حَدِيثُ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عن سعيد ابن وَهْبٍ عَنْ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ ﵁ قَالَ " شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا قَالَ زُهَيْرٌ قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ أَفِي الظُّهْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفِي تَعْجِيلِهَا قَالَ نَعَمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ نسخه * قال المصنف ﵀
*
* (واوكد الصلوات في المحافظة عليها الصلاة الوسطى لان الله تعالى خصها بالذكر فقال تعالى (والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) فقرنها بالقنوت ولا قنوت الا في الصبح ولان الصبح يدخل وقتها والناس في أطيب نوم فخص بالمحافظة حتى لا يتغافل عنها بالنوم ولهذا خص بالتثويب)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى آكَدُّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ الصُّبْحُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ عُمَرَ ومعاذ ابن جَبَلٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ ﵃ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أنس رحمهم
[ ٣ / ٦٠ ]
اللَّهُ وَقَالَ طَائِفَةٌ هِيَ الْعَصْرُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ﵀ وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هِيَ الظُّهْرُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ واسامة ابن زَيْدٍ وَعَائِشَةَ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ هِيَ الْمَغْرِبُ قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ الْعِشَاءُ الْآخِرَةِ وَبَعْضُهُمْ إنَّهَا إحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مُبْهَمَةٌ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا الجملة وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْوُسْطَى جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَهَذِهِ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَالصَّحِيحُ مِنْهَا مَذْهَبَانِ الْعَصْرُ وَالصُّبْحُ وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهَا الْعَصْرُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّهَا الصُّبْحُ وَصَحَّتْ الْأَحَادِيثُ أَنَّهَا الْعَصْرُ
وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ فَصَارَ مَذْهَبُهُ أَنَّهَا الْعَصْرُ قَالَ وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قولان كما فهم بَعْضُ أَصْحَابِنَا هَذَا كَلَامُ صَاحِبُ الْحَاوِي
* وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ أَنَّهَا الْعَصْرُ بِحَدِيثِ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " يَوْمَ الْأَحْزَابِ شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بان العصر تسعى وُسْطَى وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا الْمُرَادَةُ فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ وَاحْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِ تعالى (وقوموا لله قانتين) مِمَّا يُنْكِرُهُ الْمُخَالِفُونَ وَيَقُولُونَ لَا نُسَلِّمُ إثْبَاتَ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ هَذَا الْقُنُوتُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَكُمْ بَلْ الْقُنُوتُ الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ كَذَا قَالَ أَهْلُ اللغة
[ ٣ / ٦١ ]
إنَّ هَذَا أَشْهَرُ مَعَانِيهِ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِنْكَارِ أَنَّ الْقُنُوتَ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ وَعَلَى الدُّعَاءِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ " وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْقُنُوتَ الْعِبَادَةُ وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ الْقِيَامِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فَتَظْهَرُ الدَّلَالَةُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوُسْطَى الصبح لانه لا فرض يدعا فِيهِ قَائِمًا غَيْرُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ وَلَيْسَتْ الْعَصْرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ " أَنَّهَا قَالَتْ لِمَنْ يَكْتُبُ لَهَا مُصْحَفًا اُكْتُبْ حَافِظُوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطي وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قَالَتْ عَائِشَةُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ فَعَطْفُ الْعَصْرِ عَلَى الوسطي يدل علي انها غيرها * قال المصنف ﵀
*
* (ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله صلي الله عليه وسلم أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله) ولانا لو لم نجوز التأخير ضاق علي الناس فسمح لهم بالتأخير فان صلى ركعة في الوقت ثم خرج الوقت ففيه وجهان أحدهما وهو ظاهر المذهب وهو قول ابي علي بن خيران انه مؤد للجميع لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ من العصر ركعة قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ) ومن أصحابنا من قال هو مؤد لما صلي في الوقت قاض لما صلي بعد خروج الوقت
اعتبارا بما في الوقت وبعده)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مَحْذُورَةَ وَأَسَانِيدُ الْجَمِيعِ ضَعِيفَةٌ وَجَمَعَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ أَسَانِيدُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَيُغْنِي عَنْهُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي قَدَّمْتُهَا فِي الْبَابِ كَحَدِيثِ " لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ " وَحَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ وَحَدِيثِ " وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ " مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ ركعة إلى آخره " فرواه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ قَبْلَ هَذَا وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ "
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ بِلَا خِلَافٍ حَيْثُ تَقَعُ جَمِيعًا فِي الْوَقْتِ فَإِذَا وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْضُهُ خَارِجَهُ نُظِرَ إنْ وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ رَكْعَةٌ فَصَاعِدًا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا بِاتِّفَاقِهِمْ قَالَ البندبنجي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ أَنَّ الْجَمِيعَ اداء:
[ ٣ / ٦٢ ]
وَالثَّانِي الْجَمِيعُ قَضَاءٌ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ: وَالثَّالِثُ مَا فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ وَدَلِيلُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَدَلِيلُ الْقَضَاءِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِآخِرِ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي أَثْنَاءِ الْجُمُعَةِ أَتَمُّوهَا ظُهْرًا وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْوَقْتِ دُونَ رَكْعَةٍ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْجَمِيعَ قَضَاءٌ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى الْأَوْجُهِ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ وَحَيْثُ قُلْنَا الْجَمِيعُ قَضَاءٌ أَوْ الْبَعْضُ لَمْ يَجُزْ لِلْمُسَافِرِ قَصْرُ تِلْكَ الصلاة علي قولنا لا تفصر الْمَقْضِيَّةُ وَلَوْ أَرَادَ إنْسَانٌ تَأْخِيرَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إلَى حَدٍّ يُخْرِجُ بَعْضَهَا عَنْ الْوَقْتِ فَإِنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا قَضَاءٌ لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءٌ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَهُوَ الَّذِي صَوَّبَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَجَزَمَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِالْجَوَازِ وليس بشئ أَمَّا إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ جَمِيعَهَا فَمَدَّهَا بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ فَرَاغِهَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ لَكِنَّهُ خلاف
الاولي والثاني يُكْرَهُ وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
ذَكَرْنَا أَنَّ حَدِيثَ أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ ضَعِيفٌ وَالرِّضْوَانُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْمُخْتَصَرِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُحْسِنِينَ وَالْعَفْوُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُقَصِّرِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا قَوْلُهُ لِلْمُقَصِّرِينَ قَدْ يُسْتَشْكَلُ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّأْخِيرَ لَا إثْمَ فِيهِ فَكَيْفَ يَكُونُ فَاعِلُهُ مُقَصِّرًا وَأَجَابُوا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِتَفْوِيتِ الْأَفْضَلِ كَمَا يُقَالُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الضُّحَى فَهُوَ مقصر وان لم يأثم
*
* قال المصنف ﵀
*
* (ولا يعذر أحد من أهل الفرض في تأخير الصلاة عن وقتها الا نائم أو ناس أو مكره أو من يؤخرها للجمع بعذر السفر أو المطر لقوله ﷺ " ليس التفريط في النوم انما التفريط في اليقظة " فنص علي النائم وقسنا عليك الناسي والمكره لانهما في معناه واما من يؤخر الصلاة لسفر أو مطر فنذكره فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ وَقَوْلُهُ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ إلَى آخِرِهِ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فَإِنْ قِيلَ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ إذَا رَأَتْ دَمًا يَحْتَمِلُ الْحَيْضَ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ وَقَدْ يَنْقَطِعُ لدون يوم
[ ٣ / ٦٣ ]
وليلة ونتيقن وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا وَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ حِينَ أَخَّرَتْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ مَنْ يُؤَخِّرُهَا لِلْجَمْعِ بِالْمَطَرِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ فِي الْجَمْعِ بِالْمَطَرِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ مَنْ أُكْرِهَ علي تأخيرها فمحمول علي مَنْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَمُنِعَ مِنْ الْإِيمَاءِ بِهَا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّلَبُّسِ بِمَا يُنَافِيهَا فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَأَمْكَنَهُ الْإِيمَاءُ بِرَأْسِهِ وَعَيْنِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ لِحُرْمَتِهِ وَيُعِيدُ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَرِيقِ وَالْمَصْلُوبِ وَالْمَرِيضِ وغيرهم مِمَّنْ عَجَزَ عَنْ الْقِبْلَةِ وَإِتْمَامِ الْأَرْكَانِ أَنَّهُ يَجِبُ الصَّلَاةُ فِي الْحَالِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَسَبَقَ
بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ وَالْخِلَافِ فِيهَا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى الْمُكْرَهِ فَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجَنَائِزِ بِدُونِ وَرَقَةٍ وَلَوْ أُسِرَ رَجُلٌ وَمُنِعَ مِنْ الصَّلَاةِ فقدر ان يصليها إبماء صَلَّاهَا وَلَمْ يَدَعْهَا وَأَعَادَهَا (قُلْتُ) وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﷺ " وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
*
* قال المصنف ﵀
*
* (إذا بلغ الصبي أو اسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء أو افاق المجنون أو المغمى عليه وقد بقى من وقت الصلاة قدر ركعة لزمه فرض الوقت لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العصر) فان بقي من الوقت دون ركعة ففيه قولان روى المزني عنه انه لا يلزمه لحديث أبى هريرة ﵁ ولان بدون الركعة لا يدرك الجمعة فكذلك ههنا وقال في كتاب استقبال القبلة يلزمه بقدر تكبيرة لانه ادراك حرمة فاستوى فيه الركعة والتكبيرة كادراك الجماعة وتخالف الجمعة فانه ادراك فعل فاعتبر فيه الركعة وهذا ادراك حرمة فهو كالجماعة وأما الصلاة التى قبلها فينظر فيها فان كان ذلك في وقت الصبح أو الظهر أن المغرب لم يلزمه ما قبلها لان ذلك ليس بوقت لما قبلها وان كان ذلك في وقت العصر أو في وقت العشاء قال في الجديد يلزمه الظهر بما يلزم به العصر ويلزم المغرب بما يلزم به العشاء وفيما يلزم به العصر والعشاء قولان أحدهما ركعة والثانى تكبيرة والدليل عليه أن وقت العصر وقت الظهر ووقت العشاء وقت المغرب في حق أهل العذر وهو المسافر وهؤلاء من أهل العذر فجعل ذلك وقتا لها في حقهم وقال في القديم فيه قولان أحدهما يجب بركعة وطهارة
[ ٣ / ٦٤ ]
والثاني يجب الظهر والعصر بمقدار خمس ركعات أربع للظهر وركعة للعصر وتجب المغرب مع العشاء بأربع ركعات ثلاث للمغرب وركعة للعشاء لان الوقت اعتبر لادراك الصلاتين فاعتبر وقت يكن الفراغ من أحداهما والشروع في الاخرى وغلط أبو إسحق في هذا فقال أربع من العصر وركعة من الظهر وأربع من العشاء وركعة من المغرب وهذا خلاف النص في القديم وخلاف النظر لان
العصر تجب بركعة فدل على أن الاربع للظهر وخرج أبو إسحق في المسألة قولا خامسا انه يدرك الظهر والعصر بمقدار احدى الصلاتين وتكبيرة)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* إذَا زَالَ الصِّبَا أَوْ الْكُفْرُ أَوْ الْجُنُونُ أَوْ الْإِغْمَاءُ أَوْ الْحَيْضُ أَوْ النِّفَاسُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ رَكْعَةٍ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ بِلَا خِلَافٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الرَّكْعَةِ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُ وَحَكَى إمَامُ الحرمين عن والده أن قَالَ مَرَّةً يَكْفِي رَكْعَةُ مَسْبُوقٍ وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَهَا زَمَنُ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ فِيهِ قولان حكاهما الخراسانيون وبعضهم يحكيا وجهين اصحهما وبه قطع العراقيون يُشْتَرَطُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ فعل الركعة وان بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ فَمَا فَوْقَهَا مِمَّا لَا يَبْلُغُ رَكْعَةً فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ تَلْزَمُهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ جُزْءٍ مِنْهُ كَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ وَالثَّانِي لَا لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَقِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ وَفِي اشْتِرَاطِ زَمَنِ الطَّهَارَةِ الْقَوْلَانِ فَإِنْ قُلْنَا تَلْزَمُ بِتَكْبِيرَةٍ فَأَدْرَكَ زَمَنَ نِصْفِ تَكْبِيرَةٍ إنْ تَصَوَّرَ ذَلِكَ فَفِي اللُّزُومِ بِهِ تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسَعُ رُكْنًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَشَرْطُ الْوُجُوبِ بِرَكْعَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ أَنْ يَمْتَدَّ السَّلَامَةُ مِنْ الْمَانِعِ قَدْرَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَفِعْلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَإِنْ عَادَ مَانِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَجِبْ مِثَالُهُ بَلَغَ صَبِيٌّ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ ثُمَّ عَادَ جُنُونُهُ أَوْ طَهَرَتْ ثُمَّ جُنَّتْ أَوْ أَفَاقَتْ ثُمَّ حَاضَتْ فَإِنْ مَضَى فِي حَالِ السَّلَامَةِ مَا يَسَعُ طَهَارَةً وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَجَبَتْ الْعَصْرُ وَإِلَّا فَلَا وَيَسْتَوِي فِي الْإِدْرَاكِ بِرَكْعَةٍ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ فَإِنْ كَانَتْ الْمُدْرَكَةُ صُبْحًا أَوْ ظُهْرًا أَوْ مَغْرِبًا لَمْ يَجِبْ غَيْرُهَا وَإِنْ كَانَتْ عَصْرًا أَوْ عِشَاءً وَجَبَ مَعَ الْعَصْرِ الظُّهْرُ وَمَعَ الْعِشَاءِ الْمَغْرِبُ بلا خلاف
[ ٣ / ٦٥ ]
وَفِيمَا تَجِبُ بِهِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْجَدِيدِ تَجِبُ بِمَا تَجِبُ به الاولي فتجب الصلاتين بركعة في قول وبتكيرة فِي قَوْلٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالثَّانِي وَهُوَ الْقَدِيمُ لَا تَجِبُ الظُّهْرُ مَعَ الْعَصْرِ إلَّا بِإِدْرَاكِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مَعَ مَا تَجِبُ بِهِ الْعَصْرُ فَعَلَى قَوْلٍ يُشْتَرَطُ خَمْسُ رَكَعَاتٍ وَعَلَى قَوْلٍ أَرْبَعٌ وَتَكْبِيرَةٌ وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْأَرْبَعُ لِلظُّهْرِ وَالرَّكْعَةُ أَوْ التَّكْبِيرَةُ لِلْعَصْرِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ فِي الْقَدِيمِ لِيُمْكِنَ الْفَرَاغُ مِنْ الظُّهْرِ
وَالشُّرُوعُ فِي الْعَصْرِ وَتُدْرَكُ الْمَغْرِبُ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ ثَلَاثٌ لِلْمَغْرِبِ وَرَكْعَةٌ لِلْعِشَاءِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ الْأَرْبَعُ لِلْعَصْرِ وَالرَّكْعَةُ لِلظُّهْرِ قَالَ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ خَمْسُ رَكَعَاتٍ أَرْبَعٌ لِلْعِشَاءِ وَرَكْعَةٌ لِلْمَغْرِبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ غَلَطٌ صَرِيحٌ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالدَّلِيلِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُشْتَرَطَ لِلثَّانِيَةِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَيُكْتَفَى فِي الْأُولَى بِرَكْعَةٍ وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ زَمَنُ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ أَظْهَرُهُمَا لَا يُشْتَرَطُ وَإِذَا جُمِعَتْ الْأَقْوَالُ حَصَلَ فِيمَا يَلْزَمُ بِهِ كُلُّ صَلَاةٍ فِي آخِرِ وَقْتِهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ وَالثَّانِي تَكْبِيرَةٌ وَطَهَارَةٌ وَالثَّالِثُ رَكْعَةٌ وَالرَّابِعُ رَكْعَةٌ وَطَهَارَةٌ وَفِيمَا يَلْزَمُ بِهِ الظُّهْرُ مَعَ الْعَصْرِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ وَالْخَامِسُ قَدْرُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَتَكْبِيرَةٍ وَالسَّادِسُ هَذَا وَزِيَادَةُ طَهَارَةٍ وَالسَّابِعُ خَمْسُ رَكَعَاتٍ وَالثَّامِنُ هَذَا وَطَهَارَةٌ وَفِيمَا تَلْزَمُ بِهِ الْمَغْرِبُ مَعَ الْعِشَاءِ اثْنَا عَشَرَ قَوْلًا هَذِهِ الثَّمَانِيَةُ وَالتَّاسِعُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَتَكْبِيرَةٌ وَالْعَاشِرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَتَكْبِيرَةٌ وَطَهَارَةٌ وَالْحَادِي عَشَرَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَالثَّانِي عَشَرَ هَذَا وَطَهَارَةٌ
* (فَرْعٌ)
عَادَةُ أَصْحَابِنَا يُسَمُّونَ هَؤُلَاءِ أَصْحَابَ الْأَعْذَارِ فَأَمَّا غَيْرُ الْكَافِرِ فَتَسْمِيَتُهُ مَعْذُورًا ظَاهِرَةٌ وَيُسَمَّى الْكَافِرُ مَعْذُورًا لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بالقضاء بعد الاسلام نخفيفا عَنْهُ كَمَا لَا يُطَالَبُونَ تَخْفِيفًا عَنْهُمْ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِ الظُّهْرِ بِإِدْرَاكِ آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَوُجُوبِ الْمَغْرِبِ بِإِدْرَاكِ آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ بِأَنَّهُمَا كَالصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ وَوَقْتُ إحْدَاهُمَا وَقْتُ الْأُخْرَى فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ بِسَفَرٍ وَهَذَا الْحُكْمُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ ﵃ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ أَطْلَقُوا اشْتِرَاطَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلُزُومِ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسَافِرِ أَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ لِلظُّهْرِ رَكْعَتَانِ فَقَطْ
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَعْذُورِ الظُّهْرُ بِإِدْرَاكِ مَا تَجِبُ بِهِ الْعَصْرُ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةُ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَدَاوُد لا تجب * قال المصنف ﵀
*
* (فاما إذا ادرك جزءا من أول الوقت ثم طرأ العذر بان كان عاقلا في أول الوقت فجن أو
[ ٣ / ٦٦ ]
طاهرا فحاضت نظرت فان لم يدرك ما يسع فرض الوقت سقط الوجوب ولم يلزمه القضاء وقال أبويحيى البلخى حكم حكم آخر الوقت فيلزمه في أحد القولين بركعة وفى الثاني بتكبيرة والمذهب الاول لانه لم يتمكن من فعل الفرض فسقط وجوبه ويخالف آخر الوقت فانه يمكنه ان يبني ما بقى على ما أدرك بعد الوقت فلزمه وان أدرك من الوقت ما يسع للفرض ثم طرأ الجنون أو الحيض استقر الوجوب ولزم القضاء إذا زال العذر وحكي عن ابى العباس انه قال لا يستقر حتى يدرك آخر الوقت والمذهب الاول لانه وجب عليه وتمكن من ادائه فاشبه إذا وجبت الزكاة وتمكن من ادائها فلم يخرج حتى هلك المال وأما الصلاة التي بعدها فلا تلزمه وقال أبويحيي البلخي تلزمه العصر بادراك وقت الظهر وتلزمه العشاء بادراك وقت المغرب كعكسه والمذهب الاول لان وقت الاولي وقت للثانية علي سبيل التبع ولهذا لا يجوز فعل الثانية في الجمع حتى يقدم الاولى بخلاف وقت الثانية فانه وقت للاولي لا علي وجه التبع ولهذا يجوز فعلها قبل الاولى)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* إذَا طَرَأَ الْعُذْرُ الَّذِي يُمْكِنُ طَرَآنُهُ وَهُوَ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فَإِنْ كَانَ الْمَاضِي مِنْ الْوَقْتِ دُونَ قَدْرِ الْفَرْضِ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا يَجِبُ شئ ولا يجب القضاء وقال أبويحيي الْبَلْخِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا حُكْمُ أَوَّلِ الْوَقْتِ حُكْمُ آخِرِهِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فِي قَوْلٍ وَتَكْبِيرَةٍ فِي قَوْلٍ وَغَلَّطَهُ الْأَصْحَابُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى مِنْ الوقت قبل وجود العذر ما يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَجَبَ قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إلَّا إذَا أَدْرَكَ جَمِيعَ الْوَقْتِ خَرَّجَهُ مِنْ الْمُسَافِرِ إذَا سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ نَصَّ عَلَى أَنَّ لَهُ الْقَصْرَ وَلَوْ كَانَتْ تَجِبُ باول الوقت لم يقصر والمذهب الْوُجُوبُ وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْقَصْرِ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ الْمُعْتَبَرِ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُ مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ فِي الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَطَوَّلَتْهَا فَحَاضَتْ فِيهَا وَقَدْ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا لَوْ خَفَّفَتْهَا لَزِمَهَا الْقَضَاءُ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْهَا مَعَ التَّمَكُّنِ وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مُسَافِرًا فَطَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ أَوْ كانت مسافرة فطرأ الحيض بعدما مَضَى مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَقْصُورَةِ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ وَجَبَ قَضَاؤُهَا لِأَنَّهُ لَوْ قَصَرَهَا لَأَمْكَنَهُ أَدَاؤُهَا هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ
مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ مع امكان فعلها امكان الطَّهَارَةِ فِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا لَا لِإِمْكَانِ تَقْدِيمِهَا قَبْلَ الْوَقْتِ إلَّا إذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ طَهَارَةِ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ كَالْمُتَيَمِّمِ
[ ٣ / ٦٧ ]
وَالْمُسْتَحَاضَةِ وَالثَّانِي فِي اشْتِرَاطِهِ لِمَنْ يُمْكِنُهُ تَقْدِيمُهَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي آخِرِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَ التَّقْدِيمُ لَا يَجِبُ وَإِذَا أَوْجَبْنَا الظُّهْرَ أَوْ الْمَغْرِبَ بِإِدْرَاكِ أَوَّلِ وَقْتِهَا لَمْ تَجِبْ الْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَوْجَبَهُمَا الْبَلْخِيُّ إذَا أدرك من أول الظهر ثمان رَكَعَاتٍ وَمِنْ أَوَّلِ الْمَغْرِبِ سَبْعَ رَكَعَاتٍ هَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْأَصْحَابُ وَأَخَلَّ الْمُصَنِّفُ بِبَيَانِ اشْتِرَاطِ ثمان رَكَعَاتٍ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَغْلِيطِ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيّ فِي هَذَا لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لَا يَصْلُحُ لِلْعَصْرِ إلَّا إذَا صَلَّيْتَ الظُّهْرَ جَمْعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُهَا لَا يَخْتَصُّ بِأَوَّلِهِ بَلْ لَوْ كَانَ الْمُدْرَكُ مِنْ وَسَطِهِ لَزِمَتْ الصَّلَاةُ مِثَالُهُ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ وَعَادَ جُنُونُهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أَفَاقَتْ مَجْنُونَةٌ ثُمَّ حَاضَتْ أَوْ طَهُرَتْ ثُمَّ جُنَّتْ فِي الْوَقْتِ وَقَدْ تَلْزَمُ الظُّهْرُ بِإِدْرَاكِ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ كَمَا تَلْزَمُ بِآخِرِهِ مِثَالُهُ أَفَاقَ مُغْمًى عَلَيْهِ بَعْد أَنْ مَضَى مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ مَا يَسَعُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فالمعتبر قدر ثمن رَكَعَاتٍ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا يُقْصِرُ كَفَى قَدْرُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَيُقَاسُ الْمَغْرِبُ مَعَ الْعِشَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ بِالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ)
* (فَرْعٌ)
قَوْلُ الْمُصَنِّفُ سَقَطَ الْوُجُوبُ مَجَازٌ والمراد امتنع الوجوب وابو يحيي اليلخى مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ سَافَرَ إلَى أَقَاصِي الدُّنْيَا فِي طَلَبِ الْفِقْهِ حَتَّى بَلَغَ فِيهِ الْغَايَةَ وَكَانَ حَسَنَ الْبَيَانِ فِي النَّظَرِ عَذْبَ اللِّسَانِ فِي الْجَدَلِ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُمَا)
*
* قال المصنف ﵀
*
* (ومن وجب عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا لِقَوْلِهِ ﷺ (مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا) وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى الْفَوْرِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ أَخَّرَهَا جَازَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْوَادِي وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرَهَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إنْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا
عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ في التأخير وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى التَّرْتِيبِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَاتَتْهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهَا عَلَى التَّرْتِيبِ فَإِنْ قَضَاهَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ جَازَ لِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ اُسْتُحِقَّ لِلْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَقَضَاءِ الصَّوْمِ وَإِنْ ذَكَرَ الْفَائِتَةَ وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَاضِرَةِ لِأَنَّ الْوَقْتَ تَعَيَّنَ لَهَا فوجبت البداءة بِهَا كَمَا لَوْ حَضَرَهُ رَمَضَانُ وَعَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ قَبْلَهُ وَلِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَ الْحَاضِرَةَ فَاتَتْ فوجبت البداءة بها)
*
*
[ ٣ / ٦٨ ]
* (الشَّرْحُ)
* أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَصَحِيحٌ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إذَا ذَكَرَ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (إذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا) وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ (كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلا عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا فَمَا أَيْقَظَنَا إلَّا حَرُّ الشَّمْسِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ شَكَوْا إلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ فَقَالَ لَا ضَيْرَ وَلَا ضَرَرَ ارْتَحِلُوا فَارْتَحَلُوا فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ) وَأَمَّا حَدِيثُ فَوَاتِ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ أَبَاهُ فَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حتى كادت الشمس تغرب فقال النبي ﷺ (وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا فَقُمْنَا إلَى بَطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فصلى العصر بعدما غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) رَوَاهُ البخاري ومسلم قوله الْبِدَايَةُ لَحْنٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالصَّوَابُ الْبُدَاءَةُ بضمن الْبَاءِ وَالْمَدِّ وَالْبَدْأَةُ بِفَتْحِهَا وَإِسْكَانِ الدَّالِ بَعْدَهَا همزة والبدوءة مَمْدُودَةٌ ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا مَنْ لَزِمَهُ صَلَاةٌ فَفَاتَتْهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا سَوَاءٌ فَاتَتْ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ فَوَاتُهَا بِعُذْرٍ كَانَ قَضَاؤُهَا عَلَى التَّرَاخِي وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى الْفَوْرِ قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَقِيلَ يَجِبُ قَضَاؤُهَا حين ذكر للحديث وَاَلَّذِي قَطَعَ
بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لحديث عمران ابن حُصَيْنٍ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَإِنْ فَوَّتَهَا بِلَا عُذْرٍ فَوَجْهَانِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ كَمَا لَوْ فَاتَتْ بِعُذْرٍ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِهَا وَلِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ الَّتِي فَاتَتْ وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ عَلَى التَّرَاخِي لَمْ يُقْتَلْ
* (فَرْعٌ)
الصَّوْمُ الْفَائِتُ مِنْ رَمَضَانَ كَالصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي فَوَاتِهِ كَالْفَائِتِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَرَضِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسَّفَرِ فَقَضَاؤُهُ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَحْضُرْ رَمَضَانُ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي فَوَاتِهِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ كَالصَّلَاةِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ قَضَاؤُهُ عَلَى التَّرَاخِي وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُوَ الصَّوَابُ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَأَمَّا قَضَاءُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ فَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ التَّرَاخِي فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا
[ ٣ / ٦٩ ]
الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي مَوْضِعِهِمَا أَصَحُّهُمَا عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْإِفْسَادِ وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ خَطَأً وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَهِيَ عَلَى التَّرَاخِي بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فَهَلْ هِيَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ عَلَى التَّرَاخِي فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَفَّالُ وَالْأَصْحَابُ أَصَحُّهُمَا عَلَى الْفَوْرِ قَالَ الْقَفَّالُ هُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي قَضَاءِ الْحَجِّ لان الكفارة كالحج الثانية إذ فَاتَهُ صَلَاةٌ أَوْ صَلَوَاتٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُقَدِّمَ الْفَائِتَةَ عَلَى فَرِيضَةِ الْوَقْتِ الْمُؤَدَّاةِ وَأَنْ يُرَتِّبَ الْفَوَائِتَ فَيَقْضِيَ الْأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ وَهَكَذَا لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعٍ وَإِنْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ أَوْ قَدَّمَ الْمُؤَدَّاةَ عَلَى الْمَقْضِيَّةِ أَوْ قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَةَ عَلَى الْفَوَائِتِ جَازَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ ذَكَرَ الْفَائِتَةَ وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ لَزِمَهُ تَقْدِيمُ الْحَاضِرَةِ لِمَا ذكره المصنف ولو شرع في الجاضرة ثم ذكر الفائتة وهو فيها أثم الْحَاضِرَةَ سَوَاءٌ اتَّسَعَ الْوَقْتُ أَمْ ضَاقَ لِأَنَّ الْحَاضِرَةَ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لَكِنْ يُتِمُّهَا ثُمَّ يَقْضِي الْفَائِتَةَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَ الْحَاضِرَةَ هَكَذَا صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ اصحابنا بهذه المسألة منهم الشيخ أو حَامِدٍ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيُّ وَلَوْ
دَخَلَ فِي الْفَائِتَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ فِي الْوَقْتِ سَعَةً فَبَانَ ضِيقُهُ وَجَبَ قَطْعُهَا وَالشُّرُوعُ فِي الْحَاضِرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ يَجِبُ إتْمَامُ الْفَائِتَةِ وَلَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ يُصَلُّونَ الْحَاضِرَةَ وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَائِتَةَ أَوَّلًا مُنْفَرِدًا ثُمَّ يُصَلِّيَ الْحَاضِرَةَ مُنْفَرِدًا ايضا ان لم يدرك جماعة لان الرتيب مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ وَالْقَضَاءُ خَلْفَ الْأَدَاءِ فِيهِ أَيْضًا خِلَافُ السَّلَفِ فَاسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ ترتيبها ولكن يستحب وبه قال طاووس وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يَجِبُ مَا لَمْ تَزِدْ الْفَوَائِتُ عَلَى صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قالا فان كان فِي حَاضِرَةٍ فَذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً بَطَلَتْ الْحَاضِرَةُ وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْفَائِتَةِ ثُمَّ يُصَلِّي الْحَاضِرَةَ وَقَالَ زُفَرُ وَأَحْمَدُ التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ قَلَّتْ الْفَوَائِتُ أَمْ كَثُرَتْ قَالَ أَحْمَدُ وَلَوْ نسى الفوائت صحت الصلوات التى يصلي بَعْدَهَا قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَلَوْ ذَكَرَ فَائِتَةً وَهُوَ فِي حَاضِرَةٍ تَمَّمَ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ قَضَى الْفَائِتَةَ ثُمَّ يَجِبُ إعَادَةُ الْحَاضِرَةِ واحتج لهم بحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ ثُمَّ لِيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي
[ ٣ / ٧٠ ]
صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ) وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ موسى بن هرون الْحَمَّالُ بِالْحَاءِ الْحَافِظُ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ أَيْضًا وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا ديون عليه فلا يَجِبُ تَرْتِيبُهَا إلَّا بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ وَلِأَنَّ مَنْ صَلَّاهُنَّ بِغَيْرِ تَرْتِيبٍ فَقَدْ فَعَلَ الصَّلَاةَ الَّتِي أُمِرَ بِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ وَصْفٌ زَائِدٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ظَاهِرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً عَمْدًا لَزِمَهُ قضاؤها وخالفهم أبو محمد على ابن حزم فقالا لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا أَبَدًا وَلَا يَصِحُّ فِعْلُهَا أَبَدًا قَالَ بَلْ يُكْثِرُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ وَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ لِيَثْقُلَ مِيزَانُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَتُوبُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ بَاطِلٌ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ وَبَسَطَ هُوَ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ دَلَالَةٌ أَصْلًا
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَمَرَ الْمُجَامِعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَعَ الْكَفَّارَةِ أَيْ بَدَلَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْسَدَهُ بِالْجِمَاعِ عَمْدًا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَرَوَى أَبُو دَاوُد نَحْوَهُ وَلِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى التَّارِكِ نَاسِيًا فَالْعَامِدُ أَوْلَى
*
* قال المصنف ﵀
*
* (وَإِنْ نَسِيَ صَلَاةً وَلَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهَا لَزِمَهُ ان يصلي خمس صلوات وقال المزني يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَنْوِيَ الْفَائِتَةَ وَيَجْلِسَ فِي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسَ فِي الثَّالِثَةِ ثُمَّ يَجْلِسَ في الرابعة ويسلم وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بأن يصلي خمس صلوات بخمس نيات)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* إذَا نَسِيَ صَلَاةً أَوْ صَلَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا مِنْ الْخَمْسِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْخَمْسَ وَفِيهِ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ مَذْكُورٌ وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ فِي أول بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَهُنَاكَ ذَكَرَ كَثِيرُونَ الْمَسْأَلَةَ قال لان لجهر يَكُونُ فِي ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ فَغَلَبَ وَلَوْ نَسِيَ صَلَاتَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ إنْ عِلْمَ اخْتِلَافَهُمَا وَجَهِلَ عَيْنَهُمَا كَفَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْخَمْسَ وَإِنْ عَلِمَ اتِّفَاقَهُمَا أَوْ شَكَّ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَشْرَ صَلَوَاتٍ كُلَّ صَلَاةٍ مَرَّتَيْنِ
[ ٣ / ٧١ ]
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ لَوْ كان عليه ظهر أو عصر وجهل أَيَّتَهُمَا هِيَ فَدَخَلَ بِنِيَّةِ إحْدَاهُمَا ثُمَّ شَكَّ أَيَّتَهُمَا نَوَى لَمْ تُجْزِهِ هَذِهِ الصَّلَاةُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَوَائِتُ لَا يَعْرِفُ عَدَدَهَا وَيَعْلَمُ الْمُدَّةَ الَّتِي فَاتَهُ فِيهَا بِأَنْ قَالَ تَرَكْتُ صَلَوَاتٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ وَلَا أَعْلَمُ قَدْرَهَا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْبَيَانِ وَالشَّاشِيُّ أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ يُقَالُ لَهُ كَمْ تَتَحَقَّقَ أَنَّك تَرَكْتُ فَإِنْ قَالَ عَشْرَ صَلَوَاتٍ وَأَشُكّ فِي الزِّيَادَةِ لَزِمَهُ الْعَشْرُ دُون الزِّيَادَةِ وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ يُقَالُ لَهُ كَمْ تَتَحَقَّقُ أَنَّكَ صَلَّيْتَ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَإِذَا قَالَ كَذَا وَكَذَا أَلْزَمْنَاهُ قَضَاءَ مَا زَادَ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا مَا تَحَقَّقَهُ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ مَنْ شَكَّ بَعْدَ سَلَامِهِ هَلْ تَرَكَ رُكْنًا وَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا شئ عَلَيْهِ
وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَقَلِّ إنْ قَرُبَ الْفَصْلُ وَإِنْ بَعُدَ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ فَعَلَى قِيَاسِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَحَقَّقَ تَرْكُهُ فَحَسْبُ وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُهُ مَا زَادَ عَلَى مَا تَحَقَّقَ فِعْلُهُ قُلْتُ قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَصَحُّ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ وَيَنْدُرُ تَرْكُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا تَيَقَّنَ تَرْكَهُ كَمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ ركن فان المذهب انه لا يلزمه شئ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مُضِيُّهَا عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي فِي وَقْتٍ وَيَتْرُكُ فِي وَقْتٍ وَلَمْ تَغْلِبْ مِنْهُ الصَّلَاةُ لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا زَادَ عَلَى مَا تَيَقَّنَ فِعْلَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ إحداهما إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَرَكَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَهِيَ مُهِمَّةٌ وَمَشْهُورَةٌ فِي كُلِّ الْكُتُبِ حَتَّى فِي التَّنْبِيهِ قَالَ أصحابنا إذا اشتبه وقتها لغيم أو حبس فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ وَيُسْتَدَلُّ بِالدَّرْسِ وَالْأَوْرَادِ وَالْأَعْمَالِ وَشِبْهِهَا وَيَجْتَهِدُ الْأَعْمَى كَالْبَصِيرِ لِأَنَّهُ يُشَارِكُ الْبَصِيرَ فِي هَذِهِ الْعَلَامَاتِ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَإِنَّمَا يَجْتَهِدَانِ إذَا لَمْ يُخْبِرْهُمَا ثِقَةٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ فَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ مُشَاهَدَةٍ بِأَنْ قَالَ رَأَيْتُ الْفَجْرَ طَالِعًا أَوْ الشَّفَقَ غَارِبًا لَمْ يَجُزْ الِاجْتِهَادُ وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِ وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَ ثِقَةٌ عن أخبار ثقة عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَجَبَ قَبُولُهُ فَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ اجْتِهَادٍ لَمْ يَجُزْ لِلْبَصِيرِ الْقَادِرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ تَقْلِيدُهُ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ وَيَجُوزُ لِلْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الِاجْتِهَادِ تَقْلِيدُهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِضَعْفِ أَهْلِيَّتِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي تَقْلِيدِ الْأَعْمَى وَإِذَا وَجَبَ الِاجْتِهَادُ فَصَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ وَإِنْ صَادَفَ الْوَقْتَ لِتَقْصِيرِهِ وَتَرْكِهِ الِاجْتِهَادَ الْوَاجِبَ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ لَوْ ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ فَصَلَّى بِالظَّنِّ بِغَيْرِ عَلَامَةٍ
[ ٣ / ٧٢ ]
ظَهَرَتْ فَصَادَفَ الْوَقْتَ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الِاجْتِهَادِ وَالْعَلَامَةِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ دَلَالَةٌ أَوْ كَانَتْ فَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شئ لَزِمَهُ الصَّبْرُ حَتَّى يَظُنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُؤَخِّرَ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَهُ أَوْ يَظُنَّهُ وَيَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ خَرَجَ الْوَقْتُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَإِذَا قَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ إلَى اسْتِيقَانِ دُخُولِ الْوَقْتِ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُ
جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَفِيهِ وَجْهٌ اختاره أبو اسحاق الاسفرايني وهو نظير مسألة الاواني إذا اشتبه أناآن وَمَعَهُ ثَالِثٌ يَتَيَقَّنُ طَهَارَتَهُ وَلَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَقَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ لِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ فَهَلْ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا لَا لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَمَا لِلصَّحَابِيِّ اعْتِمَادُ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ وَفَتْوَاهُ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى سَمَاعِهِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَتَحْصِيلُ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ بِذَلِكَ وَحَيْثُ جَازَ الِاجْتِهَادُ فَصَلَّى بِهِ ان لم يتبين الحال فلا شئ عَلَيْهِ وَإِنْ بَانَ وُقُوعُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ أو بعده فلا شئ عَلَيْهِ وَقَدْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ لَكِنَّ الْوَاقِعَةَ فِيهِ أَدَاءٌ وَالْوَاقِعَةَ بَعْدَهُ قَضَاءٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مُسَافِرًا وَقَصَرَهَا وَجَبَتْ إعَادَتُهَا تَامَّةً إذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ قَصْرُ المقضية وان بان وُقُوعُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَأَدْرَكَهُ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَقَوْلَانِ الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِمَا وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ وَهَذَا الْخِلَافُ وَالتَّفْصِيلُ كَنَظِيرِهِ فِيمَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَلَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ أَنَّ صَلَاتَهُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ عِلْمٍ وَمُشَاهَدَةٍ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ كَالْحَاكِمِ إذَا وَجَدَ النَّصَّ بِخِلَافِ حُكْمِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ نَقْضُ حُكْمِهِ وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلَا إعَادَةَ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ عَلِمَ الْمُنَجِّمُ الْوَقْتَ بِالْحِسَابِ حَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ غَيْرُهُ
*
[ ٣ / ٧٣ ]
(فَرْعٌ)
الْمُؤَذِّنُ الثِّقَةُ الْعَارِفُ بِالْمَوَاقِيتِ هَلْ يَجُوزُ اعْتِمَادُهُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا يَجُوزُ لِلْأَعْمَى فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ وَيَجُوزُ لِلْبَصِيرِ فِي الصَّحْوِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي الْغَيْمِ لِأَنَّهُ فِي الْغَيْمِ مُجْتَهِدٌ وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدَ وَفِي الصَّحْوِ يُشَاهِدُ فَهُوَ مُخْبِرٌ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ يَجُوزُ لِلْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ قَالَهُ ابْنُ سريج والشيخ أبو حامد وصححه صاحبا التَّهْذِيبِ وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ وقطع به البندنيجى وصاحب العدة قال البندبيجى وَلَعَلَّهُ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ فِي الْعَادَةِ إلَّا فِي الْوَقْتِ: وَالثَّالِثُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ وَهُمَا مُجْتَهِدَانِ حَكَاهُ فِي التَّهْذِيبِ وَالتَّتِمَّةِ وَالرَّابِعُ يَجُوزُ لِلْأَعْمَى دُونَ الْبَصِيرِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ
بَيْنَ الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَلَوْ كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي يَوْمِ صَحْوٍ أَوْ غَيْمٍ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ لَا يُخْطِئُونَ لِكَثْرَتِهِمْ جَازَ اعْتِمَادُهُمْ لِلْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى بِلَا خِلَافٍ
* (فَرْعٌ)
الدِّيكُ الَّذِي جُرِّبَتْ إصَابَتُهُ فِي صِيَاحِهِ لِلْوَقْتِ يَجُوزُ اعْتِمَادُهُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالرَّافِعِيُّ
* (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْمُخْتَصَرِ الْوَقْتُ لِلصَّلَاةِ وَقْتَانِ وَقْتُ مَقَامٍ وَرَفَاهِيَةٍ وَوَقْتُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِوَقْتِ الْمَقَامِ وَالرَّفَاهِيَةِ وَقْتُ الْمُقِيمِ فِي وَطَنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَطَرٌ وَأَمَّا وَقْتُ الْعُذْرِ وَالضَّرُورَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَائِرُ شَارِحِي الْمُخْتَصَرِ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ وَهُوَ قول أبى اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَقْتٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْوَقْتُ الْجَامِعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ وَوَقْتُ صَبِيٍّ بَلَغَ وَكَافِرٍ أَسْلَمَ وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ أَفَاقَ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ طَهُرَتَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فَتَلْزَمُهُمْ الصَّلَاتَانِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِوَقْتِ الْعُذْرِ وَقْتُ الْجَامِعِ وَالْمُرَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ وَقْتُ الصَّبِيِّ وَالْبَاقِينَ قَالَ الْجُمْهُورُ هَذَا التَّفْسِيرُ غَلَطٌ (الثَّالِثَةُ) إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَوْ غَيْرِهِ حَرُمَ قَطْعُهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَهَذَا هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَيْضًا تَحْرِيمُ قَطْعِ الصوم الْوَاجِبِ بِقَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ وَأَوْضَحْنَا جَمِيعَ ذَلِكَ (الرَّابِعَةُ) يُسْتَحَبُّ إيقَاظُ النَّائِمِ لِلصَّلَاةِ لاسيما إنْ ضَاقَ وَقْتُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى البر والتقوى) وَلِحَدِيثِ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم يُصَلِّي صَلَاتَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ " وَفِي رواية " فإذا
[ ٣ / ٧٤ ]
أَوْتَرَ قَالَ قُومِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ " خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ والله أعلم
*