فِيهِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا يَلْزَمُ الْمُفْتِي أَنْ يُبَيِّنَ الْجَوَابَ بَيَانًا يُزِيلُ الْإِشْكَالَ ثُمَّ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَوَابِ شِفَاهًا فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ لِسَانَ الْمُسْتَفْتِي كَفَاهُ تَرْجَمَةُ ثِقَةٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَلَهُ الْجَوَابُ كِتَابَةً وَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ عَلَى خَطَرٍ وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ كَثِيرَ الْهَرَبِ مِنْ الْفَتْوَى فِي الرِّقَاعِ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَلَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ كَوْنُ السُّؤَالِ
[ ١ / ٤٧ ]
بِخَطِّ الْمُفْتِي فَأَمَّا بِإِمْلَائِهِ وَتَهْذِيبِهِ فَوَاسِعٌ وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ قَدْ يَكْتُبُ السُّؤَالَ عَلَى وَرَقٍ لَهُ ثُمَّ يَكْتُبُ الْجَوَابَ وَإِذَا كان في الرقعة مسائل فالا حسن تَرْتِيبُ الْجَوَابِ عَلَى تَرْتِيبِ السُّؤَالِ وَلَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ فَلَا بَأْسَ: وَيُشْبِهُ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت) * وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ لَمْ يُطْلِقْ الْجَوَابَ فَإِنَّهُ خَطَأٌ ثُمَّ لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَ السَّائِلَ إنْ حَضَرَ وَيُقَيِّدَ السُّؤَالَ فِي رُقْعَةٍ أُخْرَى ثُمَّ يُجِيبَ وَهَذَا أَوْلَى وَأَسْلَمُ: وَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى جَوَابِ أَحَدِ الْأَقْسَامِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ الْوَاقِعُ لِلسَّائِلِ وَيَقُولَ هَذَا إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَا وَلَهُ أَنْ يُفَصِّلَ الْأَقْسَامَ فِي جَوَابِهِ وَيَذْكُرَ حُكْمَ كُلِّ قِسْمٍ لَكِنَّ هَذَا كَرِهَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ المالكية وغيره وقالوا هذا تعليم للناس الْفُجُورَ: وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْمُفْتِي مَنْ يَسْأَلُهُ فصل الاقسام واجتهد في بيانها واستيفائها * (الثَّانِيَةُ) لَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ عَلَى مَا عَلِمَهُ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّقْعَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ بَلْ يَكْتُبُ جَوَابَ مَا فِي الرُّقْعَةِ فَإِنْ أَرَادَ جَوَابَ مَا لَيْسَ فِيهَا فَلْيَقُلْ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَا وَكَذَا فَجَوَابُهُ كَذَا: وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَا فِي الرُّقْعَةِ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ السَّائِلُ لِحَدِيثِ هو الطهور ماؤه الحل ميتته (الثَّالِثَةُ) إذَا كَانَ الْمُسْتَفْتِي بَعِيدَ الْفَهْمِ فَلْيَرْفُقْ بِهِ وَيَصْبِرْ عَلَى تَفَهُّمِ سُؤَالِهِ وَتَفْهِيمِ جَوَابِهِ فان ثوابه جزيل * (الرَّابِعَةُ) لِيَتَأَمَّلْ الرُّقْعَةَ تَأَمُّلًا شَافِيًا وَآخِرُهَا آكَدُ فَإِنَّ السُّؤَالَ فِي آخِرِهَا وَقَدْ يَتَقَيَّدُ الْجَمِيعُ بِكَلِمَةٍ
فِي آخِرِهَا وَيُغْفَلُ عَنْهَا: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَوَقُّفُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّهْلَةِ كَالصَّعْبَةِ لِيَعْتَادَهُ وَكَانَ مُحَمَّدُ بن الحسن يفعله: وإذا وجد مُشْتَبِهَةً سَأَلَ الْمُسْتَفْتِي عَنْهَا وَنَقَّطَهَا وَشَكَّلَهَا: وَكَذَا إنْ وَجَدَ لَحْنًا فَاحِشًا أَوْ خَطَأً يُحِيلُ الْمَعْنَى أَصْلَحَهُ: وَإِنْ رَأَى بَيَاضًا فِي أَثْنَاءِ سَطْرٍ أَوْ آخِرِهِ خَطَّ عَلَيْهِ أَوْ شَغَلَهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَدَ الْمُفْتَى بِالْإِيذَاءِ فَكَتَبَ فِي الْبَيَاضِ بَعْدَ فَتْوَاهُ مَا يُفْسِدُهَا كَمَا بُلِيَ به القاضى أبو حامد المروروذى * (الْخَامِسَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَهَا عَلَى حَاضِرِيهِ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَيُشَاوِرَهُمْ وَيُبَاحِثَهُمْ بِرِفْقٍ وَإِنْصَافٍ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ وَتَلَامِذَتَهُ لِلِاقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ وَرَجَاءِ ظُهُورِ مَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَا يَقْبُحُ إبْدَاؤُهُ أَوْ يُؤْثِرُ السائل كتمانه أو في اشاعته مفسدة * (السَّادِسَةُ) لِيَكْتُبْ الْجَوَابَ بِخَطٍّ وَاضِحٍ وَسَطٍ لَا دَقِيقٍ خَافٍ وَلَا غَلِيظٍ جَافٍ وَيَتَوَسَّطْ فِي سُطُورِهَا بَيْنَ تَوْسِيعِهَا وَتَضْيِيقِهَا وَتَكُونُ عِبَارَةً وَاضِحَةً صَحِيحَةً تَفْهَمُهَا الْعَامَّةُ وَلَا يَزْدَرِيهَا الْخَاصَّةُ: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ أَقْلَامُهُ وَخَطُّهُ خَوْفًا من التزويز ولئلا يشتبه خطه: قال الصيمري وقلما وجده التَّزْوِيرُ عَلَى الْمُفْتِي لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَسَ أمر الدين: وإذا كتب الجواب أعاد نطره فِيهِ خَوْفًا مِنْ اخْتِلَالٍ وَقَعَ فِيهِ أَوْ اخلال ببعض المسؤل عنه * (السَّابِعَةُ) إذَا كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِي فَالْعَادَةُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنْ يَكْتُبَ فِي النَّاحِيَةِ الْيُسْرَى مِنْ الورقة: قال الصيمري وغيره وأين كَتَبَ مِنْ وَسَطِ الرُّقْعَةِ أَوْ حَاشِيَتِهَا فَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ: وَلَا يَكْتُبُ
[ ١ / ٤٨ ]
فَوْقَ الْبَسْمَلَةِ بِحَالٍ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ إذَا أَرَادَ الْإِفْتَاءَ: وَجَاءَ عَنْ مَكْحُولٍ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا الله انهما كانا لا يفتيان حتي يقولا لاحول وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ: وَيُسْتَحَبُّ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَيُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَيَحْمَدُهُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلْيَقُلْ (رَبِّ اشرح لى صدري) الْآيَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَعَادَةُ كَثِيرِينَ أن يبدؤا فَتَاوِيهِمْ الْجَوَابُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَحَذَفَ آخَرُونَ ذَلِكَ: قَالَ وَلَوْ عَمِلَ ذَلِكَ فِيمَا طَالَ مِنْ الْمَسَائِلِ وَاشْتَمَلَ عَلَى فُصُولٍ وَحَذَفَ فِي غَيْرِهِ كَانَ وَجْهًا (قُلْتُ) الْمُخْتَارُ قَوْلُ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَأَحْسَنُهُ الِابْتِدَاءُ بِقَوْلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِحَدِيثِ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ
فَهُوَ أَجْذَمُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَهُ بِلِسَانِهِ وَيَكْتُبَهُ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَلَا يَدْعُ خَتْمَ جَوَابِهِ بِقَوْلِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ أَوْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَوْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَالَ وَلَا يَقْبُحُ قَوْلُهُ الْجَوَابُ عِنْدَنَا أَوْ الَّذِي عِنْدَنَا أَوْ الَّذِي نَقُولُ بِهِ أَوْ نَذْهَبُ إلَيْهِ أَوْ نَرَاهُ كَذَا لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ: قَالَ وَإِذَا أَغْفَلَ السَّائِلُ الدُّعَاءَ لِلْمُفْتِي أَوْ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ الْفَتْوَى أَلْحَقَ الْمُفْتِي ذَلِكَ بِخَطِّهِ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ (قُلْتُ) وَإِذَا خَتَمَ الْجَوَابَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَنَحْوِهِ مِمَّا سَبَقَ فَلْيَكْتُبْ بَعْدَهُ كَتَبَهُ فُلَانٌ أَوْ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ فَيَنْتَسِبُ إلَى مَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْ قَبِيلَةٍ أَوْ بَلْدَةٍ أَوْ صِفَةٍ ثُمَّ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ أَوْ الْحَنَفِيُّ مَثَلًا فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِالِاسْمِ أَوْ غيره فلا بأس بالاقتصار عليه: قال الصيمر ى وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَكْتُبَ الْمُفْتِي بِالْمِدَادِ دُونَ الْحِبْرِ خَوْفًا مِنْ الْحَكِّ قَالَ وَالْمُسْتَحَبُّ الْحِبْرُ لَا غَيْرَ (قُلْتُ) لَا يَخْتَصُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا هُنَا بِالِاسْتِحْبَابِ بِخِلَافِ كُتُبِ الْعِلْمِ فَالْمُسْتَحَبُّ فِيهَا الْحِبْرُ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلْبَقَاءِ وَالْحِبْرُ أَبْقَى: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَيَنْبَغِي إذَا تَعَلَّقَتْ الْفَتْوَى بِالسُّلْطَانِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَيَقُولَ وَعَلَى وَلَيِّ الْأَمْرِ أَوْ السُّلْطَانِ أَصْلَحَهُ اللَّهُ أَوْ سَدَّدَهُ اللَّهُ أَوْ قَوَّى اللَّهُ عَزْمَهُ أَوْ أَصْلَحَ اللَّهُ بِهِ أَوْ شَدَّ اللَّهُ أَزْرَهُ وَلَا يَقُلْ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ فَلَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ السَّلَفِ * (قُلْتُ) نَقَلَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَغَيْرُهُ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ على كراهة قول أطال الله بقاك وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ تَحِيَّةُ الزَّنَادِقَةِ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ نَحْوِ هذا من الدعاء بطول البقاء وأشباهه (الثَّامِنَةُ) لِيَخْتَصِرْ جَوَابَهُ وَيَكُونُ بِحَيْثُ تَفْهَمُهُ الْعَامَّةُ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي يَقُولُ يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ أَوْ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ وَحَكَى شَيْخُهُ الصيمري عن شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَصِرُ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ وَاسْتُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ آخِرُهَا يَجُوزُ أَمْ لَا فَكَتَبَ لَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقِ (التَّاسِعَةُ) قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْخَطِيبُ إذَا سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ أَنَا أَصْدَقُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ الصَّلَاةُ لَعِبٌ وَشِبْهَ ذَلِكَ فَلَا يُبَادِرُ بِقَوْلِهِ هَذَا حَلَالُ الدَّمِ أَوْ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بَلْ يَقُولُ إنْ صَحَّ هَذَا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ اسْتَتَابَهُ السُّلْطَانُ فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَعَلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ وَأَشْبَعَهُ: قَالَ وَإِنْ سئل عمن تكلم بشئ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا يُكَفَّرُ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ قَالَ يسئل هَذَا الْقَائِلَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ كَذَا فَالْجَوَابُ كَذَا: وَإِنْ سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ أَوْ قَلَعَ عَيْنًا أَوْ غَيْرَهَا احْتَاطَ فَذَكَرَ الشُّرُوطَ الَّتِي يَجِبُ بِجَمِيعِهَا الْقِصَاصُ: وَإِنْ سُئِلَ عَمَّنْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ ذَكَرَ
مَا يُعَزَّرُ بِهِ فيقول يضر به السُّلْطَانُ كَذَا وَكَذَا وَلَا يُزَادُ عَلَى كَذَا هَذَا كَلَامُ الصَّيْمَرِيِّ وَالْخَطِيبِ وَغَيْرِهِمَا: قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَلَوْ كَتَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوْ التَّعْزِيرُ بِشَرْطِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ بَلْ تَقْيِيدُهُ
[ ١ / ٤٩ ]
بِشَرْطِهِ يَحْمِلُ الْوَالِيَ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ شَرْطِهِ والبيان أولى (الْعَاشِرَةُ) يَنْبَغِي إذَا ضَاقَ مَوْضِعُ الْجَوَابِ أَنْ لَا يَكْتُبَهُ فِي رُقْعَةٍ أُخْرَى خَوْفًا مِنْ الْحِيلَةِ وَلِهَذَا قَالُوا يَصِلُ جَوَابَهُ بِآخِرِ سَطْرٍ وَلَا يَدَعُ فُرْجَةً لِئَلَّا يَزِيدَ السَّائِلُ شَيْئًا يُفْسِدُهَا: وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُ الْجَوَابِ وَرَقَةً مُلْصَقَةً كَتَبَ عَلَى الْإِلْصَاقِ وَلَوْ ضَاقَ بَاطِنُ الرُّقْعَةِ وَكَتَبَ الْجَوَابَ فِي ظَهْرِهَا كَتَبَهُ فِي أَعْلَاهَا إلَّا أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ أَسْفَلِهَا مُتَّصِلًا بِالِاسْتِفْتَاءِ فَيَضِيقَ الْمَوْضِعُ فَيُتِمَّهُ فِي أَسْفَلِ ظَهْرِهَا لِيَتَّصِلَ جَوَابُهُ: وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى ظَهْرِهَا لاعلى حَاشِيَتِهَا وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الصَّيْمَرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ حَاشِيَتَهَا أَوْلَى مِنْ ظَهْرِهَا: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْأَمْرُ في ذلك قريب (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) إذَا ظَهَرَ لِلْمُفْتِي أَنَّ الْجَوَابَ خلاف غرض المستفتى وانه لَا يَرْضَى بِكِتَابَتِهِ فِي وَرَقَتِهِ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى مُشَافَهَتِهِ بِالْجَوَابِ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمِيلَ فِي فَتْوَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ خَصْمِهِ وَوُجُوهُ الْمَيْلِ كَثِيرَةٌ لا تخفى: ومنها أَنْ يَكْتُبَ فِي جَوَابِهِ مَا هُوَ لَهُ وَيَتْرُكَ مَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ في مسائل الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ بِوُجُوهِ الْمُخَالِصِ مِنْهَا وَإِذَا سَأَلَهُ أحدهم وقال بأى شئ تَنْدَفِعُ دَعْوَى كَذَا وَكَذَا أَوْ بَيِّنَةُ كَذَا وكذا لم يجبه كيلا يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى إبْطَالِ حَقٍّ وَلَهُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا شرحه له عَرَّفَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ دَافِعٍ وَغَيْرِ دَافِعٍ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إذَا رَأَى لِلسَّائِلِ طريقا يرشده إليه أن يُنَبِّهُهُ عَلَيْهِ يَعْنِي مَا لَمْ يَضُرَّ غَيْرَهُ ضررا بغير حق قال كمن حلف لا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ شَهْرًا يَقُولُ يُعْطِيهَا مِنْ صداقها أو قرضا أو بيعا ثم يُبْرِيهَا (١) وَكَمَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ حَلَفْتُ أَنِّي أَطَأُ امْرَأَتِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَلَا أُكَفِّرُ وَلَا أَعْصِي فقال سافر بها * (الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ) قَالَ الصَّيْمَرِيُّ إذَا رَأَى الْمُفْتِي المصلحة أن يفتى العامي بِمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ وَهُوَ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُ ظَاهِرَهُ وَلَهُ فِيهِ تَأْوِيلٌ جَازَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه سئل عن توبة القاتل فَقَالَ لَا تَوْبَةَ لَهُ وَسَأَلَهُ آخَرُ فَقَالَ لَهُ تَوْبَةٌ ثُمَّ قَالَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَرَأَيْتُ فِي عَيْنِهِ إرَادَةَ الْقَتْلِ فَمَنَعْتُهُ وَأَمَّا الثَّانِي فجاء مستكينا قد قتل فلم أفطه: قال الصيمري وكذ إنْ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ إنْ قَتَلْتُ عَبْدِي هل عَلَيَّ
قِصَاصٌ فَوَاسِعٌ أَنْ يَقُولَ إنْ قَتَلْتَ عَبْدَكَ قَتَلْنَاكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ ولان القتل له معان قال وَلَوْ سُئِلَ عَنْ سَبِّ الصَّحَابِيِّ هَلْ يُوجِبُ القتل فواسع أن يقول رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَاقْتُلُوهُ فَيَفْعَلُ كُلَّ هَذَا زَجْرًا لِلْعَامَّةِ وَمَنْ قَلَّ دِينُهُ ومرؤته (٢) * (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّقَاعِ بِحَضْرَتِهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَسْبَقَ فَالْأَسْبَقَ (٣) كَمَا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي فِي الْخُصُومِ وَهَذَا فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْإِفْتَاءُ فَإِنْ تَسَاوَوْا أَوْ جَهِلَ السَّابِقَ قَدَّمَ بِالْقُرْعَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ الَّذِي شَدَّ رَحْلَهُ وَفِي تَأْخِيرِهِ ضَرَرٌ بِتَخَلُّفِهِ عَنْ رُفْقَتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سَبَقَهُمَا إلَّا إذَا كَثُرَ الْمُسَافِرُونَ وَالنِّسَاءُ بِحَيْثُ يَلْحَقُ غَيْرُهُمْ بِتَقْدِيمِهِمْ ضَرَرٌ كَثِيرٌ فَيَعُودُ بِالتَّقْدِيمِ بالسبق
_________________
(١) قوله ثم يبرئها عائدا إلى القرض والبيع فقط: واما الصداق فلا يتصور ان يبرئها منه ولكن الظاهر من فحوى كلامه ان الابراء عائد إلى الجميع لانه قصد الخلاص من اليمين من غير ضرر على الغير وإذا انفقت من صداقها حصل لها الضرر: كذا في نسخة الاذرعي (٢) قلت هذا إذا علم انه لا يعمل بما يقوله اما لو علم كما لو كان السائل اميرا أو نحوه فلا نجيبه الا بما يعتقده في المسألة اه من هامش نسخة الاذرعي (٣) قلت وهذا ظاهر فيما إذا ظهر له الجواب في الجميع في الحال اما لو ظهر له جواب المتأخر دون السابق واحتاج سؤال السابق إلى فكر ونظر في زمن طويل فالظاهر انه يكتب جواب المتأخر ولا يحبسه ويبين للسابق سبب تقديم غيره وعليه لئلا يظن ايثاره وميله اه من هامش نسخة الاذرعي
[ ١ / ٥٠ ]
أَوْ الْقُرْعَةِ ثُمَّ لَا يُقَدِّمُ أَحَدًا إلَّا في فتيا واحدة * (الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو إذَا سُئِلَ عَنْ مِيرَاثٍ فَلَيْسَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْوَرَثَةِ عَدَمَ الرِّقِّ وَالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِهَا من مواضع الْمِيرَاثِ بَلْ الْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ ما إذا اطلق الاخوة والاخوات والاعمام وبينهم فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ: أَوْ مِنْ أَبٍ: أَوْ مِنْ أُمٍّ: وَإِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةِ عَوْلٍ كَالْمِنْبَرِيَّةِ وَهِيَ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ وَبِنْتَانِ فَلَا يَقُلْ لِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ وَلَا التُّسُعُ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْلِقْهُ أَحَدٌ من السلف بل يقل لَهَا الثُّمُنُ عَائِلًا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ أَوْ لَهَا ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ أَوْ يَقُولُ مَا قَالَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ صَارَ ثُمُنُهَا تُسْعًا: وَإِذَا
كَانَ فِي الْمَذْكُورِينَ فِي رُقْعَةِ الِاسْتِفْتَاءِ مَنْ لَا يَرِثُ أَفْصَحَ بِسُقُوطِهِ فَقَالَ وَسَقَطَ فُلَانٌ: وَإِنْ كَانَ سُقُوطُهُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ قَالَ وَسَقَطَ فُلَانٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَرِثُ بِحَالٍ: وَإِذَا سُئِلَ عَنْ إخْوَةٍ وَأَخَوَاتٍ أَوْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْعَامِّيِّ بَلْ يَقُولُ يَقْتَسِمُونَ التَّرِكَةَ عَلَى كَذَا وَكَذَا سَهْمًا لِكُلِّ ذَكَرٍ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا وَلِكُلِّ أُنْثَى كَذَا وَكَذَا سَهْمًا قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: قَالَ الشَّيْخُ وَنَحْنُ نَجِدُ فِي تَعَمُّدِ الْعُدُولِ عَنْهُ حَزَازَةً فِي النَّفْسِ لِكَوْنِهِ لَفْظَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وانه قل ما يَخْفَى مَعْنَاهُ عَلَى أَحَدٍ * وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي جَوَابِ مَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ شَدِيدَ التَّحَرُّزِ وَالتَّحَفُّظِ وليقل فيها لفلان كذا كذا: ميراثه من ثُمَّ مِنْ أَخِيهِ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَخْتَارُ أَنْ يَقُولَ لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا: مِيرَاثُهُ عَنْ أَبِيهِ كَذَا وَعَنْ أُمِّهِ كَذَا وعن أخيه كَذَا قَالَ وَكُلُّ هَذَا قَرِيبٌ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ تُقْسَمُ التَّرِكَةُ بَعْدَ إخْرَاجِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ وصية (١) ان كانا * (الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) إذَا رَأَى الْمُفْتِي رُقْعَةَ الِاسْتِفْتَاءِ وَفِيهَا خَطّ غَيْره ممن هُوَ أَهْل للفتوى وَخَطُّهُ فِيهَا مُوَافِقٌ لِمَا عِنْدَهُ قَالَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ كَتَبَ تَحْتَ خَطِّهِ هَذَا جَوَابٌ صَحِيحٌ وَبِهِ أَقُولُ أَوْ كَتَبَ جَوَابِي مِثْلُ هَذَا وَإِنْ شَاءَ ذَكَرَ الْحُكْمَ بِعِبَارَةٍ أَلْخَصُ مِنْ عِبَارَةِ الَّذِي كَتَبَ: وَأَمَّا إذَا رَأَى فِيهَا خَطَّ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلْفَتْوَى فَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ لا يفتى معه لان في ذلك تقريرا منه لمنكربل يَضْرِبُ عَلَى ذَلِكَ بِأَمْرِ صَاحِبِ الرُّقْعَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فِي هَذَا الْقَدْرِ جَازَ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ احْتِبَاسُ الرُّقْعَةِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا قَالَ وَلَهُ انْتِهَارُ السَّائِلِ وَزَجْرُهُ وَتَعْرِيفُهُ قُبْحَ مَا أَتَاهُ وَأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ أَهْلٍ لِلْفَتْوَى وَطَلَبُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ: وَإِنْ رَأَى فِيهَا اسْمَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ سَأَلَ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَوَاسِعٌ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْفَتْوَى مَعَهُ خَوْفًا مِمَّا قُلْنَاهُ.
قَالَ وَكَانَ بَعْضُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا يَكْتُبُ عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ وَالْأَوْلَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يُشَارَ عَلَى صَاحِبِهَا بِإِبْدَالِهَا فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ أَجَابَهُ شِفَاهًا: قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَإِذَا خَافَ فِتْنَةً مِنْ الضَّرْبِ عَلَى فُتْيَا العادم للاهلية ولم تَكُنْ خَطَأً عَدَلَ إلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْفُتْيَا معه فان غلبت فتاويه لتغلبه على مَنْصِبِهَا بِجَاهٍ أَوْ تَلْبِيسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بحيث صار امتناع الاهل من الفتيا مَعَهُ ضَارًّا بِالْمُسْتَفْتِينَ فَلْيُفْتِ مَعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَهْوَنُ الضَّرَرَيْنِ وَلْيَتَلَطَّفْ مَعَ ذَلِكَ فِي إظْهَارِ قُصُورِهِ لِمَنْ يَجْهَلُهُ أَمَّا إذَا وَجَدَ فُتْيَا من هو اهل وهى خطأ مطلقا
_________________
(١) ينبغي ان لا يطلق لفظ قديم الوصية لئلا يتوهم وجوب تقديمها مطلقا وان زادت على الثلث أو كانت لوارث بل يقيد ذلك ولا يغني العامي قوله ما يجب تقديمه لانه لا يفهم منه المقصود أه من نسخة الاذرعي
[ ١ / ٥١ ]
بِمُخَالِفَتِهَا الْقَاطِعَ أَوْ خَطَأٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يفتى ذلك المخطئ عَلَى مَذْهَبِهِ قَطْعًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ من الافتاء تاركا للتنبيه على خَطَئِهَا إذَا لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ غَيْرُهُ بَلْ عليه الضرب عليها عند تيسره أو الا بذال وَتَقْطِيعُ الرُّقْعَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وإذا تعذر ذلك وما يقوم مقامه كتب صَوَابَ جَوَابِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْخَطَأِ ثُمَّ إنْ كان الخطئ اهلا للفتوى فحسن ان تعاد إلَيْهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا أَمَّا إذَا وَجَدَ فِيهَا فُتْيَا أَهْلٍ لِلْفَتْوَى وَهِيَ عَلَى خِلَافِ مَا يَرَاهُ هُوَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِخَطَئِهَا فليقتصر على كتب جواب نفسة ولا يَتَعَرَّضُ لِفُتْيَا غَيْرِهِ بِتَخْطِئَةٍ وَلَا اعْتِرَاضٍ: قَالَ صاحب الحاوى لا يسوغ لمفت إذا استفتى ان يتعرض لجواب غيره ترد ولا تخطئة ويجيب بما عنده من موافقة أو مخالفة (١) * (السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) إذَا لَمْ يَفْهَمْ الْمُفْتِي السُّؤَالَ أَصْلًا وَلَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ فَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ يَكْتُبُ يُزَادُ فِي الشَّرْحِ لِيُجِيبَ عَنْهُ أَوْ لَمْ أَفْهَمْ مَا فِيهَا فَأُجِيبُ قَالَ وَقَالَ بعضهم لا يكتب شيئا أصلا قال ورأيت بَعْضَهُمْ كَتَبَ فِي هَذَا يَحْضُرُ السَّائِلُ لِنُخَاطِبَهُ شِفَاهًا وَقَالَ الْخَطِيبُ يَنْبَغِي لَهُ إذَا لَمْ يَفْهَمْ الْجَوَابَ أَنْ يُرْشِدَ الْمُسْتَفْتِيَ إلَى مُفْتٍ آخر ان كَانَ وَإِلَّا فَلْيُمْسِكْ حَتَّى يَعْلَمَ الْجَوَابَ: قَالَ الصيمري وإذا كان في رقعة الاستفتاء مَسَائِلَ فَهِمَ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ أَوْ فَهِمَهَا كُلَّهَا وَلَمْ يُرِدْ الْجَوَابَ فِي بَعْضِهَا أَوْ احْتَاجَ فِي بَعْضِهَا إلَى تَأَمُّلٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ أَجَابَ عَمَّا أَرَادَ وَسَكَتَ عَنْ الْبَاقِي وَقَالَ لَنَا فِي الْبَاقِي نَظَرٌ أَوْ تَأَمُّلٌ أَوْ زيادة نظر * (السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) لَيْسَ بِمُنْكَرٍ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ الْحُجَّةَ إذَا كَانَتْ نَصًّا وَاضِحًا مُخْتَصَرًا قَالَ الصَّيْمَرِيُّ لَا يَذْكُرُ الْحُجَّةَ إنْ أَفْتَى عَامِّيًّا وَيَذْكُرُهَا إنْ أَفْتَى فَقِيهًا كَمَنْ يُسْأَلُ عَنْ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ فَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ: أَوْ عَنْ رَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيَقُولُ لَهُ رَجَعْتُهَا قال الله تعالى (وبعولتهن أحق بردهن): قال ولم تجز الْعَادَةُ أَنْ يَذْكُرَ فِي فَتْوَاهُ طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ ووجهة الْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ إلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ الْفَتْوَى بِقَضَاءِ قرض فَيُومِئُ فِيهَا إلَى طَرِيقِ
الِاجْتِهَادِ وَيَلُوحُ بِالنُّكْتَةِ وَكَذَا إذَا أَفْتَى غَيْرَهُ فِيهَا بِغَلَطٍ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِيمَا يُفْتِي بِهِ غُمُوضٌ فَحَسَنٌ أَنْ يَلُوحَ بِحُجَّتِهِ: وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لَا يَذْكُرُ حُجَّةً لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْفُتْيَا وَالتَّصْنِيفِ قَالَ وَلَوْ سَاغَ التَّجَاوُزُ إلَى قَلِيلٍ لَسَاغَ إلَى كَثِيرٍ وَلَصَارَ الْمُفْتِي مُدَرِّسًا وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ إطْلَاقِ صَاحِبِ الْحَاوِي الْمَنْعَ: وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُفْتِي فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ إلَى أَنْ يُشَدِّدَ وَيُبَالِغَ فَيَقُولُ وَهَذَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا أَوْ فَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ الْوَاجِبَ وَعَدَلَ عَنْ الصَّوَابِ أَوْ فَقَدْ أَثِمَ وَفَسَقَ أَوْ وَعَلَى وَلَيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ بِهَذَا وَلَا يُهْمِلَ الْأَمْرَ وما أشبه هذه الا لفاظ على حسب ما تقتضيه المصلحة وتوجبه الحال * (الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو ﵀ ليس له إذا استفتى في شئ مِنْ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ أَنْ يُفْتِيَ بِالتَّفْصِيلِ بَلْ يَمْنَعُ مُسْتَفْتِيَهُ وَسَائِرَ الْعَامَّةِ مِنْ الْخَوْضِ فِي ذلك أو في شئ منه وان قل ويأمرهم
_________________
(١) وفي هامش نسخة الاذرعي ما نصه: قلت لعل مراده ما إذا كان الجواب محملا أما إذا كان غلطا فالوجه التنبيه عليه لئلا يعمل به وكذا لو كان مما يقتضي لمثله الحكم وقد كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يصنع هذا: اه
[ ١ / ٥٢ ]
بِأَنْ يَقْتَصِرُوا فِيهَا عَلَى الْإِيمَانِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَيَقُولُوا فِيهَا وَفِي كُلِّ مَا وَرَدَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا الْمُتَشَابِهَةِ إنَّ الثَّابِتَ فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَا هُوَ اللَّائِقُ فِيهَا بِجَلَالِ اللَّهِ ﵎ وَكَمَالِهِ وتقديسه المطلق فيقول ذلك مُعْتَقِدُنَا فِيهَا وَلَيْسَ عَلَيْنَا تَفْصِيلُهُ وَتَعْيِينُهُ وَلَيْسَ الْبَحْثُ عَنْهُ مِنْ شَأْنِنَا بَلْ نَكِلُ عِلْمَ تَفْصِيلِهِ إلَى اللَّهِ ﵎ وَنَصْرِفُ عَنْ الْخَوْضِ فِيهِ قُلُوبَنَا وَأَلْسِنَتَنَا فَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الصَّوَابُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى فِي ذَلِكَ وَهُوَ سَبِيلُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمُعْتَبَرَةِ وَأَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهُوَ أَصْوَنُ وَأَسْلَمُ لِلْعَامَّةِ وَأَشْبَاهِهِمْ: ومن كان منهم اعتقد اعتقاد بَاطِلًا تَفْصِيلًا فَفِي هَذَا صَرْفٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ بِمَا هُوَ أَهْوَنُ وَأَيْسَرُ وَأَسْلَمُ: وَإِذَا عَزَّرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مَنْ حَادَ مِنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَدْ تَأَسَّى بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي تَعْزِيرِ صبيع بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنْ الْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى ذَلِكَ: قَالَ وَالْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا مُعْتَرِفُونَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَبِأَنَّهَا أَسْلَمُ لِمَنْ سَلِمَتْ لَهُ وَكَانَ الْغَزَالِيُّ مِنْهُمْ فِي آخِرِ أَمْرِهِ شَدِيدَ الْمُبَالَغَةِ فِي الدُّعَاءِ إلَيْهَا وَالْبَرْهَنَةِ عَلَيْهَا وَذَكَرَ
شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الغيائى أَنَّ الْإِمَامَ يَحْرِصُ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى جَمْعِ عامة الْخَلْقِ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ: وَاسْتُفْتِيَ الْغَزَالِيُّ فِي كَلَامِ اللَّهِ ﵎ فَكَانَ مِنْ جَوَابِهِ وَأَمَّا الْخَوْضُ فِي أَنَّ كَلَامَهُ تَعَالَى حَرْفٌ وَصَوْتٌ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَكُلُّ مَنْ يَدْعُو الْعَوَامَّ إلَى الْخَوْضِ فِي هَذَا فَلَيْسَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُضِلِّينَ وَمِثَالُهُ مَنْ يَدْعُو الصِّبْيَانَ الَّذِينَ لَا يُحْسِنُونَ السِّبَاحَةَ إلَى خَوْضِ الْبَحْرِ: وَمَنْ يَدْعُو الزَّمِنَ الْمُقْعَدَ إلَى السَّفَرِ في البراري من غير مركوب: وقال في رِسَالَةٍ لَهُ الصَّوَابُ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ إلَّا الشَّاذَّ النَّادِرَ الَّذِي لَا تَسْمَحُ الْأَعْصَارُ إلَّا بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ اثْنَيْنِ سُلُوكُ مَسْلَكِ السَّلَفِ فِي الايمان المرسل والتصديق المجمل بكل ما أزله اللَّهُ تَعَالَى وَأَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَتَفْتِيشٍ وَالِاشْتِغَالُ بِالتَّقْوَى فَفِيهِ شُغْلٌ شَاغِلٌ: وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ فِي كِتَابِهِ أَدَبُ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي إنَّ مِمَّا أجمع عليه أهل التقوى أَنَّ مَنْ كَانَ مَوْسُومًا بِالْفَتْوَى فِي الْفِقْهِ لَمْ يَنْبَغِ وَفِي نُسْخَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَضَعَ خَطَّهُ بِفَتْوَى فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ قَالَ وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَتِمُّ قِرَاءَةَ مِثْلَ هَذِهِ الرُّقْعَةِ قَالَ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكْتُبَ لَيْسَ هَذَا مِنْ عِلْمِنَا أَوْ ما جلسنا لهذا أو السؤال عَنْ غَيْرِ هَذَا أَوْلَى بَلْ لَا يَتَعَرَّضُ لشئ مِنْ ذَلِكَ.
وَحَكَى الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو عمر بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْكَلَامِ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفَتْوَى قَالَ وَإِنَّمَا خَالَفَ ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ: قَالَ الشَّيْخُ فَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُؤْمَنُ فِي تَفْصِيلِ جَوَابِهَا مِنْ ضَرَرِ الْخَوْضِ الْمَذْكُورِ جَازَ الْجَوَابُ تَفْصِيلًا وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ جَوَابُهَا مُخْتَصَرًا مَفْهُومًا لَيْسَ لَهَا أطراف يتجاذبها المتنازعون والسؤال عنه صدر عَنْ مُسْتَرْشِدٍ خَاصٍّ مُنْقَادٍ أَوْ مِنْ عَامَّةٍ قَلِيلَةِ التَّنَازُعِ وَالْمُمَارَاةِ وَالْمُفْتِي مِمَّنْ يَنْقَادُونَ لِفَتْوَاهُ وَنَحْوَ هَذَا وَعَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ بُغْضِ الْفَتْوَى فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ وَذَلِكَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ نادر والله أعلم
* (التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ) قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْخَطِيبُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وإذا سئل فَقِيهٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فان كَانَتْ تَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ أَجَابَ عَنْهَا وَكَتَبَ خَطَّهُ بِذَلِكَ كَمَنْ سَأَلَ عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَالْقُرْءِ وَمَنْ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ كَالسُّؤَالِ عَنْ
[ ١ / ٥٣ ]
الرقيم والنقير وَالْغِسْلِينَ رَدَّهُ إلَى أَهْلِهِ وَوَكَلَهُ إلَى مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لَهُ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَلَوْ
أَجَابَهُ شِفَاهًا لَمْ يُسْتَقْبَحْ هَذَا كَلَامُ الصَّيْمَرِيِّ وَالْخَطِيبِ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يَحْسُنُ كِتَابَتُهُ لِلْفَقِيهِ الْعَارِفِ بِهِ لَكَانَ حَسَنًا وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ