فَالْأَقْوَالُ لِلشَّافِعِيِّ وَالْأَوْجُهُ لِأَصْحَابِهِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى مَذْهَبِهِ يُخَرِّجُونَهَا على أصوله ويستنيطونها مِنْ قَوَاعِدِهِ وَيَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا (١) وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ اخْتِلَافِهِمْ في ان المخرج هل
_________________
(١) وقوله (يجتهدون في بعضها ولم ياخذوه من اصله) نظر في كون مثل هذا يعد وجها مذهبيا لا سيما إذا كان مذهبا قد صرح الشافعي ببطلانه هذا نظر من حديث النظر: واما النقل فقد قال الرافعي في الشرح الكبير ان المزني كان يوجب التخلبل … قال وحكاه ابن كج عن بعض الاصحاب فان اراد المزني فتفرد به لا … من المذهب إذا لم … يها على اصل الشافعي … بين تفرد المزني وغيره من فرق: انتهى من هامش نسخة الاذرعي:
[ ١ / ٦٥ ]
يُنْسَبُ إلَى الشَّافِعِيِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ ثم قد يَكُونُ الْقَوْلَانِ قَدِيمَيْنِ وَقَدْ يَكُونَانِ جَدِيدَيْنِ أَوْ قَدِيمًا وَجَدِيدًا وَقَدْ يَقُولُهُمَا فِي وَقْتٍ وَقَدْ يقولهما في وقتين قد يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا وَقَدْ لَا يُرَجِّحُ: وَقَدْ يَكُونُ الْوَجْهَانِ لِشَخْصَيْنِ وَلِشَخْصٍ وَاَلَّذِي لِشَخْصٍ يَنْقَسِمُ كَانْقِسَامِ الْقَوْلَيْنِ: وَأَمَّا الطُّرُقُ فَهِيَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فِي حِكَايَةِ الْمَذْهَبِ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ مَثَلًا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ وَيَقُولُ الْآخَرُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا أَوْ وَجْهًا وَاحِدًا أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَيَقُولُ الْآخَرُ فِيهَا خِلَافٌ مُطْلَقٌ: وَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَ الْوَجْهَيْنِ فِي مَوْضِعِ الطَّرِيقَيْنِ وَعَكْسِهِ: وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُهَذَّبِ النَّوْعَيْنِ: فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ وُلُوغِ الكلب وفي موضع لقولين وَجْهَانِ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي بَابِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إذَا أَفْطَرَتْ الْمُرْضِعُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَالثَّانِي يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ قَوْلًا وَاحِدًا: وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ
الْقِسْمَةِ وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ جُزْءٌ مُشَاعٌ بَطَلَتْ فِيهِ وَفِي الْبَاقِي وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَالثَّانِي يَبْطُلُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي زَكَاةِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَالثَّانِي يَجِبُ: وَمِنْهُ ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ مُتَوَالِيَةٍ فِي أَوَّلِ بَابِ عَدَدِ الشُّهُودِ أَوَّلُهَا قوله وان كان المقرأ عجميا فَفِي التَّرْجَمَةِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَثْبُتُ بِاثْنَيْنِ وَالثَّانِي عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْإِقْرَارِ: وَمِنْ النَّوْعِ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ وَإِنْ وَجَدَ فِي الْبَلَدِ بعض الاناف فَطَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا يُغَلِّبُ حُكْمَ الْمَكَانِ وَالثَّانِي الْأَصْنَافُ: ومنه قوله في السلم في الْجَارِيَةُ الْحَامِلُ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ وَالثَّانِي يَجُوزُ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلُوا هَذَا لِأَنَّ الطُّرُقَ وَالْوُجُوهَ تَشْتَرِكُ فِي كَوْنِهَا مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَسَتَأْتِي فِي مَوَاضِعِهَا زِيَادَةٌ فِي شَرْحِهَا إنْ شَاءَ الله تعالى
* فصل كُلُّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ﵀ قَدِيمٌ وَجَدِيدٌ فَالْجَدِيدُ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ لِأَنَّ الْقَدِيمَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَاسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا نَحْوَ عِشْرِينَ مَسْأَلَةً أَوْ أَكْثَرَ وَقَالُوا يُفْتَى فِيهَا بِالْقَدِيمِ وَقَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْمِيَاهِ وَفِي بَابِ الْأَذَانِ قَالَ الْأَئِمَّةُ كُلُّ قَوْلَيْنِ قَدِيمٌ وَجَدِيدٌ فَالْجَدِيدُ أَصَحُّ إلَّا في ثلاث مسائل التَّثْوِيبِ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ الْقَدِيمُ اسْتِحْبَابُهُ: وَمَسْأَلَةُ التَّبَاعُدِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ الْقَدِيمُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّالِثَةَ هُنَا: وَذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ أَنَّ الثَّالِثَةَ تَأْتِي فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ: وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ عِنْدَ ذِكْرِهِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ أَنَّ الْقَدِيمَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَالَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ: وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي يُفْتَى بِهَا عَلَى الْقَدِيمِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَذَكَرَ الثَّلَاثَ الْمَذْكُورَاتِ: وَمَسْأَلَةَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ فِيمَا جَاوَزَ الْمَخْرَجَ وَالْقَدِيمُ جَوَازُهُ: وَمَسْأَلَةَ لَمْسِ الْمَحَارِمِ وَالْقَدِيمُ لَا يَنْقُضُ: وَمَسْأَلَةَ الْمَاءِ الْجَارِي الْقَدِيمُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ: وَمَسْأَلَةَ تَعْجِيلِ الْعِشَاءِ الْقَدِيمُ أَنَّهُ أَفْضَلُ: وَمَسْأَلَةَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَالْقَدِيمُ امْتِدَادُهُ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ: وَمَسْأَلَةَ الْمُنْفَرِدِ إذَا نَوَى الِاقْتِدَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الْقَدِيمُ جَوَازُهُ: وَمَسْأَلَةَ أَكْلِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ الْقَدِيمُ تَحْرِيمُهُ: ومسألة وطئ المحرم يملك الْيَمِينِ الْقَدِيمُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ: وَمَسْأَلَةَ تَقْلِيمِ أَظْفَارِ الْمَيِّتِ الْقَدِيمُ
[ ١ / ٦٦ ]
كَرَاهَتُهُ: وَمَسْأَلَةَ شَرْطِ التَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ الْقَدِيمُ جَوَازُهُ: وَمَسْأَلَةَ اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِي
الزَّكَاةِ الْقَدِيمُ لَا يُعْتَبَرُ: وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الَّتِي ذَكَرَهَا هَذَا الْقَائِلُ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا بَلْ خَالَفَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي بَعْضِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا وَرَجَّحُوا الْجَدِيدَ: وَنَقَلَ جَمَاعَاتٌ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا قَوْلًا آخَرَ فِي الْجَدِيدِ يُوَافِقُ الْقَدِيمَ فَيَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْجَدِيدِ لَا الْقَدِيمِ: وَأَمَّا حَصْرُهُ الْمَسَائِلَ الَّتِي يُفْتَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ فِي هَذِهِ فَضَعِيفٌ أَيْضًا فَإِنَّ لَنَا مَسَائِلَ أُخَرَ صَحَّحَ الْأَصْحَابُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِيهَا الْقَدِيمَ: مِنْهَا الْجَهْرُ بِالتَّأْمِينِ لِلْمَأْمُومِ فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ الْقَدِيمُ اسْتِحْبَابُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ قَدْ خَالَفَ الْجُمْهُورَ فَقَالَ فِي تَعْلِيقِهِ الْقَدِيمُ أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ: وَمِنْهَا مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ الْقَدِيمُ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ: وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ الْخَطِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا وَنَحْوُهَا الْقَدِيمُ اسْتِحْبَابُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَجَمَاعَاتٍ: وَمِنْهَا إذَا امْتَنَعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ عِمَارَةِ الْجِدَارِ أُجْبِرَ عَلَى الْقَدِيمِ (١) وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبِهِ الشَّاشِيِّ وَأَفْتَى بِهِ الشَّاشِيُّ: وَمِنْهَا الصَّدَاقُ فِي يَدِ الزَّوْجِ مَضْمُونٌ ضَمَانُ الْيَدِ عَلَى الْقَدِيمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا أَفْتَوْا بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ الْقَدِيمِ مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَجَعَ عَنْهُ فَلَمْ يَبْقَ مَذْهَبًا لَهُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَجَزَمَ بِهِ الْمُتْقِنُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إذَا نَصَّ الْمُجْتَهِدُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ بَلْ يَكُونُ لَهُ قَوْلَانِ: قَالَ الْجُمْهُورُ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُمَا كَنَصَّيْنِ لِلشَّارِعِ تَعَارَضَا وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُعْمَلُ بِالثَّانِي وَيُتْرَكُ الْأَوَّلُ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ الْآنِيَةِ مِنْ النِّهَايَةِ مُعْتَقَدِي أَنَّ الْأَقْوَالَ الْقَدِيمَةَ لَيْسَتْ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ كَانَتْ لِأَنَّهُ جَزَمَ فِي الْجَدِيدِ بِخِلَافِهَا وَالْمَرْجُوعُ عَنْهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلرَّاجِعِ: فَإِذَا عَلِمْت حَالَ الْقَدِيمِ وَوَجَدْنَا أَصْحَابَنَا أَفْتَوْا بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى الْقَدِيمِ حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَدَّاهُمْ اجْتِهَادُهُمْ إلَى الْقَدِيمِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ فَأَفْتَوْا بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نِسْبَتُهُ إلَى الشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَنَّهُ اسْتَثْنَاهَا: قَالَ أَبُو عمر وفيكون اخْتِيَارُ أَحَدِهِمْ لِلْقَدِيمِ فِيهَا مِنْ قَبِيلِ اخْتِيَارِهِ مَذْهَبَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ فانه ان كان إذا اجْتِهَادٍ اُتُّبِعَ اجْتِهَادُهُ وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ مُقَيَّدًا مَشُوبًا بِتَقْلِيدٍ نَقَلَ ذَلِكَ الشَّوْبَ مِنْ التَّقْلِيدِ عَنْ ذَلِكَ الْإِمَامِ وَإِذَا أَفْتَى بَيَّنَ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ فَيَقُولُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا وَلَكِنِّي أَقُولُ بِمَذْهَبِ
أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ كَذَا: قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا إذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمْ الْقَوْلَ الْمُخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَنْصُوصِ أَوْ اخْتَارَ مِنْ قَوْلَيْنِ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ أَحَدَهُمَا غَيْرَ مَا رَجَّحَهُ بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ الْقَدِيمِ: قَالَ ثُمَّ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا للترجيح ان لا يتبعوا شيئا من اختيار انهم المذكورة لانه مقلد للشافعي فدون غيره: قال
_________________
(١) في هامش نسخة الاذرعي ما نصه: قال في الروضة في مسألة العمارة الصحيح الجاري على القواعد الجديد والاصح عند الجمهور في مسألة الصداق القول الآخر ورجحه في المنهاج والروضة:
[ ١ / ٦٧ ]
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارُهُ لِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ بَنَى عَلَى اجْتِهَادٍ فَإِنْ تَرَكَ مَذْهَبَهُ إلَى اسهل منها فَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ وَإِنْ تَرَكَهُ إلَى أَحْوَطَ فَالظَّاهِرُ جوازه عليه بَيَانُ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو
* فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْإِفْتَاءُ بِالْجَدِيدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ وَمَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّخْرِيجِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ مَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيلُ فِي الْعَمَلِ وَالْفُتْيَا مُبَيِّنًا فِي فَتْوَاهُ أَنَّ هَذَا رَأْيُهُ وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَذَا وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ هَذَا كُلُّهُ فِي قَدِيمٍ لَمْ يَعْضُدْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أَمَّا قَدِيمٌ عَضَدَهُ نَصُّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَمَنْسُوبٌ إلَيْهِ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِيمَا إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ عَلَى خِلَافِ نَصِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْقَدِيمُ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ أو مرجوعا عَنْهُ أَوْ لَا فَتْوَى عَلَيْهِ الْمُرَادُ بِهِ قَدِيمٌ نَصَّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى خِلَافِهِ أَمَّا قَدِيمٌ لَمْ يُخَالِفْهُ فِي الْجَدِيدِ أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْجَدِيدِ فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَاعْتِقَادُهُ وَيُعْمَلُ بِهِ وَيُفْتَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَهَذَا النَّوْعُ وَقَعَ مِنْهُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ سَتَأْتِي فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَإِنَّمَا أَطْلَقُوا أَنَّ الْقَدِيمَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ غَالِبِهِ كَذَلِكَ
* (فَرْعٌ)
لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلَا لِلْعَامِلِ الْمُنْتَسِبِ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا بِغَيْرِ نَظَرٍ بَلْ عَلَيْهِ فِي الْقَوْلَيْنِ الْعَمَلُ بِآخِرِهِمَا إنْ عَلِمَهُ وَإِلَّا فَبِاَلَّذِي رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ قَالَهُمَا فِي حَالَةٍ وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذَا إلَّا فِي سِتَّ عَشْرَةَ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً أَوْ نُقِلَ عَنْهُ قَوْلَانِ وَلَمْ يُعْلَمْ أَقَالَهُمَا فِي وَقْتٍ أَمْ فِي وَقْتَيْنِ وَجَهِلْنَا السَّابِقَ وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْ أَرْجَحِهِمَا فَيُعْمَلْ بِهِ فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ أو الترجيح اسْتَقَلَّ
بِهِ مُتَعَرِّفًا ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَمَأْخَذِهِ وَقَوَاعِدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا فَلْيَنْقُلْهُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ كُتُبَهُمْ مُوَضِّحَةٌ لِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ تَرْجِيحٌ بِطَرِيقٍ تَوَقَّفَ حَتَّى يَحْصُلَ
* وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فَيُعْرَفُ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا بِمَا سَبَقَ إلَّا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ فِيهِمَا بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ إلَّا إذَا وَقَعَا مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَنْصُوصًا وَالْآخَرُ مُخَرَّجًا فَالْمَنْصُوصُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ غَالِبًا كَمَا إذَا رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ أَحَدَهُمَا بَلْ هَذَا أَوْلَى إلَّا إذَا كَانَ الْمُخَرَّجُ مِنْ مَسْأَلَةٍ يَتَعَذَّرُ فِيهَا الْفَرْقُ فَقِيلَ لَا يَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ الْمَنْصُوصُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ وَقَلَّ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْفَرْقُ أَمَّا إذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ خِلَافًا بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ فَلْيَعْتَمِدْ مَا صَحَّحَهُ الْأَكْثَرُ وَالْأَعْلَمُ وَالْأَوْرَعُ فَإِنْ تَعَارَضَ الْأَعْلَمُ وَالْأَوْرَعُ قَدَّمَ الْأَعْلَمَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَرْجِيحًا عَنْ أَحَدٍ اعْتَبَرَ صِفَاتِ النَّاقِلِينَ لِلْقَوْلَيْنِ وَالْقَائِلِينَ لِلْوَجْهَيْنِ فَمَا رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ وَالْمُزَنِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ مُقَدَّمٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا رَوَاهُ الربيع الجيزى وحرملة كذا نَقَلَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي أَوَّلِ مَعَالِمِ السُّنَنِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْبُوَيْطِيَّ فَأَلْحَقْتُهُ أَنَا لِكَوْنِهِ أَجَلَّ مِنْ الرَّبِيعِ الْمُرَادِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَكِتَابُهُ مَشْهُورٌ فَيَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو وَيَتَرَجَّحُ أَيْضًا مَا وَافَقَ أَكْثَرَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ ظُهُورٌ وَاحْتِمَالٌ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِيمَا إذَا كَانَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يُوَافِقُ أَبَا حَنِيفَةَ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا
[ ١ / ٦٨ ]
أَنَّ الْقَوْلَ الْمُخَالِفَ أَوْلَى وَهَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ أبى حامد الاسفراينى فان الشافعي انما خالفه لا طلاعه عَلَى مُوجِبِ الْمُخَالَفَةِ وَالثَّانِي الْقَوْلُ الْمُوَافِقُ أَوْلَى وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْمَسْأَلَةُ الْمَفْرُوضَةُ فِيمَا إذَا لَمْ يَجِدْ مُرَجِّحًا مِمَّا سَبَقَ وَأَمَّا إذَا رَأَيْنَا الْمُصَنِّفِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ مُخْتَلِفِينَ فَجَزَمَ أَحَدُهُمَا بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ الْآخَرُ فَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الْبَحْثِ عَلَى مَا سَبَقَ وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِالْكَثْرَةِ كَمَا فِي الْوَجْهَيْنِ وَيُحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى بَيَانِ مَرَاتِبِ الْأَصْحَابِ وَمَعْرِفَةِ طَبَقَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَجَلَالَتِهِمْ وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ بَيَانًا حَسَنًا وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ لَا يَسْتَغْنِي طَالِبُ عِلْمٍ مِنْ الْعُلُومِ كُلِّهَا عَنْ مِثْلِهِ: وَذَكَرْتُ فِي كِتَابِ طَبَقَاتُ الْفُقَهَاءِ مَنْ ذَكَرْتُهُ مِنْهُمْ أَكْمَلَ مِنْ ذَلِكَ وَأَوْضَحَ وَأَشْبَعْتُ الْقَوْلَ فِيهِمْ وَأَنَا سَاعٍ فِي إتْمَامِهِ أَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ تَوْفِيقِي لَهُ وَلِسَائِرِ وُجُوهِ الْخَيْرِ
*
وَاعْلَمْ أَنَّ نَقْلَ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ لِنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ وَوُجُوهِ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا أَتَقْنُ وَأَثْبَتُ مِنْ نَقْلِ الْخُرَاسَانِيِّينَ غَالِبًا وَالْخُرَاسَانِيُّونَ أَحْسَنُ تَصَرُّفًا وَبَحْثًا وتفريعا وترتيبا غالبا: ومما يتبغى أَنْ يُرَجَّحَ بِهِ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَقَدْ أَشَارَ الْأَصْحَابُ إلَى التَّرْجِيحِ بِهِ، أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ ذَكَرَهُ فِي بَابِهِ وَمَظِنَّتِهِ وَذَكَرَ الْآخَرَ فِي غَيْرِ بَابِهِ بِأَنْ جَرَى بَحْثٌ وَكَلَامٌ جَرَّ إلَى ذِكْرِهِ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِي بَابِهِ أَقْوَى لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ مَقْصُودًا وَقَرَّرَهُ فِي مَوْضِعِهِ بَعْدَ فِكْرٍ طَوِيلٍ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي غير بابه استطرادا فلا يعتنى به اعتناؤه بِالْأَوَّلِ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِمِثْلِ هَذَا التَّرْجِيحِ فِي مَوَاضِعَ لَا تَنْحَصِرُ سَتَرَاهَا فِي هَذَا الكتاب في مواطناها إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
*
[ ١ / ٦٩ ]
فَصْلٌ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي الْمُهَذَّبِ أَبَا الْعَبَّاسِ فَهُوَ ابْنُ سُرَيْجٍ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سُرَيْجٍ وَإِذَا أَرَادَ أَبَا الْعَبَّاسِ ابْنَ الْقَاصِّ قَيَّدَهُ: وَحَيْثُ أَطْلَقَ أَبَا إِسْحَاقَ فَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ: وَحَيْثُ أَطْلَقَ أَبَا سَعِيدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَعِيدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُهَذَّبِ أَبَا إِسْحَاقَ الاسفراينى الْأُسْتَاذَ الْمَشْهُورَ بِالْكَلَامِ وَالْأُصُولِ وَإِنْ كَانَ لَهُ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ: وَأَمَّا أَبُو حامد ففى المهذب اثنان من أصحابنا أَحَدُهُمَا الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ: وَالثَّانِي الشَّيْخُ أبو حامد الاسفرايني لَكِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ مُقَيَّدَيْنِ بِالْقَاضِي وَالشَّيْخِ فَلَا يَلْتَبِسَانِ وليس فيه أبو حامد غيرهما لامن أَصْحَابِنَا وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ: وَفِيهِ أَبُو عَلِيِّ ابن خبران وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرِيُّ وَيَأْتُونَ مَوْصُوفِينَ: وَلَا ذكر لابي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِنَّمَا يَتَكَرَّرُ فِي الْوَسِيطِ وَالنِّهَايَةِ وَكُتُبِ مُتَأَخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّينَ: وَفِيهِ أَبُو القاسم جماعة أو لهم الْأَنْمَاطِيُّ ثُمَّ الدَّارَكِيُّ ثُمَّ ابْنُ كَجٍّ وَالصَّيْمَرِيُّ وَلَيْسَ فِيهِ أَبُو الْقَاسِمِ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ: وَفِيهِ أَبُو الطَّيِّبِ اثْنَانِ فَقَطْ مِنْ أَصْحَابِنَا أَوَّلُهُمَا ابْنُ سَلَمَةَ وَالثَّانِي الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ شيخ الْمُصَنِّفُ وَيَأْتِيَانِ مَوْصُوفَيْنِ: وَحَيْثُ أَطْلَقَ فِي الْمُهَذَّبِ عَبْدَ اللَّهِ فِي الصَّحَابَةِ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَحَيْثُ أَطْلَقَ الرَّبِيعَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ فِي الْمُهَذَّبِ الرَّبِيعُ غَيْرَهُ لَا مِنْ الْفُقَهَاءِ وَلَا من غير هم إلَّا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ فِي مَسْأَلَةِ دِبَاغِ الْجِلْدِ هَلْ يُطَهِّرُ الشَّعْرَ: وَفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا الَّذِي
رَأَى الْأَذَانَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَوْسِيُّ وَالْآخَرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ وَقَدْ يَلْتَبِسَانِ عَلَى مَنْ لَا أُنْسَ لَهُ بِالْحَدِيثِ وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ فَيُتَوَهَّمَانِ وَاحِدًا لِكَوْنِهِمَا يَأْتِيَانِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ خَطَأٌ: فَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْمُهَذَّبِ إلَّا فِي بَابِ الْأَذَانِ: وَأَمَّا ابْنُ عَاصِمٍ فَمُتَكَرِّرٌ ذِكْرُهُ فِي الْمُهَذَّبِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صِفَةِ الوضؤء ثُمَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ ثُمَّ فِي أَوَّلِ بَابِ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ أو ضحتهما أَكْمَلَ إيضَاحٍ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَحَيْثُ ذُكِرَ عَطَاءٌ فِي الْمُهَذَّبِ فَهُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ذَكَرَهُ فِي الْحَيْضِ ثُمَّ فِي اول صلاة المسافر ثم في مسألة النقاء الصَّفَّيْنِ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ: وَفِي التَّابِعِينَ أَيْضًا جَمَاعَاتٌ يُسْمَوْنَ عَطَاءً لَكِنْ لَا ذِكْرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْمُهَذَّبِ غَيْرَ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ: وَفِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ مُعَاوِيَةُ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْمُهَذَّبِ فِي غَيْرِهِ: وَالْآخَرُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْخَلِيفَةُ أَحَدُ كُتَّابِ الْوَحْيِ تَكَرَّرَ وَيَأْتِي مُطْلَقًا غَيْرَ مَنْسُوبٍ: وَفِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعْقِلٌ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ بِيَاءٍ قَبْلَ السِّينِ مَذْكُورٌ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ: وَالْآخَرُ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ بِسِينٍ ثُمَّ نُونٍ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ فِي حديث بروع: وفيه أبويحيي الْبَلْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْمُهَذَّبِ: مِنْهَا مَوَاقِيتُ
[ ١ / ٧٠ ]
الصلاة وكتاب الحج وليس فيه أبويحيى غيره: وفيه أبوتحيي بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقَ مَكْسُورَةٍ يَرْوِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي آخِرِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ الْمُهَذَّبِ: وَفِيهِ الْقَفَّالُ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فِي أَوَّلِ النِّكَاحِ فِي مَسْأَلَةِ تَزْوِيجِ بِنْتِ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ وَهُوَ الْقَفَّالُ الْكَبِيرُ الشَّاشِيُّ وَلَا ذِكْرَ لِلْقَفَّالِ فِي الْمُهَذَّبِ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَيْسَ لِلْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ الصَّغِيرِ فِي الْمُهَذَّبِ ذِكْرٌ وَهَذَا الْمَرْوَزِيُّ هُوَ الْمُتَكَرِّرُ فِي كُتُبِ مُتَأَخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّينَ كَالْإِبَانَةِ وَتَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَكِتَابِ الْمَسْعُودِيِّ وَكُتُبِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَكُتُبِ الصَّيْدَلَانِيِّ وَكُتُبِ أَبِي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ وَهَؤُلَاءِ تَلَامِذَتُهُ: وَالنِّهَايَةِ وَكُتُبِ الْغَزَالِيِّ وَالتَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْعُدَّةِ وَأَشْبَاهِهَا وَقَدْ أَوْضَحْتُ حَالَ الْقَفَّالَيْنِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَفِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ وَسَأُوضِحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَالَهُمَا هُنَا إنْ وَصَلْتُ مَوْضِعَ ذِكْرِ الْقَفَّالِ وَكَذَلِكَ أُوضِحُ بَاقِيَ الْمَذْكُورِينَ فِي مَوَاضِعِهِمْ كَمَا شَرَطْتُهُ فِي الْخُطْبَةِ
إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَحَيْثُ أَطْلَقْتُ أَنَا فِي هَذَا الشَّرْحِ ذِكْرَ الْقَفَّالِ فَمُرَادِي بِهِ الْمَرْوَزِيُّ لِأَنَّهُ أَشْهُرُ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ بَلْ مَدَارُ طَرِيقَةِ خُرَاسَانَ عَلَيْهِ: وَأَمَّا الشَّاشِيُّ فَذِكْرُهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْوَزِيِّ فِي الْمَذْهَبِ فَإِذَا أَرَدْتُ الشَّاشِيَّ قَيَّدْتُهُ فَوَصَفْتُهُ بِالشَّاشِيِّ وَقَصَدْتُ بِبَيَانِ هَذِهِ الْأَحْرُفِ تَعْجِيلَ فَائِدَةٍ لِمُطَالِعِ هَذَا الْكِتَابِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَتْنِي الْوَفَاةُ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْقَاطِعَاتِ قَبْلَ وُصُولِهَا وَرَأَيْتُهَا مُهِمَّةً لَا يَسْتَغْنِي مُشْتَغِلٌ بِالْمُهَذَّبِ عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَأَسْأَلُ اللَّهَ خَاتِمَةَ الْخَيْرِ وَاللُّطْفَ وَبِاَللَّهِ التوفيق
*
[ ١ / ٧١ ]
فَصْلٌ الْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ أَئِمَّةٌ مُجْتَهِدُونَ وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إلَى الشَّافِعِيِّ: فَأَمَّا الْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ فَصَاحِبَانِ لِلشَّافِعِيِّ حَقِيقَةً وَابْنُ الْمُنْذِرِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُمَا: وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُهَذَّبِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَجَعَلَ أَقْوَالَهُمْ وُجُوهًا فِي الْمَذْهَبِ وَتَارَةً يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ وُجُوهًا وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرٌ إيرَادُهُ إيَّاهَا فَإِنَّ عَادَتَهُ فِي الْمُهَذَّبِ أَنْ لَا يَذْكُرَ أَحَدًا مِنْ الائمة أصحاب المذاهب غير أصحابنا الا في نَحْوَ قَوْلِهِ يُسْتَحَبُّ كَذَا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مُجَاهِدٍ أَوْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ الزُّهْرِيِّ أَوْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَشِبْهِ ذَلِكَ: وَيَذْكُرُ قَوْلَ أَبِي ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ذِكْرَ الْوُجُوهِ وَيَسْتَدِلُّ لَهُ وَيُجِيبُ عَنْهُ: وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْ النِّهَايَةِ إذَا انْفَرَدَ الْمُزَنِيّ بِرَأْيٍ فَهُوَ صَاحِبُ مَذْهَبٍ وَإِذَا خَرَّجَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا فَتَخْرِيجُهُ أَوْلَى مِنْ تَخْرِيجِ غَيْرِهِ وَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْمَذْهَبِ لَا مَحَالَةَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ حَسَنٌ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُتَعَيَّنٌ
* فَرْعٌ ان استغرب من لا انس له بالمهذب الْمَوْضِعَ الَّذِي صَرَّحَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ فِيهِ بِأَنَّ أَبَا ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا دَلَّلْنَاهُ وَقُلْنَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْغَصْبِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ رَدَّ الْمَغْصُوبَ نَاقِصَ الْقِيمَةِ دُونَ الْعَيْنِ أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ نَحْوَهُ في ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ فَصْلٍ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى
* فَرْعٌ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْمُهَذَّبِ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ أَبِي ثَوْرٍ لَكِنَّهُ لَا يُنْصِفُهُ فَيَقُولُ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ كَذَا وَهُوَ خَطَأٌ
وَالْتَزَمَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي أَقْوَالِهِ وَرُبَّمَا كَانَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ أَقْوَى دَلِيلًا مِنْ الْمَذْهَبِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ: وَأَفْرَطَ الْمُصَنِّفُ فِي اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ حَتَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الصَّحَابِيِّ ﵁ الذى محله من الْفِقْهِ وَأَنْوَاعِ الْعِلْمِ مَعْرُوفٌ قَلَّ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ لَا سِيَّمَا الْفَرَائِضُ فَحَكَى عَنْهُ فِي بَابِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ مَذْهَبَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمُرَبَّعَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا خَطَأٌ: وَلَا يَسْتَعْمِلُ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ غَالِبًا فِي آحَادِ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ الَّذِينَ لَا يُقَارِبُونَ أَبَا ثَوْرٍ وربما كانت أو جههم ضَعِيفَةً بَلْ وَاهِيَةً وَقَدْ أَجْمَعَ نَقَلَةُ الْعِلْمِ عَلَى جَلَالَةِ أَبِي ثَوْرٍ وَإِمَامَتِهِ وَبَرَاعَتِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَحُسْنِ مُصَنَّفَاتِهِ فِيهِمَا مَعَ الْجَلَالَةِ وَالْإِتْقَانِ: وَأَحْوَالُهُ مَبْسُوطَةٌ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَفِي الطَّبَقَاتِ ﵀
* فَهَذَا آخِرُ مَا تَيَسَّرَ من المقدمات ولولا خَوْفُ إمْلَالِ مُطَالِعِهِ لَذَكَرْتُ فِيهِ مُجَلَّدَاتٍ
* مِنْ النفايس الْمُهِمَّةِ وَالْفَوَائِدِ الْمُسْتَجَادَّاتِ
* لَكِنَّهَا تَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُفَرَّقَةً فِي مَوَاطِنِهَا مِنْ الْأَبْوَابِ: وَأَرْجُو اللَّهَ النَّفْعَ بِكُلِّ مَا ذَكَرْتُهُ وَمَا سأذكره ان شاء الله لي ولوالدي ومشايخي وسائر أحبايي وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ إنَّهُ الْوَاسِعُ الْوَهَّابُ وَهَذَا حِينَ أَشْرَعُ فِي شَرْحِ أَصْلِ الْمُصَنِّفِ ﵀
*
[ ١ / ٧٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف الشيخ أبو إسحاق ﵀ (١) (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَنَا لِشُكْرِهِ وَهَدَانَا لِذِكْرِهِ) (الشَّرْحُ) بَدَأَ ﵀ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ قَوْلًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ أَقْطَعُ وَفِي رِوَايَةٍ بِحَمْدِ اللَّهِ: وَفِي رِوَايَةٍ بِالْحَمْدُ فَهُوَ أَقْطَعُ: وَفِي رِوَايَةٍ كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ: وَفِي رِوَايَةٍ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْطَعُ
* رَوَيْنَا كُلَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لِلْحَافِظِ عَبْدِ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيِّ وَرَوَيْنَاهُ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الصَّحَابِيِّ ﵁ وَالْمَشْهُورُ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُهُ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِمَا وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَبُو
عَوَانَةَ يعقوب بن إسحاق الاسفراينى فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وَرُوِيَ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا وَرِوَايَةُ الْمَوْصُولِ إسْنَادُهَا جَيِّدٌ
* قَوْلُهُ ﷺ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ مَعْنَاهُ لَهُ حَالٌ يُهْتَمُّ بِهِ وَمَعْنَى أَقْطَعُ أَيْ نَاقِصٌ قَلِيلُ الْبَرَكَةِ وَأَجْذَمُ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ بِجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ يُقَالُ جَذِمَ يَجْذَمُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ
* قَالَ الْعُلَمَاءُ ﵏ يستحب البداء بالحمد الله لِكُلِّ مُصَنِّفٍ وَدَارِسٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ وَخَاطِبٍ وَمُزَوِّجٍ وَمُتَزَوِّجٍ وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ خِطْبَتِهِ يَعْنِي بِكَسْرِ الْخَاءِ وَكُلِّ أَمْرٍ طَلَبَهُ حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَرَضُوا عَلَى الْمُزَنِيِّ ﵀ حَيْثُ لَمْ يَبْدَأْ فِي مُخْتَصَرِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ
_________________
(١) * تنبيه * في بعض نسخ الشرح اقتصار عند ذكر عبارة المتن على بعضها والاكتفاء بقوله إلى آخر الفصل: ولتمام الفائدة التزمنا ذكر عبارة المتن بتمامها في جميع الموا ضع اه
[ ١ / ٧٣ ]
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ بَدَأَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَخَطَبَ خُطْبَةً: فَأَخَلَّ بِذَلِكَ مَنْ نَقَلَ كِتَابَهُ قَالُوا وَقَدْ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ في ملك وَلَا مِثْلَ: الَّذِي هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَفَوْقَ مَا يَصِفُهُ بِهِ خَلْقُهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شئ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الْجَوَابُ الثَّانِي) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَبْلُغْ الْمُزَنِيَّ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي جَلَالَتِهِ (الْجَوَابُ الثَّالِثُ) أَنَّ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ أَنْ يَحْمَدَ لَا أَنْ يَكْتُبَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُزَنِيَّ حَمِدَ بِلِسَانِهِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ فَيَبْعُدُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَرْكُهُ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ (الرَّابِعُ) أَنَّ لَفْظَةَ الْحَمْدِ لَيْسَتْ مُتَعَيِّنَةً لِتَسْمِيَتِهِ حَمْدًا لِأَنَّ الْحَمْدَ الثَّنَاءُ وَقَدْ أَثْنَى الْمُزَنِيّ علي الله تعالى أَوَّلِ كِتَابِهِ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالتَّسْمِيَةُ مِنْ أَبْلَغِ الثَّنَاءِ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ كَمَا نَقَلْنَاهُ: وَذَكَرُوا أَجْوِبَةً كَثِيرَةً غَيْرَ مُرْضِيَةٍ فَتَرَكْتُهَا: وَأَمَّا مَعْنَى الْحَمْدُ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَحْمُودِ بجميل صفاته وأفعاله: والشكر الثناء عليه بالنعامه فَكُلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ وَلَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ شُكْرًا وَنَقِيضُ الْحَمْدِ الذَّمُّ وَنَقِيضُ الشُّكْرِ الْكُفْرُ: وَقَوْلُهُ الَّذِي وَفَّقَنَا قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ التَّوْفِيقُ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ وَالْخُذْلَانُ خَلْقُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُوَفَّقُ في شئ لا يعصي في ذلك الشئ إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْعِصْمَةُ هِيَ التَّوْفِيقُ فَإِنْ عَمَّتْ كَانَتْ تَوْفِيقًا عَامًّا وَإِنْ خَصَّتْ كَانَتْ تَوْفِيقًا خَاصًّا قَالُوا وَيَكُونُ الشُّكْرُ بِالْقَوْلِ
وَالْفِعْلِ وَيُقَالُ شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ وَيُقَالُ فِي لُغَةٍ غَرِيبَةٍ شَكَرْتُ بِهِ بِالْبَاءِ وَتَشَكَّرْتُ لَهُ كَشَكَرْتُهُ وَالشُّكْرَانُ خِلَافُ الْكُفْرَانِ: وَقَوْلُهُ وَهَدَانَا لِذِكْرِهِ الْمُرَادُ هُنَا بِالْهُدَى خُلُقُ الْإِيمَانِ وَاللُّطْفِ وَقَدْ يَكُونُ الْهُدَى بمعنى البيان ومنه (وأما ثمود فهد يناهم) أي بينا لهم طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمِثْلُهُ (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) (وهديناه النجدين) أَيْ بَيَّنَّا طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ: وَأَمَّا الذِّكْرُ فَأَصْلُهُ التَّنْبِيهُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ الْأَدِيبُ الشَّافِعِيُّ أَصْلُ الذكر في اللغة التنبيه علي الشئ وإذا ذكرته فقد تنبهت عَلَيْهِ وَمَنْ ذَكَّرَكَ شَيْئًا فَقَدْ نَبَّهَكَ عَلَيْهِ وليس من
[ ١ / ٧٤ ]
لَازِمِهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نِسْيَانٍ قَالَ وَمَعْنَى الذِّكْرِ حُضُورُ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ وَيَكُونُ تَارَةً بِالْقَلْبِ وَتَارَةً بِاللِّسَانِ وَتَارَةً بِهِمَا وَهُوَ أَفْضَلُ الذكر ويليه ذكر القلب والله أعلم * قال المصنف ﵀ (وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِهِ وَعَلَى آلِهِ وصحبه) (الشَّرْحُ) أَصْلُ الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ: وَقَالَ الزَّجَّاجُ أَصْلُهَا اللُّزُومُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الرَّحْمَةُ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ وَمِنْ الْآدَمِيِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ: وَأَمَّا تَسْمِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدٌ فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ رَجُلٌ مُحَمَّدٌ وَمَحْمُودٌ إذَا كَثُرَتْ خِصَالُهُ الْمَحْمُودَةُ: قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ الْمُجْمَلِ وَبِذَلِكَ سُمِّيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدٌ يَعْنِي أَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَهُ تَسْمِيَتَهُ بِهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ وَأَنْشَدَ أَبُو نصر اسماعيل بن حماد الجواهري فِي صِحَاحِهِ وَغَيْرُهُ إلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ كِلَالُهَا
* إلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ الْقَرْمُ بِفَتْحِ الْقَافِ السَّيِّدُ: وَقَوْلُهُ خَيْرِ خَلْقِهِ كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالْعُلَمَاءُ أَنَّهُ ﷺ خَيْرُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ والآدمين: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قُلْتُمْ بِالتَّفْضِيلِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رسوله ﷺ لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا
* أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِ بَعْضِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بِلَا خِلَافٍ: (الثَّانِي) أَنَّهُ ﷺ نَهَى
قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ خَيْرُ الْخَلْقِ فَلَمَّا عَلِمَ قَالَ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ (الثَّالِثُ) نَهَى تَأَدُّبًا وَتَوَاضُعًا (الرَّابِعُ) نَهَى لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْخُصُومَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي سَبَبِ ذَلِكَ (الْخَامِسُ) نَهَى عَنْ التَّفْضِيلِ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ لَا فِي ذَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا تَتَفَاوَتُ النُّبُوَّةُ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بِالْخَصَائِصِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ورفع بعضهم درجات): وَأَمَّا قَوْلُهُ وَعَلَى آلِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ مَوْجُودٌ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ وَاسْتَعْمَلَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ جَمِيعِ الطوائف:
[ ١ / ٧٥ ]
وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّيِّدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الِاقْتِضَابُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْكِتَابِ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ النَّحَّاسَ وَأَبَا بَكْرٍ الزُّبَيْدِيَّ قَالَا لَا يَجُوزُ إضَافَةُ آلِ إلَى مُضْمَرٍ فَلَا يُقَالُ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ وَأَهْلِهِ أَوْ وَآلِ مُحَمَّدٍ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ الْكِسَائِيّ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهُ: وَلَيْسَ قَوْلُهُ وَقَوْلُهُمَا بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ يُعَضِّدُهُ وَلَا سَمَاعَ يُؤَيِّدُهُ قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ وَآلِهِ فِي قِلَّةٍ وَذَكَرَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ حِكَايَةً فِيهَا إضَافَةُ آلِ إلَى مُضْمَرٍ ثُمَّ أَنْشَدَ أَبْيَاتًا كَثِيرَةً لِلْعَرَبِ فِي إضَافَةِ آلِ إلَى مُضْمَرٍ: مِنْهَا قَوْلُ عَبْدِ المطلب لا هم أن المرء يح
* مي رحله فامنع حلالك وانصر علي آل الصلي
* ب وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكَ يَعْنِي قُرَيْشًا وَكَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِمْ آلَ اللَّهِ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءُ فِي آلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ (وَالثَّانِي) عِتْرَتُهُ الْمَنْسُوبُونَ إلَيْهِ (وَالثَّالِثُ) أَهْلُ دِينِهِ كُلُّهُمْ وَأَتْبَاعُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُهَا إلَى الصَّوَابِ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ: وَأَمَّا صَحَابَتُهُ ﷺ فَفِيهِمْ مَذْهَبَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ إنَّ الصَّحَابِيَّ كُلُّ مُسْلِمٍ رَآهُ ﷺ وَبِهَذَا قَطَعَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَسَوَاءٌ جَالَسَهُ أَمْ لَا (وَالثَّانِي) وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ هُوَ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ وَمُجَالَسَتُهُ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُنَا فَمَجَازٌ مُسْتَفِيضٌ
لِلْمُوَافَقَةِ بَيْنَهُمْ وَشِدَّةِ ارْتِبَاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ كَالصَّاحِبِ حَقِيقَةً وَيُجْمَعُ صَاحِبٌ عَلَى صَحْبٍ كَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ: وَصِحَابٍ كجائع وجياع: وصبحة بِالضَّمِّ كَفَارِهٍ وَفَرَهَةٍ وَصُحْبَانٍ كَشَابٍّ وَشُبَّانٍ وَالْأَصْحَابُ جمع صحب كفرخ وأفراخ: والصاحبة الاصحاب وَجَمْعُ الْأَصْحَابِ أَصَاحِيبُ وَقَوْلُهُمْ فِي النِّدَاءِ صَاحِ مَعْنَاهُ صَاحِبِي هَكَذَا سُمِعَ مِنْ الْعَرَبِ مُرَخَّمًا وصحبته بكسر الحاء أصحبه بفتحها صحية بِضَمِّ الصَّادِ وَصَحَابَةً بِالْفَتْحِ: وَإِنَّمَا ثَنَّى الْمُصَنِّفُ ﵀ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ
[ ١ / ٧٦ ]
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لقوله تعالى (ورفعنا لك ذكرك) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ وَمَوَاضِعَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ مَعْنَاهُ لَا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرَتْ مَعِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَرَوَيْنَا هَذَا التَّفْسِيرَ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لِلرَّهَاوِيِّ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَاَللَّهُ أعلم: قال المصنف ﵀
* (هَذَا كِتَابٌ مُهَذَّبٌ أَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أُصُولَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِأَدِلَّتِهَا وَمَا تَفَرَّعَ عَلَى أُصُولِهِ فِي الْمَسَائِلِ المشكلة بعللها)
* (الشَّرْحُ) قَدْ يُقَالُ قَوْلُهُ هَذَا إشَارَةٌ إلَى حاضر وليس هنا الآن شئ يُشَارُ إلَيْهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ اسْتَعْمَلَهَا الْأَئِمَّةُ مِنْ جَمِيعِ أَصْحَابِ الْفُنُونِ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ وإمام النحوين سِيبَوَيْهِ ﵀ صَدَّرَ كِتَابَهُ بِهَا وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالنَّحْوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ عَنْهَا بِأَجْوِبَةٍ مَجْمُوعُهَا أَنَّهُ لَمَّا تَأَكَّدَ عَزْمُهُ عَلَى تَصْنِيفِهِ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الْمَوْجُودِ فَأَشَارَ إلَيْهِ وَذَلِكَ لُغَةُ الْعَرَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) وَنَظَائِرُهُ: وَمِنْ الْمُصَنِّفِينَ مَنْ يَتْرُكُ مَوْضِعَ الْخُطْبَةِ بَيَاضًا فَإِذَا فَرَغَ ذَكَرَهَا فَأَشَارَ إلَى حَاضِرٍ لِتَكُونَ عِبَارَتُهُ فِي الْخُطْبَةِ مُوَافِقَةً لِمَا ذَكَرَهُ: وَقَوْلُهُ كِتَابٌ أَصْلُ الْكَتْبِ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَمِنْهُ كَتِيبَةُ الْخَيْلِ لِتَتَابُعِهَا وَاجْتِمَاعِهَا فَسُمِّيَ كِتَابًا لِضَمِّ حُرُوفِهِ وَمَسَائِلِهِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ مَجَازًا وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ كَثِيرٌ وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ المصنفين كالجنس المستقل الجامع لا بواب: تِلْكَ الْأَبْوَابُ أَنْوَاعُهُ فَكِتَابُ الطَّهَارَةِ يَشْمَلُ بَابَ الْمِيَاهِ وَالْآنِيَةِ وَبَابَ الْوُضُوءِ وَغَيْرَهَا: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ كَتَبَ يَكْتُبُ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا
وجمعه كتب تضم التَّاءُ وَتُسَكَّنُ: وَقَوْلُهُ مُهَذَّبٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ التَّهْذِيبُ التَّنْقِيَةُ وَالتَّصْفِيَةُ وَالْمُهَذَّبُ الْمُنَقَّى مِنْ الْعُيُوبِ وَرَجُلٌ مُهَذَّبٌ مُطَهَّرُ الْأَخْلَاقِ: وَقَوْلُهُ أَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَهُ امْتِثَالًا لِقَوْلِ اللَّهِ تعالي (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) فَيُسَنُّ قَوْلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي كُلِّ شئ يُعْزَمُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يَدْخُلُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَاضِي فَلَا يُقَالُ خَرَجْتُ أَمْسِ إنْ شَاءَ الله والله أعلم: قال المصنف ﵀
* (وإلى الله الكريم أرغب أَنْ يُوَفِّقَنِي فِيهِ لِمَرْضَاتِهِ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ وَعَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عليه توكلت وهو حسبى ونعم الوكيل)
[ ١ / ٧٧ ]
(الشَّرْحُ) أَمَّا الْكَرِيمُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ مَعْنَاهُ الْمُفَضِّلُ وَقِيلَ الْعَفُوُّ وَقِيلَ الْعَلِيُّ قَالَ وَكُلُّ نَفِيسٍ كَرِيمٌ: وَقَوْلُهُ يوفقني تقدم بيانه: وقوله أن ينفع به هذا مما يرغبك في المهذب وَهُوَ دُعَاءُ هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَيَانِ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ: وَالدُّنْيَا اسْمٌ لِهَذِهِ الدَّارِ وَمَا فِيهَا سُمِّيَتْ بِهِ لِدُنُوِّهَا وَقُرْبِهَا وَيُنْسَبُ إلَيْهَا دُنْيَاوِيُّ وَدُنْيَوِيٌّ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَدُنْيِيُّ: وَقَوْلُهُ إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ اقتداء بصالح صلي الله عليه وسلم في قوله (إن ربي قريب مجيب) وَتَأَدُّبًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دعوة الداع) قَالُوا وَمَعْنَى قَرِيبٌ أَيْ بِالْعِلْمِ كَمَا فِي قوله تعالى (وهو معكم): وَقَوْلُهُ وَهُوَ حَسْبِي أَيْ الَّذِي يَكْفِينِي: وَالْوَكِيلُ الحافظ وقيل الموكل إلَيْهِ تَدْبِيرُ خَلْقِهِ: وَقِيلَ الْقَائِمُ بِمَصَالِحِهِمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ قَوْلُ الْإِنْسَانِ وَحَسْبِي اللَّهُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ وَحَسْبُنَا اللَّهُ لِمَا فِي الثاني من التعظيم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ الله) قَالَ وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ فِي قَوْلِكَ وَحَسْبِي اللَّهُ أَوْ وَحَسْبُنَا اللَّهُ إعْلَامٌ بِأَنَّكَ لَمْ تُضْرِبْ عَنْ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ قَالَ وَلَوْ حَذَفْتَهَا جَازَ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ قَوْلُ حَسْبِي اللَّهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حسبى الله): وَقَالَ تَعَالَى (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) الْآيَةَ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إبْرَاهِيمُ ﷺ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ
وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ كَانَ آخِرُ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ ﷺ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: وَاقْتَدَى الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي كُتُبِهِمْ وَغَيْرِهَا بِهَذَا وَخَتَمُوا كَلَامَهُمْ بِحَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل: قال المصنف ﵀
[ ١ / ٧٨ ]