* قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُوضَعَ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ ثُمَّ يُسَلُّ سَلًّا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُوضَعُ عَرْضًا مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَدْخُلُ القبر مُعْتَرِضًا وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ الصَّحَابِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ مِثْلَ مَذْهَبِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَابْنِهِ محمد واسحق بْنِ رَاهْوَيْهِ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ كِلَاهُمَا سَوَاءٌ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ كَمَذْهَبِنَا
* وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُدْخِلَ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ أَفْضَلُ
* وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ " وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ
الْقَبْرِ وَقَالَ هَذَا مِنْ السُّنَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ فِيهِ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا مَرْفُوعٌ وَلِأَنَّ سَلَّهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ عَمَلُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَنْ اهل مكة والمدينة من الصحابة ومن بعد هم وَهُمْ بِأُمُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِمْ (وَأَمَّا) مَا احْتَجَّ به
[ ٥ / ٢٩٤ ]
الْحَنَفِيَّةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ فَكُلُّهَا رِوَايَاتٌ ضَعِيفَةٌ رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ وَبَيَّنَ ضَعْفَهَا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَسَنٌ لِأَنَّهُ رَوَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْن أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ وَهَذَا الْجَوَابُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَصَوُّرِ إدْخَالِهِ ﷺ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ إنَّ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ وَأَطْنَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي الشَّنَاعَةِ عَلَى مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ وَنَسَبَهُ إلَى الْجَهَالَةِ وَمُكَابَرَةِ الْحِسِّ وَإِنْكَارِ الْعَيْنِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ هَذَا الَّذِي نَقَلُوهُ مِنْ أَقْبَحِ الْغَلَطِ لِأَنَّ شِقَّ قَبْرِهِ ﷺ لَاصِقٌ بِالْجِدَارِ وَلَحْدَهُ تَحْتَ الْجِدَارِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَوْضِعٌ يُوضَعُ فِيهِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَمُوَافِقِيهِ وَرَأَيْت أَنَا فِي الْأُمِّ مثله وزيادة قال الشافعي الجدار الذى اللحد تَحْتَهُ مِثْلُهُ وَاللَّحْدُ تَحْتَ الْجِدَارِ فَكَيْفَ يُدْخَلُ مُعْتَرِضًا وَاللَّحْدُ لَاصِقٌ بِالْجِدَارِ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ شئ وَلَا يُمْكِنُ إلَّا أَنْ يُسَلَّ سَلًّا أَوْ يُدْخَلَ مِنْ غَيْرِ الْقِبْلَةِ قَالَ وَأُمُورُ الْمَوْتَى وَإِدْخَالُهُمْ الْقَبْرَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَنَا لِكَثْرَةِ الْمَوْتِ وَحُضُورِ الْأَئِمَّةِ وَأَهْلِ الثِّقَةِ وَهُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي يُسْتَغْنَى فِيهَا عَنْ الْحَدِيثِ فيكون الحديث فيها كالتكليف لِاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي مَعْرِفَتِهَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا يَنْقُلُ الْعَامَّةُ عَنْ الْعَامَّةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ يُسَلُّ سَلًّا ثُمَّ جَاءَنَا آتٍ مِنْ غَيْرِ بَلَدِنَا يُعَلِّمُنَا كَيْفَ الْمَيِّتُ ثُمَّ لَمْ يَرْضَ حَتَّى رَوَى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مُعْتَرِضًا هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةُ إبْرَاهِيمَ مُرْسَلَةٌ ضَعِيفَةٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ أَسْهَلُ فَكَانَ أَوْلَى (وَمَا) ادَّعُوهُ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (فَجَوَابُهُ) أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ بِشَرْطَيْنِ أَنْ يُمْكِنَ وَلَا يُنَابَذَ سُنَّةً وَهَذَا لَيْسَ مُمْكِنًا
وَمُنَابِذًا لِلسُّنَّةِ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي سَتْرِ الْمَيِّتِ عِنْدَ إدْخَالِهِ الْقَبْرَ بِثَوْبٍ
* قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وأحمد يستحب في قبر الميت دُونَ الرَّجُلِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بريد وَشُرَيْحٍ يَكْرَهَانِ ذَلِكَ فِي قَبْرِ الرَّجُلِ * قَالَ المصنف ﵀
* ﴿وَلَا يُزَادُ فِي التُّرَابِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْ الْقَبْرِ فَإِنْ زَادُوا فَلَا بَأْسَ بِهِ
* وَيُشَخَّصُ الْقَبْرُ مِنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ لِمَا رَوَى القاسم ابن مُحَمَّدٍ قَالَ " دَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْت اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصاحبيه فشكفت عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةَ وَلَا لَاطِئَةَ " ويصطح القبر ويضع عَلَيْهِ الْحَصَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ ﵁ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ مِنْ حَصْبَاءِ الْعَرْصَةِ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ ﵀ الْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا أَنْ يُسَنَّمَ لِأَنَّ التَّسْطِيحَ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ صَحَّتْ فِيهِ فَلَا يَضُرُّ مُوَافَقَةُ الرَّافِضَةِ فيه ويرش عليه فِيهِ وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لِمَا رَوَى جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
[ ٥ / ٢٩٥ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ ابراهيم الْمَاءَ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَرُشَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ زَالَ أَثَرُهُ فَلَا يُعْرَفُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ عِنْدَ رَأْسِهِ عَلَامَةٌ مِنْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَنَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَوَضَعَ عِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرًا وَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ فَيُزَارُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُجَصَّصَ القبر وأن يبني عليه وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ " نَهَى رسول الله صلي عليه وسلم ان يجصص القبرو أن يبني عليه أو يعقد أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الزِّينَةِ﴾
* ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ الْقَاسِمِ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَقَوْلُهُ لَا مُشْرِفَةَ أَيْ مُرْتَفِعَةً ارْتِفَاعًا كَثِيرًا وَقَوْلُهُ وَلَا لَاطِئَةَ هُوَ بِهَمْزِ آخِرِهِ أي ولا لا صقة بِالْأَرْضِ يُقَالُ لَطِئَ وَلَطَأَ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا وَآخِرُهُ مَهْمُوزٌ فِيهِمَا إذَا لَصِقَ (وَأَمَّا) حَدِيثُ قَبْرِ إبْرَاهِيمَ وَرَشُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَوَضْعُ الْحَصْبَاءِ عَلَيْهِ فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضعيف (واما) حديث عثمان بن مظعون وضع الْحَجَرِ عِنْدَ رَأْسِهِ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْفَصْلِ الاول من الدفن (وأما) حديث جابر الا خير فرواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهما
لَكِنَّ لَفْظَ رِوَايَتِهِمْ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ " وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ يُكْتَبَ وَوَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ بِزِيَادَةِ " يُكْتَبَ عليه وأن يوطأ " وقال حديث حسن وَوَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد زِيَادَةٌ وَأَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ الْمُهَذَّبِ وَأَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ الْعَيْنِ عَلَى الْقَافِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَسَائِرِ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ يُقْعَدُ بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْعَيْنِ مِنْ الْقُعُودِ الَّذِي هُوَ الْجُلُوسُ وَالْحَصْبَاءُ بِالْمَدِّ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْحَصَا الصِّغَارُ وَالْعَرْصَةُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ كُلُّ جُونَةٍ مُنْفَتِقَةٍ لَيْسَ فِيهَا بِنَاءٌ فَهِيَ عَرْصَةٌ وَالشِّعَارُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْعَلَامَةُ وَالرَّافِضَةُ الطَّائِفَةُ الْمُبْتَدِعَةُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِرَفْضِهِمْ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ فَلَزِمَ هَذَا الِاسْمُ كل من غلامنهم فِي مَذْهَبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا الْأَحْكَامُ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَادَ الْقَبْرُ عَلَى التُّرَابِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ إنَّمَا قُلْنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَادَ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ الْقَبْرُ ارْتِفَاعًا كَثِيرًا قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ زَادَ فَلَا بَأْسَ قَالَ أَصْحَابُنَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ وَيُسْتَدَلُّ لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا وَهِيَ قَوْلُهُ وَأَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ (الثَّانِيَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُرْفَعَ الْقَبْرُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ التَّتِمَّةِ اسْتَثْنَى فَقَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفْنُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُخْفَى قَبْرُهُ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مَخَافَةَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ الْكُفَّارُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمُسْلِمِينَ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ " أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ لا نَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتُهُ " (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَ بِهِ أَصْحَابُنَا
[ ٥ / ٢٩٦ ]
قَالُوا لَمْ يُرِدْ التَّسْوِيَةَ بِالْأَرْضِ وَإِنَّمَا أَرَادَ تَسْطِيحَهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ (الثَّالِثَةُ) تَسْطِيحُ الْقَبْرِ وَتَسْنِيمُهُ وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) التَّسْطِيحُ أَفْضَلُ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَخَلَائِقُ وَصَحَّحَهُ جُمْهُورُ الْبَاقِينَ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَرَّحُوا بِتَضْعِيفِ التَّسْنِيمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ
(وَالثَّانِي)
التَّسْنِيمُ أَفْضَلُ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ أنه
قول عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَخَلَائِقُ مِنْ الْأَصْحَابِ وَمِمَّنْ رَجَّحَ التَّسْنِيمَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَادَّعَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى تَفْضِيلِ التَّسْطِيحِ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَبَقَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ ﵏ التَّسْنِيمُ أَفْضَلُ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبَيْنِ فِي الْكِتَابِ: وَرَدَّ الْجُمْهُورُ عَلَى ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ في دعوه أَنَّ التَّسْنِيمَ أَفْضَلُ لِكَوْنِ التَّسْطِيحِ شِعَارَ الرَّافِضَةِ فَلَا يَضُرُّ مُوَافَقَةُ الرَّافِضِيِّ لَنَا فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ مُوَافَقَتُهُمْ لَنَا سَبَبًا لِتَرْكِ مَا وَافَقُوا فِيهِ لَتَرَكْنَا وَاجِبَاتٍ وَسُنَنًا كَثِيرَةً (فَإِنْ قِيلَ) صَحَّحْتُمْ التَّسْطِيحَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ﵀ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ قَالَ " رَأَيْت قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ ﵀
[ ٥ / ٢٩٧ ]
قَالَ صَحَّتْ رِوَايَةُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّابِقَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ وَصَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَنَقُولُ الْقَبْرُ غُيِّرَ عَمَّا كَانَ فَكَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ مُسَطَّحًا كَمَا قَالَ الْقَاسِمُ ثُمَّ لَمَّا سَقَطَ الْجِدَارُ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وقيل في زمن عمر بن عبد العزير أُصْلِحَ فَجُعِلَ مُسَنَّمًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ أَصَحُّ وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الرَّابِعَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْقَبْرِ حَصْبَاءُ وَهُوَ الْحَصَا الصِّغَارُ لِمَا سَبَقَ وَأَنْ يُرَشَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ يُكْرَهُ أَنْ يُرَشَّ عَلَيْهِ مَاءُ الْوَرْدِ وَأَنْ يُطْلَى بِالْخُلُوفِ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ (الْخَامِسَةُ) السُّنَّةُ أَنْ يُجْعَلَ عِنْدَ رَأْسِهِ عَلَامَةٌ شَاخِصَةٌ مِنْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا هَكَذَا قاله الشافعي والمصنف وسائر الاصحاب الاصاحب الْحَاوِي فَقَالَ يُسْتَحَبُّ عَلَامَتَانِ (إحْدَاهُمَا) عِنْدَ رَأْسِهِ (وَالْأُخْرَى) عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَالَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ حَجَرَيْنِ كَذَلِكَ عَلَى قبر عثمان ابن مَظْعُونٍ كَذَا قَالَ وَالْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَاتِ حَدِيثِ عُثْمَانَ حَجَرٌ وَاحِدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (السَّادِسَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُكْرَهُ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ اسْمُ صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُكْرَهُ دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَلَا فَرْقَ فِي الْبِنَاءِ بَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ قُبَّةً أَوْ بَيْتًا أَوْ غَيْرَهُمَا ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ مَقْبَرَةً مُسَبَّلَةً حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُهْدَمُ هَذَا الْبِنَاءُ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ
فِي الْأُمِّ وَرَأَيْت مِنْ الْوُلَاةِ مَنْ يهدم ما بني فيها قال وَلَمْ أَرَ الْفُقَهَاءَ يَعِيبُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنْ كَانَ الْقَبْرُ فِي مِلْكِهِ جَازَ بِنَاءُ مَا شَاءَ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَلَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَكْتُوبُ عَلَى الْقَبْرِ فِي لَوْحٍ عِنْدَ رَأْسِهِ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ أَمْ فِي غَيْرِهِ فَكُلُّهُ مَكْرُوهٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ فِي كَرَاهَةِ التَّجْصِيصِ لِلْقَبْرِ فِي مِلْكِهِ أَوْ الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ وَأَمَّا تَطْيِينُ الْقَبْرِ فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يكره ونقل ابوعيسي الترمذي في جامعه المشهور أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ لَا بَأْسَ بِتَطْيِينِ الْقَبْرِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ لَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ.
(فَرْعٌ)
قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ يُكْرَهُ أَنْ يُضْرَبَ عَلَى الْقَبْرِ مِظَلَّةٌ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ رَأَى مِظَلَّةً عَلَى قَبْرٍ فَأَمَرَ بِرَفْعِهَا وَقَالَ دَعُوهُ يُظِلُّهُ عَمَلُهُ.
قال المصنف ﵀.
﴿إذا دفن الميت قبل الصلاة صلى علي القبر لان الصلاة تصل إليه في القبر وإن دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ أَوْ إلَى غَيْرِ القبلة ولم يخش عليه الفساد في نبشه نبش وغسل ووجه إلى القبلة لانه واجب مقدور علي فعله فوجب فعله وان خشي عليه الفساد لم ينبش لانه تعذر فعله فسقط كما يسقط وضوء الحى واستقبال القبلة في الصلاة إذا تعذر﴾ .
﴿الشَّرْحُ﴾ قَالَ أَصْحَابُنَا يَحْرُمُ الدَّفْنُ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنْ ارْتَكَبُوا الْحَرَامَ وَدَفَنُوهُ أَوْ لَمْ يحضره
[ ٥ / ٢٩٨ ]
مَنْ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ وَدُفِنَ لَمْ يَجُزْ نَبْشُهُ للصلاة بل تجب للصلاة عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزَةٌ وَعَلَى الْقُبُورِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ وَالْغَائِبِ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي فَصْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ هَذَا إذَا دُفِنَ وَهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَأَمَّا إذَا أُدْخِلَ اللَّحْدَ وَلَمْ يُهَلْ التُّرَابُ فَيُخْرَجُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ
(أَحَدِهِمَا)
قِلَّةُ الْمَشَقَّةِ وَكَثْرَتُهَا
(وَالثَّانِي)
أَنَّ إخْرَاجَهُ بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ نَبْشٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَقَبْلَ أَنْ يُهَالَ ليس بنبش دل أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ أَنْ يُهَالَ التُّرَابُ رُفِعَتْ لَبِنَةٌ مِمَّا يُقَابِلُ وَجْهَهُ لِيُنْظَرَ بَعْضُهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ
وَهَذَا خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ هَذَا كَلَامُ أَبِي مُحَمَّدٍ (قُلْت) وَهَذَا النَّصُّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَمَّا إذَا دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ فَيَأْثَمُونَ بِلَا خِلَافٍ إنْ تمكنوا من غسله وكان ممن يجب غلسه فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ تَغَيَّرَ وَخُشِيَ فَسَادُهُ لَوْ نُبِشَ لَمْ يَجُزْ نَبْشُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ انتهاك حُرْمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَجَبَ نَبْشُهُ وَغُسْلُهُ ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَوَجَبَ فِعْلُهُ وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ النَّبْشُ لِلْغُسْلِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بَلْ يُكْرَهُ نَبْشُهُ وَلَا يَحْرُمُ وَحَكَى صَاحِبُ الْحَاوِي وَآخَرُونَ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ نَبْشُهُ للغسل وإن تغير وفسد قال الرافعي مادام مِنْهُ جُزْءٌ مِنْ عَظْمٍ وَغَيْرِهِ وَاتَّفَقَ الَّذِينَ حَكَوْا هَذَا الْوَجْهَ عَلَى ضَعْفِهِ وَفَسَادِهِ أَمَّا إذَا دُفِنَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ الدَّفْنُ إلَى الْقِبْلَةِ وَاجِبٌ كَمَا سَبَقَ قَالُوا فَيَجِبُ نَبْشُهُ وَتَوْجِيهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَإِنْ تَغَيَّرَ سَقَطَ فَلَا يُنْبَشُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَصْحَابِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ إلَّا الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ لَا يَجِبُ التَّوْجِيهُ إلَى الْقِبْلَةِ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ فَإِذَا تُرِكَ اُسْتُحِبَّ نَبْشُهُ وَلَا يَجِبُ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي هَذَا الْبَابِ (أَمَّا) إذَا دُفِنَ بِلَا تَكْفِينٍ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ
(أَحَدُهُمَا)
يُنْبَشُ كَمَا يُنْبَشُ لِلْغُسْلِ (وَأَصَحُّهُمَا) لَا يُنْبَشُ وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالسَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِيِّ وَآخَرُونَ لَا يُنْبَشُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَتْرُهُ وَقَدْ حَصَلَ وَلِأَنَّ فِي نَبْشِهِ هَتْكًا لِحُرْمَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَلَوْ دُفِنَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ اُسْتُحِبَّ لِصَاحِبِهَا تَرْكُهُ فَإِنْ أَبَى فَلَهُ إخْرَاجُهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ وَتَفَتَّتَ وَكَانَ فِيهِ هَتْكٌ لِحُرْمَتِهِ إذلا حُرْمَةَ لِلْغَاصِبِ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا وَلَوْ دُفِنَ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مَسْرُوقٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهَا) يُنْبَشُ كَمَا لَوْ دُفِنَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ نَبْشُهُ بَلْ يُعْطَى صَاحِبُ الثَّوْبِ قِيمَتَهُ لِأَنَّ الثَّوْبَ صَارَ كَالْهَالِكِ بِخِلَافِ الْأَرْضِ وَلِأَنَّ خَلْعَ الثَّوْبِ أَفْحَشُ فِي هَتْكِ حُرْمَتِهِ مِنْ رَدِّ
[ ٥ / ٢٩٩ ]
الْأَرْضِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ والعبد رى وَهُوَ قَوْلُ الدَّارَكِيِّ وَأَبِي
حَامِدٍ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ عَنْ الْأَصْحَابِ مُطْلَقًا (وَالثَّالِثُ) إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ وَكَانَ فِي نَبْشِهِ هَتْكٌ لِحُرْمَتِهِ لَمْ يُنْبَشْ وَإِلَّا نُبِشَ وصححه صاحب العدة والشيخ تصر الْمَقْدِسِيُّ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ لِأَنْفُسِهِمَا بَعْدَ حِكَايَتِهِمَا عَنْ الْأَصْحَابِ مَا قَدَّمْته وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ وَلَوْ كُفِّنَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي نَبْشِهِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ وَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِأَنَّهُ لَا يُنْبَشُ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ فَإِنْ نَبَشَهُ لِحَقِّ مَالِكِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إذَا دُفِنَ مِنْ غير غسل اوالي غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَجِبُ نَبْشُهُ لِيُغَسَّلَ وَيُوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ ذَلِكَ بعد اهالة التراب عليه
*
* قال المصنف ﵀
* ﴿وان وقع في القبر مال لآدمي فطالب به صاحبه نبش القبر لما روى ان المغيرة بن شعبة ﵁ طرح خاتمه في قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ خاتمي ففتح موضع فيه فاخذه وكان يقول انا اقربكم عهدا برسول الله صلي الله عليه وسلم ولانه يمكن رد المال الي صاحبه من غير ضرر فوجب رده عليه وان بلع الميت جوهرة لغيره وطالب بها صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة وان كانت الجوهرة له ففيه وجهان (احدهما) يشق لانها صارت للورثة فهي كجوهرة الأجنبي
(والثانى)
لا يجب لانه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الورثة﴾ .
﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ الْمُغِيرَةَ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ وَهُوَ شَيْخُ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ وَيُقَالُ خَاتَمٌ - بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا - وَخَاتَامٌ وَخِتَامٌ وَقَوْلُهُ بَلِعَ بِكَسْرِ اللَّام يُقَال بَلِعَ يَبْلَعُ كَشَرِبَ يَشْرَبُ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَالٌ نُبِشَ وَأُخْرِجَ سَوَاءٌ كَانَ خَاتَمًا أَوْ غَيْرَهُ قليلا أو كثيرا هكذا اطلقه اصحابنا وقيدها الْمُصَنِّفُ بِمَا إذَا طَلَبَهُ صَاحِبُهُ وَلَمْ يُوَافِقُوهُ عَلَى التَّقْيِيدِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ النَّبْشِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ طُرُقِهِمْ وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ بِحِكَايَةِ وَجْهٍ أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ قَالَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وبهذا الْوَجْهُ غَلَطٌ أَمَّا إذَا بَلِعَ جَوْهَرَةً لِغَيْرِهِ.
أو غيرها فطريقان (الصحيح) منها وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ أَنَّهُ إذَا طَلَبَهَا صَاحِبُهَا شُقَّ جَوْفُهُ وَرُدَّتْ إلَى صَاحِبِهَا (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) فِيهِ وَجْهَانِ مِمَّنْ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ
وَالشَّاشِيُّ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا
(وَالثَّانِي)
لَا يُشَقُّ بَلْ يَجِبُ قِيمَتُهَا فِي تَرِكَتِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا وَهُوَ سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الانصاري فضعفه احمد بن حنبل ووثقه الا كثرون وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَهُوَ كَافٍ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد مَعَ قَاعِدَتِهِ الَّتِي قَدَّمْنَا بَيَانَهَا قَالُوا وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كَسْرَ الْعَظْمِ وَشَقَّ الْجَوْفِ فِي الْحَيَاةِ لَا يَجُوزُ
[ ٥ / ٣٠٠ ]
لِاسْتِخْرَاجِ جَوْهَرَةٍ وَغَيْرِهَا فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْمَكَارِمِ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَهُوَ غَيْرُ صَاحِبِ الْعُدَّةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يَنْقُلُ عنه صاحب البيان واطلقه انافى هَذَا الشَّرْحِ أَنَّهُ قَالَ يُشَقُّ جَوْفُهُ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ الْوَرَثَةُ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَهُ فَلَا يُشَقُّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا النَّقْلُ غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ لِلْأَصْحَابِ إطْلَاقُ الشَّقِّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ أَمَّا إذَا بَلِعَ جَوْهَرَةً لِنَفْسِهِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا قَلَّ مَنْ بَيَّنَ الْأَصَحَّ منهما مع شهر تهما فصحح الجرجاني في الشافعي والعبد رى فِي الْكِفَايَةِ الشَّقَّ وَقَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ بِأَنَّهُ لَا يُشَقُّ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ في التعليق وقول الاول أنخا صَارَتْ لِلْوَارِثِ غَلَطٌ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَصِيرُ لِلْوَارِثِ إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فَأَمَّا الْمُسْتَهْلَكَةُ فَلَا وَهَذِهِ مُسْتَهْلَكَةٌ وَأَجَابَ الْأَوَّلُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً لَمَا شُقَّ جَوْفُهُ بِجَوْهَرَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَحَيْثُ قُلْنَا يُشَقُّ جَوْفُهُ وَتُخْرَجُ فَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ الشَّقِّ نُبِشَ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَحْنُونٌ الْمَالِكِيُّ يُشَقُّ مُطْلَقًا وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ لا يشق.
* قال المصنف ﵀
* ﴿وإن مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَفِي جَوْفِهَا جَنِينٌ حَيٌّ شُقَّ جوفها لانه استبقاء حي باتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر الي أكل جزء من الميت﴾
* ﴿الشَّرْحُ﴾ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا نَصٌّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَخَلَائِقُ مِنْ
الْأَصْحَابِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَفِي جَوْفِهَا جَنِينٌ حَيٌّ شُقَّ جَوْفُهَا وَأُخْرِجَ فَأَطْلَقَ ابْنُ سُرَيْجٍ الْمَسْأَلَةَ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَيْسَ هُوَ كَمَا أَطْلَقَهَا ابْنُ سُرَيْجٍ بَلْ يعرض علي القوابل فان قلنا هَذَا الْوَلَدُ إذَا أُخْرِجَ يُرْجَى حَيَاتُهُ وَهُوَ ان يكون له سنة اشهر فصاعدا شق جوفها واخرج وإن قلنا لَا يُرْجَى بِأَنْ يَكُونَ لَهُ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يُشَقَّ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِانْتِهَاكِ حُرْمَتِهَا فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ (قُلْت) وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ والعبد رى فِي الْكِفَايَةِ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي والبغوى وغبرهم في الذى لا يرجى حياته وجهين (احداهما) يُشَقُّ
(وَالثَّانِي)
لَا يُشَقُّ قَالَ الْبَغَوِيّ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فَإِذَا قُلْنَا لَا تشق لَمْ تُدْفَنْ حَتَّى تَسْكُنَ حَرَكَةُ الْجَنِينِ وَيُعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَنَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ وَهُوَ مَوْجُودٌ كَذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ إلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ تَعْلِيقِهِ قَبْلَ بَابِ الشَّهِيدِ بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ وَالْمُصَنِّفُ في التنبيه
[ ٥ / ٣٠١ ]
فقالوا ترك عليه شئ ثَقِيلٌ حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ تُدْفَنُ الْمَرْأَةُ وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَشَدَّ إنْكَارٍ وَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِقَتْلِ حَيٍّ مَعْصُومٍ وَإِنْ كَانَ ميؤوسا مِنْ حَيَاتِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُ يَقْتَضِي الْقَتْلَ ومختصر المسألة ان رجى حياة الجنين وجب شق جوفها واخراجه والافثلاثة أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) لَا تُشَقُّ وَلَا تُدْفَنُ حَتَّى يَمُوتَ (وَالثَّانِي) تُشَقُّ وَيُخْرَجُ (وَالثَّالِثُ) يُثْقَلُ بَطْنُهَا بشئ لِيَمُوتَ وَهُوَ غَلَطٌ وَإِذَا قُلْنَا يُشَقُّ جَوْفُهَا شُقَّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ هَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ يَنْبَغِي أَنْ تُشَقَّ فِي الْقَبْرِ فَإِنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا
* (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ (إحْدَاهَا) قَالَ اصحابنا لا يُكْرَهُ الدَّفْنُ بِاللَّيْلِ لَكِنْ الْمُسْتَحَبُّ دَفْنُهُ نَهَارًا قَالُوا وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ كَرِهَهُ
* وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَالَ " زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إنْسَانٌ إلَى ذَلِكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ
* دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ (مِنْهَا) حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ مَتَى دُفِنَ هَذَا فَقَالُوا الْبَارِحَةَ قَالَ أَفَلَا آذَنْتُمُونِي قَالُوا دفناه في ظلمة الليل فكرهنا ان نوقضك فصلي عليه " رواه البخاري وعن جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ " رَأَى نَاسٌ نَارًا فِي الْمَقْبَرَةِ فَأَتَوْهَا فَإِذَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ وَإِذَا هُوَ يَقُولُ نَاوِلُونِي صَاحِبَكُمْ وَإِذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ
* وَاحْتَجَّ بِهِ أَبُو دَاوُد فِي الْمَسْأَلَةِ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ لَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُعْتَمَدَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ " إلَى آخِرِهِ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ قُلْنَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْن أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اُعْتُضِدَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِغَيْرِهِ فَصَارَ حَسَنًا قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَدُفِنَتْ عَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَيْلًا فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ عَنْ دَفْنِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّانِيَةُ) الدَّفْنُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا إذَا لَمْ يَتَحَرَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ عِنْدَنَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي أَوَّلِ بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ إجْمَاعَ العلماء عليه وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ﵀ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ " ثَلَاثُ سَاعَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا وَذَكَرَ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَاسْتِوَائِهَا
[ ٥ / ٣٠٢ ]
وَغُرُوبِهَا " وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلَّ عَلَى تَرْكِ ظَاهِرِهِ فِي الدَّفْنِ وَأَجَابَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَحَرِّي هَذِهِ الاوقات لِلدَّفْنِ وَقَصَدَ ذَلِكَ قَالُوا وَهَذَا مَكْرُوهٌ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَرَّهُ فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا هُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ وَهَذَا الْجَوَابُ أَحْسَنُ مِنْ الْأَوَّلِ (الثَّالِثَةُ) فِي نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ قَبْلَ دَفْنِهِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي قَالَ
الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا أُحِبُّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيُخْتَارُ أَنْ يُنْقَلَ إلَيْهَا لِفَضْلِ الدَّفْنِ فِيهَا وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَنْدَنِيجِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ يُكْرَهُ نَقْلُهُ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمُتَوَلِّي يَحْرُمُ نَقْلُهُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَلَوْ أَوْصَى بِنَقْلِهِ لَمْ تُنَفَّذْ وَصِيَّتُهُ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِتَعْجِيلِ دَفْنِهِ وَفِي نَقْلِهِ تَأْخِيرُهُ وَفِيهِ أَيْضًا انتها كه مِنْ وُجُوهٍ وَتَعَرُّضُهُ لِلتَّغَيُّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ " كُنَّا حَمَلْنَا الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ لِنَدْفِنَهُمْ فَجَاءَ مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم " رواه أبو داود والترمذي والنسأني بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَأَمَّا) نَبْشُ الْقَبْرِ فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَيَجُوزُ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ كَنَحْوِ مَا سَبَقَ وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَبْشُ الْقَبْرِ إذَا بَلِيَ الْمَيِّتُ وَصَارَ تُرَابًا وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ دَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ وَيَجُوزُ زَرْعُ تِلْكَ الْأَرْضِ وبنائها وَسَائِرُ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَإِنْ كَانَتْ عَارِيَّةً رَجَعَ فِيهَا الْمُعِيرُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَبْقَ لِلْمَيِّتِ أَثَرٌ مِنْ عَظْمٍ وَغَيْرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَرْضِ وَيُعْتَمَدُ فِيهِ قَوْلُ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا وَيَجُوزُ نَبْشُ الْمَيِّتِ إذَا دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ بِلَا غُسْلٍ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا أَوْ بِلَا كَفَنٍ أَوْ فِي كَفَنٍ مَغْصُوبٍ أَوْ حَرِيرٍ أَوْ أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً أَوْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَالٌ عَلَى مَا سَبَقَ فِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ إذَا لَحِقَ الْقَبْرَ سَيْلٌ أَوْ نَدَاوَةٌ قال أبو عبد الله الزبيري يجوز نقله وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ قُلْت قَوْلُ الزُّبَيْرِيِّ أَصَحُّ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ " أَنَّهُ دَفَنَ أَبَاهُ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ فِي قَبْرٍ قَالَ ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هَيْئَةً غَيْرَ أُذُنِهِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا " أَخْرَجْته فَجَعَلْته فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي المعارف وغيره ان طلحة بن عبد اللَّهِ أَحَدَ الْعَشَرَةِ ﵃ دُفِنَ فرأنه بِنْتُهُ عَائِشَةُ بَعْدَ دَفْنِهِ بِثَلَاثِينَ سَنَةً فِي الْمَنَامِ فَشَكَا إلَيْهَا النَّزَّ فَأَمَرَتْ بِهِ فَاسْتُخْرِجَ طَرِيًّا فَدُفِنَ فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ قَالَ غَيْرُهُ قَالَ الرَّاوِي كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى الْكَافُورِ فِي عَيْنَيْهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ إلَّا عَقِيصَتُهُ فَمَالَتْ عَنْ مَوْضِعِهَا وَاخْضَرَّ شِقُّهُ الَّذِي يَلِي النَّزَّ (الرَّابِعَةُ) قَالَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ تَلْقِينُ
الْمَيِّتِ عَقِبَ دَفْنِهِ فَيَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِهِ إنْسَانٌ وَيَقُولُ يَا فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ وَيَا عَبْدَ اللَّهِ ابن أَمَةِ اللَّهِ اُذْكُرْ الْعَهْدَ
[ ٥ / ٣٠٣ ]
الَّذِي خَرَجْت عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لا اله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ وأن البعث حق وأن الساعة آتية لاريب فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَأَنَّك رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا زَادَ الشَّيْخُ نَصْرٌ ربي الله لا إله الا هو عله تَوَكَّلْت وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فَهَذَا التَّلْقِينُ عندهم مستحب ممن نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا وَسُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ عَنْهُ فَقَالَ التَّلْقِينُ هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ قَالَ وَرَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَائِمِ لَكِنْ اُعْتُضِدَ بِشَوَاهِدَ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ قَدِيمًا هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو قُلْت حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَلَفْظُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ قَالَ " شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ ﵁ وَهُوَ فِي النَّزْعِ فَقَالَ إذَا مِتُّ فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إخْوَانِكُمْ فَسَوَّيْتُمْ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ ثُمَّ لِيَقُلْ يَا فُلَانَ ابْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ ثُمَّ يَقُولُ يَا فُلَانَ ابْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا ثُمَّ يَقُولُ يا فلان ابن فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ أَرْشِدْنَا رَحِمَك اللَّهُ وَلَكِنْ لا تشعرون فَلْيَقُلْ اُذْكُرْ مَا خَرَجْت عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّك رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ أُمَّهُ قَالَ فَيَنْسُبُهُ إلَى أُمِّهِ حَوَّاءَ يَا فُلَانَ ابْنَ حَوَّاءَ " قُلْتُ فَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَيُسْتَأْنَسُ بِهِ وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْمُسَامَحَةِ فِي أَحَادِيثِ الْفَضَائِلِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَقَدْ اُعْتُضِدَ بِشَوَاهِدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ كَحَدِيثِ " وَاسْأَلُوا لَهُ الثبيت " وَوَصِيَّةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُمَا صَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا قَرِيبًا وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا فِي زَمَنِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَى الْآنَ وَهَذَا التَّلْقِينُ إنَّمَا " هُوَ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ الْمَيِّتِ أَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يُلَقَّنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْخَامِسَةُ) ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ
أَنَّهُ يُكْرَهُ إيقَادُ النَّارِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ التَّعْزِيَةِ كَرَاهِيَةُ الْمَبِيتِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَكَرَاهَةُ الْجُلُوسِ عَلَى قَبْرٍ وَدَوْسِهِ وَالِاسْتِنَادِ إلَيْهِ وَالِاتِّكَاءِ عَلَيْهِ