(إحْدَاهَا) قَالَ الْمُتَوَلِّي لَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ فَسَلَّمَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ ثُمَّ سَلَّمَ الْإِمَامُ ثَانِيًا فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُومُ قَدْ سَلَّمْتَ قَبْلَ هَذَا فَقَالَ الْإِمَامُ كُنْتُ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ الْإِمَامِ لِأَنَّ سَلَامَهُ الْأَوَّلَ سَهْوٌ وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ بِالسَّلَامِ الثَّانِي وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ أَيْضًا لِأَنَّ سَلَامَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَتَكْلِيمُهُ الْإِمَامَ سَهْوٌ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ تَحَلَّلَ مِنْ الصَّلَاةِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُسَلِّمَ ثَانِيًا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ لِأَنَّ تَكْلِيمَهُ سَهْوٌ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ انْقِطَاعَ الْقُدْوَةِ (الثَّانِيَةُ) إذَا نَذَرَ شَيْئًا فِي صَلَاتِهِ وَتَلَفَّظَ بِالنَّذْرِ عَامِدًا هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي آخِرِ بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ
[ ٤ / ٨٤ ]
فِي مَسْأَلَةِ بُلُوغِ الصَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ الدَّارَكِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي اسحق الْمَرْوَزِيِّ لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهُ مُنَاجَاةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ وَالثَّانِي تَبْطُلُ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ قَوْلَهُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي كَلَامِ الْمُصَلِّي هُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (أَحَدُهَا) يَتَكَلَّمُ عَامِدًا لَا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السَّابِقِ وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثِ جَابِرٍ وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا
إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الثَّانِي) أَنْ يَتَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بِأَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ فَيَقُولُ قَدْ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا تَبْطُلُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْكَلَامِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ " مَنْ نَابَهُ شئ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّقْ النِّسَاءُ " وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ مُبَاحًا لِمَصْلَحَتِهَا لَكَانَ أَسْهَلَ وَأَبْيَنَ وَحَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ جَوَابُهُ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الثَّالِثُ) أَنْ يَتَكَلَّمَ نَاسِيًا وَلَا يُطَوِّلَ كَلَامَهُ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَنَسٌ وَعُرْوَةُ ابن (١) وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَجَمِيعُ الْمُحَدِّثِينَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثور وغيرهم ﵃
* وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وابو حنيفة واحمد في رواية تبطل ووافق أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ سَلَامَ النَّاسِي لَا يُبْطِلُهَا
* وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ تَبْطُلُ بِحَدِيثِ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ " كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رسول الله صلى
_________________
(١) كذا بالاصل *
[ ٤ / ٨٥ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْك فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا فَقَالَ إنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغُلًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ زِيَادَةُ " وَإِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ " وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَانْطَلَقْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا الله أعلمتم بِهِ ثُمَّ سَلَّمْتُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنْ الْمَرَّةِ الْأُولَى ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ إنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ " إنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ
" إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يصلح فيها شئ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْمُهَذَّبِ " الْكَلَامُ يَنْقُضُ الصَّلَاةَ " وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَبِحَدِيثِ " مَنْ قاء في صلاته أَوْ قَلَسَ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ " وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ تُقْصَرْ وَلَمْ أَنْسَ فَقَالَ بَلَى قَدْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ قالوا نعم فصلي ركعتين أخرتين ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا وَهَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ وَفِي مَوَاضِعَ مِنْ الْبُخَارِيِّ " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " وَفِي رِوَايَةٍ لمسلم صلى لنا وعن عمران ابن حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدِهِ طُولٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى النَّاسِ فَقَالَ أَصَدَقَ هَذَا قَالُوا نَعَمْ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَمَنْ الدَّلِيلِ لَنَا أَيْضًا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بالاعادة قالوا وقياسا علي اللام سَهْوًا وَعُمْدَةُ الْمَذْهَبِ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ وَاعْتَرَضَ القائلون بالبطلان عليه هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ ابن أَرْقَمَ قَالُوا لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَنَقَلُوا عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَنَّ
[ ٤ / ٨٦ ]
قِصَّتَهُ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا كَوْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ عَنْ بَدْرٍ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ قَدْ يَرْوِي مَا لَا يَحْضُرُهُ بِأَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ صَحَابِيٍّ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ صَحِيحَةٍ حَسَنَةٍ مَشْهُورَةٍ أَحْسَنُهَا وَأَتْقَنُهَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ قَالَ أَمَّا دَعْوَاهُمْ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَغَلَطٌ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ بِمَكَّةَ حِينَ رَجَعَ مِنْ الْحَبَشَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَامَ خَيْبَرَ
سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ قَبْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ بَعْدَهُ وَالنَّظَرُ يَشْهَدُ أَنَّهُ قَبْلَهُ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ فَغَلَطٌ بَلْ شُهُودُهُ لَهُ مَحْفُوظٌ مِنْ روايات الثقاة الْحُفَّاظِ ثُمَّ ذَكَرَ بِأَسَانِيدِهِ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةَ فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ " صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " وَفِي رِوَايَةٍ " صَلَّى بِنَا " وَفِي رِوَايَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الركعتين فقام رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ رَوَى قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ابْنُ عُمَرَ وَعِمْرَانُ بن الحصين ومعاوية بن حريح بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَابْنُ مَسْعَدَةَ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكُلُّهُمْ لَمْ يَحْفَظْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا صَحِبَهُ إلَّا بِالْمَدِينَةِ متأخرا ثم ذكر أحاديثهم بطرقها قال قَالَ وَابْنُ مَسْعَدَةَ هَذَا يُقَالُ لَهُ صَاحِبُ الْجُيُوشِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مَعْرُوفٌ فِي الصَّحَابَةِ لَهُ رِوَايَةٌ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَغَلَطٌ وَإِنَّمَا الْمَقْتُولُ يَوْمَ بَدْرٍ ذُو الشِّمَالَيْنِ وَلَا نُنَازِعُهُمْ فِي أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي ذَكَرُوهُ فيمن قتل ببدر قال ابن اسحق ذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ عُمَيْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ غَبْشَانَ مِنْ خُزَاعَةَ فَذُو الْيَدَيْنِ غَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولِ بِبَدْرٍ لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ اسْمُهُ الخرباق بن عمر وذكره مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ غَيْرُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ عَاشَ ذُو الْيَدَيْنِ الْخِرْبَاقُ بْنُ عَمْرٍو بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ زَمَانًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَذُو الْيَدَيْنِ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ غَيْرُ الْمَقْتُولِ بِبَدْرٍ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِذْقِ وَالْفَهْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ إنَّ الْمُتَكَلِّمَ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ ذُو الشِّمَالَيْنِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ قَالَ وَقَدْ اضْطَرَبَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ اضْطِرَابًا أَوْجَبَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ تَرْكَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ خَاصَّةً ثُمَّ ذَكَرَ طُرُقَهُ وَبَيَّنَ اضْطِرَابَهَا فِي الْمَتْنِ وَالْإِسْنَادِ وَذَكَرَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الحجاح تَغْلِيطَهُ الزُّهْرِيَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ العلم
[ ٤ / ٨٧ ]
بِالْحَدِيثِ الْمُصَنِّفِينَ فِيهِ عَوَّلَ عَلَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَكُلُّهُمْ تَرَكَهُ لِاضْطِرَابِهِ وَإِنْ كَانَ إمَامًا عَظِيمًا فِي هَذَا الشَّأْنِ فَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ بَشَرٌ وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا النَّبِيَّ
ﷺ فَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ إنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مَتْرُوكٌ لِتَحَقُّقِ غَلَطِهِ فِيهِ هَذَا مختصر قول عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ بَسَطَ ﵀ شَرْحَ هَذَا الْحَدِيثِ بَسْطًا لَمْ يَبْسُطْهُ غَيْرُهُ مُشْتَمِلًا علي التحقيق والاتفاق وَالْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ بَعْضَ هَذَا مُخْتَصَرًا فَمِمَّا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَتَقَدُّمِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ كَانَ حِينَ رَجَعَ مِنْ الْحَبَشَةِ وَرُجُوعُهُ مِنْهَا كَانَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا فَحَدِيثُهُ فِي التَّسْلِيمِ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ ثُمَّ نُقِلَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمَغَازِي عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ مَكَّةَ مِنْ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْكَلَامِ عَامِدًا قَالَ لِأَنَّهُ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ قَبْلَ بَدْرٍ وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَإِسْلَامُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ بَعْدَ بَدْرٍ وَقَدْ حضرا قصة ذى اليدين وحضرها معاوية ابن حُدَيْجٍ وَكَانَ إسْلَامُهُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِشَهْرَيْنِ وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عمر أيضا قَالَ فَعَلِمْنَا أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي العمد لو كَانَ فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ لَكَانَتْ صَلَوَاتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ نَاسِخَةً لَهُ لِأَنَّهَا بَعْدَهُ ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الاوزاعي قال كان اسلام معاوية ابن الْحَكَمِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ فَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَقَدْ تَكَلَّمَ جَاهِلًا وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ نَحْوَ مَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ قَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ غَيْرُ ذِي الْيَدَيْنِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ذُو الْيَدَيْنِ بَقِيَ حَيًّا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَكَلَّمَ ذُو الْيَدَيْنِ وَالْقَوْمُ وَهُمْ بَعْدُ فِي الصَّلَاةِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْبَقَاءِ فِي صَلَاةٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجَوِّزِينَ لِنَسْخِ الصَّلَاةِ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى رَكْعَتَيْنِ وَلِهَذَا قال قصرت الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ
(وَالثَّانِي)
أَنَّ هَذَا خِطَابٌ وَجَوَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ " نَعَمْ " عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِيمَنْ سَبَّحَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ حَمِدَهُ فِي غَيْرِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ تَنْبِيهَ غَيْرِهِ أَمْ لَا وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ
وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ قَالَهُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ بِكَلَامٍ وَإِنْ قَالَهُ جَوَابًا فَهُوَ كَلَامٌ دَلِيلُنَا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ في الصحيحين كما سبق
_________________
(١) كذابالاصل فلعله (لمنافاة الصلاة) اه *
[ ٤ / ٨٨ ]
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الضَّحِكِ وَالتَّبَسُّمِ فِي الصَّلَاةِ: مَذْهَبُنَا أَنَّ التَّبَسُّمَ لَا يَضُرُّ وَكَذَا الضَّحِكُ إنْ لَمْ يَبِنْ مِنْهُ حَرْفَانِ فَإِنْ بَانَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى بُطْلَانِهَا بِالضَّحِكِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ بَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ قَالَ وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا بَأْسَ بِالتَّبَسُّمِ مِمَّنْ قَالَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا أَعْلَمُ التَّبَسُّمَ إلَّا ضَحِكًا
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْأَنِينِ وَالتَّأَوُّهِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إنْ بَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ قَالَ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْمُغِيرَةُ وَالثَّوْرِيُّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إنْ كَانَ لِخَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ خَوْفِ النَّارِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَتَبْطُلُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ قَالَ (آهْ) لَمْ تَبْطُلْ وَإِنْ قَالَ (أُوهِ) بَطَلَتْ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ مَذْهَبُنَا انه ان بان مِنْهُ حَرْفَانِ وَهُوَ عَامِدٌ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تَبْطُلُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّأْفِيفَ وَهُوَ قَوْلُ (أُفٍّ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ مُطْلَقًا قَالَ وَمِمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ كَرَاهَةَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَيَحْيَى بن أبي كثير واحمد واسحق قَالَ وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَالْكَلَامِ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ عَنْهُمَا وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بن جبير * قال المصنف ﵀
* (وان أكل عامدا بطلت صلاته لانه إذا أبطل الصوم الذى لا يبطل بالافعال فلان يبطل الصلاة أولي وان كان ناسيا لم تبطل كما لا يبطل الصوم)
* (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَكَلَ فِي صَلَاتِهِ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَحَكَى الرافعى وجهان أَنَّ الْأَكْلَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُهَا وَهُوَ غَلَطٌ وان كان بين اسنانه شئ فابتلعه
عمدا أو نزلت من رأسه فَابْتَلَعَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ ابْتَلَعَ شَيْئًا مَغْلُوبًا بِأَنْ جَرَى الرِّيقُ بِبَاقِي
[ ٤ / ٨٩ ]
الطَّعَامِ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُ أَوْ نَزَلَتْ النُّخَامَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إمْسَاكُهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الرِّيقِ وَنَقَلَهُ فِيهَا أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْمُزَنِيِّ أَمَّا إذَا وَضَعَ سُكَّرَةً أَوْ نَحْوَهَا فِي فِيهِ فَذَابَتْ وَنَزَلَتْ إلَى جَوْفِهِ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ وَلَا حَرَكَةٍ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ (أَحَدُهُمَا) لَا تَبْطُلُ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِنْهُ فِعْلٌ
(وَالثَّانِي)
تَبْطُلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَالضَّابِطُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَا أَبْطَلَ الصَّوْمَ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ وَلَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِ الصَّوْمِ بِهَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَالْمَضْغُ وَحْدَهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وان لم يصل شئ إلَى الْجَوْفِ حَتَّى لَوْ مَضَغَ عِلْكًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَإِنْ لَمْ يَمْضُغْهُ بَلْ وَضَعَهُ فِي فِيهِ فَإِنْ كَانَ جَدِيدًا يَذُوبُ فَهُوَ كَالسُّكَّرَةِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا لا يذوب لم تبطل كما أَمْسَكَ فِي فَمِهِ حَصَاةً أَوْ إجَّاصَةً فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ قَطْعًا هَذَا كُلُّهُ فِي الْعَامِدِ فَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لِلصَّلَاةِ أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَمْ تَبْطُلْ بِلَا خِلَافٍ وإن وَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْكَلَامِ الْكَثِيرِ وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِالْبُطْلَانِ فِي الْكَثِيرِ وَتُعْرَفُ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ
* (فَرْعٌ)
فِي مذاهب الْعُلَمَاءِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَع الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ إنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ عَامِدًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا قَالَ عَطَاءٌ لَا تَبْطُلُ وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ تَبْطُلُ قَالَ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فروى عن ابن الزبير وسعيد ابن جُبَيْرٍ أَنَّهُمَا شَرِبَا فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَقَالَ طَاوُسٌ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَعَلَّ مَنْ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ فَعَلَهُ سَهْوًا * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* (وَإِنْ عَمِلَ فِي الصَّلَاةِ عَمَلًا لَيْسَ مِنْهَا نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِهَا بِأَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمَا فَإِنْ كَانَ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ بِالصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا فَسَبَّحُوا لَهُ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ فَإِنْ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ مَرَّتَيْنِ
عَامِدًا فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَكْرَارُ ذِكْرٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَرَأَ السُّورَةَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مَرَّتَيْنِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ تَبْطُلُ لِأَنَّهُ رُكْنٌ زَادَهُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)
*
[ ٤ / ٩٠ ]
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قال اصحابنا إذا زال فِعْلًا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ بِرُكْنٍ وَلَا أَرْكَانٍ وَلَا رَكْعَةٍ وَلَا أَكْثَرَ لِلْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ مَرَّتَيْنِ سَهْوًا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ تَعَمَّدَ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ وَالثَّانِي تَبْطُلُ كَتَكْرَارِ الرُّكُوعِ وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا الْكِبَارِ تَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيّ قَالَ وحكاه
[ ٤ / ٩١ ]
الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الْقَدِيمِ وَالْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَكَذَا لَوْ كَرَّرَ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ وَالصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمْدًا لَا تَبْطُلُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَإِذَا كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لَا يُجْزِيهِ عن السورة بعد الفاتحة.
* قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا مِثْلَ إنْ دَفَعَ مَارًّا بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ ضَرَبَ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا أَوْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ أَوْ أَصْلَحَ رِدَاءَهُ أَوْ حَمَلَ شَيْئًا أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِدَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ وَحَمَلَ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ إذا سجد وضعفها فَإِذَا قَامَ رَفَعَهَا وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ فَرَدَّ عليهم فِي الصَّلَاةِ وَلِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَخْلُو مِنْ عَمَلٍ قَلِيلٍ فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَمَلًا كَثِيرًا بِأَنْ مَشَى خُطُوَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ أَوْ ضَرَبَ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي الْغَالِبِ وَإِنْ مَشَى خُطْوَتَيْنِ أَوْ ضَرَبَ ضَرْبَتَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أحدهما)
لا تَبْطُلْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَلَعَ نَعْلَيْهِ وَوَضَعَهُمَا إلَى جَانِبِهِ وَهَذَانِ فِعْلَانِ مُتَوَالِيَانِ (وَالثَّانِي) تَبْطُلُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مُكَرَّرٌ فَهُوَ كَالثَّلَاثِ
وَإِنْ عَمِلَ عَمَلًا كَثِيرًا مُتَفَرِّقًا لَمْ تَبْطُلْ صلاته لحديث أمامة بنت أبى العاص فَإِنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْحَمْلُ وَالْوَضْعُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا تفرق لم بقطع الصَّلَاةَ وَلَا فَرْقَ فِي الْعَمَلِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ بِخِلَافِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ قَوْلٌ وَالْفِعْلُ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ وَلِهَذَا يَنْفُذُ إحْبَالُ الْمَجْنُونِ لِكَوْنِهِ فِعْلًا وَلَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ لِأَنَّهُ قول)
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ الْأَمْرِ بِدَفْعِ الْمَارِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم " قتلوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَأَمَّا حَدِيثُ خَلْعِ النَّعْلِ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ وَقَدْ سَبَقَ
[ ٤ / ٩٢ ]
بَيَانُهُ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ أَيْضًا: وَأَمَّا حَدِيثُ تَسْلِيمِ الْأَنْصَارِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِالْإِشَارَةِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ورواية ابن عمر ﵄: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمُخْتَصَرُ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ إنْ كَانَ كَثِيرًا أَبْطَلَهَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَمْ يُبْطِلْهَا بِلَا خِلَافٍ هَذَا هُوَ الضَّابِطُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) الْقَلِيلُ مَا لا يسع زمانه فعل رَكْعَةٍ وَالْكَثِيرُ مَا يَسَعُهَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ ضعيف أو غلط:
(والثانى)
كل عمل يَحْتَاجُ إلَى يَدَيْهِ جَمِيعًا كَرَفْعِ عِمَامَةٍ وَحَلِّ أَشْرِطَةِ سَرَاوِيلَ وَنَحْوِهِمَا قَلِيلٌ وَمَا احْتَاجَ كَتَكْوِيرِ الْعِمَامَةِ وَعَقْدِ الْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ كَثِيرٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ (والثالث) مَا لَا يَظُنُّ النَّاظِرُ إلَيْهِ أَنَّ فَاعِلَهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ وَالْكَثِيرُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا وَضَعَّفُوهُ بِأَنَّ مَنْ رَآهُ يَحْمِلُ صَبِيًّا أَوْ يَقْتُلُ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا وَنَحْوَ ذَلِكَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُبْطِلُهَا بِلَا خِلَافٍ (وَالرَّابِعُ) وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ فَلَا يَضُرُّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ قَلِيلًا كَالْإِشَارَةِ بِرَدِّ السَّلَامِ وَخَلْعِ النَّعْلِ وَرَفْعِ الْعِمَامَةِ وَوَضْعِهَا وَلِبْسِ ثَوْبٍ خَفِيفٍ وَنَزْعِهِ وَحَمْلِ صَغِيرٍ وَوَضْعِهِ وَدَفْعِ مَارٍّ وَدَلْكِ الْبُصَاقِ فِي ثَوْبِهِ وَأَشْبَاهِ هَذَا وَأَمَّا مَا عَدَّهُ النَّاسُ كَثِيرًا كَخُطُوَاتٍ كَثِيرَةٍ مُتَوَالِيَةٍ وَفَعَلَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ فَتُبْطِلُ الصَّلَاةَ قَالَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا الْفَعْلَةُ الْوَاحِدَةُ كَالْخُطْوَةِ وَالضَّرْبَةِ قَلِيلٌ بِلَا خِلَافٍ وَالثَّلَاثُ كَثِيرٌ بِلَا خِلَافٍ وَفِي الِاثْنَيْنِ
وَجْهَانِ حكاهما المصنف والاصحاب (أصحها) قَلِيلٌ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ
(وَالثَّانِي)
كَثِيرٌ ثُمَّ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ انما يبطل إذا توالي فان تفرق بين خطي خطوة ثم سكت زمنا ثم خطي أُخْرَى أَوْ خُطْوَتَيْنِ ثُمَّ خُطْوَتَيْنِ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ إذَا قُلْنَا لَا يَضُرُّ الْخُطْوَتَانِ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً حَتَّى بَلَغَ مِائَةَ خُطْوَةٍ فَأَكْثَرَ لم يَضُرُّ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الضَّرَبَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ وغيرها قال أصحابنا وحد التفريق أن يجد الثَّانِيَ مُنْقَطِعًا عَنْ الْأَوَّلِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا رَكْعَةٌ لِحَدِيثِ أُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَلَا دَلَالَةَ في هذا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ فِعْلٍ ثَانٍ فِي دُونِ ذَلِكَ الزَّمَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُرَادُ بِقَوْلِنَا لَا تَبْطُلُ بِالْفَعْلَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لَمْ يُتَفَاحَشْ فَإِنْ
[ ٤ / ٩٣ ]
تَفَاحَشَتْ وَأَفْرَطَتْ كَالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا قَوْلُهُمْ الثَّلَاثُ الْمُتَوَالِيَةُ تُبْطِلُ أَرَادُوا الْخُطُوَاتِ وَالضَّرَبَاتِ وَنَحْوَهَا: فَأَمَّا الْحَرَكَاتُ الْخَفِيفَةُ كَتَحْرِيكِ الْأَصَابِعِ فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ حَلٍّ وَعَقْدٍ فَفِيهَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّهَا كَالْخُطُوَاتِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكَثِيرِهَا
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ لَا تَبْطُلُ وَإِنْ كَثُرَتْ مُتَوَالِيَةً لَكِنْ يُكْرَهُ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعُدُّ الْآيَاتِ بِيَدِهِ عَقْدًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا كُلُّهُ فِي الْفِعْل عَمْدًا فَأَمَّا فِعْلُ النَّاسِي فِي الصَّلَاةِ إذَا كَثُرَ فَفِيهِ طَرِيقَانِ: (أَشْهَرُهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَجْهًا وَاحِدًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: (وَالثَّانِي) فِيهِ وَجْهَانِ كَكَلَامِ النَّاسِي حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَقَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ حِينَ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ثُمَّ قَامَ إلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ ثُمَّ عَادَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا اللَّفْظُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " فَخَرَجَتْ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَقَامِهِ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ " وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ - وَكَانَ فِي يَدِهِ طُولٌ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ
وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى النَّاسِ فَقَالَ أَصَدَقَ هَذَا قَالُوا نَعَمْ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ " هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ: وَذَكَرَ نَحْوَ الْأُولَى " هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَمَّا فِيهَا فَيُحْتَمَلُ الضَّرْبُ وَالرَّكْضُ وَالْعَدْوُ لِلْحَاجَةِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ نوضحه فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْفِعْلُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مَكْرُوهٌ إلَّا فِي مَوَاضِعَ (أَحَدُهَا) أَنْ يَفْعَلَهُ نَاسِيًا: (الثَّانِي) أَنْ يَفْعَلَهُ لِحَاجَةٍ مَقْصُودَةٍ: (الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ كَقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهِمَا وَكَدَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالصَّائِلِ عَلَيْهِ ونحو ذلك
*
[ ٤ / ٩٤ ]
(فَرْعٌ)
لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ مِنْ الْمُصْحَفِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ يَحْفَظُهُ أَمْ لَا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَحْفَظْ الْفَاتِحَةَ كَمَا سَبَقَ وَلَوْ قَلَّبَ أَوْرَاقَهُ أَحْيَانًا فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَبْطُلْ وَلَوْ نَظَرَ فِي مَكْتُوبٍ غَيْرِ الْقُرْآنِ وَرَدَّدَ مَا فِيهِ فِي نَفْسِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَإِنْ طَالَ لَكِنْ يُكْرَهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ إذَا طَالَ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ وَهُوَ شَاذٌّ وَالْمَشْهُورُ الْجَزْمُ بِصِحَّتِهَا وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ واحمد قال أَبُو حَنِيفَةَ تُبْطِلُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَرَادَ إذَا لَمْ يَحْفَظْ الْقُرْآنَ وَقَرَأَ كَثِيرًا فِي الْمُصْحَفِ فَأَمَّا إنْ كَانَ يَحْفَظُهُ أَوْ لَا يَحْفَظُهُ وَقَرَأَ يَسِيرًا كَالْآيَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا تَبْطُلُ وَاحْتُجَّ لَهُ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى فِكْرٍ وَنَظَرٍ وَذَلِكَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَكَمَا لَوْ تَلَقَّنَ مِنْ غَيْرِهِ فِي الصَّلَاةِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ أَتَى بِالْقِرَاءَةِ وَأَمَّا الْفِكْرُ وَالنَّظَرُ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ فَفِيهِ أَوْلَى وَأَمَّا التَّلْقِينُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُبْطِلُهَا عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ
*
* قَالَ المصنف ﵀
* (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْتَفِتَ فِي صَلَاتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " لَا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى مُقْبِلًا عَلَى عَبْدِهِ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فإذا التفت صرف عنه وجهه " فان كَانَ لِحَاجَةٍ لَمْ يُكْرَهْ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ ")
*
(الشَّرْحُ) يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى كُلِّ مَا نُدِبَ إلَيْهِ مِنْ السُّنَنِ وَالْمُسْتَحَبَّات وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي الْجَمَاعَةِ وَالِانْفِرَادِ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ مِنْ تَفْصِيلِهَا وَأَمَّا الِالْتِفَاتُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ إنْ تَحَوَّلَ بِصَدْرِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَحَوَّلْ
[ ٤ / ٩٥ ]
لَمْ تَبْطُلْ لَكِنْ إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصلاة هلكة فان كان لابد فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنُ صَحِيحٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ رَجُلٌ فِيهِ جَهَالَةٌ وَدَلِيلُ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِحَاجَةٍ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ " اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَالْتَفَتَ إلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْنَا: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وذهب يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي صَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالنَّاسِ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا أَكْثَر النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الخنظليه ﵁ قَالَ " ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الصُّبْحَ فَجَعَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشُّعَبِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَقَالَ " كَانَ أَرْسَلَ فرسا إلى الشعب من أجل الحرس "
[ ٤ / ٩٦ ]
* قال المصنف ﵀
* (وَيُكْرَهُ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ - فاشتد قوله في ذلك حتى قال - لينتهين عن ذلك
أو لتخطفن أَبْصَارُهُمْ " وَيُكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يُلْهِيهِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ ذَاتُ أَعْلَامٍ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ أَلْهَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ اذْهَبُوا بِهَا إلَى أَبِي جهم واتونى بانبجانية ") .
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْخَمِيصَةُ كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ مِنْ صُوفٍ وَأَبُو جَهْمٍ الْمَذْكُورُ اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ الْمَدَنِيُّ الصَّحَابِيُّ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ وَقِيلَ اسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ وَالْأَنْبِجَانِيَّة - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَبِنُونٍ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ومكسورة - وهى كِسَاءٌ غَلِيظٌ لَا عَلَمَ لَهُ فَإِذَا كَانَ لَهُ عَلَمٌ فَهُوَ خَمِيصَةٌ وَفِي ضَبْطِهِ وَمَعْنَاهُ كَلَامٌ مُشْتَهَرٌ وَضَّحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَأَجْوَدُهُ مَا ذَكَرْتُهُ
* قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى حُضُورِ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ وَتَدَبُّرِ تِلَاوَتِهَا وَأَذْكَارِهَا وَمَقَاصِدِهَا مِنْ الِانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ وَمَنْعِ النَّظَرِ مِنْ الِامْتِدَادِ إلَى مَا يَشْغَلُ وَإِزَالَةِ كل ما يخاف اشتغال الْقَلْبِ بِسَبَبِهِ وَكَرَاهَةِ تَزْوِيقِ مِحْرَابِ الْمَسْجِدِ وَحَائِطِهِ وَنَقْشِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشَّاغِلَاتِ وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ وَإِنْ حَصَلَ فِيهَا فِكْرٌ وَاشْتِغَالُ قَلْبٍ بِغَيْرِهَا وَهَذَا بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ متفق عليهما * قال المصنف ﵀
* (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَدُهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يصلى الرجل مختصرا ") .
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَعْنَى الْمُخْتَصِرِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالْمُحَدِّثِينَ والفقهاء وقيل هو أن يتوكأ على عصي حكاه الهروي وغيره وقيل أن يختصر السورة فَيَقْرَأَ آخِرَهَا وَقِيلَ أَنْ يَخْتَصِرَ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يُتِمَّ قِيَامَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَحُدُودَهَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قِيلَ نَهَى عَنْهُ
[ ٤ / ٩٧ ]
لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ فَلَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ وَقِيلَ فِعْلُ الشَّيْطَانِ وَكَرَاهَةُ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى خَاصِرَتِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا سَوَاءٌ كان المصلي رجلا أو امرأة * قال المصنف ﵀
* (وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وَثَوْبَهُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ وَنَهَى أَنْ يَكُفَّ شَعْرَهُ وثوبه ")
*
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْآرَابُ الْأَعْضَاءُ وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ اتَّفَقَ العلماء علي النهي عن الصلاة وثوبه مشمرا وكمه أو نحوه أو ورأسه مَعْقُوصٌ أَوْ مَرْدُودُ شَعْرِهِ تَحْتَ عِمَامَتِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا مَكْرُوهٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ فَلَوْ صَلَّى كَذَلِكَ فَقَدْ ارْتَكَبَ الْكَرَاهَةَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ وَاحْتَجَّ لِصِحَّتِهَا أَبُو جعفر محمد بن جريج الطَّبَرِيُّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِعَادَةَ فِيهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ثُمَّ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّهْيَ لِكُلِّ مَنْ صَلَّى كَذَلِكَ سَوَاءٌ تَعَمَّدَهُ لِلصَّلَاةِ أَمْ كَانَ كَذَلِكَ قَبْلَهَا لِمَعْنًى آخَرَ وَصَلَّى عَلَى حَالِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَقَالَ مَالِكٌ النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِلصَّلَاةِ وَالْأَوَّلُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَامَ وَجَعَلَ يَحُلُّهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ مَالَكَ وَلِرَأْسِي فَقَالَ إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " إنَّمَا مَثَلُ هَذَا مِثْلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ " قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ يَسْجُدُ مَعَهُ وَلِهَذَا مَثَّلَهُ بالذى يصلي وهو مكتوف والله أعلم * قال المصنف ﵀
* (وَيُكْرَهُ أَنْ يَمْسَحَ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ لِمَا رَوَى مُعَيْقِيبٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " لَا تَمْسَحْ الحصى وأنت تصلي فان كنت لابد فاعلا فواحدة تسوية الحصى ")
* (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِهِ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ
[ ٤ / ٩٨ ]
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ وَلَفْظُهُمَا عَنْ مُعَيْقِيبٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ إنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةٌ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَمْسَحْ وَإِنْ مَسَحَتْ فَلَا تَزِدْ عَلَى وَاحِدَةٍ وَهَذَا نَهْيُ كَرَاهَةِ تَنْزِيهٍ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " إذا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحْ الْحَصَى فانه الْمَرْحَمَةَ تُوَاجِهُهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ لَكِنْ فِيهِ رَجُلٌ لَمْ يُبَيِّنُوا حاله لَكِنْ لَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد وَقَدْ
سَبَقَ أَنَّ مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّهُ يُخَالِفُ التَّوَاضُعَ وَالْخُشُوعَ وَكَرِهَ السَّلَفُ مَسْحَ الْجَبْهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَقَبْلَ الِانْصِرَافِ مما يتعلق بهما مِنْ غُبَارٍ وَنَحْوِهِ وَمُعَيْقِيبٌ هَذَا الرَّاوِي يُقَالُ له معيقيب بن أبي فاطمة الدويسي أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ إلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ عَلَى بَيْتِ المال توفى في آخر خلافة عثمان ﵁ * قال المصنف ﵀
* (وَيُكْرَهُ أَنْ يَعُدَّ الْآيَ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ عَنْ الْخُشُوعِ فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى وَيُكْرَهُ التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَالَ هَا هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ ")
* (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ مِنْهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ " التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ " إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَقُلْ هَا هَا فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يَضْحَكُ مِنْهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وعن ابن سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ
[ ٤ / ٩٩ ]
فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ " إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فمه فان الشيطان يدخل " رواه مسلم قال أَصْحَابُنَا فَيُكْرَهُ التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهَا أَيْضًا فَإِنْ تَثَاءَبَ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ وَيُسْتَحَبُّ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا وَأَمَّا عَدُّ الْآيَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مَكْرُوهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ قال ابن المنذر وخص فِيهِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَطَاوُسٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْمُغِيرَةُ بن حكيم والشافعي وأحمد واسحق وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَدْ نَقَلَ أَصْحَابُنَا نَصَّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِعَدِّ الْآيَاتِ لَكِنْ قَالُوا
هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ يُكْرَهُ وَلِهَذَا قال فكان تركه اولي
*
* قال المصنف ﵀
* (وان بدره البصاق فان كان في غير الْمَسْجِدِ لَمْ يَبْصُقْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ بَلْ يَبْصُقُ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى أَوْ عَنْ يَسَارِهِ وَإِنْ بَدَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ وَحَكَّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " دَخَلَ مَسْجِدًا يَوْمًا فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَتَّهَا بِعُرْجُونٍ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبْصُقَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْصُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى أَوْ عَنْ يَسَارِهِ فَإِنْ أَصَابَتْهُ بَادِرَةُ بُصَاقٍ فَلْيَبْصُقْ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ يَقُولُ بِهِ هَكَذَا " فَعَلَّمَهُمْ أَنْ يَفْرُكُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ: فَإِنْ خَالَفَ وَبَصَقَ فِي الْمَسْجِدِ دَفَنَهُ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهُ دَفْنُهُ " وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ)
* (الشرح) فان أَهْلُ اللُّغَةِ الْبُصَاقُ وَالْبُزَاقُ وَالْبُسَاقُ وَبَصَقَ وَبَزَقَ وَبَسَقَ ثَلَاثُ لُغَاتٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلُغَةُ السِّينِ قَلِيلَةٌ وَقَدْ أَنْكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَإِنْكَارُهَا بَاطِلٌ فَقَدْ نَقَلَهَا الثِّقَاتُ وَثَبَتَتْ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَإِذَا عَرَضَ لِلْمُصَلِّي بُصَاقٌ فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ حَرُمَ الْبُصَاقُ فِيهِ بَلْ يَبْصُقُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ كَكُمِّهِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَحْرُمْ الْبُصَاقُ فِي الْأَرْضِ فَلَهُ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ أَوْ بِجَنْبِهِ وَأَوْلَاهُ فِي ثَوْبِهِ وَيَحُكُّ بَعْضَهُ ببعض
[ ٤ / ١٠٠ ]
أَوْ يَدَعُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَإِذَا بَصَقَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ ارْتَكَبَ الْحَرَامَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفِنَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَدْفِنُهُ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ وَرَمْلِهِ إنْ كَانَ لَهُ تُرَابٌ أَوْ رَمْلٌ وَنَحْوُهُمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخَذَهُ بِعُودٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا أَوْ بِيَدِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالدَّفْنِ إخْرَاجُهَا مِنْ المسجد مطلقا ولا يكفي فدنها فِي تُرَابِهِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ وَمَنْ رَأَى مَنْ يَبْصُقُ فِي الْمَسْجِدِ لَزِمَهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ مِنْهُ إنْ قَدَرَ وَمَنْ رَأَى بُصَاقًا أَوْ نَحْوَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يُزِيلَهُ بِدَفْعِهِ أَوْ رَفْعِهِ وَإِخْرَاجِهِ وَيُسْتَحَبُّ تَطْيِيبُ مَحَلِّهِ وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إذَا
بَصَقَ أَوْ رَأَى بُصَاقًا دَلَكَهُ بِأَسْفَلِ مَدَاسِهِ الَّذِي دَاسَ بِهِ النَّجَاسَةَ وَالْأَقْذَارَ فَحَرَامٌ لِأَنَّهُ تَنْجِيسٌ لِلْمَسْجِدِ أَوْ تَقْذِيرٌ لَهُ وَعَلَى مَنْ رَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَهَذَا مُخْتَصَرُ أَحْكَامِ الْمَسْأَلَةِ أَمَّا دَلَائِلُهَا فَعَنْ ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْزُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ إذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقُنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ مَا لاحدكم يقوم مستقبل رَبَّهُ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " إذا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْزُقْ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ وعن يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنْهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ سول اللَّهِ ﷺ " الْبُزَاقُ فِي المسجد خطيئة وكفارتها دفنها " رواه الْبُخَارِيِّ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ الطَّرِيقِ وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا
[ ٤ / ١٠١ ]
النُّخَاعَةُ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُ هَذِهِ وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ أَبْلَغُ كِفَايَةٍ
(فَصْلٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ (إحْدَاهَا) يَنْبَغِي أَلَّا يَسْكُتَ فِي صَلَاتِهِ إلَّا فِي حَالِ اسْتِمَاعِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ فَلَوْ سَكَتَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ أَوْ قِيَامِهِ أَوْ قُعُودِهِ سُكُوتًا يَسِيرًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فَإِنْ سَكَتَ
طَوِيلًا لِعُذْرٍ بِأَنْ نَسِيَ شَيْئًا فَسَكَتَ لِيَتَذَكَّرَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي بُطْلَانِهَا وَجْهَيْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِنْ سَكَتَ طَوِيلًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَفِي بُطْلَانِهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ (أَصَحُّهُمَا) لَا تَبْطُلُ وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا نَاسِيًا وَقُلْنَا يُبْطِلُ تَعَمُّدُهُ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ لَا تَبْطُلُ وَالثَّانِي عَلَى وَجْهَيْنِ (الثَّانِيَةُ) إشَارَةُ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةُ كَالنُّطْقِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَاللِّعَانِ وَالْقَذْفِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْأَحْكَامِ إلَّا الشَّهَادَةَ فَفِي قَبُولِهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَلَوْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ بِمَا يُفْهِمُ ففى بطلانها وجهان الصحيح المشهور به قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ وَلَا فِعْلٍ كَثِيرٍ وَالثَّانِي تَبْطُلُ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ كَلَامِهِ وَجَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَجَزَمَ الْغَزَالِيُّ بِالصِّحَّةِ فِي فَتَاوِيهِ وَصَحَّحَهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ الْوَسِيطِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ فَيُقَالُ إنْسَانٌ عَقَدَ النِّكَاحَ وَالْبَيْعَ فِي صَلَاتِهِ وصح ولم تبطل صلاته وتجئ مَسْأَلَةٌ (١) فِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ فِي الْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَإِنَّ فِيهِمَا خِلَافًا مَعْرُوفًا وَيُتَصَوَّرُ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ عَقَدَ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَغَيْرَهُمَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِهِ ناسيا للصلاة فيصح الجمع بِلَا خِلَافٍ (الثَّالِثَةُ) يُسْتَحَبُّ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُضُوعُ وَتَدَبُّرُ قِرَاءَتِهَا وَأَذْكَارِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْفِكْرِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَإِنْ فَكَّرَ فِي غَيْرِهَا وَأَكْثَرَ مِنْ الْفِكْرِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ فِكْرُهُ فِي مُبَاحٍ أَوْ حَرَامٍ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَدْ قَدَّمْنَا حِكَايَةَ وَجْهٍ ضَعِيفٍ فِي فَصْلِ الْفِعْلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْفِكْرَ فِي حَدِيثِ النَّفْسِ إذَا كَثُرَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ شاذ مردود وقد نقل الاجماع علي
_________________
(١) كذا بالاصل يحرر العبارة *
[ ٤ / ١٠٢ ]
أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِأَدِلَّتِهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْكَثِيرَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ فِي آخِرِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالْفِكْرِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إنَّ الله يجاوز لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمُ بِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ " قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا وَدَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى فِي وُجُوهِ
الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (الرَّابِعَةُ) إذَا سَلَّمَ إنْسَانٌ عَلَى الْمُصَلِّي لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَابًا لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ بِالْإِشَارَةِ وَإِلَّا فَيَرُدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَفْظًا فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لَفْظًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ قَالَ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ بِلَفْظِ الْخِطَابِ فَإِنْ قَالَ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَدَلِيلُ مَا ذَكَرْتُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁ قَالَ " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إلَيَّ فلما فرغ دعاني فقال انك سلمت عليه آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ الْكَلَامِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ " قُلْتُ لِبِلَالٍ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ أَطْوَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي قِصَّةِ سَلَامٍ الْأَنْصَارِيِّ وَعَنْ صُهَيْبٍ ﵁ قَالَ " مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ إشَارَةً " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ هُوَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحَانِ وَأَمَّا الرَّدُّ بَعْدَ السَّلَامِ فَدَلِيلُهُ حَدِيثُ أبى مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ " كُنَّا نُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ وَنَأْمُرُ بِحَاجَتِنَا فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَأَخَذَنِي مَا قَدِمَ وَمَا حَدَثَ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَحْدَثَ
[ ٤ / ١٠٣ ]
أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ فَرَدَّ ﵇ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ أَبِي غَطَفَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ " فَرَوَاهُ أَبُو داود وقال هذا الحديث (١) وقال الدارقطني قَالَ لَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد أَبُو غَطَفَانَ هَذَا مَجْهُولٌ وَالصَّحِيحُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهُ كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ " رَوَاهُ جَابِرٌ وَأَنَسٌ وَغَيْرُهُمَا وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمَ " فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ أَرَادَ أَنَّ مَعْنَاهُ
أَنْ تُسَلِّمَ وَلَا يُسَلِّمَ وَيُغَرِّرُ الرَّجُلُ بِصَلَاتِهِ يَنْصَرِفُ وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا هَذَا كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْغِرَارُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَكْرِيرِ الرَّاءِ وَهُوَ النُّقْصَانُ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَبْطِ قَوْلِهِ وَلَا تَسْلِيمَ فَرُوِيَ مَنْصُوبًا وَمَجْرُورًا فَمَنْ نَصَبَهُ عَطَفَهُ عَلَى غِرَارٍ أَيْ لَا غِرَارَ وَلَا تَسْلِيمَ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد وَمَنْ جَرَّهُ عَطَفَهُ عَلَى صَلَاةٍ أَيْ لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا فِي تَسْلِيمٍ وَبِهَذَا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ وَالْغِرَارُ فِي التَّسْلِيمِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْكَ إنْسَانٌ فَتَرُدَّ عَلَيْهِ أَنْقَصَ مِمَّا قَالَ بِأَنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَقُلْتَ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ فَلَا تَرُدُّ التَّحِيَّةَ بِكَمَالِهَا بَلْ تَبْخَسُهُ حَقَّهُ مِنْ كَمَالِ الْجَوَابِ قَالَ وَالْغِرَارُ فِي الصلاة له تفسيران أحدهما أن يُتِمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا يَعْنِي وَنَحْوَهُمَا وَالثَّانِي يَنْصَرِفُ وَهُوَ شَاكٌّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا مَثَلًا وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى تَفْسِيرِ أَحْمَدَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ لَا غِرَارَ فِي تَسْلِيمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَهَذَا يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ الْخَطَّابِيِّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْأَخْبَارُ السَّابِقَةُ تُبِيحُ السَّلَامَ عَلَى الْمُصَلِّي وَالرَّدَّ بِالْإِشَارَةِ وَهِيَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا إذَا سَلَّمَ عَلَى الْمُصَلِّي: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ بِاللَّفْظِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ فِي الْحَالِ إشَارَةً وَإِلَّا فَبَعْدَ السَّلَامِ لَفْظًا وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ واسحق وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمْ أباحوا
[ ٤ / ١٠٤ ]
رَدَّ السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ بِاللَّفْظِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا لَفْظًا وَلَا إشَارَةً قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا خِلَافُ الْأَحَادِيثِ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا يَرُدُّ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاتِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسَلِّمُ حَاضِرًا أَمْ لَا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَقَالَ النَّخَعِيُّ يَرُدُّ بِقَلْبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي: مُقْتَضَى كَلَامِ أصحابنا انه لا يكره وهو الذى يقتضيه الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ كَمَا سَبَقَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَحَكَى كَرَاهَتَهُ عن جابر وعطاء والشعبي وأبي مجلز واسحق بْنِ رَاهْوَيْهِ (الْخَامِسَةُ) يَجُوزُ قَتْلُ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ بَلْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ هُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي الصَّلَاةِ كَغَيْرِهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ وَقَدْ سَبَقَ
بيانه وقد حكي ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وأصحابه واحمد واسحق قَالَ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ قَالَ وَلَا مَعْنَى لِكَرَاهَتِهِ لِأَنَّهَا خِلَافُ السُّنَّةِ (السَّادِسَةُ) يُكْرَهُ أَنْ يُرَوِّحَ عَلَى نَفْسِهِ بِمِرْوَحَةٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومسلم ابن يَسَارٍ وَالنَّخَعِيِّ وَمَالِكٍ قَالَ وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَعَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ قَالَ وكرهه احمد واسحق إلَّا أَنْ يَأْتِيَ غَمٌّ شَدِيدٌ (السَّابِعَةُ) يُكْرَهُ تَفْقِيعُ الْأَصَابِعِ وَتَشْبِيكُهَا فِي الصَّلَاةِ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَعْبَثَ فِي طَرِيقِهِ وَأَنْ لَا يُشَبِّكَ أَصَابِعَهُ وَأَنْ يُلَازِمَ السَّكِينَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ " إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وعلكيم السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ وَالتَّثْوِيبُ إقَامَةُ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّامِنَةُ) يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ يُدَافِعُ الْبَوْلَ أَوْ الْغَائِطَ أَوْ الرِّيحَ أَوْ يَحْضُرُهُ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَيْهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ أَصْحَابُنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُزِيلَ هَذَا الْعَارِضَ ثُمَّ يَشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُصَلِّي مَعَ الْعَارِضِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ وَالثَّانِي حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يُزِيلُ الْعَارِضَ فَيَتَوَضَّأُ وَيَأْكُلُ وَإِنْ خرج الوقت ثم يقضيها لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ
[ ٤ / ١٠٥ ]
مِنْ الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ إذَا انْتَهَى بِهِ مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثَيْنِ إلَى أَنْ ذَهَبَ خُشُوعُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عن أهل الظاهر بطلانها والله أعلم