(إحْدَاهَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ لَوْ تَرَكَ التَّعَوُّذَ عَمْدًا (١) فَإِنْ تَرَكَهُ عمدا أو سهوا فليس عليه سجود سهو
(الثاني) فِي اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وهما كالخلاف
_________________
(١) هذا بالاصل وفيها سقط ولعله (تداركه في الثانية) كما يفهم من عبارة الروضة والام وقد حكي الشارح عبارة الام بالمعني اه
[ ٣ / ٣٢٤ ]
فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ (الثَّالِثَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ أَوْ مَنْذُورَةٍ لِكُلِّ مصل من امام ومأموم ومنفرد وَرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَحَاضِرٍ وَمُسَافِرٍ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ وَمُحَارِبٍ إلَّا الْمَسْبُوقَ الَّذِي يَخَافُ فَوْتَ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ لَوْ اشْتَغَلَ بِهِ فَيَتْرُكُهُ وَيَشْرَعُ فِي الْفَاتِحَةِ وَيَتَعَوَّذُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهَا التَّعَوُّذُ كَالتَّأْمِينِ وَالثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ (الرَّابِعَةُ) التَّعَوُّذُ يُسْتَحَبُّ لكل من يريد الشروع في قراءة أَوْ غَيْرِهَا وَيَجْهَرُ الْقَارِئُ خَارِجَ الصَّلَاةِ بِاتِّفَاقِ القراء يكفيه التَّعَوُّذُ الْوَاحِدُ مَا لَمْ يَقْطَعْ قِرَاءَتَهُ بِكَلَامٍ أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ فَإِنْ قَطَعَهَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتَأْنَفَ التَّعَوُّذَ وَإِنْ سَجَدَ لِتِلَاوَةٍ ثُمَّ عَادَ إلَى الْقِرَاءَةِ لَمْ يَتَعَوَّذْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَصْلٍ أَوْ هُوَ فَصْلٌ يَسِيرٌ ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّعَوُّذِ وَمَحَلِّهِ وَصِفَتِهِ والجهر به وتكراره في الركعات واستحابه لِلْمَأْمُومِ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ أَمْ وَاجِبٌ
* أَمَّا أَصْلُهُ فَاسْتَحَبَّهُ لِلْمُصَلِّي جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَمِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ اصحاب الرأى واحمد واسحق وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَتَعَوَّذُ أَصْلًا لحديث " المسئ صَلَاتَهُ " وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ الْآيَةُ وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثَ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ فَالْآيَةُ أَوْلَى
* وَأَمَّا مَحَلُّهُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ هُوَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ
يَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَعَوَّذُ بَعْدَ فَرَاغِ الْفَاتِحَةِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ مَعْنَاهَا إذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ فَاسْتَعِذْ وَهُوَ اللَّائِقُ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ
* وَأَمَّا صِفَتُهُ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ (أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ (أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إنَّ الله هو السميع العليم) وقال الحسن ابن صَالِحٍ يَقُولُ (أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَنَقَلَ الشَّاشِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ (أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وَحَكَى صَاحِبُ الشَّامِلِ هَذَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ واحتج بقول الله تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله انه سميع عليم) وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تعلى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرجيم) فَقَدْ امْتَثَلَ الْأَمْرَ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا فَلَيْسَتْ بَيَانًا لِصِفَةِ الِاسْتِعَاذَةِ بَلْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى
[ ٣ / ٣٢٥ ]
بِالِاسْتِعَاذَةِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ عَلِيمٌ فَهُوَ حَثَّ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ وَالْآيَةُ الَّتِي أَخَذْنَا بِهَا أَقْرَبُ إلَى صِفَةِ الِاسْتِعَاذَةِ وَكَانَتْ أَوْلَى وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ فَسَبَقَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ
* وَأَمَّا الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ فِي الْجَهْرِيَّةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الرَّاجِحَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَجْهَرُ وَقَالَ ابْنُ لَيْلَى الْإِسْرَارُ وَالْجَهْرُ سَوَاءٌ وَهُمَا حَسَنَانِ
* وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ فِي مَذْهَبِنَا اسْتِحْبَابُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَخْتَصُّ التَّعَوُّذُ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُ لِلْمَأْمُومِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَتَعَوَّذُ الْمَأْمُومُ لِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا
* وَأَمَّا حُكْمُهُ فَمُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمَا أَوْجَبَاهُ قَالَ وَعَنْ دَاوُد رِوَايَتَانِ (إحْدَاهُمَا) وُجُوبُهُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَدَلِيلُهُ ظاهر الآية ودليلنا حديث " المسئ صلاته " والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
* (ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَهُوَ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ")
*
** (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ عُبَادَةَ ﵁ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا وَمُتَعَيِّنَةٌ لَا يَقُومُ مَقَامَهَا تَرْجَمَتُهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا قِرَاءَةُ غَيْرِهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَيَسْتَوِي فِي تَعَيُّنِهَا جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا جَهْرُهَا وَسِرُّهَا وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُسَافِرُ وَالصَّبِيُّ وَالْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ وَالْمُضْطَجِعُ وَفِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي تَعَيُّنِهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ وَفِي الْمَأْمُومِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَسَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَتَسْقُطُ الْفَاتِحَةُ عَنْ الْمَسْبُوقِ وَيَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ الْإِمَامُ بِشَرْطِ أَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ مَحْسُوبَةٌ
[ ٣ / ٣٢٦ ]
للامام احتراز من الامام المحدث والذى قام الخامسة نَاسِيًا وَسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ مُتَعَيَّنَةٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَهَلْ نُسَمِّيهَا فِي النَّافِلَةِ وَاجِبَةً أَمْ شَرْطًا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي مَوَاضِعَ أَصَحُّهَا ركن والله أعلم هـ (فرع)
في مذاهب العلما في القراءة في الصلاة.
مذهبا أَنَّ الْفَاتِحَةَ مُتَعَيَّنَةٌ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَادِرِ عَلَيْهَا إلَّا بِهَا وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بن الْعَاصِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَخَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيِّ وَابْنِ عَوْنٍ والاوزاعي ومالك وابن المبارك واحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الثَّوْرِيِّ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ لَكِنْ تستحب وفى رواية عنه تجب ولا يشترط وَلَوْ قَرَأَ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ وَفِي قَدْرِ الْوَاجِبِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْهُ (إحْدَاهَا) آيَةٌ تامة (والثانية) ما يتناوله الِاسْمَ قَالَ الرَّازِيّ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ (وَالثَّالِثَةُ) ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حنيفة بقول الله تعالي (فاقرؤا ما تيسر منه) وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال للمسئ صَلَاتَهُ " كَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ من القرآن " رواه البخاري ومسلو بحديث أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَوْ غَيْرِهَا " وَفِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ " لَا صَلَاةَ إلَّا بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " قَالُوا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا يَقُومُ مَقَامَهَا قَالُوا وَلِأَنَّ سُوَرَ الْقُرْآنِ فِي الْحُرْمَةِ سَوَاءٌ بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْجَمِيعِ عَلَى الْجُنُبِ وَتَحْرِيمِ مس المحدث وغيرهما وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بفاتحة الكتاب "
[ ٣ / ٣٢٧ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَإِنْ قَالُوا مَعْنَاهُ لَا صَلَاةَ كَامِلَةً قُلْنَا هَذَا خِلَافُ الْحَقِيقَةِ وَخِلَافُ الظَّاهِرِ وَالسَّابِقِ إلَى الْفَهْمِ فَلَا يُقْبَلُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " من صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْكِتَابِ فهى خداج " يقولها ثلاثا غَيْرُ تَمَامٍ " فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ إنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَقَالَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غير المغضوب
[ ٣ / ٣٢٨ ]
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عُبَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " لا تجزى صَلَاةٌ لَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " رواه الدارقطني وقال اسناده صحيح حَسَنٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا تُجْزِي صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ ابن حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاءِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ " أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا يتيسر " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ وَالْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ لَا فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ وَعَنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الْفَاتِحَةَ تَتَيَسَّرُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ يُحْسِنُهَا وَعَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " لَا صَلَاةَ إلَّا بِقُرْآنٍ " أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى
هَذَا الْحَدِيثِ لَوْ صَحَّ أَنَّ أَقَلَّ مَا يُجْزِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ كَمَا يُقَالُ صُمْ وَلَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ أَيْ أَكْثِرْ مِنْ الصَّوْمِ فَإِنْ نَقَصْتَ فَلَا تَنْقُصْ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ سُوَرَ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ فِي الْحُرْمَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ منه استواؤها في الاجزاء في الصلاة لاسيما وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي نَفْسِ الْفَاتِحَةِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا هَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ مِنْ الدَّلَائِلِ لَنَا وَلَهُمْ اقْتَصَرْتُ فِيهَا عَلَى الصَّوَابِ مِنْ الدَّلَائِلِ الصَّحِيحَةِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِطْنَابِ فِي الْوَاهِيَاتِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
*
[ ٣ / ٣٢٩ ]
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي أَصْلِ الْقِرَاءَةِ: مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وُجُوبُهَا وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهَا وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَمُتَابِعُوهُ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ أَنَّهُمَا قَالَا لَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَاحْتُجَّ لَهُمَا بِمَا رَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ " صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمْ يَقْرَأْ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ كَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ قَالُوا حَسَنًا قَالَ فَلَا بَأْسَ " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرُهُ وَعَنْ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ " أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَلِيٍّ ﵁ إنِّي صَلَّيْتُ وَلَمْ أَقْرَأْ قَالَ أَتْمَمْتُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالَ نَعَمْ قَالَ تَمَّتْ صَلَاتُكَ " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ.
الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ " لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَجَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ أَبَا سَلَمَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ لَمْ يُدْرِكَا عُمَرَ
(وَالثَّانِي)
أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مَوْصُولَيْنِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَقْرَأْ فَأَعَادَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مَوْصُولَةٌ مُوَافِقَةٌ لِلسُّنَّةِ فِي وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ وَلِلْقِيَاسِ فِي أَنَّ الْأَرْكَانَ لَا تَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فَضَعِيفٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَتُرِكَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ زَيْدٍ فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مُرَادُهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى حَسْبِ مَا فِي الْمُصْحَفِ فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَقَايِيسِ الْعَرَبِيَّةِ بَلْ حُرُوفُ الْقِرَاءَةِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ أَيْ طَرِيقٌ يُتَّبَعُ وَلَا يُغَيَّرُ وَاَللَّهُ اعلم
*
[ ٣ / ٣٣٠ ]
(فَرْعٌ)
لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ حَكَاهَا الْإِمَامُ أبو اسحق الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ (أَحَدُهَا) فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ.
قَالُوا سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِهَا الْمُصْحَفُ وَالتَّعَلُّمُ وَالْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ مُفْتَتَحَةٌ بِالْحَمْدِ الَّذِي يُفْتَتَحُ بِهِ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ وَقِيلَ لِأَنَّ الْحَمْدَ فَاتِحَةُ كُلِّ كِتَابٍ (الثَّانِي) سُورَةُ الْحَمْدِ لِأَنَّ فِيهَا الْحَمْدَ (الثَّالِثُ) وَ(الرَّابِعُ) أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي الْمُصْحَفِ كَمَا أَنَّ مَكَّةَ أُمُّ الْقُرَى حَيْثُ دُحِيَتْ الدُّنْيَا مِنْ تَحْتِهَا وَقِيلَ لِأَنَّهَا مَجْمَعُ الْعُلُومِ وَالْخَيْرَاتِ كَمَا سُمِّيَ الدِّمَاغُ أُمُّ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ وَالْمَنَافِعِ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ الْأُمُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الرَّايَةُ يَنْصِبُهَا الْأَمِيرُ لِلْعَسْكَرِ يَفْزَعُونَ إلَيْهَا في حياتهم وموتهم وقال الحسن ابن الْفَضْلِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا إمَامٌ لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ يُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَيُقَدَّمُ عَلَى كُلِّ سُورَةٍ كَأُمِّ الْقُرَى لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ﵁ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَخَذَ بِيَدَيَّ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ " (الْخَامِسُ) الصَّلَاةُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي " وَهُوَ صَحِيحٌ كما سبق بيانه قريبا (السادس) لسبع الْمَثَانِي لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (السَّابِعُ) الْوَافِيَةُ - بِالْفَاءِ - لِأَنَّهَا لَا تَنْقُصُ فَيُقْرَأُ بَعْضُهَا فِي رَكْعَةٍ وَبَعْضُهَا فِي أُخْرَى بِخِلَافِ غَيْرِهَا (الثَّامِنُ) الْكَافِيَةُ لِأَنَّهَا تَكْفِي عَنْ غَيْرِهَا وَلَا يَكْفِي عَنْهَا غَيْرُهَا (التَّاسِعُ) الْأَسَاسُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (الْعَاشِرُ) الشِّفَاءُ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَسْمِيَتِهَا أُمَّ الْكِتَابِ فَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّ الْكِتَابَ تَبَعٌ لَهَا وَمَنَعَهُ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَزَعَمَا أَنَّ
[ ٣ / ٣٣١ ]
هَذَا اسْمٌ لِلَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَلَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ (قُلْتُ) هَذَا غَلَطٌ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ
" مَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ " وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الكتاب والسبع الثاني " * قال المصنف ﵀
*
* (فَإِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ تُجْزِيهِ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ كيف كان الركوع والسجود قالوا احسنا قَالَ فَلَا بَأْسَ وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا تُجْزِيهِ لِأَنَّ مَا كَانَ رُكْنًا فِي الصَّلَاةِ لم يسقط فرضه بالنسيان كالركوع والسجود)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* هَذَا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ فِي مَذْهَبِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ وَذَكَرْنَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ وانه جاء انه أَعَادَ الصَّلَاةَ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِيمَنْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ نَاسِيًا حَتَّى سَلَّمَ أَوْ رَكَعَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الْجَدِيدُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ بَلْ إنْ تَذَكَّرَ فِي الركوع أو بعده قَبْلَ الْقِيَامِ إلَى الثَّانِيَةِ عَادَ إلَى الْقِيَامِ وَقَرَأَ وَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ قِيَامِهِ إلَى الثَّانِيَةِ لَغَتْ الْأُولَى وَصَارَتْ الثَّانِيَةُ هِيَ الْأُولَى وَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْفَصْلُ قَرِيبٌ لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَى الصَّلَاةِ وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ أُخْرَى وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي الْقَدِيمُ أَنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ بِالنِّسْيَانِ فَعَلَى هَذَا إنْ تذكر بعد السلام فلا شئ عَلَيْهِ وَإِنْ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ وَمَا بَعْدَهُ قَبْلَ السَّلَامِ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي يَجِبُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْقِرَاءَةِ كَمَا لَوْ نسى سجدة ونحوها
(والثانى)
لا شئ عَلَيْهِ وَرَكْعَتُهُ صَحِيحَةٌ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ كَمَا لَوْ تَذَكَّر بَعْدَ السَّلَامِ وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ وَقَطَعَ بِهِ أَيْضًا الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ
* (فَرْعٌ)
لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ فِيهَا خِلَافٌ كَهَذِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَصِحُّ (مِنْهَا) تَرْكُ تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ نَاسِيًا (وَنِسْيَانُ) الْمَاءِ فِي رَحْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ (وَمَنْ) صَلَّى أَوْ صَامَ بِالِاجْتِهَادِ فَصَادَفَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ حَمَلَهَا أَوْ نَسِيَهَا أَوْ أَخْطَأَ فِي الْقِبْلَةِ بِيَقِينٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ سبق بيانها في باب صفة الوضوء
*
* قال المصنف ﵀
*
* (ويجب ان يبتدئها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا آيَةٌ مِنْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ
[ ٣ / ٣٣٢ ]
اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَعَدَّهَا آيَةً " وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَثْبَتُوهَا فِيمَا جَمَعُوا مِنْ الْقُرْآنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ يُجْهَرُ فِيهَا جَهَرَ بِهَا كَمَا يَجْهَرُ بِسَائِرِ الْفَاتِحَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " جَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَلِأَنَّهَا تُقْرَأُ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُقْرَأُ بَعْدَ التَّعَوُّذِ فَكَانَ سُنَّتُهَا الْجَهْرَ كَسَائِرِ الْفَاتِحَةِ)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ وَسَنَذْكُرُ مَا يُغْنِي عَنْهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ بِلَا خِلَافٍ وَلَيْسَتْ فِي أَوَّلِ بَرَاءَةَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا بَاقِي السُّوَرِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَبَرَاءَةَ فَفِي الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ مِنْهَا ثلاثة أقوال حكاها الخراسانيون اصحهما وَأَشْهَرُهَا وَهُوَ الصَّوَابُ أَوْ الْأَصْوَبُ أَنَّهَا آيَةٌ كَامِلَةٌ
(وَالثَّانِي)
أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا قُرْآنٌ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ غَيْرَ بَرَاءَةَ ثُمَّ هَلْ هِيَ فِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا قُرْآنٌ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ أَمْ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا.
فِيهِ وجهان مشهوران لاصحابنا حكاهما المحاملي وصحاب الْحَاوِي وَالْبَنْدَنِيجِيّ (أَحَدُهُمَا) عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِقِرَاءَتِهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَلَا يَكُونُ قَارِئًا لِسُورَةٍ غَيْرِهَا بِكَمَالِهَا إلَّا إذَا ابْتَدَأَهَا بِالْبَسْمَلَةِ (وَالصَّحِيحُ) أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ إذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ نَافِيهَا لَا يَكْفُرُ وَلَوْ كَانَتْ قُرْآنًا قَطْعًا لَكَفَرَ كَمَنْ نَفَى غَيْرَهَا فَعَلَى هَذَا يُقْبَلُ فِي إثْبَاتِهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ وَإِذَا قَالَ هِيَ قُرْآنٌ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ لَمْ يُقْبَلْ فِي إثْبَاتِهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي إثْبَاتِهَا فِي الْمُصْحَفِ كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَضَعَّفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّهَا قُرْآنٌ عَلَى سَبِيلِ القطع قال امام هَذِهِ غَبَاوَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَائِلِ هَذَا لِأَنَّ ادِّعَاءَ الْعِلْمِ حَيْثُ لَا قَاطِعَ مُحَالٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا هِيَ آيَةٌ حكما لا قطعا وقال أبو علي ابن أَبِي هُرَيْرَةَ هِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سورة غير براءة قطعا ولا خلاف اعندنا أنها تجب قراءتها فِي أَوَّلِ
الْفَاتِحَةِ وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بها لانها كباقي الفاتحة قال الشافعي ولاصحاب وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ
[ ٣ / ٣٣٣ ]
فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ فِي الْفَاتِحَةِ وَفِي السُّورَةِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي إثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ وَعَدَمِهَا (اعْلَمْ) أَنَّ مَسْأَلَةَ الْبَسْمَلَةِ عَظِيمَةٌ مُهِمَّةٌ يَنْبَنِي عَلَيْهَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْأَرْكَانِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ وَلِهَذَا الْمَحَلِّ الْأَعْلَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ وَصْفِهَا اعْتَنَى الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ بِشَأْنِهَا وَأَكْثَرُوا التَّصَانِيفَ فِيهَا مُفْرَدَةً وَقَدْ جَمَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ وَحَوَى فِيهِ مُعْظَمَ الْمُصَنَّفَاتِ فِي ذَلِكَ مُجَلَّدًا كَبِيرًا (١) وَأَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَذْكُرُ هُنَا جَمِيعَ مَقَاصِدِهِ مُخْتَصَرَةً وَأَضُمُّ إلَيْهَا تَتِمَّاتٍ لابد مِنْهَا فَأَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ بِلَا خِلَافٍ فَكَذَلِكَ هِيَ آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرَ بَرَاءَةَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا كَمَا سَبَقَ وَبِهَذَا قَالَ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ من السلف قال الحافظ أبو عمرو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٍ وَقَالَ وَوَافَقَ الشَّافِعِيَّ فِي كونها من الفاتحة احمد واسحق وَأَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَكَّةَ وأكثر أهل العراق وحكاه الخطابي أ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْخِلَافِيَّاتُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَالزُّهْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَفِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ﵃
* وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد لَيْسَتْ الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ كُلِّهَا قُرْآنًا لَا فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَقَالَ أَحْمَدُ هِيَ آيَةٌ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ بِقُرْآنٍ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَيْضًا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُ مِنْهُمْ هِيَ آيَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ غَيْرَ الْأَنْفَالِ وَبَرَاءَةَ وَلَيْسَتْ مِنْ السُّوَرِ بَلْ هِيَ قرآن كسورة قَصِيرَةٍ وَحُكِيَ هَذَا عَنْ دَاوُد وَأَصْحَابِهِ أَيْضًا ورواية عن احمد وقال محمد ابن الْحَسَنِ مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ مَنْ أَثْبَتَهَا وَلَا مَنْ نَفَاهَا لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَفَى حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ أَثْبَتَ مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِالْإِجْمَاعِ وَهَذَا فِي الْبَسْمَلَةِ الَّتِي فِي اوائل السور
[ ٣ / ٣٣٤ ]
غَيْرَ بَرَاءَةَ وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ فِي أَثْنَاءِ سُورَةِ النَّمْلِ (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحين) فَقُرْآنٌ بِالْإِجْمَاعِ فَمَنْ جَحَدَ مِنْهَا حَرْفًا كَفَرَ بِالْإِجْمَاعِ (وَاحْتَجَّ) مَنْ نَفَاهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ السُّوَرِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ بِالظَّنِّ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَسْمَلَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا بِطُولِهِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " إنَّ مِنْ الْقُرْآنِ سورة ثلاثون آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ " وَهِيَ (تبارك الذى بيده الملك) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد تَشْفَعُ قَالُوا وَقَدْ أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثُونَ آيَةً سِوَى الْبَسْمَلَةِ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي مَبْدَأِ الْوَحْيِ " أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ له " فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا آخِرِهَا " قَالُوا وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ الْقُرْآنِ لَكَفَرَ جَاحِدُهَا وَأَجْمَعْنَا أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ (قَالُوا) وَلِأَنَّ أَهْلَ الْعَدَدِ مُجْمِعُونَ عَلَى تَرْكِ عَدِّهَا آيَةً مِنْ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي عَدِّهَا فِي الْفَاتِحَةِ قَالُوا وَنَقَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِأَسْرِهِمْ عَنْ آبَائِهِمْ التَّابِعِينَ عَنْ الصحابة ﵃ افتتاح الصلاة بالحمد لله رب العالمين قَالُوا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " تَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ فقال الحمد لله رب العالمين "
* وَاحْتَجَّ
* أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اجمعوا علي اثباتها في المصحف جميعا في اوائل السور سِوَى بَرَاءَةَ بِخَطِّ الْمُصْحَفِ بِخِلَافِ الْأَعْشَارِ وَتَرَاجِمِ السُّوَرِ فَإِنَّ الْعَادَةَ كِتَابَتُهَا
[ ٣ / ٣٣٥ ]
بِحُمْرَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا لَمَا اسْتَجَازُوا إثْبَاتَهَا بِخَطِّ الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهَا قُرْآنٌ فَيَكُونُونَ مُغَرِّرِينَ بِالْمُسْلِمِينَ حَامِلِينَ لَهُمْ عَلَى اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ قُرْآنًا فَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ
اعْتِقَادُهُ فِي الصَّحَابَةِ ﵃ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا أَقْوَى أَدِلَّتِنَا فِي إثْبَاتِهَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ أَحْسَنُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ أَصْحَابُنَا كِتَابَتُهَا فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي قصدوا بكتابتها ففى الْخِلَافِ عَنْ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا مِائَةً وَثَلَاثَ عَشَرَةَ آيَةً لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى أَظْهَرُ الْأَدِلَّةِ كِتَابَتُهَا بِخَطِّ الْقُرْآنِ قَالَ وَنَحْنُ نَقْنَعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالظَّنِّ وَلَا شَكَّ فِي حُصُولِهِ (فَإِنْ قِيلَ) لَعَلَّهَا أُثْبِتَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ (فَجَوَابُهُ) مِنْ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ هَذَا فِيهِ تَغْرِيرٌ لَا يَجُوزُ ارْتِكَابُهُ لِمُجَرَّدِ الْفَصْلِ
(وَالثَّانِي)
أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْفَصْلِ لَكُتِبَتْ بَيْنَ بَرَاءَةَ وَالْأَنْفَالِ وَلَمَا حَسُنَ كِتَابَتُهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ (الثَّالِثُ) أَنَّ الْفَصْلَ كَانَ مُمْكِنًا بِتَرَاجِمِ السُّوَرِ كَمَا حَصَلَ بَيْنَ بَرَاءَةَ وَالْأَنْفَالِ (فَإِنْ قِيلَ) لَعَلَّهَا كُتِبَتْ لِلتَّبَرُّكِ بِذِكْرِ اللَّهِ (فَجَوَابُهُ) مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ (وَمِنْ وَجْهٍ رَابِعٍ) أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لِلتَّبَرُّكِ لَاكْتَفَى بِهَا فِي أَوَّلِ الْمُصْحَفِ أَوْ لَكُتِبَتْ فِي أَوَّلِ بَرَاءَةَ وَلَمَا كُتِبَتْ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ كَالْفَاتِحَةِ وَالْأَنْعَامِ وَسُبْحَانَ وَالْكَهْفِ وَالْفُرْقَانِ وَالْحَدِيدِ وَنَحْوِهَا فَلَمْ يَكُنْ حَاجَةً إلَى الْبَسْمَلَةِ وَلِأَنَّهُمْ قَصَدُوا تَجْرِيدَ الْمُصْحَفِ مِمَّا لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَلِهَذَا لَمْ يَكْتُبُوا التَّعَوُّذَ وَالتَّأْمِينَ مَعَ أَنَّهُ صَحَّ الْأَمْرُ بِهِمَا وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَلَا الْآيَاتِ النَّازِلَةَ فِي بَرَاءَةِ عَائِشَةَ ﵂ لَمْ يُبَسْمِلْ وَلَمَّا تلا سورة الكوثر حين نزوله بَسْمَلَ فَلَوْ كَانَتْ لِلتَّبَرُّكِ لَكَانَتْ الْآيَاتُ فِي براءة عائشة اولي مما تبرك فِيهِ لِمَا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ السُّرُورِ بِذَلِكَ وَعَنْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَعَدَّهَا آيَةً " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سبعا من المثانى) قَالَ " هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ قَالَ فَأَيْنَ السَّابِعَةُ قَالَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) " رَوَاهُمَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إذْ أَغْفَى إغْفَاءً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ
[ ٣ / ٣٣٦ ]
لله قَالَ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم انا اعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الابتر " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فقال " كانت مداثم قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ الرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ الرَّحِيمِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ
" كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ أَيْضًا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ كُلِّهَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (الْأَوَّلُ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلِمَ أَنَّهَا سُورَةٌ (الثَّانِي) " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعْلَمُ خَتْمَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " الثَّالِثُ " كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَعْلَمُونَ انْقِضَاءَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ ﵃ " أَنَّ الْفَاتِحَةَ هِيَ السَّبْعُ مِنْ الْمَثَانِي وَهِيَ السَّبْعُ آيَاتٍ وَأَنَّ الْبَسْمَلَةَ هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ " وَفِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: إنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحين إحْدَى آيَاتِهَا " قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رِجَالُ إسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثقاة وَرُوِيَ مَوْقُوفًا.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَعَاضِدَةٌ مُحَصِّلَةٌ لِلظَّنِّ الْقَوِيِّ بِكَوْنِهَا قُرْآنًا حَيْثُ كُتِبَتْ وَالْمَطْلُوبُ هُنَا هُوَ الظَّنُّ لَا الْقَطْعُ خِلَافُ مَا ظَنَّهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ حَيْثُ شَنَّعَ عَلَى مَذْهَبِنَا وَقَالَ لَا يَثْبُتُ الْقُرْآنُ بِالظَّنِّ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَأَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الظَّنَّ يَكْفِي فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (مِمَّا) ذَكَرَهُ حَدِيثَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعْرِفُ خَتْمَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ
[ ٣ / ٣٣٧ ]
عليه بسم الله الرحمن الرحيم " قال والقاضي معترف بهذا ولكنه تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَنْزِلُ وَلَمْ تَكُنْ قُرْآنًا قَالَ وَلَيْسَ كُلُّ مُنَزَّلٍ قُرْآنًا قَالَ الغزالي: وما من منصف إلَّا وَيَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ وَيُضَعِّفُهُ وَاعْتَرَفَ أَيْضًا بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ كُتِبَتْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مَعَ إخْبَارِهِ ﷺ أَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ وهذا موهم كل أحد انها قرآنا وَدَلِيلٌ قَاطِعٌ أَوْ كَالْقَاطِعِ أَنَّهَا قُرْآنٌ فَلَا وَجْهَ لِتَرْكِ بَيَانِهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا (فان قيل) لو كانت قرآن لَبَيَّنَهَا (فَالْجَوَابُ) أَنَّهُ ﷺ اكتفى بقوله أنها منزلة وباملاتها عَلَى كُتَّابِهِ وَبِأَنَّهَا تُكْتَبُ بِخَطِّ الْقُرْآنِ كَمَا يُبَيِّنْ عِنْدَ إمْلَاءِ كُلِّ آيَةٍ أَنَّهَا قُرْآنٌ اكْتِفَاءً بِعِلْمِ ذَلِكَ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ وَمِنْ التَّصْرِيحِ بِالْإِنْزَالِ (فَإِنْ قِيلَ) قَوْلُهُ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّوَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لِلْفَصْلِ (قُلْنَا) مَوْضِعُ الدَّلَالَةِ قَوْلُهُ حَتَّى يَنْزِلَ فَأَخْبَرَ بِنُزُولِهَا وهذه صِفَةُ كُلِّ الْقُرْآنِ وَتَقْدِيرُ اللَّهِ لَا يُعْرَفُ
بِالشُّرُوعِ فِي سُورَةٍ أُخْرَى إلَّا بِالْبَسْمَلَةِ فَإِنَّهَا لَا تَنْزِلُ إلَّا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي آخِرِ كَلَامِهِ الْغَرَضُ بَيَانُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً بَلْ ظَنِّيَّةً وَأَنَّ الْأَدِلَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَارِضَةً فَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا أَرْجَحُ وَأَغْلَبُ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ لَا يَثْبُتُ القران إلا بالتواثر فَمِنْ وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّ إثْبَاتَهَا فِي الْمُصْحَفِ فِي مَعْنَى التَّوَاتُرِ
(وَالثَّانِي)
أَنَّ التَّوَاتُرَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَثْبُتُ قُرْآنًا عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ أَمَّا مَا يَثْبُتُ قُرْآنًا عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَالْبَسْمَلَةُ قُرْآنٌ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا كَمَا سَبَقَ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ " فَمِنْ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا (أَحَدُهَا) أَنَّ الْبَسْمَلَةَ إنَّمَا لَمْ تُذْكَرْ لِانْدِرَاجِهَا فِي الْآيَتَيْنِ بَعْدَهَا (الثَّانِي) أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ فَإِذَا انْتَهَى الْعَبْدُ فِي قِرَاءَتِهِ إلَى " الْحَمْدُ لله رب العالمين " وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْبَسْمَلَةُ دَاخِلَةً (الثَّالِثُ) أَنْ يُقَالَ الْمَقْسُومُ مَا يَخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ مِنْ الْآيَاتِ الْكَامِلَةِ وَاحْتَرَزْنَا بِالْكَامِلَةِ عَنْ قَوْله تَعَالَى (وَقِيلَ الْحَمْدُ لله رب العالمين) وعن قوله تعالى (وسلام علي المرسلين والحمد لله رب العالمين) وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ فَغَيْرُ مُخْتَصَّةٍ (الرَّابِعُ) لَعَلَّهُ قَالَهُ قَبْلَ نُزُولِ الْبَسْمَلَةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَقُولُ ضَعُوهَا فِي سُورَةِ كَذَا (الْخَامِسُ) أَنَّهُ جَاءَ ذكر البسملة في رواية الدارقطني والبيهقي فقال " فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ اللَّهُ ذَكَرَنِي عَبْدِي " وَلَكِنَّ إسْنَادَهَا ضَعِيفٌ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ وَاخْتُلِفَ فِي السَّابِعَةِ فَمَنْ جَعَلَ الْبَسْمَلَةَ آيَةً قَالَ السَّابِعَةُ (صِرَاطَ الَّذِينَ) إلَى آخِرِ السُّورَةِ: وَمَنْ نَفَاهَا قَالَ (صِرَاطَ الذين انعمت عليهم) سادسة (وغير المغضوب عليهم) إلَى آخِرِهَا هِيَ السَّابِعَةُ قَالُوا وَيَتَرَجَّحُ هَذَا لان به يحصل حقيقة التنصيف فيكون لله تعالى ثلاث آيات ونصف وللعبد مِثْلُهَا وَمَوْضِعُ التَّنْصِيفِ
[ ٣ / ٣٣٨ ]
(إياك نعبد وإياك نستعين) فَلَوْ عُدَّتْ الْبَسْمَلَةُ آيَةً وَلَمْ يُعَدَّ (غَيْرِ المغضوب عليهم) صار لِلَّهِ تَعَالَى أَرْبَعُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ وَلِلْعَبْدِ آيَتَانِ وَنِصْفٌ وَهَذَا خِلَافُ تَصْرِيحِ الْحَدِيثِ بِالتَّنْصِيفِ (فَالْجَوَابُ) من أوجه (أحدها) منع إرادة حقيقة التنيصف بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ الشَّاعِرِ
* إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَيْنِ شَامِتٌ
* وَآخَرُ مُثْنٍ بِاَلَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ قِسْمَانِ فَأَوَّلُهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَآخِرُهَا لِلْعَبْدِ
(وَالثَّانِي)
أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّنْصِيفِ قِسْمَانِ
الثَّنَاءُ وَالدُّعَاءُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِعَدَدِ الْآيَاتِ (الثَّالِثُ) أَنَّ الْفَاتِحَةَ إذَا قُسِمَتْ بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا كان التنصف فِي شَطْرَيْهَا أَقْرَبَ مِمَّا إذَا قُسِمَتْ بِحَذْفِ الْبَسْمَلَةِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ تَقْسِيمُهَا بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ (فَإِنْ قِيلَ) يَتَرَجَّحُ جَعْلُ الْآيَةِ السَّابِعَةِ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) لقوله فإذا قال العبد (اهدنا الصراط إلَى آخِرِ السُّورَةِ قَالَ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي فَلَفْظَةُ هؤلاء جمع يقتضى ثلاثة آيَاتٍ وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ لِلْعَبْدِ إلَّا آيَتَانِ (فَالْجَوَابُ) أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ رَوَوْهُ فَهَذَا لِعَبْدِي وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ ثَابِتَةً فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادَيْهِمَا الصَّحِيحَيْنِ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَكُونُ الْإِشَارَةُ بِهَؤُلَاءِ إلَى الْكَلِمَاتِ أَوْ إلَى الْحُرُوفِ أَوْ إلَى آيَتَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ قَوْله تعالى (وإياك نستعين) إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَمِثْلُ هَذَا يُجْمَعُ كَقَوْلِ الله تعالى (الحج أشهر معلومات) وَالْمُرَادُ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ أَوْ إلَى آيَتَيْنِ فَحَسْبُ وَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ وَحَقِيقَتُهُ ثَلَاثَةٌ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الِاثْنَيْنِ حَقِيقَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ هَذَا كُلُّهُ إذَا سَلَّمْنَا أَنَّ التَّنَصُّفَ تَوَجَّهَ إلَى آيَاتِ الْفَاتِحَةِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَصْلِهِ وَإِنَّمَا التَّنَصُّفُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الصَّلَاةِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ (فَإِنْ قَالُوا) الْمُرَادُ قِرَاءَةُ الصَّلَاةِ (قُلْنَا) بَلْ الْمُرَادُ قِسْمَةُ ذِكْرِ الصَّلَاةِ أَيْ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا وَهُوَ ثَنَاءٌ وَدُعَاءٌ فَالثَّنَاءُ مُنْصَرِفٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَمَا وَقَعَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِمَا وَالدُّعَاءُ مُنْصَرِفٌ إلَى الْعَبْدِ سَوَاءٌ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ ثُمَّ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ إخْبَارِهِ بِقِسْمَةِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ أَمْرًا آخَرَ وَهُوَ مَا يَقُولُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَبْدِ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقْسُومِ لَا أَنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرُ بَعْضِ الْمَقْسُومِ (فَإِنْ قِيلَ) يَتَرَجَّحُ كَوْنُهُ تَفْسِيرًا لَذَكَرَهُ عَقِيبَهُ (قُلْنَا) لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الصَّلَاةِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي الْفَاتِحَةِ فَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى قِسْمَةِ الذِّكْرِ أَعَمُّ وَأَكْثَرُ فَائِدَةً فَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ عُمْدَةُ نُفَاةِ الْبَسْمَلَةِ وَقَدْ بَانَ أَمْرُهُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ (وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ شَفَاعَةِ تبارك وهو ان المراد
[ ٣ / ٣٣٩ ]
مَا سِوَى الْبَسْمَلَةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَذِهِ السُّورَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ قَبْلَ نُزُولِ الْبَسْمَلَةِ فِيهَا فَلَمَّا نَزَلَتْ أُضِيفَتْ إلَيْهَا بدليل كتابتها في المصحف ويؤيد تأويل هذ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رِوَايَةُ أَبِي
هُرَيْرَةَ فَمَنْ يُثْبِتُ الْبَسْمَلَةَ فَهُوَ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ (وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ مَبْدَأِ الْوَحْيِ وَهُوَ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ كَنَظَائِرَ لَهَا مِنْ الْآيَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ سُوَرِهِ فِي النُّزُولِ فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الْمُعْتَمَدُ وَبِهِ أَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُمَا (وَجَوَابٌ آخَرُ) وَهُوَ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ نَزَلَتْ أَوَّلًا وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " أَوَّلُ مَا أَلْقَى عَلَيَّ جِبْرِيلُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ عَنْ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَهَذَا لَيْسَ بِثَابِتٍ فَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ
* وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَسَيَأْتِي جَوَابُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ (وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ لَوْ كَانَتْ قُرْآنًا لَكَفَرَ جَاحِدُهَا فَجَوَابُهُ من وجهين (أحدها) أَنْ يُقْلَبَ عَلَيْهِمْ فَيُقَالَ لَوْ لَمْ تَكُنْ قرآن لَكَفَرَ مُثْبِتُهَا (الثَّانِي) أَنَّ الْكُفْرَ لَا يَكُونُ بِالظَّنِّيَّاتِ بَلْ بِالْقَطْعِيَّاتِ وَالْبَسْمَلَةُ ظَنِّيَّةٌ (وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَدَدِ عَلَى أَنَّهُ لَا تُعَدُّ آيَةً فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّ أَهْلَ العدد ليسوا كل الامة فيكون إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً بَلْ هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ عدوا كذلك اما لانه مذهبهم ففى الْبَسْمَلَةِ وَإِمَّا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ وَأَنَّهَا مَعَ أَوَّلِ السُّورَةِ آيَةٌ (الثَّانِي) أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ " مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وَثَلَاثَ عَشَرَةَ آيَةً " وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ نَقْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِجْمَاعِهِمْ بَلْ قَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ الْخِلَافُ عَنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ وَسَتَأْتِي قِصَّةُ مُعَاوِيَةَ حِينَ تَرَكَهَا فِي صَلَاتِهِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَأَيُّ إجْمَاعٍ مَعَ هَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَوْجُودٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا قَالَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ مَكَّةَ أَنَّ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَوَّلُ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَوْ ثَبَتَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً مَعَ وُجُودِ الْخِلَافِ لِغَيْرِهِمْ هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " كَيْفَ تَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا لَفْظُهُ فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ " كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ " وَهَذَا لَا دَلِيلَ فِيهِ وَفِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيّ عَكْسُ مَا ذَكَرُوهُ وَهُوَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لبريدة " بأى شئ تَسْتَفْتِحُ الْقُرْآنَ إذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ قَالَ قُلْتُ ببسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَعَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
[ ٣ / ٣٤٠ ]
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَهْرِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنْ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ الْجَهْرِ بِهَا حَيْثُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ جَمِيعًا فَلَهَا فِي الْجَهْرِ حُكْمُ بَاقِي الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ والقراء فأما الصحابة الذين قالو بِهِ فَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَقَيْسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وشداد بن أوس وعبد الله ابن جعفر والحسين بن علي وعبد الله جَعْفَرٍ (١) وَمُعَاوِيَةَ وَجَمَاعَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ حَضَرُوهُ لَمَّا صَلَّى بِالْمَدِينَةِ وَتَرَكَ الْجَهْرَ فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَرَجَعَ إلَى الْجَهْرِ بِهَا ﵃ أَجْمَعِينَ (قَالَ الْخَطِيبُ) وَأَمَّا التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ قَالَ بِالْجَهْرِ بِهَا فَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرُوا وَأَوْسَعُ مِنْ أَنْ يُحْصَرُوا وَمِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو وَائِلٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَعِكْرِمَةُ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ومحمد ابن كَعْبٍ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَمَكْحُولٌ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو قِلَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مغفل بْنِ مُقَرِّنٍ فَهَؤُلَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ قَالَ الْخَطِيبُ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ بَعْدَ التَّابِعِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنُ أبي ذئب والليث بن سعد واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ بَعْضِ هَؤُلَاءِ وَزَادَ فِي التَّابِعِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ ومحمد بن الحنفية وسليمان التيمي ومن تابعهم المعنمر بْنُ سُلَيْمَانَ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بعض
_________________
(١) كذا بالاصل
[ ٣ / ٣٤١ ]
هَؤُلَاءِ وَزَادَ فَقَالَ هُوَ قَوْلٌ جَمَاعَةِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ وَسَائِرِ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ الْحُفَّاظُ وَاخْتَارُوهُ وَصَنَّفُوا فِيهِ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَأَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ وَأَبِي
الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبِي عَبْدِ الله الحاكم وأبي بكر البيهقى والخطيب وابى عمرو بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمْ ﵏.
وَفِي كِتَابِ الْخِلَافِيَّاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قال اجتمع آل مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى الْجَهْرِ " بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَنَقَلَ الْخَطِيبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي خَلْفَ مَنْ لَا يَجْهَرُ " بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ لَا يَنْبَغِي الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ لَا يَجْهَرُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاعْلَمْ أَنَّ أَئِمَّةَ الْقِرَاءَةِ السَّبْعَةِ (مِنْهُمْ) من يري الْبَسْمَلَةُ بِلَا خِلَافٍ عَنْهُ (وَمِنْهُمْ) مِنْ رُوِيَ عَنْهُ الْأَمْرَانِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُبَسْمِلْ بِلَا خِلَافٍ عَنْهُ فَقَدْ بَحَثْتُ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْبَحْثِ فَوَجَدْتُهُ كَمَا ذَكَرْتُهُ.
ثُمَّ كُلُّ مَنْ رُوِيَتْ عَنْهُ الْبَسْمَلَةُ ذُكِرَتْ بِلَفْظِ الْجَهْرِ بها إلَّا رِوَايَاتٍ شَاذَّةً جَاءَتْ عَنْ حَمْزَةَ ﵀ بالاسرار بها وهذا كله ما يَدُلُّ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ عَلَى تَرْجِيحِ إثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ وَالْجَهْرِ بِهَا.
وَفِي كِتَابِ الْبَيَانِ لِابْنِ أبى هاشم عن أبى القاسم بن المسلسى قَالَ كُنَّا نَقْرَأُ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فِي أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَبَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْفَرْضِ كَانَ هَذَا مَذْهَبَ الْقُرَّاءِ بِالْمَدِينَةِ
* وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ السُّنَّةَ الْإِسْرَارُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ وَهَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَكَمِ أَنَّ الْجَهْرَ وَالْإِسْرَارَ سَوَاءٌ (وَاعْلَمْ) أَنَّ مَسْأَلَةَ الْجَهْرِ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى
[ ٣ / ٣٤٢ ]
مَسْأَلَةِ إثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِمَّنْ يَرَى الاسرار بها لا يعتقدونه قرآنا بل يرونها من سنته كَالتَّعَوُّذِ وَالتَّأْمِينِ وَجَمَاعَةً مِمَّنْ يَرَى الْإِسْرَارَ بِهَا يَعْتَقِدُونَهَا قُرْآنًا وَإِنَّمَا أَسَرُّوا بِهَا وَجَهَرَ أُولَئِكَ لِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ يَرَى الْإِسْرَارَ بِحَدِيثِ أَنَسٌ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا ﵁ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ " صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين لَا يَذْكُرُونَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وفى رواية الدراقطنى " فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".
وَعَنْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن مغفل قال " سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم فقل أَيْ بُنَيَّ إيَّاكَ وَالْحَدَثَ فَإِنِّي صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ رَجُلًا مِنْهُمْ يَقُولُهُ فَإِذَا قَرَأْتَ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ " مَا جَهَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ ﵄ " قَالُوا وَلِأَنَّ الْجَهْرَ بِهَا مَنْسُوخٌ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يجهر بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِمَكَّةَ وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَدْعُونَ مُسَيْلِمَةَ الرَّحْمَنَ فَقَالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إلَى إلَهِ الْيَمَامَةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلي لله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْفَاهَا فَمَا جَهَرَ بِهَا حَتَّى مَاتَ " قَالُوا وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ بِمِصْرَ حِين صَنَّفَ كتاب لجهر فَقَالَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْجَهْرِ بِهَا حَدِيثٌ.
قَالُوا وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ الْجَهْرُ بِهَا بِدْعَةٌ قَالُوا وَقِيَاسًا عَلَى التَّعَوُّذِ.
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَهْرُ ثَابِتًا لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا أَوْ مُسْتَفِيضًا كَوُرُودِهِ فِي سَائِرِ الْقِرَاءَةِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا والجمهور علي استحباب الجهر بأحاديث وَغَيْرِهَا جَمَعَهَا وَلَخَّصَهَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ فَقَالَ (اعْلَمْ) أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْجَهْرِ كَثِيرَةٌ (مِنْهُمْ) مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ (وَمِنْهُمْ) مَنْ فهم من
[ ٣ / ٣٤٣ ]
عبارته ولم يرد تصريح بالاسرار بها علي النَّبِيِّ ﷺ إلَّا رِوَايَتَانِ (إحْدَاهُمَا) عَنْ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ (وَالثَّانِيَةُ) عَنْ أَنَسٍ وَهِيَ مُعَلَّلَةٌ بِمَا أَوْجَبَ سُقُوطَ الاحتجاج بها كما سنوضح إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمِنْهُمْ) مَنْ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ " السَّابِقِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْإِسْرَارِ (وَمِنْهُمْ) مَنْ يَسْتَدِلُّ بِحَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ وَحَدِيثٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاعْتِمَادُهُمْ عَلَى حديثى أنس وابن مغفل لم يَدَعْ أَبُو الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ التَّحْقِيقُ غَيْرَهُمَا فَقَالَ لَنَا حَدِيثَانِ فَذَكَرَهُمَا وَسَنُوَضِّحُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِمَا وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْجَهْرِ فَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِمَا يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ (مِنْهَا)
وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَمُرَةَ بْنُ جُنْدُبٍ ﵃: أَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَوَرَدَتْ عَنْهُ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (الْأَوَّلُ) مَا هُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ مُتَّفَقٍ عَلَى صِحَّتِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " قَالَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ " وَفِي رِوَايَةٍ " بِقِرَاءَةٍ " وَفِي أُخْرَى " لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ " فَمَا أَعْلَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ " وَفِي رِوَايَةٍ " فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَاهُ مِنْكُمْ " كُلُّ هذه الالفاظ في الصحيح بعضها وفى الصَّحِيحَيْنِ وَبَعْضُهَا فِي أَحَدِهِمَا وَمَعْنَاهُ يَجْهَرُ بِمَا جَهَرَ بِهِ وَيُسِرُّ بِمَا أَسَرَّ بِهِ ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ فِي صَلَاتِهِ بِالْبَسْمَلَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الْجَهْرَ بِهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ الْبَغْدَادِيُّ الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ مَذْهَبٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ حفظ عنه واشتهر به رواه عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ (الْوَجْهُ الثَّانِي) حَدِيثُ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ قَالَ " صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ حَتَّى إذَا بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ وَقَالَ النَّاسُ آمِينَ وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَإِذَا قَامَ مِنْ الْجُلُوسِ مِنْ الِاثْنَيْنِ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَقُولُ إذَا سَلَّمَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صلاة برسول الله صلي الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فَأَمَّا الْجَهْرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ صَحَّ وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ مُتَّصِلٍ لَا شَكَّ وَلَا ارْتِيَابَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَخْبَارِ فِي صِحَّةِ سَنَدِهِ وَاتِّصَالِهِ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ فَقَدْ بَانَ وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ
[ ٣ / ٣٤٤ ]
ﷺ كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو حاتم ابن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ هذا حديث صحيح وكلهم ثِقَاتٌ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْخِلَافِيَّاتِ ثُمَّ قَالَ رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مُجْمَعٌ عَلَى عَدَالَتِهِمْ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصحيح: وقال في السنن الكببر وَهُوَ إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي أَوَّلِ
كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ فرواه من وجوه متعددة مرضية ثم هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ صَحِيحٌ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ تَعْلِيلٌ فِي اتِّصَالِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا إدْرِيسُ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهُ كَانَ إذَا قَرَأَ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ افْتَتَحَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ هِيَ آية من كتاب الله اقرؤوا إنْ شِئْتُمْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَإِنَّهَا الْآيَةُ السَّابِعَةُ " في رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا أَمَّ النَّاسَ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رِجَالُ إسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ قَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيَأْمُرُ بِهِ: فَذَكَر هَذَا الْحَدِيثَ " وَقَالَ بَدَلَ قَرَأَ جَهَرَ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ فَلَا عُذْرَ لِمَنْ يَتْرُكُ صَرِيحَ هَذِهِ
[ ٣ / ٣٤٥ ]
الاحاديث عن أبي هريرة ويعتمد روايته حَدِيثِ " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ " وَيَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ التَّسْمِيَةِ مُطْلَقًا أَوْ عَلَى الْإِسْرَارِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تصريح بشئ مِنْهُمَا وَالْجَمِيعُ رِوَايَةُ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ فَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ رِوَايَاتِهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِقَادِ اخْتِلَافِهَا مَعَ أَنَّ هذا الحديث الذى رواه الدارقطني باسناده حَدِيثِ " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ " بِعَيْنِهِ فَوَجَبَ حَمْلُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي أَحَدِهِمَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الثِّقَاتِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْهَا ﵂ قَالَتْ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين " وفى رواية " كان النبي صلي الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يُقَطِّعُهَا حَرْفًا حَرْفًا " وَفِي رِوَايَةٍ " كَانَ النَّبِيُّ صلي الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَرَأَ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آية " رواه الحلاكم هـ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَقَالَ إسْنَادُهُ كلهم ثقات أو هو إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الخبارى وَمُسْلِمٍ وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ هَارُونَ الْبَلْخِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم فعدها آية الحمد لله رب العالمين آيتين الرحمن الرحيم ثلاث آيات مالك يوم الدين أَرْبَع آيَاتٍ وَقَالَ هَكَذَا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين وَجَمَعَ خَمْسَ أَصَابِعِهِ " قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ لَمَّا وَقَفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْمَقَاطِيعِ أُخْبِرَ عَنْهُ أَنَّهُ عِنْدَ كُلِّ مَقْطَعٍ آيَةٌ لِأَنَّهُ جَمَعَ عَلَيْهِ أَصَابِعَهُ فَبَعْضُ الرُّوَاةِ حِينَ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَقَلَ ذلك زيادة في البيان وفى عُمَرَ بْنِ هَارُونَ هَذَا كَلَامٌ لِبَعْضِ الْحُفَّاظِ إلَّا أَنَّ حَدِيثَهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي حَدِيثِهِ وَهِيَ قَوْلُهُ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ فَرَوَاهَا الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِسَنَدِهِ وَذَكَرَ الرَّازِيّ لَهُ تأويلات ضَعِيفَةً أَبْطَلْتُهَا فِي الْكِتَابِ الطَّوِيلِ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ في المستدرك باسنادهما عن سعيد بن جيير عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
[ ٣ / ٣٤٦ ]
﵄ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " قَالَ الْحَاكِمُ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَيْسَ لَهُ عِلَّةٌ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيثَيْنِ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ لَيْسَ فِي رُوَاتِهِ مَجْرُوحٌ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " جَهَرَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " (وَالثَّانِي) " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَهَذَا الثَّانِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ فَحَصَلَ لَنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحَّحَهَا الْأَئِمَّةُ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ شَيْئًا مِنْهَا بَلْ ذَكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْمَكِّيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزُلْ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي السُّورَتَيْنِ حَتَّى قُبِضَ " قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَعُمَرُ بْنُ حَفْصٍ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِإِنْصَافٍ وَلَا تَحْقِيقٍ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ فِي الْجَهْرِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فالاستدلال به من اوجه (اولال) أَنَّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ عَنْ هَمَّامٍ وَجَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ " سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَانَتْ مَدًّا " ثُمَّ قَرَأَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم " قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَازِمِيُّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُ لَهُ
عِلَّةً قَالَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْجَهْرِ مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا لِأَنَّ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ اخْتَلَفَتْ فِي الْجَهْرِ بَيْنَ حَالَتَيْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لَبَيَّنَهَا أَنَسٌ ولما أطلق جوابه وحيث اجاب بالبسلمة دل علي النَّبِيَّ ﷺ يَجْهَرُ بِهَا في قراءته ولولا ذلك لاجاب أنس (بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
[ ٣ / ٣٤٧ ]
أَوْ غَيْرِهَا (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يوم بين اظهرنا إذا أغفى إغفاء ثم رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فصل لربك وانحر) إلَى آخِرِهَا " وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالْجَهْرِ بِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَكَذَا فِي الصَّلَاةِ كَسَائِرِ الْآيَاتِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ عَقِبَ الْحَدِيثِ الْمُحْتَجِّ بِهِ فِي نَفْيِ الْجَهْرِ كَالتَّعْلِيلِ لَهُ بِهِ لِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ
[ ٣ / ٣٤٨ ]
مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ (فَإِنْ قِيلَ) إنَّمَا جَهَرَ بِهَا فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ تَلَا مَا أُنْزِلَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَلِّغَهُ جَمِيعَهُ فَجَهَرَ كَبَاقِي السُّوَرِ (قُلْنَا) فَهَذَا دَلِيلٌ لَنَا لِأَنَّهَا تَكُونُ مِنْ السُّورَةِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ بَاقِيهَا فِي الْجَهْرِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ خِلَافَهُ (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) مَا اعْتَمَدَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مِنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ ﵃ خِلَافًا لِمَا ادَّعَتْهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ الْإِجْمَاعِ: قال الشافعي أخبرنا عبد المجيد ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ أَنْ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ صَلَّى مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ صَلَاةً يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا لِلسُّوَرِ الَّتِي بَعْدَهَا حَتَّى قَضَى تِلْكَ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يُكَبِّرْ حِينَ يَهْوِي حَتَّى قَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ مَنْ شَهِدَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ كُلِّ مَكَان يَا مُعَاوِيَةُ أَسَرَقْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ فَلَمَّا صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لِلَّتِي بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَكَبَّرَ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْإِمَامُ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ أَيْضًا فِي إثْبَاتِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَقَدْ احْتَجَّ بِعَبْدِ الْمَجِيدِ وَسَائِرُ رُوَاتِهِ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَالَتِهِمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ
وَرَوَاهُ ابْنُ خَيْثَمٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ رجالهم كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ
[ ٣ / ٣٤٩ ]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قال ثنا الشَّافِعِيُّ فَذَكَرَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فَلَمْ يَقْرَأْ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يقرأ للسورة بعدها فذكر الحديث وزاد والانصاري ثُمَّ قَالَ فَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا قَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلِلسُّورَةِ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَقَالَ فَنَادَاهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ حِينَ سَلَّمَ يَا مُعَاوِيَةُ أَسَرَقْتَ صَلَاتَكَ أَيْنَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ عَمَّا اورد في إسناد هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ وَيَكْفِينَا أَنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ وَمُسْنَدِهِ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ صَالِحٌ وَفِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيِّ قَالَ صَلَّيْتُ خلف المعتمر بن سلمان مالا أُحْصِي صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ فَكَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا وسمعت المعتمر يقول ما آلوا أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أُبَيِّ وَقَالَ أُبَيٌّ مَا آلوا أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ أنس ﵁ ما آلوا أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ أَيْضًا عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " قَالَ الْحَاكِمُ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ قَالَ الْحَاكِمُ فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مُعَارَضَةٌ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ السَّابِقِ فِي تَرْكِ قراءة البسملة وهو كما قال لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِعْلًا ورواية
[ ٣ / ٣٥٠ ]
فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَرْوِي مَا يَفْهَمُ خِلَافَهُ فَهُوَ لَمْ يَقْتَدِ فِي جَهْرِهِ بِهَا إلَّا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ثابت عن أنس " إني لا آلوا أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا " قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ قَدْ حَصَلَ لَنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ جِيَادٍ فِي الْجَهْرِ وَتَعَرَّضَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ لِتَضْعِيفِ بَعْضِ رُوَاتِهِ عَنْ أَنَسٍ لَمْ نَذْكُرْهَا نَحْنُ وَتَعَرَّضَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لِرِوَايَةِ شَرِيكٍ
وَطَعَنَ فِيهِ (وَجَوَابُ) مَا قَالَ أَنَّ شَرِيكًا مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ وَيَكْفِينَا أَنْ نَحْتَجَّ بِمَنْ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالصِّحَّةِ مَا يَرُدُّ قَوْلَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عن أنس شئ فِي الْجَهْرِ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ الَّذِي بَدَأَ الدَّارَقُطْنِيّ بِذَكَرِهِ فِي سُنَنِهِ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي صَلَاتِهِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا إسْنَادٌ عَلَوِيٌّ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ فِي تَرْكِهِمْ الْبَسْمَلَةَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يحتج في المسألة بغيره ثم ساق الدارقطى الروايات في ذلك عن غَيْرِ عَلِيٍّ مِنْ الصَّحَابَةِ ثُمَّ خَتَمَهَا بِرِوَايَةٍ عَنْهُ حِينَ قَالَ سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ السَّبْعِ الْمَثَانِي فَقَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فَقِيلَ إنَّمَا هِيَ سِتُّ آيَاتٍ فَقَالَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آيَةٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَإِذَا صَحَّ أَنَّ عَلِيًّا يَعْتَقِدُهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ فَلَهَا حُكْمُ بَاقِيهَا فِي الْجَهْرِ
* وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ رضي الله تعالي عَنْهُ قَالَ " كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَكْتَتَانِ سَكْتَةٌ إذَا قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَسَكْتَةٌ إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ " وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فَكَتَبُوا إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَكَتَبَ أَنْ صَدَقَ سَمُرَةُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ يُثْبِتُ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ قَالَ الْخَطِيبُ فَقَوْلُهُ سَكْتَةٌ إذَا قَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يَعْنِي إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ لِأَنَّ السَّكْتَةَ إنَّمَا هِيَ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ لَا بَعْدَهَا (وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بحديث انس " كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " وَعَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ لَا بِالسُّورَةِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِعْلًا وَرِوَايَةً عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلِأَنَّ مثل هذه العبارة وَرَدَتْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ وَهُمَا مِمَّنْ صَحَّ عَنْهُ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ جَمِيعِهِمْ اسْمُ السُّورَةِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ بِالْفَاتِحَةِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ الْبَسْمَلَةُ فَتَعَيَّنَ الِابْتِدَاءُ بِهَا وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِي مُسْلِمٍ " فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا منهم يقرأ
[ ٣ / ٣٥١ ]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فَقَالَ أَصْحَابُنَا هِيَ رِوَايَةٌ لِلَّفْظِ الْأَوَّلِ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ الرَّاوِي عَبَّرَ عَنْهُ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ فَأَخْطَأَ وَلَوْ بَلَّغَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ الْأَوَّلِ لَأَصَابَ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ
عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ وَلَمْ يخرج البخاري والترمذي وابو داؤد غَيْرَهُ وَالْمُرَادُ بِهِ اسْمُ السُّورَةِ كَمَا سَبَقَ وتبث فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وعمر وعمثان ﵃ فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ " قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا صَحِيحٌ وَهُوَ دَلِيلٌ صَرِيحٌ لِتَأْوِيلِنَا فَقَدْ ثَبَتَ الْجَهْرُ بالبسملة عن أنس وغيره كما سبق فلابد مِنْ تَأْوِيلِ مَا ظَهَرَ خِلَافَ ذَلِكَ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ ثُمَّ لِلنَّاسِ فِي تَأْوِيلِهِ وَالْكَلَامِ عَلَيْهِ خَمْسُ طُرُقٍ (إحْدَاهَا) وَهِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِتَلَوُّنِهِ وَاضْطِرَابِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ مع تغاير معانيها فلا حجة في شئ مِنْهَا عِنْدِي لِأَنَّهُ قَالَ مَرَّةً كَانُوا يَفْتَتِحُونَ (بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَمَرَّةً كَانُوا لَا يجهرون (بسم الله الرحمن الرحيم) ومرة كانوا لا يقرؤنها ومرة لم أسمعهم يقرؤنها ومرة قال وقد سئل عن ذلك كبرت ونسيت فحاصل هذه الطريقة إنما نَحْكُمُ بِتَعَارُضِ الرِّوَايَاتِ وَلَا نَجْعَلُ بَعْضَهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ فَيَسْقُطُ الْجَمِيعُ وَنَظِيرُ مَا فَعَلُوا فِي رَدِّ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا مَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ رَدَّ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْمُزَارَعَةِ لِاضْطِرَابِهِ وَتَلَوُّنِهِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ كَثِيرُ الْأَلْوَانِ (الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ نُرَجِّحَ بَعْضَ أَلْفَاظِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى بَاقِيهَا وَنَرُدَّ مَا خَالَفَهَا إلَيْهَا فَلَا نَجِدُ الرُّجْحَانَ إلَّا لِلرِّوَايَةِ الَّتِي عَلَى لَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّهُمْ كانوا يفتتحون بالحمد لله " أَيْ بِالسُّورَةِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ
[ ٣ / ٣٥٢ ]
عَلَى هَذَا اللَّفْظِ وَلِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ " بأم القرآن " فكأن أنسا أخرج هذ الْكَلَامَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ قِرَاءَةَ غير الفاتحة أو يبدأ بغيرها ثم اقترقت الرُّوَاةُ عَنْهُ (فَمِنْهُمْ) مَنْ أَدَّاهُ بِلَفْظِهِ فَأَصَابَ (وَمِنْهُمْ) مَنْ فَهِمَ مِنْهُ حَذْفَ الْبَسْمَلَةِ فَعَبَّرَ عنه بقوله " كانوا لا يقرؤن " أو فلم أسمعهم يقرؤن الْبَسْمَلَةَ (وَمِنْهُمْ) مَنْ فَهِمَ الْإِسْرَارَ فَعَبَّرَ عَنْهُ (فَإِنْ قِيلَ) إذَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ رِوَايَاتِ حَدِيثٍ قَضَى الْمُبَيَّنُ مِنْهَا عَلَى الْمُجْمَلِ فَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ رِوَايَةَ يَفْتَتِحُونَ مُحْتَمَلَةٌ فَرِوَايَةُ لَا يَجْهَرُونَ تُعَيِّنُ الْمُرَادَ (قُلْنَا) وَرِوَايَةُ " بِأُمِّ الْقُرْآنِ " تُعَيِّنُ الْمَعْنَى الْآخَرَ فَاسْتَوَيَا وَسَلِمَ لَنَا مَا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْجَهْرِ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ وَتِلْكَ لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا وَهَذِهِ أَمْكَنَ تَأْوِيلُهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَأُوِّلَتْ وَجُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ
وَأَلْفَاظِهَا (الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ) أَنْ يُقَالَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا يُنَافِي أَحَادِيثَ الْجَهْرِ الصَّحِيحَةَ السَّابِقَةَ أَمَّا الرِّوَايَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَظَاهِرَةٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَجْهَرُونَ فَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْجَهْرِ الشَّدِيدِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بين ذلك سبيلا) فَنَفَى أَنَسٌ ﵁ الْجَهْرَ الشَّدِيدَ دُونَ أَصْلِ الْجَهْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ هُوَ رَوَى الْجَهْرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى يُسِرُّونَ فَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْإِسْرَارِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ يُسِرُّونَ التَّوَسُّطَ الْمَأْمُورَ بِهِ الَّذِي هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَهْر الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَالْإِسْرَارِ وَاخْتَارَ هَذَا اللَّفْظَ مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ الْجَهْرِ الشَّدِيدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عن ابن عباس انه قال الجهر (بسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قِرَاءَةُ الْأَعْرَابِ أَرَادَ الْجَهْرُ الشَّدِيدُ قِرَاءَةُ الْأَعْرَابِ لِجَفَائِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مِمَّنْ رَأَى الْجَهْرَ
[ ٣ / ٣٥٣ ]
بالبسملة كما سبق (الطريقة الرابعة) رجحها امام ابْنُ خُزَيْمَةَ وَهِيَ رَدُّ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ إلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ بِالْبَسْمَلَةِ دُونَ تَرْكِهَا وَقَدْ ثَبَتَ الْجَهْرُ بِهَا بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ عَنْ أَنَسٍ وَكَأَنَّ أَنَسًا بَالَغَ فِي الرَّدِّ عَلَى من انكر الاسرار بِهَا فَقَالَ " أَنَا صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ فَرَأَيْتُهُمْ يُسِرُّونَ بِهَا " أَيْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَلَمْ يُرِدْ الدَّوَامَ بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ الْجَهْرِ رِوَايَةً وَفِعْلًا كَمَا سَبَقَ فَتَكُون أَحَادِيثُ أَنَسٍ قَدْ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ وَوُقُوعِهِمَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمَا الْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ وَلِهَذَا اخْتَلَفَتْ أَفْعَالُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ قَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ هَذَا عِنْدِي مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ وَالْجَهْرُ أَحَبُّ إلَيَّ فَعَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ رَوَى " لَمْ يَقْرَأْ " أَيْ لَمْ يَجْهَرْ وَلَمْ أَسْمَعْهُمْ يقرؤن أَيْ يَجْهَرُونَ (الطَّرِيقَةُ الْخَامِسَةُ) أَنْ يُقَالَ نَطَقَ أَنَسٌ بِكُلِّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَرْوِيَّةِ فِي مَجَالِسَ مُتَعَدِّدَةٍ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالْبَيَانِ (فَإِنْ قِيلَ) هَلَّا حَمَلْتُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ ﵁ عَلَى أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ تَرْكُ الْجَهْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ حَكَى ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ (قُلْنَا) مَنَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْجَهْرَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ مِنْ فِعْلِهِ كَمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسٍ فَلَا يَخْتَارُ أَنَسٌ لِنَفْسِهِ إلَّا مَا كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَإِنْ رُمْنَا تَرْجِيحَ الْجَهْرِ فِيمَا نَقَلَ أَنَسٌ قُلْنَا
هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مُسْلِمٌ الْمُصَرِّحَةُ بِحَذْفِ الْبَسْمَلَةِ أَوْ بِعَدَمِ الْجَهْرِ بِهَا قَدْ عُلِّلَتْ وَعُورِضَتْ بِأَحَادِيثِ الْجَهْرِ الثَّابِتَةِ عَنْ أَنَسٍ وَالتَّعْلِيلُ يُخْرِجُهَا مِنْ الصِّحَّةِ إلَى الضَّعْفِ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ أَنْ لَا يَكُونَ شَاذًّا وَلَا مُعَلَّلًا وَإِنْ اتَّصَلَ سَنَدُهُ بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطٍ عَنْ مِثْلِهِ فالتعليل بضعفه لِكَوْنِهِ اطَّلَعَ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ خَفِيَّةٍ قَادِحَةٍ فِي صِحَّتِهِ كَاشِفَةٍ عَنْ وَهْمٍ لِبَعْضِ رُوَاتِهِ وَلَا يَنْفَعُ حِينَئِذٍ إخْرَاجُهُ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ضَعِيفٌ وَقَدْ خَفِيَ ضَعْفُهُ وَقَدْ تَخْفَى الْعِلَّةُ عَلَى أَكْثَرِ الْحُفَّاظِ وَيَعْرِفُهَا الْفَرْدُ مِنْهُمْ فَكَيْفَ وَالْأَمْرُ هُنَا بِالْعَكْسِ وَلِهَذَا امْتَنَعَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ إخْرَاجِهِ وَقَدْ عُلِّلَ حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا بِثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُفَصَّلَةً وَقَالَ الثَّامِنُ فِيهَا أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا " أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين أَوْ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ إنَّكَ لتسألني عن شئ مَا أَحْفَظُهُ وَمَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِهِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَوَقُّفِ أَنَسٍ وَعَدَمِ جَزْمِهِ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَزْمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاضْطَرَبَتْ أَحَادِيثُهُ وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ فَتَعَارَضَتْ فَسَقَطَتْ وَإِنْ تَرَجَّحَ بَعْضُهَا فَالتَّرْجِيحُ الجهر لكثرة
[ ٣ / ٣٥٤ ]
أَحَادِيثِهِ وَلِأَنَّهُ إثْبَاتٌ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ وَلَعَلَّ النِّسْيَانَ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ سَأَلَهُ فِي حَالِ نِسْيَانِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالْحُفَّاظُ هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَجْهُولٌ: قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ لَا يَقُومُ بِهِ حجة وقال الخطيب أو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ ابْنَ عبد الله مجهول لا يَرُدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْحُفَّاظِ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى مَجْهُولٍ وَلَوْ صَحَّ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ وَذَكَرُوا فِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الرَّازِيّ فِي كِتَابِهِ فِي الْبَسْمَلَةِ إنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ لَا جَهْرِيَّةٍ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَرْفَعُ قِرَاءَتَهُ بِالْبَسْمَلَةِ وَغَيْرِهَا رَفْعًا يَسْمَعُهُ مَنْ عِنْدَهُ فَنَهَاهُ أَبُوهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ هَذَا مُحْدَثٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَهَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ الْقُرْآنِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ (الثَّانِي) جَوَابُ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْجَهْرِ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ مِنْ أَحْدَاثِ
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ شُيُوخِهِمْ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ " لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْرُبُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ يَبْعُدُ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَارِئَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيَجْهَرُ بِقِرَاءَتِهِ فِي أَثْنَائِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَوَّلِهَا فَلَمْ يَحْفَظْ عَبْدُ اللَّهِ الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ وَهِيَ أَوَّلُ الْقِرَاءَةِ وَحَفِظَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ لِقُرْبِهِ وَإِصْغَائِهِ وَجَوْدَةِ حِفْظِهِ وَشِدَّةِ اعْتِنَائِهِ
* وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (فَجَوَابُهُ) أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جابر التمامى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ومحمد بن جابر ضعيف باتفاق الحافظ مضطرب الحديث لاسيما فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ.
هَذَا (وَفِيهِ) ضَعْفٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ لَمْ يُدْرِكْ ابْنَ مَسْعُودٍ بِالِاتِّفَاقِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ ضَعِيفٌ وَإِذَا ثَبَتَ ضَعْفُهُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ (وَلَوْ كَانَتْ) لَكَانَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ الْمُصَرِّحَةُ بِالْجَهْرِ مُقَدَّمَةً لِصِحَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا وَلِأَنَّهَا إثْبَاتٌ وَهَذَا نَفْيٌ وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الجهر منسوخ
[ ٣ / ٣٥٥ ]
فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا عَنْهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ فَأَنْزَلَ الله تعالى (ولا تجهر بصلاتك) فيسمع المشركون فيهزءون (ولا تخافت) عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سبيلا) وَفِي رِوَايَةٍ " فَخَفَضَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَخَفَضَ بِهَا دُونَ الْجَهْرِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَبْلُغُ أَسْمَاعَ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ يَجْهَرُ بها جهرا يسمع أصحابه.
وقال أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا نَهَاهُ عَنْ الْجَهْرِ بِهَا نَهَاهُ عَنْ الْمُخَافَتَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا التَّوَسُّطُ بَيْنَهُمَا وليس هذا الحكم مختصا بالبسملة بل كان الْقِرَاءَةِ فِيهِ سَوَاءٌ
* وَأَمَّا مَا حَكَوْا عَنْ الدَّارَقُطْنِيّ فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ لِأَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ صَحَّحَ فِي سُنَنِهِ كَثِيرًا مِنْ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ كَمَا سَبَقَ وَكِتَابُ السُّنَنِ صَنَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيّ بَعْدَ كِتَابِ الْجَهْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَحَالَ فِي السُّنَنِ عَلَيْهِ فَإِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الْحِكَايَةُ حُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ آخِرًا عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ اطلع عليه اولا ويجور أَنْ يَكُونَ أَرَادَ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْهَا شئ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَحَّتْ فِي غَيْرِهَا وَهَذَا بَعِيدٌ فَقَدْ سَبَقَ اسْتِنْبَاطُ الْجَهْرِ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ (وَأَمَّا قَوْلُهُمْ) قال بعض التابعين الجهر بالبسملة بدعة ولا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَمَذْهَبِهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
الْعَقِيقَةُ بِدْعَةٌ وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ بِدْعَةٌ وَهُمَا سُنَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ للاحاديث الصحيحة فيهما وَمَذْهَبُ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ فَكَيْفَ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْأَكْثَرِينَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ (وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ) عَلَى التَّعَوُّذِ (فَجَوَابُهُ) أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَمَرْسُومَةٌ فِي الْمُصْحَفِ بِخِلَافِ التَّعَوُّذِ (وَأَمَّا قَوْلُهُمْ) لَوْ كَانَ الْجَهْرُ ثَابِتًا لَنُقِلَ تَوَاتُرًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لِأَنَّ التَّوَاتُرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِكُلِّ حُكْمٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَلَهُ الْحَمْدُ والمنة * قال المصنف ﵀
*
* (وَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَهَا مُرَتَّبًا فَإِنْ قَرَأَ فِي خِلَالِهَا غَيْرَهَا نَاسِيًا ثُمَّ أَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْهَا أَجْزَأَهُ وَإِنْ قَرَأَ عَامِدًا لَزِمَهُ أَنْ يستأنف القراءة كما لو تعمد في خلاف الصَّلَاةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا وَإِنْ نَوَى قَطْعَهَا وَلَمْ يَقْطَعْ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْنَافُهَا لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِاللِّسَانِ وَلَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى قَطْعَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ النية بالقلب وقطع ذلك)
*
*
[ ٣ / ٣٥٦ ]
* (الشَّرْحُ)
* قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ مُرَتَّبَةً مُتَوَالِيَةً لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقْرَأُ هَكَذَا " وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى الله وَسَلَّمَ قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " فَإِنْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ فَقَدَّمَ الْمُؤَخَّرَ وَأَخَّرَ الْمُقَدَّمَ فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّ مَا فَعَلَ أَنَّهُ قَرَأَ آيَةً أَوْ آيَاتٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا لَمْ يُعْتَدَّ بِالْمُؤَخَّرِ وَيَبْنِي عَلَى الْمُرَتَّبِ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ: قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَطُولَ الْفَصْلُ فَيَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْقِرَاءَةِ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ: قَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ يَعْتَبِرُ التَّرْتِيبَ مبطلا للمعني تبطل صلاته كما إذا تعمد كما قالوا إذا تعمد تغيبر التَّشَهُّدِ تَغْيِيرًا يُبْطِلُ الْمَعْنَى فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ.
وَأَمَّا الْمُوَالَاةُ فَمَعْنَاهَا أَنْ يَصِلَ الْكَلِمَاتِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَلَا يَفْصِلَ إلَّا بِقَدْرِ التَّنَفُّسِ فَإِنْ أَخَلَّ بِالْمُوَالَاةِ فَلَهُ حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ عَامِدًا فَيُنْظَرُ إنْ سَكَتَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ طَوِيلًا بِحَيْثُ أَشْعَرَ بِقَطْعِهِ الْقِرَاءَةَ أَوْ إعْرَاضِهِ عَنْهَا مُخْتَارًا أَوْ لِعَائِقٍ بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَحَكَى إمَامُ الحرمين والغزالي عن العرقيين أنه لا تبطل قراءة وليس بشئ وَالْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ وُجُوبُ الِاسْتِئْنَافِ وَإِنْ قَصُرَتْ مُدَّةُ السُّكُوتِ لَمْ يُؤَثِّرْ بِلَا خِلَافٍ
وَإِنْ نَوَى قَطْعَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَسْكُتْ لَمْ تَبْطُلْ قِرَاءَتُهُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ: قَالَ فِي الْأُمِّ لِأَنَّهُ حَدِيثُ نَفْسٍ وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ وَإِنْ نَوَى قَطْعَهَا وَسَكَتَ طَوِيلًا بَطَلَتْ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ سَكَتَ يَسِيرًا بَطَلَتْ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ المشهور وبه الْأَكْثَرُونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْفَرْدَةَ لَا تُؤَثِّرُ وَكَذَا السُّكُوتُ الْيَسِيرُ وَكَذَا إذَا اجْتَمَعَا وَإِنْ أَتَى فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ بِتَسْبِيحٍ أَوْ تَهْلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَذْكَارِ أَوْ قَرَأَ آيَةً مِنْ غَيْرِهَا عَمْدًا بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَثُرَ ذَلِكَ أَوْ قَلَّ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِقِرَاءَتِهَا هَذَا فِيمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُصَلِّي فَأَمَّا مَا أُمِرَ بِهِ إلَيْهِ كَتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ لِتَأْمِينِ إمَامِهِ وَسُجُودِهِ لِتِلَاوَتِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ نذكره قريبان إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يُخِلَّ بِالْمُوَالَاةِ نَاسِيًا فَالصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ قِرَاءَتُهُ بَلْ يَبْنِي عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ سَوَاءٌ كَانَ أَخَلَّ بِالْمُوَالَاةِ بِسُكُوتٍ أَمْ بِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَائِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ قَالَ فِي الْأُمِّ لِأَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ فِي
[ ٣ / ٣٥٧ ]
النِّسْيَانِ وَقَدْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ كُلَّهَا وَسَوَاءٌ قُلْنَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْفَاتِحَةِ نَاسِيًا أَمْ لَا وَمَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ إلَى انْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ بِالنِّسْيَانِ إذَا قُلْنَا لَا تَسْقُطُ الْقِرَاءَةُ بِالنِّسْيَانِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَوْ أُعْيِيَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ فَسَكَتَ للاعياء بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ حِينَ أَمْكَنَهُ صَحَّتْ قِرَاءَتُهُ نص عليه في الامام لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَهَا مُرَتَّبًا فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَقَوْلُهُ فَإِنْ قَرَأَ فِي خِلَالِهَا غَيْرَهَا إلَى آخِرِهِ لَيْسَ مُرَادُهُ بِهِ تَفْسِيرَ التَّرْتِيبِ وَالتَّفْرِيعَ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ فِي هَذَا تَرْكُ تَرْتِيبٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنَّ الْمُوَالَاةَ وَاجِبَةٌ كَالتَّرْتِيبِ فَبَيَّنَّ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمُوَالَاةَ عَمْدًا لَا تُجْزِيهِ الْقِرَاءَةُ وَاسْتَغْنَى بِهِ عن قوله ويجب الْمُوَالَاةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ أَوْ آيَةً مِنْهَا كَانَ شَيْخِي يَقُولُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَشَكُّكِهِ فِي أَنَّ الْكَلِمَةَ قَرَأَهَا جَيِّدًا كَمَا يَنْبَغِي أَمْ لَا لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَإِنْ كَرَّرَ كَلِمَةً مِنْهَا بِلَا سَبَبٍ كَانَ شَيْخِي يَتَرَدَّدُ فِي إلْحَاقِهِ بِمَا لَوْ أَدْرَجَ فِي اثناء الفاتحة ذكر آخَرَ قَالَ الْإِمَامُ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا تَنْقَطِعُ مُوَالَاتُهُ بِتَكْرِيرِ كَلِمَةٍ مِنْهَا كَيْفَ كَانَ: هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَقَدْ جَزَمَ شَيْخُهُ وَهُوَ وَالِدُهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ التَّبْصِرَةِ
بِأَنَّهُ لَا تَنْقَطِعُ قِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ كَرَّرَهَا لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّفَكُّرِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ إنْ كَرَّرَ آيَةً لَمْ تَنْقَطِعْ الْقِرَاءَةُ وَإِنْ قَرَأَ نِصْفَ الْفَاتِحَةِ شَكَّ هَلْ أَتَى بِالْبَسْمَلَةِ فَأَتَمَّهَا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ أَتَى بِهَا يَجِبُ أَنْ يُعِيدَ مَا قَرَأَ بَعْدَ الشَّكِّ وَلَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ فِيهَا غَيْرَهَا.
وَقَالَ ابن سريج يجب استئناف الفاتحة وقال التمولي إنْ كَرَّرَ الْآيَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا لَمْ تَبْطُلْ قِرَاءَتُهُ وَإِنْ أَعَادَ بَعْضَ الْآيَاتِ الَّتِي فرع منها بأن وصل إلى (أنعمت عليهم) ثم قرأ (مالك يوم الدين) فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْقِرَاءَةِ مِنْ (مَالِكِ يَوْمِ الدين) أَجْزَأَتْهُ قِرَاءَتُهُ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى (مَالِكِ يَوْمِ الدين) ثن عَادَ فَقَرَأَ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) لم تصح قرأته وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي التلاوة وهذا كَانَ عَامِدًا فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَنْقَطِعْ قِرَاءَتُهُ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَكَذَا لَا تَبْطُلُ قِرَاءَتُهُ هُنَا وَأَمَّا صَاحِبُ الْبَيَانِ فَقَالَ إنْ قَرَأَ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ أَوَّلَ آيَةً أَوْ آخِرَهَا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ كَانَتْ فِي أَثْنَائِهَا فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ كَمَا لَوْ قَرَأَ فِي خِلَالِهَا غَيْرَهَا فَإِنَّهُ لو تعمده بطلت قراءته وان سهى بهى وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ لَمْ يَقِفْ عَلَى النَّقْلِ الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ وَهَذِهِ عَادَتُهُ فِيمَا لَمْ يَرَ فيه نقلا والله أعلم
*
* قال المصنف ﵀
*
* (فإن قرأ الامام الفاتحة فأمن والمأموم في أثناء الفاتحة فأمن بتأمينه ففيه وجهان (قال) الشيخ
[ ٣ / ٣٥٨ ]
أبو حامد الاسفراينى تنقطع القراءة كما لو قطعها بقراءة غيرها (وقال شيخنا) القاضى أبو الطيب لا تنقطع لان ذلك مأمور به فلا تنقطع القراءة كسؤال في آية الرحمة والاستعاذة من النار في آية العذاب فيما يقرأ في صلاته منفردا)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَتَى فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ بِمَا نُدِبَ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ وَسُجُودِهِ مَعَهُ لِتِلَاوَتِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ وَسُؤَالِهِ الرَّحْمَةَ عِنْدَ قِرَاءَةِ آيَتِهَا وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْعَذَابِ عِنْدَ قِرَاءَةِ آيَتِهِ ونحو ذلك فهل مُوَالَاةُ الْفَاتِحَةِ (فِيهِ وَجْهَانِ) مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا تنقطع بَلْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَتَجْزِيهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْقَفَّالُ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو الْحَسَنِ
الْوَاحِدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْبَسِيطِ وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ والشاشي والرافعي وغيرهم (الثاني) تَنْقَطِعُ فَيَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَلَا يَطَّرِدُ الْوَجْهَانِ فِي كُلِّ مَنْدُوبٍ فَلَوْ أَجَابَ الْمُؤَذِّنَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ أَوْ عَطَسَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ فَتَحَ الْقِرَاءَةَ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ أَوْ سَبَّحَ لِمَنْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوَهُ انْقَطَعَتْ الْمُوَالَاةُ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْأَصْحَابُ قَالُوا وَإِنَّمَا الْوَجْهَانِ فِي ذِكْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالصَّلَاةِ لِمُصَلِّيهَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ السُّؤَالَ فِي آيَةِ الرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ لَا يقطع الموالاة وجها واحدا أو لا يَجْرِي فِيهِ الْوَجْهَانِ فِي التَّأْمِينِ.
وَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ بَلْ الْوَجْهَانِ فِي السُّؤَالِ عِنْدَ آيَةِ الرَّحْمَةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ لِآيَةِ الْعَذَابِ مَشْهُورَانِ صَرَّحَ بِهِمَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَآخَرُونَ لَا يُحْصَرُونَ وَاتَّفَقُوا عَلَى جَرَيَانِهِ فِي سُجُودِهِ مَعَ إمَامِهِ لِلتِّلَاوَةِ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ شَيْئَانِ
(أَحَدُهُمَا)
قِيَاسُهُ عَلَى السُّؤَالِ فِي آيَةِ الرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَفِيهِ الْخِلَافُ كَمَا ذَكَرْنَا
(وَالثَّانِي)
إضَافَتُهُ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ إلَى الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَحْدَهُ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُ أَوْ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الِانْقِطَاعِ لِأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ ذَكَرَهُ فِي الْإِفْصَاحِ وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ بِأَزْمَانٍ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي تَعْلِيقِهِ وَقَالَ فِيهَا وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي الْإِفْصَاحِ لَا يَنْقَطِعُ (وَالثَّانِي) قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ يَنْقَطِعُ فَكَانَ يَنْبَغِي لَلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَهُ شَيْخُهُ وَالثَّانِي لَا يَنْقَطِعُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا أَبُو الطَّيِّبِ
[ ٣ / ٣٥٩ ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلَوْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ فَقَرَأَ الْإِمَامُ (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فَقَالَ الْمَأْمُومُ بَلَى تَنْقَطِعُ قِرَاءَتُهُ يَعْنِي أَنَّهُ كَسُؤَالِ الرَّحْمَةِ فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَاف وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْأَحْوَطُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْفَاتِحَةَ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ (وَاعْلَمْ) أَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ أَتَى بِذَلِكَ عَامِدًا عَالَمًا أَمَّا مَنْ أَتَى بِهِ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا تَنْقَطِعُ قراءة بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ مَفْهُومٌ مِمَّا سَبَقَ قَرِيبًا أَنَّ الْفَاتِحَةَ لَا تَنْقَطِعُ بِمَا تَخَلَّلَهَا فِي حَالَةِ النسيان قال صاحب التتمة ودليله أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِمَا تَخَلَّلَهَا نَاسِيًا أو جاهلا فكذا الفاتحة * قال المصنف ﵀
** (وَتَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِمَا رَوَى رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ ﵁ قَالَ " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلٌ يُصَلِّي فَلَمَّا انصراف أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَعِدْ صَلَاتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَقَالَ عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ إلَى أَنْ قال ثم ثُمَّ اصْنَعْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ذَلِكَ وَلِأَنَّهَا رَكْعَةٌ يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ فَوَجَبَ فِيهَا الْقِرَاءَةُ مع القدرة كالركعة الاولى)
*
* (الشَّرْحُ) حَدِيثُ رِفَاعَةَ هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِبَعْضِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمْ قَوْلُهُ فِي الْمُهَذَّبِ " ثُمَّ اقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ " بَلْ فِيهَا " فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ " وَلَيْسَ فِي أَكْثَرِهَا " ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ " وَفِي رِوَايَةٍ " دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ارْجِعْ فصل فإنك لم تُصَلِّ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا فَقَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تسير مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا افْعَلْ ذَلِكَ
[ ٣ / ٣٦٠ ]
فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا " إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ " وَذَكَرَ تَمَامَهُ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي كِتَابِ السَّلَامِ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الدَّلَالَةِ وَفِيهِ نَحْوُ ثَلَاثِينَ فَائِدَةً قَدْ جَمَعْتُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ إلَّا رَكْعَةَ الْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَإِنَّهُ لَا يَقْرَأُ وَتَصِحُّ لَهُ الرَّكْعَةُ وَهَلْ يُقَالُ يَحْمِلُهَا عَنْهُ الْإِمَامُ أَمْ لَمْ تَجِبْ أَصْلًا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ (أَصَحُّهُمَا) يَحْمِلُهَا وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ (١) لَمْ تُحْسَبَ هَذِهِ الرَّكْعَةُ لِلْمَأْمُومِ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ: قَدْ ذكرنا ان مذهبا وُجُوبُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ ﵄ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَلَا تَجِبُ فِيهِمَا قِرَاءَةٌ بَلْ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ دَاوُد لَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ إلَّا فِي رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ الصَّلَوَاتِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عن اسحق بْنِ رَاهْوَيْهِ إنْ قَرَأَ فِي أَكْثَرِ الرَّكَعَاتِ أَجْزَأَهُ وَعَنْ الثَّوْرِيِّ إنْ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الصُّبْحِ أَوْ الرُّبَاعِيَّةِ فَقَطْ لَمْ يُجْزِهِ وَعَنْ مَالِكٍ إنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الصُّبْحِ لَمْ تُجْزِهِ وَإِنْ تَرَكَهَا فِي رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِهَا أَجُزْأَهُ وَاحْتُجَّ لِمَنْ لَمْ يُوجِبْ قِرَاءَةً فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فاقرءوا ما تيسر منه) وبحديث عبد الله بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ " دَخَلْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْنَا لِشَابٍّ سَلْ ابْنَ عَبَّاسٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَقَالَ لَا لَا فَقِيلَ لَهُ لَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ فقال خمشى هَذِهِ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ وَمَا اخْتَصَّنَا دُونَ الناس بشئ إلا بثلات خِصَالٍ أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ وَأَنْ لَا نُنْزِيَ الْحِمَارَ عَلَى الْفَرَسِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَقَوْلُهُ خمشا هو بالخاء والشين والمعجمتين أي خمش
_________________
(١) كذا بالاصل وفيها سقط فحرره
[ ٣ / ٣٦١ ]
الله وجهه وجلده خشما كقوهم عَقْرَى حَلْقَى.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " لَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَبِحَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالُوا وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَبِحَدِيثِ ابى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " لَا صَلَاةَ إلَّا بِقُرْآنٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ نه قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَسَبَّحَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ فِي حَدِيثِ " المسئ صلاته " وقوله النَّبِيِّ ﷺ " ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا " وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ " ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ " وَبِحَدِيثِ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الركعتين
الاوليين بفاتحة الكتاب وسورتين وسمعنا الْآيَةَ أَحْيَانًا وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لَكِنَّ قَوْلَهُ " يَقْرَأُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ قِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ " وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بأشياء لا حاجة إليها مع ما ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ: وَعَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ نَفَى وَغَيْرُهُ أَثْبَتَ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي وَكَيْفَ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَكْبَرُ سِنًّا وَأَقْدَمُ صُحْبَةً وَأَكْثَرُ اخْتِلَاطًا بِالنَّبِيِّ ﷺ لاسيما أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُ أَحَادِيثِهِمْ عَلَى حَدِيثِهِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ تُبَيِّنُ أَنَّ نَفْيَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْمِينِ وَالظَّنِّ لَا عَنْ تَحْقِيقٍ فَلَا يُعَارِضُ الْأَكْثَرِينَ الْجَازِمِينَ بِإِثْبَاتِ الْقِرَاءَةِ وَعَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَنَّ الْمُرَادَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ.
وَعَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ جَوَابَانِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّهُ ضَعِيفٌ سَبَقَ بَيَانُ تَضْعِيفِهِ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ
(وَالثَّانِي)
أَنَّ الْمُرَادَ الْفَاتِحَةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ: وَعَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ وَهُوَ كَذَّابٌ مشهور بالضعف عند
[ ٣ / ٣٦٢ ]
الحافظ.
وقد روى عنه عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ خِلَافَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ فِي الْحَدِيثِ " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ " قَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَصْلُ بَيْنَا بَيْنَ فَأُشْبِعَتْ الْفَتْحَةُ فَصَارَتْ أَلِفًا قَالَ وَبَيْنَمَا بِمَعْنَاهُ زِيدَتْ فِيهِ مَا قَالَ وَتَقْدِيرُهُ بَيْنَ أَوْقَاتِ جُلُوسِهِ جَرَى كَذَا وَكَذَا.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ.
وَلِأَنَّهَا رَكْعَةٌ يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ فَوَجَبَ فِيهَا الْقِرَاءَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالرَّكْعَةِ الْأُولَى وَهُوَ قَوْلُهُ يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ احْتِرَازٌ مِنْ رَكْعَةِ الْمَسْبُوقِ وَقَوْلُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ لَمْ يُحْسِنْ الْفَاتِحَةَ وَفِي هَذَا الْقِيَاسِ رَدٌّ عَلَى جَمِيعِ المخالفين في المسألة: وأما رفاعة ابن رَافِعٍ رَاوِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ فَهُوَ أَبُو مُعَاذٍ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ الْأَنْصَارِيُّ الزُّرَقِيُّ شَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ أَبُوهُ صَحَابِيًّا نَقِيبًا تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا فِي فَصْلِ الِاعْتِدَالِ وَقَالَ فِيهِ رِفَاعَةُ بْنُ مَالِكٍ نِسْبَةً الي جده وهو صحيح
*
* قال المصنف ﵀
*
* (وهل تجب على المأموم ينظر فيه فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ يُسِرُّ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ يَجْهَرُ فِيهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيِّ يَجِبُ لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنِّي لَأَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ قُلْنَا وَاَللَّهِ أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ هَذَا قَالَ لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا " وَلِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ قِيَامُ الْقِرَاءَةِ لَزِمَهُ الْقِرَاءَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ لَا يَقْرَأُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قال اني اقول مالي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ الصَّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ")
*
*
* (الشَّرْحُ)
* هَذَانِ الْحَدِيثَانِ رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هُمَا حَدِيثَانِ حَسَنَانِ وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَضَعَّفَ الثَّانِيَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ابْنُ أُكَيْمَةَ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ - وَهُوَ مَجْهُولٌ قَالَ وَقَوْلُهُ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ هو مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ ابْنِ أُكَيْمَةَ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَاسْتَدَلُّوا بِرِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ حِينَ مَيَّزَهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ قَوْلُهُ أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ هَذَا هُوَ بتشديد الذال وتنوينها كهذا ضبطناه وهكذا
[ ٣ / ٣٦٣ ]
ضبطه البخاري في معالم السنين وكذا ظبطناه في سنن أبى داود والدارقطني والبيهقي وغيرها وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ " نَهُذُّهُ هَذًّا " " أَوْ نَدْرُسُهُ درسا " قال الخطابى وغيره: الهذا السُّرْعَةُ وَشِدَّةُ الِاسْتِعْجَالِ فِي الْقِرَاءَةِ هَذَا هُوَ المشهور: قال الخطايى وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْهَذِّ هُنَا الْجَهْرُ وَتَقْدِيرُهُ يَهُذُّ
هَذًّا وَقَدْ بَسَطْتُ شَرْحَهُ وَضَبْطَهُ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ (وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ قِيَامُ الْقِرَاءَةِ لَزِمَهُ الْقِرَاءَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْإِمَامِ) اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ لَزِمَهُ قِيَامُ الْقِرَاءَةِ عَنْ الْمَسْبُوقِ وَبِقَوْلِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَمَّنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعَلَى الْمَسْبُوقِ فِيمَا يُدْرِكُهُ مَعَ الْإِمَامِ بِلَا خِلَافٍ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِمْلَاءَ مِنْ الْجَدِيدِ وَنَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ وَبَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ من الجديد وحكي الرافعي وجها أنها لا تجب عليه فِي السِّرِّيَّةِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا قُلْنَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ فَالْمُرَادُ بِاَلَّتِي يُشْرَعُ فِيهَا الْجَهْرُ فَأَمَّا ثَالِثَةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَرَابِعَةُ الْعِشَاءِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ بِأَنْ كَانَ أَصَمَّ أَوْ بَعِيدًا مِنْ (الْإِمَامِ لَا يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَفِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أَصَحُّهُمَا تَجِبُ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ كَالسِّرِّيَّةِ
(وَالثَّانِي)
لَا تَجِبُ لِأَنَّهَا جَهْرِيَّةٌ وَلَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِي السِّرِّيَّةِ أَوْ أَسَرَّ فِي الْجَهْرِيَّةِ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِفِعْلِ الْإِمَامِ (وَالثَّانِي) بِصِفَةِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَإِذَا لَمْ يَقْرَأْ الْمَأْمُومُ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّعَوُّذُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا (أَصَحُّهُمَا) لَا إذْ لَا قراءة (الثاني) نَعَمْ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ سِرِّيٌّ وَإِذَا قُلْنَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ فِي الْجَهْرِيَّةِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَجْهَرَ بِحَيْثُ يُؤْذِي جَارَهُ بَلْ يُسِرُّ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ سَمِيعًا وَلَا شَاغِلَ مِنْ لغط وغيره لان هذا اذنى القراءة المجزئة كما سنوضحه إن شاء تَعَالَى فِي مَسَائِلِ الْفَرْعِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَسْكُتَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ قَدْرَ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ لَهَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ فِي هَذِهِ السَّكْتَةِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ " اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ إلَى آخِرِهِ " (قُلْت) وَمُخْتَارُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ سِرًّا وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَ فِيهَا سُكُوتٌ حَقِيقِيٌّ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى قِرَاءَتِهِ فِي انْتِظَارِهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَلَا تَمْنَعُ تَسْمِيَتُهُ سُكُوتًا مَعَ الذِّكْرِ فِيهِ كَمَا فِي السَّكْتَةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلِأَنَّهُ سُكُوتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَهْرِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ وَدَلِيلُ هَذِهِ السَّكْتَةِ حَدِيثُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ تَذَاكَرَا فَحَدَّثَ سَمُرَةُ أَنَّهُ " حَفِظَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَكْتَتَيْنِ سَكْتَةً
إذَا كَبَّرَ وَسَكْتَةً إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهم ولا الضالين) فَحَفِظَ ذَلِكَ سَمُرَةُ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ وَكَتَبَا فِي ذَلِكَ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵃ فَكَانَ فِي كِتَابِهِ إلَيْهِمَا أَنَّ سَمُرَةَ قَدْ حَفِظَ "
[ ٣ / ٣٦٤ ]
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ بِمَعْنَاهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى كَرَاهَةِ رَفْعِ الْمَأْمُومِ صَوْتَهُ حَدِيثٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ سَنَذْكُرُهُ فِي فَصْلِ الْجَهْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ والجهرية وهذا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ الْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ هِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ قَالَ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ والشافعي واحمد واسحق وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وإسحق لَا يَقْرَأُ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَتَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي السِّرِّيَّةِ وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وغيره من أصحاب (١) تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ بجب عَلَى الْمَأْمُومِ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَا تَقْرَأُ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بَعْدَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ فَذَكَرَ الْمَذَاهِبَ الَّتِي حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرُ وَحَكَى الْإِيجَابَ مُطْلَقًا عَنْ مَكْحُولٍ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً وَلَمْ يَسْكُتْ لَمْ يَقْرَأْ وَإِنْ كَانَتْ سِرِّيَّةً اُسْتُحِبَّتْ الْفَاتِحَةُ وَسُورَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطيب والعبد رى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْمَأْمُومِ مَعْصِيَةٌ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ الْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ عَلَى السُّنَّةِ وَأَحْوَطُهَا ثُمَّ رَوَى الْأَحَادِيثَ فِيهِ ثُمَّ رَوَاهُ بِأَسَانِيدِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ الله بن مسعود وابى بن كعب ومعا ذبن جبل وابن عمر وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَهِشَامِ بْنِ عَامِرٍ وَعِمْرَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَعَائِشَةَ ﵃ قَالَ وَرَوَيْنَاهُ
عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ فَرَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ومكحول والشعبى وسعيد بن اجبير والحسن البصري ﵏
* وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ لَا يَقْرَأُ مُطْلَقًا بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ مَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَنْبَسَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " من صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ " وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
_________________
(١) بياض بالاصل
[ ٣ / ٣٦٥ ]
مِثْلُهُ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَرَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ مَنْ الَّذِي يُخَالِجُنِي سُورَتِي " فَنَهَى عَنْ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ " سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَجَبَتْ هَذِهِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ أَقْرَبَ الْقَوْمِ إلَيْهِ مَا أَرَى الْإِمَامَ إذَا أَمَّ الْقَوْمَ إلَّا قَدْ كَفَاهُمْ " وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ " وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ " مَنْ قَرَأَ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ " قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ " الْإِمَامُ ضَامِنٌ " وَلَيْسَ يَضْمَنُ إلَّا الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ قَالُوا وَلِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ فَسَقَطَتْ عَنْ الْمَأْمُومِ كَالسُّورَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَكَرَكْعَةِ الْمَسْبُوقِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ ﷺ " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُصَلٍّ وَلَمْ يَثْبُتْ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ الْمَأْمُومِ بِمُخَصَّصٍ صَرِيحٍ فَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ وَبِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إمَامِكُمْ قُلْنَا نَعَمْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا تفعلوا لا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا الْحَدِيثُ من رواية محمد بن اسحق ابن سيار عن مكحول ومحمد بن اسحق مُدَلِّسٌ وَالْمُدَلِّسُ إذَا قَالَ فِي رِوَايَتِهِ (عَنْ) لَا يحتج به عند جميح الْمُحَدِّثِينَ (فَجَوَابُهُ) أَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيَّ رَوَيَاهُ بِإِسْنَادِهِمَا عن ابي اسحق قَالَ حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ
بِهَذَا فَذَكَرَهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي إسْنَادِهِ هَذَا إسْنَادٌ حَسَنٌ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَاعِدَةِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ الْمُدَلِّسَ إذَا رَوَى حَدِيثَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ قَالَ فِي إحْدَاهُمَا (عَنْ) وَفِي الْأُخْرَى (حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي) كَانَ الطَّرِيقَانِ صَحِيحَيْنِ وَحُكِمَ بِاتِّصَالِ الْحَدِيثِ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ هنا رواه أَبُو دَاوُد مِنْ طُرُقٍ وَكَذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي بَعْضِهَا " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ الصَّلَاةِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَقِبَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ عَنْ عبادة عن النبي صلي الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ شَوَاهِدُ ثُمَّ رَوَى أَحَادِيثَ شَوَاهِدَ لَهُ وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَقَالَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ " إلَى آخِرِ حَدِيثِ
[ ٣ / ٣٦٦ ]
قَسَمْتُ الصَّلَاةَ وَهُوَ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ فِي مَسْأَلَةِ تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ وَأَطْنَبَ أَصْحَابُنَا فِي الِاسْتِدْلَالِ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ (وَالْجَوَابُ) عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْقَائِلُونَ بِإِسْقَاطِ الْقِرَاءَةِ بِهَا أَنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ وَلَيْسَ فِيهَا شئ صَحِيحٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضُهَا مَوْقُوفٌ وَبَعْضُهَا مُرْسَلٌ وَبَعْضُهَا فِي رُوَاتِهِ ضَعِيفٌ أَوْ ضُعَفَاءُ وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ عِلَلَ جَمِيعِهَا وَأَوْضَحَ تَضْعِيفَهَا وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لَوْ صَحَّ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَسْبُوقِ أَوْ عَلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْجَوَابُ عَنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ أَنَّهَا سُنَّةٌ فَتُرِكَتْ لِاسْتِمَاعِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الْفَاتِحَةِ وَعَنْ رَكْعَةِ الْمَسْبُوقِ أَنَّهَا سَقَطَتْ تَخْفِيفًا عَنْهُ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّيَّةِ دُونَ الْجَهْرِيَّةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ هَذَا عِنْدَنَا فِي الْقِرَاءَةِ الَّتِي تُسْمَعُ خَاصَّةً وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ " خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَيَّنَ لَنَا سُنَنَنَا وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا فَقَالَ أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فَقِيلَ لِمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فَقَالَ هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ فَقِيلَ لم لم تضعه ههنا فقال ليس كل
شئ عندي صحيح وضعته ههنا انما وضعت ههنا ما اجمعوا عليه وبحديث بن أُكَيْمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ " مالي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ " إلَى آخِرِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ (وَاحْتَجَّ) أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْمَانِعِينَ مُطْلَقًا وَالْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا وَذَكَرْنَا دَلِيلَهُ مِنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَرِيبًا وَحِينَئِذٍ لَا يَمْنَعُهُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ (الثَّانِي) أَنَّ القراءة التي يؤمر بالانصاف لَهَا فِي السُّورَةِ وَكَذَا الْفَاتِحَةُ إذَا سَكَتَ الْإِمَامُ بَعْدَهَا وَهَذَا إذَا سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ حَيْثُ قُرِئَ الْقُرْآنُ وَهُوَ الَّذِي أَعْتَقِدُ رُجْحَانَهُ وَإِلَّا فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ وَسُمِّيَتْ قُرْآنًا لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ وَرَوَيْنَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعَاوِيَةَ أَنَّهُمَا قَالَا كَانَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ " وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " فَمِنْ أَوْجُهٍ (مِنْهَا) الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي جَوَابِ الْآيَةِ (وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ
[ ٣ / ٣٦٧ ]
الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ ثَابِتَةً عَنْ النبي صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سننه هذه اللفظة ليست بمحفوظة روى البيهقى عن الحافظ ابي علي النيسابوى أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ وَخَالَفَ التَّيْمِيُّ جَمِيعَ أَصْحَابِ قَتَادَةَ فِي زِيَادَتِهِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ ثُمَّ رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وابى حاتم الدارى أَنَّهُمَا قَالَا لَيْسَتْ مَحْفُوظَةً قَالَ يَحْيَى بْنُ معين ليست هي بشئ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ طُرُقَهَا وَعِلَلَهَا كُلَّهَا: وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُكَيْمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " مالي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ " إلَى آخِرِهِ فَجَوَابُهُ أَيْضًا مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ (الْوَجْهَيْنِ) السَّابِقِينَ فِي جَوَابِ الْآيَةِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ ابْنَ أُكَيْمَةَ مَجْهُولٌ كَمَا سَبَقَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ابْنَ أُكَيْمَةَ مَجْهُولٌ لَمْ يُحَدِّثْ إلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ أُرَاهُ يحدث سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أُكَيْمَةَ هَذَا حَدِيثُ رَجُلٍ لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ فَقَطْ وَلِأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ " فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ " لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَلْ هِيَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ مُدْرَجَةٌ فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ قَالَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ
وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَإِمَامُ أَهْلِ نَيْسَابُورَ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَالْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بن لحينة نحو رواية بن أُكَيْمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ رَوَى عَنْ الْحَافِظِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ هَذَا خَطَأٌ لا شك فيه وَاَللَّهُ أعلم
*
* قال المصنف ﵀
*
* (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَمَّنَ وَهُوَ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يُؤَمِّنُ وَقَالَ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " فَإِنْ كَانَ إمَامًا أَمَّنَ وَأَمَّنَ الْمَأْمُومُ لما روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فأمنوا فان الملائكة يؤمن بِتَأْمِينِهِ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ يُجْهَرُ فِيهَا جَهَرَ الْإِمَامُ لِقَوْلِهِ صلي الله عليه وسلم " إذ أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا " وَلَوْ لَمْ يَجْهَرْ بِهِ لَمَا عُلِّقَ تَأْمِينُ الْمَأْمُومِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْفَاتِحَةِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا فِي الْجَهْرِ كَالسُّورَةِ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَقَدْ قَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا يَجْهَرُ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ يَجْهَرُ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ عَلَى قَوْلَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
يَجْهَرُ لِمَا روى عطاء بن الزُّبَيْرِ " كَانَ يُؤَمِّنُ وَيُؤَمِّنُونَ وَرَاءَهُ حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً " (وَالثَّانِي) لَا يَجْهَرُ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَجْهَرُ بِهِ الْمَأْمُومُ كَالتَّكْبِيرَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا يَبْلُغُهُمْ تَأْمِينُ الْإِمَامِ لَا يَجْهَرُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْجَهْرِ بِهِ وَإِنْ كَانَ كبيرا جهر لانه يحتاج الي الجهر لِلْإِبْلَاغِ وَحَمَلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ فَإِنْ نَسِيَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ أَمَّنَ الْمَأْمُومُ وَجَهَرَ
[ ٣ / ٣٦٨ ]
به ليسمع الامام فيأتي به)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* الَّذِي أَخْتَارُهُ أُقَدِّمُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي التَّأْمِينِ فَيَحْصُلُ مِنْهَا بَيَانُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَمَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِيمَا تذكره مِنْ الْأَحْكَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " إذَا امن الامام فأمنوا فلانه مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ هَكَذَا وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَإِنْ وَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لَهُ " إذَا قَالَ الْإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ " إذَا قَالَ الْقَارِئُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضالين فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ آمِينَ فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " إذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ مِنْ صَحِيحِهِ وَعَنْ وَائِلِ ابن حُجُرٍ ﵁ قَالَ " سَمِعْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ غَيْرِ المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين مد بها صوته " رواه ابودواد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ " وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ كُلُّ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ الْعَبْدَيَّ جَرَّحَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَوَثَّقَهُ غَيْرُهُ وَقَدْ رَوَى له البخاري وناهك بِهِ شَرَفًا وَتَوْثِيقًا لَهُ وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثوري عن سلمة بن كهيل عن حجر ابن عَنْبَسٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجُرٍ وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عن سلمة بن كهيل فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِيهِ فَرَوَاهُ عَنْهُ أَبُو الْوَلِيدِ الطيالسي كذلك ورواه عنه أبو داود الطالسي وَقَالَ فِيهِ " قَالَ آمِينَ خَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ " وَرَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ عَنْ سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ " قَالُوا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ " قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَخْطَأَ شُعْبَةُ إنَّمَا هُوَ جَهَرَ بِهَا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثُ سُفْيَانَ أَصَحُّ فِي هَذَا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ قَالَ وَأَخْطَأَ فِيهِ شُعْبَةُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا
[ ٣ / ٣٦٩ ]
فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ آمِينَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ حَسَنٌ وَهَذَا لَفْظُهُ وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِي رواية ابي داود " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا تَلَا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ فَيَرْتَجُّ بِهَا الْمَسْجِدُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَخْبَرَنَا حكم بن خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ كُنْتُ أَسْمَعُ الْأَئِمَّةَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَنْ بَعْدَهُ يَقُولُونَ آمِينَ وَمَنْ خَلْفَهُمْ آمِينَ حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ هَذَا الاثر عن ابن الزبير تعليقا فقال قال عطاء ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ
حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ تَعْلِيقَ الْبُخَارِيِّ إذَا كَانَ بِصِيغَةِ جَزْمٍ مِثْلَ هَذَا كَانَ صَحِيحًا عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ هَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحَادِيثِ الْفَصْلِ.
وَأَمَّا لُغَاتُهُ فَفِي آمِينَ لُغَتَانِ مشهورتان (أفصحهما) وأشهرهما وأجودهما عند العلماء آمى بِالْمَدِّ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَبِهِ جَاءَتْ رِوَايَاتُ الْحَدِيثِ (وَالثَّانِيَةُ) أَمِينَ بِالْقَصْرِ وَبِتَخْفِيفِ الْمِيمِ حَكَاهَا ثَعْلَبٌ وَآخَرُونَ وَأَنْكَرَهَا جَمَاعَةٌ عَلَى ثَعْلَبٍ وَقَالُوا الْمَعْرُوفُ الْمَدُّ وَإِنَّمَا جَاءَتْ مَقْصُورَةً فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وَهَذَا جَوَابٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الشِّعْرَ الَّذِي جَاءَ فِيهَا فَاسِدٌ مِنْ ضَرُورِيَّةِ الْقَصْرِ وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ لُغَةً ثَالِثَةً آمِينَ بِالْمَدِّ وَالْإِمَالَةِ مُخَفَّفَةَ الْمِيمِ وحكاها عن حمزة ولكسائي وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ آمِّينَ بِالْمَدِّ أَيْضًا وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ قَالَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحُسَيْنِ ابن الْفَضْلِ قَالَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّ تَأْوِيلَهُ قَاصِدِينَ إلَيْكَ وَأَنْتَ الْكَرِيمُ من أل تُخَيِّبَ قَاصِدًا وَحَكَى لُغَةَ الشَّدِّ أَيْضًا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهِيَ شَاذَّةٌ مُنْكَرَةٌ مَرْدُودَةٌ وَنَصَّ ابْنُ السِّكِّيتِ وَسَائِرُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ وَنَصَّ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهَا خَطَأٌ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ لَا يَجُوزُ تَشْدِيدُ الْمِيمِ قَالُوا وَهَذَا أَوَّلُ لَحْنٍ سُمِعَ مِنْ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْبَلْخِيّ حِينَ دَخَلَ خُرَاسَانَ وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ لَا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ فَإِنْ شَدَّدَ مُتَعَمِّدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تَبْطُلُ بِهِ لِقَصْدِهِ الدُّعَاءَ وَهَذَا أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ آمِينَ مَوْضُوعَةٌ مَوْضِعَ اسْمِ الِاسْتِجَابَةِ كَمَا أَنَّ صَهٍ مَوْضُوعَةٌ لِلسُّكُوتِ قَالُوا وَحَقُّ آمِينَ الْوَقْفُ لِأَنَّهَا كَالْأَصْوَاتِ فَإِنْ حَرَّكَهَا محرك ووصلها بشئ بَعْدَهَا فَتَحَهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ قَالُوا وَإِنَّمَا لَمْ تُكْسَرْ لِثِقَلِ الْحَرَكَةِ بَعْدَ الْيَاءِ كَمَا فَتَحُوا أَيْنَ وَكَيْفَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهَا (فَقَالَ) الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ وَالْفِقْهِ مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ (وَقِيلَ) لِيَكُنَّ كَذَلِكَ (وَقِيلَ) افْعَلْ (وَقِيلَ) لَا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا (وَقِيلَ) لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا غَيْرُكَ (وَقِيلَ) هُوَ طَابَعُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ عَنْهُمْ الْآفَاتِ (وَقِيلَ) هُوَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْعَرْشِ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ (وَقِيلَ) هُوَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا (وَقِيلَ) غَيْرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً هِيَ بِفَتْحِ اللامين
[ ٣ / ٣٧٠ ]
وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَهُوَ اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ وَقَوْلُهُ " لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْفَاتِحَةِ فَكَانَ حُكْمُهُ فِي الْجَهْرِ حُكْمَهَا "
اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ تَابِعٌ عَنْ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَقَوْلُهُ لانه ذكر مسنون في الصلاة فلا بجهر بِهِ الْمَأْمُومُ قَالَ الْقَلَعِيُّ قَوْلُهُ فِي الصَّلَاةُ احْتِرَازٌ مِنْ الْأَذَانِ قَالَ وَقَوْلُهُ مَسْنُونٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فَلَوْ حَذَفَهُ لَمْ تُنْتَقَضْ الْعِلَّةُ وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ لِتَقْرِيبِ الشَّبَهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ نَسِيَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ أَمَّنَ الْمَأْمُومُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ لِيَتَنَاوَلَ تَرْكَهُ عَامِدًا وَنَاسِيًا فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فَإِنْ تَرَكَهُ وَأَمَّا عَطَاءٌ الرَّاوِي هُنَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَهُوَ عَطَاء بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْوَالَهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَهُوَ أَبُو خُبَيْبٍ - بِضَمِّ الخاء المعجمة - ويقال له أبو بكر بن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃ وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وُلِدَ بَعْدَ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنْ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْهَا وكان صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ فَصِيحًا شُجَاعًا وَلِيَ الْخِلَافَةَ سَبْعَ سِنِينَ وَقَتَلَهُ الْحَجَّاجُ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ رَضِيَ اله عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ
(إحْدَاهَا) التَّأْمِينُ سُنَّةٌ لِكُلِّ مُصَلٍّ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ سَوَاءٌ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَالْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ وَالْمُضْطَجِعُ وَالْمُفْتَرِضُ وَالْمُتَنَفِّلُ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ وَلَا خِلَافَ فِي شئ مِنْ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسَنُّ التَّأْمِينُ لِكُلِّ مَنْ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ خَارِجَهَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ لَكِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا
(الثَّانِيَةُ) إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ سِرِّيَّةً أَسَرَّ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ بِالتَّأْمِينِ تَبَعًا لِلْقِرَاءَةِ وَإِنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ اُسْتُحِبَّ لِلْمَأْمُومِ الْجَهْرُ بِالتَّأْمِينِ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ إشَارَةٌ إلَى وَجْهٍ فِيهِ وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ النَّاسِخِ أَوْ الْمُصَنِّفِ بِلَا شَكٍّ وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ الْجَهْرُ بِالتَّأْمِينِ كَالْإِمَامِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالْمُقْنِعِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ يُسِرُّ بِهِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ لَا يَجْهَرُ وَفِي الْقَدِيمِ يَجْهَرُ وَهَذَا أَيْضًا غَلَطٌ مِنْ النَّاسِخِ أَوْ مِنْ الْمُصَنِّفِ بِلَا شَكٍّ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ مِنْ الْجَدِيدِ يَرْفَعُ الْإِمَامُ صَوْتَهُ بِالتَّأْمِينِ وَيُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ أَنْفُسَهُمْ وَقَالَ فِي الْأُمِّ يَرْفَعُ الْإِمَامُ بِهَا صَوْتَهُ فَإِذَا قَالَهَا قَالُوهَا وَأَسْمَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَجْهَرُوا فان فعلوا فلا شئ عَلَيْهِمْ هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ رَأَى فِيهِ نَصًّا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْجَدِيدِ ثُمَّ لِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ (أَصَحُّهَا) وَأَشْهَرُهَا وَاَلَّتِي قَالَهَا الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) يَجْهَرُ (وَالثَّانِي) يُسِرُّ قال
[ ٣ / ٣٧١ ]
الماوردى هذه طريقة ابى اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَنَقَلَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ عَنْ أَصْحَابِنَا (وَالثَّانِي) يَجْهَر قَوْلًا وَاحِدًا (وَالثَّالِثُ) إنْ كَثُرَ الْجَمْعُ وَكَبُرَ الْمَسْجِدُ جَهَرَ وَإِنْ قَلُّوا أَوْ صَغُرَ الْمَسْجِدُ أَسَرَّ (وَالرَّابِعُ) حَكَاهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجْهَرْ الْإِمَامُ جَهَرَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَالْأَصَحُّ مِنْ حَيْثُ الْحُجَّةُ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَآخَرُونَ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُفْتَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ عَلَى مَا سَبَقَ إيضَاحُهُ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ أَمَّا إذَا لَمْ يُؤَمِّنْ الْإِمَامُ فَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ التَّأْمِينُ جَهْرًا بلا خلاف نص عليه في الأم واتفقوا عَلَيْهِ لِيَسْمَعَهُ الْإِمَامُ فَيَأْتِي بِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا سَوَاءٌ تَرَكَهُ الْإِمَامُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ الْجَهْرُ مِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِ الْإِمَامِ لَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فَإِنَّهُ قَالَ وَإِنْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ قَالَهُ مَنْ خَلْفَهُ وَأَسْمَعَهُ لَعَلَّهُ يَذْكُرُ فَيَقُولُهُ وَلَا يَتْرُكُونَهُ لِتَرْكِهِ كَمَا لَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ وَالتَّسْلِيمَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَرْكُهُ هَذَا نَصُّهُ (الثَّالِثَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقَعَ تَأْمِينُ الْمَأْمُومِ مَعَ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ " فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ تَأْمِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمَلَائِكَةِ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى هَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي كُتُبِهِ وَالرَّافِعِيُّ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وأمن المأموم معه قالوا فان فانه التَّأْمِينُ مَعَهُ أَمَّنَ بَعْدَهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كَانَ شَيْخِي يَقُولُ لَا يُسْتَحَبُّ مُقَارَنَةُ الْإِمَامِ في شئ إلَّا فِي هَذَا قَالَ الْإِمَامُ يُمْكِنُ تَعْلِيلُ اسْتِحْبَابِ الْمُقَارَنَةِ بِأَنَّ الْقَوْمَ لَا يُؤَمِّنُونَ لِتَأْمِينِهِ وَإِنَّمَا يُؤَمِّنُونَ لِقِرَاءَتِهِ وَقَدْ فَرَغَتْ قِرَاءَتُهُ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﷺ " إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا " (فَجَوَابُهُ) أَنَّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ " إذَا قَالَ الْإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهم ولا الضالين
فَقُولُوا آمِينَ " وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَبَقَ فَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ فَأَمِّنُوا لِيُجْمَعَ بَيْنَهُمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ إذَا رحل الامير فارحلوا أي إذا انهيأ للرحيل فتيؤا لِيَكُنْ رَحِيلُكُمْ مَعَهُ وَبَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ آمِينَ فَوَافَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ " فَظَاهِرُهُ الْأَمْرُ بِوُقُوعِ تَأْمِينِ الْجَمِيعِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَقَدْ ذَكَرَ مَعْنَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ
*
[ ٣ / ٣٧٢ ]
(فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَلَا يُقَالُ آمِينَ إلَّا بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَمْ يَقْضِهِ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا تَرَكَ التَّأْمِينَ حَتَّى اشْتَغَلَ بِغَيْرِهِ فَاتَ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي إنْ تَرَكَ التَّأْمِينَ نَاسِيًا فَذَكَرَهُ قَبْلَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ أَمَّنَ وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الرُّكُوعِ لَمْ يُؤَمِّنْ وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الْقِرَاءَةِ فَهَلْ يُؤَمِّنُ فِيهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ الْأَصَحُّ لَا يُؤَمِّنُ وَقَطَعَ غَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ لَا يُؤَمِّنُ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَالَ الْبَغَوِيّ فَلَوْ قَرَأَ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ مَعَ الْإِمَامِ وَفَرَغَ مِنْهَا قَبْلَ فَرَاغِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُؤَمِّنَ حَتَّى يُؤَمِّنَ الْإِمَامُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ وَالْمُخْتَارُ أَوْ الصَّوَابُ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُؤَمِّنُ مَرَّةً أُخْرَى بِتَأْمِينِ الْإِمَامِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي وَإِذَا أَمَّنَ الْمَأْمُومُ بِتَأْمِينِ الْإِمَامِ ثُمَّ قَرَأَ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ أَمَّنَ ثَانِيًا لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ قَالَ فَلَوْ فَرَغَا مِنْ الْفَاتِحَةِ مَعًا كَفَاهُ أَنْ يُؤَمِّنَ مَرَّةً وَاحِدَةً
* (فَرْعٌ)
ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَصِلَ لَفْظَةَ آمِينَ بِقَوْلِهِ وَلَا الضَّالِّينَ بَلْ بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ جِدًّا لِيُعْلَمَ أَنَّ آمِينَ لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ لِلْفَصْلِ اللَّطِيفِ نَظَائِرُهَا فِي السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا سَتَرَاهَا فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذِهِ السَّكْتَةِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَأَمَّا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ بتبع التَّأْمِينَ الْقِرَاءَةَ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْجَمَاعَةِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ لَا يَسْكُتُ طَوِيلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
السُّنَّةُ فِي التَّأْمِينِ أَنْ يَقُولَ آمِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ لُغَاتِهَا وَأَنَّ الْمُخْتَارَ آمِينَ بِالْمَدِّ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ
وَبِهِ جَاءَتْ رِوَايَاتُ الْأَحَادِيثِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ لَوْ قَالَ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تعالي كان حسنا لا تنقطع الصلاة بشئ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَقَوْلُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ العبد وبه في الصلاة كلها في الدين والدينا
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّأْمِينِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ وَأَنَّ الْإِمَامَ وَالْمُنْفَرِدَ يَجْهَرَانِ بِهِ وَكَذَا الْمَأْمُومُ على الاصح وحكى القاضى أبو الطيب والعبد رى الجهر به لجمعهم عن طاوس واحمد واسحق وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُسِرُّونَ بِالتَّأْمِينِ وَكَذَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَأْمُومِ وَعَنْهُ فِي الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ (إحْدَاهُمَا) يُسِرُّ بِهِ (وَالثَّانِيَةُ) لَا يَأْتِي بِهِ وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ عِنْدَهُ وَدَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ بَلْ احْتَجَّتْ الْحَنَفِيَّةُ بِرِوَايَةِ شُعْبَةَ وَقَوْلِهِ " وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ "
[ ٣ / ٣٧٣ ]
وَاحْتَجَّتْ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ سُنَّةَ الدُّعَاءِ بِآمِينَ لِلسَّامِعِ دُونَ الدَّاعِي وَآخِرُ الْفَاتِحَةِ دُعَاءٌ فَلَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ دَاعٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا غَلَطٌ بَلْ إذَا اُسْتُحِبَّ التَّأْمِينُ لِلسَّامِعِ فالداعي أولى بالاستحباب والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
* (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْفَاتِحَةَ وَأَحْسَنَ غَيْرَهَا قَرَأَ سَبْعَ آيَاتٍ وَهَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا بِقَدْرِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ فِيهِ قَوْلَانِ
(أَحَدُهُمَا)
لَا يُعْتَبَرُ كَمَا إذَا فَاتَهُ صَوْمُ يَوْمٍ طَوِيلٍ لَمْ يُعْتَبَرْ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ فِي يَوْمٍ بِقَدْرِ سَاعَاتِ الْأَدَاءِ
(وَالثَّانِي)
يُعْتَبَرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ لَمَّا اُعْتُبِرَ عَدَدُ آيِ الْفَاتِحَةِ اُعْتُبِرَ قَدْرُ حُرُوفِهَا وَيُخَالِفُ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمِقْدَارِ فِي السَّاعَاتِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِذِكْرٍ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵁ " أنه رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْفَظَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِينِي فِي الصَّلَاةِ فقال قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِلَ فِيهِ عِنْدَ الْعَجْزِ إلَى بَدَلٍ كَالْقِيَامِ وَفِي الذِّكْرِ وَجْهَانِ (قَالَ) أَبُو إسحق ﵁ يَأْتِي مِنْ الذِّكْرِ بِقَدْرِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّهُ أُقِيمَ مَقَامَهَا فَاعْتُبِرَ قَدْرُهَا (وَقَالَ) أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ ﵁ يَجِبُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ
ﷺ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ كَالتَّيَمُّمِ لَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ فِيهِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَإِنْ أَحْسَنَ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ وَأَحْسَنَ غَيْرَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ يَقْرَأُ الْآيَةَ ثُمَّ يَقْرَأُ سِتَّ آيَاتٍ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْهَا انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهَا فَإِذَا كَانَ يُحْسِنُ بَعْضَهَا وَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ فِيمَا لَمْ يُحْسِنْ إلَى غَيْرِهَا كَمَا لَوْ عَدِمَ بَعْضَ الْمَاءِ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ تَكْرَارُ الْآيَةِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا مِنْ الذِّكْرِ قَامَ بِقَدْرِ سَبْعِ آيَاتٍ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ فَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَفْعَلْ وَصَلَّى لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ مَعَ القدرة فاشبه إذا تركها وهو يحسن)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْقَدْرِ بِتَعَلُّمٍ أَوْ تَحْصِيلُ مُصْحَفٍ يَقْرَؤُهَا فِيهِ بِشِرَاءٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ فَإِنْ كَانَ فِي لَيْلٍ أَوْ ظُلْمَةٍ لَزِمَهُ تَحْصِيلُ السِّرَاجِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ أَثِمَ وَلَزِمَهُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَدَلِيلُنَا الْقَاعِدَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ ان مالا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَهُوَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ تَجِبُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِي الْحَاوِي وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ تَجِبُ إعَادَةُ مَا صَلَّى مِنْ حِينِ أَمْكَنَهُ التَّعْلِيمُ إلَى أَنْ شَرَعَ فِي التَّعْلِيمِ فَقَطْ وَالصَّحِيحُ
[ ٣ / ٣٧٤ ]
الْأَوَّلُ فَإِنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْفَاتِحَةُ لِتَعَذُّرِ التَّعْلِيمِ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ بَلَادَتِهِ أَوْ عَدَمِ الْمُعَلِّمِ أَوْ الْمُصْحَفِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ بَلْ يَنْظُرُ إنْ أَحْسَنَ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ لَزِمَهُ قِرَاءَةُ سَبْعِ آيَاتٍ وَلَا يُجْزِيهِ دُونَ سَبْعٍ وَإِنْ كَانَتْ طِوَالًا بِلَا خِلَافٍ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ وَآخَرُونَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا وَلَا يَضُرُّ طُولُ الْآيَاتِ وَزِيَادَةُ حُرُوفِهَا عَلَى حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ حُرُوفِهَا فِيهِ خِلَافٌ جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلَيْنِ وَحَكَاهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَجْهَيْنِ وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَبَعْضُهُمْ حَكَاهُ قَوْلَيْنِ وَبَعْضُهُمْ حَكَاهُ وَجْهَيْنِ وَنَقَلَهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَوْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) تَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِعَدَدِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ وهو الذى نقل المزني (والثاني) لا تجب نص عله الشافعي في باب استبقال القبلة قال تجب سبع آيات طوا لاكن أَوْ قِصَارًا وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) بِاتِّفَاقِهِمْ بِشَرْطِ
أَنْ لَا يُنْقِصَ حُرُوفَ الْآيَاتِ السَّبْعِ عَنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ بِقَدْرِ آيَةٍ بَلْ يجزيه أَنْ يَجْعَلَ آيَتَيْنِ بَدَلَ آيَةٍ بِحَيْثُ يَكُونُ مَجْمُوعُ الْآيَاتِ لَا يَنْقُصُ عَنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ وَالْحَرْفُ الْمُشَدَّدُ بِحَرْفَيْنِ فِي الْفَاتِحَةِ وَالْبَدَلِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ (وَالثَّانِي) يَجِبُ أَنْ يَعْدِلَ حُرُوفَ كُلِّ آيَةٍ مِنْ الْبَدَلِ حُرُوفُ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَكُونُ مِثْلَهَا أَوْ أَطْوَلَ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ وَضَعَّفُوهُ (وَالثَّالِثُ) يَكْفِي سَبْعُ آيَاتٍ نَاقِصَاتٍ كَمَا يَكْفِي صَوْمٌ قَصِيرٌ عَنْ طَوِيلٍ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ السَّاعَاتِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ لَا يُسَلَّمُ بَلْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِالِاسْتِظْهَارِ بِأَطْوَلَ مِنْهُ كَمَا قُلْنَا هُنَا ثُمَّ إنْ لَمْ يُحْسِنْ سَبْعَ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةً بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ كَانَ له العدول إلى مفرقة بلا خلاف عليه نص في الام واتفقوا عليه لكن الْجُمْهُورَ أَطْلَقُوا الْمَسْأَلَةَ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَوْ كَانَتْ الْآيَةُ الْفَرْدَةُ لَا تُغَيِّرُ مَعْنًى مَنْظُومًا إذَا قُرِئَتْ وَحْدَهَا كَقَوْلِهِ (ثُمَّ نَظَرَ) فَيَظْهَرُ أَنْ لَا نَأْمُرَهُ بِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ ونجعله كمن لَا يُحْسِنُ قُرْآنًا أَصْلًا فَسَيَأْتِي بِالذِّكْرِ وَالْمُخْتَارُ مَا سَبَقَ عَنْ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ سَبْعَ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي وَغَيْرِهِ
(أَحَدُهُمَا)
لَا تُجْزِيهِ الْمُتَفَرِّقَةُ بَلْ تَجِبُ قِرَاءَةُ سَبْعِ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ وَبِهَذَا قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالرَّافِعِيُّ (أَصَحُّهُمَا) تُجْزِيهِ الْمُتَفَرِّقَةُ مِنْ سُورَةٍ أَوْ سُوَرٍ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ أَمَّا إذَا كَانَ يُحْسِنُ دُونَ سَبْعِ آيَاتٍ كَآيَةٍ أَوْ آيَتَيْنِ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَقْرَأُ مَا يُحْسِنُهُ ثُمَّ يَأْتِي بِالذِّكْرِ عَنْ الْبَاقِي لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْبَاقِي فَانْتَقَلَ إلَى بَدَلِهِ
(وَالثَّانِي)
يَجِبُ تَكْرَارُ مَا يُحْسِنُهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ الذِّكْرِ فَلَوْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا بَعْضَ الْفَاتِحَةِ وَلَمْ يُحْسِنْ بَدَلًا مِنْ الذِّكْرِ وَجَبَ تَكْرَارُ مَا يُحْسِنُهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ أَحْسَنَ آيَةً أَوْ آيَاتٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ ولم يحسن
[ ٣ / ٣٧٥ ]
جميعها فان لم يحسن لباقيها بد؟ وَجَبَ تَكْرَارُ مَا أَحْسَنَهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ الفاتحة بلا خلاف وان حسن لِبَاقِيهَا بَدَلًا فَفِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَجْهَيْنِ وَكَذَا حَكَاهُمَا الْجُمْهُورُ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِيِّينَ وَخُرَاسَانَ وَجْهَيْنِ وَحَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ قَوْلَيْنِ وَكَذَلِكَ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ نَصْرٌ فِي تَهْذِيبِهِ (وَأَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ قِرَاءَةُ مَا يُحْسِنُهُ مِنْ الفاتحة ثم يأتي ببدل الباقي لان الشئ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ أَصْلًا
وَبَدَلًا
(وَالثَّانِي)
يَجِبُ تَكْرَارُ مَا يَحْفَظُهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَهَا وَيَجْرِي الْخِلَافُ سَوَاءٌ كَانَ الْبَدَلُ الَّذِي يُحْسِنُهُ قُرْآنًا أَوْ ذِكْرًا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إلَى الذِّكْرِ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْقُرْآنِ (فَإِنْ قُلْنَا) بِالْأَصَحِّ إنَّهُ يَقْرَأُ مَا يُحْسِنُهُ وَيَأْتِي بِالْبَدَلِ وَجَبَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ يَحْفَظُ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ أَتَى بِهِ ثُمَّ يَأْتِي بِالْبَدَلِ وَلَا يَجُوزُ الْعَكْسُ وَإِنْ كَانَ يَحْفَظُ آخِرَهَا أَتَى بِالْبَدَلِ ثُمَّ قَرَأَ الَّذِي يَحْفَظُهُ منها فلو عكس لم يجزيه عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَحَكَى الْبَغَوِيّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ هَذَا التَّرْتِيبُ بَلْ كَيْفَ أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ فَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وقد قال امام الحرمين اثفق أَئِمَّتُنَا عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ وَعُلِّلَ بِعِلَّتَيْنِ (إحْدَاهُمَا) أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَاجِبٌ وَعَلَيْهِ الْبَدَلُ قَبْلَ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ القاتحة فَلْيُقَدِّمْهُ (وَالثَّانِيَةُ) أَنَّ الْبَدَلَ لَهُ حُكْمُ الْمُبْدَلِ وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي نِصْفَيْ الْفَاتِحَةِ وَكَذَا فِي نِصْفِهَا وَمَا قَامَ مَقَامَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحْوَطَ وَالْمُسْتَحَبَّ لِمَنْ يُحَفِّظُ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ أَنْ يُكَرِّرَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَأْتِيَ مَعَ ذَلِكَ بِبَدَلِ مَا زَادَ عَلَيْهَا لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَمِمَّنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ هَذَا حُكْمُ مَنْ يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَتَى أَحْسَنَ سَبْعَ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا وَيَنْتَقِلَ إلَى الذِّكْرِ فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ دُونَ سَبْعٍ فَهَلْ يُكَرِّرُهُ أَمْ يَأْتِي بِبَدَلِ الْبَاقِي فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالذِّكْرِ بَدَلَهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِيهِ بِحَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ " جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِينِي مِنْهُ قَالَ قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " قَالَ يَا رسول الله هذا لله فمالى قَالَ " قُلْ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي " فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنْ الْخَيْرِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَلَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُهُ ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ قَالَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَقَدْ اجْتَهَدْتُ فِي نَفْسِي فَعَلِّمْنِي وَأَرِنِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَلِّيَ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فاقرأ به
[ ٣ / ٣٧٦ ]
وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ ثُمَّ ارْكَعْ فَاطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ اعْتَدِلْ قَائِمًا: وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الذِّكْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَتَجِبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْخَمْسُ وَتَكْفِيهِ
(وَالثَّانِي)
أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ وَيَجِبُ مَعَهَا كَلِمَتَانِ مِنْ الذِّكْرِ لِيَصِيرَ سَبْعَةَ أَنْوَاعٍ مَقَامَ سَبْعِ آيَاتٍ وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ أَنْوَاعُ الذِّكْرِ لَا الْأَلْفَاظُ الْمُسْرَدَةُ (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَيْضًا في الدليل أنه لا يتعين شئ مِنْ الذِّكْرِ بَلْ يُجْزِيهِ جَمِيعُ الْأَذْكَارِ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَغَيْرِهَا فَيَجِبُ سَبْعَةُ أَذْكَارٍ وَلَكِنْ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُنْقِصَ حُرُوفَ مَا أَتَى بِهِ عَنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يُشْتَرَطُ وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْبَدَلِ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَا يُرَاعَى هُنَا إلَّا الْحُرُوفُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَحْسَنَ قرآنا غير الفاتحة فانا نراعين الْآيَاتِ وَفِي الْحُرُوفِ خِلَافٌ وَقَالَ الْبَغَوِيّ يَجِبُ سبعة انوع مِنْ الذِّكْرِ يُقَامُ كُلُّ نَوْعٍ مَقَامَ آيَةٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ
* وَاحْتُجَّ لِأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالصَّحِيحِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْيُ وُجُوبِ زِيَادَةٍ مِنْ الْأَذْكَارِ (فَإِنْ قِيلَ) لَوْ وَجَبَ زِيَادَةٌ لَذُكِرَتْ (قيل)
[ ٣ / ٣٧٧ ]
يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قِيلَ) مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ حَيْثُ جَوَّزْتُمْ عَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ خمس كلمات ولم تجوزوا من الْقُرْآنَ إلَّا سَبْعَ آيَاتٍ بِالِاتِّفَاقِ (فَالْفَرْقُ) مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ بَدَلٌ لِلْفَاتِحَةِ مِنْ جِنْسِهَا فَاعْتُبِرَ فِيهِ قَدْرُهَا وَالذِّكْرُ بِخِلَافِهَا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ كَالتَّيَمُّمِ عَنْ الْوُضُوءِ
*.
(فَرْعٌ)
إذَا عَجَزَ عَنْ الْقُرْآنِ وَانْتَقَلَ إلَى الْأَذْكَارِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُجْزِيهِ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ والتبكير وَالتَّحْمِيدُ وَالْحَوْقَلَةُ وَنَحْوُهَا وَأَمَّا الدُّعَاءُ الْمَحْضُ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ قَالَ إمَامُ
الْحَرَمَيْنِ وَلَعَلَّ الْأَشْبَهَ أَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ يُجْزِيهِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ هُوَ الْمُرَجَّحُ رَجَّحَهُ الغزالي في البسيط
* (فرع)
شرع الذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهِ شَيْئًا آخَرَ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْبَدَلِيَّةَ أَمْ يَكْفِيهِ الْإِتْيَانُ بِهِ بِلَا قَصْدٍ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمُتَابِعُوهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ (الْأَصَحُّ) لَا يُشْتَرَطُ فَلَوْ أَتَى بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ أَوْ بِالتَّعَوُّذِ وَقَصَدَ به بدل الفاتحة احزأه عنها وان قَصَدَ الِاسْتِفْتَاحَ أَوْ التَّعَوُّذَ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَفِيهِ الْوَجْهَانِ (الْأَصَحُّ) يُجْزِيهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ
* (فَرْعٌ)
إذَا لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُحْسِنْ الذِّكْرَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَحْسَنَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ أَتَى بِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي كَمَا يَأْتِي بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِالْعَجَمِيَّةِ إذَا لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُ مَا يَجُوزُ فِي فَصْلِ التَّكْبِيرَةِ
* (فَرْعٌ)
إذَا أَتَى بِبَدَلِ الْفَاتِحَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ حَيْثُ يَجُوزَانِ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ وَاسْتَمَرَّ الْعَجْزُ عَنْ الْفَاتِحَةِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَلَا إعَادَةَ فَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الْفَاتِحَةِ فِي الرُّكُوعِ أَوْ مَا بَعْدَهُ فَقَدْ مَضَتْ رَكْعَتُهُ عَلَى الصِّحَّةِ وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَى الْفَاتِحَةِ وَإِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ لَزِمَهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَإِنْ كَانَ
[ ٣ / ٣٧٨ ]
فِي أَثْنَاءِ الْبَدَلِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا السَّرَخْسِيُّ فِي الاماملي قَوْلَيْنِ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْفَاتِحَةُ بِكَمَالِهَا
(وَالثَّانِي)
يَكْفِيهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ قَدْرَ مَا بَقِيَ وَإِنْ تَمَكَّنَ بَعْدَ فَرَاغِ الْبَدَلِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ فَطَرِيقَانِ حَكَاهُمَا السَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَلْزَمُهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ الْمُكَفِّرُ بلا صوم عَلَى الرَّقَبَةِ بَعْدَ الصَّوْمِ
(وَالثَّانِي)
فِيهِ وَجْهَانِ كَمَا لَوْ تَمَكَّنَ فِي أَثْنَاءِ الْبَدَلِ وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالتَّمَكُّنُ قَدْ يَكُونُ بِتَلْقِينٍ وَقَدْ يَكُونُ بِمُصْحَفٍ وَغَيْرِهِمَا
* (فَرْعٌ)
إذَا لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا مِنْ الذِّكْرِ وَلَا أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ سَاكِتًا ثُمَّ يَرْكَعَ وَيُجْزِيهِ صَلَاتُهُ بِلَا إعَادَةٍ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ
أَحَدِهِمَا أَتَى بِالْآخَرِ لِقَوْلِهِ ﷺ " إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
* (فَرْعٌ)
ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى وَهُوَ وَأَبُوهُ صَحَابِيَّانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَاسْمُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الحارث وكنيته عَبْدِ اللَّهِ أَبُو إبْرَاهِيمَ وَقِيلَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبُو مُعَاوِيَةَ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَنَزَلَ الْكُوفَةَ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ قِيلَ هُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْكُوفَةِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ إلَى بَدَلٍ كالقيام قوله مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا بَدَلَ لِأَرْكَانِهِ وَقَوْلُهُ فَجَازَ أَنْ يُنْتَقَلَ لَوْ قَالَ وَجَبَ كَانَ أَصْوَبَ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ كَيْفَ يصلى إذا لم يمكنه التَّعَلُّمَ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ سَبْعِ آيَاتٍ غَيْرَهَا فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ لَزِمَهُ الذِّكْرُ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهُ وَلَا أَمْكَنَهُ وَجَبَ أَنْ يَقِفَ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا عَجَزَ عَنْ الْقُرْآنِ قَامَ سَاكِتًا وَلَا يَجِبُ الذِّكْرُ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجِبُ وَلَا الْقِيَامُ وَقَدْ سَبَقَ دَلِيلُنَا عَلَيْهِمَا
*
* قال المصنف ﵀
*
* (وان قرأ القرآن بالفارسية لم تجزه لان القصد من القرآن اللفظ وذلك لا يوجد في غيره)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الْعَرَبِيَّةُ أَوْ عَجَزَ عَنْهَا وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنْ أَتَى بِتَرْجَمَتِهِ فِي صَلَاةٍ بَدَلًا عَنْ الْقِرَاءَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ
[ ٣ / ٣٧٩ ]
أَحْسَنَ الْقِرَاءَةَ أَمْ لَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَجُوزُ وَتَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ لِلْعَاجِزِ دُونَ الْقَادِرِ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (قل الله شهي؟ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ به) قَالُوا وَالْعَجَمُ لَا يَعْقِلُونَ الْإِنْذَارَ إلَّا بِتَرْجَمَتِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ " وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْفُرْسِ سَأَلُوهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ
الْقُرْآنِ فَكَتَبَ لَهُمْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ فَقَامَتْ تَرْجَمَتُهُ مَقَامَهُ كَالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ وَقِيَاسًا عَلَى جَوَازِ تَرْجَمَةِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَقِيَاسًا عَلَى جَوَازِ التَّسْبِيحِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةً عَلَى غَيْرِ ما يقرأ عمر فلقيه بِرِدَائِهِ وَأَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَلَوْ جَازَتْ التَّرْجَمَةُ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ﷺ اعتراضه في شئ جَائِزٍ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ تَرْجَمَةَ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ قُرْآنًا لِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ هَذَا النَّظْمُ الْمُعْجِزُ وَبِالتَّرْجَمَةِ يَزُولُ الْإِعْجَازُ فَلَمْ يَجُزْ وَكَمَا أَنَّ الشِّعْرَ يُخْرِجُهُ تَرْجَمَتُهُ عَنْ كَوْنِهِ شِعْرًا فَكَذَا الْقُرْآنُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَهُوَ أَنَّ الْإِنْذَارَ يَحْصُلُ لِيَتِمَّ بِهِ وَإِنْ نُقِلَ إلَيْهِمْ مَعْنَاهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَسَبْعُ لغاب للعزب وَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ هَذِهِ السَّبْعَةَ وَهُمْ يَقُولُونَ يَجُوزُ بِكُلِّ لِسَانٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى سَبْعَةٍ وَعَنْ فِعْلِ سَلْمَانَ أَنَّهُ كَتَبَ تَفْسِيرَهَا لَا حَقِيقَةَ الْفَاتِحَةِ وَعَنْ الْإِسْلَامِ أَنَّ فِي جَوَازِ تَرْجَمَتِهِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَجْهَيْنِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي فَصْلِ التَّكْبِيرِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَصِحُّ فَظَاهِرٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ يَصِحُّ إسْلَامُهُ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرَادَ مَعْرِفَةُ اعْتِقَادِهِ الْبَاطِنِ وَالْعَجَمِيَّةُ كَالْعَرَبِيَّةِ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ وَعَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ وَالتَّسْبِيحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْآنِ الْأَحْكَامُ وَالنَّظْمُ الْمُعْجِزُ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ والتنسبيح هَذِهِ طَرِيقَةُ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَبَسَطَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ فَقَالَ عُمْدَتُنَا أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ وَالْمُعْتَمَدُ فِي إعْجَازِهِ اللَّفْظُ قَالَ ثُمَّ تَكَلَّمَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ فِي الْمُعْجِزِ مِنْهُ فَقِيلَ الاعجار؟؟؟؟؟؟؟ وَجَزَالَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ الْمُجَاوِزَةِ لِحُدُودِ جَزَالَةِ الْعَرَبِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْإِعْجَازَ فِي جَزَالَتِهِ مَعَ أُسْلُوبِهِ الْخَارِجِ عَنْ أَسَالِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْجَزَالَةُ وَالْأُسْلُوبُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْأَلْفَاظِ ثُمَّ مَعْنَى الْقُرْآنِ فِي حُكْمِ التَّابِعِ لِلْأَلْفَاظِ فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّفْظَ هُوَ الْمَقْصُودُ الْمَتْبُوعُ وَالْمَعْنَى تَابِعٌ فَنَقُولُ بَعْدَ هَذَا التَّمْهِيدِ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ قُرْآنًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمُحَاوَلَةُ الدَّلِيلِ لِهَذَا تَكَلُّفٌ فَلَيْسَ أَحَدٌ يُخَالِفُ فِي أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِمَعْنَى الْقُرْآنِ بِالْهِنْدِيَّةِ لَيْسَتْ قُرْآنًا وَلَيْسَ مَا لَفَظَ بِهِ قُرْآنًا وَمَنْ خَالَفَ فِي هَذَا كَانَ مُرَاغِمًا جَاحِدًا وَتَفْسِيرُ شِعْرِ امْرِئِ الْقِيسِ لَيْسَ شِعْرَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ قُرْآنًا وَقَدْ سَلَّمُوا أَنْ الْجُنُبَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذِكْرُ مَعْنَى الْقُرْآنِ وَالْمُحْدِثُ لَا يُمْنَعُ مِنْ حَمْلِ كِتَابٍ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْآنِ وَتَرْجَمَتُهُ فَعُلِمَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ لَيْسَ قُرْآنًا وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقُرْآنَ معجز
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وَلَيْسَتْ التَّرْجَمَةُ مُعْجِزَةً وَالْقُرْآنُ هُوَ الَّذِي تَحَدَّى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْعَرَبَ وَوَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ التَّرْجَمَةَ لَيْسَتْ قُرْآنًا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ إلَّا بِقُرْآنٍ حَصَلَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِالتَّرْجَمَةِ: هَذَا كُلُّهُ مَعَ ان الصلاة بناها عَلَى التَّعَبُّدِ وَالِاتِّبَاعِ وَالنَّهْيِ عَنْ الِاخْتِرَاعِ وَطَرِيقُ الْقِيَاسِ مُنْسَدَّةٌ وَإِذَا نَظَرَ النَّاظِرُ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ وَأَعْدَادِهَا وَاخْتِصَاصِهَا بِأَوْقَاتِهَا وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا وَإِعَادَةِ رُكُوعِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَتَكَرُّرِ سُجُودِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهَا وَمَدَارُهَا عَلَى الِاتِّبَاعِ وَلَمْ يُفَارِقْهَا جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فَهَذَا يَسُدُّ بَابَ الْقِيَاسِ حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ مَقْصُودُ الصَّلَاةِ الْخُضُوعُ فَيَقُومُ السُّجُودُ مَقَامَ الرُّكُوعِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ السُّجُودُ أَبْلَغَ فِي الْخُضُوعِ.
ثُمَّ عَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ التَّرْجَمَةَ لَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْقُرْآنِ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى الْجُنُبِ وَيَقُولُونَ لَهَا حُكْمُهُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى التَّعَبُّدِ وَالِاتِّبَاعِ وَيُخَالِفُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ الَّتِي قُلْنَا يَأْتِي بِهَا الْعَاجِزُ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ بِلِسَانِهِ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْمَعْنَى مَعَ اللَّفْظِ وَهَذَا بِخِلَافِهِ: هَذَا آخِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ﵀
* (فَرْعٌ)
لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ بِلُغَةٍ لِبَعْضِ الْعَرَبِ غير اللغة المقروءيها لَمْ تَصِحَّ وَلَمْ يَجُزْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ قَالَ وَمَنْ اتى بالترجمة ان كان متعمدا بطلث صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ يُعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَيَسْجُدُ للسهود كسائر الكلام ناسيا أو جاهلا
*
* قال المصنف ﵀
*
* (ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة وذلك سنة والمستحب ان يقرأ في الصبح بطوال المفصل لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قرأ فيها بالواقعة فان كان يوم الجمعة استحب ان يقرأ فيها (الم تنزيل السجدة) (وهل أتي علي الانسان) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ ذلك ويقرأ في الاوليين في الظهر بنحو ما يقرا في الصبح لما روى أبوسيعد الخدرى ﵁ قَالَ " حَزَرْنَا قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ بِقَدْرِ ثَلَاثِينَ اية قدر الم تنزيل السجدة وحزرنا قيامه في الْأَخِيرَتَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَحَزَرْنَا
[ ٣ / ٣٨١ ]
قِيَامَهُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ من ذلك " ويقرأ في الاوليين من العصر بأوساط المفصل لما رويناه من حديث أبي سيعد ﵁ ويقرأ في الاوليين من العشاء الآخرة بنحو ما يقرأ في العصر لما روى عنه ﵇ انه قرأ في العشاء الاخرة سورة الجمعة المنافقين ويقرأ في الاوليين من المغرب بقصار المفصل لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " كَانَ يَقْرَأُ فِي المغرب بقصار المفصل " فان خالف وقرأ غير ما ذكرناه جاز لما روى رجل من جهينة " أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقرأ في الصبح إذا زلزلت الارض ")
*
* (الشَّرْحُ)
* الَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّ أَقْدَمَ جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فَيَحْصُلُ مِنْهَا بَيَانُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَمَا يُحْتَاجُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ " كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقَامُ فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إلَى الْبَقِيعِ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً - أَوْ قَالَ نصف ذلك - وفي العصر في الركعتين الأوليين فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذَلِكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا قَالَ " حَزَرْنَا قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ بِقَدْرِ ثَلَاثِينَ آيَةً قَدْرَ الم تنزيل السَّجْدَةَ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذَا يَغْشَى وَفِي الْعَصْرِ بِنَحْوِ ذَلِكَ وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالسَّمَاءِ ذات البروج والسماء والطارق ونحوهما من
السور " رواه أبودواود وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالنَّسَائِيُّ وَعَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا الظُّهْرَ فَنَسْمَعُ مِنْهُ الْآيَةَ بَعْدَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ لُقْمَانَ وَالذَّارِيَاتِ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ " سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ وَهِيَ أُمُّهُ ﵄ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالْمُرْسَلاتِ عرفا فَقَالَتْ يَا بُنَيَّ وَاَللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ أَنَّهَا لَآخِرُ
[ ٣ / ٣٨٢ ]
مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم وعن مروان ابن الْحَكَمِ قَالَ " قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ مالك تقرأ في المغرب بقصار وقد سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي مليكة طول الطوليين الاعراف والمائدة رواه النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ " أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ لِمَرْوَانَ أَتَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَإِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ قَالَ نَعَمْ قال - يعنى زيدا - فمحلوقة لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقرأ فيها بأطول الطولين المص " وعن عائشة رضى اله عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلَانٍ قَالَ سُلَيْمَانُ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الْأَخِيرَتَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وعن عبد الله السانحي " أَنَّهُ صَلَّى وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ الْمَغْرِبَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ ثُمَّ قَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ فَدَنَوْتُ حَتَّى أَنْ كَادَ تَمَسُّ ثِيَابِي بِثِيَابِهِ فَسَمِعْتُهُ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَهَذِهِ الْآيَةِ: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رحمة انك انت الوهاب ": رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَعَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَمَا سَمِعْتُ احدا أحسن منه صوتا أو قراءة "
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ إِذَا السماء انشقت فَسَجَدَ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ طَوَّلَ فِي الْعِشَاءِ " يَا مُعَاذُ إذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَاقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ وَاللَّيْلِ إذَا يغشي " رواه البخاري ومسلم هذا لفظ أحد رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقْرَأُ فِي العشاة الْآخِرَةِ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَنَحْوِهَا مِنْ السُّوَرِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَمَّا الصُّبْحُ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَسَائِرِ رِوَايَاتِهِ وَرِوَايَاتِ مُسْلِمٍ " يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ " عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁ قال " صلى لنا النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسي وهرون أَوْ حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتْ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم سلعة فَرَكَعَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ " أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى
[ ٣ / ٣٨٣ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ ركعة والنخل باسقات لها طلع نضيد أَوْ رُبَّمَا قَالَ فِي ق " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقْرَأُ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وَكَانَ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ حُرَيْثٍ ﵁ " أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقرأ في الفجر والليل إذا عسعس " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الحفني أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ " أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقرأ في الصبح إذا زلزلت الارض في الركعتين كلها فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الفجر الجمعة الم تنزيل السجدة وهل اتي علي الإنسان " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ فَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي وَائِلٍ قَالَ " جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ
قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ هَذًّا كهذا لشعر لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَفِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ: وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْحَسَنَةُ وَالضَّعِيفَةُ فِيهِ فَلَا تَنْحَصِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: قَالَ الْعُلَمَاءُ وَاخْتِلَافُ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَحَادِيثِ كَانَ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْلَمُ مِنْ حَالِ الْمَأْمُومِينَ فِي وَقْتٍ أَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ فَيُطَوِّلُ وَفِي وَقْتٍ لَا يُؤْثِرُونَهُ لِعُذْرٍ وَنَحْوِهِ فَيُخَفِّفُ وَفِي وَقْتٍ يُرِيدُ إطَالَتَهَا فَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيَّ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا ضَبْطُ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَبَيَانُهَا فَالْمُفَصَّلُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ فِيهِ بَيْنَ سُوَرِهِ وَقِيلَ لِقِلَّةِ الْمَنْسُوخِ فِيهِ وَآخِرُهُ (قُلْ أَعُوذُ برب الناس) وَفِي أَوَّلِهِ مَذَاهِبُ قِيلَ (سُورَةُ الْقِتَالِ) وقيل من (الحجرات) وقيل من (قاف) وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَرُوِيَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ مَشْهُورَةٌ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ قَوْلًا أَنَّهُ مِنْ (الْجَاثِيَةِ) وَهُوَ غَرِيبٌ وَالسُّورَةُ تُهْمَزُ لغتان الْهَمْزِ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ قَوْلُهُ وَقَرَأَ فِيهَا بِالْوَاقِعَةِ هَذَا الْحَدِيثُ أَشَارَ إلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَرَأَ فِي الصُّبْحِ بِالْوَاقِعَةِ " وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كِفَايَةٌ عَنْهُ.
قَوْلُهُ يَقْرَأُ فِيهَا (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةُ) أَمَّا تَنْزِيلُ فَمَرْفُوعَةُ اللَّامِ عَلَى حِكَايَةِ التِّلَاوَةِ وَأَمَّا السَّجْدَةُ فَيَجُوزُ رَفْعُهَا عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ وَيَجُوزُ نَصْبُهَا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ مَوْضِعِ الم أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي وَسُورَةُ السَّجْدَةِ ثَلَاثُونَ آيَةً مكية وقوله يقرأ في الاولبين وَالْأُخْرَيَيْنِ هُوَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِ الْمُكَرَّرَةِ فِي حَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً يَعْنِي فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ صَحِيحٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَقَالَ لَا يُقَالُ الآخرة وليس كما بَلْ ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " أَيُّمَا امْرَأَةٍ أصابت
[ ٣ / ٣٨٤ ]
بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة " وثبت ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ: أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فِي الصُّبْحِ وَفِي الاوليين من سائر الصلوات ويحصل أصل الاستحبات بقراءة شئ مِنْ
الْقُرْآنِ وَلَكِنَّ سُورَةً كَامِلَةً أَفْضَلُ حَتَّى أَنَّ سُورَةً قَصِيرَةً أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ بَعْضَ سُورَةٍ فَقَدْ يَقِفُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْوَقْفِ وَهُوَ انْقِطَاعُ الْكَلَامِ الْمُرْتَبِطِ وَقَدْ يَخْفَى ذَلِكَ قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ (كَالْحُجُرَاتِ) (وَالْوَاقِعَةِ) وَفِي الظُّهْرِ بِقَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِهِ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ فَإِنْ خَالَفَ وَقَرَأَ بِأَطْوَلَ أَوْ أَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ فِي صُبْحِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (الم تَنْزِيلُ) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَهَلْ أَتَى) فِي الثَّانِيَةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ وَيَقْرَأُ السُّورَتَيْنِ بِكَمَالِهِمَا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَأَوْسَاطِهِ هو فيما آثر المأمون التَّطْوِيلَ وَكَانُوا مَحْصُورِينَ لَا يَزِيدُونَ وَإِلَّا فَلْيُخَفِّفْ وقد ذكره أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَحَادِيثِ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ كَانَ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي رَكْعَةٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ مُتَوَالِيًا فَإِذَا قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سُورَةً قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا مُتَّصِلَةً بِهَا قَالَ الْمَتُولِي حَتَّى لَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى (قُلْ اعوذ برب الناس) يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ وَلَوْ قَرَأَ سُورَةً ثُمَّ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ التي قبلها فقد خالف الاولي ولا شئ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّورَةِ لِلنَّوَافِلِ يُسْتَحَبُّ فِي رَكْعَتِي سُنَّةِ الصُّبْحِ التَّخْفِيفُ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقْرَأُ في الاولى منها قولوا آمنا بالله وما انزل الينا الْآيَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ الْآيَةَ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " يَقْرَأُ فِيهِمَا قُلْ يا ايها الكافرون وقل هو الله احد " وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْقِرَاءَةِ بِهِمَا فِيهِمَا وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " رَمَقْتُ النبي صلي الله عليه وسلم عشرين سية مَرَّةً يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالرَّكْعَتَيْنِ قبل الفجر قل يا ايها الكافرون وقل هو الله احد " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ رَجُلًا اخْتَلَفُوا فِي تَوْثِيقِهِ وَجَرْحِهِ وَقَدْ رَوَى له مسلم والله أعلم
*
* قال المصنف ﵀
*
* (وإن كان مأموما نظرت فان كان في صلاة يجهر فيها بالقراءة لم يزد على الفاتحة لقوله صلي الله عليه وسلم " إذا كنتم خلفي فلا تقرءون إلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بها " وان كان في صلاة
يسر فيها بالقراءة أو في صلاة يجهر فيها الا انه في موضع لا يسمع القراءة قرأ لانه غير مأمور بالانصات
[ ٣ / ٣٨٥ ]
إلى غيره فهو كالامام والمنفرد)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ المأموم لا يشرع له قراةء السُّورَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ولو جهر ولم يسمعه لبعده أو صممه فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ السُّورَةِ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ أَوْ جُمْهُورُهُمْ إذْ لَا مَعْنَى لِسُكُوتِهِ والثانى لا يقرؤها حكاه الخراسانيون * قال المصنف ﵀
*
* (وَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَهَلْ يقرأ السورة فيها زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ فِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ (لَا يُسْتَحَبُّ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ ﵁ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَكَانَ يُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يُطِيلُ فِي الْأُولَى مَا لَا يُطِيلُ فِي الثَّانِيَةِ وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بفاتحة الكتاب " وقال في الام يستحب لما روينا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَلِأَنَّهَا رَكْعَةٌ يُشْرَعُ فِيهَا الْفَاتِحَةُ فَيُشْرَعُ فِيهَا السُّورَةُ كَالْأُولَيَيْنِ وَلَا يُفَضِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْقِرَاءَةِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاسَرْجِسِيُّ ﵀ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ فِي الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ أَطْوَلَ لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يُفَضِّلُ لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ وحديث قَتَادَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطَالَ لِأَنَّهُ أَحَسَّ بداخل)
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاسْمُ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَقِيلَ النعمان بن ربعي وقيل عمرو بن ربعي الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَوْلُهُ سَمِعْنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا أَيْ فِي نَادِرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لِغَلَبَةِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي التَّدَبُّرِ يَحْصُلُ الْجَهْرُ بِالْآيَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ جَوَازِ الْجَهْرِ وَأَنَّهُ لا تبطل الصلاة ولا يقضي سُجُودَ سَهْوٍ أَوْ لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّهُ يَقْرَأُ أَوْ أَنَّهُ يَقْرَأُ السُّورَةَ الْفُلَانِيَّةَ وَأَمَّا أَبُو الْحَسَنِ الْمَاسَرْجِسِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَاسْمُهُ محمد بن علي بن سهل تفقه علي أبى الحسن المروزى وتفقه عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ
الطَّبَرِيُّ وَكَانَ مُتْقِنًا لِلْمَذْهَبِ وَهُوَ أَحَدُ أَجْدَادِنَا فِي سِلْسِلَةِ الْفِقْهِ توفى ﵀ سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهَا رَكْعَةٌ يُشْرَعُ فِيهَا الْفَاتِحَةُ احْتِرَازٌ مِنْ رَكْعَةِ الْمَسْبُوقِ: أَمَّا الْأَحْكَامُ فَهَلْ يُسَنُّ قِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يُسْتَحَبُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَنَقَلَهُ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ
(وَالثَّانِي)
يُسْتَحَبُّ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ الْإِمْلَاءِ أَيْضًا وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَصَحِّ مِنْهُمَا فَقَالَ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ الاصح الاستحباب ممن صحه الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَصَحَّحَتْ طَائِفَةٌ عَدَمَ الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ أَفْتَى
[ ٣ / ٣٨٦ ]
الْأَكْثَرُونَ وَجَعَلُوا الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْتَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ قُلْتُ وَلَيْسَ هُوَ قَدِيمًا فَقَطْ بَلْ مَعَهُ نَصَّانِ فِي الْجَدِيدِ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا على انه إذا قلنا بالسورة في الثانية والرابعة تكون أَخَفَّ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ وَهَلْ يُطَوِّلُ الْأُولَى فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الثَّانِيَةِ مِنْ كُلِّ الصَّلَوَاتِ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَكْثَرِينَ لَا يُطَوِّلُ وَالثَّانِي يُسْتَحَبُّ التَّطْوِيلُ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ القاضي أبو الطيب في تعليعه الصَّحِيحُ أَنْ يُطَوِّلَ الْأُولَى مِنْ كُلِّ الصَّلَوَاتِ لَكِنَّهُ فِي الصُّبْحِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا قَالَ وَهَذَا الْمَاسَرْجِسِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْفَجْرِ خَاصَّةً قَالَ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ يسوي بينهما ذكره اصحابنا العراقيون لنص فِي الْأُمِّ قَالَ الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا لحديث ابي قتادة ويدركها قاصدا الْجَمَاعَةِ وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ أَحَسَّ بِدَاخِلٍ فَضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ قَالَ وَكَانَ يُطِيلُ وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَكَرُّرِ هَذَا وَأَنَّهُ مَقْصُودٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ إنْ كَانَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ
(وَالثَّانِي)
أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِدَاخِلٍ وَهُوَ فِي الْقِيَامِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ انْتِظَارُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي انْتِظَارِهِ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ وَالصَّحِيحُ اسْتِحْبَابُ تَطْوِيلِ الْأُولَى كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطيب ونقله وقد وافقه غير وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَحَسْبُكَ بِهِ مُعْتَمَدًا فِي هَذَا وَإِذَا قُلْنَا بِتَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَطْوِيلُ الثَّالِثَةِ عَلَى الرَّابِعَةِ فِيهِ طَرِيقَانِ نَقَلَ
الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُطَوَّلُ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهَا وَلِعَدَمِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي الْأُولَى وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِيهَا الْوَجْهَيْنِ وَإِذَا قلنا تسن السورة في الاخرتين فهي مَسْنُونَةً لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ وَفِي الْمَأْمُومِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي السِّرِّيَّةِ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي
* (فَرْعٌ)
قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةُ الْمُتَنَفِّلُ بِرَكْعَتَيْنِ تُسَنُّ لَهُ السُّورَةُ وَالْمُتَنَفِّلُ باكثر ان كان يقصر عَلَى تَشَهُّدٍ وَاحِدٍ قَرَأَ السُّورَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَإِنْ تَشَهَّدَ تَشَهُّدَيْنِ فَهَلْ تُسَنُّ لَهُ السُّورَةُ فِي الرَّكَعَاتِ الْمَفْعُولَةِ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الفرائض
* (فرع)
المسبؤق بِرَكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِمَا بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَتَيْنِ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي استحباب السورة له القولان لانها آخر صلاة وَإِنَّمَا فَرَّعَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى قَوْلِهِ تُسْتَحَبُّ السُّورَةُ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) قَالَهُ أَبُو اسحق تستحب
[ ٣ / ٣٨٧ ]
لَهُ السُّورَةُ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ قُلْنَا لَا تُسْتَحَبُّ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَلَا أَدْرَكَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ للسورة فاستحب له لثلا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ مِنْ سُورَتَيْنِ وَهَذَا الطَّرِيقُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عن ابي اسحق اكثر الاصحاب فان كان ذلك في الْعِشَاءِ وَثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ لَمْ يَجْهَرْ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ فِي جَهْرِهِ قَوْلَيْنِ كَالسُّورَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ نُصَّ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ يَجْهَرُ لِأَنَّ الْجَهْرَ قَدْ فَاتَهُ فَيَتَدَارَكُهُ كَالسِّرِّ وَنُصَّ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ لِأَنَّ سُنَّةَ آخِرِ الصَّلَاةِ الْإِسْرَارُ فَلَا يَفُوتُهُ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْخِ أبو محمد في التبصرة لو كان الامام بطئ الْقِرَاءَةِ وَأَمْكَنَ الْمَأْمُومَ الْمَسْبُوقَ أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ فِيمَا أَدْرَكَ فَقَرَأَهَا لَمْ يُعِدْهَا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ إذَا قُلْنَا تَخْتَصُّ الْقِرَاءَةُ بِالْأُولَيَيْنِ
* (فَرْعٌ)
لَوْ قَرَأَ السُّورَةَ ثُمَّ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَجْزَأَتْهُ الْفَاتِحَةُ وَلَا تُحْسَبُ لَهُ السُّورَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ وَوَلَدُهُ
إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ فِي الِاعْتِدَادِ بِالسُّورَةِ وَجْهَيْنِ لِأَنَّ مَحَلَّهَا الْقِيَامُ وَقَدْ أَتَى بِهَا فِيهِ
* (فَرْعٌ)
لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ مَرَّتَيْنِ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ لَمْ تُحْسَبْ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ عَنْ السُّورَةِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ قَالَ لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ مشروعة في الصلاة فرضا والشئ الْوَاحِدُ لَا يُؤَدَّى بِهِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّبْصِرَةُ لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ السُّورَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ فَإِنْ تَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ فَقَرَأَهَا قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ حَصَلَتْ لَهُ فَضِيلَةُ السُّورَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِإِسْرَاعِ الْإِمَامِ وَكَانَ يَوَدُّ ان يتمكن فللمأموم ثواب السورة وعلي وَبَالُ تَقْصِيرِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عن أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " يصلون لكم فان اصابوا فلكم وان اخطأ وافلكم وَعَلَيْهِمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ وَرُبَّمَا تَأَخَّرَ الْمَأْمُومُ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ لِقِرَاءَةِ السُّورَةِ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْمُتَابَعَةِ إذَا هَوَى الْإِمَامُ لِلرُّكُوعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنْ الْفَرْضِ بِنَفْلٍ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: مَذْهَبُنَا أَنَّهَا سنة فلو قتصر عَلَى الْفَاتِحَةِ أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَكَافَّةُ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ
[ ٣ / ٣٨٨ ]
الصَّحَابِيِّ ﵁ وَطَائِفَةٍ أَنَّهُ تَجِبُ مَعَ الْفَاتِحَةِ سُورَةٌ أَقَلُّهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ ويحتج له بانه المعتاد من فعل النبي صلي الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " دَلِيلُنَا قَوْلُهُ ﷺ " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ " وَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " فِي كُلِّ صلاه يقرأ فيما أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا وَإِنْ لَمْ تُزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ اجرأت وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم استدل الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِهَذَا الْأَثَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَا يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ بَعْضٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
" صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِمَا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " رَوَاهُ البخاري باسناد ضعيف
*
* قال المصنف ﵀
*
* (ويستحب للامام أن يجهر بالقراءة في الصبح والاوليين من المغرب والاوليين من العشاء والدليل عليه نقل الخلف عن السلف ويستحب للمأموم ان يسر لانه إذا جهر نازع الامام في القراءة ولانه مأمور بالانصات إلى الامام وإذا جهر لم يمكنه الانصات لغيره فهو كالامام وان كانت امرأة لم تجهر في موضع فيه رجال أجانب لانه لا يؤمن ان يفتتن بها ويستحب الاسرار في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والاخريين من العشاء لانه نقل الخلف عن السلف وان فاتته صلاة بالنهار فقصاها بالليل اسر لانها صلاة نهار وان فاته صلاة بالليل فقضاها بالنهار اسر لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في النهار فارموه بالبعر ويقول ان صلاة النهار عجماء " ويحتمل عندي ان يجهر كما يسر فيما فاته من صلاة النهار فقضاها بالليل)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* السَّلَفُ فِي اللُّغَةِ هُمْ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُرَادُ هنا أوائل هذه الامة والخلف بفتح الامام يقال بِإِسْكَانِهَا لُغَتَانِ الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَهُمْ السَّابِقُونَ لِمَنْ قَبْلَهُمْ فِي الْخَيْرِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَقَوْلُهُ صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ بِالْمَدِّ أَيْ لَا جَهْرَ فِيهَا تَشْبِيهًا بِالْعَجْمَاءِ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَاطِلٌ غَرِيبٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالسُّنَّةُ الْجَهْرُ فِي رَكْعَتِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْإِسْرَارُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَثَالِثَةِ المغرب والثالة وَالرَّابِعَةِ مِنْ الْعِشَاءِ وَهَذَا كُلُّهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ عَلَى ذَلِكَ هَذَا حُكْمُ الْإِمَامِ وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسَنُّ لَهُ الْجَهْرُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ هُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ جَهْرُ المنفرد
[ ٣ / ٣٨٩ ]
وَإِسْرَارُهُ سَوَاءٌ دَلِيلُنَا أَنَّ الْمُنْفَرِدَ كَالْإِمَامِ فِي الْحَاجَةِ إلَى الْجَهْرِ لِلتَّدَبُّرِ فَسُنَّ لَهُ الْجَهْرُ كَالْإِمَامِ وَأَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَدَبُّرًا لِقِرَاءَتِهِ لِعَدَمِ ارْتِبَاطِ غَيْرِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى إطَاقَةِ الْقِرَاءَةِ وَيَجْهَرُ بِهَا لِلتَّدَبُّرِ كَيْفَ شَاءَ وَيُخَالِفُ الْمُنْفَرِدُ الْمَأْمُومَ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِمَاعِ وَلِئَلَّا يُهَوِّشَ عَلَى الْإِمَامِ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ
يُسَنُّ لَهُ الاسرار ويكره له الجهر سواء سمع قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَمْ لَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي حَدُّ الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ وَحَدُّ الْإِسْرَارِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَدَلِيلُ كَرَاهَةِ الْجَهْرِ لِلْمَأْمُومِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " صَلَّى الظُّهْرَ فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ سبح اسم ربك الأعلى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ أَيُّكُمْ قَرَأَ أَوْ أَيُّكُمْ الْقَارِئُ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا فَقَالَ قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ بَعْضَهُمْ خَالَجَنِيهَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَى خالجنيها جاذبنيها ونازعنبها وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إنْ كَانَتْ تُصَلِّي خَالِيَةً أَوْ بِحَضْرَةِ نِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ محارم جهرت بالقراءة سواء صلت بنسوة أو مُنْفَرِدَةً وَإِنْ صَلَّتْ بِحَضْرَةِ أَجْنَبِيٍّ أَسَرَّتْ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَأَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِمَا وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَآخَرُونَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَأَطْلَقَ صَاحِبُ الحاوى انها تسر سواء صلت مُنْفَرِدَةً أَمْ إمَامَةً وَبَالَغَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَقَالَ هَلْ صَوْتُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ فِيهِ وَجْهَانِ (الْأَصَحُّ) أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ قَالَ فَإِنْ قُلْنَا عَوْرَةٌ فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَيَكُونُ جَهْرُهَا أَخْفَضُ مِنْ جَهْرِ الرَّجُلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَحُكْمُ التَّكْبِيرِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ حُكْمُ الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا الْخُنْثَى فَيُسِرُّ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَيَجْهَرُ إنْ كَانَ خَالِيًا أَوْ بِحَضْرَةِ مَحَارِمِهِ فَقَطْ وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْتُهُ وَأَمَّا الْفَائِتَةُ فَإِنْ قَضَى فَائِتَةَ اللَّيْلِ بِاللَّيْلِ جَهَرَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَضَى فَائِتَةَ النَّهَارِ بِالنَّهَارِ أَسَرَّ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَضَى فَائِتَةَ النَّهَارِ لَيْلًا أَوْ اللَّيْلِ نَهَارًا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْقَضَاءِ فِي الْإِسْرَارِ وَالْجَهْرِ صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ
(وَالثَّانِي)
الِاعْتِبَارُ بِوَقْتِ الْفَوَاتِ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْحَاوِي قَالَ لَكِنْ يَكُونُ جَهْرُهُ نَهَارًا دُونَ جَهْرِهِ لَيْلًا وَطَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ مُخَالِفَةٌ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فَإِنَّهُ قَطَعَ بِالْإِسْرَارِ مُطْلَقًا (قُلْتُ) كَذَا أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ لَكِنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَإِنْ كَانَتْ نَهَارِيَّةً فَلَهَا فِي الْقَضَاءِ فِي الْجَهْرِ حُكْمُ اللَّيْلِيَّةِ وَلِوَقْتِهَا فِيهِ حُكْمُ اللَّيْلِ وَهَذَا مُرَادُ الْأَصْحَابِ
* (فَرْعٌ)
لَوْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ أَوْ عَكَسَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِيهِ ولكنه ارتكب
[ ٣ / ٣٩٠ ]
مَكْرُوهًا هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حنيفة واسحق يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ دَلِيلُنَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ " وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا " وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ
* (فَرْعٌ)
فِي حُكْمِ النَّوَافِلِ فِي الْجَهْرِ.
أَمَّا صَلَاةُ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ فَيُسَنُّ فِيهَا الْجَهْرُ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا نَوَافِلُ النَّهَارِ فَيُسَنُّ فِيهَا الْإِسْرَارُ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا نَوَافِلُ اللَّيْلِ غَيْرَ التَّرَاوِيحِ فَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ يُجْهَرُ فِيهَا وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ يُتَوَسَّطُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ وَأَمَّا السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ مَعَ الْفَرَائِضِ فَيُسَرُّ بِهَا كُلِّهَا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ بعض السلف بالجهر فِي سُنَّةِ الصُّبْحِ وَعَنْ الْجُمْهُورِ الْإِسْرَارَ كَمَذْهَبِنَا
* (فَرْعٌ)
فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ.
عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بِهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَتِّلًا وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وعن ابى قتادة رضى الله أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ وَمَرَّ بِعُمَرَ بن الخطاب ﵁ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَرْتُ بِك يَا أَبَا بَكْرٍ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ مِنْ صَوْتِكَ قَالَ قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ لِعُمَرَ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا وَقَالَ لِعُمَرَ اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ أبو داود اسناد صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِهَذِهِ الْقِصَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ " فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صوتك شئيا ولا لعمر اخفض وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلَالُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ كَلَامٌ طَيِّبٌ يَجْمَعُ اللَّهُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ يَخْفِضُ طَوْرًا وَيَرْفَعُ طَوْرًا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَعَنْ عُصَيْفِ بْنِ حَارِثٍ وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ وَقِيلَ صَحَابِيٌّ قَالَ
[ ٣ / ٣٩١ ]