قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ: اُسْتُحِبَّ الرَّفْعُ لِكُلِّ مُصَلٍّ إمَامٍ أَوْ مَأْمُومٍ أَوْ مُنْفَرِدٍ أَوْ امْرَأَةٍ قَالَ وَكُلُّ مَا قلت يصنعه في تكبيره الاحرام امرته يصنعه فِي تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَفِي قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لمن حمده قَالَ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ وَفَرِيضَةٍ سَوَاءٌ قَالَ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَسُجُودِ الْقُرْآنِ وَسُجُودِ الشُّكْرِ قَالَ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ صَلَّى أَوْ سجد وهو قائم أو قاعدا أَوْ مُضْطَجِعٌ يُومِئُ إيمَاءً فِي أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ قَالَ وَإِنْ تَرَكَ رَفْعَ يَدَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرْتُهُ بِهِ أَوْ رَفَعَهُمَا حَيْثُ لَمْ آمُرُهُ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ عِيدٍ أَوْ جِنَازَةٍ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاةٍ وَلَا سُجُودُ سَهْوٍ عَمَدَ ذَلِكَ أَوْ نَسِيَهُ أَوْ جَهِلَهُ لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فِي الْعَمَلِ وَهَكَذَا أَقُولُ فِي كُلِّ هَيْئَةِ عَمَلٍ تَرَكَهَا هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ كَفُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ عِنْدَ الرَّفْعِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالسُّنَّةُ كَشْفُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرَّفْعِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي كُلِّ هَذَا
* (فَرْعٌ)
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحِكْمَةِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ بِإِسْنَادِهِ
[ ٣ / ٣٠٩ ]
عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ صَلَّى بِجَنْبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَرَفَعَ الشَّافِعِيُّ يَدَيْهِ لِلرُّكُوعِ وَلِلرَّفْعِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ لِمَ رَفَعْتَ يَدَيْكَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ إعْظَامًا لِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِهِ وَرَجَاءً لِثَوَابِ اللَّهِ وَقَالَ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ تَعَبُّدٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ إشَارَةٌ إلَى التَّوْحِيدِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حِكْمَةُ الرَّفْعِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ أَنْ يَرَاهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ التَّكْبِيرَ فَيَعْلَمُ دُخُولَهُ فِي الصَّلَاةِ فَيَقْتَدِي بِهِ وَقِيلَ هُوَ اسْتِسْلَامٌ وَانْقِيَادٌ وَكَانَ الْأَسِيرُ إذَا غُلِبَ مَدَّ يَدَيْهِ عَلَامَةً لِاسْتِسْلَامِهِ وَقِيلَ هُوَ إشَارَةٌ إلَى طَرْحِ أُمُورِ الدُّنْيَا والاقبال بكليته على صلاته
*
* قال المصنف ﵀
*
* (فإذا فرغ من التكبير فالمستحب ان يضع اليمين علي اليسار فيضع اليمني علي بعض الكف
وبعض الرسغ لما روى وائل بن حجر قَالَ " قُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إلَى صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كيف يصلي فنظرت إليه وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى والرسغ والساعد " والمستحب أن يجعلهما تحت الصدر لما روى وائل قَالَ " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يصلي فوضع يديه علي صدره احداهما علي الاخرى ")
*
*
* (الشَّرْحُ)
* أَمَّا حَدِيثُ وَائِلٍ فَسَنُبَيِّنُهُ فِي فَرْعَيْ مسئلتي الْخِلَافَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْيَدُ الْيَسَارُ - فَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا - لُغَتَانِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ - وَالرُّسْغُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَيُقَالُ بِضَمِّ السِّينِ وَجَمْعُهُ أَرْسَاغٌ وَيُقَال رُصْغٌ بِالصَّادِ وَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالسِّينُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ - لضم الحاء المهملة وبعدها جيم مضمومة - وَكَانَ وَائِلٌ مِنْ كِبَارِ الْعَرَبِ وَأَوْلَادِ مُلُوكِ حِمْيَرٍ كُنْيَتُهُ أَبُو هُنَيْدَةَ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَعَاشَ إلَى أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ قَالَ أَصْحَابُنَا السُّنَّةُ أَنْ يَحُطَّ يَدَيْهِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَيَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى اليسرى ويقبض بكف المينى كُوعَ الْيُسْرَى وَبَعْضَ رُسْغِهَا وَسَاعِدِهَا قَالَ الْقَفَّالُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَسْطِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى فِي عَرْضِ الْمَفْصِلِ وَبَيْنَ نَشْرِهَا فِي صَوْبِ السَّاعِدِ وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ وَفَوْقَ سُرَّتِهِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ المنصوص وفيه وجه مشهور لابي اسحق المروزى انه تجعلهما تحت
[ ٣ / ٣١٠ ]
سُرَّتِهِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ يَدَيْهِ هَلْ يُرْسِلُهُمَا إرْسَالًا بَلِيغًا ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ رَفْعَهُمَا إلَى تَحْتِ صَدْرِهِ وَوَضْعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى أَمْ يُرْسِلُهُمَا إرْسَالًا خَفِيفًا إلَى تَحْتِ صَدْرِهِ فَقَطْ ثُمَّ يَضَعُ قُلْتُ الثَّانِي أَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي تَدْرِيبِهِ وَجَزَمَ فِي الْخُلَاصَةِ بِالْأَوَّلِ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَآخَرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَسَعِيدِ بْنِ جبير والنخعي وابو مجلذ وَآخَرُونَ مِنْ التَّابِعِينَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وأصحابه وأحمد واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عن عبد الله ابن الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُرْسِلُ يَدَيْهِ وَلَا يَضَعُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَحَكَاهُ الْقَاضِي
أَبُو الطَّيِّبِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يُرْسِلُهُمَا فَإِنْ طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى
[ ٣ / ٣١١ ]
لِلِاسْتِرَاحَةِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَضْعِ وَالْإِرْسَالِ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ الْوَضْعَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ الْإِرْسَالَ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَصْحَابِهِ أو جمهورهم واحتج لهم بحديث المسئ صَلَاتَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَذْكُرْ وَضْعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ " كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ فِي الصَّلَاةِ " قَالَ أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمُهُ إلَّا يُنْمِي ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ صَرِيحَةٌ فِي الرَّفْعِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجُرٍ " أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجُرٍ أَيْضًا قَالَ " قُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إلَى صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُصَلِّي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَهُ حَتَّى حَاذَى أُذُنَيْهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا الرُّصْغِ بِالصَّادِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَعَنْ هُلْبٍ الطَّائِيِّ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ " صَفُّ الْقَدَمَيْنِ وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ مِنْ السُّنَّةِ " رَوَاهُ أبو داود باسناد حسن وعن محمد
[ ٣ / ٣١٢ ]
ابن أَبَانَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ " ثَلَاثَةٌ مِنْ النُّبُوَّةِ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ وَوَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ هَذَا صَحِيحٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ (قُلْتُ) مُحَمَّدٌ هَذَا مَجْهُولٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَائِشَةَ وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَبْلَغُ كِفَايَةٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ أَسْلَمُ لَهُ مِنْ الْعَبَثِ وَأَحْسَنُ فِي التَّوَاضُعِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّذَلُّلِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ المسئ صَلَاتَهُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُعَلِّمْهُ إلَّا الْوَاجِبَاتِ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي مَحَلِّ مَوْضِعِ الْيَدَيْنِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ جَعْلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَدَاوُد: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ واسحق يجعلها تحت سرته وبه قال أبو اسحق الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا سَبَقَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَالثَّانِيَةُ تَحْتَهَا وَعَنْ أَحْمَدَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ هَاتَانِ وَالثَّالِثَةُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَلَا تَفْضِيلَ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي غَيْرِ الْأَشْرَافِ أَظُنُّهُ فِي الْأَوْسَطِ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذلك شئ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا (وَاحْتَجَّ) مَنْ قَالَ تَحْتَ السُّرَّةِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ وضع الكف على الاكف تَحْتَ السُّرَّةِ " وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجُرٍ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ " رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عبد الرحمن بن اسحق الْوَاسِطِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ والله اعلم
*
* قال المصنف ﵀
*
[ ٣ / ٣١٣ ]
* (المستحب ان ينظر الي موضع سجوده لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا استفتح الصلاة لم ينظر الا الي موضع سجوده ")
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا غَرِيبٌ لَا أَعْرِفُهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَحَادِيثَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وغيره بمعناه وكلها ضعيفة: واما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَغَضِّ الْبَصَرِ عَمَّا يُلْهِي وَكَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَتَقْرِيبِ نَظَرِهِ وَقَصْرِهِ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ فِي ضَبْطِهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ يَجْعَلُ نَظَرَهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فِي قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ
(وَالثَّانِي)
وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي يَكُونُ نَظَرُهُ فِي الْقِيَامِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَفِي الرُّكُوعِ إلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ وَفِي السُّجُودِ إلَى أَنْفِهِ وَفِي الْقُعُودِ إلَى حِجْرِهِ لِأَنَّ امْتِدَادَ الْبَصَرِ يُلْهِي فَإِذَا قَصَرَهُ كَانَ أَوْلَى وَدَلِيلُ الْأَوَّلِ أَنَّ تَرْدِيدَ الْبَصَرِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيَمْنَعُ كَمَالَ الْخُشُوعِ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُرُوعٌ وَزِيَادَاتٌ سَنَبْسُطُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ
* (فَرْعٌ)
أَمَّا تَغْمِيضُ الْعَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي بَابِ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ يُكْرَهُ أَنْ يُغْمِضَ الْمُصَلِّي عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ
* دَلِيلُنَا أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَالَ إنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَلِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَغْمِيضُ الْعَيْنِ فَكَذَا تَغْمِيضُ الْعَيْنَيْنِ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْعَبْدَرِيُّ وَلَمْ أَرَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا لِأَنَّهُ يُجْمِعُ الْخُشُوعَ وَحُضُورَ (١) الْقَلْبِ وَيَمْنَعُ مِنْ إرْسَالِ النَّظَرِ وَتَفْرِيقِ الذِّهْنِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا كَرِهَا تَغْمِيضَ الْعَيْنَيْنِ في الصلاة وفيه حديث قال وليس بشئ
* قال المصنف ﵀
*
* (ثم يقرأ دعاء الاستفتاح وهو سنة والافضل ان يقول ما رواه عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " انه كان إذا قام للصلاة قال وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له
_________________
(١) في نسخة خضوع
[ ٣ / ٣١٤ ]
وبذلك امرت وانا من المسلمين اللهم انت الملك لا اله إلا انت ربى وانا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب الا انت واهدنى لاحسن الاخلاق لا يهدى لاحسنها إلا انت واصرف عنى سيئها لا يصرف عنى سيئها الا انت لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس اليك انا بك واليك تباركت وتعاليت استغفرك واتوب اليك ")
*
*
* (الشَّرْحُ)
* هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ الْمَذْكُورَةِ وَمِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ نَقَلْتُهُ وفى نسخ المذهب مُخَالَفَةٌ لَهُ فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ مِنْهَا أَنَّهُ في المذهب فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الْمَكْتُوبَةِ وَاَلَّذِي فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ أَعَمُّ وَقَوْلُهُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفِي الْمُهَذَّبِ أَنَّ لَفْظَةَ مِنْ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ ثَابِتَةٌ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ فِي بَعْضِهَا وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفِي بَعْضِهَا وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ رَوَاهُ أَكْثَرُهُمْ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ وَسَقَطَ فِي الْمُهَذَّبِ قَوْلُهُ أَنْتَ رَبِّي وَيَا لَيْتَهُ نَقَلَهُ من صحيح مسلم أما تَفْسِيرُ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ فَتَحْتَمِلُ جُزْءًا كَبِيرًا لَكِنِّي أُشِيرُ إلَى مَقَاصِدِهِ رَمْزًا لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مَأْمُورٌ بِتَدَبُّرِ الْأَذْكَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَاهَا لِيُمْكِنَهُ تَدَبُّرُ مَعَانِيهَا قَوْلُهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَتَنَاوَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ قَوْلُهُ وَجَّهْت وَجْهِي قال الازهرى وغيره معناه أَقْبَلْتُ بِوَجْهِي وَقِيلَ قَصَدْتُ بِعِبَادَتِي وَتَوْحِيدِي إلَيْهِ وَيَجُوزُ فِي وَجْهِي إلَيْهِ إسْكَانُ الْيَاءِ وَفَتْحُهَا وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ عَلَى الْإِسْكَانِ وَقَوْلُهُ (فَطَرَ السَّمَوَاتِ) أَيْ ابْتَدَأَ خَلْقَهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ وَجَمَعَ السَّمَوَاتِ دُونَ الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَتْ سَبْعًا كَالسَّمَوَاتِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جِنْسَ الْأَرَضِينَ وَجَمَعَ السَّمَوَاتِ لِشَرَفِهَا وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ السَّمَوَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الْأَرَضِينَ وَقِيلَ الْأَرْضُونَ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مُسْتَقَرُّ الْأَنْبِيَاءِ وَمَدْفِنُهُمْ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَوْلُهُ (حَنِيفًا) قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ: أَيْ مُسْتَقِيمًا وَقَالَ الزَّجَّاجُ وَالْأَكْثَرُونَ الْحَنِيفُ الْمَائِلُ وَمِنْهُ قِيلَ أَحْنَفَ الرَّجُلُ قَالُوا وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَائِلُ إلَى الْحَقِّ وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مخالفيه: وقال أبو عبيدة الْحَنِيفُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ ﷺ وَانْتَصَبَ حَنِيفًا عَلَى الْحَالِ أَيْ وَجَّهْتُ وَجْهِي فِي حَالِ حَنِيفِيَّتِي وَقَوْلُهُ (وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) بَيَانٌ لِلْحَنِيفِ وَإِيضَاحٌ لِمَعْنَاهُ وَالْمُشْرِكُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ كَافِرٍ مِنْ عَابِدِ وَثَنٍ أَوْ صَنَمٍ وَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَزِنْدِيقٍ وَغَيْرِهِمْ وَقَوْلُهُ (إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي) قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الصَّلَاةُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّشَهُّدِ وَغَيْرِهَا قَالَ وَالنُّسُكُ الْعِبَادَةُ وَالنَّاسِكُ الَّذِي يُخْلِصُ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَصْلُهُ مِنْ النَّسِيكَةِ وَهِيَ النَّقْرَةُ الْخَالِصَةُ الْمُذَابَةُ الْمُصَفَّاةُ مِنْ كُلِّ خَلْطٍ وَالنَّسِيكَةُ أَيْضًا الْقُرْبَانُ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ النُّسُكُ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ وَقَوْلُهُ (ومحياى ومماتي)
[ ٣ / ٣١٥ ]
أَيْ حَيَاتِي وَمَمَاتِي وَيَجُوزُ فِيهِمَا فَتْحُ الْيَاءِ وَإِسْكَانُهَا وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى فَتْحِ مَحْيَايَ وَإِسْكَانِ مَمَاتِي لِلَّهِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ هَذِهِ لَامُ الْإِضَافَةِ وَلَهَا مَعْنَيَانِ الْمِلْكُ كَقَوْلِكَ الْمَالُ لِزَيْدٍ وَالِاسْتِحْقَاقُ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ وَكِلَاهُمَا مُرَادٌ هُنَا
* وَقَوْلُهُ (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فِي مَعْنَى رَبٍّ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
الْمَالِكُ.
وَالسَّيِّدُ: وَالْمُدَبِّرُ.
وَالْمُرَبِّي: قَالَ فَإِنْ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنَّهُ رَبٌّ أَوْ مَالِكٌ أَوْ سَيِّدٌ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَإِنْ قِيلَ لِأَنَّهُ مُدَبِّرُ خَلْقِهِ أَوْ مُرَبِّيهِمْ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ.
قَالَ وَمَتَى أَدْخَلْتَ عَلَيْهِ الْأَلْفَ وَاللَّامَ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى دُونَ خَلْقِهِ وَإِنْ حَذَفْتَهَا كَانَ مُشْتَرَكًا فَتَقُولُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَرَبُّ الدَّارِ وَأَمَّا الْعَالَمُونَ فَجَمْعُ عَالَمٍ وَالْعَالَمُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَتِهِ فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُفَسِّرُونَ: الْعَالَمُ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُمْ الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ.
وَقِيلَ هُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ.
قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ وَقِيلَ بَنُو آدَمَ قَالَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ وَأَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِ الْعَالَمِ فَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَلَامَةِ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ دَلَالَةٌ وَعَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ صَانِعِهِ كالعالم اسْمٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَدَلِيلُهُ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي قَوْلِهِمْ الْعَالَمُ مُحْدَثٌ
[ ٣ / ٣١٦ ]
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَدَلِيلُهُ مِنْ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ ﷿ (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رب العالمين قال رب السموات والارض وما بينهما) وَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعِلْمِ فَالْعَالَمُونَ عَلَى هَذَا مَنْ يَعْقِلُ خَاصَّةً قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَاخْتَارَهُ أبو الهيثم والازهري لقول الله تعالى (فيكون للعالمين نذيرا) قَوْلُهُ " اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ " قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِيهِ مَذْهَبَانِ لِلنَّحْوِيِّينَ قَالَ الْفَرَّاءُ أَصْلُهُ يَا اللَّهُ امنا بخير فكثرت في الكلام واخناطت فقيل اللهم وتركت مفتوحة الميم قال الْخَلِيلُ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ عِوَضٌ عَنْ يَاءِ النِّدَاءِ وَالْمِيمُ مَفْتُوحَةٌ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الْمِيمِ قَبْلَهَا وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُقَالُ يَا اللَّهُمَّ وَقَوْلُهُ: أَنْتَ الْمَلِكُ أَيْ الْقَادِرُ على كل شئ قَوْلُهُ: وَأَنَا عَبْدُكَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَيْ إنِّي لَا أَعْبُدُ غَيْرَكَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَا مُعْتَرِفٌ بِأَنَّكَ مَالِكِي وَمُدَبَّرِي وَحُكْمُكَ نَافِذٌ فِي: قَوْلُهُ ظَلَمْتُ نَفْسِي.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ اعْتِرَافٌ بِالذَّنْبِ قَدَّمَهُ عَلَى سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉ (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ": قَوْلُهُ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ.
أَيْ أَرْشِدْنِي لِصَوَابِهَا وَوَفِّقْنِي لِلتَّخَلُّقِ بِهِ وَسَيِّئُهَا قَبِيحُهَا قَوْلُهُ: لَبَّيْكَ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ مَعْنَاهُ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ يُقَالُ لَبَّ بِالْمَكَانِ لَبًّا وَأَلَبَّ إلْبَابًا أَقَامَ بِهِ وَأَصْلُ لَبَّيْكَ لبين فحذفت النون للاضافة وقوله: وَسَعْدَيْكَ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَيْ مُسَاعَدَةً لِأَمْرِكَ بَعْدَ مساعدة ومتابعة بعد متابعة لدين الَّذِي ارْتَضَيْتَهُ بَعْدَ: مُتَابَعَةٍ: قَوْلُهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ.
فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ
(أَحَدُهَا) مَعْنَاهُ لا يتقرب به اليك قاله الخليل واحمد والنضر بن شميل واسحق بن راهويه ويحيى ابن مَعِينٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَالْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ
(وَالثَّانِي)
حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الْمُزَنِيِّ وقاله ايضا غير مَعْنَاهُ لَا يُضَافُ إلَيْكَ عَلَى انْفِرَادِهِ فَلَا يُقَالُ يَا خَالِقَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَيَا رَبَّ الشَّرِّ وَنَحْوُ هَذَا وَإِنْ كَانَ يُقَالُ يَا خالق كا شئ وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ الشَّرُّ فِي الْعُمُومِ (وَالثَّالِثُ)
[ ٣ / ٣١٧ ]
مَعْنَاهُ وَالشَّرُّ لَا يَصْعَدُ إلَيْكَ وَإِنَّمَا يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ (وَالرَّابِعُ) مَعْنَاهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ فَإِنَّك خَلَقْتَهُ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَخْلُوقِينَ (وَالْخَامِسُ) حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ فُلَانٌ إلَى بنى فلان إذا كان عداده فيهم أوصفوه إليهم قال الشيخ أبو حامد ولابد مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِظَاهِرِهِ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ جَمِيعًا اللَّهُ فَاعِلُهُمَا وَلَا إحْدَاثَ للعبد فيهما والمتزلة يَقُولُونَ يَخْلُقُهُمَا وَيَخْتَرِعُهُمَا وَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمَا صُنْعٌ وَلَا يَسْمَعُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْخَيْرَ مِنْ عِنْدِ الله والشر من نفسك الاهمج الْعَامَّةِ وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لا سني ولا بدعى: قوله أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ أَيْ الْتِجَائِي وَانْتِمَائِي إلَيْكَ وَتَوْفِيقِي بِكَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ مَعْنَاهُ أَعْتَصِمُ بِكَ وَأَلْجَأُ إلَيْكَ: قَوْلُهُ تَبَارَكْتَ اسْتَحْقَقْتَ الثَّنَاءَ وَقِيلَ ثَبَتَ الْخَيْرُ عِنْدَكَ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: تَبَارَكَ الْعِبَادُ بِتَوْحِيدِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَمُسَافِرٍ وَمُفْتَرِضٍ وَمُتَنَفِّلٍ وَقَاعِدٍ وَمُضْطَجِعٍ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَأْتِيَ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَلَوْ تَرَكَهُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا حَتَّى شَرَعَ فِي التَّعَوُّذِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَلَا يَتَدَارَكُهُ فِي بَاقِي الرَّكَعَاتِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ إذَا تَرَكَهُ وَشَرَعَ فِي التَّعَوُّذِ يَعُودُ إلَيْهِ مِنْ بَعْدِ التَّعَوُّذِ وَالْمَذْهَبُ هُوَ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَالْجُمْهُورُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَلَكِنْ لَوْ خَالَفَ فَأَتَى بِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ ذكر ولا يسجد للسهو كَمَا لَوْ دَعَا أَوْ سَبَّحَ فِي غَيْرِ موضعه قال الشافعي في الامم: وَكَذَا لَوْ أَتَى بِهِ حَيْثُ لَا آمُرُهُ به فلا شئ عَلَيْهِ وَلَا يَقْطَعُ ذِكْرَ الصَّلَاةِ فِي أَيِّ حَالٍ ذَكَرَهُ.
قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ أَحْرَمَ مَسْبُوقٌ فَأَمَّنَ الْإِمَامُ عَقِبَ إحْرَامِهِ أَمَّنَ ثُمَّ أَتَى بِالِاسْتِفْتَاحِ لِأَنَّ التَّأْمِينَ يَسِيرٌ.
وَلَوْ أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَكَبَّرَ وَقَعَدَ فَسَلَّمَ مع قعودة قام ولا يأتي بدعا الِاسْتِفْتَاحِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ قَالُوا:
وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَبْلَ قُعُودِهِ لَا يَقْعُدُ ويأتى بدعاء الاستفتاح وهذا الذى ذكره مِنْ اسْتِحْبَابِ دُعَاءِ
[ ٣ / ٣١٨ ]
الِاسْتِفْتَاحِ لِكُلِّ مُصَلٍّ يَدْخُلُ فِيهَا النَّوَافِلُ الْمُرَتَّبَةُ وَالْمُطْلَقَةُ وَالْعِيدُ وَالْكُسُوفُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ وَالِاسْتِسْقَاءُ وغيرها يستثني مِنْهُ مَوْضِعَانِ
(أَحَدُهُمَا)
صَلَاةُ الْجِنَازَةِ: فِيهَا وَجْهَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَنَائِزِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ وَعِنْدَ الْأَصْحَابِ لَا يُشْرَعُ فِيهَا دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ لِأَنَّهَا مبنية علي الاختصار والثانى تستحب كغيرها (الوضع الثَّانِي) الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ لَا يَأْتِي بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ لَوْ أَدْرَكَ الامام رفعا مِنْ الِاعْتِدَالِ حِينَ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ لَمْ يَأْتِ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ بَلْ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إلَى آخِرِهِ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الْقِيَامِ وَعَلِمَ أَنَّهُ يمكنه دعاء الاستفتاح والتعوذ والفاتحة أنى بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَقَالَهُ الاصحاب قال الشيخ بو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَجِّلَ فِي قِرَاءَتِهِ وَيَقْرَأَ إلَى قَوْلِهِ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ ثُمَّ يُنْصِتُ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ أَوْ شَكَّ لَمْ يأت بدعاء الاستفتاح فلو خَالَفَ وَأَتَى بِهِ فَرَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ فَرَاغِ الْفَاتِحَةِ فَهَلْ يَرْكَعُ مَعَهُ وَيَتْرُكُ بَقِيَّةَ الْفَاتِحَةِ أَمْ يُتِمُّهَا وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ في الصلاة الْجَمَاعَةِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ مَعَ التَّعَوُّذِ وَالْفَاتِحَةِ وَلَا يُمْكِنُهُ كُلُّهُ أَتَى بِالْمُمْكِنِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ
* (فَرْعٌ)
فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ (مِنْهَا) حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ (وَمِنْهَا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ لله فِي إسْكَاتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَذَا لَفْظُ إحْدَى رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِثْلُهَا إلَّا أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ (١) اللَّهُمَّ وَاغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ وَعَنْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ " رواه أبو داود الترمذي وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ كَبَّرَ ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ثُمَّ يَقُولُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ " رواه أبو داود
_________________
(١) رواية مسلم اللهم نقني من خطاياى كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ الخ فاقتصر الشارح على موضع الخلاف بين الروايتين
[ ٣ / ٣١٩ ]
وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يصل هَذَا الْحَدِيثُ وَجَاءَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ نَفْثِهِ الشَّرُّ وَنَفْخِهِ الكبر وهمزة المؤتة أَيْ الْجُنُونُ وَرَوَى الِاسْتِفْتَاحَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَحَادِيثُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَصَحُّ مَا فِيهَا الْأَثَرُ الْمَوْقُوفُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ " وَهَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ أَنَّهُ قَالَهُ فِي الِاسْتِفْتَاحِ بَلْ رَوَاهُ عَنْ عَبْدَةَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَقَعَتْ فِي مُسْلِمٍ مُرْسَلَةً لِأَنَّ عَبْدَةَ بْنَ أبي لبابة لم يسمع عمرو وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ مُتَّصِلًا والفاتحة وفى رواية التَّصْرِيحُ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَهُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٌ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ " أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طيبا مباركا فيه فلما قضى اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ ايكم المتكلم بالكمات فَأَرَمَّ الْقَوْمُ فَقَالَ أَيُّكُمْ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا فَقَالَ رَجُلٌ جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا فَقَالَ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشْرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَوْلُهُ أَرَمَّ - بِالرَّاءِ أَيْ سَكَتَ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ " بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مع رسول الله صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ قَالَ رَجُلٌ فِي القوم الله اكبر كبيرا والحمد كثيرا أو سبحان اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ الْقَائِلُ كَذَا وَكَذَا قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَجِبْتُ لَهَا كَلِمَةً فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُتَّصِلًا بِحَدِيثِ أنس
[ ٣ / ٣٢٠ ]
الَّذِي قَبْلَهُ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الِاسْتِفْتَاحِ بِأَيَّتِهَا اسْتَفْتَحَ حَصَّلَ سُنَّةَ الِاسْتِفْتَاحِ لَكِنَّ أَفْضَلَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ وَيَلِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ أَبُو إسحق الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ يَجْمَعُ بَيْنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَى آخِرِهَا لِحَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ كَانَ إمَامًا لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ وَجَّهْتُ وَجْهِي إلَى قَوْلِهِ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ: وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إمَامًا لِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ لَا يَتَوَقَّعُونَ مَنْ يَلْحَقُ بِهِمْ وَرَضُوا بِالتَّطْوِيلِ اسْتَوْفَى حَدِيثَ عَلِيٍّ بِكَمَالِهِ وَيُسْتَحَبُّ مَعَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الِاسْتِفْتَاحِ وَمَا يسنفتح بِهِ: أَمَّا الِاسْتِفْتَاحُ فَقَالَ بِاسْتِحْبَابِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ من الصاحبة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَا يُعْرَفُ مَنْ خَالَفَ فيه الا مالكا ﵀ فَقَالَ لَا يَأْتِي بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ ولا بشئ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّكْبِيرِ أَصْلًا بَلْ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إلَى آخِرِ الفاتحة
* واحتج له بحديث " المسئ صَلَاتَهُ " وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِفْتَاحٌ وَقَدْ يُحْتَجُّ لَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ فِي فَصْلِ التَّكْبِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يفتتحون الصلاة بالحمد الله رب العالمين " وَدَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَلَا جَوَابَ لَهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ " المسئ صَلَاتَهُ " مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ الْيَدِ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا عَلَّمَهُ الْفَرَائِضَ فَقَطْ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ما سبق في قصل التكبير أن المراد يفتتح الْقِرَاءَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كانوا يقرؤن الْفَاتِحَةَ قَبْلَ السُّورَةِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَا يأتي بدعاء الاستفتاح وبينه حديث عائشة ﵂ الذي ذكرناه هناك وكيف كان فليس تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ وَلَوْ صَرَّحَ بِنَفْيِهِ كَانَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَظَاهِرَةُ بِإِثْبَاتِهِ مُقَدَّمَةً لِأَنَّهَا زيادة ثقاه وَلِأَنَّهَا
إثْبَاتٌ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَفْتَحُ بِوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَى آخِرِهِ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حنيفة وأصحابه واسحق وَدَاوُد يُسْتَفْتَحُ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إلَى آخِرِهِ وَلَا يَأْتِي بِوَجَّهْتُ وَجْهِي وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ
[ ٣ / ٣٢١ ]
مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا سَبَقَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيَّ ذَلِكَ قَالَ أَجْزَأَهُ وَأَنَا إلَى حَدِيثِ وَجَّهْتُ وَجْهِي أَمِيلُ دَلِيلُنَا أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الاستفتاح بسبحانك اللهم شئ وثبت وجهت وجهي فتعين اعتماده والعلم به والله أعلم
*
* قال المصنف ﵀
*
* (ثم يتعوذ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقول ذلك " قال في الام كان ابن عمر ﵁ يتعوذ في نفسه وأبو هريرة ﵁ يجهر به وأيهما فعل قال أبو علي الطبري استحب أن يسر به لانه ليس بقراءة ولا علم على الاتباع ويستحب ذلك في الركعة الاولى قال في الام: يقول في أول كل ركعة: وقد قيل ان قاله في كل ركعة فحسن ولا آمر به أمرى في أول كل ركعة فمن أصحابنا من قال فيما سوى الاولي قولان
(أحدهما)
يستحب لانه يستفتح القراءة فيها فهي كالاولى (الثانية) لا يستحب استفتاح القراءة في الاولى ومن أصحابنا من قال يستحب في الجميع قولا واحدا وانما في الركعة الاولي اشد استحبابا وعليه يدل قول الشافعي ﵁)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فَقَالَ فِيهِ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
[ ٣ / ٣٢٢ ]
وَالْمُعْتَمَدُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرجيم) وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْحَدِيثِ دُونَ الْآيَةِ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَلَيْسَ فِيهَا كَيْفِيَّةُ الِاسْتِعَاذَةِ فَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانَ الْمَحَلِّ وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ فَالْجَوَابُ الِاحْتِجَاجُ بِالْآيَةِ وَمَعْنَى أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَلُوذُ وَأَعْتَصِمُ بِهِ وَأَلْجَأُ إلَيْهِ وَالشَّيْطَانُ اسْمٌ لِكُلِّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ سُمِّيَ شَيْطَانًا لِشُطُونِهِ عَنْ الْخَيْرِ أَيْ تَبَاعُدِهِ وَقِيلَ لِشَيْطِهِ أَيْ هَلَاكِهِ وَاحْتِرَاقِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ النُّونُ أَصْلِيَّةٌ وَعَلَى الثَّانِي زَائِدَةٌ وَالرَّجِيمُ الْمَطْرُودُ والمعبد وَقِيلَ الْمَرْجُومُ بِالشُّهُبِ وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ وَلَا عَلَمٍ عَلَى الِاتِّبَاعِ الْعَلَمُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ الْعَلَامَةُ وَالدَّلِيلُ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ التَّكْبِيرِ
* أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ فَهُوَ أَنَّ التَّعَوُّذَ مَشْرُوعٌ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ فَيَقُولُ بَعْدَ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَبِهِ جَزَمَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ غَرِيبٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَأَصْحَابُنَا يَحْصُلُ التَّعَوُّذُ بِكُلِّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ لَكِنَّ أَفْضَلَهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَبَعْدَهُ فِي الْفَضِيلَةِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَبَعْدَ هَذَا أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ مِنْ الشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ
[ ٣ / ٣٢٣ ]
اللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَجْزَأَهُ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ سَرِيَّةً بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً فَفِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاوِي يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَارُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا كَدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (أَصَحُّهَا) يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَارُ
(وَالثَّانِي)
يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْقِرَاءَةِ فَأَشْبَهَ التَّأْمِينَ كَمَا لَوْ قَرَأَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِالتَّعَوُّذِ قَطْعًا (وَالثَّالِثُ) يُخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ وَلَا تَرْجِيحَ وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَاخْتَلَفُوا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ فَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَنَقَلَا التَّعَوُّذَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَغَلَطَا فَهَذِهِ طُرُقُ الْأَصْحَابِ وَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ التَّعَوُّذِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَلَوْ تَرَكَهُ فِي الْأُولَى عَمْدًا أَوْ سَهْوًا اُسْتُحِبَّ فِي الثَّانِيَةِ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ قُلْنَا يَخْتَصُّ بِالْأُولَى أَمْ لَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ فِي الْأُولَى لَا يَأْتِي بِهِ فِيمَا بَعْدَهَا بِلَا خِلَافٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ مَشْرُوعٌ
فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَقَدْ فَاتَ فَصَارَ كَالْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَأَمَّا التَّعَوُّذُ فَمَشْرُوعٌ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا فِيهَا قِرَاءَةٌ
* (فَرْعٌ)