* قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويحب المتطهرين) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا وَمَحَاضًا فَهِيَ حَائِضٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤَنَّثِ خَاصَّةً فَلَا يَحْتَاجُ إلَى عَلَامَةِ تَأْنِيثٍ بِخِلَافِ قَائِمَةٍ وَمُسْلِمَةٍ هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا حَائِضَةٌ وَأَنْشَدَ: كَحَائِضَةٍ يَزْنِي بِهَا غَيْرُ طَاهِرٍ: قَالَ الْهَرَوِيُّ يُقَالُ حَاضَتْ وَتَحَيَّضَتْ وَدَرَسَتْ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالرَّاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَعَرِكَتْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَطَمِثَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَزَادَ غَيْرُهُ وَنَفِسَتْ وَأَعْصَرَتْ وَأَكْبَرَتْ وَضَحِكَتْ كُلُّهُ بِمَعْنَى حَاضَتْ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لِلْحَيْضِ سِتَّةُ أَسْمَاءٍ وَرَدَتْ اللُّغَةُ بِهَا أَشْهَرُهَا الْحَيْضُ وَالثَّانِي الطَّمْثُ وَالْمَرْأَةُ طَامِثٌ قَالَ الْفَرَّاءُ الطَّمْثُ الدَّمُ وَلِذَلِكَ قِيلَ إذَا افْتَضَّ الْبِكْرَ طَمَثَهَا أَيْ أَدْمَاهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَمْ يطمثن انس قبلهم ولا جان): الثَّالِثُ الْعِرَاكُ وَالْمَرْأَةُ عَارِكٌ وَالنِّسَاءُ عَوَارِكُ: الرَّابِعُ الضحك
[ ٢ / ٣٤١ ]
وَالْمَرْأَةُ ضَاحِكٌ قَالَ الشَّاعِرُ وَضَحِكُ الْأَرَانِبِ فَوْقَ الصفا
* كمثل دم الحرق يَوْمَ اللُّقَا وَالْخَامِسُ الْإِكْبَارُ وَالْمَرْأَةُ مُكْبِرٌ قَالَ الشَّاعِرُ: يَأْتِي النِّسَاءَ عَلَى أَطْهَارِهِنَّ وَلَا
* يَأْتِي النِّسَاءَ إذْ أَكْبَرْنَ إكْبَارًا وَالسَّادِسُ الْإِعْصَارُ وَالْمَرْأَةُ مُعْصِرٌ قَالَ الشَّاعِرُ: جَارِيَةٌ قَدْ أَعَصَرَتْ
* أَوْ قَدْ دَنَا إعْصَارُهَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَصْلُ الحيض السيلان يقال حاض الوادي أي اسال يُسَمَّى حَيْضًا لِسِيلَانِهِ فِي أَوْقَاتِهِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْحَيْضُ دَمٌ يُرْخِيه رَحِمُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ بُلُوغِهَا فِي أَوْقَاتٍ مُعْتَادَةٍ وَالِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ وَدَمُ الْحَيْضِ يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ وَيَكُونُ أَسْوَدَ مُحْتَدِمًا أَيْ حَارًّا كَأَنَّهُ مُحْتَرِقٌ قَالَ وَالِاسْتِحَاضَةُ دَمٌ يَسِيلُ مِنْ الْعَاذِلِ وَهُوَ عِرْقُ فَمِهِ الَّذِي يَسِيلُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ قَالَ وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ هَذَا كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ وَالْعَاذِلُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الذَّالِ
[ ٢ / ٣٤٢ ]
المعجمة قال الهروي في الغريين وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْحَيْضُ دَمٌ يَخْرُجُ فِي أَوْقَاتِهِ بَعْدَ بُلُوغِهَا وَالِاسْتِحَاضَةُ دَمٌ يَخْرُجُ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي أَمَّا الْمَحِيضُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض) فَهُوَ دَمُ الْحَيْضِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا الْمَحِيضُ فِي قَوْله تَعَالَى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) فَقِيلَ إنَّهُ دَمُ الْحَيْضِ وَقِيلَ زَمَانُهُ وَقِيلَ مَكَانُهُ وَهُوَ الْفَرْجُ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطِّيبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمَحِيضَ هُوَ الدَّمُ وَهُوَ الْحَيْضُ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الْفَرْجُ وَهُوَ اسْمٌ للموضع كالميت وَالْمَقِيلُ مَوْضِعُ الْبَيْتُوتَةِ وَالْقَيْلُولَةِ وَقَالَ قَوْمٌ زَمَانُ الْحَيْضِ قَالَ وَهُمَا قَوْلَانِ ضَعِيفَانِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَسُمِّيَ الْحَيْضُ أَذًى لِقُبْحِ لَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ وَأَضْرَارِهِ قَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ وَاَلَّذِي يَحِيضُ مِنْ الْحَيَوَانِ أَرْبَعٌ الْمَرْأَةُ وَالْأَرْنَبُ وَالضَّبُعُ وَالْخُفَّاشُ وَحَيْضُ الْأَرْنَبِ وَالضَّبُعِ مَشْهُورٌ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ
(فَرْعٌ)
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فِي الْحَيْضِ (هذا شئ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ
[ ٢ / ٣٤٣ ]
الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَحَدِيثُ النبي ﷺ أَكْثَرَ يَعْنِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ بَنَاتِ آدَمَ (فَرْعٌ)
يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ وطمثت ونفثت بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَعَرِكَتْ وَلَا كَرَاهَةَ في شئ مِنْ ذَلِكَ وَرَوَيْنَا فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ لِأَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ طَمِثَتْ دَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ فَلَا تَثْبُتُ كَرَاهَتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَأَمَّا مَا رَوَيْنَاهُ في سنن البيهقي عن زيذ بْنِ بَاينُوسَ قَالَ قُلْت لِعَائِشَةَ ﵂ (مَا تَقُولِينَ فِي الْعِرَاكِ قَالَتْ الْحَيْضَ تَعْنُونَ قُلْنَا نَعَمْ قَالَتْ سَمُّوهُ كَمَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى) فَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ قَالُوا الْعِرَاكُ وَلَمْ يَقُولُوا الْحَيْضُ تَأَدُّبًا وَاسْتِحْيَاءً مِنْ مُخَاطَبَتِهَا بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ الشَّائِعِ وَهُوَ مِمَّا يَسْتَحْيِي النِّسَاءُ مِنْهُ وَمِنْ ذِكْرِهِ فَقَالَتْ لَا تَتَكَلَّفُوا مَعِي هَذَا وَخَاطِبُونِي بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
اعْلَمْ أَنَّ بَابَ الْحَيْضِ مِنْ عَوِيصِ الْأَبْوَابِ وَمِمَّا غَلِطَ فِيهِ كَثِيرُونَ مِنْ الْكِبَارِ لِدِقَّةِ مَسَائِلِهِ وَاعْتَنَى بِهِ الْمُحَقِّقُونَ وَأَفْرَدُوهُ بِالتَّصْنِيفِ فِي كُتُبٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَأَفْرَدَ أَبُو الْفَرَجِ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ مَسْأَلَةَ الْمُتَحَيِّرَةِ فِي مُجَلَّدٍ ضَخْمٍ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مَسْأَلَةُ الْمُتَحَيِّرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَأَتَى فِيهِ بِنَفَائِسَ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا وَحَقَّقَ أَشْيَاءَ مُهِمَّةً مِنْ أَحْكَامِهَا وَقَدْ اخْتَصَرْت أَنَا مَقَاصِدَهُ فِي كَرَارِيسَ وَسَأَذْكُرُ فِي هَذَا الشَّرْحِ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَمَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْحَيْضِ نَحْوَ نِصْفِ مُجَلَّدٍ وَقَالَ بَعْدَ مَسَائِلِ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ لَا يَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِحَاضَةِ أن يضجر
[ ٢ / ٣٤٤ ]
مِنْ تَكْرِيرِ الصُّوَرِ وَإِعَادَتِهَا فِي الْأَبْوَابِ وَبَسَطَ أَصْحَابُنَا ﵏ مَسَائِلَ الْحَيْضِ أَبْلَغَ بَسْطٍ وَأَوْضَحُوهُ أَكْمَلَ إيضَاحٍ وَاعْتَنَوْا بِتَفَارِيعِهِ أَشَدَّ اعْتِنَاءٍ وَبَالَغُوا فِي تَقْرِيبِ مَسَائِلِهِ بِتَكْثِيرِ الْأَمْثِلَةِ وَتَكْرِيرِ
الْأَحْكَامِ وَكُنْت جَمَعْت فِي الْحَيْضِ فِي شَرْحِ المهذب مجلدا كبييرا مُشْتَمِلًا عَلَى نَفَائِسَ ثُمَّ رَأَيْت الْآنَ اخْتِصَارَهُ وَالْإِتْيَانَ بِمَقَاصِدِهِ وَمَقْصُودِي بِمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ أَلَّا يَضْجَرَ مُطَالِعُهُ بِإِطَالَتِهِ فَإِنِّي أَحْرِصُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَلَّا أُطِيلَهُ إلَّا بِمُهِمَّاتٍ وَقَوَاعِدَ مَطْلُوبَاتٍ وَمَا يَنْشَرِحُ بِهِ قَلْبُ مَنْ به طلب مَلِيحٌ وَقَصْدٌ صَحِيحٌ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى كَرَاهَةِ ذَوِي الْمَهَانَةِ وَالْبَطَالَةِ فَإِنَّ مَسَائِلَ الْحَيْضِ يَكْثُرُ الاحتياج إليها لعموم وقوعها وقد رأيت مالا يُحْصَى مِنْ الْمَرَّاتِ مَنْ يَسْأَلُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَنْ مَسَائِلَ دَقِيقَةٍ وَقَعَتْ فِيهِ لَا يَهْتَدِي إلَى الْجَوَابِ الصَّحِيحِ فِيهَا إلَّا أَفْرَادٌ مِنْ الْحُذَّاقِ الْمُعْتَنِينَ بِبَابِ الْحَيْضِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَيْضَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مالا يُحْصَى مِنْ الْأَحْكَامِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالصَّوْمِ والاعتكاف والحج والبلوغ والوطئ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْإِيلَاءِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَغَيْرِهَا وَالْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بما هذه حاله وقد قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الْمُتَحَيِّرَةِ الْحَيْضُ كِتَابٌ ضَائِعٌ لَمْ يُصَنَّفْ فِيهِ تَصْنِيفٌ يَقُومُ بِحَقِّهِ وَيَشْفِي الْقَلْبَ وَأَنَا أَرْجُو مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ مَا أَجْمَعُهُ فِي هَذَا الشَّرْحِ يَقُومُ بِحَقِّهِ أَكْمَلَ قِيَامٍ وَأَنَّهُ لَا تَقَعُ مَسْأَلَةٌ إلَّا وَتُوجَدُ فِيهِ نَصًّا أَوْ اسْتِنْبَاطًا لَكِنْ قَدْ يَخْفَى مَوْضِعُهَا عَلَى مَنْ لَا تَكْمُلُ مُطَالَعَتُهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
(فَرْعٌ)
قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي النِّسَاءُ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ طَاهِرٌ وَحَائِضٌ وَمُسْتَحَاضَةٌ وَذَاتُ دَمٍ فَاسِدٍ فَالطَّاهِرُ ذَاتُ النَّقَاءِ وَالْحَائِضُ مَنْ تَرَى دَمَ الْحَيْضِ فِي زَمَنِهِ بِشَرْطِهِ وَالْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ تَرَى الدَّمَ عَلَى أَثَرِ الْحَيْضِ عَلَى صِفَةٍ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَذَاتُ الْفَسَادِ مَنْ يَبْتَدِيهَا دَمٌ لَا يَكُونُ حَيْضًا هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَقَالَ أَيْضًا قَبْلَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ فَهُوَ دَمٌ فَاسِدٌ وَلَا يُقَالُ لَهُ اسْتِحَاضَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى أَثَرِ حَيْضٍ ثُمَّ قَالَ فِي فَصْلِ الْمُمَيِّزَةِ لَوْ رَأَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ ثُمَّ رَأَتْ أَحْمَرَ فَالْأَسْوَدُ حيض وفى الاحمر وجهان قال أبو اسحق هُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ هُوَ دَمُ فَسَادٍ لَا اسْتِحَاضَةٍ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ مَا دَخَلَ عَلَى أَثَرِ الْحَيْضِ فِي زَمَانِهِ ثُمَّ جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَهَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى دَمٍ متصل بالحيض
[ ٢ / ٣٤٦ ]
وليس بحيض واما مالا يَتَّصِلُ بِحَيْضٍ فَدَمُ فَسَادٍ وَلَا يُسَمَّى اسْتِحَاضَةً وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ يُسَمَّى الجميع استحاضة فالواو الاستحاضة نَوْعَانِ نَوْعٌ يَتَّصِلُ بِدَمِ الْحَيْضِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَنَوْعٌ لَا يَتَّصِلُ بِهِ كَصَغِيرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ رَأَتْ الدَّمَ وَكَبِيرَةٍ رَأَتْهُ وَانْقَطَعَ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَدَثِ هَكَذَا صَرَّحَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالسَّرْخَسِيُّ فِي الْأَمَالِي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُوَافِقُ لِمَا سَبَقَ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ دَمٌ يَجْرِي فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ هَذَا فِي الْمُهَذَّبِ فَقَالَ فِي فَصْلِ النِّفَاسِ وَإِنْ رَأَتْ قَبْلَ الْوِلَادَةِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ إلَى قَوْلِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَاسْتَعْمَلَهُ فِي التَّنْبِيهِ فِي قَوْلِهِ وَفِي الدَّمِ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ حَيْضٌ وَالثَّانِي اسْتِحَاضَةٌ وَاسْتَعْمَلَهُ أيضا الجرجاني وآخرون والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[ ٢ / ٣٤٧ ]
[إذا حاضت المرأة حرم عليها الطهارة لان الحيض يوجب الطهارة وما أوجب الطهارة منع صحتها كخروج البول] [الشَّرْحُ] هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَدَّهَا جَمَاعَاتٌ مِنْ مُشْكِلَاتِ المهذب لكونه صرح بنحر ثم الطَّهَارَةِ وَالطَّهَارَةُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَلَيْسَ إفَاضَةُ الْمَاءِ مُحَرَّمَةً عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهَا يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الطَّهَارَةِ كَغُسْلِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ وَافَقَ الشَّاشِيُّ الْمُصَنِّفَ فِي الْعِبَارَةِ فقال في المعتمد يحرم عليها لطهارة وَاَلَّذِي قَالَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهَا وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي كِتَابِهِ مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا قَالَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ إنَّ مَعْنَى حَرُمَ عَلَيْهَا الطَّهَارَةُ أَيْ لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهَا وَتَعْلِيلُهُ يَقْتَضِيه وَالثَّانِي مُرَادُهُ إذَا قَصَدَتْ الطَّهَارَةَ تَعَبُّدًا مَعَ عِلْمِهَا بِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ فَتَأْثَمُ بِهَذَا لِأَنَّهَا مُتَلَاعِبَةٌ بِالْعِبَادَةِ فَأَمَّا إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ قَصْدِ الْعِبَادَةِ فَلَا تَأْثَمُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ وَهَذَا كَمَا أَنَّ الحائض إذا
[ ٢ / ٣٤٨ ]
أَمْسَكَتْ عَنْ الطَّعَامِ بِقَصْدِ الصَّوْمِ أَثِمَتْ وَإِنْ أَمْسَكَتْ بِلَا قَصْدٍ لَمْ تَأْثَمْ وَهَذَا التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ فِعْلُ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصِحُّ مِنْهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ
الْخُرَاسَانِيِّينَ لَا يَصِحُّ غُسْلُ الْحَائِضِ إلَّا عَلَى قَوْلٍ بَعِيدٍ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَجْنَبَتْ ثُمَّ حَاضَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا الْقِرَاءَةُ فَلَوْ اغْتَسَلَتْ صَحَّ غُسْلُهَا وَقَرَأَتْ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ (فَرْعٌ)
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ طَهَارَةُ حَائِضٍ هُوَ فِي طَهَارَةٍ لِرَفْعِ حَدَثٍ سَوَاءٌ كَانَتْ وُضُوءًا أَوْ غُسْلًا وَأَمَّا الطَّهَارَةُ الْمَسْنُونَةُ لِلنَّظَافَةِ كَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ وَرَمْيِ الجمرة فمسونة لِلْحَائِضِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِحْرَامِ ويدل
[ ٢ / ٣٤٩ ]
عَلَيْهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂ حِينَ حَاضَتْ (اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تطوفي) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* [ويحرم عليها الصلاة لقوله ﷺ (إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فدعي الصلاة) ويسقط فرضها لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ (كنا نحيض عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلا نقضي ولا نؤمر بالقضاء: ولان الحيض يكثر فلو أوجبنا قضاء ما يفوتها شق وضاق] [الشَّرْحُ] الْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَانِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ﵂ فَالْأَوَّلُ رَوَيَاهُ بِلَفْظِهِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَشَرْحُ الْحَيْضَةِ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَأَمَّا الثَّانِي فَرَوَيَاهُ بِمَعْنَاهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وَغَيْرُهُ بِلَفْظِهِ هُنَا
* وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُم عَلَيْهَا الصَّلَاةُ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهَا فَرْضُ الصَّلَاةِ فَلَا تَقْضِي إذَا طَهُرَتْ قَالَ أَبُو جعفر ابن جَرِيرٍ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا اجْتِنَابَ كُلِّ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَاجْتِنَابَ جَمِيعِ الصِّيَامِ فَرْضِهِ وَنَفْلِهِ وَاجْتِنَابَ الطَّوَافِ فَرْضِهِ وَنَفْلِهِ وَأَنَّهَا إنْ صَلَّتْ أَوْ صَامَتْ أَوْ طَافَتْ لَمْ يُجْزِهَا ذَلِكَ عَنْ فَرْضٍ كَانَ عَلَيْهَا وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جرير وآخرون الاجماع انها لا تقتضي الصَّلَاةَ وَتَقْضِي الصَّوْمَ وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بَيْنَ قَضَاءِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكْثُرُ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا
بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَبِهَذَا الْفَرْقِ فَرَّقُوا فِي حَقِّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّوْمِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَأَطْبَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ فِي الْحَائِضِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُتَّبَعُ فِي الْفَرْقِ الشَّرْعُ وَهُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) وَأَرَادَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَقَدْ نَقَلَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ عَنْ أَبِي الزناد
[ ٢ / ٣٥١ ]
نَحْوَ قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ إنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ اتِّبَاعِهَا مِنْ ذَلِكَ الْحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ الْفَرْقِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فَرْقٌ حَسَنٌ فَلْيُعْتَمَدْ
* وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى سُقُوطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَقَالَ وَجَدْت كُلَّ مُكَلَّفٍ مَأْمُورًا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِي الْمَرَضِ وَالْمُسَايَفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْحَائِضُ مُكَلَّفَةٌ وَهِيَ غَيْرُ مَأْمُورَةٍ بِهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهَا فَعَلِمَتْ أَنَّهَا غَيْرُ
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا وَفِي مَعْنَى الصَّلَاةِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ فَيَحْرُمَانِ عَلَى الْحَائِضِ والنفساء كما تحرم صلاة الجنازة لان الطَّهَارَةَ شَرْطٌ (فَرْعٌ)
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ كُلُّ صَلَاةٍ تَفُوتُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لَا تُقْضَى إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً وَهِيَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَإِنَّهَا لَا تَتَكَرَّرُ وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ هَذَا وَقَالَ هَذَا لَا يُسَمَّى قَضَاءً لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُسَمَّى هَذَا قَضَاءً لَجَازَ أَنْ يُسَمَّى قَضَاءَ فَائِتَةٍ كَانَتْ قَبْلَ الْحَيْضِ وَهَذَا الذى قاله بو عَلِيٍّ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لَا يدخل وقتبا إلَّا بِالْفَرَاغِ مِنْ الطَّوَافِ فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهَا طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ عَقِيبَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّوَافِ صَحَّ مَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ إنْ سَلِمَ لَهُمَا ثُبُوتُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ وُضُوءٌ وَلَا تَسْبِيحٌ وَلَا ذِكْرٌ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ
وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ حَكَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ جَرِيرٍ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ تَطْهُرُ وَتُسَبِّحُ وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ
[ ٢ / ٣٥٣ ]
قَالَ لَنَا (مُرْ نِسَاءَ الْحَيْضِ أَنْ يَتَوَضَّأْنَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَيَجْلِسْنَ وَيَذْكُرْنَ اللَّهَ ﷿ وَيُسَبِّحْنَ) وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الاستحباب عندهما فاما استحباب التسبيح فلا يأمر بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا أَصْلَ لَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ بَلْ تَأْثَمُ بِهِ إنْ قصدت العبادة كما سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
* [ويحرم الصوم لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصلاة فدل أنهن كن يفطرن ولا يسقط فرضه لحديث عائشة ولان الصوم في السنة مرة فلا يشق قضاؤه]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ: فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا فِيهِ جَوَازُ الْفِطْرِ وَقَدْ يَكُونُ الصَّوْمُ جَائِزًا لَا وَاجِبًا كَالْمُسَافِرِ قُلْنَا قَدْ ثَبَتَ شِدَّةُ اجْتِهَادِ الصَّحَابِيَّاتِ ﵅ فِي الْعِبَادَاتِ وَحِرْصُهُنَّ عَلَى الْمُمْكِنِ مِنْهَا فَلَوْ جَازَ الصَّوْمُ لَفَعَلَهُ بَعْضُهُنَّ كَمَا فِي الْقَصْرِ وَغَيْرِهِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ قَوْلُهُ ﷺ (مَا رَأَيْت مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ) ثُمَّ قَالَ (وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا كَمَا قَدَّمْنَا نَقْلَهُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ غَيْرُهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَكَوْنُ الصَّوْمِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ فَإِنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مَشْرُوطَةً فِيهَا
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَيْهَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَأَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ
وَلَيْسَتْ مُخَاطَبَةً بِالصَّوْمِ فِي حَالِ حَيْضِهَا لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ فَكَيْفَ تُؤْمَرُ بِهِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ بِسَبَبٍ هِيَ مَعْذُورَةٌ فِيهِ وَلَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى إزَالَتِهِ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَتُعْذَرُ فِي تَأْخِيرِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ فِي الْحَالِ لَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ كَالصَّلَاةِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُحَقِّقُونَ يَأْبَوْنَ هَذَا الْوَجْهَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ شَرْطُهُ اقْتِرَانُ الْإِمْكَانِ بِهِ قَالَ وَمَنْ يَطْلُبُ حَقِيقَةَ الْفِقْهِ لَا يُقِيمُ لِمِثْلِ هَذَا الْخِلَافِ وَزْنًا قُلْت وَهَذَا الْوَجْهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِنَا فِي الاصول والكلام ان تكليف مالا يُطَاقُ جَائِزٌ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ لَيْسَ لِهَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ قُلْت تَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا وَشِبْهِهِ فِي الْأَيْمَانِ وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ مَتَى وَجَبَ عَلَيْكِ صوم فانت طالق والله أعلم * قال المصنف ﵀
*
[ ٢ / ٣٥٥ ]
* [ويحرم الطواف لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂ اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تطوفي ولانه يفتقر إلى الطهارة ولا تصح منها الطهارة]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّوَافِ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا طَوَافٌ مَفْرُوضٌ وَلَا تَطَوُّعٌ وَأَجْمَعُوا أن الحائض والنفساء لا تمنع من شئ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي هَذَا كُلِّهِ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [ويحرم قراءة القرآن لقوله ﷺ: (لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ القرآن)]
* [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ لَا يَقْرَأْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ علي النهى وبفتحها عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْحَائِضِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ قَوْلًا قَدِيمًا
لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَأَصْلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ ﵀ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَجُوزُ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَاخْتَلَفُوا فِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَرَادَ بِهِ مَالِكًا وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَقَالَ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَرَادَ بِهِ الشَّافِعِيَّ وَجَعَلُوهُ قَوْلًا قَدِيمًا قَالَ الشيخ أبو محمد وجدث أَبَا ثَوْرٍ جَمَعَهُمَا فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَمَالِكٌ وَاحْتَجَّ مَنْ أَثْبَتَ قَوْلًا بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَخَافُ النِّسْيَانَ لِطُولِ الزَّمَانِ بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالثَّانِي أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُعَلَّمَةً فَيُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ حِرْفَتِهَا فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ جَازَ لَهَا قِرَاءَةُ مَا شَاءَتْ إذْ لَيْسَ لِمَا يَخَافُ نِسْيَانُهُ ضَابِطٌ فَعَلَى هَذَا هِيَ كَالطَّاهِرِ فِي الْقِرَاءَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي لَمْ يَحِلَّ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحَاجَةِ التَّعْلِيمِ فِي زَمَانِ الْحَيْضِ هَكَذَا ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ وَتَفْرِيعَهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وَآخَرُونَ هَذَا حُكْمُ قِرَاءَتِهَا بِاللِّسَانِ فَأَمَّا إجْرَاءُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ اللِّسَانِ وَالنَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ وَإِمْرَارُ مَا فِيهِ فِي الْقَلْبِ فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ غَيْرَ الْقُرْآنِ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ هَذَا مَعَ جُمَلٍ مِنْ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي قِرَاءَةِ الْحَائِضِ الْقُرْآنَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ تَحْرِيمُهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَجَابِرٍ ﵃ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَأَبُو العالية والنخعي وسعيد بن جبير والزهرى واسحق وأبو ثور وعن مالك وأبى حنية وَأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا التَّحْرِيمُ وَالثَّانِيَةُ الْجَوَازُ وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَاحْتُجَّ لِمَنْ جَوَّزَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ: وَلِأَنَّ زَمَنَهُ يَطُولُ فَيَخَافُ نِسْيَانَهَا وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْجُنُبِ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ فِيهَا وَافَقَ عَلَى الْجُنُبِ إلَّا دَاوُد وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ دَاوُد لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَفِعْلُ عَائِشَةَ ﵂ لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لِأَنَّ غَيْرَهَا مِنْ الصَّحَابَةِ خَالَفَهَا وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ رَجَعْنَا إلَى الْقِيَاسِ وَأَمَّا خَوْفُ النِّسْيَانِ فَنَادِرٌ فَإِنَّ مُدَّةَ الْحَيْضِ غَالِبًا سِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٌ
وَلَا يُنْسَى غَالِبًا فِي هَذَا الْقَدْرِ وَلِأَنَّ خَوْفَ النِّسْيَانِ يَنْتَفِي بِإِمْرَارِ الْقُرْآنِ عَلَى القلب والله أعلم
*
* قال المصنف ﵀
* [ويحرم حمل المصحف ومسه لقوله تعالى (لا يمسه الا المطهرون) ويحرم اللبث في المسجد لقوله صلي الله عليه وسلم (لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) فأما العبور فانها إذا استوثقت من نفسها جاز لانه حدث يمنع اللبث في المسجد فلا يمنع العبور كالجنابة]
*
[ ٢ / ٣٥٧ ]
[الشَّرْحُ] يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّتُهُ وَفُرُوعُهُ الْكَثِيرَةُ مَبْسُوطَةً فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ﵂ وَإِسْنَادُهُ غَيْرُ قَوِيٍّ وَسَبَقَ بَيَانُهُ هُنَاكَ وَأَمَّا عُبُورُهَا بِغَيْرِ لُبْثٍ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْمُخْتَصَرِ أَكْرَهُ مَمَرَّ الْحَائِضِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ لِعَدَمِ الِاسْتِيثَاقِ بِالشَّدِّ أَوْ لِغَلَبَةِ الدَّمِ حَرُمَ الْعُبُورُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ أَمِنَتْ ذَلِكَ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا جَوَازُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَكَثِيرُونَ وَصَحَّحَهُ جُمْهُورُ الْبَاقِينَ كَالْجُنُبِ وَكَمَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ لَا يَخَافُ تَلْوِيثَهُ وَانْفَرَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَصَحَّحَ تَحْرِيمَ الْعُبُورِ وَإِنْ أَمِنَتْ لِغِلَظِ حَدَثِهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ هَذَا حُكْمُ عُبُورهَا قَبْلَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ فَإِذَا انْقَطَعَ وَلَمْ تَغْتَسِلْ فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِجَوَازِ عُبُورِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَطَرَدَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ وَالْحَائِضُ الذِّمِّيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ فَتُمْنَعُ مِنْ الْمُكْث فِي الْمَسْجِدِ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْجُنُبِ فَإِنَّ فِي تَمْكِينِهِ مِنْ الْمُكْثِ فِيهِ وَجْهَيْنِ مَشْهُورِينَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ فِي مَسَائِلِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَنْعَ لِخَوْفِ التَّلْوِيثِ وَالْكَافِرَةُ كَالْمُسْلِمَةِ فِي هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلِسُ الْبَوْلِ وَمَنْ بِهِ جُرْحٌ سَائِلٌ وَنَحْوُهُمْ إنْ خَافُوا التَّلْوِيثَ حَرُمَ الْعُبُورُ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀
* [ويحرم الوطئ في الفرج لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ من
[ ٢ / ٣٥٨ ]
حيث أمركم الله) فان وطئها مع العلم بالتحريم ففيه قولان قال في القديم ان كان في أول الدم لزمه أن يتصدق بدينار وان كان في آخره لزمه أن يتصدق بنصف دينار لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال في الذى يأتي امرأته وهى حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار وقال في الجديد لا يجب لانه وطئ محرم للاذى فلم تتعلق به الكفارة كالوطئ في الدبر]
* [الشرح] أجمع المسلمون علي تحريم وطئ الْحَائِضِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَتَى كَبِيرَةً قَالَ أَصْحَابُنَا وغيرهم من استحل وطئ الْحَائِضِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ قَالُوا وَمَنْ فَعَلَهُ جَاهِلًا وُجُودَ الْحَيْضِ أَوْ تَحْرِيمَهُ أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ لِحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ انه يجئ عَلَى الْقَدِيمِ قَوْلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي كفارة كالعامد وهذا ليس بشئ وَأَمَّا إذَا وَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحَيْضِ وَتَحْرِيمِهِ مُخْتَارًا فَفِيهِ قَوْلَانِ الصَّحِيحُ الْجَدِيدُ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بل يعذر وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَتُوبُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفِّرَ الْكَفَّارَةَ الَّتِي يُوجِبُهَا الْقَدِيمُ وَالثَّانِي وَهُوَ الْقَدِيمُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَالْكَفَّارَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْقَدِيمِ دِينَارٌ إنْ كَانَ الْجِمَاعُ فِي إقْبَالِ الدَّمِ وَنِصْفُ دِينَارٍ إنْ كَانَ فِي إدْبَارِهِ وَالْمُرَادُ بِإِقْبَالِ الدَّمِ زَمَنُ قُوَّتِهِ وَاشْتِدَادِهِ وَبِإِدْبَارِهِ ضَعْفُهُ وَقُرْبُهُ مِنْ الِانْقِطَاعِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْفُورَانِيُّ وامام الحرمين وجها عن الاستاذ ابي اسحق الاسفراينى أَنَّ إقْبَالَهُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ وَإِدْبَارَهُ مَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ اغْتِسَالِهَا وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ وَقَبْلَ الِاغْتِسَالِ لَزِمَهُ نِصْفُ دِينَارٍ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَاسْتَدَلُّوا لِهَذَا الْقَوْلِ الْقَدِيمِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ وَحَمَلُوا قَوْلَهُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ عَلَى التَّقْسِيمِ وَأَنَّ الدِّينَارَ فِي الْإِقْبَالِ وَالنِّصْفَ فِي الْإِدْبَارِ
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ قَوْلًا قَدِيمًا شَاذًّا أَنَّ الْكَفَّارَةَ الْوَاجِبَةَ عِتْقُ رَقَبَةٍ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ روي ذلك
من عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إنْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قلت به قال فكان أبو حامد الاسفراينى وَجُمْهُورُ الْبَغْدَادِيِّينَ يَجْعَلُونَهُ قَوْلًا قَدِيمًا وَكَانَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ لَا يَجْعَلُونَهُ قَوْلًا قَدِيمًا وَلَا يَحْكُونَهُ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَصِحَّ وَكَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَقُولُ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَكَانَ مَحْمُولًا فِي الْقَدِيمِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَهُوَ بَعِيدٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنْ الْمَذْهَبِ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ قُلْت وَاتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَاضْطِرَابِهِ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَأَلْوَانًا كَثِيرَةً وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَا يَجْعَلُهُ ذَلِكَ صَحِيحًا وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْحَاكِمُ خِلَافُ قَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْحَاكِمُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ بِالتَّسَاهُلِ فِي التَّصْحِيحِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ طُرُقَهُ وَبَيَّنَ ضَعْفَهَا بَيَانًا شَافِيًا وَهُوَ إمَامٌ حَافِظٌ مُتَّفَقٌ عَلَى إتْقَانِهِ وَتَحْقِيقِهِ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يلزمه شئ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَمَنْ أَوْجَبَ دِينَارًا أَوْ نِصْفَهُ فَهُوَ عَلَى الزَّوْجِ خَاصَّةً وَهُوَ مِثْقَالُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُ مِنْ الذَّهَبِ الْخَالِصِ وَيُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ وَطِئَهَا مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ وَالْعِلْمِ بِالْحَيْضِ وَالِاخْتِيَارِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ وطئ محرم للاذى احترازا من الوطئ فِي الْإِحْرَامِ وَنَهَارِ رَمَضَانَ (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ العلماء فيمن وطي فِي الْحَيْضِ عَامِدًا عَالِمًا - قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَحَكَاهُ
[ ٢ / ٣٦٠ ]
أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ وَرَبِيعَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَجِبُ الدِّينَارُ وَنِصْفُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَاخْتِلَافٌ مِنْهُمْ فِي اعْتِبَارِ الْحَالِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ واسحق وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ وَعَنْ الْحَسَنِ
الْبَصْرِيِّ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْحَسَنِ وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قَالَ يُعْتِقُ رَقَبَةً أَوْ يُهْدِي بَدَنَةً أَوْ يُطْعِمُ عِشْرِينَ صَاعًا وَمُعْتَمَدُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ فَالصَّوَابُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عليه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* [وَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَقَالَ أبو اسحق لا يحرم غير الوطئ فِي الْفَرْجِ لِقَوْلِهِ ﷺ (اصنعوا كل شئ غير النكاح) ولانه وطئ حرم للاذى فاختص به كالوطئ فِي الدُّبُرِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِمَا رَوَى عُمَرُ ﵁ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ (مَا فَوْقَ الازار)]
[ ٢ / ٣٦١ ]
[الشَّرْحُ] أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَبَعْضُ حَدِيثٍ: رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إذَا حَاضَتْ مِنْهُمْ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنْ الْبَيْتِ وَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبَيْتِ فَسَأَلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النبي ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ (ويسألونك عن المحيض) الْآيَةَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اصنعوا كل شئ إلَّا النِّكَاحَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِمَعْنَاهُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ: كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْلِك إرْبَهُ) وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ نَحْوُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ (كَانَ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ) يَعْنِي فِي الْحَيْضِ وَالْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ هُنَا الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا حَرَامٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيِّ وَأَحْكَامِ الْقُرْآنِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وَاحْتَجُّوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المحيض) وبالحديث المذكور ولان ذلك حريم
لِلْفَرْجِ: وَمَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى: وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْقُبْلَةِ وَلَمْسِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُعْتَادٌ لغالب النَّاسِ فَإِنَّ غَالِبَهُمْ إذَا لَمْ يَسْتَمْتِعُوا بِالْجِمَاعِ استمتعوا بما ذكرناه لا بما تحت الاوزار وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ قَوْلُ أبي اسحاق المروزى وحكاه صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَرَأَيْته أَنَا مَقْطُوعًا بِهِ فِي كِتَابِ اللَّطِيفِ لِأَبِي الْحَسَن بْنِ خَيْرَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ غَيْرُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي كِتَابِهِ الْإِقْنَاعِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ الْأَقْوَى مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَأَمَّا مُبَاشَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَوْقَ الْإِزَارِ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ وَفِعْلِهِ وَتَأَوَّلَ هؤلاء الازار في حديث عمر ﵁ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفَرْجُ بِعَيْنِهِ وَنَقَلُوهُ عَنْ اللُّغَةِ وَأَنْشَدُوا فِيهِ شِعْرًا وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَوْقَ الْإِزَارِ تَفْسِيرًا لِلْإِزَارِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ بَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا سَبَقَ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ إنْ وَثِقَ الْمُبَاشِرُ تَحْتَ الْإِزَارِ بِضَبْطِ نَفْسِهِ عَنْ
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الْفَرْجِ لِضَعْفِ شَهْوَةٍ أَوْ شِدَّةِ وَرَعٍ جَازَ وَإِلَّا فَلَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَمُتَابِعُوهُ عَنْ أَبِي الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيِّ وَهُوَ حَسَنٌ وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ بَدَلَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قَالَ الْقَاضِي الْجَدِيدُ التَّحْرِيمُ وَالْقَدِيمُ الْجَوَازُ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُحَرِّمُهُ هُوَ مَكْرُوهٌ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ هَذَا حُكْمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ أَمَّا مَا سِوَاهُ فَمُبَاشَرَتُهَا فِيهِ حَلَالٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الشَّيْخُ أَبُو حامد والمحاملي في المجموع وابن الصباغ والعبد رى وَآخَرُونَ وَأَمَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيِّ الْإِمَامِ التَّابِعِيُّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وكسر الباء من انه لا يباشر شئ مِنْ بَدَنِهِ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا فَلَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي مُبَاشَرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ
[ ٢ / ٣٦٤ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ الْإِزَارِ وَإِذْنِهِ فِي ذَلِكَ في قوله صل الله عليه وسلم (اصنعوا كل شئ إلَّا النِّكَاحَ)
وَبِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَمَنْ بَعْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَمْتِعُ بِهِ فَوْقَ الازار شئ من دم الحيض أولا وَحَكَى الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وجها انه ان كان عليه شئ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ حَرُمَ لِأَنَّهُ أَذًى وَهَذَا الْوَجْهُ شَاذٌّ وَغَلَطٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي التحريم وقياسا على مالو كَانَ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ أُخْرَى وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِنَفْسِ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَمَا حَاذَاهُمَا فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا وَالْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِجَوَازِهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ (اصنعوا كل شئ إلَّا النِّكَاحَ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِمَا عَوْرَةً إنْ قُلْنَا عَوْرَةٌ كَانَتَا كَمَا بَيْنَهُمَا وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُمَا لَيْسَتَا عَوْرَةً أُبِيحَا قَطْعًا كَمَا وَرَاءَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* [فَرْعٌ] فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا بين السرة والركبة بغير وطئ: قد ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي مَذْهَبِنَا وَدَلَائِلِهِ وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
[ ٢ / ٣٦٥ ]
وطاووس وَشُرَيْحٍ وَعَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ بْن يَسَارٍ وَقَتَادَةَ وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِمَّنْ قَالَ بِالْجَوَازِ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ وَأَصْبَغُ الْمَالِكِيُّ وأبو ثور واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ الْعَبْدَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُ الْجَمِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* [فَرْعٌ] إذَا قُلْنَا تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَفَعَلَهُ مُتَعَمِّدًا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ أَثِمَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَإِنَّ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَدِيمِ إنَّمَا كَانَ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ وَلَيْسَ هُنَا حَدِيثٌ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ فان الوطئ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَيُكَفِّرُ مُسْتَحِلُّهُ وَهَذَا بِخِلَافِهِ وَاَللَّهُ اعلم * قال المصنف ﵀
* [وَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْض حَلَّ لَهَا الصَّوْمُ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِالْحَيْضِ وَقَدْ زَالَ وَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهَا لِلْحَدَثِ وَالْحَدَثُ بَاقٍ وَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن) قَالَ مُجَاهِدٌ حَتَّى يَغْتَسِلْنَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ الماء فتيممت حل مَا يَحِلُّ بِالْغُسْلِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ قَائِمٌ مَقَامَ الْغُسْلِ فَاسْتُبِيحَ بِهِ مَا يُسْتَبَاحُ بِالْغُسْلِ فَإِنْ تَيَمَّمَتْ وَصَلَّتْ فَرِيضَةً لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا بِفِعْلِ الْفَرِيضَةِ كَمَا يَحْرُمُ فِعْلُ الْفَرِيضَةِ بَعْدَهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لان الوطئ ليس بفرض فلم يحرم فعل الفريضة كصلاة النفل]
[ ٢ / ٣٦٦ ]
[الشَّرْحُ] قَالَ أَصْحَابُنَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَيْضِ أَحْكَامٌ (أَحَدُهَا) يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ إلَّا أَغْسَالَ الْحَجِّ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ (الثَّانِي) تَحْرُمُ الطَّهَارَةُ بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ إلَّا مَا اسْتَثْنَيْنَا مِنْ أَغْسَالِ الْحَجِّ وَنَحْوِهَا (الثَّالِثُ) يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ (الرَّابِعُ) يُحَرِّمُهَا (الْخَامِسُ) يَمْنَعُ صِحَّتَهَا (السَّادِسُ) يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ (السَّابِعُ) يُحَرِّمُهُ (الثَّامِنُ) يَمْنَعُ صِحَّتَهُ (التَّاسِعُ) يُحَرِّمُ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلَهُ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَالْمُكْثَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَا الْعُبُورُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ (الْعَاشِرُ) يُحَرِّمُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ.
وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ (الْحَادِيَ عَشَرَ) يُحَرِّمُ الِاعْتِكَافَ وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ (الثَّالِثَ عَشَرَ) يَمْنَعُ وُجُوبَ طَوَافِ الْوَدَاعِ (الرَّابِعَ عشر) يحرم الوطئ وَكَذَا الْمُبَاشَرَةُ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ (الْخَامِسَ عَشَرَ) يُحَرِّمُ الطَّلَاقَ (السَّادِسَ عَشَرَ) تَبْلُغُ بِهِ الصَّبِيَّةُ (السَّابِعَ عَشَرَ) تَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِدَّةُ وَالِاسْتِبْرَاءُ (الثَّامِنَ عَشَرَ) يُوجِبُ الْغُسْلَ وَهَلْ يَجِبُ بِخُرُوجِهِ أَمْ بِانْقِطَاعِهِ أَمْ بِهِمَا فِيهِ أَوْجُهٌ سَبَقَتْ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَمُعْظَمُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ ارْتَفَعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ تَحْرِيمُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَارْتَفَعَ أَيْضًا تَحْرِيمُ الْعُبُورِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْأَصَحِّ إذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِهِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَقَدْ سَبَقَ حِكَايَةُ وَجْهٍ عَنْ حِكَايَةِ صَاحِبِ الْحَاوِي وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْعُبُورَ يَبْقَى
[ ٢ / ٣٦٧ ]
تحريمه حتي تغتسل وليس بشئ وَلَا يَرْتَفِعُ مَا حَرُمَ لِلْحَدَثِ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ وَالِاعْتِكَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَرْتَفِعُ أَيْضًا تَحْرِيمُ الْجِمَاعِ وَالْمُبَاشَرَةِ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ فَتَيَمَّمَتْ اسْتَبَاحَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ كَالْغُسْلِ قال أصحابنا وإذا تَيَمَّمَتْ ثُمَّ أَحْدَثَتْ لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا بِلَا خِلَافٍ وَمِمَّنْ نَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا القاضى أبو الطيب لانها
استباحت الوطئ بالتيمم والحدث لا يحرم الوطئ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ أَحْدَثَتْ قَالَ الْقَاضِي ولا نالوا قلنا يحرم الوطئ بَعْدَ الْحَدَثِ لَأَدَّى إلَى تَحْرِيمِهِ ابْتِدَاءً بَعْدَ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ قَبْلَ الوطئ اما إذا تيممت ثم رأت الماء فيحرم الوطئ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا بَطَلَتْ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَعَادَتْ إلَى حَدَثِ الْحَيْضِ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يحل الوطئ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَلَوْ رَأَتْ الْمَاءَ فِي خِلَالِ الْجِمَاعِ نَزَعَ فِي الْحَالِ وَاغْتَسَلَتْ وَأَمَّا إذَا تيممت وصلت فريضة فهل يصح الوطئ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ أَمْ لَا يَحِلُّ إلَّا بِتَيَمُّمٍ جَدِيدٍ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ ذَكَرَ دَلِيلَهُمَا الصَّحِيحُ جَوَازُهُ وَلَوْ تيممت فوطئها ثم أراد الوطئ ثَانِيًا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ الصَّحِيحُ
[ ٢ / ٣٦٨ ]
جَوَازُهُ لِارْتِفَاعِ حَدَثِ الْحَيْضِ بِالتَّيَمُّمِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ إلَّا بِتَيَمُّمٍ جَدِيدٍ كَمَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَهَذَا ليس بشئ ولو تيممت وصلت فريضة وقلنا يجوز الوطئ بَعْدَهَا فَلَمْ يَطَأْ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ تِلْكَ الفريضة فهل يحل الوطئ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حامد والمحاملى فِي كِتَابَيْهِ وَالْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ فِي آخِرِ بَابِ التَّيَمُّمِ وَحَكَاهُمَا أَيْضًا صَاحِبُ الْحَاوِي وَآخَرُونَ الصَّحِيحُ جَوَازُهُ لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَا يَزِيدُ عَلَى الحدث والثانى لا يجوز الوطئ إلَّا بِتَيَمُّمٍ جَدِيدٍ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ رَفَعَ حُكْمَ التَّيَمُّمِ وَلِهَذَا تَجِبُ إعَادَتُهُ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ وَلَوْ عَدِمَتْ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ صَلَّتْ الْفَرِيضَةَ لِحُرْمَةِ الوقت كما سبق ولا يجوز الوطئ حَتَّى تَجِدَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يجوز الوطئ كالصلاة وهذا ليس بشئ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُقِيمَةُ فِي هَذَا كَالْمُسَافِرَةِ فَإِذَا عَدِمَتْ الْمُقِيمَةُ الْمَاءَ أَوْ كَانَتْ مَرِيضَةً أَوْ جريحة فتيممت حل الوطئ وَإِنْ كَانَ صَلَاتُهَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا لِأَنَّ طَهَارَتَهَا صَحِيحَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
[ ٢ / ٣٦٩ ]
(فرع)
في مذاهب العلماء في وطئ الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ قَبْلً الْغُسْلِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا تَحْرِيمُهُ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ تَتَيَمَّمَ حَيْثُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَذَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ ابْنُ المنذر عن سالم ابن عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ ومالك والثوري والليث وأحمد واسحق وأبو ثَوْرٍ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَيْنَا بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا إنْ أَدْرَكَ الزَّوْجَ الشَّبَقُ أَمَرَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَصَابَهَا إنْ شَاءَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصَحُّ مِنْ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ مُوَافَقَةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ وَلَا يَثْبُتُ عَنْ طَاوُسٍ خِلَافُ قَوْلِ سَالِمٍ قَالَ فَإِذَا بَطَل أَنْ يَصِحَّ عَنْ هَؤُلَاءِ قَوْلٌ ثَانٍ كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ كَالْإِجْمَاعِ هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الحيض وهو عشرة أيام عنده حل الوطئ فِي الْحَالِ وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَقَلِّهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ تَتَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَتْ وَلَمْ تصل لم يحل الوطئ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَقَالَ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ إذا غسلت فرجها حل الوطئ وحكى عن مالك تحريم الوطئ إذَا تَيَمَّمَتْ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ هَكَذَا نَقَلَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ هَذَا الْخِلَافَ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرْتُهُ وقال ابن جرير أجمعوا علي تحريم الوطئ حَتَّى تَغْسِلَ فَرْجَهَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَعْدَ غَسْلِهِ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ الصَّوْمُ وَالطَّلَاقُ وكذا الوطئ ولان تحريم الوطئ هُوَ لِلْحَيْضِ وَقَدْ زَالَ وَصَارَتْ كَالْجُنُبِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأتوهن) وَقَدْ رُوِيَ حَتَّى يَطْهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَالْقِرَاءَتَانِ فِي السَّبْعِ فَقِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ صَرِيحَةٌ فِي اشْتِرَاطِ الغسل وقراءة
[ ٢ / ٣٧٠ ]
التَّخْفِيفِ يُسْتَدَلُّ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) مَعْنَاهَا أَيْضًا يَغْتَسِلْنَ وَهَذَا شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ فَيُصَارُ إلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ
(وَالثَّانِي)
أَنَّ الْإِبَاحَةَ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
انْقِطَاعُ دَمِهِنَّ
(وَالثَّانِي)
تَطَهُّرُهُنَّ وَهُوَ اغْتِسَالُهُنَّ وَمَا عُلِّقَ بِشَرْطَيْنِ لَا يُبَاحُ بِأَحَدِهِمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فَإِنْ قِيلَ لَيْسَتَا شَرْطَيْنِ بَلْ شَرْطٌ وَاحِدُ وَمَعْنَاهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ فَإِذَا انْقَطَعَ فَأْتُوهُنَّ كَمَا يُقَالُ لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ فَإِذَا دَخَلَ فَكَلِّمْهُ فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلَ اللِّسَانِ فَسَّرُوهُ فَقَالُوا مَعْنَاهُ
فَإِذَا اغْتَسَلْنَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُعْتَرِضُ فَاسِدٌ مِنْ جِهَةِ اللِّسَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قال لقيل فإذا تطهرن فَأُعِيدَ الْكَلَامُ كَمَا يُقَالُ لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُلَ فَإِذَا دَخَلَ فَكَلِّمْهُ فَلَمَّا أُعِيدَ بِلَفْظٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا شَرْطَانِ كَمَا يُقَالُ لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُلَ فَإِذَا أَكَلَ فَكَلِّمْهُ الثَّالِثُ أَنَّ فِيمَا قُلْنَا جَمْعًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ فَتَعَيَّنَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَقْيِسَةٍ كَثِيرَةٍ وَمُنَاسِبَاتٍ أَحْسَنُهَا مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ فَقَالَ أَوْلَى مُتَمَسَّكٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى اعْتِبَارُ صُورَةِ الِاتِّفَاقِ فَنَقُولُ اتَّفَقْنَا عَلَى التَّحْرِيمِ إذَا طَهُرَتْ لِدُونِ الْعَشَرَةِ فَاسْتِمْرَارُ التَّحْرِيمِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ إنْ عُلِّلَ بِوُجُوبِ غُسْلِ الْحَيْضِ لَزِمَ التَّحْرِيمُ إذَا طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ وَإِنْ عُلِّلَ بِإِمْكَانِ عَوْدِ الدَّمِ فَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِمَا إذَا اغْتَسَلَتْ أَوْ تَيَمَّمَتْ أَوْ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَعَانِيَ أُخَرَ ثُمَّ قَالَ فَالْوَجْهُ اعْتِمَادُ مَا نَاقَضُوا فِيهِ وَكُلُّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقَضٌ بِمَا سَلَّمُوهُ فَإِنْ قِيلَ تَحْرِيمُ الوطئ بِالْحَيْضِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ قُلْنَا وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالِانْقِطَاعِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَادَتْ إلَى مَا كَانَتْ فَإِنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِانْسِدَادِ طَرِيقِ النَّظَرِ فظاهر القرآن تحريم الوطئ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَوَازِ الصَّوْمِ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ وهذه ليست بحائض وهنا حرم الوطئ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَعَنْ الطَّلَاقِ أَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَذَلِكَ يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ وَعَنْ قَوْلِهِمْ التَّحْرِيمُ لِلْحَيْضِ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَا نُسَلِّمُ بَلْ هُوَ لِحَدَثِ الْحَيْضِ وَهُوَ بَاقٍ الثَّانِي أنه ينتقض بالانقطاع لدون أَكْثَرِ الْحَيْضِ الثَّالِثُ أَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَمْنَعُ الوطئ وَكَذَا غُسْلُهَا بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ لَيْسَتْ امْرَأَةٌ تُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ بِحُكْمِ الْحَيْضِ إلَّا وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا إلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ مِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا وَعَدِمَتْ الْمَاءَ فَتَيَمَّمَتْ ثُمَّ أَحْدَثَتْ فَإِنَّهَا تمنع من الصلاة دون الوطئ هَذَا كَلَامُهُ وَقَدْ يُنَازَعُ فِيهِ وَيُقَالُ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ هُنَا لِلْحَدَثِ قَالَ وَانْقِطَاعُ الدَّمِ إذا أباح الصلاة أباح الوطئ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ عَدِمَتْ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ فَتُصَلِّي وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا
[ ٢ / ٣٧١ ]
عَلَى الصَّحِيحِ
*
(فَرْعٌ)
لَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَوْ السيد الوطئ فَقَالَتْ أَنَا حَائِضٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهَا لم يلتفت إليها وجاز الوطئ وَإِنْ أَمْكَنَ صِدْقُهَا وَلَمْ يَتَّهِمْهَا بِالْكَذِبِ حَرُمَ الوطئ وَإِنْ أَمْكَنَ الصِّدْقُ وَلَكِنْ كَذَّبَهَا فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَفَتَاوِيهِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ يَحِلُّ الوطئ لِأَنَّهَا رُبَّمَا عَانَدَتْهُ وَمَنَعَتْ حَقَّهُ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَثْبُتْ سَبَبُهُ وَقَالَ الشَّاشِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِقَةً كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى حَيْضِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِأَنَّ الزَّوْجَ مُقَصِّرٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْحَيْضِ وَادَّعَى انْقِطَاعَهُ وَادَّعَتْ بَقَاءَهُ فِي مُدَّةِ الْإِمْكَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِلَا خِلَافٍ لِلْأَصْلِ
* (فَرْعٌ)
لَوْ طَهُرَتْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ الْمَجْنُونَةُ مِنْ الْحَيْضِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ حتى يغسلها فإذا ضب الْمَاءَ عَلَيْهَا وَنَوَى غُسْلَهَا عَنْ الْحَيْضِ حَلَّتْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَوَجْهَانِ سَبَقَا فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَلَوْ شَكَّ هَلْ حَاضَتْ الْمَجْنُونَةُ أَوْ الْعَاقِلَةُ أَمْ لَا لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَعَدَمُ الْحَيْضِ (فَرْعٌ)
إذَا ارتكبت المرأة من المحرمات المذكورة أثمت وتعذر وَعَلَيْهَا التَّوْبَةُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَرَاءَةُ
* (فَرْعٌ)
يجوز عندنا وطئ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الزَّمَنِ الْمَحْكُومِ بِأَنَّهُ طُهْرٌ وَإِنْ كَانَ الدَّمُ جَارِيًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ والعبد رى وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المزني والاوزاعي ومالك والثوري واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ وَحُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَابْنِ سِيرِينَ مَنْعُ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ نَقْلَ الْمَنْعِ عَنْ عَائِشَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْهَا بَلْ هُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ أَدْرَجَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي حديثها وقال احمد لا يجوز الوطئ إلَّا أَنْ يَخَافَ زَوْجُهَا الْعَنَتَ وَاحْتُجَّ لِلْمَانِعِينَ بِأَنَّ دَمَهَا يَجْرِي فَأَشْبَهَتْ الْحَائِضَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) وَهَذِهِ قَدْ تَطَهَّرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً وَكَانَ زَوْجُهَا يُجَامِعُهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَغَيْرُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُسْتَحَاضَةُ يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إذَا صَلَّتْ الصَّلَاةُ أَعْظَمُ وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ كَالطَّاهِرِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا
[ ٢ / ٣٧٢ ]
فكذا في الوطئ ولانه دم عرق فلم يمنع الوطئ كَالنَّاسُورِ وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ بِالشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمٍ بَلْ وَرَدَ بِإِبَاحَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْحَائِضِ أَنَّهُ قِيَاسٌ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَمْ يُقْبَلْ وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَوَجَبَ إلْحَاقُهُ بِنَظَائِرِهِ لَا بِالْحَيْضِ الَّذِي لا يشاركه في شئ
* [وقال المصنف ﵀] (اقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين قال الشافعي ﵀ اعجل من سمعت من النساء تحتض نساء تهامة يحضن لتسع سنين فإذا رأت الدم لدون ذلك فهو دم فساد ولا تتعلق به احكام الحيض]
* [الشَّرْحُ] تِهَامَةُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا نَزَلَ عَنْ نَجْدٍ مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ وَمَكَّةُ مِنْ تِهَامَةَ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ سُمِّيَتْ تِهَامَةَ مِنْ التَّهَمِ يَعْنِي بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْهَاءِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَرُكُودِ الرِّيحِ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَغَيُّرِ هَوَائِهَا يُقَالُ تَهِمَ الدُّهْنُ إذَا تَغَيَّرَ أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي أَقَلِّ سِنٍّ يُمْكِنُ فِيهِ الْحَيْضُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَالثَّانِي بِالشُّرُوعِ فِي التَّاسِعَةِ وَالثَّالِثُ بِمُضِيِّ نِصْفِ التَّاسِعَةِ وَالْمُرَادُ بِالسِّنِينَ الْقَمَرِيَّةُ
* وَالْمَذْهَبُ الَّذِي عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ اسْتِكْمَالُ تِسْعٍ وَهَلْ هِيَ تَحْدِيدٌ أَمْ تَقْرِيبٌ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الْمُتَحَيِّرَةِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَحَدُهُمَا تَحْدِيدٌ فَلَوْ نَقَصَ عَنْ التِّسْعِ مَا نَقَصَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَهَذَا مُقْتَضَى إطْلَاقِ كَثِيرِينَ وَأَصَحُّهُمَا تَقْرِيبٌ صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا فَعَلَى هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لَا يُؤَثِّرُ نَقْصُ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ قَالَ الدَّارِمِيُّ لَا يُؤَثِّرُ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ إنْ كَانَ بَيْنَ رُؤْيَةِ الدم واستكمال التسع مالا يَسَعُ حَيْضًا وَطُهْرًا كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ حَيْضًا وَإِلَّا فَلَا قَالَ الْمُتَوَلِّي وَإِذَا قُلْنَا تَحْدِيدٌ فَرَأَتْهُ قَبْلَ التِّسْعِ مُتَّصِلًا بِاسْتِكْمَالِهَا نُظِرَ إنْ رَأَتْ قَبْلَ التِّسْعِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَبَعْدَ التِّسْعِ يَوْمًا وَلَيْلَةً جُعِلَ الْجَمِيعُ حَيْضًا وان رَأَتْ قَبْلَ التِّسْعِ يَوْمًا
وَلَيْلَةً وَبَعْدَهَا دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَيْسَ لَهَا حَيْضٌ وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْضُهُ قَبْلَ التِّسْعِ وَبَعْضُهُ بَعْدَهَا فَهَلْ يُجْعَلُ حَيْضًا فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ الدَّارِمِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَاتِ كُلُّ هَذَا عندي
[ ٢ / ٣٧٣ ]
خَطَأٌ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَى الْوُجُودِ فَأَيُّ قَدْرٍ وُجِدَ فِي أَيِّ حَالٍ وَسِنٍّ كَانَ وَجَبَ جَعْلُهُ حَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* ثُمَّ إنَّ الْجُمْهُورَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي هَذَا بَيْنَ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَالْبَارِدَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ حِكَايَةِ وَالِدِهِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الدَّمُ لِتِسْعِ سِنِينَ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ الَّتِي لَا يُعْهَدُ فِي أَمْثَالِهَا مِثْلُ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ رَأَيْت جَدَّةً بِنْتَ إحْدَى وعشرين سنة وقيل انه رآها بصنعاء اليمين قَالُوا هَذَا رَآهُ وَاقِعًا وَيُتَصَوَّرُ جَدَّةٌ بِنْتُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَحْظَةً فَتَحْمِلُ لِتِسْعٍ وَتَضَعُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ بِنْتًا وَتَحْمِلُ تِلْكَ الْبِنْتُ لِتِسْعِ سِنِينَ وَتَضَعُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ
* هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَقَلِّ سِنِّ الْحَيْضِ وَأَمَّا آخِرُهُ فَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ حَتَّى تَمُوتَ كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَ أَصْحَابُنَا فَالْمُعْتَمَدُ فِي هَذَا الْوُجُودُ وَقَدْ وُجِدَ مَنْ تَحِيضُ لِتِسْعِ سِنِينَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَمَا يُرْجَعُ إلَى الْعَادَةِ فِي أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَأَكْثَرِهَا وَفِي الْقَبْضِ فِي الْمَبِيعِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا أَمَّا إذَا رَأَتْ الدَّمَ لِدُونِ أَقَلِّ سِنِّ الْحَيْضِ الْمَذْكُورِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ بَلْ هُوَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا يتعلق به شئ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَيُسَمَّى دَمَ فَسَادٍ وَهَلْ يُسَمَّى اسْتِحَاضَةً فِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ
* وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْحَيْضَ فِي سِنِّ الْإِمْكَانِ قُبِلَ قَوْلُهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْغُلَامِ فِي إنْزَالِ الْمَنِيِّ لِسِنِّ الْإِمْكَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [فَرْعٌ] قَالَ أَصْحَابُنَا أَقَلُّ سِنٍّ يَجُوزُ أَنْ تُنْزِلَ الْمَرْأَةُ فِيهِ الْمَنِيَّ هُوَ سِنُّ الْحَيْضِ وَفِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ الصَّحِيحُ اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ هِيَ أَسْرَعُ بُلُوغًا مِنْ الْغُلَامِ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَحَاصِلُ الْمَنْقُولِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ وَبِهَذَا قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ هُنَا فِي بَابِ الْحَيْضِ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالثَّانِي مُضِيُّ تِسْعِ سِنِينَ وَنِصْفٍ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ
وَالثَّالِثُ اسْتِكْمَالُ عَشْرِ سِنِينَ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْحَجْرِ وَمَا يَلْحَقُ مِنْ النَّسَبِ وَاَللَّهُ اعلم * قال المصنف ﵀
*
[ ٢ / ٣٧٤ ]
[وأقل الحيض يوم وليلة وقال في موضع يوم فمن أصحابنا من قال هما قولان ومنهم من قال يوم وليلة قولا واحدا وقوله يوم اراد بليلته ومنهم من قال يوم قولا واحدا وانما قال يوم وليله قبل أن يثبت عنده اليوم فلما ثبت عنده رجع إليه - والدليل على ذلك ان المرجع في ذلك الي الوجود وقد ثبت الوجود في هذا القدر قال الشافعي ﵀ رأيت امرأة اثبت لى عنها أنها لم تزل تحيض يوما لا تزيد عليه وقال الاوزاعي ﵀ عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقال عطاء ﵀ رأيت من النساء من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر يوما وقال أبو عبد الله الزبيري ﵀ كان في نسائنا من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر يوما واكثره خمسة عشسر يوما لما رويناه عن عطاء وابى عبد الله الزبيري وغالبه ست أو سبع لِقَوْلِهِ ﷺ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جحش ﵂ (تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حيضهن وطهرهن) وأقل طُهْرٌ فَاصِلٌ بَيْنَ الدَّمَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لا أعرف فيه خلافا فان صح ما يروى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال (في النساء نقصان دينهن ان احداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي) دل ذلك علي ان اقل الطهر خمسة عشر يوما لكن لم أجده بهذا اللفظ الا في كتب الفقه] [الشَّرْحُ] فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْعَدَدِ أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَنَصَّ فِي بَابِ الْحَيْضِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَفِي عَامَّةِ كُتُبِهِ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهَا أَحَدُهَا يَوْمٌ بِلَا لَيْلَةٍ وَالثَّانِي قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَوْمٌ بِلَا لَيْلَةٍ وَالثَّانِي يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَصَحُّهَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذَا الطَّرِيقُ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَجَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْوُجُودِ فَإِنْ صَحَّ الْوُجُودُ فِي يَوْمٍ تَعَيَّنَ قَالُوا وَلِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُ
كَلَامَيْهِ عَلَى حَالَيْنِ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ علي قولين وكذا كُلُّ مُجْتَهِدٍ كَمَا إذَا أَمْكَنَ حَمْلُ حَدِيثَيْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حَالَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى النَّسْخِ وَالتَّعَارُضِ وَضَعَّفَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا طَرِيقَةَ الْقَطْعِ بِيَوْمٍ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ إنَّمَا قَالَ يَوْمٌ فِي مَسَائِلِ الْعَدَدِ اخْتِصَارًا أَوْ حِينَ أَرَادَ تَحْدِيدَ أَقَلِّ الْحَيْضِ فِي بَابِهِ وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَوَجَبَ اعْتِمَادُ مَا حَقَّقَهُ فِي مَوْضِعِ التَّحْدِيدِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِنَا وَالْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحَيْضَ يَكُونُ يَوْمًا وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ قَالَ وَحَدَّثَنِي الرَّبِيعُ أَنَّ آخِرَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَهَذَا النَّصُّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ جِدًّا وَلَكِنَّ تَأْوِيلَهُ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ فِي الْفَرْعِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالصَّوَابُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ وَالْعَمَلُ وَمَا سِوَاهُ مُتَأَوَّلٌ عَلَيْهِ.
وَدَلِيلُهُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ وَفِي مَظِنَّتِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ آخِرُ قَوْلِهِ كَمَا نَقَلَهُ الثِّقَةُ ابْنُ جَرِيرٍ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عشر باتفاق اصحابنا وذكر المصنف دليله (الثَّالِثَةُ) غَالِبُ الْحَيْضِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ بِالِاتِّفَاقِ (الرَّابِعَةُ) أَقَلُّ طُهْرٍ فَاصِلٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا ثبت وجوده ولا حد لا كثره بِالْإِجْمَاعِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَقَدْ تَبْقَى الْمَرْأَةُ جَمِيعَ عُمُرِهَا لَا تَحِيضُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي زَمَنِهِ تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَهِيَ صَحِيحَةٌ تَحْبَلُ وَتَلِدُ وَكَانَ نِفَاسُهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَمَّا غَالِبُ الطُّهْرِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا هُوَ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَالِبَ الْحَيْضِ مَاذَا فَالْغَالِبُ أَنَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضًا وَطُهْرًا فَغَالِبُ الْحَيْضِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِإِيضَاحِ أَصْلِ الْمَذْهَبِ
* وَأَمَّا قَوْلُهُ طُهْرٌ فَاصِلٌ بَيْنَ الدَّمَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَوْ يَوْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الثَّانِي) أَيَّامُ النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّلَةِ بَيْنَ أَيَّامِ الْحَيْضِ فِي حَقِّ ذَاتِ التَّلْفِيقِ إذَا قُلْنَا بِالتَّلْفِيقِ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ
بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ وَلَوْ قَالَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ كَمَا قَالَ فِي التَّنْبِيهِ لَكَانَ أَحْسَنَ لِيَحْتَرِزَ عَنْ الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا فَمَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْخِلَافِ فِي مَذْهَبِنَا وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ
[ ٢ / ٣٧٦ ]
مَشْهُورٌ سَنَذْكُرُهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* وَأَمَّا قَوْلُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِالْإِجْمَاعِ وَنَحْوُهُ فِي التَّهْذِيبِ وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي مَسْأَلَةِ التَّلْفِيقِ أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَلَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَوْ حُمِلَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا فِي اللَّفْظِ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ عَدَمُ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا حَدِيثُ (تَمْكُثُ شَطْرَ دَهْرِهَا) فَحَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ وَإِنَّمَا ثَبَتَ في الصحيحين (تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي) كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَسْأَلَةِ تَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَأَمَّا حَدِيثُ حَمْنَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ حَمْنَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَسَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هو حديث حسن صحيح قال الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ تَرَكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الِاحْتِجَاجَ بِهَذَا الحديث لان رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ لَيْسَ بِذَاكَ (قُلْت) هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ لَا يُقْبَلُ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ صَحَّحُوهُ كَمَا سَبَقَ وَهَذَا الرَّاوِي وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا فِي تَوْثِيقِهِ وَجَرْحِهِ فَقَدْ صَحَّحَ الْحُفَّاظُ حَدِيثَهُ هَذَا وَهُمْ أَهْلُ هَذَا الْفَنِّ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَاعِدَتِهِمْ فِي حَدِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الرَّاوِي بَعْضُ الضَّعْفِ أُجِيزَ حَدِيثُهُ بِشَوَاهِدَ لَهُ أَوْ مُتَابَعَةٍ وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﷺ (تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ) أَيْ الْتَزِمِي الْحَيْضَ وَأَحْكَامَهُ فِيمَا أَعْلَمَك اللَّهُ مِنْ عَادَةِ النِّسَاءِ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ فِيمَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِكِ مِنْ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ وَقَوْلُهُ صَلَّى
[ ٢ / ٣٧٧ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ) الْمُرَادُ غَالِبُ النِّسَاءِ لِاسْتِحَالَةِ إرَادَةِ كُلِّهِنَّ لِاخْتِلَافِهِنَّ وَقَوْلُهُ صلي الله عليه وسلم (ميقات حيضهن) هو بِنَصْبِ التَّاءِ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ فِي وَقْتِ حَيْضِهِنَّ وَاخْتَلَفُوا فِي حَالِ حَمْنَةَ فَقِيلَ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى غَالِبِ عَادَةِ النِّسَاءِ وَقِيلَ
كَانَتْ مُعْتَادَةً سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً فَرَدَّهَا إلَيْهَا ذَكَرَ هَذَا الْخِلَافَ فِيهَا الْخَطَّابِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَهُمَا الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ احْتِمَالَيْنِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا أَنَّهَا كانت مبتدأة وكذا اختاره إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ وَرَجَّحَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ (كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ) وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةً وَأَوْضَحَ دَلِيلَهُ وَقَالَ هَذَا أَشْبَهُ مَعَانِيهِ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ مَنْ قَالَ كَانَتْ مُعْتَادَةً ذَكَرُوا فِي رَدِّهَا إلَى السِّتَّةِ أَوْ السَّبْعَةِ ثَلَاثَ تَأْوِيلَاتٍ أَحَدُهَا مَعْنَاهُ سِتَّةٌ إنْ كَانَتْ عادتك ستة أو سبعة ان كان عَادَتُك سَبْعَةً الثَّانِي لَعَلَّهَا شَكَّتْ هَلْ عَادَتُهَا سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ فَقَالَ تَحَيَّضِي سِتَّةً إنْ لَمْ تَذْكُرِي عَادَتَك أَوْ سَبْعَةً إنْ ذَكَرْت أَنَّهَا عَادَتُكِ الثَّالِثُ لَعَلَّ عَادَتَهَا كَانَتْ تَخْتَلِفُ فَفِي بَعْضِ الشُّهُورِ سِتَّةٌ وَفِي بَعْضِهَا سَبْعَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سِتَّةً فِي شَهْرِ السِّتَّةِ وَسَبْعَةً فِي شَهْرِ السَّبْعَةِ فَتَكُونُ لَفْظَةُ أَوْ لِلتَّقْسِيمِ وَبَسَطْت الْكَلَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مدار كتاب الحيض ويدخل فِي كُلِّ مُصَنَّفَاتِ الْحَيْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
[ ٢ / ٣٧٨ ]
(فَرْعٌ)
ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ حَمْنَةَ بنت جحش وعطاء والاوزاعي وا؟؟ يرى فَأَمَّا حَمْنَةُ فَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ هَاءٍ وَأَبُوهَا جَحْشٌ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ وَهِيَ أُخْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا عطاء فهو أبو محمد عطاء ابن أَبِي رَبَاحٍ وَاسْمُ أَبِي رَبَاحٍ أَسْلَمُ وَعَطَاءٌ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ فِي الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَدُ شُيُوخِنَا فِي سَلْسَلَةِ التَّفَقُّهِ فَهُوَ شَيْخُ ابْنِ جُرَيْجٍ الَّذِي هُوَ شَيْخُ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ شَيْخِ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ تُوُفِّيَ عَطَاءٌ ﵀ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ واما الاوزاعي فهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو مِنْ كِبَارِ تَابِعِي التَّابِعِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ الْبَارِعِينَ كَانَ إمَامَ أَهْلِ الشَّامِ فِي زَمَنِهِ أَفْتَى فِي سبعين الف مسألة وقيل ثمانين الف تُوُفِّيَ فِي خَلْوَتِهِ فِي حَمَّامِ بَيْرُوتَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُتَوَسِّدًا بِيَمِينِهِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ قِيلَ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَوْزَاعِ قَرْيَةٍ كَانَتْ بِخَارِجِ بَابِ الْفَرَادِيسِ مِنْ دِمَشْقَ وَقِيلَ قَبِيلَةٌ مِنْ الْيَمَنِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
وَأَمَّا الزُّبَيْرِيُّ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ مَنْسُوبٌ إلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ﵁ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الله الزبير بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عاصم بن المنذر بن الزبير ابن الْعَوَّامِ وَلِلزُّبَيْرِيِّ كُتُبٌ نَفِيسَةٌ وَأَحْوَالٌ شَرِيفَةٌ فَهَذِهِ أَحْرُفٌ فِي تَعْرِيفِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَقَدْ بَسَطَتْ أَحْوَالَ أَصْحَابِهَا وَمَنَاقِبَهُمْ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَبِاَللَّهِ التوفيق
*
[ ٢ / ٣٧٩ ]
طُهْرًا مُسْتَقِلًّا كَامِلًا قَالَ فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَيْهِ تَفْرِيعُ الْبَابِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أبو عمرو ابن الصلاح قول الاستاذ ابي اسحق فَقَالَ الصَّحِيحُ اتِّبَاعُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ فِيهِ وَنَاهِيكَ إتْقَانًا وتحقيقا واطلاعا وكأن الاصحاب لم يطلعوا علگ النص قال وفى المحيط للشيخ اي محمد الجويني عن الاستاذ ابى اسحق قال كانت امرأة تستفتينى باسفرابين وَتَقُولُ إنَّ عَادَتَهَا فِي الطُّهْرِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى الدَّوَامِ فَجَعَلَتْ ذَلِكَ طُهْرَهَا عَلَى الدَّوَامِ قُلْت وَهَذَا النَّصُّ الَّذِي نَقَلَهُ أَبُو عَمْرٍو وَاخْتَارَهُ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْتُهُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ ذَلِكَ النَّصَّ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَأَكْثَرِهِمَا: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ لا حدله قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَوْ رَأَتْ الدَّمَ سَاعَةً وَانْقَطَعَ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَهَذَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي ادَّعَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَكُونُ دَفْعَةً فَقَطْ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَالَ وَبَلَغَنِي عَنْ نِسَاءِ الْمَاجِشُونَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَحِضْنَ سَبْعَ عَشَرَةَ قَالَ احمد اكثر ما سمعنا سَبْعَ عَشَرَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ طَائِفَةٌ لَيْسَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ بِالْأَيَّامِ بَلْ الْحَيْضُ إقْبَالُ الدَّمِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَالطُّهْرُ إدْبَارُهُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ أَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِيمَا نعلم وانكر احمد واسحق التَّحْدِيدَ فِي الطُّهْرِ قَالَ أَحْمَدُ الطُّهْرُ مَا بين الحيضتين علي ما يكون وقال اسحق تَوْفِيَتُهُمْ الطُّهْرَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ بَاطِلٌ هَذَا نَقْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي
يُوسُفَ اقل الحيض يومان واكثر الثَّالِثُ وَعَنْ مَالِكٍ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ وَقَدْ يَكُونُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ إحْدَاهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَالثَّانِيَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَالثَّالِثَةُ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَعَنْ مَكْحُولٍ أَكْثَرُهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَأَنَّهُ مَا يَكُونُ مِثْلُهُ طُهْرًا فِي الْعَادَةِ وَرَوَى عَبْدُ الملك بن الماجشون
[ ٢ / ٣٨٠ ]
(فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَكَذَا أَقَلُّ الطُّهْرِ وَالْمُرَادُ خَمْسَةَ عشر بلياليها وهذا القيد لابد مِنْهُ لِتَدْخُلَ اللَّيْلَةُ الْأُولَى (فَرْعٌ)
لَوْ وَجَدْنَا امْرَأَةً تَحِيضُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ تَطْهُرُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَاشْتَهَرَتْ عَادَتُهَا كَذَلِكَ مُتَكَرِّرَةً فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَحَدُهَا لَا يُعْتَبَرُ حَالُ هَذِهِ بَلْ الحكم علي ما تمهد لِأَنَّ بَحْثَ الْأَوَّلِينَ أَوْفَى: وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ لِيَكُونَ هَذَا حَيْضَهَا وَطُهْرَهَا لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْوُجُودِ وَقَدْ حَصَلَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا قَوْلُ طوائف من المحققين منهم الاستاذ أبو اسحق الاسفرايني وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ (قُلْت) وَاخْتَارَهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ قَدْرًا يُوَافِقُ مَذْهَبَ السَّلَفِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِاعْتِمَادِ الْوُجُودِ اعْتَمَدْنَاهُ وَعَمِلْنَا بِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ مَذْهَبَ أَحَدٍ لَمْ يُعْتَمَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاَلَّذِي أَخْتَارُهُ وَلَا أَرَى الْعُدُولَ عَنْهُ الِاكْتِفَاءَ بِمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُ الْمَاضِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فَإِنَّا لَوْ فَتَحْنَا بَابَ اتِّبَاعِ الْوُجُودِ في كل ما يحدث واخدنا فِي تَغْيِيرِ مَا يُمَهِّدُ تَقْلِيلًا وَتَكْثِيرًا لَاخْتَلَطَتْ الْأَبْوَابُ وَظَهَرَ الِاضْطِرَابُ وَالْوَجْهُ اتِّبَاعُ مَا تَقَرَّرَ لِلْعُلَمَاءِ الْبَاحِثِينَ قَبْلَنَا وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ قَالَ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِحَالِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بَلْ الِاعْتِبَارُ بِمَا تَقَرَّرَ لِأَنَّ احْتِمَالَ عُرُوضِ دَمِ الْفَسَادِ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ أَقْرَبُ مِنْ انْخِرَامِ الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَحِيضُ يَوْمًا وَتَطْهُرُ يَوْمًا عَلَى الِاسْتِمْرَارِ لا يجعل كل نقاء
[ ٢ / ٣٨١ ]
انه خمسة ايام وقال سجنون ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ وَقَالَ غَيْرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَقَالَ محمد بن مسلمة خَمْسَةَ عَشَرَ وَهُوَ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ أَصْحَابُهُ الْبَغْدَادِيُّونَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَأَبِي طَالِبٍ أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَقَالَ مَالِكٌ أَقَلُّهُ عَشَرَةٌ وَحَكَى ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَمَّا أَدِلَّةُ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْإِجْمَاعِ أَنَّ أَكْثَرَ الطهر لا حدله وَدَلِيلُهَا فِي الْإِجْمَاعِ وَمِنْ الِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ وَمِنْ أَظْرَفِهِ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ عَنْ أُخْتِهَا أَنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَهِيَ صَحِيحَةٌ تَحْبَلُ وَتَلِدُ وَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَأَمَّا أَقَلُّ الْحَيْضِ فَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِحَدِيثِ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَتْهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ ﵂ فَقَالَتْ إنِّي أُسْتَحَاضُ فَقَالَ (لَيْسَ ذَلِكَ الْحَيْضُ إنَّمَا هُوَ عِرْقٌ لِتَقْعُدْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ لتغتسل ولتصلى) رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالُوا وَأَقَلُّ الْأَيَّامِ ثَلَاثَةٌ وَبِحَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَا يَكُونُ الْحَيْضُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) م وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ (الْحَيْضُ ثَلَاثٌ.
أَرْبَعٌ.
خَمْسٌ.
سِتٌّ.
سَبْعٌ.
ثَمَانٍ.
تِسْعٌ.
عَشَرٌ) قَالُوا وَأَنَسٌ لَا يَقُولُ هَذَا إلَّا تَوْقِيفًا قَالُوا وَلِأَنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ وَالتَّقْدِيرُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَوْقِيفٍ أَوْ اتِّفَاقٍ وَإِنَّمَا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ﵂ (دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ غَيْرُ مَحْدُودٍ شَرْعًا فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ وَقَدْ ثَبَتَ الْوُجُودُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَالزُّبَيْرِيِّ وَرَوَيْنَا بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الْإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ﵀ قَالَ كَانَتْ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْعُلَا قَالَتْ حَيْضَتِي مُنْذُ أَيَّامِ الدَّهْرِ يَوْمَانِ قَالَ اسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَصَحَّ لَنَا عَنْ غَيْرِ امْرَأَةٍ في زماننا انها قالت حيضتي يومان وعند يزيد بن هرون قَالَ عِنْدِي امْرَأَةٌ تَحِيضُ يَوْمَيْنِ
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَرُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِي هَذِهِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَيَّامِ أَقْرَائِهَا لَوْ ثبت فمن وجهين
(أحدهما)
ليس المرد بِالْأَيَّامِ هُنَا الْجَمْعُ بَلْ الْوَقْتُ (الثَّانِي) أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ مُعْتَادَةٌ رَدَّهَا
إلَى الْأَيَّامِ الَّتِي اعْتَادَتْهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ حَيْضٍ لَا يَنْقُصُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَأَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسٍ فَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَقَدْ أَوْضَحَ ضَعْفَهَا الدَّارَقُطْنِيّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْخِلَافِيَّاتِ ثُمَّ السنن الكبير وَقَوْلُهُمْ التَّقْدِيرُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَوْقِيفٍ جَوَابُهُ أَنَّ التَّوْقِيفَ ثَبَتَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى الْوُجُودِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ أَقَلُّ الْحَيْضِ سَاعَةٌ فَاعْتَمَدُوا ظَوَاهِرَ النُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ وَالْقِيَاسَ عَلَى النِّفَاسِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْوُجُودِ وَلَمْ يَثْبُتْ دُونَ مَا قُلْنَاهُ وَالْجَوَابُ عَنْ النُّصُوصِ أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فَتُحْمَلُ عَلَى الْوُجُودِ وَعَنْ النِّفَاسِ أَنَّهُ وُجِدَ لَحْظَةً فَعَمِلْنَا بِالْوُجُودِ فِيهِمَا وَأَمَّا مَنْ قَالَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةٌ فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ وَاثِلَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسٍ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ كَمَا سَبَقَ وَلَيْسَ لَهُمْ حَدِيثٌ وَلَا أَثَرٌ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ثَبَتَ مُسْتَفِيضًا عَنْ السَّلَفِ مِنْ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ كَذَلِكَ عِيَانًا وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ أَكْثَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَفِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَشَرِيكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ﵏ وَأَمَّا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ أَقَلُّ الطُّهْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ فَاسْتَدَلَّ لَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عِنْدَهُ عَشَرَةٌ وَالشَّهْرُ يَشْتَمِلُ عَلَى حَيْضٍ وَطُهْرٍ وَقَدْ يَكُونُ الشَّهْرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ مِنْهَا عَشَرَةٌ لِلْحَيْضِ وَالْبَاقِي طُهْرٌ وَدَلِيلُنَا بِثُبُوتِ الْوُجُودِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ عَشَرٌ وقد بينا بطلانه فان قيل روى اسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ الْمَاجِشُونَ حَاضَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كَانَتْ تَحْتَهُ وَكَانَتْ تَحِيضُ مِنْ السَّنَةِ شَهْرَيْنِ فَجَوَابُهُ بِمَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ النُّكَتُ أَنَّ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ ضَعِيفَانِ فَالْأَوَّلُ عَنْ بَعْضِهِمْ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَقَدْ انكره الامام مالك ابن أَنَسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَالثَّانِي رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مَيْمُونٍ والرجل مجهول والله اعلم
[ ٢ / ٣٨٣ ]
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* [وَفِي الدَّمِ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَيْضٌ لِأَنَّهُ دَمٌ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ فَلَا يَمْنَعُهُ الْحَمْلُ
كَالنِّفَاسِ وَالثَّانِي أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ لِأَنَّهُ لو كان حَيْضًا لَحَرُمَ الطَّلَاقُ وَتَعَلَّقَ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ] [الشَّرْحُ] يُقَالُ الرَّضَاعُ وَالرِّضَاعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا فِيهِمَا وَامْرَأَةٌ حَامِلٌ وَحَامِلَةٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ فَإِنْ حَمَلَتْ عَلَى رَأْسِهَا أَوْ ظَهْرِهَا فَحَامِلَةٌ لَا غَيْرَ وَالدَّمُ مُخَفَّفُ الْمِيمِ عَلَى اللُّغَةِ المشهورة وفيه لغية شَاذَّةٌ بِتَشْدِيدِهَا
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا رَأَتْ الْحَامِلُ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ الْجَدِيدُ أَنَّهُ حَيْضٌ وَالْقَدِيمُ لَيْسَ بِحَيْضٍ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ حَيْضٌ فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِحَيْضٍ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَهَلْ يُسَمَّى اسْتِحَاضَةً فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ وَسَوَاءٌ قُلْنَا اسْتِحَاضَةٌ أَوْ دَمُ فَسَادٍ هُوَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ فَهُوَ كَالْبَوْلِ فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِالْوُضُوءِ الْوَاحِدِ صَلَوَاتٍ وَإِنْ اسْتَمَرَّ فَلَهَا حُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَحِلِّ الْقَوْلَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا وَعَلَى صِفَةِ دَمِ الْحَيْضِ فَإِنْ رَأَتْهُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ أَوْ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً فَلَيْسَ بِحَيْضٍ قَوْلًا وَاحِدًا وَمِنْهُمْ مَنْ قال لا فرق بل الخلاف جاز فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا لِغَيْرِ الْحَامِلِ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هريرة القولان ااقلنا لِلْحَمْلِ حُكْمٌ فَإِنْ قُلْنَا لَا حُكْمَ لَهُ فهو حيض قولا واحدا وقال أبو إسحق الْقَوْلَانِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ قُلْنَا لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا قَالَ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْقَوْلَانِ إذَا مَضَى لِلْحَمْلِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَمَا رَأَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَيْضٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْقَوْلَانِ فِي الْجَمِيعِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الدَّارِمِيِّ وَقَالَ الشَّاشِيُّ إذَا قُلْنَا الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ فَمِنْ مَتَى يَنْقَطِعُ حَيْضُهَا وَجْهَانِ الصَّحِيحُ بِنَفْسِ الْعُلُوقِ وَالثَّانِي مِنْ وَقْتِ حَرَكَةِ الْحَمْلِ (قُلْت) الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ بِنَفْسِ الْعُلُوقِ وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا الدَّارِمِيُّ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَيْضٌ لِأَنَّهُ دَمٌ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ وَلَا يَمْنَعُهُ الْحَمْلُ كَالنِّفَاسِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُرْضِعَ لَا تَحِيضُ غَالِبًا وَكَذَا الْحَامِلُ فَلَوْ اتَّفَقَ رُؤْيَةُ الدَّمِ فِي حال الرضاع
[ ٢ / ٣٨٤ ]
كَانَ حَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا فِي حَالِ الْحَمْلِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي النُّدُورِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا سَوَاءً فِي الْحُكْمِ بِأَنَّهُمَا حَيْضٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ كَالنِّفَاسِ فَمُرَادُهُ إذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ بَيْنَهُمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَرَأَتْ الدَّمَ بَيْنَهُمَا
وَقُلْنَا إنَّهُ نِفَاسٌ فَهَذِهِ حَامِلٌ وَمُرْضِعٌ وَدَمُهَا نِفَاسٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ النِّفَاسَ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ وَالْحَمْلُ وَالْحَيْضُ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَهُ الْحَمْلُ كَمَا قُلْنَا فِي النِّفَاسِ قَالَ صَاحِبُ البيان في مشكلات المذهب مُرَادُهُ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّهُ يَقُولُ دَمُ الْحَامِلِ لَيْسَ بِحَيْضٍ وَالدَّمُ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ نِفَاسٌ فَقَاسَ عَلَى مَا وَافَقَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَلَعِيُّ وَقَوْلُهُ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ لَيْسَ بِاحْتِرَازٍ بَلْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ وَالتَّقْرِيبِ مِنْ الْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا قُلْنَا دَمُ الْحَامِلِ حَيْضٌ فَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْبَابِ وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا وَمُرَادُهُمْ أَنَّ الْحَامِلَ إذَا كَانَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَاحِدَةٌ وَحَمْلُهَا لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ وَحَاضَتْ أَدْوَارًا فَلَا تَنْقَضِي بِهَا الْعِدَّةُ وَلَا يحسب شئ مِنْ الْأَطْهَارِ الْمُعَجَّلَةِ قُرْءًا أَمَّا إذَا كَانَ الْحَمْلُ بِحَيْثُ لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ بِأَنْ لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ مِثْلَ إنْ مَاتَ صبى عن زوجته أو فسخ نكاحه بعيبه أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ وَامْرَأَتُهُ حَامِلٌ مِنْ الزِّنَا أَوْ تَزَوَّجَ الرَّجُلُ حَامِلًا مِنْ الزِّنَا وَطَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَهِيَ تَرَى الدَّمَ عَلَى الْأَدْوَارِ فَإِنْ قُلْنَا الْحَامِلُ تَحِيضُ فَفِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِهَذِهِ الْأَطْهَارِ الْمُتَخَلِّلَةِ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ وجهان مشهوران سيأتي ايضاحهما في كتاب العدة إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* وَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا عِدَّتَانِ بِأَنْ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ثُمَّ وَطِئَهَا بشبهة فوجبت العدة بالثانية فَهَلْ تَتَدَاخَلُ الْعِدَّتَانِ فِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فَإِنْ قُلْنَا لَا تَتَدَاخَلُ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عَنْ الطَّلَاقِ فَلَوْ حَاضَتْ عَلَى الْحَمْلِ فَهَلْ يُحْسَبُ أَطْهَارُهَا فِي الْحَمْلِ عَنْ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما يحسب
[ ٢ / ٣٨٥ ]
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَيْضُ الْحَامِلِ مُؤَثِّرًا فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَا يَحْسُنُ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا قَيَّدْنَاهُ بِهِ أَوَّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا قُلْنَا دَمُ الْحَامِلِ حَيْضٌ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا وَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ فَفِي كَوْنِهِ حَيْضًا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ النفاس أصحهما بالاتفاق أَنَّهُ حَيْضٌ لِأَنَّهُ دَمٌ بِصِفَةِ الْحَيْضِ وَإِنَّمَا يشترط يَكُونَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ إذَا كَانَا دَمَيْ حَيْضٍ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَقَلُّ طُهْرٍ فَاصِلٍ
بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَعَلَى هَذَا لَوْ رَأَتْ النِّفَاسَ سِتِّينَ يَوْمًا ثُمَّ انْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فَإِنْ عَادَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَهُوَ حَيْضٌ وَإِنْ عَادَ قَبْلَهَا فَهَلْ يُجْعَلُ الثَّانِي حَيْضًا فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا: لِنُقْصَانِ مَا بَيْنَهُمَا عَنْ طُهْرٍ كَامِلٍ وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ لِاخْتِلَافِهِمَا
* (فَرْعٌ)
إذَا قِيلَ إذَا جَعَلْتُمْ دَمَ الْحَامِلِ حَيْضًا لَمْ يَبْقَ وُثُوقٌ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ بِالْحَيْضِ لِاحْتِمَالِ الْحَيْضِ عَلَى الْحَمْلِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تَحِيضُ فَإِذَا حَاضَتْ حَصَلَ ظَنُّ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فَإِنْ بَانَ خِلَافُهُ عَلَى النُّدُورِ عَمِلْنَا بِمَا بَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ السَّلَفِ فِي حَيْضِ الْحَامِلِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ الدَّمَ الَّذِي تَرَاهُ حَيْضٌ وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ والحسن وعطاء ومحمد ابن الْمُنْكَدِرِ وَعِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالشَّعْبِيُّ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَ بِحَيْضٍ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِلصَّحِيحِ فِي
[ ٢ / ٣٨٦ ]
كَوْنِهِ حَيْضًا أَنَّهُ دَمٌ بِصِفَاتِ دَمِ الْحَيْضِ وَفِي زَمَنِ إمْكَانِهِ وَلِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَوْنِهِ فَسَادًا لِعِلَّةٍ أَوْ حَيْضًا وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ مِنْ الْعِلَّةِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ الْآخَرِ لَوْ كَانَ حَيْضًا لَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِهِ فَفَاسِدٌ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لِطَلَبِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَلَا تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ بِالْأَقْرَاءِ مَعَ وُجُودِ الْحَمْلِ وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَوْ كَانَ حَيْضًا لَحَرُمَ الطَّلَاقُ فَجَوَابُهُ أَنَّ تَحْرِيمَ طَلَاقِ الْحَائِضِ إنَّمَا كَانَ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَلَا تَطْوِيلَ هُنَا لِأَنَّ عِدَّتَهَا بِالْحَمْلِ والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَإِنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً وَلَمْ يعبر الخمسة عشر ففيه قولان أحدهما لا يلفق بل يجعل الجميع حَيْضًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا رَأَتْهُ مِنْ النَّقَاءِ طُهْرًا لَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِثَلَاثَةٍ مِنْهَا وَالثَّانِي يُلَفَّقُ الطُّهْرُ إلَى الطُّهْرِ وَالدَّمُ إلَى الدَّمِ فَيَكُونُ أَيَّامُ النَّقَاءِ طُهْرًا وَأَيَّامُ الدَّمِ حَيْضًا لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ أَيَّامُ النَّقَاءِ حَيْضًا لَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ أَيَّامُ الدَّمِ طُهْرًا ولما لم يجز أن يجعل أيام الدم طهرا لم يجز أن يجعل أَيَّامُ النَّقَاءِ حَيْضًا فَوَجَبَ أَنْ يُجْرَى كُلُّ واحد منهما علي حكمه]
* [الشَّرْحُ] النَّقَاءُ بِالْمَدِّ وَقَوْلُهُ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا بقاء أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّنْبِيهِ يَوْمًا طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا
فَكَيْفَ يُسَمَّى طُهْرًا مَعَ أَنَّهُ حَيْضٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَلْ هُوَ الْأَصَحُّ وَقَوْلُهُ يَوْمًا أَرَادَ بِلَيْلَتِهِ لِيَكُونَ أَقَلَّ الْحَيْضِ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَذْهَبِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا بِلَا لَيْلَةٍ أَوْ نِصْفَ يَوْمٍ فَفِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ فِي فَصْلِ التَّلْفِيقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَصَحُّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْجَمِيعَ حَيْضٌ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ وَقَدْ فَرَّقَ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةَ التَّلْفِيقِ هَذِهِ فَذَكَرَهَا هُنَا مُخْتَصَرَةً وَذَكَرَ فُرُوعَهَا فِي آخِرِ الْبَابِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَهَا كُلَّهَا أَوْ يَجْمَعَ كُلَّ
[ ٢ / ٣٨٧ ]
مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّلْفِيقِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ كَمَا فَعَلَهُ الْأَصْحَابُ وَقَدْ رَأَيْت أَنْ أُؤَخِّرَ شَرْحَ هذه المسألة إلى هناك وبالله التوفيق * قال المصنف ﵀
* [إذا رأت المرأة الدم ليس يَجُوزُ أَنْ تَحِيضَ فِيهِ أَمْسَكَتْ عَمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ فَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ كَانَ ذَلِكَ دَمَ فَسَادٍ فَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي وَإِنْ انْقَطَعَ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ لِمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ حَيْضٌ فَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ عَلَى صِفَةِ دَمِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ لها عادة فخالف عادتها أو لم يكن وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ إنْ رَأَتْ الصُّفْرَةَ أَوْ الْكُدْرَةَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْعَادَةِ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ (كُنَّا لَا نَعْتَدُّ بِالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ شَيْئًا) وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَمَارَةُ الْحَيْضِ فَلَمْ يَكُنْ حَيْضًا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ حَيْضٌ لِأَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ زَمَانَ الْإِمْكَانِ ولم يجاوزه فأشبه إذا رأت الصفرة والكدرة فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ (كُنَّا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ حَيْضًا) وَقَوْلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَمَارَةٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ وُجُودُهُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ أَمَارَةٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهَا الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ وَأَنَّ ذَلِكَ دم الجبلة دون العلة]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْمُهَذَّبِ هُوَ لَفْظُ رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد (كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا) وَإِسْنَادُهَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمِمَّا يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ
وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْثَالِ هَذَا وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعَّفَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (مَا كُنَّا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فَلَا أَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَكِنْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَرِيبٌ
[ ٢ / ٣٨٨ ]
مِنْ مَعْنَاهُ فَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عقبة ابن أَبِي عُقْبَةَ عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَتْ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ ﵂ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ) هَذَا لَفْظُهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ جَزْمٍ فَصَحَّ هَذَا اللَّفْظُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَالدُّرْجَةُ بِضَمِّ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ وَرُوِيَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَهِيَ خِرْقَةٌ أَوْ قُطْنَةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ تُدْخِلُهُ الْمَرْأَةُ فَرْجَهَا ثُمَّ تُخْرِجُهُ لتنظر هل بقى شئ مِنْ أَثَرِ الْحَيْضِ أَمْ لَا وَقَوْلُهَا الْقَصَّةُ هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْجِصُّ شَبَّهَتْ الرُّطُوبَةَ النَّقِيَّةَ الصَّافِيَةَ بِالْجِصِّ فَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى عَائِشَةَ وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ فَهَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ أَمْ مَرْفُوعٌ فِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ فِي الْفُصُولِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ فِيمَا إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا وَأَوْضَحْنَا الْمَذَاهِبَ فِيهِ وَاسْمُ أُمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ وَقِيلَ بِنْتُ الْحَارِثِ أَنْصَارِيَّةٌ بَصْرِيَّةٌ كَانَتْ تَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ غَاسِلَةً لِلْمَيِّتَاتِ وَذَكَرْتُ جُمْلَةً مِنْ أَحْوَالِهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَأَمَّا أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ فَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَقِيلَ يَجُوزُ بِفَتْحِهَا وَهِيَ هَمْزَةُ قَطْعٍ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا كَهَمْزَةِ الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا مَنْسُوبٌ إلَى إصْطَخْرَ الْمَدِينَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَاسْمُهُ الْحَسَنُ ابن احمد ولد سنة اربع واربعين ومايتين وتوفى سنة ثمان وعشرين وثلثمائة وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا وَأَئِمَّتِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ وَأَخْيَارِهِمْ وَلَهُ أَحْوَالٌ جَمِيلَةٌ وَكُتُبٌ نَفِيسَةٌ وَذَكَرْت جُمْلَةً مِنْ أَحْوَالِهِ فِي التَّهْذِيبِ وَالطَّبَقَاتِ وَقَوْلُهُ دَمُ الْجِبِلَّةِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ الْخِلْقَةِ وَمَعْنَاهُ دَمُ الْحَيْضِ الْمُعْتَادِ الَّذِي يَكُونُ فِي حَالِ السَّلَامَةِ وَلَيْسَ هُوَ دَمُ الْعِلَّةِ الَّذِي هُوَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ وَأَمَّا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فَقَالَ الشيخ ابو حامد في تعليقه هُمَا مَاءٌ أَصْفَرُ وَمَاءٌ كَدِرٌ وَلَيْسَا بِدَمٍ وقال امام الحرمين هما شئ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ
صُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ لَيْسَا عَلَى لَوْنِ شئ مِنْ الدِّمَاءِ الْقَوِيَّةِ وَلَا الضَّعِيفَةِ
* أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا ﵏
[ ٢ / ٣٨٩ ]
إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ لِزَمَانٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ فَأَكْثَرُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا بَقِيَّةُ طُهْرٍ وَلَا هِيَ حَامِلٌ أَوْ حَائِلٌ وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ إنَّهَا تَحِيضُ أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالْمَسْجِدِ والوطئ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ وَهَذَا الْإِمْسَاكُ وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ إلَّا صَاحِبَيْ الْحَاوِي وَالتَّهْذِيبِ فَحَكَيَا وَجْهًا شَاذًّا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُبْتَدَأَةِ أَنْ تُمْسِكَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ فَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَانَتْ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَيْهَا وَأَجْزَأَهَا مَا صَلَّتْ وَإِنْ اسْتَدَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً تَرَكَتْ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي رَأَتْهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَمَ فَسَادٍ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّلَاةِ بِالشَّكِّ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَهَذَا الْوَجْهُ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُعْتَادَةَ إذَا فَاتَحَهَا الدَّمُ تُمْسِكُ وَالثَّانِي الْمُعْتَادَةُ إذَا جَاوَزَ الدَّمُ عَادَتَهَا تُمْسِكُ وَإِنْ كَانَ هَذَا الِاحْتِمَالُ مَوْجُودًا وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا بِالْإِمْسَاكِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْمُبْتَدَأَةِ قَالَ فَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالتَّفْرِيعُ بَعْدَ هَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا أَمْسَكَتْ فَانْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ
[ ٢ / ٣٩٠ ]
فَتَقْضِي الصَّلَاةَ بِالْوُضُوءِ وَلَا غُسْلَ فَإِنْ كَانَتْ صَامَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَصَوْمُهَا صَحِيحٌ وَإِنْ انْقَطَعَ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ لِخَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ لِمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ حَيْضٌ سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ مُعْتَادَةً وَافَقَ عَادَتَهَا أَوْ خَالَفَهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ تَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ كُلُّهُ بِلَوْنٍ وَاحِدٍ أَوْ بَعْضُهُ أَسْوَدَ وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْأَسْوَدُ أَوْ الاحمر ولا خلاف في شئ مِنْ هَذَا إلَّا وَجْهَيْنِ شَاذَّيْنِ ضَعِيفَيْنِ (أَحَدُهُمَا) حكاه صاحب الحاوى انها إذا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً وَرَأَتْ دَمًا أَحْمَرَ لَا يَكُونُ حَيْضًا لِضَعْفِهِ بَلْ هُوَ دَمُ فَسَادٍ وَوَافَقَ هَذَا الْقَائِلَ عَلَى أَنَّهَا لَوْ رَأَتْ الْأَحْمَرَ وَهِيَ مُعْتَادَةٌ كَانَ حَيْضًا وَالْوَجْهُ الْآخَرُ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ وَتَقَدَّمَ الْأَحْمَرُ كَانَ الْحَيْضُ هُوَ الْأَسْوَدُ وَحْدَهُ إنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا قَالَ هَذَا الْقَائِلُ وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً كَانَ الْأَحْمَرُ
الْأَوَّلُ دَمَ فساد والاحمر والاسود بعده حيض وَسَنُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي فَصْلِ الْمُمَيِّزَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَّا إذَا
[ ٢ / ٣٩١ ]
كَانَ الَّذِي رَأَتْهُ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ ﵀ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي ذَلِكَ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ المشهور الذى قاله أبو العباس ابن سريج وابو اسحق الْمَرْوَزِيُّ وَجَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَكُونَانِ حَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ مُعْتَادَةً خَالَفَ عَادَتَهَا أَوْ وَافَقَهَا كَمَا لَوْ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ وَانْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ حَيْضٌ وَلَيْسَتْ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْعَادَةِ حَيْضًا فَإِنْ رَأَتْ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ مُبْتَدَأَةً أَوْ مُعْتَادَةً فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْعَادَةِ فَلَيْسَتْ بِحَيْضٍ وان رأتها معتادة في ايام العادة فهى حَيْضٌ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ دَمٌ قَوِيٌّ أَسْوَدُ أَوْ أَحْمَرُ وَلَوْ بَعْضَ يَوْمٍ كَانَتْ حَيْضًا فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ وان لم يتقدمها شئ لم
[ ٢ / ٣٩٢ ]
يَكُنْ حَيْضًا عَلَى انْفِرَادِهَا وَحَكَى صَاحِبُ الشَّامِلِ وغيره هذا عن حكاية ابي علي ابن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَالرَّابِعُ حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الصُّفْرَةِ دَمٌ قَوِيٌّ يَوْمًا وَلَيْلَةً كَانَ حَيْضًا تَبَعًا لِلْقَوِيِّ وَإِنْ تَقَدَّمَهَا دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَيْسَتْ حَيْضًا (وَالْخَامِسُ) حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ وَالسَّرَخْسِيُّ إنْ تَقَدَّمَهَا دَمٌ قَوِيٌّ وَلَحِقَهَا دَمٌ قَوِيٌّ كَانَتْ حَيْضًا وَإِلَّا كَانَتْ كَالنَّقَاءِ (وَالسَّادِسُ) حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ إنْ تَقَدَّمَهَا دَمٌ قَوِيٌّ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَحِقَهَا دَمٌ قَوِيٌّ يَوْمًا وَلَيْلَةً كَانَتْ حَيْضًا وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ تَكُونُ حَيْضًا وَهَذَا الَّذِي نَقَلُوهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ الْأَسْوَدِ فَإِنَّهُ جَارٍ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُصَنِّفُونَ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْإِصْطَخْرِيِّ وَالْجُمْهُورِ اخْتِلَافُهُمْ فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ فَالْإِصْطَخْرِيُّ يَقُولُ مَعْنَاهُ
فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ فِي أَيَّامِ الْإِمْكَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ كُنْت أَقُولُ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ حَتَّى رَأَيْتُهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْعُدَّةِ (وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ وَالْمُبْتَدَأَةُ وَالْمُعْتَادَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) فَلَمَّا قَالَ هُمَا سَوَاءٌ
[ ٢ / ٣٩٣ ]
عَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ أَيَّامَ الْعَادَةِ ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا لَا فَرْقَ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا هَذَا وَالْعِبَارَةُ عَنْهُ أَنَّ حُكْمَ مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ حُكْمُ مَا وَرَاءَ الْعَادَةِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي حُكْمُ مَرَدِّهَا حُكْمُ أَيَّامِ الْعَادَةِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْوَجْهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
اعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ الصُّفْرَةِ مِمَّا يَعُمُّ وُقُوعُهُ وَتَكْثُرُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَيَعْظُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فنوضح أصلها بأمثلة مُخْتَصَرَةً: قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ إذَا رَأَتْ الْمُبْتَدَأَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ مَا بَيْنَهُمَا صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ الْجَمِيعُ حَيْضٌ وَعَلَى الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ لَيْسَ بِحَيْضٍ فَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي وَلَهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ
* وَلَوْ رَأَتْ أَيَّامًا سَوَادًا ثُمَّ صُفْرَةً وَلَمْ يُجَاوِزْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ الْجَمِيعُ حَيْضٌ وَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ الْأَسْوَدُ حَيْضٌ وَالْبَاقِي طُهْرٌ وَلَا يَخْفَى قِيَاسُ الْبَاقِينَ
* وَلَوْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ سَوَادًا ثُمَّ أَيَّامًا صُفْرَةً فَعَلَى الْمَذْهَبِ الْجَمِيعُ حَيْضٌ وَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ كُلُّهُ دَمُ فساد
* ولو رأت خمسة صفرة ثم خمسة سَوَادًا ثُمَّ انْقَطَعَ فَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ حَيْضُهَا السَّوَادُ وَعَلَى الْمَذْهَبِ حُكْمُهَا حُكْمُ مِنْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ يأتي بيانها ان شساء اللَّهُ تَعَالَى أَصَحُّهَا الْجَمِيعُ حَيْضٌ وَالثَّانِي الْأَسْوَدُ حَيْضٌ وَالصُّفْرَةُ دَمُ فَسَادٍ
* وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً صُفْرَةً ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ سَوَادًا فَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ حَيْضُهَا السَّوَادُ وَعَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا حَيْضُهَا حَيْضُ الْمُبْتَدَأَةِ مِنْ أَوَّلِ الْأَصْفَرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَالثَّانِي حَيْضُهَا السَّوَادُ وَالثَّالِثُ حَيْضُهَا الصُّفْرَةُ لِسَبْقِهَا وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَسَيَأْتِي إيضَاحُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ فِي فَصْلِ الْمُمَيِّزَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
* وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً صُفْرَةً ثُمَّ سِتَّةَ عَشَرَ سَوَادًا فَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ حَيْضُهَا حَيْضُ الْمُبْتَدَأَةِ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ وَعَلَى الْمَذْهَبِ حَيْضُهَا حَيْضُ الْمُبْتَدَأَةِ مِنْ أَوَّلِ الصُّفْرَةِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فَإِنَّ
حَيْضَهَا الصُّفْرَةُ
* وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً صُفْرَةً فَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ حَيْضُهَا عَشَرَةٌ السَّوَادُ وَالْحُمْرَةُ وَعَلَى الْمَذْهَبِ حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ
* وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً صُفْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَهَا حُكْمُ مَنْ رَأَتْ عَشَرَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا وَفِيهَا الاوجه الثلاثة
[ ٢ / ٣٩٤ ]
الْأَصَحُّ الْجَمِيعُ حَيْضٌ وَالثَّانِي الْحَيْضُ الْأَسْوَدُ وَالثَّالِثُ فَاقِدَةُ التَّمْيِيزِ وَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ الْحُمْرَةُ وَالسَّوَادُ حَيْضٌ وَفِي الصُّفْرَةِ بَيْنَهُمَا الْقَوْلَانِ فِي النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ
* أَمَّا الْمُعْتَادَةُ فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَرَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً صُفْرَةً فَعَلَى الْمَذْهَبِ الْجَمِيعُ حَيْضٌ وَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ حَيْضُهَا الْأَسْوَدُ: وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً صُفْرَةً فَعَلَى الْمَذْهَبِ الصُّفْرَةُ حَيْضٌ ثَانٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّوَادِ طُهْرٌ كَامِلٌ وَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ الصُّفْرَةُ دَمُ فَسَادٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ وَلَوْ كَانَ عَادَتُهَا عَشْرَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَرَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ عَشَرَةً صُفْرَةً وَانْقَطَعَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ الْجَمِيعُ حَيْضٌ لِأَنَّهُ فِي مُدَّةِ الْإِمْكَانِ وَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي حَيْضُهَا عَشَرَةٌ خَمْسَةُ السَّوَادِ مَعَ خَمْسَةٍ مِنْ أَوَّلِ الصُّفْرَةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ: وَلَوْ كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةً فَرَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً صُفْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً أَوْ سَوَادًا وَانْقَطَعَ فَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ السَّوَادُ وَالْحُمْرَةُ حَيْضٌ وَفِي الصُّفْرَةِ بَيْنَهُمَا الْقَوْلَانِ فِي النَّقَاءِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ السَّوَادُ وَالْحُمْرَةُ حَيْضٌ وَفِي الصُّفْرَةِ الْقَوْلَانِ فِي النَّقَاءِ كَمَا قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ قَالَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَاقِي الْمَسَائِلِ حَيْثُ حَكَمْنَا بِأَنَّ الصُّفْرَةَ فِي مُدَّةِ الْإِمْكَانِ حَيْضٌ إذَا تَأَخَّرَتْ عَنْ السَّوَادِ أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْحَيْضِ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِهِ قَوِيًّا أَسْوَدَ ثَخِينًا ثُمَّ يَرِقُّ فَيَحْمَرُّ ثُمَّ يَصْفَرُّ ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَتَكُونُ الصُّفْرَةُ مِنْ بَقَايَا الْحَيْضِ فَحُكِمَ بِأَنَّهَا حَيْضٌ وَأَمَّا هُنَا فهذه الصفرة يعقبها حمرة فعلمنا انه لَيْسَتْ بَقِيَّةَ حَيْضٍ لِأَنَّهُ لَا يَضْعُفُ ثُمَّ يَقْوَى وَإِنَّمَا اصْفَرَّ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ فَكَانَ نَقَاءً بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ
* هَكَذَا نَقَلَ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَلَمْ يُخَالِفَاهُ بَلْ قَرَّرَاهُ وَحَكَى صَاحِبُ الشَّامِلِ هَذَا عَنْ أَبِي حَامِدٍ وأنكره وقال هذا لا يجئ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا مَذْهَبِ ابْنِ سُرَيْجٍ
لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الصُّفْرَةَ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ حَيْضٌ وانما يجئ عَلَى قَوْلِ الْإِصْطَخْرِيِّ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَحْرِ نَحْوَ قَوْلِ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْجَمِيعَ حَيْضٌ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُمَا فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ حَيْضٌ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْعَادَةِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ عَنْ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وأبي حنيفة ومحمد وأحمد واسحق وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الصُّفْرَةُ حَيْضٌ وَالْكُدْرَةُ لَيْسَتْ
[ ٢ / ٣٩٥ ]
بِحَيْضٍ إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا دَمٌ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إنْ تَقَدَّمَهَا دَمٌ فَهُمَا حَيْضٌ وَإِلَّا فَلَا قَالَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمَا حَيْضٌ فِي مُدَّةِ الْإِمْكَانِ وَخَالَفَهُ الْبَغَوِيّ فَقَالَ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا تَكُونُ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضًا وَمَدَارُ أَدِلَّةِ الْجَمِيعِ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ في الكتاب والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَإِنْ عَبَرَ الدَّمُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَقَدْ اخْتَلَطَ حَيْضُهَا بِالِاسْتِحَاضَةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ مُبْتَدَأَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ أَوْ مُبْتَدَأَةً مُمَيِّزَةً أَوْ مُعْتَادَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ أَوْ مُعْتَادَةً مُمَيِّزَةً أَوْ نَاسِيَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ أَوْ نَاسِيَةً مُمَيِّزَةً فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ وَهِيَ الَّتِي بَدَأَ بِهَا الدَّمُ وَعَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَالدَّمُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا تَحِيضُ أَقَلَّ الْحَيْضِ لِأَنَّهُ يَقِينٌ وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَالثَّانِي تُرَدُّ إلَى غَالِبِ عَادَةِ النِّسَاءِ وَهُوَ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِقَوْلِهِ ﷺ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ: تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ: وَلِأَنَّهُ لَوْ كان لها عادة ردت إليها لان حَيْضَهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ كَحَيْضِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حَيْضَهَا كَحَيْضِ نِسَائِهَا وَلِدَاتِهَا فَرُدَّتْ إلَيْهَا وَإِلَى أي عادة ترد فيه وجهان احدهما إلَى غَالِبِ عَادَةِ النِّسَاءِ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ وَالثَّانِي إلَى عَادَةِ نِسَاءِ بَلَدِهَا وَقَوْمِهَا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهِنَّ فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فِي أحد القولين وعند انقضاء الست والسبع في الآخر
[ ٢ / ٣٩٦ ]
لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِالشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ وَأَنَّ حُكْمَهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا تَقْضِي مَا يأتي به بعد الخمسة عشر وفيما يأتي بِهِ قَبْلَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا تَقْضِيه لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ صَادَفَ زَمَانَ الْحَيْضِ فَلَزِمَهَا قَضَاؤُهُ كَالنَّاسِيَةِ وَالثَّانِي لَا تَقْضِي وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهَا صَامَتْ فِي زَمَانٍ حَكَمْنَا بِالطُّهْرِ فِيهِ بِخِلَافِ النَّاسِيَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ لَهَا بِحَيْضٍ ولا طهر] [الشَّرْحُ] حَدِيثُ حَمْنَةَ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ مَعَ بَيَانِ اسْمِهَا وَبَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ مُعْتَادَةً وَالْمُبْتَدَأَةُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الدَّالِ وَهِيَ الَّتِي ابْتَدَأَهَا الدَّمُ وَلَمْ تَكُنْ رَأَتْهُ وَالْمُمَيِّزَةُ بِكَسْرِ الْيَاءِ فَاعِلَةٌ مِنْ التَّمْيِيزِ وَقَوْلُهُ كَحَيْضِ نِسَائِهَا وَلِدَاتِهَا هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَمَعْنَاهُ أقرانها
* أما أَحْكَامُ الْمَسْأَلَةِ فَلَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ حُكْمِ الْحَائِضِ إذَا لَمْ يُجَاوِزْ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ انْتَقَلَ إلَى بَيَانِ حُكْمِ الْمُسْتَحَاضَاتِ وَهُنَّ مَنْ جَاوَزَ دَمُهُنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَاخْتَلَطَ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ وَهُنَّ مُنْقَسِمَاتٌ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا (إحْدَاهُنَّ) الْمُبْتَدَأَةُ وَهِيَ الَّتِي ابْتَدَأَهَا الدَّمُ لِزَمَانِ الامكان وجاور خَمْسَةَ عَشَرَ وَهُوَ عَلَى لَوْنٍ أَوْ عَلَى لَوْنَيْنِ وَلَكِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ التَّمْيِيزِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَفِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ ﵀
[ ٢ / ٣٩٧ ]
فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَحَدُهُمَا حَيْضُهَا يوم وليلة من أول الدم والثاني ستة أو سبعة وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَصَحِّهِمَا فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ في كتابه المستخص وسليم الرازي في رؤس الْمَسَائِلِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ قَوْلَ السِّتِّ أَوْ السَّبْعِ وَصَحَّحَ الْجُمْهُورُ فِي الطَّرِيقَيْنِ قَوْلَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُمْ ابْنُ الْقَاصِّ فِي الْمِفْتَاحِ وَالتَّلْخِيصِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ فِي الْكَافِي وَبَابِ الْحَيْضِ فِي آخِرِ كِتَابِهِ وَلَهُ اصْطِلَاحٌ غريب في ترتيب كتابه وأبو الحسن ابن خَيْرَانَ فِي كِتَابِهِ اللَّطِيفِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الْكَافِي
وَآخَرُونَ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ ابْتِدَاءُ حَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِ رُؤْيَةِ الدَّمِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قُلْنَا حَيْضُهَا سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ فَبَاقِي الشَّهْرِ طُهْرٌ وَهُوَ تَمَامُ الدَّوْرِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَهَكَذَا يَكُونُ دَوْرُهَا أَبَدًا ثَلَاثِينَ مِنْهَا سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ حَيْضٌ وَالْبَاقِي طُهْرٌ وَإِنْ قُلْنَا حَيْضُهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَفِي طُهْرِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ هَكَذَا حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَوْجُهًا وَحَكَاهَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ أَقْوَالًا أَصَحُّهَا وَأَشْهُرُهَا أَنَّهُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا تَمَامَ الشَّهْرِ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَحَّحَهُ شَيْخُهُمْ الْقَفَّالُ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الدَّوْرَ ثَلَاثُونَ فَإِذَا ثَبَتَ لِلْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ تَعَيَّنَ الْبَاقِي لِلطُّهْرِ وَلِأَنَّ الرَّدَّ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الْحَيْضِ إنَّمَا كَانَ لِلِاحْتِيَاطِ فَالِاحْتِيَاطُ فِي الطُّهْرِ أَنْ يَكُونَ بَاقِي الشَّهْرِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الطُّهْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَيَكُونُ دَوْرُهَا سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا أَبَدًا مِنْهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَيْضٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ لِأَنَّهَا
[ ٢ / ٣٩٨ ]
رُدَّتْ إلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ وَتُرَدُّ إلَى أَقَلِّ الطُّهْرِ وَهَذَا الْوَجْهُ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَكَذَا رَأَيْته أَنَا فِي الْبُوَيْطِيِّ نَصَّا صَرِيحًا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَهَذَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْوَجْهُ اتِّبَاعُ لَفْظٍ وَإِعْرَاضٌ عَنْ الْمَعْنَى لِأَنَّ الرَّدَّ إلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ إنَّمَا كَانَ لِتَكْثُرَ صَلَاتُهَا فَإِذَا رُدَّتْ إلَى أَقَلِّ الطُّهْرِ عَاجَلَهَا الْحَيْضُ فَقَلَّتْ صَلَاتُهَا وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ تُرَدُّ إلَى غَالِبِ الطُّهْرِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَقَالَ إنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَدَلِيلُهُ أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الرَّدُّ إلَى الْغَالِبِ خَالَفَنَا فِي الْحَيْضِ لِلِاحْتِيَاطِ وَلَيْسَ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ احْتِيَاطٌ فَبَقَّيْنَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فَعَلَى هَذَا يُرَدُّ إلَى الْغَالِبِ مِنْ غَالِبِ الطُّهْرِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ عَلَى هَذَا تُرَدُّ إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ وَالِدِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* قَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالْمُتَوَلِّي وَإِذَا قُلْنَا تُرَدُّ إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ فَهَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَهُمْ وَحَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الِانْتِخَابِ وَغَيْرُهُمْ
عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ السِّتِّ وَالسَّبْعِ فَإِنْ شَاءَتْ جَعَلَتْ حَيْضَهَا سِتًّا وَإِنْ شَاءَتْ سَبْعًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَادَةٌ وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْبُلْغَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ ابى اسحق المروزى قال الرافعى وزعم الخياطي أَنَّهُ الْأَصَحُّ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلتَّخْيِيرِ بَلْ لِلتَّقْسِيمِ فَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ النِّسَاءِ سِتًّا فَحَيْضُهَا سِتٌّ وَإِنْ كَانَتْ سَبْعًا فَسَبْعٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَحَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْمُتَوَلِّي قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَخَيُّلُ التَّخْيِيرِ مُحَالٌ فَعَلَى هَذَا فِي النِّسَاءِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا نِسَاءُ زَمَانِهَا فِي الدُّنْيَا كُلِّهَا لِظَاهِرِ حَدِيثِ حَمْنَةَ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ وَالثَّانِي نِسَاءُ بَلَدِهَا وَنَاحِيَتِهَا وَالثَّالِثُ نِسَاءُ عَصَبَتِهَا خَاصَّةً حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ كَالْمَهْرِ وَالرَّابِعُ وَهُوَ الْأَصَحُّ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ نِسَاءُ قَرَابَاتِهَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ جَمِيعًا هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ
[ ٢ / ٣٩٩ ]
الْبَغَوِيّ وَجَمَاعَاتٌ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ فَعَلَى هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نِسَاءُ عَشِيرَةٍ اُعْتُبِرَ نِسَاءُ بَلَدِهَا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهِنَّ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي ثُمَّ إنْ كَانَ عَادَةُ النِّسَاءِ الْمُعْتَبَرَاتِ سِتًّا فَحَيْضُ هَذِهِ سِتٌّ وَإِنْ كَانَتْ سَبْعًا فَسَبْعٌ وَإِنْ كَانَتْ دُونَ سِتٍّ أَوْ فَوْقَ سَبْعٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ أَصَحُّهُمَا تُرَدُّ إلَى السِّتِّ إنْ كانت عادتهن دونها والى السبع ان كات فَوْقَهَا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَدِيثِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَادَّعَى الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ وَالثَّانِي تُرَدُّ إلَى عَادَتِهِنَّ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَهَذَا أَقْيَسُ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالنِّسَاءِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُنَّ يَحِضْنَ سِتًّا وَبَعْضُهُنَّ يَحِضْنَ سَبْعًا فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ تُرَدُّ إلَى السِّتِّ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ إنْ اسْتَوَى الْبَعْضَانِ فَإِلَى السِّتِّ وَإِلَّا فَالِاعْتِبَارُ بِغَالِبِ النِّسْوَةِ وَلَوْ حَاضَ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ سَبْعٍ وَبَعْضُهُنَّ دُونَ سِتٍّ فَحَيْضُهَا السِّتُّ هَذَا بَيَانُ مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ ثُمَّ مَا حُكِمَ بِأَنَّهُ حَيْضٌ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ فَلَهَا فِيهِ حُكْمُ الْحَائِضِ فِي كل شئ وَمَا فَوْقَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ لَهَا فِيهِ حُكْمُ الطاهرات في كل شئ وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْمَرَدِّ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي جَمِيعِ كُتُبِ الْأَصْحَابِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ
الْأُمِّ وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجْهَيْنِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّ لها فيه حكم الطاهرات في كل شئ فَيَصِحُّ صَوْمُهَا وَصَلَاتُهَا وَطَوَافُهَا وَتَحِلُّ لَهَا الْقِرَاءَةُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالْجِمَاعُ وَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا تَفْعَلُهُ فِيهِ وَيَصِحُّ قَضَاءُ مَا تَقْضِيه فِيهِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَطَوَافٍ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ هَذِهِ فَائِدَةُ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ أَوْ السِّتَّ أَوْ السَّبْعَ حَيْضٌ لِيَكُونَ الْبَاقِي طُهْرًا وَقِيَاسًا عَلَى الْمُمَيِّزَةِ وَالْمُعْتَادَةِ فَإِنَّ مَا سِوَى أَيَّامِ تَمْيِيزِهَا وَعَادَتِهَا يَكُونُ طُهْرًا بِلَا خِلَافٍ فَكَذَا الْمُبْتَدَأَةُ وَالثَّانِي أَنَّهَا تُؤْمَرُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ بِالِاحْتِيَاطِ الَّذِي تُؤْمَرُ بِهِ الْمُتَحَيِّرَةُ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَلَا تَقْرَأُ وَلَا تُوطَأُ وَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ الَّذِي أَدَّتْهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَلَا تَقْضِي الصَّلَوَاتِ الْمُؤَدَّيَاتِ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا وَلَا يجئ فِيهِ الْخِلَافُ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ الْمُتَحَيِّرَةِ وَدَلِيلُ هذا
[ ٢ / ٤٠٠ ]
الْقَوْلِ أَنَّ هَذَا الزَّمَانَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ طُهْرٌ وَأَنَّهُ حَيْضٌ فَأَشْبَهَتْ الْمُتَحَيِّرَةَ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا إذَا رُدَّتْ إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ كَانَ ذَلِكَ حَيْضًا بِيَقِينٍ وَفِيمَا وَرَاءَهُ الْقَوْلَانِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ السِّتِّ وَالسَّبْعِ حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَفِيمَا بَعْدَهُ إلَى تَمَامِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ الْقَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيُحْتَاطُ فِيهِ فَتَغْتَسِلُ وَتَقْضِي صَلَوَاتِهِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا رَدَدْنَا الْمُبْتَدَأَةَ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ حَالُ طُهْرٍ بِيَقِينٍ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ وَحَالُ حَيْضٍ بِيَقِينٍ وَهُوَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ وَحَالُ طُهْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ وَهُوَ مَا بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَى آخِرِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَإِنْ رَدَدْنَاهَا إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ فَلَهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ حَالُ طُهْرٍ بِيَقِينٍ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ وَحَالُ حَيْضٍ بِيَقِينٍ وَهُوَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ وَحَالُ حَيْضٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ وَهُوَ مَا بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَى آخِرِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَحَالُ طُهْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ وَهُوَ مَا بَعْدَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ إلَى آخِرِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ إذَا رَأَتْ الْمُبْتَدَأَةُ الدَّمَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهَا أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ رَجَاءَ أَنْ يَنْقَطِعَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَهَا فَيَكُونُ كُلُّهُ حَيْضًا فَإِذَا اسْتَمَرَّ وَجَاوَزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ عَلِمْنَا أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ وَفِي مَرَدِّهَا الْقَوْلَانِ فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي
الشَّهْرِ الثَّانِي وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمَرَدِّ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَلَا تُمْسِكُ إلَى آخِرِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ لِأَنَّا عَلِمْنَا بِالشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حَالَهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ كَحَالِهَا فِي الْأَوَّلِ وَهَكَذَا حُكْمُ الشَّهْرِ الثَّالِثِ وَمَا بَعْدَهُ وَمَتَى انْقَطَعَ الدَّمُ فِي بَعْضِ الشُّهُورِ لِخَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونَهَا تَبَيَّنَّا أَنَّ جَمِيعَ الدَّمِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ حَيْضٌ فَيُتَدَارَكُ مَا يَنْبَغِي تَدَارُكُهُ مِنْ صَوْمٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا فَعَلَتْهُ بَعْدَ الْمَرَدِّ وَتَبَيَّنَّا أَنَّ غُسْلَهَا بَعْدَ الْمَرَدِّ لَمْ يَصِحَّ لِوُقُوعِهِ فِي الْحَيْضِ وَلَا إثْمَ عَلَيْهَا فِيمَا فَعَلَتْهُ بَعْدَ الْمَرَدِّ مِنْ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَتَثْبُتُ الاستحاضة بمرة واحدة بلا خلاف ولا يجئ فِيهَا الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ فِي ثُبُوتِ الْعَادَةِ فِي قَدْرِ الْحَيْضِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْعَادَةُ فِي بَابِ الْحَيْضِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا مَا يَثْبُتُ فِيهِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ الِاسْتِحَاضَةُ لِأَنَّهَا عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ فَإِذَا وَقَعَتْ فَالظَّاهِرُ دَوَامُهَا وَيَبْعُدُ زَوَالُهَا وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمُبْتَدَأَةُ وَالْمُعْتَادَةُ وَالْمُمَيِّزَةُ
[ ٢ / ٤٠١ ]
(الثَّانِي) مَا تَثْبُتُ فِيهِ الْعَادَةُ بِمَرَّتَيْنِ وَفِي ثُبُوتِهِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ الثُّبُوتُ وَهُوَ قَدْرُ الْحَيْضِ (الثَّالِثُ) لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَلَا مَرَّاتٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ التَّوَقُّفُ بِسَبَبِ تَقَطُّعِ الدَّمِ إذَا كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً كَمَا سَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شاء الله (الرَّابِعُ) لَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ فِيهِ بِمَرَّةٍ وَلَا مَرَّاتٍ مُتَكَرِّرَاتٍ بِلَا خِلَافٍ وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَرَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً وَاسْتَمَرَّتْ لَهَا أَدْوَارٌ هَكَذَا ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَا يُلْتَقَطُ لَهَا قَدْرُ أَيَّامِ الدَّمِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قُلْنَا باللقط لو لم يطبق الدم قالوا وكذلو وَلَدَتْ مَرَّاتٍ وَلَمْ تَرَ نِفَاسًا أَصْلًا ثُمَّ وَلَدَتْ وَأَطْبَقَ الدَّمُ وَجَاوَزَ سِتِّينَ يَوْمًا لَمْ يَصِرْ عَدَمُ النِّفَاسِ عَادَةً بِلَا خِلَافٍ بَلْ هَذِهِ مُبْتَدَأَةٌ فِي النِّفَاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا لَمْ تَعْرِفْ الْمُبْتَدَأَةُ وَقْتَ ابْتِدَاءِ دَمِهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُتَحَيِّرَةِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ: حَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ زُفَرَ تُرَدُّ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ والثوري واسحق إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ عِنْدَهُ وَهُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفُ تُرَدُّ فِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وهو أقل الحيض عنده وفى الوطئ إلَى أَكْثَرِهِ احْتِيَاطًا لِلْأَمْرَيْنِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ خَمْسَةَ
عَشَرَ يَوْمًا وَرِوَايَةٌ كَأَقْرَانِهَا وَعَنْ دَاوُد إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَدَلَائِلُهَا تُعْرَفُ مِمَّا سَبَقَ والله أعلم
*
* قال المصنف ﵀
* [وان كانت مبتدأة مميزة هي والتى بدأ بها الام وَعَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَدَمُهَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بصفة دم الحيض وهو المحتدم القاني الَّذِي يَضْرِبُ إلَى السَّوَادِ وَفِي بَعْضِهَا أَحْمَرُ مُشْرِقٌ أَوْ أَصْفَرُ فَإِنَّ حَيْضَهَا أَيَّامُ السَّوَادِ بشرطين (احدهما) ألا يَنْقُصُ الْأَسْوَدُ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالثَّانِي أَلَّا يَزِيدَ عَلَى أَكْثَرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ ﵂ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِّي أُسْتَحَاضُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ ﷺ (إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ وإذا كان الآخر فتوضئ وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ) وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ فَجَازَ أَنْ يُرْجَعَ إلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ كَالْمَنِيِّ وَإِنْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ يوما
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وَلَيْلَةً دَمًا أَسْوَدَ ثُمَّ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِجَوَازِ أَنْ لَا تُجَاوِزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ حَيْضًا وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي يَلْزَمُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ تَغَيُّرِ الدَّمِ وَتُصَلِّيَ وَتَصُومَ لِأَنَّا عَلِمْنَا بِالشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فَإِنْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ السَّوَادَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ وَفِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ رَأَتْ السَّوَادَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ كَانَ حَيْضُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ الْأَسْوَدَ]
* [الشَّرْحُ] حَدِيثُ فَاطِمَةَ ﵂ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِلَفْظِهِ هُنَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ مِنْ رِوَايَةِ فَاطِمَةَ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ﵂ وَقَوْلُهُ ﷺ (انما هو عرق) هو بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ أَيْ دَمُ عِرْقٍ وَهَذَا الْعِرْقُ يُسَمَّى الْعَاذِلُ؟؟ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَقَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ عِرْقٌ انْقَطَعَ مُنْكَرٌ فَلَا يُعْرَفُ لَفْظَةُ انْقَطَعَ فِي الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ الْمُحْتَدِمُ هُوَ بِالْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ اللَّذَّاعُ لِلْبَشَرَةِ بِحِدَّتِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ احْتِدَامِ النَّهَارِ وَهُوَ اشْتِدَادُ حَرِّهِ وَهَكَذَا فَسَّرَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ الْمُحْتَدِمَ الَّذِي اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ حَتَّى أَسْوَدَّ وَالْفِعْلُ مِنْهُ احْتَدَمَ وَأَمَّا الْقَانِئُ فَبِالْقَافِ وَآخِرُهُ همزة علي ورن الْقَارِئِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ فَصَارَ يَضْرِبُ إلَى السَّوَادِ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ الَّذِي
اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ وَالْفِعْلُ مِنْهُ قَنَأَ يَقْنَأُ كَقَرَأَ يَقْرَأُ وَالْمَصْدَرُ الْقُنُوءُ كَالرُّجُوعِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي أَنَّ آخِرَهُ مَهْمُوزٌ وَنَبَّهْتُ عَلَى هَذَا لِأَنِّي رَأَيْت مَنْ يَغْلَطُ فِيهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَسْوَدِ فِي الْحَدِيثِ وَفِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا الْأَسْوَدَ الْحَالِكَ بَلْ الْمُرَادُ مَا تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ مُجَسَّدَةُ كَأَنَّهَا سَوَادٌ بِسَبَبِ تَرَاكُمِ الْحُمْرَةِ وَقَدْ أشار المصنف في وصفه إلى هذا
* امام احكام الفصل فمذهبنا ان المبتدأة المميزة ترد الي التمييز بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُمَيِّزَةُ هِيَ الَّتِي تَرَى الدَّمَ عَلَى نَوْعَيْنِ أَوْ أَنْوَاعٍ بَعْضُهَا قَوِيٌّ وَبَعْضُهَا ضَعِيفٌ أَوْ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ فَالْقَوِيُّ أَوْ الْأَقْوَى حَيْضٌ وَالْبَاقِي طُهْرٌ وَبِمَاذَا يُعْرَفُ تَغَيُّرُ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّوْنِ وَحْدَهُ فَالْأَسْوَدُ قَوِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَحْمَرُ قَوِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْقَرِ وَالْأَشْقَرُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْفَرِ وَالْأَكْدَرِ إذَا جَعَلْنَاهُمَا حَيْضًا وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَادَّعَى الْإِمَامُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ لَوْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا مَعَ الرَّائِحَةِ وَخَمْسَةً سَوَادًا بِلَا رَائِحَةٍ فَهُمَا دَمٌ وَاحِدٌ بِالِاتِّفَاقِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْقُوَّةَ تَحْصُلُ بِثَلَاثِ خِصَالٍ وَهِيَ
[ ٢ / ٤٠٣ ]
اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ وَالثَّخَانَةُ فَاللَّوْنُ مُعْتَبَرٌ كَمَا سبق وماله رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أَقْوَى مِمَّا لَا رَائِحَةَ لَهُ وَالثَّخِينُ أَقْوَى مِنْ الرَّقِيقِ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ قَالَ فِي صِفَةِ دَمِ الْحَيْضِ إنَّهُ مُحْتَدِمٌ ثَخِينٌ لَهُ رَائِحَةٌ وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ التَّعَرُّضُ لِغَيْرِ اللَّوْنِ كَمَا وَرَدَ التَّعَرُّضُ لِلَّوْنِ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ بَعْضُ دَمِهَا بِإِحْدَى الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ وَالْبَعْضُ خَالِيًا مِنْ جَمِيعِهَا فَالْقَوِيُّ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِهَا وَإِنْ كَانَ لِلْبَعْضِ صفة وللبعض صفتان فالقوى ماله صِفَتَانِ وَإِنْ كَانَ لِلْبَعْضِ صِفَتَانِ وَلِلْبَعْضِ ثَلَاثٌ فالقوى ماله ثَلَاثٌ وَإِنْ كَانَ لِلْبَعْضِ صِفَةٌ وَلِلْبَعْضِ صِفَةٌ أُخْرَى فَالْقَوِيُّ السَّابِقُ هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ وَهَذِهِ صِفَةُ التَّمْيِيزِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِالتَّمْيِيزِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَلَّا يَنْقُصَ الْقَوِيُّ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا يَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَا يَنْقُصَ الضَّعِيفُ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ لِيُمْكِنَ جَعْلُ الْقَوِيِّ حَيْضًا وَالضَّعِيفِ طُهْرًا وَأَخَلَّ الْمُصَنِّفُ واكثر العراقيين بهذا الشرط الثالث ولابد مِنْهُ فَلَوْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ أَسْوَدَ ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَاتَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَلَوْ رَأَتْ سِتَّةَ عَشَرَ أَسْوَدَ ثُمَّ أَحْمَرَ فَاتَ الشَّرْطُ الثَّانِي وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَسْوَدَ ثُمَّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَحْمَرَ ثُمَّ عَادَ الْأَسْوَدُ فَاتَ
الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَتَكُونُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ الضَّعِيفُ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ارادوا خَمْسَةَ عَشَرَ مُتَّصِلَةً وَإِلَّا فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ وَيَوْمَيْنِ أَحْمَرَ وَهَكَذَا أَبَدًا فَجُمْلَةُ الضَّعِيفِ فِي الشَّهْرِ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ لَكِنْ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَمْيِيزًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ شُرُوطَ التَّمْيِيزِ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي شَرْطًا رَابِعًا وَهُوَ أَنْ لَا يَزِيدَ مَجْمُوعُ الدَّمَيْنِ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَإِنْ زَادَ سَقَطَ حُكْمُ التَّمْيِيزِ لِأَنَّ الثَّلَاثِينَ لَا تَخْلُو غَالِبًا مِنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّ الضَّعِيفَ إنْ كَانَ مَعَ الْقَوِيِّ الَّذِي قَبْلَهُ تِسْعِينَ يَوْمًا فَمَا دُونَهَا عَمِلْنَا بالتمييز وجعلنا الضعيف طهرا فان جاوز التسعين ابتدأت بعد التسعين حيضة أخرى وَجَعَلْنَا دَوْرَهَا أَبَدًا تِسْعِينَ يَوْمًا وَهَذَا الَّذِي ذكره الامام المتولي شَاذَانَ ضَعِيفَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قِصَرِ الزَّمَانِ وَطُولِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا رَأَتْ الْأَسْوَدَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ اتَّصَلَ بِهِ أَحْمَرُ قَبْلَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تُمْسِكَ فِي مُدَّةِ الْأَحْمَرِ عَمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَنْقَطِعَ الْأَحْمَرُ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْمَجْمُوعِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ حَيْضًا فَإِنْ جَاوَزَ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
خَمْسَةَ عَشَرَ عَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ مُمَيِّزَةٌ فَيَكُونُ حَيْضُهَا الْأَسْوَدَ وَيَكُونُ الْأَحْمَرُ طُهْرًا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ عَقِبَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَتَقْضِي صَلَوَاتِ أَيَّامِ الْأَحْمَرِ وَقَوْلُهُمْ الْأَسْوَدُ وَالْأَحْمَرُ تَمْثِيلٌ وَإِلَّا فَالِاعْتِبَارُ بِالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ كَيْفَ كَانَ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ صِفَاتِهِمَا هَذَا حُكْمُ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فَأَمَّا الشَّهْرُ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ فَإِذَا انْقَلَبَ الدَّمُ الْقَوِيُّ إلَى الضَّعِيفِ لَزِمَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ انْقِلَابِهِ وَتُصَلِّيَ وَتَصُومَ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَلَا يَنْتَظِرُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قَالُوا وَلَا يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْعَادَةِ فِي قَدْرِ الْحَيْضِ بِمَرَّةٍ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ فَالظَّاهِرُ دَوَامُهَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي الفرع السابق فان انقطاع الضَّعِيفُ فِي بَعْضِ الْأَدْوَارِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا تَبَيَّنَّا أَنَّ الضَّعِيفَ مَعَ الْقَوِيِّ فِي هَذَا الدَّوْرِ كَانَ حَيْضًا فَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ الصوم والطواف والاعتكاف الْوَاجِبَاتِ الْمَفْعُولَاتِ فِي أَيَّامِ الضَّعِيفِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ: وَلَوْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ الدَّمَ الْقَوِيَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ ضَعُفَ وَفِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ خَمْسَةً ثُمَّ ضَعُفَ وَفِي الْخَامِسِ سِتَّةً ثُمَّ ضَعُفَ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ فَحَيْضُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ الْقَوِيُّ
وَيَكُونُ الضَّعِيفُ طُهْرًا بِشُرُوطِهَا وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ أَبَدًا عِنْدَ انْقِلَابِ الدَّمِ إلَى الضَّعِيفِ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَمَتَى انْقَطَعَ الضَّعِيفُ فِي شَهْرٍ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالْأَصْحَابُ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ كَانَ الْقَوِيُّ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ بِقَدْرِ الْقَوِيِّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا لَيْسَ بِسَبَبِ الْعَادَةِ بَلْ الْمُعْتَمَدُ صِفَةُ الدَّمِ فَمَتَى وُجِدَتْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا *
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* [وَإِنْ رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ ثُمَّ أَحْمَرَ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ فَالْحَيْضُ هُوَ الْأَسْوَدُ وَمَا قَبْلَ الْأَسْوَدِ وَبَعْدَهُ اسْتِحَاضَةٌ وَخَرَّجَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَجْهَيْنِ ضَعِيفَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا تَمْيِيزَ لها لان الخمسة الاولى دَمٌ بَدَأَ فِي وَقْتٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ أُولَى أَنْ تَكُونَ حَيْضًا لِأَنَّهَا فِي وَقْتٍ يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ وَقَدْ انْضَمَّ إليه علامة الحيض وما بعدهما بِمَنْزِلَتِهِمَا فَيَصِيرُ كَأَنَّ الدَّمَ كُلَّهُ مُبْهَمٌ فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ حَيْضَهَا الْعَشْرُ الْأُوَلُ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ الاولة حَيْضٌ بِحُكْمِ الْبِدَايَةِ فِي وَقْتٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ حَيْضٌ بِاللَّوْنِ وَأَنْ رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَحْمَرَ ثُمَّ رَأَتْ دَمًا أَسْوَدَ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ فَهِيَ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ لِأَنَّ السَّوَادَ زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَبَطَلَ دَلَالَتُهُ فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ وَخَرَّجَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَجْهًا أَنَّ ابْتِدَاءَ حَيْضِهَا مِنْ
[ ٢ / ٤٠٥ ]
أَوَّلِ الْأَسْوَدِ إمَّا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَإِمَّا سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ لِأَنَّهُ بِصِفَةِ دَمِ الْحَيْضِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا اللَّوْنَ لَا حُكْمَ لَهُ إذَا عَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَإِنْ رَأَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَحْمَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَسْوَدَ وَانْقَطَعَ فَحَيْضُهَا الْأَسْوَدُ وَإِنْ اسْتَمَرَّ الْأَسْوَدُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً فَيَكُونُ حيضها مِنْ ابْتِدَاءِ الدَّمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي الْقَوْلِ الْآخِرِ وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي خَرَّجَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ يكون حيضا من أول الْأَسْوَدِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا]
* [الشَّرْحُ] قَوْلُهُ الْأَوَّلَةَ هَذِهِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ الْأُولَى وَقَوْلُهُ كَأَنَّ الدَّمَ كُلَّهُ مُبْهَمٌ أَيْ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ: وَقَوْلُهُ بِحُكْمِ الْبِدَايَةِ هَكَذَا يُوجَدُ فِي الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَهُوَ لَحْنٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَصَوَابُهُ الْبَدْأَةُ وَالْبَدْأَةُ أَوْ الْبُدَاءَةُ ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشْهُورَاتٍ حَكَاهُنَّ الْجَوْهَرِيُّ
وَغَيْرُهُ الْأُولَى بِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْبَاءَ مَضْمُومَةٌ وَالثَّالِثَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَزِيَادَةِ الْأَلْفِ مَمْدُودَةٍ وَمَعْنَاهُنَّ الِابْتِدَاءُ قَبْلَ غَيْرِهِ: وَقَوْلُهُ دَلَالَتُهُ هِيَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا وَالْفَتْحُ أَجْوَدُ وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ حَكَاهَا الْجَوْهَرِيُّ دُلُولَةٌ بِضَمِّ الدَّالِ
* أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَإِذَا رَأَتْ الْمُمَيِّزَةُ دَمًا قَوِيًّا وَضَعِيفًا فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ حَالٌ يَتَقَدَّمُ الْقَوِيُّ وَحَالٌ يَتَقَدَّمُ الضَّعِيفُ وَحَالٌ يَتَوَسَّطُ الضَّعِيفُ بَيْنَ قَوِيَّيْنِ (الْحَالُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَتَقَدَّمَ قَوِيٌّ وَيَسْتَمِرَّ بَعْدَهُ ضَعِيفٌ وَاحِدٌ بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ احمرة فَالْحَيْضُ هُوَ السَّوَادُ سَوَاءٌ انْقَطَعَتْ الْحُمْرَةُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ وَإِنْ طَالَ زَمَانُهَا طُولًا كَثِيرًا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ انْقِطَاعِ الْأَحْمَرِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعِينَ وَهُمَا شَاذَانَ ضَعِيفَانِ وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ يُبْطِلُهُمَا لِإِطْلَاقِهِ أَنَّ الضَّعِيفَ طُهْرٌ وَلَوْ تَعَقَّبَ الْقَوِيَّ ضَعِيفٌ ثُمَّ أَضْعَفُ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ الْمُتَوَسِّطِ بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَةٌ أَصَحُّهُمَا إلْحَاقُ الْحُمْرَةِ بالسواد فيكونا حَيْضًا وَالصُّفْرَةُ طُهْرًا لِأَنَّهُمَا قَوِيَّانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصُّفْرَةِ وَهُمَا فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَالْبَغَوِيُّ وَالثَّانِي عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي إلْحَاقُ الْحُمْرَةِ بِالصُّفْرَةِ لِلِاحْتِيَاطِ فَيَكُونُ حَيْضُهَا الْأَسْوَدَ فَقَطْ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ فَطَرِيقَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وغيره أصحهما
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وَأَشْهُرُهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّ السَّوَادَ حَيْضٌ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ كِلَاهُمَا طُهْرٌ لِقُوَّةِ السَّوَادِ بِاللَّوْنِ وَالْأَوَّلِيَّةِ وَالثَّانِي عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا هَذَا وَالثَّانِي أَنَّهَا فَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ لِأَنَّ الْحُمْرَةَ كَالسَّوَادِ لِقُوَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَعْدَهَا فَيَصِيرُ كَأَنَّ السَّوَادَ اسْتَمَرَّ سِتَّةَ عَشَرَ أَمَّا إذَا تَعَقَّبَ الْقَوِيَّ ضَعِيفَانِ تَوَسَّطَ أَضْعَفُهُمَا بِأَنْ رَأَتْ سَوَادًا ثُمَّ صُفْرَةً ثُمَّ حُمْرَةً فَهَذِهِ الصُّورَةُ تُبْنَى عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ تَوَسُّطُ الْحُمْرَةِ فَإِنْ أَلْحَقْنَا هُنَاكَ الْحُمْرَةَ الْمُتَوَسِّطَةَ بِالصُّفْرَةِ بَعْدَهَا فَهُنَا أَوْلَى بِأَنْ نُلْحِقَ الصُّفْرَةَ بِالْحُمْرَةِ بَعْدَهَا فَيَكُونَ حيضها الاسود والباقي طهر وَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالسَّوَادِ قَبْلَهَا فَالْحُكْمُ هُنَا كَمَا إذَا رَأَتْ سَوَادًا ثُمَّ حُمْرَةً
ثُمَّ عَادَ السَّوَادُ وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَتَقَدَّمَ الضَّعِيفُ وَهِيَ مَسَائِلُ الْكِتَابِ وَلَهَا صُوَرٌ إحْدَاهَا أَنْ يَتَوَسَّطَ قَوِيٌّ بَيْنَ ضَعِيفَيْنِ بِأَنْ تَرَى خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ تُطْبِقُ الْحُمْرَةُ أَوْ تَرَى خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ عَشَرَةً سَوَادًا ثُمَّ تُطْبِقُ الْحُمْرَةُ فَفِيهَا الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ حَكَوْهَا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَصَحُّهَا بِاتِّفَاقِهِمْ أَنَّ حَيْضَهَا السَّوَادُ الْمُتَوَسِّطُ وَيَكُونُ مَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ طُهْرًا لِلْحَدِيثِ (دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَلِأَنَّ اللَّوْنَ عَلَامَةٌ بِنَفْسِهِ فَقُدِّمَ وَلِهَذَا قَدَّمْنَا التَّمْيِيزَ عَلَى الْعَادَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي أَنَّهَا فَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّعْلِيلِ وَلِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَمَلِ بِالتَّمْيِيزِ وَالْعُدُولُ عَنْ الْأَوَّلِيَّةِ مَعَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهَا بَعِيدٌ فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ فَتَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الْحُمْرَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي قَوْلٍ وَسِتًّا وَسَبْعًا فِي قَوْلٍ وَالثَّالِثُ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَوَّلِيَّةِ وَاللَّوْنِ فَيَكُونُ حَيْضُهَا الْحُمْرَةَ الْأُولَى مَعَ السَّوَادِ هَذَا إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ سَوَادًا فَإِنْ قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ
[ ٢ / ٤٠٧ ]
الْأُولَى يُقَدَّمُ اللَّوْنُ أَوْ قُلْنَا فَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ فَكَذَا هُنَا وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَمْعِ فَهُوَ مُتَعَذِّرٌ هُنَا فَتَكُونُ فَاقِدَةً لِلتَّمْيِيزِ وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ أَنَّ حَيْضَهَا الْحُمْرَةُ الْأُولَى تَغْلِيبًا لِلْأَوَّلِيَّةِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْوَجْهُ هَفْوَةٌ لَا أَعُدُّهُ مِنْ الْمَذْهَبِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي إنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً فَحَيْضُهَا السَّوَادُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَوَجْهَانِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَبُو عَلِيٍّ حَيْضُهَا الحمرة وقال أبو إسحق وَجُمْهُورُ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْضُهَا السَّوَادُ وَحْدَهُ (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَ السَّوَادُ فَجَاوَزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا فَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ فَتَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الْحُمْرَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي قَوْلٍ وَسِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي قَوْلٍ وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَادَّعَى الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَالثَّانِي الْحَيْضُ مِنْ أَوَّلِ السَّوَادِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي قَوْلٍ وَسِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي قَوْلٍ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَالثَّالِثُ حكاه الخراسانيون حيضها الحمرة لقوة الاولية وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا كَمَا قَدَّمْنَاهُ الثَّالِثَةُ رَأَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ سَوَادًا وَانْقَطَعَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ حَيْضَهَا السَّوَادُ وَعَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ هِيَ فَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ
تَخْرِيجَ ابْنِ سُرَيْجٍ هُنَا كَمَا لَمْ يذكره شيخه القاضي أبو الطيب ولابد مِنْ ذِكْرِهِ هُنَا كَمَا سَبَقَ فِيمَا إذَا رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا وَقَدْ ذَكَرَهُ هُنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وآخرون الرابعة رأت خمسة عشرة حمر ثم خمسة عشر سوادا ثم استمر السواد فهي فاقدة للتمييز فحيضها يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي قَوْلٍ وَسِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي قَوْلٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ وَعَلَى الْوَجْهِ الشَّاذِّ النَّاظِرِ إلَى الاولية يَكُونُ حَيْضُهَا الْحُمْرَةَ فِي الْخَمْسَةَ
[ ٢ / ٤٠٨ ]
عَشَرَ فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّهَا فَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ تُؤْمَرُ بِتَرْكِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا فِي قَوْلٍ وَسِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا فِي قَوْلٍ فَإِنَّهَا إذَا رَأَتْ الْحُمْرَةَ تُؤْمَرُ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ تَجَاوُزِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ هُوَ الْحَيْضَ فَإِذَا جَاوَزَ الْأَسْوَدُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ عَلِمْنَا أَنَّهَا فَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ فَيَكُونُ حَيْضُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي قَوْلٍ وَسِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي قَوْلٍ وَقَدْ انْقَضَى الْآنَ دَوْرُهَا فَتَبْتَدِئُ الْآنَ حَيْضًا ثَانِيًا يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا فَتُمْسِكُ أَيْضًا ذَلِكَ الْقَدْرِ فَصَارَ إمْسَاكُهَا أَحَدًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا فِي قَوْلٍ وَسِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ فِي قَوْلٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُعْرَفُ امْرَأَةٌ تُؤْمَرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا إلَّا هَذِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ وَجَمَاعَةٍ لَا يُعْرَفُ مَنْ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ شَهْرًا إلَّا هَذِهِ فَفِيهِ نَقْصٌ وَتَمَامُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ (الْحَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يَتَوَسَّطَ دَمٌ ضَعِيفٌ بَيْنَ قَوِيَّيْنِ بِأَنْ رَأَتْ سِوَادَيْنِ بَيْنَهُمَا حُمْرَةٌ أَوْ صُفْرَةٌ فَفِيهِ أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ رَتَّبَهَا صَاحِبُ الْحَاوِي تَرْتِيبًا حَسَنًا فَجَعَلَهُ ثَمَانِيَةَ أَقْسَامٍ وَبَعْضُهَا لَيْسَ مِنْ صُوَرِ التَّمْيِيزِ لَكِنْ اقْتَضَاهُ التَّقْسِيمُ أَحَدُهَا أَنْ يَبْلُغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدِّمَاءِ الثَّلَاثَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَا يُجَاوِزُ الْجَمِيعُ خَمْسَةَ عَشَرَ بِأَنْ تَرَى خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْجَمِيعَ حَيْضٌ وَبِهِ قَطَعَ الجمهور وقال أبو اسحق الضَّعِيفُ الْمُتَوَسِّطُ كَالنَّقَاءِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ دَمَيْ الْحَيْضِ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَيْضٌ مَعَ السَّوَادَيْنِ وَالثَّانِي طُهْرٌ وَقَطَعَ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي بِقَوْلِ ابى اسحق الْقِسَمُ الثَّانِي أَنْ يُجَاوِزَ الْمَجْمُوعُ خَمْسَةَ عَشَرَ بِأَنْ رَأَتْ سَبْعَةً سَوَادًا ثُمَّ سَبْعَةً حُمْرَةً ثُمَّ سَبْعَةً سَوَادًا قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ حَيْضُهَا السواد الاول مع الحمر وأما السواد الثاني فطهر وقال أبو اسحق حَيْضُهَا السَّوَادَانِ.
وَتَكُونُ الْحُمْرَةُ بَيْنَهُمَا طُهْرًا وَلَا يجئ قَوْلَا
التَّلْفِيقِ لِمُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَهَذَا الَّذِي حكاه عن ابى اسحق ضَعِيفٌ جِدًّا بَلْ غَلَطٌ لِأَنَّ الدَّمَ جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَوْ رَأَتْ ثَمَانِيَةً سَوَادًا ثُمَّ ثَمَانِيَةً حُمْرَةً ثُمَّ ثَمَانِيَةً سَوَادًا فَحَيْضُهَا السَّوَادُ الْأَوَّلُ بِالِاتِّفَاقِ: الثَّالِثُ أَنْ يَنْقُصَ الْجَمِيعُ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِأَنْ تَرَى سَاعَةً أَسْوَدَ ثُمَّ سَاعَةً أَحْمَرَ ثُمَّ سَاعَةً أَسْوَدَ وَيَنْقَطِعُ فَالْجَمِيعُ دَمُ فَسَادٍ الرَّابِعُ أَنْ يَنْقُصَ كُلُّ دَمٍ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ وَيَبْلُغُهُ الْمَجْمُوعُ بِأَنْ تَرَى ثُلُثَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سَوَادًا ثُمَّ ثُلُثَهُمَا
[ ٢ / ٤٠٩ ]
حمرة ثم ثلثهما سوادا فعي قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْجَمِيعُ حَيْضٌ وعلى قول أبى اسحق لَا حَيْضَ وَالْجَمِيعُ دَمُ فَسَادٍ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ الْحُمْرَةَ فَلَا يَبْقَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَلَوْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ كَانَ الْجَمِيعُ حَيْضًا عِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ وعلي قول ابى الاسحق الْأَسْوَدَانِ حَيْضٌ وَفِي الْحُمْرَةِ قَوْلَا التَّلْفِيقِ الْخَامِسُ أَنْ يَبْلُغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّوَادَيْنِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَتَنْقُصُ الْحُمْرَةُ فَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ الْجَمِيعُ حيض عند ابي واسحق حَيْضُهَا السَّوَادَانِ وَفِي الْحُمْرَةِ قَوْلَا التَّلْفِيقِ وَلَوْ رَأَتْ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ سَوَادًا ثُمَّ نِصْفَ يَوْمٍ حُمْرَةً ثُمَّ سَبْعَةً سَوَادًا فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سريج حيضها السوا الاول مع الحمرة وعلي قول ابي اسحق حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ السَّوَادُ دُونَ الْحُمْرَةِ بَيْنَهُمَا (قلت) هذا الذى نقله عن ابي اسحق ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ: السَّادِسُ أَنْ يَنْقُصَ كُلُّ سَوَادٍ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَتَبْلُغَ الْحُمْرَةُ يَوْمًا وَلَيْلَةً بِأَنْ تَرَى نِصْفَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ نِصْفَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سوادا فَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ الْجَمِيعُ حَيْضٌ وَعِنْدَ أَبِي اسحق حَيْضُهَا الْأَسْوَدَانِ وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلَا التَّلْفِيقِ: السَّابِعُ أَنْ يَبْلُغَ السَّوَادُ الْأَوَّلُ أَقَلَّ الْحَيْضِ وَكَذَا الْأَحْمَرُ وَيَنْقُصَ السَّوَادُ الْأَخِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ نِصْفَ يَوْمٍ سَوَادًا فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ بِالِاتِّفَاقِ الثَّامِنُ أَنْ يَنْقُصَ الْأَوَّلَانِ دُونَ الْأَخِيرِ بِأَنْ تَرَى نِصْفَ يَوْمٍ سَوَادًا ثُمَّ نِصْفَهُ حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ الْجَمِيعُ حيض وعلى قول أبي اسحق حَيْضُهَا السَّوَادُ الثَّانِي وَلَوْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ سَوَادًا ثُمَّ نِصْفَهُ حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ سَوَادًا فَالسَّوَادُ الثَّانِي هُوَ الْحَيْضُ بِالِاتِّفَاقِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْحَاوِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[ ٢ / ٤١٠ ]
(فَرْعٌ)
الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ مَعَ السَّوَادِ كَالْحُمْرَةِ مَعَ السَّوَادِ إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُمَا فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ وَلَا يَخْفَى تَفْرِيعُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ فِيهِمَا وَسَبَقَ فِي مَسَائِلِ الصُّفْرَةِ تَفْرِيعَاتٌ لَهَا
تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْفَصْلِ
* (فَرْعٌ)
رَأَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ حُمْرَةً ثُمَّ نِصْفَ يَوْمٍ سَوَادًا فَحَيْضُهَا الْحُمْرَةُ وَأَمَّا الْأَسْوَدُ فَطُهْرٌ وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا حُمْرَةً ثُمَّ لَيْلَةً سَوَادًا فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ الْوَجْهُ الَّذِي سَبَقَ عَنْ صَاحِبِ الحاوي في المبتدأة وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* [وَإِنْ رَأَتْ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَحْمَرَ ثُمَّ رَأَتْ دَمًا أَسْوَدَ وَانْفَصَلَ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ فَيَكُونُ حَيْضُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي أَوَّلِ الدَّمِ الْأَحْمَرِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَسِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي الْآخَرِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَكُونُ حَيْضُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَتَبْتَدِئُ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْأَسْوَدِ حَيْضًا آخَرَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي يُجْعَلُ حَيْضُهَا سِتًّا أَوْ سَبْعًا وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَسْوَدُ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ]
* [الشَّرْحُ] هَكَذَا تُوجَدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي نُسَخِ الْمُهَذَّبِ وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ رَأَى أَصْلَ الْمُصَنَّفِ وَقَدْ ضَرَبَ الْمُصَنِّفُ بِخَطِّهِ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَسْوَدُ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعْدُودَةٌ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ وَلَا أَرَاهَا مِنْ الْمُشْكِلَاتِ فَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا تَمْيِيزَ لَهَا وَأَنَّ حَيْضَهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَبَاقِي الشَّهْرِ طُهْرٌ فَظَاهِرٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ فَيَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّا إنْ قُلْنَا الْمُبْتَدَأَةُ تُرَدُّ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَحَيْضُ هَذِهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ وَبَاقِي الْأَحْمَرِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ ثُمَّ تَبْتَدِئُ حَيْضًا آخَرَ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ يَوْمًا وَلَيْلَةً هَذَا كُلُّهُ إذَا قُلْنَا الْمُبْتَدَأَةُ تُرَدُّ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ قُلْنَا تُرَدُّ إلَى سِتٍّ أَوْ سبع فحيضها
[ ٢ / ٤١١ ]
مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَبَاقِي الشَّهْرِ طُهْرٌ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الْأَحْمَرِ تِسْعَةُ أَيَّامٍ أَوْ عَشَرَةٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ طُهْرًا فَاصِلًا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَ السِّتِّ أَوْ السَّبْعِ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ طُهْرًا إلَّا أَنْ تَكُونَ رَأَتْ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا دَمًا أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ الْأَسْوَدُ مِنْ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ فَيَكُونُ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا وَالْبَاقِي مِنْ الْأَحْمَرِ وَهُوَ خمسة عشر أو ستة عشر طهر وتبتدئ حَيْضًا آخَرَ مِنْ أَوَّلِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ سِتًّا أَوْ سَبْعًا وَتَقْدِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَكُونُ
حَيْضُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ: هَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي حَيْضُهَا سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَبَاقِي الشَّهْرِ طُهْرٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَحْمَرُ قَدْ امْتَدَّ وَبَدَأَ السَّوَادُ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ فَيَكُونُ بَاقِي الْأَحْمَرِ طُهْرًا وَتَبْتَدِئُ مِنْ الْأَسْوَدِ حَيْضًا آخَرَ سِتًّا أَوْ سَبْعًا هَذَا هُوَ الِاحْتِمَالُ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ لِكَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّا نُحَيِّضُهَا مَنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ يوما وليلة قولا واحدا ولا يجئ قَوْلُ السِّتِّ أَوْ السَّبْعِ وَيَكُونُ بَاقِي الْأَحْمَرِ طُهْرًا ثُمَّ تَبْتَدِئُ حَيْضًا آخَرَ مِنْ أَوَّلِ السَّوَادِ وَفِي قَدْرِهِ الْقَوْلَانِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَحَدُهُمَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالثَّانِي سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَحْمَرُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَالْأَسْوَدُ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ فَإِنَّ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تُرَدُّ إلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ الْقَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالثَّانِي سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَبَاقِي الْأَحْمَرِ طُهْرٌ ثُمَّ تَبْتَدِئُ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ حَيْضًا آخَرَ وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالثَّانِي ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْجَزْمُ بِرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَالثَّانِي أَنَّهُ جُعِلَ لَهَا حَيْضٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ وَطُهْرٌ بَعْدَهُ ثُمَّ جُعِلَتْ فِي السَّوَادِ مُبْتَدَأَةً وَيَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ مُعْتَادَةً إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ الْعَادَةَ تثبت بمرة فانه سبق لها دور هو ستة عشسر يَوْمًا مِنْهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَيْضٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي تَعْلِيقِهِ فَقَالَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ إنْ قُلْنَا تُرَدُّ الْمُبْتَدَأَةُ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ رَدَدْنَا هَذِهِ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ وَيَكُونُ بَعْدَهُ خَمْسَةَ
[ ٢ / ٤١٢ ]
عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ تَبْتَدِئُ حَيْضًا آخَرَ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ وَإِنْ قُلْنَا تُرَدُّ إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ رُدَّتْ هُنَا إلَى ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَسْوَدِ طُهْرٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَمَرَّ الْأَسْوَدُ إلَى آخِرِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى أَوَّلِ الْأَحْمَرِ لِأَنَّهُ يُجْعَلُ بَعْدَهُ طُهْرٌ صَحِيحٌ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَيُمْكِنُ حَمْلُ حِكَايَةِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً وَانْقَطَعَ فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ وَلَيْسَتْ مُسْتَحَاضَةً هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ أَنَّ الْحُمْرَةَ السَّابِقَةَ طُهْرٌ وَالْبَاقِي حَيْضٌ
وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ نِصْفَ يَوْمٍ سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَلَا تَمْيِيزَ لَهَا وَلَوْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ سَوَادًا ثُمَّ نِصْفَهُ حُمْرَةً ثُمَّ الْيَوْمَ الثَّانِي وَالثَّالِثَ وَالرَّابِعَ وَالْخَامِسَ كَذَلِكَ ثُمَّ رَأَتْ السَّادِسَ سَوَادًا كُلَّهُ ثُمَّ أَطْبَقَتْ حُمْرَةٌ وَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا بَعْدَ السَّادِسِ طُهْرٌ وَالسَّادِسُ حَيْضٌ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ السَّوَادِ حَيْضٌ أَيْضًا وَفِي الْحُمْرَةِ الْمُتَخَلِّلَةِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ أحدهما
[ ٢ / ٤١٣ ]
حَيْضٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالثَّانِي أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ الدِّمَاءِ وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَوَادًا ثُمَّ خَمْسَةً أَوْ عَشْرَةً أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ حُمْرَةً ثُمَّ يَوْمًا سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ أَنَّ السَّوَادَيْنِ حَيْضٌ وَفِي الْحُمْرَةِ الْمُتَخَلِّلَةِ الطَّرِيقَانِ وَمَا بَعْدَ السَّوَادِ الثَّانِي طُهْرٌ (فَرْعٌ)
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي آخِرِ بَابِ الْحَيْضِ لَوْ رَأَتْ دَمًا قَوِيًّا يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا وَلَمْ يَتَجَاوَزْ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ اتَّصَلَ به الضعيف وتمادى سنة مَثَلًا وَلَمْ يَعُدْ الدَّمُ الْقَوِيُّ أَصْلًا فَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قِيَاسُ التَّمْيِيزِ أَنَّهَا طَاهِرٌ وَإِنْ اسْتَمَرَّ الضَّعِيفُ سِنِينَ قَالَ وَقَدْ يَخْتَلِجُ فِي النَّفْسِ اسْتِبْعَادُ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا وَهِيَ تَرَى الدَّمَ دَائِمًا وَلَكِنْ لَيْسَ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ مَرَدٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَمْ يَبْقَ ضَبْطٌ إلَّا بِالتَّمْيِيزِ فَظَاهِرُ الْقِيَاسِ أَنَّهَا طَاهِرٌ وَإِنْ بَلَغَ الدَّمُ الضَّعِيفُ مَا بَلَغَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ مُتَعَيَّنٌ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ (فَرْعٌ)
قَالَ الرَّافِعِيُّ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي انْقِلَابِ الدَّمِ الْقَوِيِّ إلَى الضَّعِيفِ أَنْ يَتَمَحَّضَ
[ ٢ / ٤١٤ ]
ضَعِيفًا حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ خُطُوطٌ مِنْ السَّوَادِ وَظَهَرَتْ خُطُوطٌ مِنْ الْحُمْرَةِ لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ الحيض وانما ينقطع إذا لم يبق شئ مِنْ السَّوَادِ أَصْلًا وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ امام الحرمين ﵀
*
* قال المصنف ﵀
* [وان كانت معتادة غير مميزة وهي التي كانت تحيض من كل شهر أيام ثم عبر الدم عادتها وعبر الخمسة عشر ولا تمييز لها فانها لا تغتسل بمجاوزة الدم عادتها لجواز أن ينقطع الدم لخمسة عشر فإذا عبر الخمسة عشر ردت إلى عادتها فتغتسل بعد الخمسة عشر وتقضي صلاة ما زاد علي عادتها:
لما روي أن امرأة كانت تهراق الدم عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاستفتت لها أم سلمة ﵂ فقال النبي ﷺ (لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي والايام التى كانت تحيضهن من الشهر قبل ان يصيبها الذى اصابها فلتدع الصلاة قدر ذلك] [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ في مسندهما وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَقَوْلُهَا تُهْرَاقُ الدَّمَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ تَصُبُّ الدَّمَ وَالدَّمُ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْمَفْعُولِ بِهِ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ: وقوله ﷺ (فلتدع) يحوز فِي هَذِهِ اللَّامِ وَشِبْهِهَا مِنْ لَامَاتِ الْأَمْرِ الَّتِي يَتَقَدَّمُهَا فَاءٌ أَوْ وَاوٌ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَسْرُهَا وَإِسْكَانُهَا وَفَتْحُهَا وَالْفَتْحُ غَرِيبٌ
* أَمَّا أَحْكَامُ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا كَانَ لَهَا عَادَةٌ دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَرَأَتْ الدَّمَ وَجَاوَزَ عَادَتَهَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ كَمَا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ لِاحْتِمَالِ
[ ٢ / ٤١٥ ]
الِانْقِطَاعِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ حَيْضًا وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ هَذَا الْإِمْسَاكِ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ لا يجب الامساك واتفقوا أنه لا يجئ هُنَا لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الْحَيْضِ هُنَا ثُمَّ ان انقطع علي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَهَا فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ وَإِنْ جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَلِمْنَا أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ إنْ كَانَتْ غير مميزة ردت إلى عادتها فيكون حيضها أَيَّامِ الْعَادَةِ فِي الْقَدْرِ وَالْوَقْتِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ طُهْرٌ تَقْضِي صَلَاتَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعَادَةُ أَقَلَّ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ أَوْ غالبهما أو اقل الطُّهْرِ وَأَكْثَرِ الْحَيْضِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ قَصُرَتْ مُدَّةُ الطُّهْرِ أَوْ طَالَتْ طُولًا مُتَبَاعِدًا فَتُرَدُّ فِي ذَلِكَ إلَى مَا اعْتَادَتْهُ مِنْ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ دَوْرُهَا أَيَّ قَدْرٍ كَانَ فَإِنْ كَانَ عَادَتُهَا أَنْ تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَتَطْهُرَ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ يَعُودُ الْحَيْضُ فِي السَّابِعَ عَشَرَ وَالطُّهْرُ فِي الثَّامِنَ عَشَرَ وَهَكَذَا فَدَوْرُهَا سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةً وَتَطْهُرُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَدَوْرُهَا عِشْرُونَ وَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَتَطْهُرُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَدَوْرُهَا ثَلَاثُونَ وَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ يَوْمًا وَتَطْهُرُ تِسْعَةً وَثَمَانِينَ فَدَوْرُهَا تِسْعُونَ يَوْمًا وَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ يَوْمًا أَوْ خَمْسَةً أَوْ خَمْسَةَ عشر وتطهر تمام سنة فدورها سنة وكذ إنْ كَانَتْ تَطْهُرُ تَمَامَ سَنَتَيْنِ فَدَوْرُهَا سَنَتَانِ وَكَذَا إنْ كَانَتْ تَطْهُرُ تَمَامَ خَمْسِ سِنِينَ فَدُورُهَا
خَمْسُ سِنِينَ وَكَذَا إنْ زَادَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الدَّوْرَ قَدْ يَكُونُ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ خَمْسَ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ وَتُرَدُّ إلَيْهِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَفَّالُ لَا يَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يُجْعَلَ الدَّوْرُ سَنَةً وَنَحْوَهَا إذْ يَبْعُدُ الْحُكْمُ بِالطُّهْرِ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا مَعَ جَرَيَانِ الدَّمِ قَالَ فَالْوَجْهُ أَنْ يُجْعَلَ غَايَةُ الدَّوْرِ تِسْعِينَ يَوْمًا الْحَيْضُ مِنْهَا مَا يَتَّفِقُ وَالْبَاقِي طُهْرٌ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ عِدَّةَ الْآيِسَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ: هَذَا قَوْلُ الْقَفَّالِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ الْعِدَّةِ وَآخَرُونَ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّينَ فَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْتُهُ عَنْ الْجُمْهُورِ وَقَالَ الرافعي ظاهر المذهب أنه لافرق بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا أَنْ تَحِيضَ
[ ٢ / ٤١٦ ]
أَيَّامًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوْ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ قَالَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ * قال المصنف ﵀
* [فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وجاوز العادة اغتسلت عند مجاوزة العادة لانا علمنا بالشهر الاول أنها مستحاضة فتغتسل في كل شهر عند مجاوزة العادة بمرة وتصلي وتصوم] [الشَّرْحُ] هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الْخِلَافَ فِي ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْمَاضِي دَلِيلُهُ وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ فَالظَّاهِرُ دَوَامُهَا وَقَوْلُهُ علما بِالشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ يَعْنِي وَالظَّاهِرُ بَقَاءُ الِاسْتِحَاضَةِ وَقَوْلُهُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ يَعْنِي تَصِيرُ طَاهِرًا في كل شئ من الصوم والصلاة والوطئ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذِكْرِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ تَنْبِيهًا بِهِمَا عَلَى مَا سِوَاهُمَا: وَقَوْلُهُ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ يَعْنِي يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَهَكَذَا تَفْعَلُ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي بَعْضِ الشُّهُورِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونَهَا عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مُسْتَحَاضَةً فِي هَذَا الشَّهْرِ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا رَأَتْهُ فِيهِ حَيْضٌ فَتَتَدَارَكُ مَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ مِنْ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا إنْ كَانَتْ قَضَتْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ صَلَوَاتٍ أَوْ طَافَتْ أَوْ اعْتَكَفَتْ تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ جَمِيعِ ذَلِكَ لِمُصَادِفَتِهِ الْحَيْضَ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا صَامَتْ بَعْدَ أَيَّامِ الْعَادَةِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ وَطَافَتْ وَفَعَلَتْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرُ الْمُسْتَحَاضَةُ صَحَّ ذَلِكَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ قَالُوا وَلَا يجئ فِيهِ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ الَّذِي سَبَقَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ فَإِنَّهَا تُؤْمَرُ بِالِاحْتِيَاطِ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَفَرَّقُوا بأن العادة قوية وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
*
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* [وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي شَهْرٍ بَعْدَهُ رُدَّتْ إلَى الْخَمْسَةِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً بَلْ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي مَرَّةٍ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِحَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي اسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهَا إلَى الشَّهْرِ الَّذِي يَلِي شَهْرَ الِاسْتِحَاضَةِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَيْهَا فوجب ردها إليه]
* [الشَّرْحُ] قَدْ سَبَقَ فِي آخِرِ فَصْلِ الْمُبْتَدَأَةِ ان ما يثبت بالعادة ومالا يَثْبُتُ وَمَا ثَبَتَ وَمَا يَثْبُتَ بِالتَّكْرَارِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ وَأَوْضَحْنَاهَا هُنَاكَ وَالْمُرَادُ هُنَا بَيَانُ مَا يثبت بِهِ الْعَادَةُ فِي قَدْرِ الْمَحِيضِ وَالطُّهْرِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مُطْلَقًا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْعِدَّةِ هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ في
[ ٢ / ٤١٧ ]
الْبُوَيْطِيِّ وَكَذَا رَأَيْتُهُ أَنَا فِي الْبُوَيْطِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ هُوَ قَوْلُ ابْنِ سريج وأبى اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ
* وَالثَّانِي لَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ عَنْ أبي علي ابن خَيْرَانَ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ: وَالثَّالِثُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ حَكَاهَا الرَّافِعِيُّ عَنْ حِكَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ الْعَبَّادِيِّ وَهُوَ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى ثُبُوتِهَا بِمَرَّتَيْنِ وَأَنَّهُمْ إنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَرَّةِ وَأَنَّ اعْتِبَارَ الْمَرَّتَيْنِ ضَعِيفٌ: وَالرَّابِعُ تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُبْتَدَأَةِ بِمَرَّةٍ وَلَا تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُعْتَادَةِ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْمُتَحَيِّرَةِ اتَّفَقُوا عَلَى ثُبُوتِهَا بِمَرَّةٍ لِلْمُبْتَدَأَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَادَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُبْتَدَأَةِ أَصْلٌ تُرَدُّ إلَيْهِ فَكَانَ مَا رَأَتْهُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ جَعْلِهَا مُبْتَدَأَةً وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَأَمَّا الِانْتِقَالُ مِنْ عَادَةٍ تَقَرَّرَتْ وَتَكَرَّرَتْ مَرَّاتٍ فَلَا تُجْعَلُ بِمَرَّةٍ وَهَذَا الْوَجْهُ وَإِنْ فَخَّمَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ فَهُوَ غَرِيبٌ وَقَدْ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الْمُبْتَدَأَةِ
* فَأَمَّا دَلِيلُ الْأَوْجُهِ
فَقَدْ ذَكَرْنَا دَلِيلَ الرَّابِعِ وَاحْتَجُّوا لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ بِأَنَّ الْعَادَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْعَوْدِ وَذَلِكَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي مُتَكَرِّرٍ وَحُجَّةُ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ مِنْ الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ كَاَلَّذِي يَلِيه فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهَا فَهُوَ أَوْلَى مِمَّا انْقَضَى وَأَوْلَى مِنْ رَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ إلَى
[ ٢ / ٤١٨ ]
أَقَلِّ الْحَيْضِ أَوْ غَالِبِهِ فَإِنَّهَا لَمْ تَعْهَدْهُ بَلْ عَهِدَتْ خِلَافَهُ وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْآخَرِينَ بِأَنَّ الْعَادَةَ مِنْ الْعَوْدِ فَحُجَّةٌ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَادَةِ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ بَلْ وَرَدَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا
* وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ كَذَلِكَ وَرِوَايَةٌ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْعَادَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
رَأَتْ مُبْتَدَأَةٌ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَبَاقِيه طُهْرًا وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي خَمْسَةً وَفِي الثَّالِثِ أَرْبَعَةً ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي الرَّابِعِ قَالَ أَصْحَابُنَا تُرَدُّ إلَى الْأَرْبَعَةِ بِلَا خِلَافٍ لِتَكَرُّرِهَا فِي الْعَشَرَةِ وَالْخَمْسَةِ وَلَوْ انْعَكَسَ فَرَأَتْ فِي الاولى أَرْبَعَةً وَفِي الثَّانِي خَمْسَةً وَاسْتُحِيضَتْ فِي الثَّالِثِ فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ رُدَّتْ إلَى الْخَمْسَةِ وَإِنْ لَمْ نُثْبِتْهَا إلَّا بِمَرَّتَيْنِ رُدَّتْ إلَى الْأَرْبَعَةِ لِتَكَرُّرِهَا هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُعْتَادَةً وَصَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ * قَالَ المصنف ﵀
* [وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ كَمَا تَثْبُتُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ فَإِذَا رَأَتْ الْمُبْتَدَأَةُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ ثُمَّ أَصْفَرَ وَاتَّصَلَ ثُمَّ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي دَمًا مُبْهَمًا كَانَ عَادَتُهَا أَيَّامَ السَّوَادِ]
* [الشَّرْحُ] هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِالتَّمْيِيزِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ بَلْ مَتَى انْخَرَمَ التَّمْيِيزُ وَأَطْبَقَ الدَّمُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ كَانَتْ كَمُبْتَدَأَةٍ لَمْ تُمَيِّزْ قَطُّ وَفِيهَا الْقَوْلَانِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ: ثُمَّ الْجُمْهُورُ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِالرُّجُوعِ إلَى الْعَادَةِ التَّمْيِيزِيَّةِ: وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالسَّرَخْسِيُّ لَا تَرْجِعُ إلَيْهَا إلَّا إذَا كَانَ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ فِيهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَمَا دُونَهَا فَإِنْ زَادَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّمْيِيزِ حُكْمٌ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي الْعَمَلِ بِالتَّمْيِيزِ وَهَذَا شَاذٌّ مَتْرُوكٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ وَإِذَا رَأَتْ بَعْدَ شَهْرِ التَّمْيِيزِ دَمًا مُبْهَمًا اغْتَسَلَتْ بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ أَيَّامِ التَّمْيِيزِ وَصَلَّتْ
وَصَامَتْ وَفَعَلَتْ مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرَةُ الْمُسْتَحَاضَةُ وَلَا تُمْسِكُ إلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ بِخِلَافِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ
[ ٢ / ٤١٩ ]
لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا اسْتِحَاضَتَهَا وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ تَغْتَسِلُ بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ التَّمْيِيزِ فَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ فِي بَعْضِ الشُّهُورِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَجَمِيعُ مَا رَأَتْهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ حَيْضٌ
* (فَرْعٌ)
لَوْ كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةً سَوَادًا وَبَاقِي الشَّهْرِ حُمْرَةً وَتَكَرَّرَ هَذَا مَرَّاتٍ ثُمَّ رَأَتْ فِي بَعْضِ الْأَدْوَارِ عَشَرَةً سَوَادًا ثُمَّ بَاقِيه حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَ السَّوَادُ فِي الدَّوْرِ الَّذِي يَلِيه قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّا نُحَيِّضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ بَاقِي الشَّهْرِ حُمْرَةً وَتَكَرَّرَ هَذَا ثُمَّ رَأَتْ فِي شَهْرٍ عَشْرَةً سَوَادًا ثُمَّ بَاقِيه حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَ دَمٌ مُبْهَمٌ فِي الَّذِي يَلِيه قَالُوا فَحَيْضُهَا أَيْضًا فِي هَذَا الدَّوْرِ وَمَا بَعْدَهُ الْعَشَرَةُ: قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الصُّورَتَيْنِ إشْكَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِالرَّدِّ إلَى الْعَشَرَةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ أَثْبَتْنَا الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَلَّا يُكْتَفَى بِسَبْقِ الْعَشَرَةِ مَرَّةً قَالَ الْغَزَالِيُّ هَذِهِ عَادَةٌ تَمْيِيزِيَّةٌ فَتَسْحَبُهَا مَرَّةً وَجْهًا وَاحِدًا كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا الْقَدِيمَةُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّا نَحْكُمُ بِالْحَالَةِ النَّاجِزَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْجَوَابُ لَا يَشْفِي الْقَلْبَ
* الْإِشْكَالُ الثَّانِي إذَا أَفَادَ التَّمْيِيزُ عَادَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ ثُمَّ تَغَيَّرَ قَدْرُ الْقَوِيِّ بَعْدَ انْخِرَامِ التَّمْيِيزِ أَوْ قَبْلَهُ وَجَبَ أَلَّا يُخْرَمَ بِالرَّدِّ إلَيْهِ بَلْ يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي اجْتِمَاعِ الْعَادَةِ وَالتَّمْيِيزِ وَلَمْ يَزِدْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي هَذَا عَلَى دَعْوَى اخْتِصَاصِ الْخِلَافِ بِالْعَادَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحَاضَةٍ وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى ثُبُوتِ الْعَادَةِ التَّمْيِيزِيَّةِ بِمَرَّةٍ غَيْرُ مَقْبُولٍ بَلْ الخلاف فيها مَشْهُورٍ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ قَالَ هَؤُلَاءِ إذَا رَأَتْ الْمُبْتَدَأَةُ دَمًا أَحْمَرَ وَاسْتَمَرَّ شَهْرًا ثُمَّ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ بَاقِيه حُمْرَةً ثُمَّ رَأَتْ فِي الثَّالِثِ دَمًا مُبْهَمًا وَأَطْبَقَ فَفِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ إذْ لَا تَمْيِيزَ لَهَا وَفِي مَرَدِّهَا الْقَوْلَانِ وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي مُمَيِّزَةٌ
[ ٢ / ٤٢٠ ]
تُرَدُّ إلَى التَّمْيِيزِ وَفِي الثَّالِثِ إنْ قُلْنَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فَحَيْضُهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَإِنْ قُلْنَا لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ كَانَتْ
كَمُبْتَدَأَةٍ لَا تَمْيِيزَ لَهَا هَكَذَا قَطَعَ بِهِ هَؤُلَاءِ إلَّا الْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ فَقَالَ إنْ قُلْنَا لَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فَإِنْ قُلْنَا تُرَدُّ فِي الشهر الاول إلى يوم وليلة ردت اليهما فِي الثَّالِثِ لِتَكَرُّرِهِمَا فِي الشَّهْرَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا تُرَدُّ إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ رُدَّتْ فِي الثَّالِثِ إلَى الْخَمْسَةِ لِتَكَرُّرِهِمَا فِي الشَّهْرَيْنِ قَالَ وَلَوْ رَأَتْ الْمُبْتَدَأَةُ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ بَاقِي الشَّهْرِ حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ الْمُبْهَمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي فَهَلْ تُرَدُّ إلَى الْخَمْسَةِ وَتَحْصُلُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ أَمْ لَا فِيهِ الْخِلَافُ وَالْأَصَحُّ ردها إلى الخمسة والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَيَثْبُتُ الطُّهْرُ بِالْعَادَةِ كَمَا يَثْبُتُ الْحَيْضُ فَإِذَا حَاضَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَطَهُرَتْ خَمْسِينَ يَوْمًا ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ وَعَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ جُعِلَ حَيْضُهَا فِي كُلِّ شَهْرَيْنِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَالْبَاقِي طُهْرٌ]
* [الشَّرْحُ] اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى ثُبُوتِ الطُّهْرِ بِالْعَادَةِ وَسَوَاءٌ طَالَتْ مُدَّةُ الطُّهْرِ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْقَفَّالِ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ فِيمَا إذَا زَادَ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ عَلَى تِسْعِينَ يَوْمًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ فَإِذَا رَأَتْ الْمُبْتَدَأَةُ يَوْمًا وَلَيْلَةً حَيْضًا ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ حَاضَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَطَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ أَطْبَقَ دَمٌ مُبْهَمٌ كَانَ دَوْرُهَا سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَيْضٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ وَإِنْ رَأَتْ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ فَإِنْ أَثْبَتْنَا عَادَةَ التَّمْيِيزِ بِمَرَّةٍ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَيْسَتْ معتادة: ولو رأت يوما وليلة دما وسنة طُهْرًا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ كَانَ دَوْرُهَا سَنَةً وَيَوْمًا مِنْهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَيْضٌ وَسَنَةٌ طُهْرٌ وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَا زَادَ وَنَقَصَ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ أَثْبَتَ عَادَةَ التَّمْيِيزِ بِمَرَّةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَرَّعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ ثُبُوتُهَا بِمَرَّةٍ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اختياره القطع بثبوتها بمرة كما قاله امام الحرمين ومن
[ ٢ / ٤٢١ ]
تابعه والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [ويجوز أن تنتقل العادة فتقدم وتتأخر ويزيد وَتَنْقُصَ وَتَرُدُّ إلَى آخِرِ مَا رَأَتْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنْ كَانَ عَادَتُهَا الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الشَّهْرِ فَرَأَتْ الدَّمَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَاتَّصَلَ فَالْحَيْضُ هُوَ الْخَمْسَةُ الْمُعْتَادَةُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ حَيْضَهَا الْخَمْسَةُ الْأَوَّلَةُ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِهَا فِي وَقْتٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ ثَبَتَتْ فِي الْخَمْسَةِ الثَّانِيَةِ
فَوَجَبَ الرَّدُّ إلَيْهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ دَمٌ وَإِنْ كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ ثُمَّ رَأَتْ فِي بَعْضِ الشُّهُورِ الْخَمْسَةَ الْمُعْتَادَةَ ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ وَعَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا وهى الخمسة الاولة وَخَرَّجَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ الْخَمْسَةَ الاولة مِنْ الدَّمِ الثَّانِي حَيْضٌ لِأَنَّهَا رَأَتْهُ فِي وَقْتٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ لِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ ثَبَتَتْ فِي الْحَيْضِ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فَلَا تَتَغَيَّرُ إلَّا بحيض صحيح]
*
[ ٢ / ٤٢٢ ]
[الشَّرْحُ] هَذَا الْفَصْلُ كَثِيرُ الْمَسَائِلِ وَيَقْتَضِي أَمْثِلَةً كَثِيرَةً وَقَدْ اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَشَارَ إلَى مَقْصُودِهِ ولابد فِي الشَّرْحِ مِنْ بَسْطِهِ وَإِيضَاحِ أَقْسَامِهِ وَأَمْثِلَتِهِ: فالعمل بالعادة المنتقلة مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَكِنْ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ فَإِذَا كَانَ عَادَتُهَا الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الشَّهْرِ فَرَأَتْ فِي بَعْضِ الشُّهُورِ الْخَمْسَةَ الْأُولَى دَمًا وَانْقَطَعَ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا وَلَمْ يَزِدْ حَيْضُهَا وَلَمْ يَنْقُصْ وَلَكِنْ نَقَصَ طُهْرُهَا فَصَارَ عِشْرِينَ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْخَمْسَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرابعة أو الخامسة أو السادسة فقد تأخرث عادتها ولم زد حَيْضُهَا وَلَمْ يَنْقُصْ وَلَكِنْ زَادَ طُهْرُهَا وَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْخَمْسَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الثَّالِثَةِ فَقَدْ زَادَ حَيْضُهَا وَتَأَخَّرَتْ عَادَتُهَا وَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْخَمْسَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَقَدْ زَادَ حَيْضُهَا وَتَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا وَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْخَمْسَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَقَدْ زَادَ حَيْضُهَا فَصَارَ خَمْسَةَ عَشَر وَتَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا وَتَأَخَّرَتْ وَإِنْ رَأَتْهُ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمٍ مِنْ الْخَمْسَةِ الْمُعْتَادَةِ فَقَدْ نَقَصَ حَيْضُهَا وَلَمْ تَنْتَقِلْ عَادَتُهَا وَإِنْ رَأَتْهُ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ مِنْ الْخَمْسَةِ الْأُولَى فَقَدْ نَقَصَ حَيْضُهَا وَتَقَدَّمَتْ عَادَتُهَا وَإِنْ رَأَتْ ذَلِكَ فِي الْخَمْسَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ أَوْ مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ نَقَصَ حَيْضُهَا وَتَأَخَّرَتْ عَادَتُهَا: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ لَا خِلَافَ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنْ رَأَتْهُ قَبْلَ الْعَادَةِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَإِنْ رَأَتْهُ بعدها فحيض لان التأخر تَابِعٌ: دَلِيلُنَا أَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ الْإِمْكَانَ فَكَانَ حَيْضًا قَالَ أَصْحَابُنَا ثُمَّ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ إذَا اُسْتُحِيضَتْ فَأَطْبَقَ دَمُهَا بَعْدَ عَادَةٍ مِنْ هَذِهِ الْعَادَاتِ رُدَّتْ إلَيْهَا إنْ كَانَتْ تَكَرَّرَتْ فَإِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ رُدَّتْ
[ ٢ / ٤٢٣ ]
إلَيْهَا أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ لَمْ نُثْبِتْهَا بِمَرَّةٍ رُدَّتْ إلَى
الْعَادَةِ الْقَدِيمَةِ أَمَّا إذَا كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَرَأَتْ فِي شَهْرٍ سِتَّةً وَطَهُرَتْ بَاقِيه ثُمَّ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ سَبْعَةً وَطَهُرَتْ ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي الثَّالِثِ وَاسْتَمَرَّ الدَّمُ الْمُبْهَمُ فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ رُدَّتْ إلَى السَّبْعَةِ فَإِنْ قُلْنَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ تُرَدُّ إلَى الخمسة فانها المتكررة حقيقة على حيالها وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ تُرَدُّ إلَى السِّتَّةِ لِأَنَّهَا تَكَرَّرَتْ فَوُجِدَتْ مَرَّةً مُنْفَرِدَةً وَمَرَّةً مُنْدَرِجَةً فِي جُمْلَةِ السَّبْعَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الشَّاذِّ إنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ رُدَّتْ إلَى الْخَمْسَةِ قَطْعًا أَمَّا بَيَانُ قَدْرِ الطُّهْرِ إذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ فَفِيهِ صُوَرٌ فَإِذَا كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَرَأَتْ فِي شَهْرٍ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ فَقَدْ صَارَ دَوْرُهَا الْمُتَقَدِّمُ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ مِنْهَا خَمْسَةٌ حَيْضٌ وَثَلَاثُونَ طُهْرٌ فَإِنْ تَكَرَّرَ هَذَا بِأَنْ رَأَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ ثَلَاثِينَ طُهْرًا ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فِي الْخَمْسَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ وَهَكَذَا مِرَارًا أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فَأَطْبَقَ الدَّمُ الْمُبْهَمُ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى هَذَا أَبَدًا فَيَكُونُ لَهَا خَمْسَةٌ حَيْضًا وَثَلَاثُونَ طُهْرًا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِأَنْ اسْتَمَرَّ الدَّمُ مِنْ أَوَّلِ الْخَمْسَةِ الثَّانِيَةِ فَهَلْ نُحَيِّضُهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ فِيهِ وجهان أحدهما وهو قول ابى اسحق الْمَرْوَزِيِّ لَا حَيْضَ لَهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ فَإِذَا جَاءَ الشَّهْرُ الثَّانِي ابْتَدَأَتْ مِنْ أَوَّلِهِ حَيْضًا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَبَاقِيه طُهْرٌ وَهَكَذَا جَمِيعُ الشُّهُورِ كَمَا كَانَتْ عَادَتُهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ نُحَيِّضُهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ خمسة من أول الدم المبتدئ وَهِيَ الْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ ثُمَّ إنْ أَثْبَتْنَا الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ جَعَلْنَا دَوْرَهَا خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ مِنْهَا خَمْسَةٌ حيض والباقي
[ ٢ / ٤٢٤ ]
طُهْرٌ وَهَكَذَا أَبَدًا: وَإِنْ لَمْ نُثْبِتْهَا بِمَرَّةٍ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ طُهْرَهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بَعْدَ الْخَمْسَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ طُهْرِهَا: وَالثَّانِي أَنَّ طُهْرَهَا فِي هَذَا الدَّوْرِ عِشْرُونَ وَهُوَ الْبَاقِي فِي هَذَا الشَّهْرِ ثُمَّ تَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي خَمْسَةً وَتَطْهُرُ بَاقِيه وَهَكَذَا أَبَدًا مُرَاعَاةً لِعَادَتِهَا الْقَدِيمَةِ قدر أو وقتا فَهَذَا الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ هُوَ الصواب المعتمد واما قول أبي اسحق فَضَعِيفٌ جِدًّا: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّمَا قَالَ أبو اسحق هَذَا لِاعْتِقَادِهِ لُزُومَ أَوَّلِ الْأَدْوَارِ مَا أَمْكَنَ: قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا الْوَجْهُ وَإِنْ صَحَّ عَنْ أبى اسحق فَهُوَ مَتْرُوكٌ عَلَيْهِ مَعْدُودٌ مِنْ هَفَوَاتِهِ قَالَ وَهُوَ كَثِيرُ الْغَلَطِ فِي الْحَيْضِ وَمُعْظَمُ غَلَطِهِ مِنْ إفْرَاطِهِ فِي اعْتِبَارِ أَوَّلِ الدَّوْرِ: وَوَجْهُ غَلَطِهِ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ اسْتَمَرَّ
فَأَوَّلُ دَمِهَا فِي زَمَنِ إمْكَانِ الْحَيْضِ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ طُهْرٌ كَامِلٌ فَالْمَصِيرُ إلَى تَخْلِيَةِ هَذَا الشَّهْرِ عَنْ الْحَيْضِ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ قَالَ الْإِمَامُ ثُمَّ نَقَلَ النَّقَلَةُ عن أبى اسحق غَلَطًا فَاحِشًا فَقَالُوا عِنْدَهُ لَوْ رَأَتْ فِي الْخَمْسَةِ الثَّانِيَةِ دَمًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ نَقَاءً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ ثُمَّ رَأَتْ النَّقَاءَ خَمْسَةً ثُمَّ اسْتَمَرَّ الدَّمُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ ثُمَّ رَأَتْ النَّقَاءَ خَمْسَةً وَهَكَذَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ سِنِينَ كَثِيرَةً فَهَذِهِ امْرَأَةٌ لَا حَيْضَ لَهَا وَهَذَا فِي نِهَايَةٍ مِنْ السُّقُوطِ وَالرَّكَاكَةِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ ثُمَّ إنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيَّ والرافعي وآخرين نقلوا مذهب ابي اسحق كما قدمته وهو أنه لاحيض لَهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فَإِذَا جَاءَ الثَّانِي فَلَهَا مِنْ أَوَّلِهِ خَمْسَةٌ حَيْضٌ وَبَاقِيه طُهْرٌ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ مِنْ الشُّهُورِ فَيَسْتَمِرُّ دَوْرُهَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَبَدًا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي اسحق زَادَ طُهْرُهَا وَصَارَ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَصَارَ دَوْرُهَا سِتِّينَ يَوْمًا أَبَدًا خَمْسَةٌ حَيْضٌ وَخَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ طُهْرٌ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ظَاهِرٌ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا إذَا كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَرَأَتْ الدَّمَ فِي الْخَمْسَةِ الثَّانِيَةِ وَانْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي فَقَدْ صَارَ دَوْرُهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَإِنْ تَكَرَّرَ بِأَنْ رَأَتْ الدَّمَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي خَمْسَةً ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ثُمَّ عَادَ الدَّمُ وَهَكَذَا مِرَارًا أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ رُدَّتْ إلَى ذَلِكَ وَجُعِلَ دَوْرُهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَبَدًا وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِأَنْ عَادَ فِي الْخَمْسَةِ الْأُولَى وَاسْتَمَرَّ فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى حَيْضٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الطُّهْرُ فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ فَهُوَ عِشْرُونَ وَإِلَّا فَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَمَّا إذَا حَاضَتْ خَمْسَتَهَا الْمَعْهُودَةَ أَوَّلَ الشَّهْرِ ثُمَّ طَهُرَتْ عِشْرِينَ ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فِي الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَيْضُهَا وَصَارَ دَوْرُهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ رَأَتْ الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ دَمًا وَانْقَطَعَ ثُمَّ طهرت عشرين
[ ٢ / ٤٢٥ ]
ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ خَمْسَةً ثُمَّ طَهُرَتْ عِشْرِينَ وَهَكَذَا مَرَّاتٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ رُدَّتْ إلَى ذَلِكَ وَجُعِلَ دَوْرُهَا أَبَدًا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ بِأَنْ اسْتَمَرَّ الدَّمُ الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَحَاصِلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ طُرُقِ الْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا تَحِيضُ خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ وَتَطْهُرُ عِشْرِينَ وَهَكَذَا أَبَدًا وَالثَّانِي تَحِيضُ خَمْسَةً وتطهر خمسة وعشرين والثالث تَحِيضُ عَشَرَةً مِنْ هَذَا الدَّمِ وَتَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ثُمَّ تُحَافِظُ عَلَى دَوْرِهَا الْقَدِيمِ وَالرَّابِعُ أَنَّ الْخَمْسَةَ الْأَخِيرَةَ اسْتِحَاضَةٌ وَتَحِيضُ
مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ خَمْسَةً وَتَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ عَلَى عَادَتِهَا القديمة وقد تقدم عن أبى اسحق الْمُحَافَظَةُ عَلَى أَوَّلِ الدَّوْرِ وَالْحُكْمُ بِالِاسْتِحَاضَةِ فِيمَا قَبْلَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي قِيَاسِهِ فَقِيلَ قِيَاسُهُ الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَقِيلَ بَلْ الرَّابِعُ أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَحَاضَتْ خَمْسَتَهَا وَطَهُرَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ عَادَ الدَّمُ وَاسْتَمَرَّ فَالْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ حيضتها والدم ناقص عن أقل الطهر ففيها أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا أَنَّ يَوْمًا مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْعَائِدِ اسْتِحَاضَةٌ تَكْمِيلًا لِلطُّهْرِ وَخَمْسَةً بَعْدَهُ حَيْضٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ وَصَارَ دَوْرُهَا عِشْرِينَ وَالثَّانِي أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ الدَّمِ الْعَائِدِ اسْتِحَاضَةٌ ثُمَّ الْعَشَرَةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ مَعَ خَمْسَةٍ مِنْ أَوَّلِ الَّذِي يَلِيه حَيْضٌ وَمَجْمُوعُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ تَطْهُرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ تَمَامَ الشَّهْرِ وَتُحَافِظُ عَلَى دَوْرِهَا الْقَدِيمِ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ الدَّمِ
[ ٢ / ٤٢٦ ]
الْعَائِدِ اسْتِحَاضَةٌ وَبَعْدَهُ خَمْسَةٌ حَيْضٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ طُهْرٌ وَهَكَذَا أَبَدًا وَالرَّابِعُ أَنَّ جَمِيعَ الدَّمِ الْعَائِدِ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ اسْتِحَاضَةٌ وَتَفْتَتِحُ دَوْرَهَا الْقَدِيمَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا إذَا كَانَتْ عَادَتُهَا الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ فَرَأَتْ الدَّمَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَاتَّصَلَ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَشْهُورَانِ فِي الْكِتَابِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخِهِ أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ حَيْضَهَا الْخَمْسَةُ الْمُعْتَادَةُ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ فِيهَا فَلَا تُغَيَّرُ إلَّا بِحَيْضٍ صَحِيحٍ فَعَلَى هَذَا يَبْقَى دَوْرُهَا كَمَا كَانَ وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ حَيْضُهَا الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ الشَّهْرِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَدْ نَقَصَ طُهْرُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَصَارَ دَوْرُهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَرَأَتْ الْخَمْسَةَ الْمُعْتَادَةَ وَطَهُرَتْ دُونَ الخمسة عشر تم رَأَتْ الدَّمَ وَاتَّصَلَ فَإِنَّهَا تَبْقَى عَلَى عَادَتِهَا بلا خلاف ووافق عليه أبو العباس أَمَّا إذَا كَانَ عَادَتُهَا الْخَمْسَةَ الْأُولَى فَرَأَتْهَا ثم طهرت خمسة عشر ثم أطبق الدَّمَ وَاسْتَمَرَّ فَوَجْهَانِ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخِهِ وغيرهما أنها علي عادتها وَيَكُونُ حَيْضُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ وَبَاقِيه طُهْرٌ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَاقِي هَذَا الشَّهْرِ طُهْرًا وَلَا أَثَرَ لِلدَّمِ الْمَوْجُودِ فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّ الْخَمْسَةَ الْأُولَى مِنْ الدَّمِ الثَّانِي حَيْضٌ فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ دَوْرُهَا عِشْرِينَ خَمْسَةٌ حَيْضٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرٌ وَلَوْ رَأَتْ الْخَمْسَةَ الْمُعْتَادَةَ وَطَهُرَتْ عَشَرَةً ثُمَّ رَأَتْ دَمًا مُتَّصِلًا رُدَّتْ إلَى الْخَمْسَةِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ بِلَا خِلَافٍ أَمَّا إذَا كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةً أَوَّلَ الشَّهْرِ فَرَأَتْ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَ السَّوَادُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ فِي فَصْلِ الْمُمَيِّزَةِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْأَسْوَدَ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْأَحْمَرِ كَانَ حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ الْأُولَى وَهِيَ
أَيَّامُ الْأَحْمَرِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ يَرْفَعُهُ فَحَيْضُهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ وَقَدْ انْتَقَلَتْ عَادَتُهَا وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَرَأَتْ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَفِيهَا الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ فِي مِثْلِهَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ فَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ حَيْضُهَا السَّوَادُ فَحَيْضُهَا هُنَا الْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ وَقَدْ انْتَقَلَتْ عَادَتُهَا وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ إنَّهَا غير مميزة فحيضها هنا الخمسة الاول وَهِيَ أَيَّامُ عَادَتِهَا وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ حَيْضُهَا الْعَشَرَةُ الْأُولَى فَحَيْضُهَا هُنَا الْعَشَرَةُ أَيْضًا وَهِيَ الْحُمْرَةُ وَالسَّوَادُ وَقَدْ زَادَتْ عَادَتُهَا هَذَا كُلُّهُ فِي الْعَادَةِ الْوَاحِدَةِ
[ ٢ / ٤٢٧ ]
أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا عَادَاتٌ فَقَدْ تَكُونُ مُنْتَظِمَاتٍ وَقَدْ لَا تَكُونُ فَالْأَوَّلُ مِثْلُ إنْ كَانَتْ تَحِيضُ مِنْ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مِنْ الَّذِي بَعْدَهُ خَمْسَةً ثُمَّ مِنْ الَّذِي بَعْدَهُ سَبْعَةً ثُمَّ تَعُودُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ إلَى الثَّلَاثَةِ وَفِي الْخَامِسِ إلَى الْخَمْسَةِ وَفِي السَّادِسِ إلَى السَّبْعَةِ ثُمَّ تَعُودُ فِي السَّابِعِ إلَى الثَّلَاثَةِ وَفِي الثَّامِنِ إلَى الْخَمْسَةِ وَهَكَذَا فتكررت لها هذا لعادة ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ وَأَطْبَقَ الدَّمُ فَفِي رَدِّهَا إلَى هَذِهِ الْعَادَةِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أَصَحُّهُمَا تُرَدُّ إلَيْهَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْمُتَوَلِّي لِأَنَّهَا عَادَةٌ فَرُدَّتْ إلَيْهَا كَالْوَقْتِ وَالْقَدْرِ وَالثَّانِي لَا تُرَدُّ وصححه الْبَغَوِيّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ يَنْسَخُ مَا قَبْلَهُ وَلَا فَرْقَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بَيْنَ انْقِطَاعِ عَادَتِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنْ كَانَتْ تَرَى خَمْسَةً ثُمَّ ثَلَاثَةً ثُمَّ سَبْعَةً أَوْ سَبْعَةً ثُمَّ خَمْسَةً ثُمَّ ثَلَاثَةً وَيَنْتَظِمُ كَذَلِكَ وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ تَرَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ بِأَنْ كَانَتْ تَرَى فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَةً وَفِي الثَّالِثِ ثَلَاثَةً وَفِي الرَّابِعِ خَمْسَةً وَكَذَا فِي الْخَامِسِ وَالسَّادِسِ وَفِي السَّابِعِ سَبْعَةً وَفِي الثَّامِنِ وَالتَّاسِعِ كَذَلِكَ ثُمَّ تَعُودُ إلَى الثَّلَاثَةِ مُتَكَرِّرَةً ثُمَّ الْخَمْسَةِ كَذَلِكَ ثُمَّ السَّبْعَةِ كَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ رَأَتْ الْأَعْدَادَ الثَّلَاثَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ فَرَأَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً ثُمَّ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً ثُمَّ فِي شَهْرٍ سَبْعَةً وَاسْتُحِيضَتْ فِي الرَّابِعِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَى هَذِهِ الْعَادَاتِ كَذَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَالُوا لِأَنَّا إنْ أَثْبَتْنَا الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ فَالْقَدْرُ الْأَخِيرُ نَسَخَ مَا قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ نُثْبِتْهَا بِمَرَّةٍ فَظَاهِرٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّةُ أَقَلُّ مَا تَسْتَقِيمُ فِيهِ الْعَادَةُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَإِنْ كَانَتْ تَرَى هَذِهِ الْمَقَادِيرَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ فَأَقَلُّهُ سَنَةٌ فَحَصَلَ أَنَّ مَحِلَّ الْوَجْهَيْنِ إذَا تَكَرَّرَتْ الْعَادَةُ الدَّائِرَةُ ثُمَّ إنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ إنَّهَا تُرَدُّ إلَى هَذِهِ الْعَادَةِ فَاسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرٍ الثَّلَاثَةَ رُدَّتْ
فِي أَوَّلِ شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ إلَى الْخَمْسَةِ وَفِي الثَّانِي إلَى السَّبْعَةِ وَفِي الثَّالِثِ إلَى الثَّلَاثَةِ وَفِي الرَّابِعِ إلَى الْخَمْسَةِ وَفِي الْخَامِسِ إلَى السَّبْعَةِ وَفِي السَّادِسِ إلَى الثَّلَاثَةِ وَفِي السَّابِعِ إلَى الْخَمْسَةِ وَهَكَذَا أَبَدًا وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرٍ الْخَمْسَةَ رُدَّتْ إلَى السَّبْعَةِ ثُمَّ إلَى الثَّلَاثَةِ ثُمَّ إلَى الْخَمْسَةِ ثُمَّ إلَى السَّبْعَةِ وَهَكَذَا وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرٍ السَّبْعَةَ رُدَّتْ إلَى الثَّلَاثَةِ ثُمَّ الْخَمْسَةِ ثُمَّ السَّبْعَةِ ثُمَّ الثَّلَاثَةِ وَهَكَذَا أَبَدًا وَلَا يَخْفَى
[ ٢ / ٤٢٨ ]
بَعْدَ هَذَا مَا إذَا كَانَتْ تَرَى الثَّلَاثَةَ فِي شَهْرَيْنِ ثُمَّ الْخَمْسَةَ كَذَلِكَ ثُمَّ السَّبْعَةَ كَذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا لَا تُرَدُّ إلَى هَذِهِ الْعَادَةِ فَقَدْ نَقَلَ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا تُرَدُّ إلَى الْقَدْرِ الْأَخِيرِ قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ أَبَدًا بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْعَادَةِ وَانْتِقَالِهَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَالثَّانِي تُرَدُّ إلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ لِلِاسْتِحَاضَةِ أَبَدًا فَعَلَى هَذَا إنْ اُسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرٍ الْخَمْسَةَ أَوْ الثَّلَاثَةَ رُدَّتْ إلَى الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الشَّهْرَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ بَعْدَ السَّبْعَةِ رُدَّتْ إلَى الْخَمْسَةِ لِأَنَّهَا الْمُشْتَرَكَةُ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَقْدَارِ لَمْ يَصِرْ عَادَةً لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ عَلَى حَالِهِ وَلَا أَثَرَ لِتَكَرُّرِهِ فِي ضِمْنِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِحَيْضَةٍ بَلْ بَعْضِهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ قَالَ وَلَمْ أَرَ بَعْدَ الْبَحْثِ نَقْلَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِنَا لَا تُرَدُّ إلَى هَذِهِ الْعَادَةِ لِغَيْرِ الْغَزَالِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْهَا شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا شَيْخُهُ فِيمَا إذَا لَمْ تَتَكَرَّرْ الْعَادَةُ الدَّائِرَةُ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَحِلَّ الْوَجْهَيْنِ مَا إذَا تَكَرَّرَتْ فَثَبَتَ انْفِرَادُ الْغَزَالِيِّ بِنَقْلِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ الرَّدَّ إلَى الْقَدْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ لَا غَيْرَ ثُمَّ إذَا رَدَدْنَاهَا إلَى الْقَدْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ هَلْ يَلْزَمُهَا الِاحْتِيَاطُ فِيمَا بَيْنَ أَقَلِّ الْعَادَاتِ وَأَكْثَرِهَا فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا: كَذَاتِ العادة الواحدة لا تحتاط بعد المرد وَالثَّانِي يَلْزَمُهَا لِاحْتِمَالِ امْتِدَادِ الْحَيْضِ إلَيْهِ فَعَلَى هَذَا يَجْتَنِبُهَا الزَّوْجُ إلَى آخِرِ السَّبْعَةِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ إنْ اُسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرٍ الثَّلَاثَةَ تَحَيَّضَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ عَقِبَ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ تَغْتَسِلُ مَرَّةً أُخْرَى عَقِبَ الْخَمْسَةِ ثُمَّ تَغْتَسِلُ عَقِبَ السَّبْعَةِ وَتَقْضِي صَوْم السَّبْعَةِ أَمَّا الثَّلَاثَةُ فَإِنَّهَا لَمْ تَصُمْهَا وَأَمَّا الْبَاقِي فَلِاحْتِمَالِ الْحَيْضِ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ أَصْلًا لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ حَيْضٌ وَمَا بَعْدَهَا صَلَّتْ فِيهِ وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرٍ الْخَمْسَةَ تَحَيَّضَتْ
مِنْ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي عَقِبَ الْخَمْسَةِ ثُمَّ تَغْتَسِلُ عَقِبَ السَّبْعَةِ وَتَقْضِي صَوْمَ الْجَمِيعِ وَتَقْضِي صَلَوَاتِ اليوم الرابع والخامس لاحتمال طهرهما فِيهِمَا وَلَمْ تُصَلِّ فِيهِمَا وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ
[ ٢ / ٤٢٩ ]
بَعْدَ شَهْرٍ السَّبْعَةَ تَحَيَّضَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سَبْعَةً وَاغْتَسَلَتْ عَقِبَ السَّابِعِ وَقَضَتْ صَوْمَ السَّبْعَةِ وَصَلَوَاتِ مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَيَقَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* هَذَا كُلُّهُ إذَا ذَكَرَتْ الْعَادَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنْ نَسِيَتْهَا فَطَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا حَكَاهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ وَالثَّانِي تُرَدُّ إلَى الثَّلَاثِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ أَنَّهَا تَحْتَاطُ فَتَحِيضُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْأَقْدَارِ الَّتِي عَهِدَتْهَا وَهِيَ حَيْضٌ بِيَقِينٍ ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِي آخِرِ الثَّلَاثِ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَلَا تَمَسُّ مُصْحَفًا وَتَجْتَنِبُ الْمَسْجِدَ والقراءة والوطئ ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِي آخِرِ الْخَامِسِ وَفِي آخِرِ السابع وتتوضأ فيما بين ذلك لكل مريضة كَسَائِرِ الْمُسْتَحَاضَاتِ وَهِيَ طَاهِرٌ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَكَذَا حُكْمُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ أَبَدًا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَلْ يَخْتَصُّ مَا ذَكَرْنَاهُ بِقَوْلِنَا تَرُدُّ إلَى الْعَادَةِ الدَّائِرَةِ أَمْ هُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَخْتَصُّ بِقَوْلِنَا تُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ الدَّائِرَةِ فَأَمَّا إنْ قُلْنَا تُرَدُّ إلَى الْقَدْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا تَرُدُّ إلَى أَقَلِّ الْعَادَاتِ وَالثَّانِي أَنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ وَقَدْ سَبَقَ فِيهَا قَوْلَانِ فِي أَنَّهَا هَلْ تَحْتَاطُ إلَى آخِرِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَيَجْرِيَانِ هُنَا (الْحَالُ الثَّانِي) إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَادَاتُ مُنْتَظِمَاتٍ بَلْ كَانَتْ هَذِهِ الْعَادَاتُ مُخْتَلِفَاتٍ تَارَةً تَتَقَدَّمُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ وَتَارَةً عَكْسُهُ وَتَارَةً يَتَقَدَّمَانِ عَلَى السَّبْعَةِ وَتَارَةً عَكْسُهُ وَتَارَةً تَتَوَسَّطُ السَّبْعَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ قَالَ الرَّافِعِيُّ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ تُبْنَى عَلَى حَالَةِ الِانْتِظَامِ إنْ قُلْنَا هُنَاكَ لَا تُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ الدَّائِرَةِ فَهُنَا أولى فتر؟؟ إلَى الْقَدْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ تُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ الدَّائِرَةِ فَعَدَمُ الِانْتِظَامِ كَالنِّسْيَانِ فَتَحْتَاطُ كَمَا سَبَقَ قَالَ وَذَكَرَ غَيْرُهُمَا طُرُقًا حَاصِلُهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا الرَّدُّ إلَى الْقَدْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ وَالثَّانِي إنْ تَكَرَّرَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهَا رُدَّتْ إلَيْهِ وَإِلَّا فَإِلَى أَقَلَّ عَادَاتِهَا لِأَنَّهُ مُتَكَرِّرٌ وَالثَّالِثُ أَنَّهَا
[ ٢ / ٤٣٠ ]
كَالْمُبْتَدَأَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ احْتَاطَتْ إلَى آخِرِ أَكْثَرِ الْعَادَاتِ وَإِنْ قُلْنَا كَالْمُبْتَدَأَةِ فَفِي الِاحْتِيَاطِ إلَى آخِرِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْقَوْلَانِ هَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي هَلْ يَلْزَمُهَا الِاحْتِيَاطُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ وَجْهَانِ: هَذَا كُلُّهُ إذَا عَرَفَتْ الْقَدْرَ الْمُتَقَدِّمَ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنْ نَسِيَتْهُ وَالْعَادَاتُ غَيْرُ مُنْتَظِمَةٍ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ تُرَدُّ إلَى أَقَلِّ الْعَادَاتِ وَالثَّانِي أَنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ فَعَلَى هَذَا فِي الِاحْتِيَاطِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمُبْتَدَأَةِ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ إلَى آخِرِ أَكْثَرِ الْعَادَاتِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ قَالَ الرَّافِعِيُّ الصَّحِيحُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الِاحْتِيَاطِ عِنْدَ الْعِلْمِ فِي حَالِ الِانْتِظَامِ أَنَّهَا لَا تَحْتَاطُ وَالصَّحِيحُ في النسيان وفى حال الِانْتِظَامِ أَيْضًا تَحْتَاطُ لَكِنَّ فِي آخِرِ أَكْثَرِ الْأَقْدَارِ لَا إلَى تَمَامِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ لَمْ يَنْتَظِمْ أَوَائِلُ الْعَادَاتِ بِأَنْ كَانَتْ تَحِيضُ فِي بَعْضِ الْأَشْهُرِ فِي أَوَّلِهِ وَفِي بَعْضِهَا فِي آخِرِهِ وَفِي بَعْضِهَا فِي وَسَطِهِ رُدَّتْ إلَى مَا قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنْ جَهِلَتْهُ فَهِيَ كَالنَّاسِيَةِ فَمِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إلَى انْقِضَاءِ أَقَلِّ عَادَاتِهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ إلَى آخِرِ الشهر والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً مُمَيِّزَةً وَهِيَ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهَا أَنْ تَحِيضَ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ رَأَتْ فِي شَهْرٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ دما أسود ثم رأت دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ وَاتَّصَلَ رُدَّتْ إلَى التَّمْيِيزِ وَجُعِلَ حَيْضُهَا أَيَّامَ السَّوَادِ وَهِيَ الْعَشَرَةُ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانِ تُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ وَهِيَ الْخَمْسَةُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ عَلَامَةٌ قَائِمَةٌ فِي شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ فَكَانَ اعْتِبَارُهُ أولي من اعتبار عادة انقضت]
* [الشَّرْحُ] إذَا كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ وَهِيَ مُمَيِّزَةٌ فَإِنْ وَافَقَ التَّمْيِيزُ الْعَادَةَ بِأَنْ رَأَتْ الْخَمْسَةَ الْأُولَى سَوَادًا وَبَاقِي الشَّهْرِ حُمْرَةً فَحَيْضُهَا الْخَمْسَةُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الْمُصَنِّفِينَ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى التَّمْيِيزِ وَهُوَ قَوْلُ ابن سريج وأبى اسحق قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ هُوَ الْمَنْصُوصُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِقَوْلِهِ ﷺ (دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ) وَلِأَنَّ التَّمْيِيزَ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلِأَنَّهُ عَلَامَةٌ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ وَالْعَادَةُ عَلَامَةٌ فِي نَظِيرِهِ وَسَوَاءٌ عَلَى هَذَا زَادَ التَّمْيِيزُ عَلَى الْعَادَةِ أَوْ نَقَصَ وَالثَّانِي تُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ خَيْرَانَ وَالْإِصْطَخْرِيِّ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ لِقَوْلِهِ ﷺ (لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ
تَحَيُّضُهُنَّ) وَلَمْ يُفَصَّلْ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ ثَبَتَتْ وَاسْتَقَرَّتْ وَالتَّمْيِيزُ مُعَرَّضٌ لِلزَّوَالِ وَلِهَذَا لَوْ زَادَ الدَّمُ الْقَوِيُّ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ بَطَلَتْ دَلَالَتُهُ فَعَلَى هَذَا لَوْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ نَاسِيَةٍ لَا تَمْيِيزَ لَهَا وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا الْوَجْهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَجَّهْنَاهُ تَوْجِيهًا حَسَنًا فَهُوَ ضعيف عند
[ ٢ / ٤٣١ ]
الْأَصْحَابِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ أَبُو اسحق المروزى أنكارا عَلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي سَعِيدٍ لَمْ يَأْخُذَا بِمَذْهَبِ صَاحِبِهِمَا يَعْنِي الشَّافِعِيَّ وَلَا صَارَا إلَى دَلِيلٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قال أبو إسحق هَذَا الَّذِي قَالَاهُ غَلَطٌ لَا يُعْذَرُ قَائِلُهُ (قُلْتُ) وَهَذَا إفْرَاطٌ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ إنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالتَّمْيِيزِ حَيَّضْنَاهَا الْجَمِيعَ عَمَلًا بالدلالتين وان لم يمكن سقط وَكَانَتْ كَمُبْتَدَأَةٍ لَا تَمْيِيزَ لَهَا وَفِيهَا الْقَوْلَانِ وَهَذَا الْوَجْهُ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَلَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ مِثَالُ مَا ذَكَرْنَاهُ كَانَ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَرَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَحَيْضُهَا خَمْسَةُ السَّوَادِ بِاتِّفَاقِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ وَلَوْ رَأَتْ عَشْرَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ حَيْضُهَا الْعَشَرَةُ وَعَلَى الثَّانِي حَيْضُهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ السَّوَادِ وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَعَلَى الْأَوَّلِ حَيْضُهَا السَّوَادُ وَعَلَى الثَّانِي خَمْسَةُ الْحُمْرَةِ وَعَلَى الثَّالِثِ الْعَشَرَةُ وَلَوْ رَأَتْ عَشْرَةً حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَعَلَى الْأَوَّلِ حَيْضُهَا السَّوَادُ وَعَلَى الثَّانِي خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ عَشْرَةِ الْحُمْرَةِ وَعَلَى الثَّالِثِ عَشْرَةُ الْحُمْرَةِ مَعَ خمسة السواة وَلَوْ رَأَتْ السَّوَادَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً أَوْ مَا زَادَ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَعَلَى الْأَوَّلِ حَيْضُهَا السَّوَادُ مُطْلَقًا وَعَلَى الثَّانِي خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ مُطْلَقًا وَعَلَى الثَّالِثِ الْأَكْثَرُ مِنْ التَّمْيِيزِ وَالْعَادَةِ وَلَوْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ سَوَادًا فَعَلَى الْأَوَّلِ حَيْضُهَا السَّوَادُ وَعَلَى الثَّانِي الْحُمْرَةُ وعلى الثالث لا يمكن الجمع ويجئ عَلَى الْأَوَّلِ وَجْهٌ أَنَّ حَيْضَهَا الْحُمْرَةُ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيمِ الْأَوَّلِيَّةِ عَلَى اللَّوْنِ فِي حَقِّ الْمُمَيِّزَةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ هُنَا صَاحِبُ الْحَاوِي فَعَلَى هَذَا يَتَّفِقُ الْقَوْلُ بِالتَّمْيِيزِ وَالْقَوْلُ بِالْعَادَةِ أَنَّ حَيْضَهَا خَمْسَةُ الْحُمْرَةِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي مَأْخَذِهِ هَلْ هُوَ التَّمْيِيزُ أَوْ الْعَادَةُ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ أَوْ خَمْسَةً حُمْرَةً ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ فَإِنَّ حَيْضَهَا الْخَمْسَةُ الاول عَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ
فِي مَأْخَذِهِ وَلَوْ رَأَتْ عِشْرِينَ حُمْرَةً ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ فَقَالَ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ العدة الخمسة الاولي من أول الاحمر علي عَادَتُهَا وَأَيَّامُ السَّوَادِ حَيْضٌ آخَرُ وَمَا بَيْنَهُمَا طُهْرٌ قَالُوا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ هَذَا ثُمَّ قَالَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَحَيْضُهَا السَّوَادُ وَطُهْرُهَا الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَصَارَ دَوْرُهَا خَمْسِينَ يَوْمًا وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَحَيْضُهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بَعْدَهَا طُهْرٌ عَلَى عَادَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْعَادَةَ إذَا انْفَرَدَتْ عُمِلَ بِهَا وَإِذَا انْفَرَدَ التَّمْيِيزُ عُمِلَ بِهِ وَإِذَا اجْتَمَعَا قُدِّمَ التَّمْيِيزُ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ أَحْمَدُ يُعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ وَتُقَدَّمُ الْعَادَةُ إذَا اجْتَمَعَا
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ لَا يُعْتَبَرُ التَّمْيِيزُ مُطْلَقًا وَتُعْتَبَرُ الْعَادَةُ إنْ وُجِدَتْ وَإِلَّا فَمُبْتَدَأَةٌ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُعْمَلُ بِالْعَادَةِ وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بالتمييز ان وجد *
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
* [وَإِنْ كَانَتْ ناسية مميزة وهى التى كانت لَهَا عَادَةٌ فَنَسِيَتْ عَادَتَهَا وَلَكِنَّهَا تُمَيِّزُ الْحَيْضَ من الاستحاضة باللون فانها تزد إلَى التَّمْيِيزِ فَإِنَّهَا لَوْ ذَكَرَتْ عَادَتَهَا لَرُدَّتْ إلى التمييز فإذا نسيت أولى وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ تُقَدَّمُ الْعَادَةُ عَلَى التمييز حكمها حكم من لا تمييز لها] [الشَّرْحُ] هَذَا الْفَصْلُ وَحُكْمُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَذَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهَا تُرَدُّ هُنَا إلَى التَّمْيِيزِ للضرورة والله أعلم * قال المصنف ﵀
* [وَإِنْ كَانَتْ نَاسِيَةً لِلْعَادَةِ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ لَمْ يخل أما أن تكون ناسية للوقت والعدة أو ناسية للوقت ذاكرة للعدة أو ناسية للعدة ذاكرة للوقت فان كانت ناسية للوقت والعدة هي الْمُتَحَيِّرَةُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ الَّتِي لَا تَمْيِيزَ لَهَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِدَدِ فَيَكُونُ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ هِلَالٍ يَوْمًا وليلة فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَسِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي الْآخَرِ فَإِنْ عَرَفَتْ مَتَى رَأَتْ الدَّمَ جَعَلْنَا ابْتِدَاءَ شَهْرِهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعَدَدْنَا لَهَا ثلاثين يوما وحيضناها لانه ليس بعض الايام بان يجعل حيضها بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ فَسَقَطَ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَصَارَتْ كمن لا عادة لها وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَنْصُوصُ فِي الْحَيْضِ أَنَّهُ لَا حَيْضَ لَهَا وَلَا طُهْرَ بِيَقِينٍ فَتُصَلِّي وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وقت انقطاع الحيض ولا يطأها
الزَّوْجُ وَتَصُومُ مَعَ النَّاسِ شَهْرَ رَمَضَانَ فَيَصِحُّ لَهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اليوم الخامس عشر بَعْضُهُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ وَبَعْضُهُ مِنْ السَّادِسَ عَشَرَ فَيَفْسُدُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ يَوْمَانِ ثُمَّ تَصُومُ شَهْرًا آخَرَ فَيَصِحُّ لَهَا مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ النَّاسُ نَاقِصًا وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءَ يَوْمٍ فتصوم أربعة أيام من سبعة عشر يَوْمًا يَوْمَيْنِ فِي أَوَّلِهَا وَيَوْمَيْنِ فِي آخِرِهَا وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ يَوْمَيْنِ فَتَصُومُ سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثَلَاثَةٌ فِي أَوَّلِهَا وَثَلَاثَةٌ فِي آخِرِهَا فَيَصِحُّ لَهَا صَوْمُ الشَّهْرِ وَإِنْ لَزِمَهَا صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَضَتْهَا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا أربعة في أولها وأربعة في آخِرِهَا وَإِنْ لَزِمَهَا صَوْمُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قَضَتْهَا من عشرين خمسة في اولها وخمسة في آخِرِهَا وَكُلَّمَا زَادَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يَوْمٌ
[ ٢ / ٤٣٣ ]
زَادَ فِي الصَّوْمِ يَوْمَانِ يَوْمٌ فِي أَوَّلِهِ وَيَوْمٌ فِي آخِرِهِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يُعْمَلُ في طوافها] [الشَّرْحُ] هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ مَسَائِلِ الناسية هو مِنْ عَوِيصِ بَابِ الْحَيْضِ بَلْ هِيَ مُعْظِمَةٌ وَهِيَ كَثِيرَةُ الصُّوَرِ وَالْفُرُوعِ وَالْقَوَاعِدِ وَالتَّمْهِيدَاتِ وَالْمَسَائِلِ المشكلات وقد غلط الاصحاب بعضهم بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي كَثِيرٍ مِنْهَا وَاهْتَمُّوا بِهَا حَتَّى صَنَّفَ الدَّارِمِيُّ فِيهَا مُجَلَّدَةً ضَخْمَةً لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ مَسْأَلَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ وَتَقْرِيرِهَا وَتَحْقِيقِ أُصُولِهَا وَاسْتِدْرَاكَاتٍ كَثِيرَةٍ اسْتَدْرَكَهَا هُوَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَسَتَرَى مَا أَنْقُلُ مِنْهَا هُنَا مِنْ نَفَائِسِ التَّحْقِيقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ كُنْتُ اخْتَصَرْت مَقَاصِدَ تِلْكَ الْمُجَلَّدَةِ فِي نَحْوِ خَمْسِ كَرَارِيسَ وَقَدْ رَأَيْتُ الْآنَ الِاقْتِصَارَ عَلَى نُبَذٍ يَسِيرَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَعْتَنِي بِحِفْظِ ضَوَابِطِهَا وَأُصُولِهَا فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ جَمِيعُ مَا يَرَاهُ مِنْ صُوَرِهَا وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّ نَاسِيَةَ الْوَقْتِ وَالْعَدَدِ تُسَمَّى مُتَحَيِّرَةً قَالَ الدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُمَا وَتُسَمَّى أَيْضًا مُحَيِّرَةً بِكَسْرِ الْيَاءِ لِأَنَّهَا تُحَيِّرُ الْفَقِيهَ فِي أَمْرِهَا وَلَا يُطْلَقُ اسْمُ الْمُتَحَيِّرَةِ إلَّا عَلَى مَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْرًا وَوَقْتًا وَلَا تَمْيِيزَ لَهَا وَأَمَّا مَنْ نَسِيَتْ عددا لا وقتا وعكسها فلا يسمها الْأَصْحَابُ مُتَحَيِّرَةً وَسَمَّاهَا الْغَزَالِيُّ مُتَحَيِّرَةً وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ ثُمَّ إنَّ النِّسْيَانَ قَدْ يَحْصُلُ بِغَفْلَةٍ أَوْ إهْمَالٍ أَوْ عِلَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ أَوْ لِجُنُونٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَكُونُ النَّاسِيَةُ مُتَحَيِّرَةً إذَا لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً فَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً فَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى التَّمْيِيزِ وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْمُتَحَيِّرَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّاسِيَةِ بَلْ الْمُبْتَدَأَةِ إذَا لَمْ تَعْرِفْ وَقْتَ ابْتِدَاءِ دَمِهَا كَانَتْ مُتَحَيِّرَةً وَجَرَى عَلَيْهَا
أَحْكَامُهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي فَصْلِ الْمُبْتَدَأَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* أَمَّا حُكْمُ الْمُتَحَيِّرَةِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ أَصَحُّهَا وَأَشْهَرُهَا وَاَلَّذِي قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِهِ أَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالِاحْتِيَاطِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالثَّانِي أَنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ وَهُوَ نَصُّهُ في باب العدد والطرق الثَّانِي الْقَطْعُ بِأَنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ وَالثَّالِثُ تُؤْمَرُ بِالِاحْتِيَاطِ قَطْعًا وَهُوَ اخْتِيَارُ الدَّارِمِيِّ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرِهِمَا وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ نَصَّهُ فِي بَابِ الْعَدَدِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ النَّاسِيَةَ لِقَدْرِ حَيْضِهَا إذَا ذَكَرَتْ وَقْتَهُ وَقِيلَ أَرَادَ أَنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ فِي حُكْمِ الْعِدَّةِ أَيْ يَحْصُلُ لَهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ قُرْءٌ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ فَطَرِيقَانِ أَشْهَرُهُمَا أنها عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا تُرَدُّ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالثَّانِي سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ كَمَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ وبهذا الطريق
[ ٢ / ٤٣٤ ]
قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْقَفَّالُ وَالْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَحُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ الْأَمَالِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّاشِيُّ وَخَلَائِقُ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي تُرَدُّ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَوْلًا وَاحِدًا وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَالشَّيْخُ نَصْرُ وَالصَّحِيحُ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَمُوَافِقِيهِ فِي طَرْدِ الْقَوْلَيْنِ وَبِهَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ فِي مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ إنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ قَالُوا تُرَدُّ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَوْلًا وَاحِدًا فَغَيْرُ مَقْبُولٍ وَالْمُشَاهَدُ خِلَافُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَرَأَيْنَاهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وا ارددناها إلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ إمَّا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَإِمَّا سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ فَابْتِدَاءُ دَوْرِهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ هِلَالٍ حَتَّى لَوْ أَفَاقَتْ مَجْنُونَةً مُتَحَيِّرَةً في اثناء الشهر الهلال حكم بطهرها بقى الشَّهْرِ وَابْتِدَاءُ حَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الْمُسْتَقْبَلِ هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْعَدَدِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ وَلَوْ ابْتَدَأَتْ مُسْتَحَاضَةً أَوْ نَسِيَتْ أَيَّامَ حيضها تركت الصلاة يوما وليلة واستقبلها بِهَا الْحَيْضَ مِنْ أَوَّلِ هِلَالٍ يَأْتِي عَلَيْهَا فَإِذَا هَلَّ هِلَالُ الرَّابِعِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّةِ تَخْصِيصِهِ بِأَوَّلِ الْهِلَالِ مَعَ انه تحكم لا يقتضيه طبع ولاعادة فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْغَالِبُ أَنَّ أَوَّلَ الْحَيْضِ يَبْتَدِئُ مَعَ أَوَّلِ الْهِلَالِ قَالَ الْمُتَوَلِّي لِأَنَّ أَوَّلَ الْهِلَالِ تَهِيجُ الدِّمَاءُ وَأَنْكَرَ الْمُحَقِّقُونَ هَذَا وَقَالُوا هَذِهِ مُكَابَرَةٌ لِلْحِسِّ وَاحْتَجَّ لَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ بِالْأَهِلَّةِ وَهَذَا قَرِيبٌ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ لِأَنَّ الْهِلَالَ مُبَادَى أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَهَذَا
غَيْرُ مَقْبُولٍ وَهُوَ شَبِيهُ الْأَوَّلِ فِي أَنَّهُ إنْكَارٌ لِلْحِسِّ فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَالْعِدَدَ وَالدِّيَاتِ وَالْجِزَى وَالْكَفَّارَاتِ وَغَيْرَهَا إنَّمَا تَبْتَدِئُ مِنْ حِينِ الشُّرُوعِ سَوَاءٌ وَافَقَ الْهِلَالُ أَوْ خَالَفَهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا الْقَوْلُ وَهُوَ رَدُّ الْمُتَحَيِّرَةِ إلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُزَيَّفٌ لَا أَصْلَ لَهُ: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَحَكَى الْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَجْهًا أَنَّهُ
[ ٢ / ٤٣٥ ]
يُقَالُ لَهَا مَتَى كَانَ يَبْتَدِئُ دَمُكِ فَإِنْ ذَكَرَتْ وَقْتًا فَهُوَ أَوَّلُهُ وَإِلَّا قِيلَ مَتَى تَذْكُرِينَ أَنَّكَ كُنْتِ طَاهِرًا فَإِنْ قَالَتْ يَوْمَ العيد أو عرفات أو نحوه فَحَيْضُهَا عَقِبَهُ وَقَالَ الْقَفَّالُ إذَا أَفَاقَتْ مَجْنُونَةً مُتَحَيِّرَةً فَابْتِدَاءُ دَوْرِهَا مِنْ الْإِفَاقَةِ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّكْلِيفِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَغَلَّطُوهُ بِأَنَّهَا قَدْ تُفِيقُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ الْقَفَّالِ دَوْرُهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا كَسَائِرِ الْمُسْتَحَاضَاتِ فَلَهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ ثَلَاثِينَ حَيْضٍ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَلَا يُعْتَبَرُ الْهِلَالُ كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا فِي الطَّرِيقَتَيْنِ شَهْرُهَا بِالْهِلَالِ فَلَهَا فِي كُلِّ هِلَالٍ حَيْضٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ مَتَى أَطْلَقْنَا الشَّهْرَ فِي الْمُسْتَحَاضَاتِ أَرَدْنَا بِهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ أَمْ لَا وَلَا نَعْنِي بِهِ الشَّهْرَ الْهِلَالِيَّ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا رَدَدْنَاهَا إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ فَذَلِكَ الْقَدْرُ حَيْضٌ فَإِذَا مَضَى اغْتَسَلَتْ وَصَامَتْ وَصَلَّتْ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ وما تأتي به من الصلاة لاقضاء فِيهِ وَمَا تَأْتِي بِهِ مِنْ الصَّوْمِ لَا تَقْضِي مَا زَادَ مِنْهُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَفِيمَا بَيْنَ الْمَرَدِّ إلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْقَوْلَانِ السابقان في المبتدأة ويباح الوطئ لِلزَّوْجِ بَعْدَ الْمَرَدِّ هَذَا تَفْرِيعُ قَوْلِ الرَّدِّ إلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ كَمَا سَبَقَ وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ وَلَا عَمَلَ وَإِنَّمَا التَّفْرِيعُ وَالْعَمَلُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالِاحْتِيَاطِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ حَيْضُهَا بِغَيْرِهِ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بِصِفَةٍ أَوْ عَادَةٍ أَوْ مَرَدٍّ كَمَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ وَلَا يُمْكِنُ جعلها طاهرا ابدا في كل شئ ولا حائضا أبدا في كل شئ فَتَعَيَّنَ الِاحْتِيَاطُ وَمِنْ الِاحْتِيَاطِ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا أَبَدًا وَوُجُوبُ الْعِبَادَاتِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَالْغُسْلِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا الَّذِي نَأْمُرُهَا بِهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ لَيْسَ هُوَ لِلتَّشْدِيدِ وَالتَّغْلِيظِ فَإِنَّهَا غير مَنْسُوبَةٌ إلَى مَا يَقْتَضِي التَّغْلِيظَ وَإِنَّمَا نَأْمُرُهَا
بِهِ لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّا لَوْ جَعَلْنَاهَا حَائِضًا أَبَدًا أَسْقَطْنَا الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَبَقِيَتْ دَهْرَهَا لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ مِنْ الْأُمَّةِ وَإِنْ بَعَّضْنَا الْأَيَّامَ وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ أَوَّلَ الْحَيْضِ وَآخِرَهُ لَمْ يَكُنْ إلَيْهِ سَبِيلٌ
[ ٢ / ٤٣٦ ]
قَالَ وَيَنْضَمُّ إلَى هَذَا أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ نَادِرَةٌ وَالْمُتَحَيِّرَةُ أَشَدُّ نُدُورًا وَقَدْ يَنْقَرِضُ دُهُورٌ وَلَا تُوجَدُ مُتَحَيِّرَةٌ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِالِاحْتِيَاطِ وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَمْ مَجَازًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا هِيَ مَأْمُورَةٌ بِالِاحْتِيَاطِ فِي مُعْظَمِ الْأَحْكَامِ وَنَحْنُ نُفَصِّلُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فُصُولٍ مُتَنَوِّعَةٍ لِيَسْهُلَ الْوُقُوفُ عَلَى الْمَقْصُودِ من أحكامها لكثرة انتشارها [فصل] في وطئ الْمُتَحَيِّرَةِ: قَالَ أَصْحَابُنَا يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا وَسَيِّدِهَا وَطْؤُهَا فِي كُلِّ حَالٍ وَكُلِّ وَقْتٍ لِاحْتِمَالِ الْحَيْضِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَالتَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ الِاحْتِيَاطِ وَحَكَى صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِاسْتِمْتَاعَ وَلَا نُحَرِّمُهُ بِالشَّكِّ وَلِأَنَّ فِي مَنْعِهَا دَائِمًا مَشَقَّةً عَظِيمَةً وَالْمَذْهَبُ التَّحْرِيمُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهِ فَعَلَى هذا لو وطئ عصي ولزمها غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِدِينَارٍ عَلَى القول القديم لانا لم نتيقن الوطئ فِي الْحَيْضِ وَفِي حِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْحَيْضِ ذَكَرَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ الدَّارِمِيُّ وَالرَّافِعِيُّ [فَصْلٌ] فِي قِرَاءَتِهَا الْقُرْآنَ وَدُخُولِهَا الْمَسْجِدَ وَمَسِّ الْمُصْحَفَ وَحَمْلِهِ وَتَطَوُّعِهَا بِصَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ: أَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا وَأَمَّا دُخُولُ الْمَسْجِدِ فَحُكْمُهَا فِيهِ حُكْمُ الْحَائِضِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الْمُكْثُ فِيهِ وَيَحْرُمُ الْعُبُورُ إنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ وَإِنْ أَمِنَتْ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَكَذَا دُخُولُهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لِغَيْرِ الطَّوَافِ وَأَمَّا دخوله لِلطَّوَافِ فَيَجُوزُ لِلطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ وَفِي الْمَسْنُونِ وَجْهَانِ سَنُوضِحُهُمَا قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَحَرَامٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الَّذِي حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهَا حَلَالٌ لِلْحَائِضِ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَاخْتَارَ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الْمُتَحَيِّرَةِ وَالشَّاشِيُّ جَوَازَ الْقِرَاءَةِ لَهَا وَالْمَشْهُورُ التَّحْرِيمُ
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَتَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهَا وَجْهَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَأَمَّا تَطَوُّعُهَا بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَحْرُمُ جَمِيعُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَتْهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْحَائِضِ وَإِنَّمَا جُوِّزَ لَهَا الْفَرْضُ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ وَالشَّاشِيِّ وَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُتَيَمِّمِ مَعَ أَنَّهُ مُحْدِثٌ وَلِأَنَّ النَّوَافِلَ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَفِي مَنْعِهَا تَضْيِيقٌ عَلَيْهَا وَلِأَنَّ النَّوَافِلَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ وَبِهَذَا قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ تَجْوِيزُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَطَوَافِ الْقُدُومِ دُونَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْفَرْضِ فَهِيَ كَجُزْءٍ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* [فَصْلٌ] فِي عِدَّتِهَا: قَالَ أَصْحَابُنَا لَا تُؤْمَرُ فِي الْعِدَّةِ بِالْأَحْوَطِ وَالْقُعُودِ إلَى تَبَيُّنِ الْيَأْسِ بَلْ إذَا طَلُقَتْ أَوْ فُسِخَ نِكَاحُهَا اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوَّلُهَا مِنْ حِينِ الْفِرْقَةِ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٌ وَلَمْ يَكُنْ حَمْلٌ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِيضُ وَتَطْهُرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَحُمِلَ أَمْرُهَا عَلَى ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّا لَوْ أَمَرْنَاهَا بِالْقُعُودِ إلَى الْيَأْسِ عَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ وَطَالَ الضَّرَرُ لِاحْتِمَالٍ نَادِرٍ مُخَالِفٍ لِلظَّنِّ وَغَالِبِ عَادَةِ النِّسَاءِ بِخِلَافِ إلْزَامِهَا وَظَائِفَ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ سَهْلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا وَلِأَنَّ غَيْرَهَا يُشَارِكُهَا فِيهِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا وَالْغَزَالِيُّ فِي الْعِدَدِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ صاحب
[ ٢ / ٤٣٨ ]
التَّقْرِيبِ أَنَّهُ حَكَى وَجْهًا أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الْقُعُودُ إلَى الْيَأْسِ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرِ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا الْوَجْهُ بَعِيدٌ فِي الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ الِاكْتِفَاءُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ قَالَ حَتَّى رَأَيْتُ لِلْمَحْمُودِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الْحَيْضِ أَنَّهَا إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا لَمْ يُرَاجِعْهَا بَعْدَ مُضِيِّ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَسَاعَتَيْنِ وَلَا تَتَزَوَّجُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ احْتِيَاطًا لِأَمْرَيْنِ ثُمَّ أَنْكَرَ الدَّارِمِيُّ عَلَى الْأَصْحَابِ قَوْلَهُمْ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَغَلَّطَهُمْ فِي ذَلِكَ وَبَالَغَ فِي إبْطَالِ قَوْلِهِمْ وَإِيضَاحِ الصَّوَابِ عِنْدَهُ وَذَكَرَ فِيهِ نَحْوَ كُرَّاسَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى نَفَائِسَ وَأَنَا أُشِيرُ إلَى مَقْصُودِهِ مُخْتَصِرًا
قَالَ الدَّارِمِيُّ يَنْبَغِي أَنْ نُبَيِّنَ عِدَّةَ غَيْرِهَا لِنَبْنِيَ عَلَيْهَا عِدَّتَهَا فَعِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الْحَائِلِ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ كُلُّ قُرْءٍ طُهْرٌ إلَّا الْأَوَّلَ فَقَدْ يَكُونُ بَعْدَ طُهْرٍ وَطَلَاقُهَا فِي الْحَيْضِ بِدْعَةٌ وَفِي الطُّهْرِ سُنَّةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَامَعَهَا فِيهِ فَبِدْعَةٌ أَخَفُّ مِنْ الْحَيْضِ وَهَلْ يُحْسَبُ قُرْءًا فِيهِ وَجْهَانِ فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لم يجامعها فيه حسبت بقية قُرْءًا وَأَتَتْ بِطُهْرَيْنِ بَعْدَهُ فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مُضِيُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ اُشْتُرِطَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ فَإِنْ حَسِبْنَاهُ قُرْءًا فَكَمَا لَوْ لَمْ يُجَامِعْ فِيهِ وَإِلَّا وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ بَعْدَهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ وَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ مَعَ آخِرِ اللَّفْظِ أَمْ عَقِبَهُ فِيهِ وَجْهَانِ وَهَلْ تَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ مَعَ وَقْتِ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ أَمْ عَقِيبَهُ فِيهِ وَجْهَانِ وَلِلنَّاسِ خِلَافٌ في تجزى الجسم هَلْ هُوَ إلَى غَايَةٍ أَمْ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَقَلُّ زَمَانٍ يُمْكِنُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فِيهِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يوما ولحظتان بان يطلقها وقد بقى شئ مِنْ الطُّهْرِ فَتَعْتَدُّ بِهِ قُرْءًا ثُمَّ تَحِيضُ يوما وليلة ثم تطهر خمسة عشر ثم تحيض يوما وليلة ثم تطهر خمسة عشر وَهُوَ الْقُرْءُ الثَّالِثُ ثُمَّ تَرَى الدَّمَ لَحْظَةً وَيَنْبَغِي أَنْ تَبْنِيَ الْعِدَّةَ عَلَى مَا سَبَقَ فَإِذَا طَلَّقَهَا وَكَانَ جُزْءٌ مِنْ آخِرِ لَفْظِهِ أو شئ مِنْهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْجُزْءِ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ بِلَا خِلَافٍ وَتَعْتَدُّ بِالْأَطْهَارِ بَعْدَهُ وَإِنْ طَابَقَ الطَّلَاقُ آخِرَ الطُّهْرِ
[ ٢ / ٤٣٩ ]
اعْتَدَّتْ بِهِ قُرْءًا عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى آخِرِ لَفْظِهِ وَحُسِبَ مِنْ الْعِدَّةِ وَلَا يُحْسَبُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْآخَرِ وَلَوْ بَقِيَ بعد طلاقه شئ مِنْ آخِرِ الطُّهْرِ فَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْجُزْءِ تَعْتَدُّ بِهِ قُرْءًا لِأَنَّهُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَتَعْتَدُّ بِالثَّانِي وَهُوَ أَغْلَظُ إذَا قُلْنَا بِالطَّلَاقِ عَقِيبَ لَفْظِهِ وَبِالْعِدَّةِ عَقِيبَ الطَّلَاقِ وَإِنْ قُلْنَا غَيْرَ ذَلِكَ فَأَوْلَى وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِالْجُزْءِ إنْ كَانَ الثَّانِي جُزْءًا وَاحِدًا فَإِنْ قُلْنَا الطَّلَاقُ عَقِيبَ لَفْظِهِ وَالْعِدَّةُ مُطَابِقَةٌ لِلطَّلَاقِ أَوْ قلنا الطلاق بآخر لفظه والعدة بعد حسب قرءا لان ذلك الْجُزْءَ وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ وَطَابَقَتْهُ الْعِدَّةُ أَوْ صَادَفَتْهُ الْعِدَّةُ وَتَقَدَّمَهُ الطَّلَاقُ فِي آخِرِ لَفْظِهِ وَإِنْ قُلْنَا الطَّلَاقُ بِآخِرِ لَفْظِهِ وَالْعِدَّةُ تُطَابِقُهُ فَأَوْلَى بِذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا الطَّلَاقُ عَقِبَ لَفْظِهِ وَالْعِدَّةُ عَقِيبَهُ لَمْ يُحْسَبْ قُرْءًا لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي هَذَا الْجُزْءِ وَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ شئ مِنْ الطُّهْرِ لِلْعِدَّةِ
وَإِنْ كَانَ بَقِيَ جُزْءٌ ان اعْتَدَّتْ بِهِ قُرْءًا عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فَقَدْ تَكُونُ الْعِدَّةُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَجُزْءًا وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ وَذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَيُطَابِقُ آخِرُ طَلَاقِهِ آخِرَ الطُّهْرِ وَقُلْنَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِآخِرِ اللَّفْظِ وطابقه أول العدة فاقل العدة إذا نوبتان وزيادة واكثرها ثلاث نوب يوم وَلَيْلَةٌ وَجُزْءٌ وَذَلِكَ إنْ يُطَلِّقَهَا وَقَدْ بَقِيَ جُزْءٌ مِنْ الطُّهْرِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِهِ وَلَا يُحْسَبُ قُرْءًا عِنْدَ مَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَقِيبَ لَفْظِهِ وَجَعَلَ أَوَّلَ الْعِدَّةِ عَقِيبَ الطَّلَاقِ ثُمَّ تَمْضِي نَوْبَةُ حَيْضٍ وَطُهْرٍ فَيَكُونُ قُرْءًا ثُمَّ ثَانِيَةٌ يَكُونُ ثَانِيًا ثُمَّ ثَالِثُهُ قُرْءًا ثَالِثًا ثُمَّ يَمْضِي يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ فَأَطْوَلُ الْعِدَّةِ عَلَى أَغْلَظِ المذهب ثلاث نوب ويوم وليلة وطهر الاجزاء وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ جَامَعَهَا عَاصِيًا فِي آخِرِ الْحَيْضِ وَطَلَّقَهَا فَاتَّفَقَ آخِرُ لَفْظِهِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الطُّهْرِ وَطَابَقَهُ فَنَقُولُ الطَّلَاقُ بِآخِرِ لَفْظِهِ وَهُوَ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْ الطُّهْرِ وَفِيهِ جِمَاعٌ وَقُلْنَا لَا تَعْتَدُّ بِهِ وَذَلِكَ طُهْرٌ الاجزاء ثُمَّ تَمْضِي نَوْبَةٌ فَتَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ قُرْءًا ثُمَّ نَوْبَةٌ ثَانِيَةٌ ثُمَّ ثَالِثَةٌ ثُمَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَهَذَا أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِدَّةً عَلَى أَشَدِّ مَذَاهِبِنَا وَلَا يَخْفَى بِمَا ذَكَرْنَاهُ تَفْرِيعُ مَا فِي الْمَذَاهِبِ وَإِنَّمَا قَصَدْنَا بَيَانَ أَقْصَى الْغَايَتَيْنِ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ عَلَى أَقْصَى المذاهب
[ ٢ / ٤٤٠ ]
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا رَجَعْنَا إلَى الْمُتَحَيِّرَةِ فَنَقُولُ: حُكْمُ عِلَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِالنَّوْبَةِ وَهَذِهِ الْمُتَحَيِّرَةُ لَا تَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهَا إلَّا أَنَّهُ مَضَى لها حيض وطهر ويدخل في شكلها أَنَّهَا هَلْ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ أَمْ ذَاتُ عَادَةٍ وَأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَلَا تَعْرِفُ عَادَتَهَا وَحُكْمُ هَذِهِ حُكْمُ الْأُولَى لِلِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ تَحَيُّرًا ثُمَّ النَّوْبَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي مَضَى بَيْنَ ابْتِدَاءِ الدَّمِ إلَى رُؤْيَةِ الدَّمِ الْمُتَّصِلِ وَقَدْ تَعْلَمُ قَدْرَ نَوْبَتِهَا وَإِنْ جَهِلَتْ قَدْرَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ مِنْهَا بِأَنْ شَكَّتْ فِي قدرها علمنا عَلَى أَكْثَرَ مَا يَبْلُغُ شَكُّهَا إلَيْهِ فَإِنْ ذَكَرَتْ حَدًّا فَقَالَتْ أَشُكُّ فِي نَوْبَتِي إلَّا أني أقطع بأنها لاتجاوز شَهْرَيْنِ أَوْ سَنَةً جَعَلْنَا ذَلِكَ نَوْبَتَهَا فَإِنْ أَطْلَقَتْ الشَّكَّ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ فَأَضْعَفُ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ نَوْبَتُهَا مِنْ بُلُوغِهَا تِسْعَ سِنِينَ إلَى رُؤْيَةِ الدَّمِ الْمُتَّصِلِ فَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ نَوْبَةً فَإِنْ شَكَّتْ فِي قَدْرِ ذَلِكَ جَعَلَتْهُ أَكْثَرَ مَا يَبْلُغُ شَكُّهَا وَتَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى مَعْرِفَةِ الزَّمَنِ الَّذِي بَيْنَ أَوَّلِ الدَّمِ الْمُتَّصِلِ وَالطَّلَاقِ وَهَذَانِ الْوَقْتَانِ قَدْ تَعْلَمُهُمَا وَقَدْ تَجْهَلُهُمَا وَقَدْ تَعْلَمُ أَحَدَهُمَا
وَتَجْهَلُ الْآخَرَ فَإِنْ شَكَّتْ هَلْ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ أَمْ مُعْتَادَةٌ قَابَلْتَ بَيْنَ الزَّمَانِ الَّذِي اعْتَبَرْنَا بِهِ نَوْبَتَهَا وَبَيْنَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا الَّتِي هِيَ نَوْبَةُ الْمُبْتَدَأَةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ أَكْثَرَ جَعَلَتْهُ نَوْبَتَهَا عَلَى أَنَّهَا مُعْتَادَةٌ وَإِنْ كَانَتْ الثَّلَاثُونَ أَكْثَرَ جَعَلَتْهَا نَوْبَتَهَا عَلَى أَنَّهَا مُبْتَدَأَةٌ وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ إغْفَالُ مَنْ قَالَ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ان يعلم أن عدتها قل مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ النَّوْبَةِ إلَّا أَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي مِنْ رُؤْيَتِهَا دَمَ الِابْتِدَاءِ إلَى دَمِ الِاتِّصَالِ دُونَ ثَلَاثِينَ وَعَلِمَتْ أَنَّهَا مُعْتَادَةٌ فَإِذَا عُلِمَ أَثَرُ النَّوْبَةِ عَمِلْنَا عَلَى أَنَّهُ مَضَى مِنْ الزَّمَانِ بَيْنَ رُؤْيَةِ الدَّمِ الْمُتَّصِلِ وَالطَّلَاقِ مَا هُوَ أَغْلَظُ فِي تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَى أَغْلَظِ الْمَذَاهِبِ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ طَلَاقِهِ قَبْلَ آخِرِ الطُّهْرِ بِجُزْءٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِهِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ يَقَعُ عَقِيبَ لَفْظِهِ وَلَا وَقْتَ لِلْقُرْءِ مِنْ الطُّهْرِ بَعْدَهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ أَوَّلُ الْعِدَّةِ عَقِبَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَيَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ يَخْرُجُ مِنْ ثَلَاثِ نُوَبٍ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ الزَّمَانِ الْأَوَّلِ الَّذِي اعْتَبَرْنَاهُ فِي اسْتِخْرَاجِ النَّوْبَةِ ثُمَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بَعْدَ النُّوَبِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ يَحْتَاجُ إلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَحَصَلَ ثَلَاثُ نُوَبٍ وَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَجُزْءٌ وَلَوْ أَنَّهُ عَصَى بِجِمَاعِهَا وَطَلَّقَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ مَتَى جَامَعَهَا جَعَلَ جَمَاعَةٌ كَأَنَّهُ وَقَعَ آخِرَهُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الطُّهْرِ فَلَمْ يُعْتَدَّ
[ ٢ / ٤٤١ ]
بِذَلِكَ الطُّهْرِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فَتَعْتَدُّ بَعْدَهُ بِثَلَاثِ نُوَبٍ وَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَعْرِفَةُ الطُّهْرِ أَنْ تَنْظُرَ الزَّمَانَ الَّذِي حَكَمَتْ بِأَنَّهُ نَوْبَتُهَا فَتُسْقِطُ مِنْهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْحَيْضِ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِالْبَاقِي مِنْهُ إلَّا جُزْءًا وَلَا تَعْتَدُّ بِذَلِكَ قُرْءًا ثُمَّ بِثَلَاثِ نُوَبٍ ثُمَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَإِنَّمَا بَيَّنَّا الْحُكْمَ عَلَى أَصْعُبْ الْمَذَاهِبِ لِيَخْرُجَ عِدَّتُهَا أَطْوَلَ مَا يُمْكِنُ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى قِيَاسِ بَاقِي وُجُوهِ أَصْحَابِنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَدْ تَكُونُ عِدَّتُهَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ بِأَنْ يُعْلَمَ بِأَنَّهَا مُعْتَادَةٌ وَالزَّمَانُ الْمُعْتَبَرُ بِهِ نَوْبَتُهَا دُونَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ يَبْلُغَ إلَى حَدٍّ يُعْلَمَ أَنَّ سِنَّهَا لَا تَبْلُغُهُ فِي الْعَادَةِ وَأَنَّ سِنَّ الْحَيْضِ لَا يَبْلُغُهُ فَإِنْ بَلَغَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَعِشْ إلَيْهِ فَسَتَبْلُغُ سِنَّ الْيَأْسِ فَيَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْيَائِسَةِ وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا قَبْلَ سِنِّ الْيَأْسِ فَلَهَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ الْمُعْتَدَّاتِ الَّتِي انْقَطَعَ دَمُهُنَّ فِي الْعِدَّةِ فَهَذَا حُكْمُهَا إذَا جَهِلَتْ نَوْبَتَهَا فَعَلِمَتْ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَوْبَةً وَجَهِلَتْ الزَّمَانَ مِنْ الدَّمِ وَالطَّلَاقِ فَعَمِلَتْ عَلَى أَغْلَظِهِ فَإِنْ عَلِمَتْ النَّوْبَةَ عَمِلَتْ
عَلَى قَدْرِهَا وَكَذَا إنْ عَلِمَتْ الزَّمَانَ بَيْنَ الدَّمِ وَالطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ لَكِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُمَاثِلٌ لِنَوْبَتِهَا فَالْحُكْمُ عَلَى مَا مَضَى وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ نَوْبَتِهَا اعْتَدَّتْ بِقَدْرِ نُقْصَانِهِ قُرْءًا ثُمَّ بِيَوْمَيْنِ ثُمَّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّ آخِرَهُ طُهْرٌ عَلَى هَذَا التَّنْزِيلِ وَإِنْ شَكَّتْ فِي قَدْرِ النُّقْصَانِ جَعَلَتْهُ أَكْثَرَ الِاحْتِمَالِ لِأَنَّهُ يَطُولُ بِهَا الْعِدَّةُ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الدَّارِمِيِّ مُخْتَصَرًا وَفِيهِ جُمَلٌ مِنْ النَّفَائِسِ وَمَعَ هَذَا فَالْعَمَلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ الِاعْتِدَادِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ مِنْ عَادَتِهَا مَا يَقْتَضِي زِيَادَةً أَوْ نُقْصَانًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* [فَصْلٌ] فِي طَهَارَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ: قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ عَلِمَتْ وَقْتَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ بِأَنْ قَالَتْ أَعْلَمُ: أَنَّ حَيْضَتِي كَانَتْ تَنْقَطِعُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَزِمَهَا الْغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ غُسْلٌ سِوَاهُ وَتُصَلِّي بِذَلِكَ الْغُسْلِ الْمَغْرِبَ وَتَتَوَضَّأُ لِمَا سِوَاهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ عِنْدَ كُلِّ مَغْرِبٍ مُحْتَمَلٌ وَلَا يُحْتَمَلُ فِيمَا سِوَاهَا وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَقْتُ انْقِطَاعِهِ لَزِمَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ قَبْلَهَا: وَاعْلَمْ أَنَّ إطْلَاقَ كَثِيرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ بِأَنْ يَلْزَمَهَا الْغُسْلُ
[ ٢ / ٤٤٢ ]
لِكُلِّ فَرِيضَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ وَقْتُ انْقِطَاعِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْفَصْلِ بَعْدَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَغْتَسِلَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورَةٌ كَالتَّيَمُّمِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهَا إذَا ابْتَدَأَتْ غُسْلَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَفَرَغَتْ مِنْهُ مَعَ أَوَّلِ الْوَقْتِ جَازَ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَلَّا تَفْصِلَ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ ثُمَّ إذَا اغْتَسَلَتْ هَلْ تَلْزَمُهَا الْمُبَادَرَةُ بِالصَّلَاةِ عَقِبَ الْغُسْلِ أَمْ لَهَا تَأْخِيرُهَا عَنْ الْغُسْلِ فِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا تَوَضَّأَتْ هَلْ عَلَيْهَا الْمُبَادَرَةُ أَمْ لَهَا التَّأْخِيرُ فَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهَا الْمُبَادَرَةُ فَأَخَّرَتْ بَطَلَ غُسْلُهَا وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ وَقَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ الْإِمَامُ وَقَوْلُ الْأَوَّلِ أَنَّهَا كَالْمُسْتَحَاضَةِ غَلَطٌ لِأَنَّ إيجَابَ الْمُبَادَرَةِ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى الْأَصَحِّ لِيَقِلَّ حدثها وهذا لا يتحقق فِي الْغُسْلِ لِأَنَّ عَيْنَ الدَّمِ لَيْسَتْ مُوجِبَةً لِلْغُسْلِ
وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ الِانْقِطَاعُ وَلَا يَتَكَرَّرُ الِانْقِطَاعُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فَإِنْ قِيلَ إذَا أَخَّرَتْ الصَّلَاةَ اُحْتُمِلَ انْقِطَاعُ حَيْضِهَا بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ قُلْنَا هَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ تَقْدِيرُهُ بِقِصَرِ الزَّمَانِ وَطُولِهِ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ مَعَ قِصَرِ الزَّمَانِ وَطُولِهِ وَمَا لَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ يُقَرُّ عَلَى مَا هُوَ لَكِنْ إنْ أَخَّرَتْ الصَّلَاةَ عَنْ الْغُسْلِ لَزِمَهَا الْوُضُوءُ قَبْلَ الصَّلَاةِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ يَلْزَمُ الْمُسْتَحَاضَةَ هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَأَثْنَائِهِ وَقَطَعَ صَاحِبُ الْحَاوِي بِأَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ فِي وَقْتِهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنهَا بَعْدَ الْغُسْلِ إلَّا فِعْلُ الصَّلَاةِ لِجَوَازِ انْقِطَاعِهِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَلَا يَكْفِيهَا الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ السَّابِقَانِ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا فَحَصَلَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ فِي غُسْلِهَا الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ وُقُوعُهُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ مَتَى كَانَ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ ذَلِكَ مَعَ الْمُبَادَرَةِ إلَى الصَّلَاةِ وَالثَّالِثُ يَكْفِي وُقُوعُ آخِرِهِ مَعَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالرَّابِعُ يُشْتَرَطُ وُقُوعُهُ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ بِقَدْرِ الصَّلَاةِ والله علم
* [فَصْلٌ] فِي صَلَاتِهَا الْمَكْتُوبَةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ يَلْزَمُهَا أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ أَبَدًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ يَحْتَمِلُ طُهْرَهَا فَمُقْتَضَى الِاحْتِيَاطِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ
[ ٢ / ٤٤٣ ]
ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْأَصْحَابَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ لَمْ يَشْتَرِطُوا صَلَاتَهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ بَلْ أَوْجَبُوا الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ مَتَى شَاءَتْ كَغَيْرِهَا وَصَرَّحَ أَكْثَرُهُمْ بِهَذَا وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْبَاقِينَ وَقَطَعَ صَاحِبُ الْحَاوِي بِأَنَّ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَنَقَلَهُ بَعْدَ هَذَا بِأَسْطُرٍ عَنْ الْأَصْحَابِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْغُسْلِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَهُوَ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ ثُمَّ إذَا صَلَّتْ الْخَمْسَ فِي أَوْقَاتِهَا هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءَ الصَّلَاةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وقد صرح بأن لاقضاء الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَنَقَلَهُ الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَآخَرُونَ عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ حَائِضًا فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا فَقَدْ صَلَّتْ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ ﵀ يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ لِجَوَازِ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا فِي الْوَقْتِ وَيُحْتَمَلُ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَلْزَمُهَا الظُّهْرُ
وَالْعَصْرُ وَقَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَلْزَمُهَا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَإِذَا كُنَّا نُفَرِّعُ عَلَى قَوْلِ الِاحْتِيَاطِ وَجَبَ مُرَاعَاتُهُ في كل شئ هَذَا قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُحْكَى أَيْضًا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرهمَا (قُلْتُ) وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَيْضًا وَرَجَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ قَالُوا لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الِاحْتِيَاطِ وَالشَّافِعِيُّ كَمَا لَمْ يَذْكُرْ الْقَضَاءَ لَمْ يَنْفِهِ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ الْوُجُوبُ وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّا لَا نُلْزِمُ الْمُتَحَيِّرَةَ كُلَّ مُمْكِنٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى حَرَجٍ شَدِيدٍ وَالشَّرِيعَةُ تَحُطُّ عَنْ الْمُكَلَّفِ أُمُورًا بدون هَذَا الضَّرَرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا كُلُّ مُمْكِنٍ أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَلَا تَقْعُدُ إلَى الْيَأْسِ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْحَاوِي طَرِيقَةً أُخْرَى فَقَالَ الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا تَنْزِلُ تَنْزِيلَيْنِ هُمَا أَغْلَظُ أَحْوَالِهَا أَحَدُهُمَا تَقْرِيرُ دَوَامِ الطهر الي وقت الصلاة وامكان أدائها ووجب الْحَيْضِ بَعْدَهُ فَيَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِالْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْلِ وَالتَّنْزِيلُ الثَّانِي دَوَامُ الْحَيْضِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ثُمَّ وُجُودُ الطُّهْرِ بَعْدَهُ فَيَجِبُ الْغُسْلُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ دُونَ الْوُضُوءِ فَحَصَلَ مِنْ التَّنْزِيلَيْنِ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَنْ تُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا بِالْوُضُوءِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ طُهْرِهَا ثُمَّ تُصَلِّيهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا بِالْغُسْلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ طهرها فإذا دخل وقت الصعر صَلَّتْ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا بِالْوُضُوءِ ثُمَّ صَلَّتْهَا بِالْغُسْلِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إذَا بَقِيَ منه ما يسع ما يلزمها به صلاة الْعَصْرِ ثُمَّ أَعَادَتْ الظُّهْرَ مَرَّةً ثَالِثَةً فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْغُسْلِ لِاحْتِمَالِ ابْتِدَاءِ الطُّهْرِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ
[ ٢ / ٤٤٤ ]
فَيَلْزَمُهَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ فَإِنْ قَدَّمَتْ الْعَصْرَ الثَّانِيَةَ عَلَى الظُّهْرِ الثَّالِثَةِ كَانَ الْغُسْلُ لَهَا وَتَوَضَّأَتْ لِلظُّهْرِ وَإِنْ قَدَّمَتْ الظُّهْرَ عَلَى الْعَصْرِ كَانَ الْغُسْلُ لَهَا وَتَوَضَّأَتْ لِلْعَصْرِ فَإِذَا غَرُبَتْ الشَّمْسُ صَلَّتْ الْمَغْرِبَ بِغُسْلِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ صَلَّتْهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ أَعَادَتْهَا فِي آخِرِهِ وَتُعِيدُ مَعَهَا الْمَغْرِبَ وَتَغْتَسِلُ لِلْأُولَى مِنْهُمَا وَتَتَوَضَّأُ لِلْأُخْرَى فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّتْ الصُّبْحَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِوُضُوءٍ ثُمَّ أَعَادَتْهَا فِي آخِرِهِ بِغُسْلٍ فَتَصِيرُ مُصَلِّيَةً لِلظُّهْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مَرَّةً فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِالْوُضُوءِ وَمَرَّةً ثَانِيَةً فِي آخِرِهِ بِالْغُسْلِ وَثَالِثَةً فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ بِغُسْلٍ لَهَا وَلِلْعَصْرِ وَتَصِيرُ مُصَلِّيَةً
لِلْعَصْرِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا بِوُضُوءٍ وَثَانِيَةً فِي آخِرِهِ بِغُسْلٍ وَتَصِيرُ مُصَلِّيَةً لِلْمَغْرِبِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي وَقْتِهَا بِالْغُسْلِ وَمَرَّةً فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ بِالْغُسْلِ لَهَا وَتَصِيرُ مُصَلِّيَةً لِلْعِشَاءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالْوُضُوءِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَمَرَّةً فِي آخِرِهِ بِالْغُسْلِ وَكَذَا الصُّبْحُ فَتَبْرَأُ بِيَقِينٍ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي: وَأَمَّا طَرِيقَةُ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ فَظَاهِرَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيعٍ بَلْ تُصَلِّي أَبَدًا وَلَا قَضَاءَ وَأَمَّا طَرِيقَةُ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَمُتَابِعِيهِ فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ تُصَلِّي عَلَى هَذِهِ الطريقة الصلوات الخمس مرتين بستة اغسل وَأَرْبَعِ وُضُوءَاتٍ فَتُصَلِّي الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا بِغُسْلٍ ثُمَّ الْعَصْرَ كَذَلِكَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ كَذَلِكَ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَتَقْضِي الظُّهْرَ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ وَتَقْضِي الْعَصْرَ ثُمَّ تُصَلِّي الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا بِغُسْلٍ ثُمَّ الصُّبْحَ فِي وَقْتِهَا بِغُسْلٍ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ وَتَقْضِي الْمَغْرِبَ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ وَتَقْضِي الْعِشَاءَ ثُمَّ تَقْضِي الصُّبْحَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِغُسْلٍ هَذَا كَلَامُهُمْ وَبَسَّطَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَوْضَحَهُ بِأَدِلَّتِهِ وَزَادَ فِيهِ وَأَتْقَنَهُ ثُمَّ لَخَصَّ طَرِيقَتَهُ وَاخْتَصَرَهَا الرَّافِعِيُّ فَقَالَ إذَا قُلْنَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ تَغْتَسِلُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصُّبْحِ وَتُصَلِّيهَا ثُمَّ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ اغْتَسَلَتْ مَرَّةً أُخْرَى وَصَلَّتْهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحَيْضَ صَادَفَ الْمَرَّةَ الْأُولَى وَانْقَطَعَ بَعْدَهَا فَلَزِمَتْهَا وَبِالْمَرَّتَيْنِ تَبْرَأُ مِنْ الصُّبْحِ قَطْعًا وَلَا يُشْتَرَطُ الْمُبَادَرَةُ بِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَلْ مَتَى صَلَّتْهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الصُّبْحِ أَجْزَأَهَا لِأَنَّ الْحَيْضَ إنْ انْقَطَعَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ لَمْ يَعُدْ إلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَا يُشْتَرَطُ تَأْخِيرُ جَمِيعِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْوَقْتِ بَلْ لَوْ وَقَعَ بَعْضُهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ دُونَ تَكْبِيرَةٍ إذَا قُلْنَا تَجِبُ الصَّلَاةُ بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةٍ أَوْ دُونَ رَكْعَةٍ لِأَنَّهُ إنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَجْزَأَهَا الثَّانِيَةَ وَإِنْ انْقَطَعَ فِي أَثْنَائِهَا فلا شئ عَلَيْهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ إنْكَارًا عَلَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَوَّلِ زَمَنِ الْغُسْلِ مَعَ الْجُزْءِ الْوَاقِعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُونَ تَكْبِيرَةٍ وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ دُونَ رَكْعَةٍ هَذَا حُكْمُ الصُّبْحِ وَأَمَّا الْعَصْرُ
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وَالْعِشَاءُ فَتُصَلِّيهِمَا مَرَّتَيْنِ كَذَلِكَ وَأَمَّا الظُّهْرُ فَلَا يَكْفِي وُقُوعُهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَلَا يَكْفِي أَيْضًا وُقُوعُ الْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعِشَاءِ لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ فِي أَوَاخِرِ وَقْتِهِمَا فَيَجِبُ أَنْ
تُعِيدَ الظُّهْرَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُعِيدُ الْعَصْرَ وَهُوَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَتُعِيدَ الْمَغْرِبَ مَعَ الْعِشَاءِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْعِشَاءِ ثُمَّ إذَا أَعَادَتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ نُظِرَ إنْ قَدَّمَتْهُمَا عَلَى أَدَاءِ الْمَغْرِبِ وَجَبَ غُسْلٌ لِلظُّهْرِ وَوُضُوءٌ لِلْعَصْرِ وَغُسْلٌ لِلْمَغْرِبِ وَإِنَّمَا كَفَاهَا غُسْلٌ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِأَنَّهُ إنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَدْ اغْتَسَلَتْ لَهُ وَإِنْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا ظُهْرٌ وَلَا عَصْرٌ وَإِنَّمَا وَجَبَ غُسْلُ المغرب لاحتمال الانقطاع في خلال الظهر والصعر وَعَقِبِهَا وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا قَضَتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ أَدَاءِ الصُّبْحِ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ مُصَلِّيَةً الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَرَّتَيْنِ بِوُضُوءَيْنِ وَثَمَانِيَةِ أَغْسَالٍ وَإِنْ أَخَّرَتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ عَنْ أَدَاءِ الْمَغْرِبِ اغْتَسَلَتْ لِلْمَغْرِبِ وَكَفَاهَا ذَلِكَ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِأَنَّهُ إنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَهِيَ طَاهِرٌ وَإِلَّا فَلَا ظُهْرَ وَلَا عَصْرَ عَلَيْهَا وَيَجِبُ وضو لِلظُّهْرِ وَوُضُوءٌ لِلْعَصْرِ كَسَائِرِ الْمُسْتَحَاضَاتِ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إذَا أَخَّرَتْهُمَا عَنْ أَدَاءِ الصبح وحينئذ تكون مصلية الصلوات الخمس باربع وُضُوءَاتٍ وَسِتَّةِ أَغْسَالٍ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ يَكُونُ قَدْ أَخَّرَتْ الْمَغْرِبَ وَالصُّبْحَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهِمَا لِتَقْدِيمِهَا الْقَضَاءَ عَلَيْهِمَا فَتَبْرَأُ عَمَّا سِوَاهُمَا وَأَمَّا هُمَا فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا أَخَّرَتْ الصَّلَاةَ الْأُولَى عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ حَتَّى مَضَى مَا يسع الْغُسْلَ وَتِلْكَ الصَّلَاةَ لَمْ يَكْفِ فِعْلُهَا مَرَّةً أُخْرَى فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى التَّصْوِيرِ السَّابِقِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا طَاهِرٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ يَطْرَأُ الْحَيْضُ فَيَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ وَتَكُونُ الصَّلَاتَانِ وَاقِعَتَيْنِ فِي الْحَيْضِ بَلْ يُحْتَاجُ إلَى فِعْلِهِمَا مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ بِغُسْلَيْنِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ إحْدَاهُمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِ الرَّفَاهِيَةِ وَالضَّرُورَةِ وَقَبْلَ تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ آخِرِ الصَّلَاةِ فِي الْمَرَّةِ الاولى وحينئذ تبرأ بيقين ومع هذ كُلِّهِ لَوْ اقْتَصَرَتْ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَائِلِ أَوْقَاتِهَا وَلَمْ تَقْضِ شَيْئًا حَتَّى مَضَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ مَضَى شَهْرٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا لِكُلِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إلَّا قَضَاءُ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَقَطْ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الِانْقِطَاعُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَيَجُوزُ أَنْ يُجْزِيَهُ قَضَاءُ صَلَاتَيْ جَمْعٍ وَهُمَا ظُهْرٌ وَعَصْرٌ أَوْ مَغْرِبٌ وَعِشَاءٌ فَإِذَا شَكَكْنَا وَجَبَ قَضَاءُ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاتَيْنِ مِنْ خَمْسٍ وَلَوْ كَانَتْ تُصَلِّي فِي أَوْسَاطِ الْأَوْقَاتِ لَزِمَهَا أَنْ تَقْضِيَ لَلْخَمْسَةَ عَشَرَ صَلَوَاتِ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطْرَأَ
[ ٢ / ٤٤٦ ]
الْحَيْضُ فِي وَسَطِ صَلَاةٍ فَتَبْطُلُ وَيَنْقَطِعُ فِي وَسَطِ أُخْرَى فَتَجِبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا مِثْلَيْنِ: وَمَنْ فَاتَهُ صَلَاتَانِ مُتَمَاثِلَتَانِ لَا يَعْرِفُهُمَا لَزِمَهُ صَلَوَاتُ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّتْ فِي أَوَّلِ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ ابْتِدَاءُ الْحَيْضِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاة لَمْ يَجِبْ لِأَنَّهَا لَمْ تُدْرِكْ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا هَذَا آخِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ الْمُخْتَصَرِ مِنْ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ الْآنَ مُخَالِفٌ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِكُمْ يَجِبُ قَضَاءُ كُلِّ صَلَاةٍ فَإِنَّكُمْ الْآنَ صِرْتُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْخَمْسَةَ عشر الا قضاء خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِقَضَاءِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ أَمْرٌ أَغْفَلَهُ الْأَصْحَابُ وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ فِيمَا إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَبْرَأَ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَمَّا عَلَيْهَا وَكَانَتْ تُؤْثِرُ الْمُبَادَرَةَ وَتَخَافُ الْمَوْتَ فِي آخِرِ كُلِّ لَيْلَةٍ فَأَمَّا إذَا أَخَّرَتْ الْقَضَاءَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْخَمْسَةِ عَشَرَ إلَّا قَضَاءُ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ نَسَبَنَا نَاسِبٌ إلَى مُخَالِفَةِ الْأَصْحَابِ سَفَّهْنَا عَقْلَهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمُقَاضَاةِ يَتَعَلَّقُ بِمَسَالِكِ الِاحْتِمَالَاتِ وَقَدْ مَهَّدَ الْأَئِمَّةُ الْقَوَاعِدَ كَالتَّرَاجِمِ وَوَكَّلُوا اسْتِقْصَاءَهَا إلَى أَصْحَابِ الْفِطَنِ وَالْقَرَائِحِ وَنَحْنُ نُسَلِّمُ لِمَنْ يَبْغِي مَزِيدًا أَنْ يُبْدِيَ شَيْئًا وَرَاءَ مَا ذَكَرْنَا مُفِيدًا عَلَى شَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا.
وَبِالْجُمْلَةِ النَّظَرُ الَّذِي يُخَفِّفُ فِي أَمْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ بَالِغُ الْمَوْقِعِ مُسْتَفَادٌ: هَذَا آخِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: وَقَدْ صَرَّحَ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ بِمَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا لَا يَجِبُ فِي الشَّهْرِ إلَّا قَضَاءُ صَلَوَاتِ يَوْمَيْنِ هَذَا بَيَانُ صَلَوَاتِ الْوَقْتِ فَأَمَّا إذَا أَرَادَتْ صَلَاةً مَقْضِيَّةً أَوْ مَنْذُورَةً فَفِيهَا كَلَامٌ نَذْكُرُهُ بَعْدَ صيامها ان شاء الله تعالى