" قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ أَرَأَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ آخِرَهُ قَالَتْ رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ قلت آخر اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً قُلْتُ أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ وَيَخْفِتُ بِهِ قَالَتْ رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ قُلْت الله اكبر الحمد الله الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيح وَرَوَاهُ غَيْرُهُ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالنَّسَائِيُّ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ " اعْتَكَفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ أَلَا إنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يَرْفَعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
*
(فَصْلٌ)
فِي مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا فِي الصَّلَاةِ وَأَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَكْثَرَهَا مُخْتَصَرَةً خَوْفًا مِنْ الْإِمْلَالِ بِكَثْرَةِ الْإِطَالَةِ (إحْدَاهَا) قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وغيرها بكل واحدة من القراءات السبع وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ السبع مُتَوَاتِرَةٌ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ وَمَنْ قَالَ غَيْرَهُ فَغَالِطٌ أَوْ جَاهِلٌ وَأَمَّا الشَّاذَّةُ فَلَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً فَلَوْ خَالَفَ وَقَرَأَ بِالشَّاذَّةِ أُنْكِرَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا وَقَدْ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ عَلَى اسْتِتَابَةِ من قرأ بالشواذ وقد ذكرت قصة فِي التِّبْيَانِ فِي آدَابِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّاذِّ وَأَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقْرَأُ بِهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فَمَنْ قَرَأَ بِالشَّاذِّ إنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ أَوْ بِتَحْرِيمِهِ عُرِّفَ ذَلِكَ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ عُزِّرَ تَعْزِيرًا بَلِيغًا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ عَنْ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْإِنْكَارِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ فَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ بِالشَّاذَّةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغَيُّرُ مَعْنًى وَلَا زِيَادَةُ حَرْفٍ وَلَا نَقْصُهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا وَإِذَا قرأ بقراءة من السبع اُسْتُحِبَّ أَنْ يُتِمَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا فَلَوْ قَرَأَ بعض الآيات بها وبعضها بغيرها من السبع جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا قَرَأَهُ بِالثَّانِيَةِ مُرْتَبِطًا بِالْأُولَى (الثَّانِيَةُ) تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصلاة بجميع حروفها وتشديد انها وَهُنَّ أَرْبَعَ عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً فِي الْبَسْمَلَةِ مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ فَلَوْ أَسْقَطَ حَرْفًا مِنْهَا أَوْ خَفَّفَ مُشَدَّدًا أَوْ أَبْدَلَ حَرْفًا بِحَرْفٍ مَعَ صِحَّةِ لِسَانِهِ لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ وَلَوْ أَبْدَلَ الضَّادَ بِالظَّاءِ فَفِي صِحَّةِ قِرَاءَتِهِ وَصَلَاتِهِ وَجْهَانِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ (أَصَحُّهُمَا) لَا تَصِحُّ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ كَمَا لَوْ أَبْدَلَ غَيْرَهُ
(وَالثَّانِي)
تَصِحُّ لِعُسْرِ إدْرَاكِ مَخْرَجِهِمَا عَلَى
[ ٣ / ٣٩٢ ]
العوام وشبههم (الثالثا) إذَا لَحَنَ فِي الْفَاتِحَةِ لَحْنًا يُخِلُّ الْمَعْنَى بِأَنْ ضَمَّ تَاءَ أَنْعَمْتَ أَوْ كَسَرَهَا أَوْ كَسَرَ كَافَ إيَّاكَ نَعْبُدُ أَوْ قَالَ إيَّاءَ بِهَمْزَتَيْنِ لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ وَصَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ وَتَجِبُ إعَادَةُ الْقِرَاءَةِ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ الْمَعْنَى كَفَتْحِ دَالِ نَعْبُدُ وَنُونِ نَسْتَعِينُ وَصَادِ صِرَاطَ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَا قِرَاءَتُهُ وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَيَحْرُمُ تَعَمُّدُهُ وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَمْ تَبْطُلْ قِرَاءَتُهُ وَلَا صَلَاتُهُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِي التَّتِمَّةِ وَجْهٌ أَنَّ اللَّحْنَ الَّذِي لَا يُخِلُّ الْمَعْنَى لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ قَالَ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِعْجَازِ فِي النَّظْمِ وَالْإِعْرَابِ جَمِيعًا أَوْ فِي النَّظْمِ فَقَطْ (الرَّابِعَةُ) فِي دَقَائِقَ مُهِمَّةٍ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ فِي التَّبْصِرَةِ تَتَعَلَّقُ بِحُرُوفِ الْفَاتِحَةِ قَالَ شَرْطُ السِّينِ مِنْ الْبَسْمَلَةِ وَسَائِرِ الْفَاتِحَةِ أَنْ تَكُونَ صَافِيَةً غير مشوبة تغيرها لَطِيفَةَ الْمَخْرَجِ مِنْ بَيْنِ الثَّنَايَا - يَعْنِي وَأَطْرَافِ اللِّسَانِ - فَإِنْ كَانَ بِهِ لُثْغَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ إصْفَاءِ السِّينِ فَجَعَلَهَا مَشُوبَةً بِالثَّاءِ فَإِنْ كَانَتْ لثغته فَاحِشَةً لَمْ يَجُزْ لِلْفَصِيحِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَإِنْ كانت لثغته يسيرة لس قيها إبْدَالُ السِّينِ جَازَتْ إمَامَتُهُ وَيَجِبُ إظْهَارُ التَّشْدِيدِ فِي الْحَرْفِ الْمُشَدَّدِ فَإِنْ بَالَغَ فِي التَّشْدِيدِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لَكِنَّ الْأَحْسَنَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْحَدِّ الْمَعْرُوفِ لِلْقِرَاءَةِ وَهُوَ أَنْ يُشَدِّدَ التَّشْدِيدَ الْحَاصِلَ فِي الرُّوحِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْفَاتِحَةِ فَصْلُ كُلِّ كَلِمَةٍ عَنْ الْأُخْرَى كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَقَشِّفُونَ الْمُتَجَاوِزُونَ لِلْحَدِّ بَلْ الْبَصْرِيُّونَ يَعُدُّونَ هَذَا مِنْ الْعَجْزِ وَالْعِيِّ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَفْصِلَ في قراءة بين البسملة والحمد لله رب العالمين قَطَعَ هَمْزَةَ الْحَمْدِ وَخَفَّفَهَا وَالْأَوْلَى أَنْ يَصِلَ الْبَسْمَلَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ لِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْهَا وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَقِفَ عَلَى أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَقْفٍ وَلَا مُنْتَهَى آيَةٍ أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُبَالِغُ فِي التَّرْتِيلِ فَيَجْعَلُ الْكَلِمَةَ كَلِمَتَيْنِ وَأَصْلُ إظْهَارِ الْحُرُوفِ كَقَوْلِهِمْ نَسْتَعِينُ
يَقِفُونَ بَيْنَ السِّينِ وَالتَّاءِ وَقْفَةً لَطِيفَةً فَيَنْقَطِعُ الْحَرْفُ عَنْ الحرف والكلمة عن الكلمة وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَحْتَمِلُ التَّقْطِيعَ وَالْفَصْلَ وَالْوَقْفَ فِي أَثْنَائِهَا وَإِنَّمَا الْقَدْرُ الْجَائِزُ مِنْ التَّرْتِيلِ أَنْ يُخْرِجَ الْحَرْفَ مِنْ مَخْرَجِهِ ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى مَا بَعْدَهُ متصلا بلا وقفة وترتيل القرآن وصل الحروف والكلمات علي ضرب من الثاني وليس من الترتيل فصل الحروف ولا الوقت فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَمِنْ تَمَامِ التِّلَاوَةِ إشْمَامُ الْحَرَكَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْحَرْفِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ اخْتِلَاسًا لَا إشْبَاعًا وَلَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ الْحُرُوفِ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِ بِأَنْ يَقُولَ نَسْتَعِينُ تُشْبِهُ التَّاءُ الدَّالَ أَوْ الصَّادَ لَا بِصَادٍ مَحْضَةٍ وَلَا بِسِينٍ مَحْضَةٍ بَلْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ وَجَبَ التَّعَلُّمُ وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي زَمَنِ التَّفْرِيطِ فِي التَّعَلُّمِ.
هَذَا حُكْمُ الْفَاتِحَةِ فَأَمَّا غَيْرُهَا فَالْخَلَلُ فِي تِلَاوَتِهِ إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى وَهُوَ مُتَعَمِّدٌ بِأَنْ قَرَأَ (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ من عباده العلماء) بِرَفْعِ اللَّهِ وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ أَوْ قَرَأَ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي فِي الشَّوَاذِّ كَقِرَاءَةِ (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فاقطعوا ايمانهما) (وفيمن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) (وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) فَهَذَا كُلُّهُ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَ خَلَلًا لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَلَا يَزِيدُ فِي الْكَلَامِ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ الصَّلَاةُ وَلَكِنَّهَا تُكْرَهُ
[ ٣ / ٣٩٣ ]
هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ ﵀.
قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي الشَّاذَّةِ تَغْيِيرُ مَعْنًى فَتَعَمَّدَ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ لَوْ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ انه اتها وَلَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ شَكٌّ فِي كَلِمَةٍ أَوْ حَرْفٍ مِنْهَا فَلَا أَثَرَ لِشَكِّهِ وَقِرَاءَتُهُ مَحْكُومٌ بِصِحَّتِهَا وَلَوْ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ شَاكًّا فِي تَمَامِهَا لَزِمَهُ إعَادَتُهَا كَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَثْنَائِهَا وَلَوْ كَانَ يَقْرَأُ غَافِلًا فَفَطِنَ لِنَفْسِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ غَيْرِ المغضوب عليهم ولا الضالين وَلَمْ يَتَيَقَّنْ قِرَاءَةَ جَمِيعِ السُّورَةِ فَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْقِرَاءَةِ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَصِلُ آخِرَهَا إلَّا بَعْدَ قِرَاءَةِ أَوَّلِهَا إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْهَا كَلِمَةً أَوْ حَرْفًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْنِفْهَا وَرَكَعَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ رَكَعَ نَاسِيًا فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ القراءة في الركعة الثانية لغو (السادسة) شرطا الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا أَنْ يَسْمَعَ نَفْسَهُ إنْ كَانَ صَحِيحَ السَّمْعِ وَلَا شَاغِلَ لِلسَّمْعِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَقِيقَةُ الْإِسْمَاعِ وَهَكَذَا الْجَمِيعُ فِي التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا كُلِّهِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بِلَا خِلَافٍ (السَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا عَلَى الْأَخْرَسِ أَنْ يُحَرِّكَ لِسَانَهُ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ مَا يُحَرِّكُهُ النَّاطِقُ
[ ٣ / ٣٩٤ ]
لان القراءة تتضمن نطقا وتحريك اللسان فقسط مَا عَجَزَ عَنْهُ وَوَجَبَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ " وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي فَصْلِ التَّكْبِيرِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ هُنَاكَ وَبَسَطْنَاهَا (الثَّامِنَةُ) يُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا أَرْبَعُ سَكَتَاتٍ لِلْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ (الْأُولَى) عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يَقُولُ فِيهَا دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ (وَالثَّانِيَةُ) بَيْنَ قَوْلِهِ وَلَا الضَّالِّينَ وَآمِينَ سَكْتَةٌ لَطِيفَةٌ (الثَّالِثَةُ) بَعْدَ آمِينَ سَكْتَةٌ طَوِيلَةٌ بِحَيْثُ يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ (الرَّابِعَةُ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السُّورَةِ سَكْتَةٌ لَطِيفَةٌ جِدًّا لِيَفْصِلَ بِهَا بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَتَسْمِيَةُ الاولي سكتة مجاز فانه لا سكت حَقِيقَةً بَلْ يَقُولُ دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ لَكِنْ سُمِّيَتْ سَكْتَةً فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَمَا سَبَقَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ كَلَامَهُ فَهُوَ كَالسَّاكِتِ وأما الثانية والرابعة فسكتتان حقيقتان وأما الثالثة فقد قدمنا عن السرخى أَنَّهُ قَالَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِيهَا دُعَاءً وَذِكْرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ دَلَائِلُ السَّكَتَاتِ الْأُوَلِ فِي مواضعها وأما الرابعة فاتفق اصحابنا علي استحتابها ممن صرح يها الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهُ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَتَيْنِ إذَا اسْتَفْتَحَ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا " وَفِي رِوَايَةٍ " إذَا فَرَغَ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ عِنْدَ الرُّكُوعِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ فكتبوا في ذلك الي المدينة الي بْنِ كَعْبٍ فَصَدَّقَ سَمُرَةَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بهذين الفظين وفي رواية له والترمذي " سكتة إذ ااستفح وَسَكْتَةً إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ " وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تُخَالِفُ السَّابِقِينَ بَلْ يَحْصُلُ مِنْ الْمَجْمُوعِ إثْبَاتُ السَّكَتَاتِ الثلاث وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّلَاةِ وَفَسَّرُوهُ عَلَى وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) وَصْلُ الْقِرَاءَةِ بِتَكْبِيرَةِ الركوع يكره ذلك بل يفصل بيهنهما (والثاني)
[ ٣ / ٣٩٥ ]
تَرْكُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ فَيَحْرُمُ أَنْ يَصِلَ الِانْتِقَالَ بِالِانْتِقَالِ بَلْ يَسْكُنَ لِلطُّمَأْنِينَةِ (التَّاسِعَةُ) يُسْتَحَبُّ تَرْتِيلُ الْقِرَاءَةِ وَتَدَبُّرُهَا وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَرَتِّلِ
الْقُرْآنَ ترتيلا) وَقَالَ تَعَالَى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَقَدْ ذَكَرْتُ جُمَلًا مِنْهَا فِي كِتَابِ آدَابِ الْقُرَّاءِ وَذَكَرْتُ فِيهِ جُمَلًا مُهِمَّةً تَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ وَالْقِرَاءَةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مُعْظَمِ ذَلِكَ فِي هَذَا الشَّرْحِ فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبْ الْغُسْلَ وَفِيهَا نَفَائِسُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ معرفتها وبالله التوفيق (العاشرة) أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْفَاتِحَةَ وَسَائِرَ السُّوَرِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْهُ كَفَرَ وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ بَاطِلٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي أَوَّلِ كتابه المجاز هَذَا كَذِبٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْضُوعٌ وَإِنَّمَا صَحَّ عَنْهُ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ ابن مسعود وفيها الفاتحة والمعوذتان
*
* قال المصنف ﵀
*
* (ثم يركع وهو فرض من فروض الصلاة لقوله ﷿ (اركعوا واسجدوا) والمستحب أن يكبر للركوع لما روى أبو هريوة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يكبر حين يقوم وحين يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حين يرفع ورأسه ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يرفع رأسه يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا " ولان الهوى الي الركوع فعل فلا يخلو من ذكر كسائر الافعال)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالرُّكُوعُ فِي اللُّغَةِ الِانْحِنَاءُ كَذَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَصْحَابُنَا وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَبَعْضُهُمْ هُوَ الْخُضُوعُ وَأَنْشَدُوا فِيهِ الْبَيْتَ الْمَشْهُورَ
* عَلَّكَ أَنْ تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ
* وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْهُوِيَّ هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ السُّقُوطُ وَالِانْخِفَاضُ وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ الْهَوِيَّ بِالْفَتْحِ النُّزُولُ وَالسُّقُوطُ وَالْهُوِيُّ بِالضَّمِّ الصُّعُودُ قَالَ وَقَالَ الْخَلِيلُ هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الرُّكُوعِ وَدَلِيلُهُ مَعَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ والاجماع حديث " المسئ صَلَاتَهُ " مَعَ قَوْلِهِ ﷺ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَيُسَنُّ أَنْ يُكَبِّرَ لِلرُّكُوعِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَصِلُ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ بِالْقِرَاءَةِ بَلْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ كَمَا سَبَقَ قَالُوا وَيَبْتَدِئُ بِالتَّكْبِيرِ قَائِمًا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ رَفْعِ يَدَيْهِ وهو قائما ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ فَإِذَا حَاذَى كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ انْحَنَى وَيَمُدُّ التَّكْبِيرَ
إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى حَدِّ الراكعين هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الخراسانيين قولين
(أحدهما)
هذا وهو الْجَدِيدُ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْقَدِيمُ لَا يَمُدُّ التَّكْبِيرَ بَلْ يَشْرَعُ بِهِ قَالُوا وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِي جَمِيعِ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَهَلْ تُحْذَفُ أَمْ تُمَدُّ حَتَّى يَصِلَ إلَى الذِّكْرِ الَّذِي بَعْدَهَا الصَّحِيحُ الْمَدُّ وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا حَتَّى رَكَعَ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ
*
[ ٣ / ٣٩٦ ]
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ (اعْلَمْ) أَنَّ الصَّلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ يُشْرَعُ فِيهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ تَكْبِيرَةً مِنْهَا خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ فِي كُلِّ ركعة أربع للسجدتين والرفعتين مِنْهَا وَالْخَامِسَةُ لِلرُّكُوعِ فَهَذِهِ عِشْرُونَ وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا الثُّلَاثِيَّةُ فَيُشْرَعُ فِيهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَقَطَ مِنْهَا تَكْبِيرَاتُ رَكْعَةٍ وَهُنَّ خَمْسٌ وَأَمَّا الثُّنَائِيَّةُ فَيُشْرَعُ فِيهَا أحد عشر لِلرَّكْعَتَيْنِ وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَهَذِهِ كُلُّهَا عِنْدَنَا سُنَّةٌ الا تكبيرة الحرام فَهِيَ فَرْضٌ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ قَالَ ابْنُ المنذر وبهذا قال أبو بكر الصديق وعمرو ابن مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ جَابِرٍ وَقَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ وَشُعَيْبٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ وَنَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يُشْرَعُ إلَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَقَطْ وَلَا يُكَبَّرُ غَيْرُهَا وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَابْنُ سِيرِينَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَمَّا قَوْلُ الْبَغَوِيِّ في سرح السُّنَّةِ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مَا نَقَلْنَاهُ أو أوراد اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ التَّابِعِينَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يقول اجماع بعد الْخِلَافَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْأُصُولِيِّينَ وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ والقفال والشاشى وغيرهما وقال احمد ابن حَنْبَلٍ جَمِيعُ التَّكْبِيرَاتِ وَاجِبَةٌ وَاحْتُجَّ لِأَحْمَدَ بِأَنَّ النبي ﷺ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كان يكبرهن واحتج لمن أسقطهن غير تكبيرة الاحرام بحديث عن الحسن عن بْنِ عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ ﵁ " أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ ﷺ وَكَانَ لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا هَكَذَا وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ زِيَادَةُ " لَا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ يَعْنِي إذَا خَفَضَ وإذا رفع " ودليلنا علي أحمد حديث " المسئ صَلَاتَهُ " فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَأَمَرَهُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا فِعْلُهُ ﷺ فَمَحْمُولٌ علي الاستحباب جمعا بين الا دلء وَدَلِيلُنَا عَلَى الْآخَرِينَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يرقع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائما ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي سَاجِدًا ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ وعن مطرف قال " صليت أنا وعمران
[ ٣ / ٣٩٧ ]
ابن حصين عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فكان إذا سجد كبر وإذا رفع كَبَّرَ وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي ثُمَّ قَالَ لَقَدْ صلي بنا هذا صلاة محمد بن ﷺ أَوْ لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ " صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ إنَّهُ أَحْمَقُ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ: سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ وفيما ذكرناه كفاية والجواب عن حديث بن أَبْزَى مِنْ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ رواية الحسن عن ابن عمران ليس (١)
(وَالثَّانِي)
أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ التَّكْبِيرَ وَقَدْ سَمِعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فَقُدِّمَتْ رِوَايَةُ الْمُثْبِتِ (وَالثَّالِثُ) لَعَلَّهُ تَرَكَ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ نَحْوَهَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَهَذَانِ الْجَوَابَانِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ جَوَابُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ
* (فَرْعٌ)
يُسَنُّ لِلْإِمَامِ الْجَهْرُ بِتَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا وَبِقَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِيَعْلَمَ الْمَأْمُومُونَ
انْتِقَالَهُ فَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ الصَّوْتِ لِمَرَضٍ وَغَيْرِهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَجْهَرَ الْمُؤَذِّنُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ جَهْرًا يُسْمِعُ النَّاسَ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ سَعِيدِ بن الحارث قال " صلي لنا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا يُصَلِّي " وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ " اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فصيلنا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رواية ولمسلم أَيْضًا " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالي عَنْهُ خَلْفَهُ فَإِذَا كَبَّرَ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ يسمعنا " وعن عائشة ﵄ في قصة مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ " فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أجلس إلَى جَنْبِهِ - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ ﵁ - وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بالياس وأبو بكر يسمعهم التكبير " رواه مسلم بفظه والبخاري بمعناه * قال المصنف ﵀
*
* (ويستحب أن يرفع يديه حذو منكبيه في التكبير لما ذكرناه من حديث ابى عمر ﵄ في تكبيرة الاحرام)
*
*
* (الشرح)
* حديث بن عمر رواه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ لِلرُّكُوعِ وَلِلرَّفْعِ مِنْهُ وَفِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنْ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ وَمُضْطَجِعٍ وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَمُفْتَرِضٍ وَمُتَنَفِّلٍ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ رَفْعِهِ وَهُوَ قَائِمٌ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَقَدْ سَبَقَ فِي فَصْلِ
_________________
(١) كذا بالاصل فليحرر اهـ
[ ٣ / ٣٩٨ ]
تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَفْرِيجُ الْأَصَابِعِ هُنَا وَفِي كُلِّ رَفْعٍ وَلَوْ كَانَتْ يداه أو احداهما عليلة فحكمه ما سَبَقَ فِي رَفْعِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَجَمِيعُ الْفُرُوعِ تجئ هُنَا
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ لِلرُّكُوعِ وَلِلرَّفْعِ مِنْهُ (اعْلَمْ) أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا فَإِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ مُتَكَاثِرَاتٍ لَا سِيَّمَا طَالِبُ الْآخِرَةِ وَمُكْثِرُ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا اعْتَنَى
الْعُلَمَاءُ بِهَا أَشَدَّ اعْتِنَاءٍ حَتَّى صَنَّفَ الْإِمَامُ عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ كِتَابًا كَبِيرًا فِي إثْبَاتِ الرَّفْعِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَالْإِنْكَارِ الشَّدِيدِ عَلَى من خالف ذلك فهو كتاب نفيس وهو سَمَاعِيٌّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَسَأَنْقُلُ هُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ مُعْظَمَ مُهِمَّاتِ مَقَاصِدِهِ وَجَمَعَ فِيهِ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا جُمْلَةً حَسَنَةً وَسَأَنْقُلُ مِنْ كِتَابِهِ هُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مهمات مقاصده ولولا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَأَرَيْتُكَ فِيهِ عَجَائِبَ مِنْ النَّفَائِسِ وَأَرْجُو أَنْ أَجْمَعَ فِيهِ كِتَابًا مُسْتَقِلًّا: (اعْلَمْ) أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِإِجْمَاعِ من يعتد به وفيه شئ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ (وَأَمَّا) رَفْعُهُمَا فِي تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَفِي الرَّفْعِ مِنْهُ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ فِيهِمَا وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَسَالِمُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ وَنَافِعٌ وَغَيْرُهُمْ وَعَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ واسحق وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِر عَنْ أَكْثَرِ هَؤُلَاءِ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ وَنَقَلَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ الصَّحَابَةِ رضي الله تعالى قَالَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَجْمَع عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَحَكَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ يُرْوَى هَذَا الرَّفْعُ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ الْبَدْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْبَدْرِيُّ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَوَائِلُ بْنُ حُجُرٍ ومالك ابن الْحُوَيْرِثِ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ وضى الله عنهم قال وقال الحسن وحميد
[ ٣ / ٣٩٩ ]
ابن هِلَالٍ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يرفعون أيديهم فلم يستثن أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم قَالَ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لم يرفع يديه قال وروينا الرافع أيضا هنا وعن عِدَّةٍ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَالْيَمَنِ وَعِدَّةٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وعمر به عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَالْحَسَنُ بن سيرين وطاوس وَمَكْحُولٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ
دِينَارٍ وَنَافِعٌ وَعُبَيْدُ الله بن عمر والحسن بن مسلم وقيسس بن سعيد وعدة كثينرة وكذلك روى عن ام الداراء ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْفَعُ يَدَيْهَا وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَكَذَلِكَ عَامَّةُ اصحابه ومحديى أَهْلِ بُخَارَى مِنْهُمْ عِيسَى بْنُ مُوسَى وَكَعْبُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ وَعَبْدُ اللَّهِ ابن مُحَمَّدٍ الْمُشَيِّدِي وَعِدَّةٌ مِمَّنْ لَا يُحْصَى لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ مَنْ وَصَفْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - يَعْنِي الْحُمَيْدِيَّ شَيْخَهُ - وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ واحمد بن حنبل واسحق بْنُ إبْرَاهِيمَ يُثْبِتُونَ عَامَّةَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَرَوْنَهَا حَقًّا وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ هَذَا كَلَامُ الْبُخَارِيِّ وَنَقَلَهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي بكر الصديق وعمر بن الخطاب بن وعلي أَبِي طَالِبٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الْبَيَاضِيِّ الصَّحَابِيِّينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ الْبُخَارِيُّ قَالَ وَرَوَيْنَا أَيْضًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَأَبِي الزُّبَيْرِ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَعِدَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْآثَارِ بِالْبُلْدَانِ فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ شَرْقًا وَغَرْبًا فِي كُلِّ عَصْرٍ
* وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَسَائِرُ أَصْحَابِ الرأى لا يعرف يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بن عازب رضي الله تعالي عنهما قال " رأيت رسو ل اللَّهِ ﷺ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ لَا يَعُودُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ " لا صلين بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا مَرَّةً " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ " صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فَلَمْ يَرْفَعُوا ايديهم الا عند افتتاح الصلاة " رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ " كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مِنْ الصلاة ثم لا يرفع في شئ منها " رواء البيقى وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مِنْ الصَّلَاةِ " وعن جابر بن سمرة رضي اللله عَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا الاناب خَيْلٍ شُمْسٍ اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ " لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ مِنْ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَفِي اسْتِقْبَالِ
[ ٣ / ٤٠٠ ]
الْقِبْلَةِ وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَبِعَرَفَاتٍ وَجَمْعٍ فِي المقامين عند الجمرتين " وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ " إذَا صَلَّى كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ.
وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا " وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَيَصْنَعُ مِثْلَ ذَلِكَ إذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ وأراد أن يركع ويصنعه إذا رفع من الركوع ولا يرفع يديه في شئ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ وَإِذَا قَامَ مِنْ السجدتين رفع يديه كذكك وَكَبَّرَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ وَإِذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ يَعْنِي بِهِ الرَّكْعَتَيْنِ وَالْمُرَادُ إذَا قَامَ مِنْ التَّشَهُّد الْأُوَلِ كَذَا فَسَّرَهُ التِّرْمِذِيُّ وغيره وَهُوَ ظَاهِرٌ وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجُرٍ ﵁ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ في الصلاة كبر ووصف همام - وهو أحد الرواة حيال أذينه - ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ الثَّوْبِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ فَلَمَّا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رفع يديه فلما سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وعن محمد بن عمرو عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حُمَيْدٍ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدُهُمْ أَبُو قَتَادَةَ يَقُولُ " أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا فَاعْرِضْ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَرَكَعَ ثُمَّ اعْتَدَلَ فَاعْتَدَلَ فَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقَنِّعْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى قَامَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا صَنَعَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ وَقَوْلُهُ قَامَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ وَفِي
رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ أَيْضًا قَالُوا فِي آخِرِهِ " صَدَقْتَ هَكَذَا صَلَّى النَّبِيِّ ﷺ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ مِنْ طُرُقٍ وَعَنْ أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطيب قال أبو علي زوى الرَّفْعَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٣ / ٤٠١ ]
وَسَلَّمَ ثَلَاثُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ ﵁ فَمِنْ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) وَهُوَ جَوَابُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَحُفَّاظِهِمْ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ مِمَّنْ نَصَّ عَلَى تَضْعِيفِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ والشافعي وعبد الله بن الزبيز الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى ابن مَعِينٍ وَأَبُو سَعِيدٍ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَهَؤُلَاءِ أَرْكَانُ الْحَدِيثِ وأئمة الاسلام فيه وأما الحافظ والمتأخرون الذين ضعفوا فأكثروا من الْخَبَرِ وَسَبَبُ تَضْعِيفِهِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ وَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْمَذْكُورُونَ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زياد غلط عليه وَأَنَّهُ رَوَاهُ أَوَّلًا " إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ " قَالَ سُفْيَانُ فَقَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ بِهِ وَيَزِيدُ فِيهِ ثُمَّ لَا يَعُودُ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَقَّنُوهُ قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ لِي أَصْحَابُنَا ان حفظه قد تغير أو قد ساء قَالَ الشَّافِعِيُّ ذَهَبَ سُفْيَانُ إلَى تَغْلِيطِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ يَزِيدُ وَيَزِيدُ يَزِيدُ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَا يَصِحُّ وسمعت يحيي بن معين يضعف يزيد ابن أَبِي زِيَادٍ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَمِمَّا يُحَقِّقُ قَوْلَ سُفْيَانَ أَنَّهُمْ لَقَّنُوهُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أَنَّ سُفْيَانَ الثوري وزهير ابن مُعَاوِيَةَ وَهِشَامًا وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ ينهكروها إنَّمَا جَاءَ بِهَا مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بِأَخِرَةٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلَاءِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَذَكَرَ إسْنَادَهُ إلَى سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ بِمَكَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ " رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ " قَالَ سُفْيَانُ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْكُوفَةَ
سَمِعْتُهُ يَقُولُ " يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ ثُمَّ لَا يَعُودُ " فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَقَّنُوهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَخِيهِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ فِيهِ " ثُمَّ لَا يَعُودُ " وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ مِنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ فَصْلًا فِي تَضْعِيفِ حَدِيثِ يَزِيدَ بن أبي زياد هذا قال ولم هذا يرو الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَقْوَى مِنْ يَزِيدَ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَضْعِيفِهِ نحو ما سبق (والجواب الثاني) ذكره اصحابنا قالوا صَحَّ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ عَلَى
[ ٣ / ٤٠٢ ]
أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَعُودُ إلَى الرَّفْعِ فِي ابْتِدَاءِ اسْتِفْتَاحِهِ وَلَا فِي أَوَائِلِ بَاقِي رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ وَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ (الْجَوَابُ الثَّالِثُ) أَنَّ أَحَادِيثَ الرَّفْعِ أَوْلَى لِأَنَّهَا إثْبَاتٌ وَهَذَا نَفْيٌ فَيُقَدَّمُ الْإِثْبَاتُ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ (الرَّابِعُ) أَنَّ أَحَادِيثَ الرَّفْعِ أَكْثَرُ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَجَوَابُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ فَأَمَّا الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ فَظَاهِرَةٌ وَأَمَّا تَضْعِيفُهُ فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ تَضْعِيفَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَتَابَعَهُمَا الْبُخَارِيُّ عَلَى تَضْعِيفِهِ وَضَعَّفَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الدا قطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عثه فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَيْضًا (أَحَدُهَا) تَضْعِيفُهُ مِمَّنْ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ تَضْعِيفَهُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ قَالَ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ الْوَاهِي وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ رَفْعُ الْيَدِ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ خِلَافَ مَا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ يفعله " قال البيهقى قال الزعفراني قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا يَثْبُتُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مسعود يعنى ما روى عنهما أنها كَانَا لَا يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا فِي غَيْرِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْهُمَا لا شبه أَنْ يَكُونَ رَآهُمَا الرَّاوِي مَرَّةً أَغْفَلَا ذَلِكَ قَالَ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ ذَهَبَ عَنْهُمَا حِفْظُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَفِظَهُ ابْنُ عُمَرَ لَكَانَتْ لَهُ الْحُجَّةُ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فَاحْتِجَاجُهُمْ بِهِ مِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ وَأَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْجَهَالَةِ
بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَرِدْ فِي رَفْعِ الْأَيْدِي في الركوع والرفع منه لكنهم كَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي حَالَةِ السَّلَامِ مِنْ الصلاة ويشيرون بها الي الجانبين ويريدون بِذَلِكَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ الْجَانِبَيْنِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ لَهُ أَدْنَى اخْتِلَاطٍ بِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَيُبَيِّنُهُ أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِينَ (أَحَدِهِمَا) الطَّرِيقُ السَّابِقُ وَالثَّانِي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ " كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ورحمة الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى الْجَانِبَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ " هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَغَيْرِهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ
[ ٣ / ٤٠٣ ]
" صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنَّا إذَا سَلَّمْنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَنَظَرَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قفال مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ إذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُومِئُ بِيَدِهِ " هَذَا لَفْظُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ قال البخاري وأما احتحاج بَعْضِ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فَإِنَّمَا كَانَ فِي الرَّفْعِ عِنْدَ السَّلَامِ لَا فِي الْقِيَامِ قَالَ وَلَا يَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذَا مَنْ لَهُ حَظٌّ مِنْ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَوْ كَانَ كَمَا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْمُحْتَجُّ لَكَانَ رَفْعُ الْأَيْدِي فِي الِافْتِتَاحِ وَفِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ أَيْضًا مَنْهِيَّا عنه لانه يُبَيِّنْ رَفْعًا وَقَدْ بَيَّنَهُ حَدِيثُ أَبِي نُعَيْمٍ ثم ذكر باسناده رواية مسلم التى نقلها الْآنَ ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ فَلْيَحْذَرْ امْرُؤٌ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَوْ يَتَقَوَّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﷿ (فليذر الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يصيبهم عذاب اليم) وَأَمَّا قَوْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ " فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ ضَعِيفٌ مُرْسَلٌ وَهَذَا جَوَابُ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَوْضَحَهُ (الثَّانِي) أَنَّ هَذَا نَفْيٌ وَغَيْرُهُ إثْبَاتٌ وَهُوَ مُقَدَّمٌ (الثَّالِثُ) أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ تَرْكُ السُّنَنِ وَالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِهِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الرَّفْعَ ثَابِتٌ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذِهِ السَّبْعَةِ قَدْ بَيَّنَهَا الْبُخَارِيُّ بِأَسَانِيدِهِ وَسَأُفَرِّعُ بِهَا بِفَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَهَذَا تَنْقِيحُ
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ وَدَلَائِلِهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَأَخْتِمُهَا بِمَا خَتَمَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بن اسحق الْفَقِيهِ قَالَ قَدْ صَحَّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ثُمَّ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَيْسَ فِي نِسْيَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَفْعَ الْيَدَيْنِ مَا يُوجِبُ ان هؤلاء الصحابة لم يرووا النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَدْ نَسِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَيْفِيَّةَ قِيَامِ الِاثْنَيْنِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَنَسِيَ نَسْخَ التَّطْبِيقِ فِي الرُّكُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا نَسِيَ هَذَا
[ ٣ / ٤٠٤ ]
كَيْفَ لَا يَنْسَى رَفْعَ الْيَدَيْنِ ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ قَالَ قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ مَا معني رفع اليدين عند لركوع فَقَالَ مِثْلُ مَعْنَى رَفْعِهِمَا عِنْدَ الِافْتِتَاحِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةً مُتَّبَعَةً نَرْجُو فِيهَا ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِثْلُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَغَيْرِهِمَا وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ اجْتَمَعَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ عِشَاءً فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لِلثَّوْرِيِّ لِمَ لَا تَرْفَعُ يَدَيْكَ فِي خَفْضِ الرُّكُوعِ وَرَفْعِهِ فَقَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَرْوِي لَك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تعارضني بيزيد ابن أَبِي زِيَادٍ وَيَزِيدُ رَجُلٌ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُهُ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ فَاحْمَرَّ وَجْهُ الثَّوْرِيِّ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَأَنَّكَ كَرِهْتَ مَا قُلْتُ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ قُمْ بِنَا إلَى الْمَقَامِ نَلْتَعِنُ أَيُّنَا عَلَى الْحَقِّ فَتَبَسَّمَ الثَّوْرِيُّ لَمَّا رَأَى الْأَوْزَاعِيَّ قَدْ احْتَدَّ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ نَافِعٍ " أَنَّ ابْنِ عُمَرَ كَانَ إذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يديه إذ رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَمَاهُ بِالْحَصَى " وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عن ام الدارداء رضى الله تعالى عَنْهَا " أَنَّهَا كَانَتْ تَرْفَعُ يَدَيْهَا فِي الصَّلَاةِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهَا وَحِينَ تَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَحِينَ تَرْكَعُ وإذا قالت سمع الله لمن حمد هـ رَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالَتْ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " قَالَ الْبُخَارِيُّ وَنِسَاءُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ وَبِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ " رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ شئ تزيد به صلاتك " قال البخاري ولم يثبث عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِمَّنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْهُمْ الْحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ المثنى ويحيى بن معين واحمد ابن حنبل واسحق ابن إبْرَاهِيمَ وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَبْنَاءِ أَهْلِ زَمَانِهِمْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ عِلْمُهُ فِي تَرْكِ رَفْعِ الْأَيْدِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ قَالَ
وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَهُوَ أَكْثَرُ أَهْلِ زَمَانِهِ عِلْمًا فِيمَا يُعْرَفُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ عَنْ السَّلَفِ عِلْمٌ فَاقْتَدَى بِابْنِ الْمُبَارَكِ فِيمَا اتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ وَالتَّابِعِينَ لَكَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَعْلَمُ وَقَالَ مَعْمَرٌ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ النُّعْمَانِ فَرَفَعْتُ يَدَيَّ فَقَالَ مَا حَسِبْتُ أن لم يطير قُلْتُ إنْ لَمْ أَطِرْ فِي الْأُولَى لَمْ أَطِرْ فِي الثَّانِيَةِ ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ رَفْعَ الْأَيْدِي فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَنْ أَعْلَامِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ ثُمَّ قَالَ فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ قَدْ اتفقوا علي رفع الايادي ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ جَمَاعَاتٍ آخَرِينَ ثُمَّ قَالَ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ بِدْعَةٌ فَقَدْ طَعَنَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والسلف ومن بعدهم وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ مَكَّةَ وَعِدَّةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ وَعُلَمَاءِ خُرَاسَانَ مِنْهُمْ ابْنُ الْمُبَارَكِ حَتَّى
[ ٣ / ٤٠٥ ]
شُيُوخِنَا وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ تَرْكُ الرَّفْعِ وَلَيْسَ أَسَانِيدُهُ أَصَحَّ مِنْ أَسَانِيدِ الرَّفْعِ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا رِوَايَةُ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الرَّفْعَ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ والرفع وَرِوَايَةُ الَّذِينَ رَوَوْا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَفْعَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَفِي الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَالْجَمِيعُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْكُوا صَلَاةً وَاحِدَةً وَاخْتَلَفُوا فِيهَا بِعَيْنِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْ أَهْلِ العلم وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
*
* قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
*
* (ويجب ينحنى إلي حد يبلغ راحتاه ركبتيه لانه لا يسمى بما دونه راكعا ويستحب أن يضع يديه علي ركبتيه ويفرق أصابعه لما زوى أبو حميد السَّاعِدِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " أمسك راحتيه على ركبتيه كالقابض عليهما وقرج بين اصابعه " ولا يطبق لما روى عن مصعب بن سعد ﵁ صليت الي جنب سعد بن مالك فجعلت يدى بين ركبتي وبين فخذي وطبقتهما فضرب بيدى وقال اضرب بكفيك على ركبتيك وقال يا بنى انا قد كنا نفعل هذا فأمرنا ان نضرب بالاكف على الركب " والمستحب ان يمد ظهره وعنقه ولا يقنع رأسه ولا يصوبه لما روى ان ابا حميد الساعدي ﵁ " وَصَفَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ فركع واعتدال ولم يصوب
رأسه ولم يقنعه " والمستحب أن يجافى مرفقيه عن جنيبه لما روى أبو حميد السَّاعِدِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فعل فان كانت امرأة لم تجاف بل تضم المرفقين إلي الجنبين لان ذلك أستر لها ويجب ان يطمئن في الركوع لقوله صلي الله عليه وسلم للمسئ صلاته " ثم اركع حتى تطمئن راكعا ")
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ أَبِي.
حُمَيْدٍ الْأَوَّلُ وَحَدِيثُهُ الْأَخِيرُ صَحِيحَانِ رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ بِكَمَالِهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَّا قَوْلَهُ وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ فَلَمْ يَذْكُرْهَا التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ هَاتَانِ اللَّفْظَتَانِ كَمَا وَقَعَتَا هُنَا وَأَمَّا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عمرو ابن عطاء انه كان جالسا مع نفر أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فذكرناه صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى
[ ٣ / ٤٠٦ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أنا كنت أحفظكم لطلاة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " رَأَيْتُهُ إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه وإذ رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارِهِ مَكَانَهَا فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غير مفنرش وَلَا قَابِضَهَا وَاسْتَقْبَلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ مُوَجَّهَةً لِلْقِبْلَةِ فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى عَلَى مَقْعَدَتِهِ " هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَأَمَّا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُهُ وَهُوَ فِي عشرة من اصحاب النبي صلي الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا فَاعْرِضْ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بهما منكيبه ثم قال الله اكبر ثم اعتدال فَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقَنِّعْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا ثُمَّ هَوَى إلَى الْأَرْضِ سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ إبْطَيْهِ وَفَتَحَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا ثُمَّ هَوَى سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ اللَّهُ اكبر ثم ثنى
رجله وقد وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ نَهَضَ ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا صَنَعَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ثُمَّ صَنَعَ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَنْقَضِي فِيهَا صلاته أخر رجله اليسيرى وَقَعَدَ عَلَى شِقِّهِ مُتَوَرِّكًا ثُمَّ سَلَّمَ قَالُوا صَدَقْتَ هَكَذَا صَلَّى ﷺ " هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ وَقَوْلُهُ إذَا قَامَ مِنْ السجدتين رفع يديه يعنى إذا قام الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِثْلَ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَزَادَ بَعْدَهُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يَقْرَأُ وَقَالَ فيها ثم يركع ويضع على راحتيه على ركبته وقال ثم قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى وَقَالَ " إذَا رَكَعَ أَمْكَنَ كَفَّيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ " لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي السُّجُودِ " وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ الْقِبْلَةَ " فهذه طرق من حديث التبطبين رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ " صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ وَوَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فخذي فنهايي أَبِي وَقَالَ كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ " وَأَمَّا حَدِيثُ " المسئ صلاته " فراواه البخاري ومسلم من رواية ابي هريرة وأما الفاظ الفصل فالتطبيق هو ان يجعل بظن كَفَّيْهِ عَلَى بَطْنِ الْأُخْرَى وَيَجْعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وفخذيه وقوله ولا يقنع رأسه أي يَرْفَعُهُ وَلَا يُصَوِّبُهُ - وَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ
[ ٣ / ٤٠٧ ]
وَفَتْحِ الصَّادِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أَيْ لَا يُبَالِغُ في خفضه وتنكيسه وقوله يجافى هو غير مصور وَمَعْنَاهُ يُبَاعَدُ وَمِنْهُ الْجَفْوَةُ وَالْجَفَاءُ بِالْمَدِّ وَأَبُو حُمَيْدٍ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ السَّاعِدِيُّ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بَطْنٍ مِنْ الْأَنْصَارِ الْمَدَنِيُّ ﵁ تُوُفِّيَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ﵁ مصعب بن سعد أَبِي وَقَّاصٍ اسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ وُهَيْبٍ وَيُقَالُ أَهْيَب فَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ المشهود لهم بالجنة ومصعت ابْنُهُ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ ثَنَاهُ وَعَطَفَهُ وَالْفَقَارُ عِظَامُ الظَّهْرِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَقَوْلُهُ " فَتَحَ أَصَابِعَ
رِجْلَيْهِ " وَهُوَ بالحاء المهلة أَيْ لَيَّنَهَا وَثَنَاهَا إلَى الْقِبْلَةِ وَقَوْلُهُ وَرَكَعَ ثُمَّ اعْتَدَلَ أَيْ اسْتَوَى فِي رُكُوعِهِ (أَمَّا) أَحْكَامُ الْفَصْلِ قَالَ أَصْحَابُنَا أَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ لَوْ أَرَادَ وَضْعَهُمَا عَلَيْهِمَا وَلَا يُجْزِيهِ دُونَ هَذَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَهَذَا عِنْدَ اعْتِدَالِ الْخِلْقَةِ وَسَلَامَةِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَلَوْ انْخَنَسَ وَأَخْرَجَ رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ مَائِلٌ مُنْتَصِبٌ وَصَارَ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَيْهِ بَلَغَتْ راحتاه ركبتيه لم يكن رُكُوعًا لِأَنَّ بُلُوغَهُمَا لَمْ يَحْصُلْ بِالِانْحِنَاءِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ مَزَجَ الِانْحِنَاءَ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ وكان التمكن من وضع الراحتين علي الرُّكْبَتَيْنِ جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ رُكُوعًا أَيْضًا ثُمَّ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِانْحِنَاءِ إلَى الْحَدِّ المذكور الا بمعين أو باعتماد علي شئ أَوْ بِأَنْ يَنْحَنِيَ عَلَى جَانِبِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَحْصِيلِ الرُّكُوعِ فَوَجَبَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ انْحَنَى الْقَدْرَ الْمُمْكِنَ فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ بِطَرَفِهِ مِنْ قِيَامٍ هَذَا بَيَانُ رُكُوعِ الْقَائِمِ أَمَّا رُكُوعُ الْمُصَلِّي قاعدا فأقله أن ينحنى بحيث يحاذي وجه مَا وَرَاءَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ هَذَا الْقَدْرِ لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ وَنَحْوِهَا فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِنْ الِانْحِنَاءِ وَفِي رُكُوعِ الْعَاجِزِ وَسُجُودِهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهُوِيِّهِ غَيْرَ الرُّكُوعِ فَلَوْ قَرَأَ فِي قِيَامِهِ آيَةَ سَجْدَةٍ فَهَوَى لِيَسْجُدَ ثُمَّ بَدَا له بعد بلوغه حد الركعتين أَنْ يَرْكَعَ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ عَنْ الرُّكُوعِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْقِيَامِ ثُمَّ يَرْكَعَ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَوْ سَقَطَ مِنْ قِيَامِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْقِرَاءَةِ فَارْتَفَعَ مِنْ الارض فارتفع من الارض إلى حد الركعين لَمْ يُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعَ وَلَوْ انْحَنَى لِلرُّكُوعِ فَسَقَطَ قَبْلَ حُصُولِ أَقَلِّ الرُّكُوعِ لَزِمَهُ أَنْ يعود الي الموضع الذى سقط منه وينبى عَلَى رُكُوعِهِ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ رَكَعَ وَاطْمَأَنَّ ثُمَّ سَقَطَ لَزِمَهُ أَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكُوعِ لِئَلَّا يَزِيدَ رُكُوعًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ والقاضى وأبو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ وَتَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ
[ ٣ / ٤٠٨ ]
في الركوع بلا خلاف لحديث " المسئ صَلَاتَهُ " وَأَقَلُّهَا أَنْ يَمْكُثَ فِي هَيْئَةِ الرُّكُوعِ حَتَّى تَسْتَقِرَّ أَعْضَاؤُهُ وَتَنْفَصِلَ حَرَكَةُ هُوِيِّهِ عَنْ ارْتِفَاعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَوْ جَاوَزَ حَدَّ أَقَلِّ الركوع بلا خلاف لحديث
" المسئ صَلَاتَهُ " وَلَوْ زَادَ فِي الْهُوِيِّ ثُمَّ ارْتَفَعَ والحركات متصلة ولم يلبث لم تحصل المطمأنينة وَلَا يَقُومُ زِيَادَةُ الْهُوِيِّ مَقَامَ الطُّمَأْنِينَةِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا أَكْمَلُ الرُّكُوعِ فِي الْهَيْئَةِ فَأَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ يَسْتَوِي ظَهْرُهُ وَعُنُقُهُ وَيَمُدَّهُمَا كَالصَّفِيحَةِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَلَا يُثْنِي رُكْبَتَيْهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ وَعُنُقَهُ وَلَا يَخْفِضُ ظَهْرَهُ عَنْ عُنُقِهِ وَلَا يَرْفَعُهُ وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوِيًا فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ عَنْ ظَهْرِهِ عَنْ رَأْسِهِ أَوْ جَافَى ظَهْرَهُ حَتَّى يَكُونَ كَالْمُحْدَوْدَبِ كَرِهْتُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَأْخُذُهُمَا بِهِمَا وَيُفَرِّقُ أَصَابِعَهُ حِينَئِذٍ وَيُوَجِّهُهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ في التبصرة ويوجههما نَحْوَ الْقِبْلَةِ غَيْرَ مُنْحَرِفَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ تَفْرِيقِهَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِ وقطع به الاصحاب في جيمع الطُّرُقِ وَأَمَّا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ فِي الواسيط يَتْرُكُهَا عَلَى حَالِهَا فَشَاذٌّ مَرْدُودٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَأَصْحَابُنَا فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى يَدَيْهِ مقطوعة أو عليلة فعل بلاخرى مَا ذَكَرْنَا وَفَعَلَ بِالْعَلِيلَةِ الْمُمْكِنَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ أَرْسَلَهُمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ كَانَ أَقْطَعَ مِنْ الزَّنْدَيْنِ لَمْ يبلغ يزنديه ركتبيه وَفِي الرَّفْعِ يَرْفَعُ زَنْدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَالْفَرْقُ ان في تبليغهما إلى الركتبين في الركوع مفارقة من استواء الظهر بخلاف الرافع وَلَوْ لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَلَكِنْ بَلَغَ ذَلِكَ الْقَدْرَ أَجْزَأَهُ وَيُكْرَهُ تَطْبِيقُ الْيَدَيْنِ بين الركتبين لحديث سعد رضي الله تعالى عَنْهُ فَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِالنَّهْيِ وَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ ضَمُّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ وَتَرْكُ الْمُجَافَاةِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَ هَذَا كُلِّهِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ وَأَمَّا الْخُنْثَى فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ ضَمُّ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُجَافَاةُ وَلَا الضَّمُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخِرِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ لِلْمَرْأَةِ فِي السجود ان تض؟ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وَتُلْصِقَ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا كَأَسْتَرِ مَا يَكُونُ لَهَا قَالَ وَهَكَذَا أُحِبُّ لَهَا فِي الرُّكُوعِ وَجَمِيعِ الصَّلَاةِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي اسْتِحْبَابِ ضَمِّ الْمَرْأَةِ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ كَوْنُهُ أَسْتَرَ لَهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ
[ ٣ / ٤٠٩ ]
الْبَيْهَقِيُّ بَابًا ذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ ضَعَّفَهَا كُلَّهَا وَأَقْرَبُ مَا فِيهِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد قَالَ الْعُلَمَاءُ
وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ مُجَافَاةِ الرَّجُلِ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَنَّهَا أَكْمَلُ فِي هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَصُورَتِهَا وَلَا أَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِهَا خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ اسْتِحْبَابَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُطْلَقًا وَقَدْ ذَكَرْتُ حكم تفريق الاصباع وَالْمَوَاضِعَ الَّتِي يُضَمُّ فِيهَا أَوْ يُفَرَّقُ فِي فَصْلِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ لَوْ رَكَعَ وَلَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرَفَعَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ انْحَنَى قَدْرًا تَصِلُ بِهِ رَاحَتَاهُ إلَى رُكْبَتَيْهِ أَمْ لا لزمه إعادة الركو ع الركرع لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِّ الرُّكُوعِ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ ينحنى بحيث تنال راحتاه ركبته وَلَا يَجِبُ وَضْعُهُمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَتَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بين السحدتين وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يكفيه في لركوع أدنى انحناء ولا تجب الطمأنينة في شئ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ (وَاحْتَجَّ لَهُ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى (اركعوا واسجدوا) وَالِانْخِفَاضُ وَالِانْحِنَاءُ قَدْ أَتَى بِهِ (وَاحْتَجَّ) أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ المسئ صَلَاتَهُ " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ لِبَيَانِ أَقَلِّ الْوَاجِبَاتِ كَمَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ " ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " (فَإِنْ قِيلَ) لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ (قُلْنَا) هَذَا غَلَطٌ وَغَفْلَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي آخِرِ مَرَّةٍ " ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " فَقَالَ لَهُ عَلِّمْنِي فَعَلَّمَهُ وَقَدْ سَبَقَ أَمْرُهُ لَهُ بِالْإِعَادَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْرَارِهِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وهب ابي حُذَيْفَةَ ﵁ " رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَقَالَ مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا ﷺ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ حَدِيثُهُ في قصة المسئ صلاته بمعني الحديث ابى هريرة وهو صحيح كما سبق صحيح كما سبق بيانه في فصل قراةء الفاتحة وعن ابى مسعود البدرى رضى اللله عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ
" لَا تجرئ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ
[ ٣ / ٤١٠ ]
حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ " لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَالصُّلْبُ الظَّهْرُ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ الْمُرَادَ بِهَا فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ
* (فَرْعٌ)
في الركوع: اتفق العلماة من الصاحبة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى كَرَاهَةِ التَّطْبِيقِ فِي الرُّكُوعِ إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ التَّطْبِيقُ سُنَّةٌ وَيُخْبِرُ أَنَّهُ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ سَعْدٍ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّسْخِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَحَدِيثُ ابي حميد الساعدي وغيرهما وعن ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ " قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إنَّ الرُّكَبَ قَدْ سُنَّتْ لَكُمْ فَخُذُوا بِالرُّكَبِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال حديث صحيح والنسائي * قال المصنف ﵀
*
* (والمستحب ان يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَى الكمال لما روى عن ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال " إذا ركع أحدكم فقال سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وذلك أدناه " والافضل أن يضيف (اللهم لك ركعت ولك خشعت وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وبصرى وعظمي ومخي وعصبي) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا ركع قال ذلك " فان ترك التسبيح لم تبطل صلاته لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ للمسئ صلاته " ثم راكع حتى تطمئن راكعا " ولم يذكر التسبيح)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا هُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ عَوْنًا لَمْ يَلْقَ ابْنَ مسعود ولهذا قال السافعي فِي الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتًا فانما يعنى بقوله ثم رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ أَيْ أَدْنَى مَا يُنْسَبُ إلَى كَمَالِ الْفَرْضِ وَالِاخْتِيَارِ مَعًا لَا كَمَالِ الْفَرْضِ وَحْدَهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إنَّمَا قَالَ إنْ كَانَ ثَابِتًا لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ مُغَايَرَةٌ في بعض
الالفاظ سأذكرها إن شاء اللله تعالي وحديث المسئ صَلَاتَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ.
اما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْمُخْتَصَرِ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَى الْكَمَالِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ الرَّاكِعُ فَيَقُولَ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَيَقُولَ مَا حَكَيْتُهُ
[ ٣ / ٤١١ ]
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي حديث علي ﵁ قال أصحابنا يُسْتَحَبُّ التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّبْحَةِ بقوله سبحان الله أو سبحان ربي وأدني الْكَمَالِ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَهَذَا أَدْنَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَى الْكَمَالِ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ أَقَلُّ مِنْ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ لَوْ سَبَّحَ مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ آتِيًا بِسُنَّةِ التَّسْبِيحِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ أَوَّلَ الْكَمَالِ الثَّلَاثُ قَالَ وَلَوْ سَبَّحَ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ كَانَ أَفْضَلَ وَأَكْمَلَ لَكِنَّهُ إذَا كَانَ إمَامًا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي أَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ وَأَعْلَى الْكَمَالِ إحْدَى عَشْرَةَ أَوْ تِسْعٌ وَأَوْسَطُهُ خَمْسٌ وَلَوْ سَبَّحَ مَرَّةً حَصَلَ التَّسْبِيحُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ قَوْلِهِ وَبِحَمْدِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ وَيُنْكَرُ عَلَى الرَّافِعِيِّ لانه قال وبعضم يُضِيفُ إلَيْهِ وَبِحَمْدِهِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ وَجْهٌ شَاذٌّ مَعَ أَنَّهُ مَشْهُورٌ لِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ قَالَ أَصْحَابُنَا ويستحب أن يقول اللهم ركعت إلي آخر حديث على رضي الله تعالي عَنْهُ وَهَذَا أَتَمُّ الْكَمَالِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّسْبِيحِ أَوَّلًا وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ الَّذِي قَدَّمْتُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِ الذِّكْرَيْنِ فَالتَّسْبِيحُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فِي الْأَحَادِيثِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْإِتْيَانُ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتَ إلَى آخِرِهِ مَعَ ثَلَاثِ تسبيحات أفضل من حذفه وزيادة التسبيح على ثلاث وهذا الذى قاله واضح لا يجى فِيهِ خِلَافٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثِ تسبيحات تستحب المنفرد وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ وَقِيلَ خَمْسٍ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمَأْمُومُونَ بِالتَّطْوِيلِ وَيَكُونُوا مَحْصُورِينَ لَا يَزِيدُونَ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ الرَّاكِعُ فَيَقُولَ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ مَا حَكَيْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ يَعْنِي حَدِيثَ عَلِيٍّ ﵁
قَالَ وَكُلُّ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَحْبَبْتُ أَنْ لَا يُقَصِّرَ عنه اما ما كان أو منفردا وهو تحفيف لا تثقيل هذا لفظ نصه وظاهر اسْتِحْبَابُ الْجَمِيعِ لِلْإِمَامِ لَكِنَّ الْأَقْوَى مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فَيُتَأَوَّلُ نَصُّهُ عَلَى مَا إذَا رَضِيَ الْمَأْمُومُونَ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
*
[ ٣ / ٤١٢ ]
(فَرْعٌ)
فِي بَيَانِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي أَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قال " كان رسول الله صلي الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم: وسبوح قدوس بضم أولهما وَفَتْحِهِ لُغَتَانِ وَعَنْهَا قَالَتْ " افْتَقَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فحسبت ثُمَّ رَجَعْتُ فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ يَقُولُ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح آل عمران فقرأها افتتح النساء فقرأها نقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح وسبح وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الحمد ثم قام قيام طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عن رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ وَجَّهْتُ وَجْهِي إلَى آخِرِهِ وَإِذَا رَكَعَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَإِذَا رَفَعَ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لك الحمد ملء السموات والارض وما بينهما وملء ما شئت من شئ بَعْدُ وَإِذَا سَجَدَ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قَالَ اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
زَادَ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ " فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَكَعَ قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثَلَاثًا وَإِذَا سَجَدَ قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ ثَلَاثًا " قَالَ أَبُو داود ونخاف أن لا تكون هذه لزيادة مَحْفُوظَةً وَفِي رُوَاتِهَا مَجْهُولٌ وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثَلَاثًا وَفِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الاعلي وبحمده ثلاثا " رواه الدارقطني بِإِسْنَادٍ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ ضعيف وعن عوف ابن مالك ﵁ قال قَالَ " قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَقَامَ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ لَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ فَسَأَلَ وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ ثُمَّ سجد
[ ٣ / ٤١٣ ]
بقدر ثم قال في سجوده ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِآلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَرَأَ سُورَةً سُورَةً) " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سَتَأْتِي بَقِيَّةٌ مِنْهَا فِي السُّجُودِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالي
* (فرع)
قال الشافعي وسائر الاصحاب وسائر العلماة قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ وَغَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ (١) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ " نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وأنا راكع أو ساجدت " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ " الاواني نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فاجتهد فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَإِنْ قَرَأَ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَيْضًا لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْأَصَحِّ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَفِي وَجْهٍ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الْحَاوِي أَنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ نَقَلَ رُكْنًا إلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَمَا لَوْ رَكَعَ أَوْ سجد في غيره مَوْضِعِهِ وَسَتَأْتِي فُرُوعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَبْسُطُهَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
*
(فَرْعٌ)
فِي التَّسْبِيحِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَالتَّكْبِيرَاتُ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَأْثَمْ وصلاته صحيحة سواء تركه عمدا أو سَهْوًا لَكِنْ يُكْرَهُ تَرْكُهُ عَمْدًا هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وجمور الْعُلَمَاءِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَهُوَ مَذْهَبُ الفقهاء كافة وقال اسحق بن راهويه التسبيح واجب ان تركه عكدا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ نَسِيَهُ لَمْ تَبْطُلْ وَقَالَ دَاوُد وَاجِبٌ مُطْلَقًا وَأَشَارَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ إلَى اخْتِيَارِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وربنا ولك الحمد وان نسيه بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَجَمِيعُ التَّكْبِيرَاتِ وَاجِبَةٌ فَإِنْ تَرَكَ شيئا منه عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ نَسِيَهُ لَمْ تَبْطُلْ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَنْهُ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْمَذْكُورِ فِي فَرْعِ أَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ وَقَالَ ﷺ " صَلُّوا كَمَا رأيتوني اصلي " وبالقياس وعلي القراءة واحتج الشافعي والجمهور بحديث المسئ صَلَاتَهُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ هَذِهِ الْأَذْكَارَ مَعَ أَنَّهُ عَلَّمَهُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةَ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَذْكَارُ وَاجِبَةً لَعَلَّمَهُ إيَّاهَا بَلْ هَذِهِ أَوْلَى بِالتَّعْلِيمِ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لِأَنَّهَا تقال سرا وتخفى كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مَعَ ظُهُورِهِمَا لَا يُعَلِّمُهَا فهذه اولي واما الاحاديث الواردة
_________________
(١) كذا بالاصل وفيه سقط لعله مكروهة أو نحوه فليحرر اه
[ ٣ / ٤١٤ ]
بِهَذِهِ الْأَذْكَارِ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْأَفْعَالَ فِي الصَّلَاةِ ضَرْبَانِ (أَحَدُهُمَا) مُعْتَادٌ لِلنَّاسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ وَهَذَا لَا تَتَمَيَّزُ الْعِبَادَةُ فِيهِ عَنْ الْعَادَةِ فَوَجَبَ فِيهِ الذِّكْرُ لِيَتَمَيَّزَ (وَالثَّانِي) غَيْرُ مُعْتَادٍ وَهُوَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَهُوَ خُضُوعٌ فِي نَفْسِهِ مُتَمَيِّزٌ لِصُورَتِهِ عَنْ أَفْعَالِ الْعَادَةِ فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى مُمَيَّزٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
التَّسْبِيحُ فِي اللغة معناه التنزيه قال الواحدى اجمنع الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ الْمَعَانِي عَلَى أَنَّ مَعْنَى تَسْبِيحِ الله تعالي تنزيهه وتبرئته من السؤ قَالَ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ التَّبْعِيدُ مِنْ قَوْلِكَ سَبَحْتُ فِي الْأَرْضِ إذَا بَعُدْتَ فِيهَا وَسُبْحَانَ الله منصوب على المصدر عنه الْخَلِيلِ وَالْفَرَّاءِ كَأَنَّكَ قُلْتَ سُبْحَانًا وَتَسْبِيحًا فَجُعِلَ
السبحان موضع التسبيح قال سبيويه سَبَّحْتُ اللَّهَ سُبْحَانًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَالْمَصْدَرُ التَّسْبِيحُ وَسُبْحَانَ اسْمٌ يَقُومُ مَقَامَ الْمَصْدَرِ وَبِحَمْدِهِ سَبَّحْتُهُ فحذف سبحته اختصار أو يكون قَوْلُهُ وَبِحَمْدِهِ حَالًا أَيْ حَامِدًا سَبَّحْتُهُ وَقِيلَ معناه وبحمده ابتدئ * قال المصنف ﵀
*
* (ثم يرفع رأسه وسيتحب ان يقول سمع الله لمن حمده لما ذكرناه من حديث ابى هريرة في الركوع ويستحب ان يرفع يديه حذو منكبيه في الرفع لما ذكرناه من حديث ابن عمر في تكبيرة الاحرام فان قال من حمد الله سمع الله له اجزأه لانه اتى باللفظ والمعنى فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ رَبَّنَا لك الحمد ملء السموات وملء الارض ملء ما شئت من شئ بعد أهل الثناء والمجد حق ما قال العبد كلنا لَك عَبْدُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ من الركوع قال ذلك " ويجب ان يطمئن قائما لما روى رفاعة بْنِ مَالِكٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فليتوضأ كما امره اللى تعالى الي ان قال ثم ليركع حتى يطمئن راكعا ثم ليقم حتي يطمئن قائما ثم ليسجد حتي يطمئن ساجدا ")
*
*
* (الشَّرْحُ)
* أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ " أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ " بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي أَحَقَّ وَوَاوٍ فِي وَكُلُّنَا هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَائِرُ الْمُحَدِّثِينَ وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ وَكُتُبِ الْفِقْهِ " حَقٌّ مَا قَالَ الْعَبْدُ كُلُّنَا " بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُنْتَظِمَ الْمَعْنَى لَكِنَّ الصَّوَابَ مَا ثَبَتَ فِي كُتُبِ الحديث قال الشيخ أبو عمر بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ مَعْنَاهُ " أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ " قَوْلُهُ " لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ " الي آخره وقوله " وكلنا لك عبد " اعتراض بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ قَالَ أَبُو دَاوُد أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ " أَحَقُّ مَا قَالَ " خَبَرًا لِمَا قَبْلَهُ أَيْ قَوْلُهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إلَى آخِرِهِ " أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ " وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَهُ هُوَ الرَّاجِحُ الَّذِي يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ لِمَا فِيهِ مِنْ كَمَالِ التَّفْوِيضِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاعْتِرَافِ بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَقَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَتَدْبِيرِ مَخْلُوقَاتِهِ
[ ٣ / ٤١٥ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم وحديث رفاعة صحيح تقديم بيانه بطوله في فصل
القراءة لكن وقع هُنَا " حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا " وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ " حتى تعتدل قائما " واما أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى احْتِرَازٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّكْبِيرِ أَكْبَرُ اللَّهُ فانه لا يجزيه لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى وَقَوْلُهُ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " أَيْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حمده وجازاه به وقوله " ملء المسوات وملء الْأَرْضِ " هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ نَصْبُ آخِرِهِ وَرَفْعُهُ مِمَّنْ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا ابْنُ خَالَوَيْهِ وَآخَرُونَ وَحُكِيَ عَنْ الزَّجَّاجِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا الرَّفْعُ وَرَجَّحَ ابْنُ خَالَوَيْهِ وَالْأَكْثَرُونَ النَّصْبَ وَهُوَ المعروف في الروايات الْحَدِيثِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ مَالِئًا وَتَقْدِيرُهُ لَوْ كَانَ جِسْمًا لَمَلَأ ذَلِكَ وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ وَذَكَرْتُ قَوْلَ الزَّجَّاجِ وَابْنِ خَالَوَيْهِ وَغَيْرِهِمَا وقوله " اهل " منصوب على النداء قيل وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْتَ أَهْلٌ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَالثَّنَاءُ الْمَجْدُ وَالْمَجْدُ الْعَظَمَةُ وَقَوْلُهُ " لَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ " هُوَ بِفَتْحِ الجيم علي المشهور وقيل بكسرها والصحيح والاول وَالْجَدُّ الْحَظُّ وَالْمَعْنَى لَا يَنْفَعُ ذَا الْمَالِ وَالْحَظِّ وَالْغِنَى غِنَاهُ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ عِقَابِكَ وانما ينفعه ويمنعه ومن عِقَابِكَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ يَكُونُ مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْإِسْرَاعِ فِي الْهَرَبِ إسْرَاعُهُ وَهَرَبُهُ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَقَوْلُهُ رِفَاعَةُ بْنُ مَالِكٍ كَذَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ وَاَلَّذِي فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قبل هَذَا فِي فَصْلِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ هُنَاكَ: أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ فَالِاعْتِدَالُ مِنْ الرُّكُوعِ فَرْضٌ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَقَدْ يُتَعَجَّبُ مِنْ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ كَأَنَّهُ تَرَكَهُ لِاسْتِغْنَائِهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَائِمًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَالِاعْتِدَالُ الْوَاجِبُ هُوَ أَنْ يَعُودَ بَعْدَ رُكُوعِهِ إلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي كَانَ عليها قبل الركوع سواء صلى قائما أو قَاعِدًا فَلَوْ رَكَعَ عَنْ قِيَامٍ فَسَقَطَ فِي رُكُوعِهِ نَظَرَ إنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ مِنْ رُكُوعِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكُوعِ وَيَطْمَئِنَّ ثُمَّ يَعْتَدِلَ مِنْهُ وَإِنْ اطْمَأَنَّ لَزِمَهُ أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِمًا فَيَعْتَدِلَ ثُمَّ يَسْجُدَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكُوعِ فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ رُكُوعًا وَلَوْ رَفَعَ الرَّاكِعُ رَأْسَهُ ثُمَّ سَجَدَ وَشَكَّ هَلَّ تَمَّ اعْتِدَالُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الِاعْتِدَالِ ثُمَّ يَسْجُدَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاعْتِدَالِ وَيَجِبُ أَنْ لا يقصد بارتفاعه من الركوع شيئنا غَيْرَ الِاعْتِدَالِ فَلَوْ رَأَى فِي رُكُوعِهِ حَيَّةً وَنَحْوَهَا فَرَفَعَ فَزَعًا مِنْهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُطَوِّلَ الِاعْتِدَالَ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ لِأَذْكَارِهِ فَإِنْ طَوَّلَ زِيَادَةً عَلَيْهِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ إنْ
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ أَتَى بِالرُّكُوعِ الْوَاجِبِ فَعَرَضَتْ عِلَّةٌ مَنَعَتْهُ مِنْ الِانْتِصَابِ سَجَدَ مِنْ رُكُوعِهِ وَسَقَطَ عَنْهُ الِاعْتِدَالُ لِتَعَذُّرِهِ فَلَوْ زَالَتْ الْعِلَّةُ قَبْلَ بُلُوغِ جَبْهَتِهِ مِنْ الْأَرْضِ وَجَبَ أَنْ يَرْتَفِعَ وَيَنْتَصِبَ قَائِمًا وَيَعْتَدِلَ ثُمَّ يَسْجُدَ وَإِنْ زالت بعد وضع جبهه عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الِاعْتِدَالِ بَلْ سقط عنه فان خالف وعاد إليه بل تَمَامِ سُجُودِهِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ
[ ٣ / ٤١٦ ]
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ وَيَعُودُ إلَى السُّجُودِ وَتَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الِاعْتِدَالِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي قَلْبِي مِنْ ايجلبها شئ وَسَبَبُهُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ في حديث المسئ صَلَاتَهُ " حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا " وَقَالَ فِي بَاقِي الْأَرْكَانِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطْمَئِنُّ وَقَالَ " صلوا كما رأنتمونى أُصَلِّي " هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِوَاجِبِ الِاعْتِدَالِ وَأَمَّا أَكْمَلُهُ وَمَنْدُوبَاتُهُ (فَمِنْهَا) أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الرَّفْعِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ رَفْعِهِمَا مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّفْعِ وَدَلِيلُ الرَّفْعِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ في فصل الركوع وسبق هنا بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا حَطَّ يَدَيْهِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ فِي حَالِ ارْتِفَاعِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ فَإِنْ قَالَ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ أَجْزَأَهُ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ السَّنَةِ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِخِلَافِ مَا لَوْ قال في التكبير أَكْبَرُ اللَّهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ يُحِيلُ مَعْنَاهُ بِالتَّنْكِيسِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لَكِنَّ قَوْلَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَوْلَى لانه الذى وردت من الْأَحَادِيثُ فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ " ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الارض وملء ما شئت من شئ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ " قال الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَسْتَوِي فِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْأَذْكَارِ كُلِّهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ فَيَجْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَ قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهِ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إلَى آخِرِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا لَكِنْ قَالَ الْأَصْحَابُ إنَّمَا يَأْتِي الْإِمَامُ بِهَذَا كُلِّهِ إذَا رَضِيَ الْمَأْمُومُونَ بِالتَّطْوِيلِ وَكَانُوا مَحْصُورِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ
[ ٣ / ٤١٧ ]
كذلك اقتصر علي سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبّنَا لَك الْحَمْدُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْمُحَدِّثِينَ " أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد " وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْفِقْهِ " حَقٌّ مَا قَالَ الْعَبْدُ كُلُّنَا " بِخِلَافِ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحُ الْمَعْنَى لَكِنَّ الْمُخْتَارَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَهُوَ إثْبَاتُ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ " رَبَّنَا لَكَ الحمد " وفى روايات الكثيرة " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " بِالْوَاوِ وَفِي رِوَايَاتٍ " اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " وَفِي رِوَايَاتٍ " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " وَكُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ قَالَ الشَّافِعِيُّ والاصحاب كله جائز قال الْأَصْمَعِيُّ سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو عَنْ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " فَقَالَ هِيَ زَائِدَةٌ يقول الْعَرَبُ يَعْنِي هَذَا الثَّوْبُ فَيَقُولُ الْمُخَاطَبُ نَعَمْ وَهُوَ لَك بِدِرْهَمٍ فَالْوَاوُ زَائِدَةٌ (قُلْتُ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ رَبَّنَا أَطَعْنَاك وَحَمَدْنَاكَ وَلَكَ الْحَمْدُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ قَالَ وَلَكَ الْحَمْدُ رَبَّنَا أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَقَدْ سَبَقَ الْآنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَكْبَرُ اللَّهُ قَالُوا وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ قَوْلُهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ السَّنَةُ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِقَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِيَسْمَعَ الْمَأْمُومُونَ وَيَعْلَمُوا انْتِقَالَهُ كما يجهر بالكبير وَيُسِرُّ بِقَوْلِهِ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ لِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ فِي الِاعْتِدَالِ فَأَسَرَّ بِهِ كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيُسِرُّ بِهِمَا كَمَا يُسِرُّ بالتكبير فان أَرَادَ تَبْلِيغَ غَيْرِهِ انْتِقَالَ الْإِمَامِ كَمَا يُبَلَّغُ التكبيره جهر بقول سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ فِي حَالِ الِارْتِفَاعِ وَلَا يَجْهَرُ بِقَوْلِهِ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُشْرَعُ فِي حَالِ الِاعْتِدَالِ والله اعلم
*
[ ٣ / ٤١٨ ]
(فرع)
ذكر صاحب التتمة في اشتراط الا عتدال في صلاة النقل وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفَلَ هَلْ يَصِحُّ مُضْطَجِعًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ قَالَ وَوَجْهُ السُّنَّةِ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إكْمَالِ الْأَرْكَانِ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ في الاعتدال: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ بَلْ لَوْ انْحَطَّ مِنْ الرُّكُوعِ إلَى السُّجُودِ أَجْزَأَهُ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (اركعوا واسجدوا)
واحتج اصحابنا بحديث المسئ صَلَاتَهُ وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ لَا تُعَارِضُهُ وَبِقَوْلِهِ ﷺ " صَلُّوا كَمَا رأيتوني أُصَلِّي "
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يُقَالُ في الاعتدال: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يقول في حال ارتفاعه سمع الله لمن حَمِدَهُ فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا قَالَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إلَى آخِرِهِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ وَبِهَذَا قَالَ عطاء وأبو بردة ومحمد بن سيرين واسحق وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ سمع الله لمن حمده فقط المأموم رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَقَطْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ يَجْمَعُ الْإِمَامُ الذِّكْرَيْنِ وَيَقْتَصِرُ الْمَأْمُومُ عَلَى رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ رواه البخاري ومسلم وراه مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمْدَهُ قَالَ اللم رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبّنَا لَك الْحَمْدُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ وَمِثْلُهُ فِي صَحِيحِ
[ ٣ / ٤١٩ ]
الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الله بن ابي أو في وَغَيْرِهِ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " فَيَقْتَضِي هَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ فَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ كَالتَّسْبِيحِ فِي الركوع وغيره ولان لصلاة مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنْ لَا يَفْتُرَ عَنْ الذِّكْرِ في شئ مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِالذِّكْرَيْنِ فِي الرَّفْعِ وَالِاعْتِدَالِ بَقِيَ أَحَدُ الْحَالَيْنِ خَالِيًا عَنْ الذِّكْرِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ " وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " فَقَالَ أَصْحَابُنَا فَمَعْنَاهُ قُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مَعَ مَا قَدْ عَلِمْتُمُوهُ مِنْ قَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ جَهْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَإِنَّ السُّنَّةَ فِيهِ الْجَهْرُ وَلَا يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ سِرًّا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَكَانُوا يَعْلَمُونَ قَوْلَهُ ﷺ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " مَعَ قَاعِدَةِ التَّأَسِّي بِهِ ﷺ مُطْلَقًا وَكَانُوا يُوَافِقُونَ فِي سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْأَمْرِ بِهِ وَلَا يَعْرِفُونَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَأُمِرُوا بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
ثَبَتَ عَنْ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ ﵁ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ مَنْ الْمُتَكَلِّمُ قال أنا قَالَ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَذْكَارِ فَيَقُولُ فِي ارْتِفَاعِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَإِذَا انْتَصَبَ قَالَ اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد حمدا كثير طيبا مباركا فيه ملء السموات وملء الارض الي قوله منك الجد
* قال المنصف ﵀
*
* (ثم يسجد وهو فرض لقوله تعالى (اركعوا واسجدوا) ويستحب أن يبتدئ عند الهوى الي السجود بالتكبيرات لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله تعالي عنه في الركوع)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَصْلُ السُّجُودِ التَّطَامُنُ وَالْمَيْلُ وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ أَصْلُهُ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ وَكُلُّ مَنْ تَذَلَّلَ وَخَضَعَ فَقَدْ سَجَدَ وَسُجُودُ كُلِّ مَوَاتٍ فِي الْقُرْآنِ طَاعَتُهُ لِمَا سَجَدَ لَهُ هَذَا
[ ٣ / ٤٢٠ ]
أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ وَقِيلَ لِمَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي الْأَرْضِ سَجَدَ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْخُضُوعِ: وَالسُّجُودُ فرض بنص الكتاب والسنن وَالْإِجْمَاعِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّكْبِيرُ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّ أَحْمَدَ أَوْجَبَ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عنه وجماعة ومن السلف لا يشرع وذكرنا الدليل علي الجيمع وَيُسْتَحَبُّ مَدُّ التَّكْبِيرِ مِنْ حِينِ يَشْرَعُ فِي الْهُوِيِّ حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمُدَّهُ وَقَدْ سَبَقَ بيانه في فصل الركوع * قال المصنف ﵀
** (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجُرٍ ﵁ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ " فَإِنَّ وَضْعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ أَجْزَأُ إلا انه ترك هيئة)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ فِي السُّجُودِ الرُّكْبَتَيْنِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَالنَّخَعِيُّ وَمُسْلِمُ بْنُ بشار وسفيان الثوري واحمد واسحق وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ يُقَدِّمُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقَدِّمُ أَيُّهُمَا شَاءَ وَلَا تَرْجِيحَ وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ بِأَحَادِيثَ وَلِمَنْ قَالَ بِعَكْسِهِ بِأَحَادِيثَ وَلَا يَظْهَرُ تَرْجِيحُ أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ حَيْثُ السنة ولكني أَذْكُرُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَمَا قِيلَ عَنْ وَائِلُ بْنُ حُجُرٍ ﵁ قَالَ " رَأَيْتُ النَّبِيُّ ﷺ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ تَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ وَهُوَ أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّي وأحسن في الشكل ورأى العين وقال الدارقطني قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُد وَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ الْقَاضِي عَنْ ابْنِ كُلَيْبٍ وَشَرِيكٌ لَيْسَ هُوَ مُنْفَرِدًا بِهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ يُعَدُّ مِنْ أَفْرَادِ شَرِيكٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَزَادَ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَةٍ لَهُ " وَإِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذِهِ " وَهِيَ زِيَادَةٌ ضَعِيفَةٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ وَقِيلَ وُلِدَ بَعْدَهُ وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي السُّجُودِ سبقت ركبتاه يديه " رواه الدارقطني والبيهقي وأشار إلي تضعيفه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ عبد الله
[ ٣ / ٤٢١ ]
ابن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إذَا سَجَدَ
أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَلَا يَبْرُكُ بُرُوكَ الْجَمَلِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ضَعِيفٌ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ " كُنَّا نَضَعُ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ " رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ نَاسِخٌ لِتَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ وَكَذَا اعْتَمَدَهُ أَصْحَابُنَا وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ ظَاهِرُ التَّضْعِيفِ بَيِّنٌ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ضَعَّفَهُ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يحيي ابن مسلمة بْنِ كُهَيْلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِهِ مَنَاكِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ أَنْ يَبْتَدِئَ التَّكْبِيرَ قَائِمًا وَيَنْحَطَّ وَكَأَنَّهُ سَاجِدٌ ثُمَّ إنَّهُ يَكُونُ أَوَّلَ مَا يَضَعُ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ وَجْهَهُ فَإِنْ وَضَعَ وَجْهَهُ قَبْلَ يَدَيْهِ أَوْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ كَرِهْتُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ قَالَ وان أخر التبكير عن ذلك بعني عَنْ الِانْحِطَاطِ وَكَبَّرَ مُعْتَدِلًا أَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ كَرِهْتُ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ يُقَدِّمُ أَيُّهُمَا شاء
* قال المنصف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
*
* (وَيَسْجُدُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ فَوَاجِبٌ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ من الارض ولا تنقر نَقْرًا " قَالَ فِي الْأُمِّ فَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الْجَبْهَةِ كَرِهْتُهُ وَأَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى الْجَبْهَةِ فان سجد على حائل دُونَ الْجَبْهَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِمَا رَوَى خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ ﵁ قَالَ " شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يَشْكُنَا " وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى الْأَنْفِ فَهُوَ سُنَّةٌ لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " سَجَدَ وَأَمْكَنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ " فَإِنْ تَرَكَهُ أَجْزَأَهُ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ قَالَ " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ بِأَعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ " وَإِذَا سَجَدَ بِأَعْلَى جَبْهَتِهِ لم يسجد على الانف)
*
*
* (الشرح)
* حديث بن عمر وجابر غربيان ضعيفان وقد روى الدارقطني حديث جابر بِلَفْظِهِ هُنَا لَكِنَّهُ ضَعَّفَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابٍ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِهِ هُنَا وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَرَوَاهُ مسلم بغير هذا فرواه عن زهير عن أبي اسحق السَّبِيعِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ خَبَّابٍ قَالَ " أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ
ﷺ فَشَكَوْنَا إلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يَشْكُنَا " قَالَ زُهَيْرٌ قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ أَفِي الظُّهْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْت فِي تَعْجِيلِهَا قَالَ نَعَمْ " هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَقَالَ " فَمَا أَشْكَانَا وَقَالَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلُّوا " وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى اصحانا فِي احْتِجَاجِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ
[ ٣ / ٤٢٢ ]
لِوُجُوبِ كَشْفِ الْجَبْهَةِ وَقَالَ هَذَا وَرَدَ فِي الابراد وهذا الاعتراض ضعيف لانهم شكوا حز الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَلَوْ كَانَ الْكَشْفُ غَيْرَ وَاجِبٍ لَقِيلَ لَهُمْ اُسْتُرُوهَا فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِهَا وَقَوْلُهُ فَلَمْ يَشْكُنَا وَلَمْ يُجِبْنَا إلَى مَا طَلَبْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا وَثَبَتَتْ السُّنَّةُ بِالْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ ثَبَتَ السُّجُودُ عَلَى الْأَنْفِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ وَقَوْلُهُ قِصَاصُ الشَّعْرِ هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ ابْنُ السِّكِّيتِ وغيره وهو اصل منبته مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَأَمَّا خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ فَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَالسَّابِقِينَ إلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابن ثلاثة وَسَبْعِينَ سَنَةً
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالسُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهَا كُلِّهَا فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْهَا أَجْزَأَهُ مَعَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَالدَّارِمِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ وَضْعُ جَمِيعِهَا وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى الْجَبِينِ وَهُوَ الَّذِي فِي جَانِبِ الْجَبْهَةِ أَوْ عَلَى خَدِّهِ أَوْ صُدْغِهِ أَوْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ عَلَى أَنْفِهِ وَلَمْ يَضَعْ شَيْئًا مِنْ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلَا خِلَافٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي وَضْعِ الْجَبْهَةِ الْإِمْسَاسُ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ بِثِقَلِ رَأْسِهِ وَعُنُقِهِ حَتَّى تَسْتَقِرَّ جَبْهَتُهُ فَلَوْ سَجَدَ عَلَى قُطْنٍ أَوْ حشيش أو شئ مَحْشُوٍّ بِهِمَا وَجَبَ أَنْ يَتَحَامَلَ حَتَّى يَنْكَبِسَ ويظهر اثره علي يدلو فُرِضَتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَحْشُوِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجْزِئْهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدِي أَنَّهُ يَكْفِي إرْخَاءُ رَأْسِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّحَامُلِ كَيْفَ فُرِضَ مَحَلُّ السُّجُودِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيَجِبُ أَنْ
يَكْشِفَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَيُبَاشِرَ بِهِ مَوْضِعَ السُّجُودِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُ فَإِنْ حَالَ دُونَ الْجَبْهَةِ حَائِلٌ مُتَّصِلٌ بِهِ فَإِنْ سَجَدَ علي كنفه أَوْ كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ طَرَفِ كُمِّهِ أَوْ عمامته وهما يتحركان بحركته في القيام والعقود أَوْ غَيْرِهِمَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى ذَيْلِهِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ طَرَفِ عِمَامَتِهِ وَهُوَ طَوِيلٌ جِدًّا لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ فَوَجْهَانِ
[ ٣ / ٤٢٣ ]
(الصَّحِيحُ) أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَبِهَذَا قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّ هَذَا الطَّرَفَ فِي مَعْنَى الْمُنْفَصِلِ (وَالثَّانِي) لَا تَصِحُّ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى ذَلِكَ الطَّرَفِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ وَقَدْ سَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ أَمَّا إذَا سَجَدَ عَلَى ذَيْلِ غَيْرِهِ أَوْ طَرَفِ عِمَامَةِ غَيْرِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ ان تقع بشرته علي بشرتها أو علي ظَهْرِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ كَالْحِمَارِ وَالشَّاةِ وَغَيْرِهِمَا أَوْ عَلَى ظَهْرِ كَلْبٍ عَلَيْهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ بِحَيْثُ لَمْ يُبَاشِرْ شَيْئًا مِنْ النَّجَاسَةِ فَيَصِحُّ سُجُودُهُ وَصَلَاتُهُ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ بِلَا خِلَافٍ إذَا وُجِدَتْ هَيْئَةُ السُّجُودِ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى الظَّهْرِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ الْمُبَاشَرَةِ بِالْجَبْهَةِ عُذْرٌ فَإِنْ كَانَ عَلَى جَبْهَتِهِ جِرَاحَةٌ وَعَصَبَهَا بِعِصَابَةٍ وَسَجَدَ عَلَى الْعِصَابَةِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَتْ الْإِعَادَةُ مَعَ الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ لِلْعُذْرِ فَهُنَا أَوْلَى قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْمُسْتَظْهَرَيْ وَفِيهِ وَجْهٌ يخرج من مسح الجبيرة أو عليه الاعادة والمذهب انه لا اعادة وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ وَشَرْطُ جَوَازِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ في ازالة العصابة ولو عصب علي جبهة عِصَابَةً مَشْقُوقَةً لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرٍ حَاجَةٍ وَسَجَدَ وَمَاسَّ مَا بَيْنَ شِقَّيْهَا شَيْئًا مِنْ جَبْهَتِهِ الْأَرْضَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَكَذَا لَوْ سَجَدَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ ثَوْبٌ مُخَرَّقٌ فَمَسَّ مِنْ جَبْهَتِهِ الْأَرْضَ أَجْزَأَهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقُوا عليه ويجئ فِيهِ الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ
* (فَرْعٌ)
إذَا سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ كُمِّهِ وَنَحْوِهِمَا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ سُجُودَهُ بَاطِلٌ فَإِنْ تَعَمَّدَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ تَبْطُلْ لَكِنْ يَجِبُ إعَادَةُ السُّجُودِ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ
*
(فَرْعٌ)
السُّنَّةُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى أَنْفِهِ مَعَ جَبْهَتِهِ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَا يُقَدِّمُ أَحَدَهُمَا فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَنْفِهِ دون شئ مِنْ جَبْهَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَبْهَةِ أَجْزَأَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ في الام كرهت ذلك واجزأه وهذا هو الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي يَزِيدَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ إنَّهُ يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا وَهَذَا غَرِيبٌ فِي الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا فِي الدَّلِيلِ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ وَضْعِ الْجَبْهَةِ والانف على الارض
* اما الجبهة جمهور الْعُلَمَاءِ عَلَى وُجُوبِهَا وَأَنَّ الْأَنْفَ لَا يُجْزِي عَنْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَنْفِ وَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى
[ ٣ / ٤٢٤ ]
أَحَدِهِمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يُحْفَظُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ
* وَأَمَّا الْأَنْفُ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي ثَوْرٍ: وَقَالَ سَعِيدُ بن جبير والنخعي واسحق يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى الْأَنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سبعة اعظم علي لجبهه ا - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاحْتُجَّ لِمَنْ أَوْجَبَهَا بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا سَجَدَ أَمْكَنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ " وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي لَا يُصِيبُ أَنْفُهُ الْأَرْضَ فَقَالَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أَنْفُهُ مِنْ الْأَرْضِ مَا يُصِيبُ الْجَبِينُ " وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْجَبْهَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَبِحَدِيثِ خَبَّابٍ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسُّجُودِ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ وَلَا يَقُومُ الْأَنْفُ مَقَامَ الْجَبْهَةِ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ صريحا لا بفعل ولا يقول وَاحْتَجُّوا فِي أَنَّ الْأَنْفَ لَا يَجِبُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْأَمْرِ
بِالْجَبْهَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْأَنْفِ وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ ضَعْفٌ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْأَنْفِ زِيَادَةٌ مِنْ ثِقَةٍ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ أَحَادِيثِ الْأَنْفِ بِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ثُمَّ أَبُو بَكْرِ بن ابى داود ثم الدارقطني ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْحُفَّاظِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَاهُ الدارقطني مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ وَضَعَّفَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي السُّجُودِ عَلَى كُمِّهِ وَذَيْلِهِ وَيَدِهِ وَكَوْرِ عِمَامَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سجوده علي شئ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَأَحْمَدُ فِي رواية وقال مالك وابو حنيفة والاوزاعي واسحق وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَصِحُّ قَالَ صَاحِبُ التهذيب وبه
[ ٣ / ٤٢٥ ]
قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَسْجُدُ عَلَيْهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ " لقدر رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في يوم مطير وهو يبقى الطِّينَ إذَا سَجَدَ بِكِسَاءٍ عَلَيْهِ يَجْعَلُهُ دُونَ يَدَيْهِ " رَوَاهُ ابْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَعَنْ الحسن قال " كان اصحاب رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ وَيَسْجُدُ الرَّجُلُ عَلَى عِمَامَتِهِ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ " وَقِيَاسًا عَلَى بَاقِي الاعضاء واحتج اصحابنا وبحديث خَبَّابٍ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ فِيهِ وَبِحَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ للمسئ صَلَاتَهُ " إنَّهُ لَا يَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ - وَذَكَرَ صِفَةَ الصَّلَاةِ إلَى أَنْ قَالَ - فَيُمَكِّنَ وَجْهَهُ وَرُبَّمَا قَالَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ - وَذَكَرَ تَمَامَ صِفَةِ الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ - لا يتم صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ قَالَ (فَيُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ) بِلَا شَكٍّ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ثَوْبٍ مُنْفَصِلٍ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ فَضَعِيفٌ فِي إسْنَادِهِ مَجْرُوحٌ وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ لِسَتْرِ الْجَبْهَةِ وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْأَصْحَابُ
عَنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَسْجُدُ عَلَى الْعِمَامَةِ مع بعض الجهبة وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ مُبَاشَرَةُ الْجَبْهَةِ لِلْأَرْضِ فَلَا يُظَنُّ بِالصَّحَابَةِ إهْمَالُ هَذَا وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ " فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَلَا يَثْبُتُ في هذا شئ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى بَاقِي الْأَعْضَاءِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ وَضْعُهَا عَلَى قَوْلٍ وَإِنْ وَجَبَ فَفِي كشفها مشقة بخلاف الجبهة
*
* قال المنصف ﵀
*
* (وأما السجود على اليدين والركبتين والقدمين ففيه قولان (أشهرهما) أنه لا يجب لانه لو وجب لوجب الايماء بها إذا عجز كالجبهة
(والثانى)
يجب لما ورى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " أَمَرَ أَنْ يَسْجُدَ علي سبعة أعضاء يديه وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته " (فإذا قلنا) بهذا لم يجب كشف القدمين والركبتين لان كشف الركبة يفضى إلى كشف العورة فتبطل صلاته والقدم قد يكون في الخف فكشفها يبطل السمح والصلاة وأما اليد ففيه قولان (المنصوص) في
[ ٣ / ٤٢٦ ]
الكتب أنه لا يجب لانها لا تكشف الا لحاجة فهى كالقدم وقال في السبق والرمى قد قيل فيه قول آخر أنه يجب لحديث خباب بن الارت ﵁)
*
*
* (الشرح)
* حديث ابن عباس رضى اله عَنْهُمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَوْلُهُ قَالَ فِي السَّبَقِ وَالرَّمْيِ يَعْنِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ وَهُوَ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ الْأُمِّ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي وُجُوبِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْأُمِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَنَصَّ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّ وَضْعَهَا مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ظَاهِرُ حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَضْعُهَا وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ المصنف والبغوى هذا القول هو الْأَشْهَرُ وَصَحَّحَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الحلية ولارافعى وصحح جماعة قول الوجوب منهم الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَبِهِ قطع الشيخ أبو حامد في التبصرة وهذا هُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الدَّلِيلِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِوَضْعِهَا وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَالْقَائِلُ الْأَوَّلُ يحمل الحديث علي الاسحباب
وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ لَهُ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْوُجُوبُ فَلَا يُصْرَفُ عَنْهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَالْمُخْتَارُ الصَّحِيحُ الْوُجُوبُ وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ إلَى تَرْجِيحِهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ فِي الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ قَوْلَانِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهَا وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي وُجُوبِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ قَوْلَانِ (فَإِنْ قُلْنَا) لَا يَجِبُ لَمْ يَجِبْ وَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ (فَإِنْ قُلْنَا) لَا تَجِبُ الركبتان فالقدمان أول وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمَذْهَبَ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ وَأَنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَصَّهُمَا بِالْيَدَيْنِ وَقَالَ لَا تَجِبُ الرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ وَذَكَرَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ قَوْلَ ابن القاص أن في الجيمع قَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ الْقَفَّالُ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا غَلَطٌ وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ وَضْعَ الرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافَ الْقَدَمَيْنِ وَاجِبٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي وُجُوبِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الْقَفَّالُ عَنْ الْأَصْحَابِ عَجِيبٌ غَرِيبٌ وَهُوَ غَلَطٌ بِلَا شَكٍّ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ فِي الْأُمِّ وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ بِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ وَهَا أَنَا أَنْقُلُ نَصَّ الشَّافِعِيِّ ﵀ مِنْ الْأُمِّ بِحُرُوفِهِ قَالَ فِي الْأُمِّ " كَمَالُ السُّجُودِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ وَرَاحَتِهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ وَأَجْزَأَهُ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى بَعْضِ جَبْهَتِهِ دُونَ جَمِيعِهَا كَرِهْتُ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عليه اعادة قال واجب أَنْ يُبَاشِرَ بِرَاحَتَيْهِ الْأَرْضَ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَلَا أُحِبُّ هَذَا فِي رُكْبَتَيْهِ بَلْ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَا مُسْتَتِرَيْنِ بِالثِّيَابِ وَأُحِبُّ إنْ لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ مُتَخَفِّفًا أَنْ يُفْضِيَ بِقَدَمَيْهِ إلَى الْأَرْضِ وَلَا يَسْجُدُ مُتَنَعِّلًا
[ ٣ / ٤٢٧ ]
قال الشافعي وفي قولان
(أحدهما)
ان عليه أن يسجد على جيمع أعضائه التي أمرته بالسجود عليها من قَالَ بِهَذَا قَالَ إنْ تَرَكَ عُضْوًا مِنْهَا لَمْ يُوقِعْهُ الْأَرْضَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إيقَاعِهِ لَمْ يَكُنْ سَاجِدًا كَمَا إذَا تَرَكَ جَبْهَتَهُ فلم يوقعها الارض وهو يقدر وان سجد علي ظهر كفيه لم يجزئه وَكَذَا إنْ سَجَدَ عَلَى حُرُوفِهَا وَإِنْ مَاسَّ الارض ببعض يديه أصابعهما أو بعضها أو راحتيه أو بعضها أو سجد على ما عدا جبهته متغطيا أجزأه وهكذا فِي الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا مَذْهَبٌ يُوَافِقُ الْحَدِيثَ (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) أَنَّهُ إذَا سَجَدَ علي جبهته أو على شئ مِنْهَا دُونَ مَا سِوَاهَا أَجْزَأَهُ هَذَا
نَصُّ الشَّافِعِيِّ بِحُرُوفِهِ نَقَلْته مِنْ الْأُمِّ مِنْ نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مُقَابَلَةٍ وَفِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ فَحَصَلَ لِلْأَصْحَابِ أَرْبَعُ طُرُقٍ فِي الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي وُجُوبِ وَضْعِ الْجَمِيعِ قَوْلَيْنِ وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَفَّالُ: وَهَذِهِ الطُّرُقُ الثَّلَاثَةُ سِوَى الْأَوَّلِ غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ وَنَصَّ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورَ الْأَصْحَابِ وَإِنَّمَا أَذْكُرُهَا لِبَيَانِ حَالِهَا لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهَا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ إذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ وَضْعُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ إذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ وَضْعُهَا فَمَعْنَاهُ يَجُوزُ تَرْكُ بَعْضِهَا عَلَى الْبَدَلِ فَتَارَةً يَتْرُكُ الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا وَتَارَةً يَتْرُكُ الْقَدَمَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا وَكَذَلِكَ الرُّكْبَتَانِ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَرْكُ الْجَمِيعِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ إذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ وَضْعُهَا فأمنكنه أَنْ يَسْجُدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَهَا كُلِّهَا أَجْزَأَهُ وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ مِثْلَهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ إذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ وَضْعُهَا اعْتَمَدَ مَا شَاءَ وَرَفَعَ مَا شَاءَ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْجُدَ مَعَ رَفْعِ الْجَمِيعِ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ وَالْمَقْطُوعُ به (قلت) ويتصور رفع لجميع فيما إذا صلي على حجرين بينهما حَائِطٌ قَصِيرٌ فَإِذَا سَجَدَ انْبَطَحَ بِبَطْنِهِ عَلَى الْحَائِطِ وَرَفَعَ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ أَوْ اعْتَمَدَ بِوَسَطِ ساقه أو بظهر كفه فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ حُكْمُ رَفْعِ الْكَفِّ كَمَا سَبَقَ فِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قُلْنَا يَجِبُ وَضْعُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ كَفَى وَضْعُ أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا كَمَا قُلْنَا فِي الْجَبْهَةِ وَالِاعْتِبَارُ فِي القدمين ببطون الاصابع فلو وضع
[ ٣ / ٤٢٨ ]
غيرذلك لَمْ يُجْزِئْهُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ أَنَّهُ إنْ سَجَدَ عَلَى ظَاهِرِ قَدَمِهِ أَجْزَأَهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْيَدَيْنِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ سَوَاءٌ فِيهِ بَاطِنُ الْأَصَابِعِ وَبَاطِنُ الرَّاحَةِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بعض باطن الرَّاحَةِ أَوْ بَعْضِ بَاطِنِ الْأَصَابِعِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ظَاهِرِ الْكَفَّيْنِ أَوْ حَرْفِهِمَا لَمْ يُجْزِئْهُ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ كما سبق بيانه وكذا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَخَالَفَهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ فَقَالَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ السُّجُودُ هُوَ الرَّاحَتَانِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ يُجْزِيهِ بُطُونُ الْأَصَابِعِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى سَاجِدًا عَلَى يَدَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَإِذَا أَوْجَبْنَا وَضْعَ
هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَمْ يَجِبْ كَشْفُ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ كَشْفُ الْقَدَمَيْنِ وَيَلْزَمُهُ عَدَمُ كَشْفِ الرُّكْبَتَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ دَلِيلُ الْجَمِيعِ وَفِي وُجُوبِ كَشْفِ الْيَدَيْنِ قَوْلَانِ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي عَامَّةِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
(وَالثَّانِي)
يَجِبُ كَشْفُ أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ بَاطِنِ كُلِّ كَفٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
لَوْ تَعَذَّرَ وَضْعُ أَحَدِ الْكَفَّيْنِ أَوْ أَحَدِ الْقَدَمَيْنِ لِقَطْعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا سَبَقَ وَلَا فَرْضَ فِي الْمُتَعَذِّرَةِ وَلَا يَجِبُ وَضْعُ طَرَفِ الزَّنْدِ مِنْ الْمَقْطُوعَةِ لِأَنَّ مَحَلَّ الْفَرْضِ فَاتَ فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْعَضُدِ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀
*
* (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ لِمَا روى أبو قتادة رضى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كان إذا سجد جافى عضديه " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقِلَّ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ " إذَا سجد جخ " روى " جخي " والجح الْخَاوِي وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ضَمَّتْ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ الْبَرَاءِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ (جَخَّى) وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ (جَخَّ) وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الرِّوَايَتَيْنِ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَبَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ مُشَدَّدَةٌ - قَالَ الْأَزْهَرِيُّ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدٌ وَالتَّجْخِيَةُ التَّخْوِيَةُ وَقَالَ غَيْرُهُ مَعْنَاهُ جَافَى رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسَنُّ أَنْ يُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَيَرْفَعَ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَتَضُمُّ الْمَرْأَةُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وعن عبد الله بن بُحَيْنَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بين يديه حتي يبدو بياض أبطيه من ورائه " رواه مسلم (١) والوضح البياضن وَعَنْ أَحْمَرَ بْنِ جُزْءٍ بِالزَّايِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جنبيه حتي
_________________
(١) كذا نالاصل وفيه سقط لعله " وفي رواية لمسلم وضح انطيه الخ " كما يتضح من مراجعة صحيح مسلم له
[ ٣ / ٤٢٩ ]
نأدى لَهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صحيح قوله نأدى لَهُ بِالْهَمْزَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ رَقَّ لَهُ ورئي لَهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِنَحْوِ مَا ذكرناه * قال المصنف ﵀
*
* (وَيُفَرِّجُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ وَصَفَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ
" إذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ رجليه " ويوجه بين اصابعه نحو القبلة لما روث عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَفْتَخُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ " والفتخ تعويج الاصابع ويضم أصابع يديه وَيَضَعُهَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ إذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ وَجَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ " وَيَرْفَعُ مِرْفَقَيْهِ ويعتمد على راحيته لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إذَا سَجَدْتَ فَضُمَّ يَدَيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ ")
*
*
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ وَهُمَا مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِمَا وَجَرْحِهِمَا وَلَفْظُهُ " إذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ " وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَغَرِيبٌ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " سَجَدَ وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ وَسَبَقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ قَالَ وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ وَالْفَتَخُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ عَطَفَهَا إلَى الْقِبْلَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ وَائِلٍ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ وَائِلٍ قَالَ " كان النبي صلي الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَكَعَ فَرَّجَ أَصَابِعَهُ وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ وَائِلٍ " أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ " وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُهُ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا سَجَدَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ اسْتَقْبَلَ بِكَفَّيْهِ وَأَصَابِعِهِ الْقِبْلَةَ " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " وَإِذَا سَجَدَ وَجَّهَ أَصَابِعَهُ قِبَلَ الْقِبْلَةِ فَتَفَاجَّ " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " يُكْرَهُ أَنْ لَا يَمِيلَ بِكَفَّيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ إذَا سَجَدَ " وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ ولا يبسط أحدكم ذراعيه
[ ٣ / ٤٣٠ ]
بنساط الْكَلْبِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ حَدِيثٍ طويل قال الشافعي والاصحاب يستحب للساجدان يُفَرِّجَ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَبَيْنَ قَدَمَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَكُونُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ قَدْرُ شِبْرٍ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَنْصِبَ قَدَمَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ مُوَجَّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ
تَوْجِيهُهَا بِالتَّحَامُلِ عَلَيْهَا وَالِاعْتِمَادِ عَلَى بُطُونِهَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّهُ يَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهَا الْقِبْلَةَ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَيْهَا وَيُوَجِّهَ رؤوسها إلَى الْقِبْلَةِ قَالَ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ يَضَعُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَحَامُلٍ عَلَيْهَا هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَمُحَمَّدُ بن لهى في المخيط وهو شاذ مردد مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَلِمَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَضُمَّ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَيَبْسُطَهَا إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَيَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَيَعْتَمِدَ عَلَى رَاحَتَيْهِ وَيَرْفَعَ ذِرَاعَيْهِ وَيُكْرَهُ بَسْطُهُمَا وَافْتِرَاشُهُمَا وَقَدْ سَبَقَ دَلِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ
* (فَرْعٌ)
قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ إذَا كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ وَطَوَّلَ السُّجُودَ وَلَحِقَهُ مَشَقَّةٌ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى كَفَّيْهِ وَضَعَ سَاعِدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لِحَدِيثِ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " شكي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنْ سُمَيٍّ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ تَابِعِيٌّ قَالَ " شَكَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ إرْسَالُهُ أَصَحُّ مِنْ وَصْلِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ كَأَنَّ رواية الارسال أصح
*
* قال المنف ﵀
*
* (ويجب أن يطمئن في سجوده لما رويناه من حديث رفاعة ثم يسجد حتي يطمئن ساجدا
*
[ ٣ / ٤٣١ ]
* (الشَّرْحُ)
* حَدِيثُ رِفَاعَةَ صَحِيحٌ وَالطُّمَأْنِينَةُ وَاجِبَةٌ فِي السُّجُودِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَدْ تَقَدَّمَ خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَانُ حَدِّ الطُّمَأْنِينَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ به
*
* قال المصنف ﵀
*
* (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَى الْكَمَالِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ " وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) لِمَا
رَوَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا سجد قال ذلك " وان قال في سجود سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ فَهُوَ حَسَنٌ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ
[ ٣ / ٤٣٢ ]
" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ فِي سُجُودِهِ " قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَمَا إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهَدُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ فقمن أن يستجاب لكم
*
* (الشرح)
* حديث بن مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ تَمَامُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الرُّكُوعِ إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ ربى العظيم ثلاثا فقد ثم رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ وَإِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَآخَرُونَ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ وَسَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ بَيَانُ تَضْعِيفِهِ وَبَيَانُ مَعْنَى تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ " أَمَا إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا " إلَى آخِرِهِ فَرَوَاهَا كُلَّهَا مُسْلِمٌ بِلَفْظِهَا هُنَا وَحَدِيثُ " أَمَا إنِّي نُهِيتُ " " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: وَأَمَّا شَرْحُ أَلْفَاظِهَا فَتَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ بَيَانُ حَقِيقَةِ التَّسْبِيحِ (وَقَوْلُهُ) وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ الْأُذُنُ مِنْ الْوَجْهِ وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَمَعْنَى شَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ أَيْ مَنْفَذَهُمَا (وَقَوْلُهُ) تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ أَيْ تَعَالَى وَالْبَرَكَةُ النَّمَاءُ وَالْعُلُوُّ حَكَاهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ تَبَرَّكَ الْعِبَادُ بِتَوْحِيدِهِ وَذِكْرِ اسْمِهِ وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ مَعْنَاهُ ثَبَتَ الْخَيْرُ عِنْدَهُ وَقِيلَ تَعَظَّمَ وَتَمَجَّدَ قَالَهُ الْخَلِيلُ وَهُوَ بِمَعْنَى تَعْظِيمٍ وَقِيلَ اسْتَحَقَّ التَّعْظِيمَ (وَقَوْلُهُ) أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ أَيْ الْمُصَوِّرِينَ وَالْمُقَدِّرِينَ (وَقَوْلُهُ) سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ بِضَمِّ اولهما ويفتح لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ أَفْصَحُهُمَا وَأَكْثَرُهُمَا الضَّمُّ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُمَا صِفَتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَالَ ابْنُ فارس والترمذي اسمان لغتان لِلَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرُهُ وَمَعْنَاهُ مُسَبَّحٌ مُقَدَّسٌ رَبُّ الملائكة والروح عزوجل
وَمَعْنَاهُ الْمُبَرَّأُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمِنْ الشَّرِيكِ وَمِنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ هَكَذَا سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ بِالرَّفْعِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ وَقِيلَ سُبُّوحًا قُدُّوسًا بِالنَّصْبِ أَيْ أُسَبِّحُ سُبُّوحًا أو اعظم أو اذكر أو ابعد (وَقَوْلُهُ) رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ قِيلَ الرُّوحُ جِبْرِيلُ وَقِيلَ مَلَكٌ عَظِيمٌ أَعْظَمُ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا وَقِيلَ اشرف
[ ٣ / ٤٣٣ ]
الْمَلَائِكَةِ وَقِيلَ خَلْقٌ كَالنَّاسِ لَيْسُوا بِنَاسٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (وَقَوْلُهُ) ﷺ " فَقَمِنٌ " هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا قَمِينٌ وَمَعْنَاهُ حَقِيقٌ وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَكْمَلَ بَسْطٍ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ
* أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ يُسَنُّ التَّسْبِيحُ فِي السُّجُودِ وَالِاجْتِهَادُ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ " إلَى آخِرِ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ وادنى سنة التسبيح (١) وما في حديث علي وسبوح وقدوس والدعاء قال القاضى حسين وغيرء فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ فَعَلَى التَّسْبِيحِ أَوْلَى وَقَدْ سبق هذا وما يتعلقن بِهِ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَعُودُ هُنَا وَسَبَقَ هُنَاكَ أَذْكَارُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جَمِيعًا وَمِمَّا لَمْ يَسْبِقْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجُلَّهُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ " فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدَيَّ علي بطن قدمه فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ هَذَا كُلَّهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْقَوْمُ المحضورون وَفِيهِ كَلَامٌ ذَكَرْتُهُ فِي ذِكْرِ الرُّكُوعِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا فَيُثْقِلُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ أَوْ مَأْمُومًا فَيُخَالِفُ إمَامَهُ قَالَ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الذِّكْرِ سَوَاءٌ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا النَّصَّ عَنْ الْأُمِّ وَنَقَلَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ لَا يَدْعُو لِئَلَّا يُثْقِلَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ قَالَ أَبُو حَامِدٍ النَّصَّانِ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى يَعْنِي أَنَّهُ يَدْعُو بِحَيْثُ لَا يُطَوِّلُ عَلَيْهِمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى كراهة قراءة القرآن في الركوع والسحود وَغَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ لِلْحَدِيثِ فَلَوْ قَرَأَ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَفِي الْفَاتِحَةِ خِلَافٌ سَبَقَ في فصل الركوع وسنو ضحه فِي بَابِ
سُجُودِ السَّهْوِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ سَبَقَ فِي فَصْلِ الرُّكُوعِ بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ التَّسْبِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* قال المصنف رحه الله
*
* (فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ انْقَلَبَ فَأَصَابَتْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ فَإِنْ نَوَى السُّجُودَ حَالَ الِانْقِلَابِ أَجْزَأَهُ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ للتبرد وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ لِلتَّبَرُّدِ وَلَمْ يَنْوِ رفع الحدث)
*
*
* (الشَّرْحُ)
* قَالَ أَصْحَابُنَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السُّجُودِ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهُوِيِّهِ إلَيْهِ غَيْرَهُ وَلَوْ سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ الِاعْتِدَالِ قَبْلَ قَصْدِ الْهُوِيِّ لَمْ يُحْسَبْ ذَلِكَ السُّجُودُ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يعود الي الاعتدال يسجد منه لانه لا بد من نية أو فِعْلٍ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَوْ هَوَى لِيَسْجُدَ فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ بِجَبْهَتِهِ نُظِرَ إنْ وضع
[ ٣ / ٤٣٤ ]
جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ بِنِيَّةِ الِاعْتِمَادِ لَمْ يُحْسَبْ عَنْ السُّجُودِ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ هَذِهِ النِّيَّةَ حسب سواء قصد السجود أَمْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ هَوَى لِيَسْجُدَ فَسَقَطَ عَلَى جَنْبِهِ فَانْقَلَبَ وَأَتَى بِصُورَةِ السُّجُودِ فَإِنْ قَصَدَ السُّجُودَ اُعْتُدَّ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِقَامَةَ وَقَصَدَ أَيْضًا صَرْفَهُ عَنْ السُّجُودِ لَمْ يُحْسَبْ لَهُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ فِعْلًا لَا يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِقَامَةَ وَلَمْ يَقْصِدْ صَرْفَهُ عَنْ السُّجُودِ بَلْ غَفَلَ عَنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَخَرَجَ مِنْ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ نِيَّةِ التَّبَرُّدِ فِي الْوُضُوءِ إذَا عَرَضَتْ فِي أَثْنَائِهَا الْغَفْلَةُ عَنْ نِيَّةِ الْحَدَثِ لَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَعْتَدِلَ جَالِسًا ثُمَّ يَسْجُدَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ لِيَسْجُدَ مِنْ قِيَامٍ فَلَوْ قَامَ كَانَ زَائِدًا قِيَامًا مُتَعَمَّدًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ عَلِمَ تَحْرِيمَهُ وَلَكِنْ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالٌ لِنَفْسِهِ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ لِيَسْجُدَ مِنْهُ وَاسْتَضْعَفَهُ وَقَالَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ السُّجُودَ وَلَا الِاسْتِقَامَةَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ السُّجُودِ بِلَا خِلَافٍ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ
* (فَرْعٌ)