وأقل الكفن ثوب ساتر للعورة، ويسن للرجل ثلاث لفائف وللمرأة خمسة: إزار ثم
ــ
ولم يصل الماء إلى أصوله إلا بها وجبت إزالته، أما المحرم إذا مات قبل تحلله الأول فيجب أن يبقى أثر إحرامه فلا يجوز أن يفعل به شيء مما يحرم على المحرم بخلاف المعتدة عن وفاة لأن تحريم نحو الطيب عليها إنما كان للتفجع وقد زال بالموت. "والأولى بغسل الرجل الرجال" فيقدمون حتى على الزوجة وأولاهم به أولاهم بالصلاة عليه، نعم الأفقه هنا أولى من الأسن، والأولى بعد الرجال الأقارب الرجال الأجانب ثم الزوجة وإن نكحت غيره ثم النساء المحارم.
"و" الأولى "بالمرأة" أن يغسلها "النساء" لكن الأولى منهن ذات المحرمية وهي من لو فرضت ذكرًا حرم تناكحهما، وتقدم نحو العمة على نحو الخالة فإن لم تكن ذات محرمية قدمت القربى فالقربى ثم ذات الولاء ثم محارم الرضاع ثم محارم المصاهرة ثم الأجنبيات، والحائض كغيرها إذ لا كراهة في تغسيلها ثم بعد النساء الزوج وإن نكح أختها أو أربعًا سواها، ويندب أن يتقي المس بخرقة يلفها على يديه ثم رجال المحارم بترتيبهم الآتي في الصلاة، وشرط المقدم الحرية والاتحاد في الدين وعدم القتل المانع للإرث، وعدم العداوة والصبا والفسق، ويغسل السيد أمته ولو مكاتبة وأم ولد حيث لم تكن مزوجة ولا معتدة أو مستبرأة١ ولا مشتركة٢ ولا مبعضة٣ وإلا امتنع عليه تغسيلها، وليس لأمة تغسيل سيدها لانتقال ملكه عنها، ولكن من الرجال والنساء تغسيل صغير وصغيرة لم يبلغا حد الشهوة، وتغسيل الخنثى الذي لا محرم له للحاجة ولضعف الشهوة بالموت وبه فارق حرمة نظر الفريقين له وهو حي. "وحيث تعذر غسله" بأن أدى إلى تهريه يمم وجوبًا بخلاف ما إذا أدى إلى إسراع فساده بعد الدفن فإنه يغسل. "أو لم يحضر" في المرأة "إلا" رجل "أجنبي أو" في الرجل إلا امرأة "أجنبية يمم" وجوبًا أيضًا لحرمة النظر حينئذ إلى شيء من بدن الميت.
فصل: في الكفن
"وأقل الكفن" الواجب "ثوب" لحصول الستر به، فلا يكفي ما يصف البشرة مع وجود غيره لا في الرجل ولا في المرأة، ويجب كونه مما يباح له لبسه في الحياة كالحرير للمرأة وغير المكلف بخلافه للبالغ، ولا يكتفي بالطين هنا عند وجود غيره ولو حشيشًا لما فيه من
_________________
(١) ١ الاستبراء: أن يشتري الرجل جارية فلا يطؤها حتى تحيض عنده حيضة ثم تطهر؛ ومعناه: طلب براءتها من الحمل "لسان العرب: ١/ ٣٣". ٢ بين سيدين. ٣ بعضها قن وبعضها حر.
[ ٢٠٨ ]
قميص ثم خمار ثم لفافتان والبياض والمغسول والقطن أفضل، ويبخر بعود، والأفضل أن
ــ
الإزراء بالميت، ولا يجوز التكفين في متنجس بما لا يعفى عنه عند وجود طاهر غير حرير ونحوه، أما الطاهر الحرير ونحوه فيقدم عليه المتنجس، ولو تعذر الثوب وجب الحشيش ثم الطين ويكفي بالنسبة لحق الله تعالى ثوب "ساتر للعورة" فقط وهو في الذكر ما بين السرة والركبة، وفي المرأة ولو أمة والخنثى غير الوجه والكفين، أما بالنسبة لحق الميت فيجب ثوب يعم به جميع البدن لا رأس المحرم ووجه المحرمة تكريمًا له وسترًا لما يعرض من التغير، فالحاصل أن من خلف مالا وسترت عورته ولم يوص بترك الزائد سقط الحرج عن الأمة ويقي حرج ترك الزائد على الورثة، بخلاف ما إذا انتفى ذلك، ومن ثم جاز للميت منع الزائد بأن يوصي بستر عورته فقط لأنه حقه، وليس له الإيصاء بترك التكفين من أصله لأنه حق الله تعالى، ولغريم استغرق دينه التركة منع الزائد على الأقل وإن رضي به الورثة لأنه أحوج إلى براءة ذمته من التجمل، ومن ثم لم يكن للوارث المنع من ثلاث لفائف لأن المنفعة تعود له لا للميت وله المنع من الزائد على ثلاثة ولو في المرأة.
"ويسن للرجل ثلاث لفائف" يستر كل منها جميع البدن لما صح أنه ﷺ كفن فيها١، وكالرجل غيره إذا كفن في ثلاثة فالأفضل أن تكون لفائف. "و" يسن "للمرأة" والخنثى "خمسة: إزار" يشد عليها وهو ما يستر العورة "ثم" بعد شد الإزار يندب "قميص" يجعل فوقه "ثم" بعد لبس القميص يندب "خمار" يغطي به الرأس "ثم" بعد ذلك يندب "لفافتان" تلف فيهما للاتباع٢ في الأنثى وقيس بها الخنثى احتياطًا للستر. "والبياض" أفضل من غيره لما صح من الأمر به٣، "والمغسول" أفضل من الجديد لأن مآله للبلى، والمراد بإحسان الكفن في خبر مسلم٤ بياضه
_________________
(١) ١ روى البخاري في الجنائز "حديث ١٢٦٤ و١٢٧٢ و١٢٧٣ و١٣٨٧" ومسلم في الجنائز "حديث ٤٥" والنسائي في الجنائز باب ٣٩، وابن ماجه في الجنائز باب ١١، ومالك في الجنائز حديث ٥ و٦ و٧، وأحمد في المسند "٦/ ٤٠، ٩٣، ١١٨، ١٣٢، ١٦٥، ٢٣١" عن عائشة قالت: "إن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كرسف ليس فيهن قميص ولا عمامة". ٢ روى أبو داود في الجنائز باب ٣٢ "حديث ٣١٥٧" عن ليلى بنت قانف الثقفية قال: "كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر" قالت: "ورسول الله ﷺ جالس عند الباب معه كفنها يناولناها ثوبًا ثوبًا". ٣ روى أبو داود في الطب باب ١٤ "حديث ٣٨٧٨" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم" ورواه أيضًا في اللباس باب ١٣، ورواه الترمذي في الجنائز باب ١٨ والأدب باب ٤٦، والنسائي في الجنائز باب ٣٨، وأحمد في المسند "١/ ٢٤٧، ٢٧٤، ٣٢٨، ٣٥٥، ٣٦٣". ٤ خبر مسلم هو ما رواه في الجنائز عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" ورواه أيضًا الترمذي في الجنائز باب ١٩، والنسائي في الجنائز باب ٣٧، وابن ماجه في الجنائز باب١٢، وأبو داود في الجنائز باب ٣٠.
[ ٢٠٩ ]
يحمل الجنازة خمسة، والمشي قدامها بقربها، والإسراع بها، ويكره اللغط فيها، واتباعها بنار واتباع النساء.
ــ
ونظافته وسبوغه١ وكثافته لا ارتفاعه إذ تكره المبالغة فيه للنهي عنه٢، نعم إن كان الوارث محجورًا عليه أو غائبًا حرمت المغالاة فيه من التركة. "و" الثوب "القطن أفضل" من غيره كما قاله البغوي لأن كفنه ﷺ كان كذلك٣. "ويبخر" ندبًا الكفن لغير المحرم، ويندب أن يبخر ثلاثًا وأن يكون التبخير "بعود" وأن يكون العود غير مطيب بالمسك ثم بعد تبخيره تبسط أحسن اللفائف وأوسعها ويذر عليه حنوط ويبسط فوقه الثاني ويذر عليه الحنوط ثم الثالث كذلك لئلا يسرع بلاها من بلل يصيبها، ثم يوضع الميت على الثالث برفق مستلقيًا على قفاه، ثم يلصق بجميع منافذه مواضع السجود منه قطن حليج٤ مع كافور وحنوط دفعًا للهوام عن ذلك٥ ويدس القطن بين أليتيه ويكره إدخاله باطنه إلا لعله يخالف خروج شيء بسببها، ثم يلف عليه الثوب الذي يليه فيضم منه شقه الأيسر على شقه الأيمن ثم الأيمن على الأيسر ثم يلف الثاني كذلك ثم الثالث كذلك ثم تربط الأكفان ثم تحل في القبر، والتكفين يجب على من كان عليه نفقته حيًا كزوجته غير الناشزة والصغيرة وخادمتها وإن كانت موسرة رجعية أو بائنًا حاملًا، نعم يجب على الأب تجهيز ولده الكبير، وعلى السيد تجهيز مكاتبه وإن لم يلزمهما نفقتهما حيين، وليس على الولد تجهيز زوجة أبيه وإن لزمه نفقتها حية وإنما يجب عليه تكفين الغير بثوب يعم فقط، نعم تحرم الزيادة عليه إن كفن من بيت المال أو مما وقف للتكفين.
واعلم أن حمل الجنازة من وظيفة الرجال ولا دناءة فيه، ويحرم بهيئة مزرية كحمله في غرارة٦ أو قفة أو بهيئة يخشى سقوطه منها، والحمل بين العمودين أفضل من التربيع٧ إن أريد الاقتصار على أحدهما، وكيفية الأول٨ أن يحمله ثلاثة يضع أحدهم الخشبتين المقدمتين على عاتقيه ويأخذ اثنان بالمؤخرتين. "والأفضل أن يحمل الجنازة" عند عجز
_________________
(١) ١ سبغ الشيء سبوغًا، تم، وطال، واتسع. ٢ روى أبو داود في الجنائز باب ٣١ عن علي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعًا". ٣ روى الإمام أحمد في المسند "٦/ ٣٠٤" من حديث عائشة أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض كرسف، يعني قطنًا. ٤ أي محلوج؛ فعيل بمعنى مفعول. ٥ أي منافذه ومواضع السجود منه. ٦ الغرارة: وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه، وهو أكبر من الجوالق "المعجم الوسيط: ص٦٤٨". ٧ ستأتي كيفية التربيع بعد خمسة أسطر. ٨ أي الحمل بين العمودين.
[ ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتقدم عن حمل المقدمتين كما ذكر "خمسة" بأن يعينه اثنان فيضع كل واحد منهما واحدة من المقدمتين على عاتقه والثلاثة الباقون على الكيفية السابقة فحاملوها بلا عجز ثلاثة وبه خمسة فإن عجزوا فسبعة أو تسعة أو أكثر أوتار بحسب الحاجة، والتربيع أن يحمله أربعة كل واحد بعمود فإن عجزوا فستة أو ثمانية أو أكثر أشفاعًا بحسب الحاجة، ويكره الاقتصار على واحد أو اثنين إلا في الطفل، والجمع بين الكيفيتين بأن يحمل تارة بالهيئة الأولى وتارة بالهيئة الثانية أفضل من الاقتصار على إحداهما. "و" يندب لكل مشيع قادر "المشي" للاتباع١ ويكره لغير المعذور بنحو مرض ركوبه في ذهابه معها دون رجوعه، ويندب حتى للراكب المشي "قدامها" وكونه "بقربها" بحيث يراها إن التفت للاتباع "و" يندب "الإسراع بها" بين المشي المعتاد والخبب٢ إن لم يضره لما صح من الأمر به٣ ولو خيف عليه تغير زيد في الإسراع ويندب ستر المرأة بشيء كالخيمة، ويتأكد تشييع الجنازة للرجال، ويندب مكثهم إلى أن يدفن. "ويكره اللغط فيها" بالتحدث في أمور الدنيا بل السنة الفكر في الموت وما بعده. ويكره القيام لمن مرت به ولم يرد الذهاب معها والأمر به٤ منسوخ٥. "و" يكره "اتباعها بنار" ولو في مجمرة وأن يحمي عند القبر. "و" يكره "اتباع النساء" للجنازة إن لم يتضمن حرامًا وإلا حرم، وعليه يحمل ما ورد مما يدل على التحريم.
_________________
(١) ١ روى أبو داود في الجنائز باب ٤٥ "حديث ٣١٧٩" عن ابن عمر قال: "رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنائز" ورواه أيضًا الترمذي في الجنائز باب ٢٦، والنسائي في الجنائز باب ٥٦، وابن ماجه في الجنائز باب ١٦، ومالك في الجنائز حديث ٨، وأحمد في المسند "٢/ ٨، ١٢٢". ٢ الخبب: العدو. ٣ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم". رواه البخاري في الجنائز باب ٥١ "حديث ١٣١٥" وهذا لفظه. ومسلم في الجنائز حديث ٥٠ و٥١، وأبو داود في الجنائز باب ٤٦، والنسائي في الجنائز باب ٤٤، وابن ماجه في الجنائز باب ١٥، ومالك في الجنائز حديث ٥٨، وأحمد في المسند "٢/ ٢٤٠، ٢٨٠، ٤٨٨". ٤ الأمر بالقيام للجنازة رواه البخاري في الجنائز باب ٤٧ "حديث ١٣٠٨" ومسلم في الجنائز حديث ٧٣، عن عامر بن ربيعة، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه" ولفظ مسلم: " حتى تخلفكم أو توضع". ورواه أيضًا البخاري في الجنائز باب ٤٨ "حديث ١٣١٠" ومسلم في الجنائز حديث ٧٦، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يعقد حتى توضع". ورواه البخاري في الجنائز باب ٤٩ "حديث ١٣١١" ومسلم في الجنائز حديث ٧٨، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مر بنا جنازة، فقام لها النبي ﷺ وقمنا، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا". ٥ نسخ الأمر بالقيام للجنازة رواه مسلم في الجنائز حديث ٨٢ عن علي بن أبي طالب قال: "قام رسول الله ﷺ ثم قعد". وبلفظ آخر "حديث ٨٤": "رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا" يعني في الجنازة.
[ ٢١١ ]