"باب أحكام الطهارة":
لا يصح رفع الحديث ولا إزالة النجس إلا بما يسمى ماء، فإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه تغيرًا فاحشًا بحيث لا يسمى ماء مطلقًا بمخالط طاهر يستغني الماء عنه لم تصح الطهارة
ــ
باب أحكام الطهارة:
وهي لغة الخلوص من الدنس الحسي والمعنوي كالعيب١ وشرعًا ما توقف على حصوله إباحة كالغسلة الأولى أو ثواب مجرد كالغسلة الثانية والثالثة والوضوء المجدد والغسل المسنونين.
"لا يصح" ولا يحل "رفع الحدث" الأصغر، وهو ما أوجب الوضوء والأكبر وهو ما أوجب الغسل "ولا إزالة النجس" المخفف وهو بول الصبي الآتي ذكره والمغلظ وهو نجاسة نحو الكلب والمتوسط وهو ما عداهما من سائر النجاسات الآتية ولا فعل طهارة سلس ولا طهارة مسنونة "إلا بما" علم أو ظن كونه ماء مطلقًا وهو ما "يسمى ماء" من غير قيد لازم بالنسبة للعالم بحاله كماء البحر وما ينعقد منه الملح وينحل إليه نحو البرد الذي استهلك فيه الخليط والمترشح من بخار الماء الطهور المغلي والمتغير بما لا غنى عنه أو بمجاوره لأنه يسمى ماء لغة وعرفًا وما بباطن دود الماء وهو المسمى بالزلال٢ لأنه ليس بحيوان وما جمع من ندى وليس نفس دابة في البحر، ودليل الحصر المذكور في الحدث آية التيمم٣ والإجماع، وفي الخبث ما صح من أمره ﷺ بغسله وفي غيرهما القياس عليهما، وخرج بالمطلق المذكور المائع كالخل والجامد كالتراب في التيمم والنجاسة المغلظة والحجر في الاستنجاء وأدوية الدباغ ونحو ماء الزعفران مما قيد بلازم فلا يرفع حدثًا ولا يزيل نجسًا ولا يستعمل في طهر غيرهما "فإن تغير" حسًّا "طعمه" وحده "أو لونه" وحده "أو ريحه" وحده "تغيرًا فاحشًا" بأن سلب إطلاق اسم الماء عنه حتى صار "بحيث لا يسمى ماء مطلقًا" وإنما يسمى ماء مقيدًا كماء الورد أو استجد له اسم آخر كالمرقة مثلًا وكان ذلك التغير "بمخالط" مخالف للماء في صفاته أو واحدة منها وهو ما لا يمكن فصله "طاهر يستغني الماء عنه" بأن لا يشق صونه عنه ككافور رخو وقطران يختلطان بالماء وثمر وإن كان شجره نابتًا في الماء "لم تصح الطهارة به" لأنه ليس عاريًا عن القيود والإضافات فلا
_________________
(١) ١ انظر المعاني المتعددة للفظ "طهر" في لسان العرب "٤/ ٥٠٤-٥٠٧" مادة "طهر". ٢ في اللسان "مادة زلل": وزل الماء في حلقه يزل زلولا: ذهب، وماء زلال وزليل: سريع النزول والمر في الحلق، وماء زلال: بارد، وقيل: ماء زلال وزلازل: عذب، وقيل صاف خالص، وقيل: الزلال الصافي من كل شيء. ٣ وهي الآية ٦ من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ﴾ الآية.
[ ١١ ]
به، والتغير التقديري كالتغير الحسي، فلو وقع فيه ماء ورد لا رائحة له قدر مخالفًا له بأوسط الصفات، ولا يضر تغير يسير لا يمنع اسم الماء، ولا يضر تغير بمكث وتراب وطحلب وما في مقره وممره ولا بمجاور كعود ودهن ولا بملح مائي ولا بورق تناثر من الشجر.
ــ
يلحق بمورد النص العري١عنها. "والتغير التقديري كالتغير الحسي، فلو وقع فيه" أي الماء ما يوافقه في صفاته ومنه "ماء ورد لا رائحة له" سواء أوقع في ماء كثير أم قليل والماء المستعمل لكن إن وقع في ماء قليل لأن المستعمل إذا كثر طهر فأولى إذا وقع في الكثير "قدر مخالفًا له" للماء "بأوسط الصفات" كطعم الرمان ولون العصير وريح اللاذن٢ فإن غير بفرضه في صفة سلب الطهورية، وإن كان عند فرض المخالفة في غير تلك الصفة لا يغير وذلك لأن لموافقته لا يغيره فاعتبر بغيره كالحكمية. "ولا يضر تغير يسير" وهو ما "لا يمنع اسم الماء" وإن كان بمخالط يستغنى لأنه ﷺ توضأ من قصعة فيها أثر عجين٣، "ولا يضر تغير بمكث" لتعذر الاحتراز عنه "وتراب" طهور وإن قلنا إنه مخالط لأنه يوافق الماء في الطهورية بخلاف النجس والمستعمل "وطحلب" لم يطرح ولو متفتتًا لعسر الاحتراز عنه وهو نبت أخضر يعلو الماء فإن طرح ضر إن كان متفتتًا وإلا فلا "وما في مقره وممره" من نحو نورة٤ وزرنيخ٥ ولو مطبوخين وطين لم يكثر تغير الماء به بحيث صار لا يجري بطبعه لذلك "ولا بمجاور" وهو ما يمكن فصله "كعود ودهن" ولو مطيبين ومنه البخور وإن كثر وظهر في الريح وغيره لأن الحاصل بذلك مجرد تروح فهو كما لو تغير بجيفة على الشط، ومنه أيضًا ما أغلى فيه نحو بر وتمر بحيث لم يعلم انفصال عين مخالطة فيه بأن لم يصل إلى حد بحيث يحدث له اسم كالمرقة. "ولا بملح مائي" لانعقاده من عين الماء كالثلج بخلاف الملح الجبلي فيضر التغير به ما لم يكن بمقر الماء أو ممره، وكالملح المائي متغير بخليط لا يؤثر فلا يضر صبه على غير متغير وإن غيره كثيرًا، لأنه طهور "ولا بورق تناثر" بنفسه "من الشجر" ولو ربيعًا بخلاف المطروح للاستغناء عنه ولا يضر تغييره بالثمر إن تناثر بنفسه، ولو شك على التغير يسير أو كثير فكاليسير، أو هل زاد التغير للكثير لم يطهر للأصل فيهما، أو هل هو من مخالط أو غيره، أو هل المغير مخالط أو مجاور، لم يؤثر.
_________________
(١) ١ العري: الخالي. ٢ اللاذن: جنس جنبة من الفصيلة اللاذنية، يستخرج منه صمغ راتنجي يعلك، ويستعمل عطرًا ودواءً، انظر المعجم الوسيط "ص٨٢٢". ٣ روى ابن ماجه في الطهارة، باب ٣٥ "حديث رقم ٣٧٨" عن أم هاني: "أن النبي ﷺ اغتسل وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين" ورواه أيضًا النسائي في الغسل باب ١١، والطهارة باب ١٤٨. وأحمد في المسند "٦/ ٣٤٢". ٤ النورة: حجر الكلس، وأخلاط من أملاح الكلسيوم والباريون تستعمل لإزالة الشعر "المعجم الوسيط: ص٩٦٢". ٥ الزرنيخ: عنصر شبيه بالفلزات له بريق الصلب ولونه، ومركباته سامة، يستخدم في الطب وفي قتل الحشرات "المعجم الوسيط: ص٣٩٣".
[ ١٢ ]