باب: صلاة الاستسقاء
ويسن الاستسقاء بالدعاء خلف الصلاة، ولو في خطبة الجمعة، والأفضل أن يأمر
ــ
الأخوف فوتًا ثم الآكد فيقدم "الفرض" العيني ولو منذورًا لتعينه وضيق وقته "ثم الجنازة" لما يخشى عليها من تغيير الميت١ بتأخيرها ومحله إن لم يخف انفجارها٢ لو قدم غيرها٣ وإلا وجب تقديمها مطلقًا ويكون اشتغاله بمواراتها عذرًا في إخراج الصلاة عن وقتها. "ثم العيد" لأن صلاته آكد من صلاة الكسوف. "ثم الكسوف" ولو اجتمع خسوف ووتر قدم الخسوف وإن تيقن فوت الوتر لأن صلاة الخسوف آكد. "وإن وسع الوقت" بأن أمن الفوات "قدم الجنازة" مطلقًا "ثم الكسوف" لكن يخففه فلا يزيد على نحو سورة الإخلاص بعد الفاتحة في كل قيام ثم الفرض أو العيد لكن تؤخر خطبة الكسوف عن الفرض، ثم إن اجتمع عيد وكسوف كفى لهما خطبتان بعد صلاتيهما بقصدهما ويذكر فيها أحكامهما وإن اجتمعا مع جمعة وصلاهما قبلها سقطت خطبتهما وخطب للجمعة بنيتها ولكن يتعرض فيهما باختصار لما يندب فيهما. "ويصلون" ندبًا ركعتين ككيفية الصلوات لا على هيئة صلاة الخسوف "لنحو الزلازل والصواعق" والريح الشديدة "منفردين" لئلا يكونوا غافلين لا جماعة لأنه لم يرد، ويسن الخروج إلى الصحراء وقت الزلزلة.
باب: صلاة الاستسقاء
هو لغة: طلب السقيا٤. وشرعًا طلب سقيا العباد من الله تعالى عند حاجتهم إليها، والأصل فيها قبل الإجماع الاتباع٥.
"ويسن" على التأكيد لمقيم ومسافر "الاستسقاء" ولو لجدب الغير المحتاج إليه ما لم يكن ذا بدعة أو ضلالة، ثم هو ثلاثة أنواع ثابتة بالأخبار الصحيحة٦ أدناها في الفضل أن يكون بالدعاء فرادى أو مجتمعين في أي وقت أرادوا وأوسطها أن يكون "بالدعاء خلف الصلاة ولو" نافلة و"في خطبة الجمعة" ونحوها لأنه عقب الصلاة أقرب إلى الإجابة. "والأفضل" من الأنواع
_________________
(١) ١ أي تآكل جثته. ٢ أي جثة الميت. ٣ أي غير صلاة الجنازة. ٤ الاستسقاء: استفعال من طلب السقيا، أي إنزال الغيث على البلاد والعباد "لسان العرب: ١٤/ ٣٩٣". ٥ روى البخاري في الاستسقاء باب ١ "حديث ١٠٠٥" وباب ٤ "حديث ١٠١١ و١٠١٢" وباب ١٤ "حديث ١٠٢٣" وباب ١٥ و١٦ و١٧ و١٨ و١٩ "الأحاديث ١٠٢٤ و١٠٢٥ و١٠٢٦ و١٠٢٧ و١٠٢٨" عن عباد بن تميم عن عمه: "أن النبي ﷺ استسقى فصلى ركعتين وقلب رداءه". ٦ وهي في البخاري ومسلم وغيرهما.
[ ١٩٧ ]
الإمام الناس بالبر وصم ثلاثة، ويخرجون في الرابع صيامًا إلى الصحراء بثياب البذلة متخشعين، وبالمشايخ والصبيان والبهائم بعد غسل وتنظيف، ويصلون ركعتين كالعيد بتكبيراته، ويخطب خطبتين أو واحدة وبعدها أفضل، وأستغفر الله بدل التكبير، ويدعو في الأولى جهرًا، ويستقبل القبلة بعد ثلث الخطبة الثانية، وحول الإمام والناس ثيابهم حينئذ، وبالغ فيها في الدعاء سرًّا وجهرًا ثم استقبل الناس.
ــ
الثلاثة هذا الأخير وهو "أن يأمر الإمام" بنفسه أو نائبه "الناس" سواء مريد الحضور وغيره "بالبر" من صدقة وعتق وغيرهما كالتوبة والخروج من المظالم لأن ذلك أرجى للإجابة. "و" يأمر المطيقين منهم بموالاة "صوم ثلاثة" من الأيام مع يوم الخروج لأن الصوم معين على الرياضة والخشوع وبأمر الإمام أو نائبه به يصير واجبًا امتثالًا له لأنه تعالى بطاعة أولي الأمر١، ويجب فيه٢ التبييت٣ لأنه فرض، ويجب على القادرين منهم امتثال كل ما يأمر به من نحو صدقة وعتق على ما رجحه الإسنوي وفيه كلام بينته في شرح الإرشاد٤. "ويخرجون" بعد صوم الثلاثة "في" اليوم "الرابع" حال كونهم "صيامًا" فيه كالذي قبله "إلى الصحراء" وإن كانوا بمكة أو بيت المقدس "بثياب البذلة" بموحدة مكسورة فمعجمة ساكنة وهي ما يلبس في حال مباشرة الإنسان الخدمة في بيته فلا يصحبون طيبًا ولا زينة للاتباع٥، ولأن هذا يوم مسألة واستكانة بخلاف العيد، ولا يلبسون الجديد من ثياب البذلة، ويسن كونهم "متخشعين" في مشيهم وجلوسهم وغيرهما للاتباع٦. "و" يخرجون "بالمشايخ" أي مع المشايخ "والصبيان" لأن دعاءهم أرجى للإجابة. "والبهائم" لخبر ضعيف٧ لكن له شاهد: "لولا شباب خشع وبهائم رتع وشيوخ ركع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبًا"٨ وتقف معزولة عن الناس، ويكره إخراج الكفار ولو ذميين، معنا أو منفردين؛ لأنهم ربما كانوا سبب القحط، فإن خرجوا أمروا بالتمييز٩ عنا ولا ينفردوا بيوم وإنما يسن خروجهم "بعد غسل" لجميع أبدانهم "وتنظيف" بالماء والسواك وقطع الروائح الكريهة لئلا يتأذى بعضهم ببعض. "ويصلون" للاستسقاء "ركعتين
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . ٢ أي الصيام. ٣ أي النية في الليل. ٤ تقدم الكلام على "شرح الإرشاد" للمصنف. راجع الحاشية ٤ صفحة ٤٦. ٥ روى أبو داود في صلاة الاستسقاء باب ١ "حديث ١١٦٥"عن ابن عباس قال: "خرج رسول الله ﷺ متبذلًا متواضعًا متضرعًا حتى أتى المصلى، فرقي المنبر، فلم يخطب خطبكم هذه؛ ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد". ورواه أيضًا الترمذي في الجمعة باب ٤٣، والنسائي في الاستسقاء باب ٣، وابن ماجه في الإقامة باب ١٥٣، وأحمد في المسند "١/ ٢٣٠، ٣٥٥". ٦ راجع الحديث في الحاشية السابقة. ٧ لعله الحديث الذي رواه ابن ماجه في الفتن باب ٢٢ "حديث ٤٠١٩" عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ الحديث، وفيه: "ولولا البهائم لم يمطروا". ٨ رواه البيهقي في السنن الكبرى "٣/ ٣٤٥" من حديث أبي هريرة. ٩ بالشارة واللباس، أو بجمعهم في مكان متميز عن مكان المسلمين، وما أشبه ذلك.
[ ١٩٨ ]