تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلاَوَةِ،
_________________
(١) باب قال: (تسن سجدات التلاوة): (التلاوة): القراءة. والسجود عند قراءة آيات السجدات مطلوب بالإجماع، وفي (الصحيحين) [خ١٠٧٥ - م٥٧٥] عن عبد الله بن عمر أنه قال: (كان النبي ﷺ يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته). وفي رواية لمسلم [٥٧٥]: (في غير صلاة)، وفيه [٨١/ ١٣٣] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد .. اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتاه أمر ابن بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار). واستدل بعضهم لعدم الوجوب بأن عمر قرأن يوم الجمعة على المنبر (سورة النحل) حتى إذا جاء إلى السجدة .. نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة .. قال: (إنما نمر بالسجود فمن سجد .. فقد أصاب، ومن لم يسجد .. فلا إثم عليه)، ولم يسجد عمر. وروي أنه قال: (إن الله ﷿ لم يفرض السجود إلا لمن شاء)، روى البخاري الروايتين في (صحيحه) [١٠٧٧].
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وَهُنَّ فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ:
_________________
(١) وهذا من عمر في هذا الموطن العظيم دليل على إجماعهم على أنه: ليس بواجب. فإن قيل: ذم الله تعالى من لم يسجد بقوله: ﴿وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون﴾ فدل على وجوبه .. فالجواب: أن الآية في الكافرين بدليل ما قبلها وما بعدها. قال: (وهن في الجديد)، لو قال: (وهي) كما في (التنبيه) .. كان أفصح. قال: (أربع عشرة)؛ لما روى أبو داوود [١٣٩٦] والحاكم [١/ ٢٢٣]- بإسناد حسن- عن عمرو بن العاص قال: (أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشر سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي (الحج) سجدتان). وعدها خمس عشرة لأجل (ص)، فإن السجود فيها مشروع بالشرط الآتي. والأربعة عشر: واحدة: في آخر (الأعراف). وثانية: في (الرعد) عند قوله تعالى: ﴿والأصال﴾. وثالثة: في (النحل) عند قوله تعالى: ﴿يؤمرون﴾، وقيل عند: ﴿وهم لا يستكبرون﴾، وهو بعيد. ورابعة: في (سبحان) عند قوله تعالى: ﴿ويزيدهم خشوعًا﴾. وخامسة: في (مريم) عند قوله تعالى: ﴿وبكيا﴾. وسادسة: في (الحج) عند قوله تعالى: ﴿ما يشاء﴾. وسابعة: فيها عند قوله تعالى: ﴿لعلكم تفلحون﴾. وثامنة: في (الفرقان) عند قوله تعالى: ﴿وزادهم نفورًا﴾. وتاسعة: في (النمل) عند قوله تعالى: ﴿رب العرش العظيم﴾، وقيل: عند قوله تعالى: ﴿وما تعلنون﴾، نقله العبدري وهو شاذ.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
مِنْهَا سَجْدَتا (الحَجِّ)،
_________________
(١) وعاشرة: في (الم السجدة) عند قوله تعالى: ﴿وهم لا يستكبرون﴾. وحادية عشرة: في (حم السجدة) عند قوله تعالى: ﴿وهم لا يسئمون﴾، وقيل: عند قوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ وجزم به الماوردي، وصححه القاضي. وثلاث في المفصل: إحداها: سجدة (النجم). والثانية: في (إذا السماء انشقت) عند قوله تعالى: ﴿لا يسجدون﴾. والثالثة: آخر (اقرأ). وقال في القديم: السجدات: إحدى عشرة، وأسقط سجدات المفصل؛ لما روى أبو داوود [١٣٩٨] عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحويله إلى المدينة). وجوابه: ما رواه الشيخان [خ٧٦٦ - م٥٧٨] عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ سجد في: (إذا السماء انشقت» وفي رواية لمسلم [٥٧٨]: (و(اقرأ باسم ربك». وإسلام أبي هريرة سنة سبع، ووقع في (الوسيط) و(الرافعي): أنه في السنة الثانية وهو وهم. وفي (الصحيحين) [خ٤٨٦٣ - م٥٧٦] عن ابن مسعود أنه ﷺ قرأ: ﴿والنجم﴾ وسجد فيها، لكن ذلك كان بمكة حين سجد النبي ﷺ وسجد معه الجن والإنس، إلا أمية بن خلف فقتل يوم بدر مشركًا، وعند ذلك قال عتيبة بن أبي لهب: هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنى فتدلى، فدعا عليه النبي ﷺ، فأكله السبع بأرض الشام، وكان هو وأخوه عتبة متزوجين بابنتي النبي ﷺ زينب وأم كلثوم فطلقاهما، ثم أسلم عتبة- المكبر- وأخوه معتب يوم الفتح وشهدا حنينًا ولم يهزما، وشهد الطائف وماتا بمكة مسلمين ﵄. قال: (منها: سجدتا (الحج»؛ لحديث عمرو بن العاصي السابق.
[ ٢ / ٢٧١ ]
لاَ (ص~)؛ بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ،
_________________
(١) وروى أبو داوود [١٣٩٧] والترمذي [٥٧٨] عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في (الحج) سجدتان؟ قال: (نعم، ومن لم يسجدهما .. فلا يقرأهما)، لكن في سنده ابن لهيعة إلا أن له شاهدًا يقويه. قال أبو إسحاق السبيعي التابعي: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في (الحج) سجدتين. وأسقط أبو حنيفة الثانية منهما، وأثبت سجدة (ص). والمجمع عليه في المذهب: الأربعة عشر، والمختلف فيه خمس، لكن حكي عن النقاش: السجود في (الحجر) عند قوله تعالى: ﴿وكن من الساجدين﴾. قال: (لا (ص» وهي عند قوله تعالى: ﴿وخر راكعًا وأناب﴾؛ لقول ابن عباس: (ص) ليست من عزائم السجود)، رواه البخاري [١٠٦٩]. وأثبتها ابن سريج فجعلها خمسة عشر لحديث عمرو المتقدم. والمشهور في ﴿ص﴾ وما أشبهها من الحروف التي في أوائل السور: أنها أسماء لها، وتقرأ بالإسكان على المشهور، وتكتب حرفًا واحدًا. قال: (بل هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة)، فإن تليت .. يسجد شكرًا لله تعالى على قبول توبة داوود ﵊. روى أبو داوود [١٤٠٥]- بإسناد صحيح- عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وَتَحْرُمُ فِيهَا فِي الأَصَحِّ. وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ،
_________________
(١) رسول الله ﷺ يومًا فقرأ: (ص)، فلما مر بالسجود .. تشزنًا للسجود- أي: تهيأنا له- فلما رآنا .. قال: (إنما هي توبة نبي، ولكن قد استعددتم للسجود) فنزل السجود. وليس مراد المصنف بـ (سجدة الشكر): أنها مثل سجدة الشكر الآتية في الوقت، بل نسجدها نحن شكرًا على قبول توبة داوود ﵊. قال: (وتحرم فيها في الأصح) كسائر سجود الشكر. فعلى هذا، إن سجدها وكان عامدًا .. بطلت، وإن كان ساهيًا أو جاهلًا .. فلا ويسجد للسهو. والثاني: لا تحرم؛ لأنها وإن كانت سجدة شكر فسببها التلاوة، بخلاف غيرها من سجود الشكر. مهمة: قال الرافعي: لو سجد إمامه في (ص) لكونه يرى السجود فيها كالحنفي .. لم يتابعه بل يفارقه أو ينتظره قائمًا. وإذا انتظره هل يسجد للسهو؟ فيها وجهان. قال في (الروضة): قلت: الأصح لا يسجد. وهذا التصحيح مشكل لا يمشي على القواعد، والصواب: أنه يسجد؛ لأنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته شيئًا جاهلًا، والاعتبار بنية المقتدي. ثم إن تخصيص السجود بحالة الانتظار لا وجه له، بل يجري مع نية المفارقة أيضًا. قال: (وتسن للقارئ والمستمع) أي: حيث يندب للقارئ القراءة وللمستمع الاستماع؛ لما روى الشيخان عن ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعًا
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وَتَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ. قُلْتُ: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
_________________
(١) لمكان جبهته)، وفي رواية لمسلم: (في غير صلاة) كما تقدم. ولا فرق بين أن يكون القارئ في صلاة أم لا، وفي وجه ضعيف: لا يسجد المستمع لقراءة من في الصلاة. ولا فرق بين أن يكون القارئ رجلًا أو امرأة خلافًا لمالك، ولا بين أن يكون صبيًا أو محدثًا أو كافرًا على الأصح، لكن لا سجود لقراءة الجنب والسكران. وإذا سجد المستمع مع القارئ .. لا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء، وله الرفع من السجود قبله. قال: (وتتأكد له بسجود القارئ)؛ للاتفاق على استحبابه في هذه الحالة للمستمع، بخلاف ما إذا لم يسجد القارئ .. ففي وجه: لا يستحب السجود لمستمعه، ويدل له أن زيد بن ثابت قال: (قرأت على النبي ﷺ (النجم) فلم يسجد)، قال أبو داوود [١٤٠٠]: وكان زيد الإمام فلم يسجد. وهذا الجواب فيه نظر، والصواب: أن النبي ﷺ ترك ذلك بيانًا للجواز. وأفاد الشيخ: أن القراءة اتفقوا على أن الطالب إذا قرأ على الشيخ .. لا يسجد. قال: فإن صح ما قالوه .. فحديث زيد حجة لهم. قال: (قلت: وتسن للسامع والله أعلم) وهو: الذي لم يقصد السماع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون﴾، فدخل فيه السامع والمستمع. لكن لا يتأكد في حق السامع كالمستمع؛ لقول ابن عباس: (السجدة لمن استمع
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلاَةِ .. سَجَدَ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِقِرءَتِهِ فَقَطْ، وَالْمَامُومُ لِسَجْدَةِ إِمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ إِمَامُهُ فَتَخَلَّفَ، أَوِ انْعَكَسَ .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ
_________________
(١) لها)، رواه البيهقي [٢/ ٣٢٤]، وعلقه البخاري عن عثمان وغيره، وقيل: السامع كالمستمع في التأكد، وقيل: لا يسن له السجود أصلًا. أما إذا لم يسمع .. فلا يسجد بالاتفاق وإن علم بذلك برؤية الساجدين ونحوه. قال: (وإن قرأ في الصلاة .. سجد الإمام والمنفرد لقراءته) أي: سجد كل واحد منهما لقراءته (فقط)، ولا يسجدان لقراءة غيرهما؛ لأنه يكره لهما الإصغاء لها. والمراد: إذا قرأ في محل القراءة وهو القيام، سواء قرأها قبل الفاتحة أم بعدها، فلو قرأها في الركوع أو السجود فسجد .. بطلت. وقال في (البحر): لو قرأ في صلاة الجنازة سجدة .. لا يسجد فيها ولا بعد فراغها على الأصح. قال: (والمأموم لسجدة إمامه) أي: فقط، فلو سجد لقراءة نفسه أو غيره .. بطلت صلاته للمخالفة. قال: (فإن سجد إمامه فتخلف، أو انعكس) أي: بأن سجد هو دون إمامه (.. بطلت صلاته)؛ لما فيه من المخالفة. وإذا لم يسجد الإمام .. فيحسن من المأموم إذا فرغ قضاء السجود، ولا يتأكد ولا يفعل ذلك في قراءة غير إمامه؛ لأنه لا يشرع له السجود. ولو سجد إمامه ولم يعلم المأموم بذلك حتى رفع الإمام رأسه من السجود .. لا يجوز له أن يسجد كما لو جلس إمامه للتشهد الأول وقام ولم يعلم أو قنت ولم يعلم. فلو أراد هذا أن ينوي مفارقته ليسجد .. لم يكن له ذلك، بخلاف ما لو نوى مفارقته ليأتي بالتشهد أو القنوت، والفرق: أنهما من الأبعاض وتركهما يوجب نقصانًا في الصلاة، ولا كذلك سجود التلاوة.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلاَةِ .. نَوَى وَكَبَّرَ لِلإِحْرَامِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ لِلْهَوِيِّ بِلاَ رَفْعٍ،
_________________
(١) مهمة: قال في زوائد (الروضة): (لم أر نقلًا في جمع السجدات لغرض السجود فقط- قال- وفي كراهة ذلك خلاف للسلف، ومقتضى مذهبنا .. أنه إن كان في غير الصلاة، أو فيها في غير وقت الكراهة .. لم يكره، أو فيها .. فمكروه) اهـ والمسألة ذكرها القاضي حسين والشيخ عز الدين، فأما القاضي حسين .. فمقتضى كلامه جواز ذلك، وعدم استحبابه. وأما الشيخ عز الدين .. فإنه منع ذلك، وأفتى ببطلان الصلاة مطلقًا وقت الكراهة وغيرها. قال: (ومن سجد خارج الصلاة .. نوى)؛ لحديث: (الأعمال بالنيات). قال: (وكبر للإحرام)؛ قياسًا على الصلاة. وفي (أبي داوود) [١٤٠٨] عن ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة .. كبر وسجد وسجدنا). قال: (رافعًا يديه) كتحريم الصلاة، ولا يستحب أن يقوم ثم يكبر على الصواب، خلافًا للقاضي والمتولي والبغوي، وكان الجويني يفعله. وقال أبو حامد النيسابوري- واسمه محمد بن أحمد-: السنة أن يقوم إذا أراد أن يسجد للتلاوة؛ لأن النافلة قائمًا أفضل. والمذكور عده العبادي في طبقة أبي سهل الصعلوكي. قال: (ثم للهوي بلا رفع) كما في الصلاة. وعند ابن أبي هريرة: لا يكبر لا للسجود ولا للرفع. وعن أبي جعفر الترمذي: أنه يكبر عند السجود لا غير، ويقرن به النية.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وَسَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلاَةِ وَرَفَعَ مُكَبِّرًا وَسَلَّمَ. وَتَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ شَرْطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا السَّلاَمُ فِي الأَظْهَرِ. وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلاَةِ، وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا .. كَبَّرَ لِلْهَوِيِّ وَلِلرَّفْعِ،
_________________
(١) وقيل: لا يشترط فيها تكبير ولا تسليم، بل تكفي صورة السجود بالطهارة وباقي الشروط، وصحح الغزالي، ونص عليه في (البويطي) فقال: وأقله أن يضع جبهته بلا شروع ولا سلام. والأصح: ما ذكر المصنف. قال: (وسجد كسجدة الصلاة) أي: في جميع ما سبق من الشروط والسنن. قال: (ورفع مكبرًا وسلم)؛ لأنها في الحقيقة صلاة. قال: (وتكبيرة الإحرام شرط على الصحيح) مراده: أنه لابد منها. وتسمح في تسميتها شرطًا. ومقابل الصحيح: مقالة ابن أبي هريرة والترمذي. أما التشهد .. فالأصح: أنه لا يشرع، وقيل: يندب. قال: (وكذا السلام في الأظهر)؛ قياسًا على التحريم. والثاني: لا يشترط كما لا يشترط ذلك إذا سجد في الصلاة. قال: (وتشترط شروط الصلاة) كالطهارة والستر والاستقبال وطهارة الحدث والخبث ودخول الوقت وهو: الانتهاء إلى آخر أية السجدة، فلو سبق بحرف .. لم يجز. ويشترط أيضًا الكف عن المفسدات كالأكل والكلام والفعل، لكن المصنف لم يعدها في بابها من الشروط. قال: (ومن سجد فيها) أي: في الصلاة (.. كبر للهوي وللرفع) أي: منه؛ لأن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع في الصلاة. ولا إشكال
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وَلاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ. قُلْتُ: وَلاَ يَجْلِسُ لِلاسْتِرَاحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَقُولُ: (سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ)
_________________
(١) أنه لا يكبر للافتتاح؛ لأنه في الصلاة. قال: (ولا يرفع يديه)؛ لأن ذلك ليس محل رفع اليدين. قال: (قلت: ولا يجلس للاستراحة والله أعلم)؛ لأنه زيادة في الصلاة لم يرد فعلها. قال: (ويقول: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)، كذا رواه أبو داوود [١٤٠٩] والترمذي [٥٨٠] والنسائي [٢/ ٢٢٢] من رواية عائشة، إلا أنهم لم يذكروا فيه لفظة (وصوره). زاد الحاكم [١/ ٢٢٠]: (فتبارك الله أحسن الخالقين). وسواء كان السجود في الصلاة أو غيرها. ويستحب أن يقول أيضًا: (اللهم؛ اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داوود ﵇)؛ لما روى ابن عباس أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! رأين هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة، وكأني قرأت سجدة فسجدت، فرأيت الشجرة كأنها كسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة: الله؛ اكتب لي بها عندك أجرًا إلى آخره. قال ابن عباس: فقرأن النبي ﷺ سجدة، فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل عن الشجرة)، رواه الترمذي [٥٧٩] وغيره بإسناد حسن. ونقل إسماعيل الضرير في (تفسيره) عن الشافعي: أنه اختار أن يقول: ﴿سبحن ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾. وقال الغزالي والروياني: يستحب أن يقول في سجوده ما يليق بالآية التي قرأ بها، فيقول في سجدة (الفرقان): سجدت للرحمن، وآمنت بالرحمن، فاغفر يا رحمن. وينبغي أن لا يزيد الإمام على مقدار ثلاث تسبيحات سجود الصلاة إلا برضا المحصورين.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ .. سَجَدَ لِكُلٍّ، وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الأَصَحِّ، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَصْلُ .. لَمْ يَسْجُدْ
_________________
(١) قال: (ولو كرر آية) أي: خارج الصلاة (في مجلسين .. سجد لكل)، كما تتكرر التحية بتكرر دخول المسجد. قال: (وكذا المجلس في الأصح)؛ لتجدد السبب. والثاني: تكفيه الأولى كما لو كررها قبل أن سجد. والثالث: إن طال الفصل .. سجد مرة أخرى، وإلا .. كفت الأولى. قال في (العدة): وعليه الفتوى، وأقره عليه الرافعي. وقال المصنف في (التبيان): إن الفتوى على الثاني، وذكره نحوه في (شرح المهذب)، وهو سهو. قال: (وركعة كمجلس، وركعتان كمجلسين)؛ نظرًا إلى الاسم. قال: (فإن لم يسجد وطال الفصل .. لم يسجد) اتفقوا على أنها تفوت بطول الفصل، واختلفوا في أنها: هل تقضي أو لا؟ والأصح: أنها لا تقضي؛ لأنها تعلقت بسبب عارض، فإذا فاتت .. لم تقض كصلاة الاستسقاء. والثاني: تقضى كما إذا سمع المؤذن وهو يصلي، فإن الشافعي نص على أنه: يجيبه إذا سلم. فروع: لا يقوم الركوع مقام سجدة التلاوة عندنا خلافًا لأبي حنيفة والخطابي. ونقل في زيادات (الروضة) هنا عن (البحر) وأقره: أن الخطيب إذا قرأ آية سجدة .. يترك السجود؛ لما فيه من الكلفة. وقال في (صلاة الجمعة): إن أمكنه السجود على المنبر .. سجد، وإلا .. نزل وسجد. والشافعي له في المسألة نصان. فالذي قاله هنا موافق لأحدهما، وفي (الجمعة) موافق للآخر.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لاَ تَدْخُلُ الصَّلاَةَ. وَتُسَنُّ: لِهُجُومِ نِعْمَةٍ،
_________________
(١) ويكره للمأموم قراءة السجدة، والإصغاء إلى قراءة غير إمامه. ولا يكره للإمام قراءة السجدة في جهرية ولا سرية خلافًا لمالك. ولو سمع مع دخوله المسجد قراءة سجدة، فهل يسجد أو يصلي التحية؟ فيه احتمال. وقال البندنيجي وغيره: إذ قرأ أو سمع آية سجدة وهو محدث .. توضأ وسجد وهذا قريب إذا تيسر الوضوء على قرب. وإذا سجد المصلي ثم اعتدل .. استحب له أن يقرأ شيئًا ثم يركع، وحكى في (المعتمد) في ذلك وجهين. قال: (وسجدة الشكر لا تدخل الصلاة)، فلو فعلها فيها .. بطلت صلاته ولو كانت نافلة؛ لأن سببها لا تعلق له في الصلاة، وهذا في العالم، أما الجاهل .. فلا تبطل صلاته. قال: (وتسن: لهجوم نعمة) كحدوث ولد أو جاه أو مال أو نصر على الأعداء أو قدم الغائب وشفاء المريض وحدوث المطر عند القحط وزواله عند خوف التأذي، سواء كان ذلك خاصًا به أم عامًا؛ لما روى أبو داوود [٢٧٦٨] وابن ماجه [١٣٩٤] والحاكم [١/ ٢٧٦] وصححه: (أن النبي ﷺ كان إذا جاءه أمر يسر به .. خر ساجدًا لله تعالى). وروى عبد الرحمن بن عوف قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد، فسجد وأطال السجود، فسألته فقال: (إن جبريل ﵇ أتاني فبشرني: أن من صلى علي مرة .. صلى الله عليه بها عشرًا، فسجدت شكرًا لله) رواه العقيلي في (تاريخه) [٣/ ٤٦٧] وأحمد [١/ ١٩١] والحاكم [١/ ٥٥٠] بنحوه وقال: على شرط الشيخين. وفي (أبي داوود) [٢٧٦٩] بإسناد حسن: أن النبي ﷺ قال:
[ ٢ / ٢٨٠ ]
أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ،
_________________
(١) (سألت ربي ﷿ وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي .. فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي .. فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر .. فخررت ساجدًا شكرًا لربي). وروى البيهقي بإسناد صحيح [٢/ ٣٦٣]: (أن النبي ﷺ خر ساجدًا لما جاءه كتاب علي من اليمن بإسلام همدان). وسجد أبو بكر عند فتح اليمامة وقتل مسيلمة، وسجد عمر عند فتح اليرموك، وعلي عند رؤية ذي الثدية قتيلًا بالنهروان. واحترز بـ (هجوم النعمة) عن استمرارها، فإنها لا يسجد لها؛ لأن ذلك يؤدي إلى استغراق العمر. قال: (أو اندفاع نقمة) كنجاة من غرق ونحوه، زاد في (المحرر): من حيث لا يحتسب، وكذا ذكره في (الشرح)، وقيده في (المهذب) و(التنبيه) بالنعمة والنقمة الظاهرتين. وقال القاضي حسين: إنما يسجد لنعمة طالما كان يتوقعها، أو انكشاف بلية طالما كان يترقب انكشافها؛ لما روى الشيخان [خ٣٩٥١ - م٢٧٦٩] عن كعب بن مالك: أنه لما جاءته البشارة بتوبته .. خر ساجدًا. وروى الحافظ ابن عبد البر وغيره: أن فرات بن حيان وأبا هريرة والرجال بن عنفوه- واسمه نهار- قاموا من عند رسول الله ﷺ فقال: (لضرس أحدهم في النار أعظم من أحد، وإن معه قفا غادر)، فلم يأمن فرات وأبو هريرة حتى بلغهما ردة الرجال وإتباعه مسيلمة .. فخرًا ساجدين لله شكرًا. أما الثلاثة الذين قال لهم النبي ﷺ: (آخرهم موتًا في النار) ..
[ ٢ / ٢٨١ ]
أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَىً أَوْ عَاصٍ
_________________
(١) فأبو هريرة وسمرة بن جندب وحذيفة بن اليمان، والذي سقط منهم في القدر هو سمرة، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين. قال: (أو رؤية مبتلى) - أي: في بدنه أو غيره- فيشكر الله تعالى على السلامة في البدن والدين؛ فقد روى الحاكم: (أن النبي ﷺ سجد مرة لرؤية زمن، ومر به أبو بكر فنزل وسجد شكرًا لله، ومر به عمر فنزل وسجد شكرًا لله)، و(كان النبي ﷺ إذا رأى القرد .. سجد لله تعالى شكرًا)، ورأى النبي ﷺ رجلًا نغاشيًا، فخر ساجدًا ثم قال: (أسال الله العافية) رواه البيهقي [٢/ ٣٧١] مرسلًا، وله شاهد يؤكده. و(النغاشي) بضم النون، وبالغين والشين المعجمتين، قيل: الناقص الخلق الضعيف الحركة، وقيل: المبتلى، وقيل: المختلط العقل. ويسن عند رؤية المبتلى أن يقال ما رواه الترمذي [٣٤٣١] عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا .. [إلا] عوفي من ذلك البلاء كائنًا ما كان ما عاش). قال: (أو عاص)؛ لأن مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا. ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: (اللهم؛ لا تجعل مصيبتنا في ديننا). وفي (الكفاية) تقييد العاصي بكونه يتظاهر بمعصيته. واستحباب السجود لرؤية العاصي يؤخذ منها استحبابه لرؤية الكافر من باب أولى،
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي لاَ لِلْمُبْتَلَى. وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلاَوَةِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ سَجَدَ لِتَلاَوَةِ صَلاَةٍ .. جَازَ عَلَيْهَا قَطْعًا
_________________
(١) وقد صرح به في (البحر)، ولو سمع صوت مبتلى أو عاص .. فيظهر أنه كرؤيته. قال: (ويظهرها للعاصي) لعله يتوب، وكذا يندب إظهارها في تجدد النعم واندفاع النقم التي لا تتعلق بغيره. قال: (لا للمبتلى)؛ لأنه معذور. فإن كان غير معذور كالمقطوع في السرقة .. أظهرها. فلو رأى فاسقًا متجاهرًا ومبتلى في بدنه، فهل يبديها أو يخفيها؟ فيه احتمالان، والثاني: أقرب. قال: (وهي كسجدة التلاوة) أي: المفعولة خارج الصلاة في كيفيتها وشرائطها، فيؤخذ منه: أنه لابد من النية وهو الأصح، وفيه وجه في (الوسيط). ويؤخذ منه: أن يكون في حال استقراره- قبل هويه إلى السجود- إما قائمًا أو جالسًا. قال: (والأصح: جوازهما) أي: سجدة التلاوة والشكر. قال: (على الراحلة للمسافر) أي: بالإيماء؛ لأنهما مما يكثر بخلاف صلاة الجنازة لا تجوز على الراحلة على الأصح؛ لأنها تندر، ويبطل ركنها الأعظم وهو القيام. والماشي يسجد على الأرض على الصحيح. والوجه الثاني: لا يجوز؛ لأن أظهر أركانها إلصاق الجبهة بالأرض. قال: (فإن سجد لتلاوة صلاة .. جاز عليها قطعًا)؛ تبعًا للصلاة كما في سجود الصلاة. وهذا لا يأتي في سجدة الشكر؛ لأنها لا تفعل في الصلاة. تتمة: لو خضع فتقرب لله بسجدة واحدة من غير سبب .. فالأصح: أنه حرام. قال المصنف [في (المجموع) ٤/ ٧٨]: وليس من هذا أن يفعله كثير من الجهلة الضالين
[ ٢ / ٢٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من السجود بين يدين المشايخ؛ فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال، سواء كان إلى القبلة أو لغيرها، وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل، وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر. * * * خاتمة ختم الله لنا بالحسنى قال البغوي: لو تصدق من تجددت له نعمة أو اندفعت عنه نقمة، أو صلى شكرًا لله تعالى .. كان حسنًا، أي: مع فعله سجدة الشكر، كذا قاله المصنف والظاهر: أن مراد البغوي خلافه. ولو قرأ من حصل له سرور وهو في الصلاة آية سجدة ليسجد بها للشكر .. ففي جواز السجود وجهان أصحهما: يحرم وتبطل صلاته. وهما كالوجهين فيمن قصد المسجد في وقت النهي ليصلي التحية لا لغرض آخر. * * *
[ ٢ / ٢٨٤ ]