وَقْتُ إِحْرَامِ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ لَيَالِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
_________________
(١) باب المواقيت هي جمع: ميقات، كمواعيد وموازين ومواريث، جمع: ميعاد وميزتان وميراث. وهو في اللغة: الحد، وههنا: مكتن العبادة وزمانها، واصله: الزمان، ثم توسع فيه فأطلق على المكان. والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾. في الكلام حذف تقديره: أشهر الحج أشهر، أو وقت الحج أشهر، أو وقت عمل الحج أشهر، لأن الحج ليس هو الأشهر فاحتيج إلى هذه التقديرات، ولما كانت أشهر الحج معلومة عندهم لم يسمها الله تعالى. ولفظ الأشهر يقع على الشهرين وبعض الثالث، كما يقال: رأيتك سنة كذا، وإنما رآه في بعضها. وقال ﷺ: (أيام منى ثلاثة) وهي يومان وبعض الثالث. قال: (وقت إحرام الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة) أجمع العلماء على أن أولها شوال، وإنما الخلاف في آخرها. والصحيح: أنه يبقى إلى طلوع الفجر يوم النحر، لحديث عروة بن مضرس ضي الله عنه قال: أتيت الني ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله \، إني جئت من جبل طئ أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله
[ ٣ / ٤٢٤ ]
وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَجْهٌ فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ أَنْعَقَدَ عُمْرَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ
_________________
(١) ما تركت من حبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال ﷺ: (من شهد معنا صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا .. فقد تم حجه وقضى تفثه) رواه الأأربعة. و(الحبل) بالحاء والباء: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه، وجمعه حبال. والأفصح فتح القاف من (القعدة)، وجمعه ذوات القعدة، وكسر الحاء من (الحجة)، وجمعه ذوات الحجة، وسمي ذا القعدة، لقعودهم فيه عن القتال، والحجة، لوقوع الحج فيه. والكي كغيره، لكن يستحب له أن يحرم يوم التروية. ويؤخذمن كلام المصنف مسألة حسنة صرح بها في (صلاة الجمعة) من (البحر) وهي: أنه إذا لم يبق من زمن الوقوف بعرفة ما يصح معه إداراكه .. صح إحرامه بالحج، بخلاف ما إذا ضاق وقت الجمعة، وفرق بأن الجمعة لا تقضي جمعة، والحج بفوات الوقوف يقضي حجًا. قال: (وفي ليلة النحر وجه)، لأن الليالي تابعة للأيام، ويوم النحر لا يصح فيه الإحرام بالحج فكذلك في ليلته، وهذا شاذ،،أشذ منه من يقول: إن ذا الحجة جميعه وقت للإحرام، ونسب إلى القديم، وبه قال مالك. قال: (فلو أحرم به غير أشهره .. انعقد عمرة على الصحيح) سواء كان عالمًا أم جاهلًا، لأنه بطل خصوص الحج فبقى عموم الإحرام فانصرف إلى العمرة، وبهذا قال ابن عباس وجابر والأوزاعي وأحمد، وقاسه الشافعي ﵁ على من أحرم بالصلاة قبل وقتها، فإنها تكون نافلة، واستشكله المصنف، لأنه إن قيس على العمد .. فالصحيح فيه: البطلان، أو على الجهل .. فظاهر كلامهم هنا: أنه لا فرق.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَة
_________________
(١) ِ والوجه الثاني: لا ينعقد عمرة، بل يتحلل بعمل عمرة كمن فاته الحج ولا يحسب له. والثالث: ينعقد إحرامه مبهمًا، فإن صرفه إلى عمرة .. كان عمرة صحيحة، وإلا .. تحلل بعمل عمرة. وقال مالك وأبو حنيفة والثوري: ينعقد بالحج ولكنه مكروه، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فجعل جميع السنة للحج. دليلنا: الآية المتقدمة. وعلى الصحيح: تكون مجزئة عن عمرة الإسلام، لكنه لو أحرم بعمرة ثم بحج في غير أشهره .. لم ينعقد إحرامه حجًا؛ لأنه في غير أشهره، ولا عمرة؛ لأن العمرة لا تدخل على العمرة، ذكره القاضي أبو الطيب. وصورة مسألة الكتاب في شخص حلال. وكان الصواب: التعبير بـ (المذهب)؛ لأن المسألة ذات طرق أظهرها: قولان. فرع: قال صاحب (البيان): لو أحرم قبل أشهر الحج، ثم سك هل أحرم بحج أو عمرة .. فهي عمرة قطعًا، وإن أحرم بالحج وشك هل كان إحرامه في أشهر الحج أو قبلها .. قال الصيمري كان حجًا؛ لأن الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن. قال: (وجميع السنة وقت لإحرام العمرة)؛ لوروده في أوقات مختلفة. ففي (الصحيحين) [خ ١٧٨٠ - م ١٢٥٣]: (أنه ﷺ اعتمر ثلاث مرات متفرقات في ذي القعدة) إحداهما: عمرة الحديبية سنة ست، لما صد عن البيت الحرام حسبت له عمرة في الثواب، ثم اعتمر عمرة القضية سنة سبع، ثم عمرة الجعرانة سنة ثمان، وهذه الثلاث في ذي القعدة. وفي (الصحيحين) [خ ١٧٧٦ - م ١٢٥٥] عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ اعتمر في شهر رجب، وأنكرت عائشة ﵂ عليه ذلك).
[ ٣ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وروى الدارقطني [٢/ ١٨٨] والبيهقي [٣/ ١٤٢]: (أنه ﵊ اعتمر في شهر رمضان). وروى مسلم [١٢١١/ ١٣١]: (أنه ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أن يعمر عائشة ﵂ ليلة رابع عشر ذي الحجة .. ففعل). وفي (الصحيحين) [خ ١٧٨٢ - م ١٢٥٦] عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: (عمرة في رمضان تعدل حجة). وفي رواية للحاكم [١/ ٤٨٤]: (تعدل حجة معي). لكن يستثنى من ذلك الحاج إذا تحلل التحللين وعكف بمنى للرمي؛ فإن عمرته لا تنعقد، وكذا المحرم بالحج؛ فإن إحرامه بالعمرة لا يصح على الأظهر كما سيأتي، وأخذ من هذا امتناع حجتين في عام. فرع: يستحب الإكثار من العمرة، ولا تكره عندنا في وقت من الأوقات، وسواء فيه أشهر الحج، وأيام العيدين والتشريق، وأوقات كراهة الصلاة وغيرها. ويتأكد استحبابها في أشهر الحج، والأشهر الحرم، وفي رمضان وهي فيه أفضل منها في غيره. ولا تكره عمرتان فأكثر في السنة الواحدة، بل في اليوم الواحد. وقال مالك والمزني: لا يجوز الاعتمار إلا مرة واحدة في السنة، وهو مردود بقول الشافعي ﵁: ومن قال: لا يعتمر في السنة إلا مرة واحدة .. خالف سنة رسول الله ﷺ؛ لأنه أعمر عائشة ﵂ في سنة واحدة مرتين، واعتمر ابن عمر ﵄ أعوامًا مرتين في كل عام. قال الشافعي ﵁ في (الإملاء): وأستحب للرجل أن لا يأتي عليه شهر
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وَالْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ: نَفْسُ مَكَّةَ، وَقِيلَ: كُلُّ الحَرَمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَمِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِ مِنْ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَمِنْ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ، وَمِنْ تِهَامَةِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ قَرْنٌ، ومِنَ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ
_________________
(١) إلا اعتمر فيه، وإن قدر أن يعتمر في الشهر المرتين والثلاث .. أحببت له ذلك. وكان قاضي القضاء نجم الدين الطبري يحكي ثلاثة أوجه في الطواف والاعتمار أيهما أفضل؟ ثالثها: إن استغرق زمن الاعتمار الطواف .. فالطواف أفضل. ومختار الشيخ: أن الاعتمار أفضل من الطواف مطلقًا. قال: (والميقات المكاني للحج في حق من بمكة: نفس مكة)، سواء في ذلك المكي والآفاقي؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: (حتى أهل مكة من مكة) رواه الشيخان [خ ١٥٢٤ - م ١١٨١]. وقيل: إذا أراد من بمكة القران .. وجب أن يخرج إلى أدنى الحل ويحرم منه. والأفضل للمكي: أن يحرم من باب داره. وقيل: من المسجد قريبًا من البيت. وقيل: من تحت الميزاب. قال: (وقيل: كل الحرم)؛ لاستوائهما في الحرمة، ولأن مكة تطلق على الحرم؛ لقوله ﷺ: (إن إبراهيم حرم مكة) والمراد: الحرم جميعه، فإن أحرم من حيث شاء من الحرم .. لم يكن مسيئًا على هذا القول بخلاف الأول. قال: (وأما غيره .. فميقات المتوجه من المدينة: ذو الحليفة، ومن الشام ومصر والمغرب: الجحفة، ومن تهامة اليمن: يلملم، ومن نجد اليمن ونجد الحجاز: قرن، ومن المشرق: ذات عرق)؛ لما روى الشيخان [خ ١٥٢٤ - م ١١٨١]
[ ٣ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك .. فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة). وفي (النسائي) [٥/ ١٢٤] عن عائشة ﵂: (أقت رسول الله ﷺ لأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق). ويستثنى من إطلاق المصنف الأجير؛ فإنه يحرم من ميقات مستأجره كما حكاه شارح (التعجيز)، ونقله في (الكفاية) عن الفوراني بزيادة: أنه يحرم أيضًا مما بإزائه، وأقره عليه. واختلفوا هل ذات عرق ميقات بالنص أو باجتهاد عمر ﵁؟ رجح في (الشرح الصغير) و(شرح المهذب) الأول، وفي (شرح المسند)
[ ٣ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) و(شرح مسلم) الثاني، ونصه في (الأم)، والأول رأي الجمهور، والأفضل أن يحرم من العقيق. و(ذو الحليفة) على ستة أميال من المدينة، وقيل: على سبعة، ووقع في (الرافعي) و(الشامل) و(البحر (: أن بينهما ميلًا، وهو خلاف المشاهد. و(الشأم) مهموز، ويجوز ترك الهمز. قال ابن حبان في (صحيحه) [١٦/ ٢٩٤]: أول الشام: بالس، وآخره: العريش. و(مصر): هي المدينة المعروفة، تذكر وتؤنث، ويجوز فيها الصرف وعدمه، وهي من إسكندرية إلى أسوان. قال أبو بصرة الغفاري: مصر خزائن الأرض كلها، وسلطانها سلطان الأرض كلها، نسبة إلى مصر بن بيصر بن سام بن نوح؛ لأن الذي اختطها. و(المصر): الحاجز بين الشيئين، قال أمية يذكر حكمة الصانع [من البسيط]: وجاعل الشمس مصرًا لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا و(الجحفة): مهيعة، سميت بذلك؛ لأن السيل جحفها. و(تهامة) بكسر التاء: اسم لكل ما نزل عن نجد إلى بلاد الحجاز. و(اليمن): إقليم معروف. و(يلملم) –ويقال له: ألملم-: جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة. و(قرن) بإسكان الراء، وقال الفارابي وابن أخته الجوهري: إنها بفتح الراء،
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ، وَيَجُوزُ مِنْ آخِرِهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي إلَى مِيقَاتٍ: فَإِنْ حَاذَى ميقاتًا .. أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ،
_________________
(١) وإليها بنسب أويس بن عامر القرني، واتفق الناس على تغليطهما. و(ذات عرق) على مرحلتين من مكة. وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر بها كما نطقت به السنة. قال رجل لعمرو بن العاصي ﵁: صف لي أهل الأمصار، فقال: أهل الشام أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم للخالق، وأهل مصر عبيد من غلب، وأهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم عنها، وأهل العراق أطلب الناس للعلم وأبعدهم عنه. قال: (والأفضل: أن يحرم من أول الميقات) وهو طرفه الأبعد من مكة؛ ليستوعبه كله محرمًا. واستثنى الشيخ من ذلك ذا الحليفة؛ فإن الأفضل أن يحرم من المسجد الذي أحرم منه النبي ﷺ فيها. قال: (ويجوز من آخر)؛ لصدق الاسم. قال: (ومن سلك طريقًا لا ينتهي إلى ميقات: فإن حاذى ميقاتًا .. أحرم من محاذاته). (المحاذاة) بالذال المعجمة: المسامتة عن اليمين أو اليسار، دون الظهر أو الوجه.
[ ٣ / ٤٣١ ]
أَوْ مِيقَاتَيْنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ
_________________
(١) . واستدل لذلك بما رواه البخاري [١٥٣١] عن ابن عمر ﵄ قال: لما فتح هذان المصران .. أتوا عمر ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنًا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردناه .. شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقهم، فحد لهم ذات عرق) ووافقه الصحابة على ذلك. و(المصران): الكوفة والبصرة. فإن اشتبه عليه الأمر .. اجتهد. ويستحب أن يستظهر ليتيقن المحاذاة أو فوقها، وأشار أبو الطيب إلى وجوب الاستظهار. قال: (أو ميقاتين .. فالأصح: أنه يحرم من محاذاة أبعدهما) سواء كانا من جهة واحدة أو كان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. والمراد: أبعدهما من مكة، وهو الأقرب إليه بأن يحاذيه أولًا، كمن يحاذي ذا الحليفة لا يؤخر لمحاذاة الجحفة. ويقابل (الأصح): أنه يتخير بينه وبين الموضع المحاذي للأقرب، ونسبه الماوردي إلى جمهور الأصحاب، وقال: إنه الصحيح. فإن حاذاهما معًا .. أحرم من موضع المحاذاة، قال الرافعي: ويتصور حينئذ أن تكون مكة من أحدهما أبعد؛ لانحراف إحدى الطريقين أو وعورتها. قال: (وإن لم يحاذ .. أحرم على مرحلتين من مكة)؛ فإن ذلك أدنى المواقيت، وعليه اعتمد عمر ﵁ في اجتهاده في ذات عرق. والمراد بعدم المحاذاة: في علمه، لا في نفس الأمر؛ فإن المواقيت تعم جهات مكة فلا بد أن يحاذي أحدها.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَسْكَنُهُ. وَمَنْ بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُه
_________________
(١) ُ. قال: (ومن مسكنه بين مكة والميقات .. فيمقاته مسكنه)؛ لقوله ﷺ: (ومن كان دون ذلك .. فمن حيث أنشأ) فلو ترك مسكنه وقصد الميقات فأحرم منه .. جاز ولا دم عليه، كالمكي إذا خرج إلى الميقات فأحرم منه. ولو جاوز مسكنه إلى جهة مكة .. فكمجاوزة الميقات. فرع: أهل الصفراء وبدر بين ميقاتين أحدهما أمامهم والآخر وراءهم، والمشهور: أن ميقاتهم الجحفة، صرح به الروياني في (البحر). قال: (ومن بلغ ميقاتًا غير مريد نسكًا ثم أراده .. فميقاته موضعه) ولا يكلف العود؛ لأنه داخل تحت قوله ﷺ: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ.) ولما روى مالك [١/ ٣٣١] والشافعي [أم ٢/ ١٤٠] والبيهقي [٥/ ٢٩]: أن ابن عمر ﵄ أحرم من الفرع. قال الشافعي ﵁: وهذا عندنا محمول على أنه مر بالميقات لا يريد إحرامًا ثم بدا له، أو جاء إلى الفرع من مكة أو غيرها ثم بدل له فأحرم. و(الفرع) بضم الفاء وإسكان الراء: بلاد بين مكة والمدينة. وشملت عبارة المصنف مسألتين: إحداهما: إذا لم يقصد دخول مكة، ولا خلاف أنه لا يأثم بمجاوزة الميقات غير محرم. والثانية: أن يقصد دخول الحرم، وهو كذلك على الأصح، إلا أن يريد النسك ويتجاوز موضع إرادته.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
إِنْ بَلَغَهُ مُرِيدًا لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِيُحْرِمَ مِنْهُ إلَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ لَزِمَهُ دَمٌ،
_________________
(١) قال: (وإن بلغه مريدًا .. لم تجز مجاوزته بغير إحرام) بالإجماع، قاله المصنف، وهو منازع في ذلك؛ فقد حكى ابن المنذر وابن عبد البر الخلاف فيه. والمراد: لم تجز مجاوزته إلى جهة الحرم، أما إذا جاوزها يمينً أو شمالًا وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد .. فإنه يجوز، قاله الماوردي. قال: (فإن فعل) أي: جاوزه بغير إحرام (.. لزمه العود ليحرم منه)؛ لأن الإحرام منه كان واجبًا عليه فتركه، وقد أمكنه تداركه فيأتي به، وإذا عاد .. لا دم عليه. وقيل: إن عاد بعد مسافة القصر .. لزمه. وظاهر عبارة المصنف: أن العود إليه محتم، وليس كذلك، بل لو عاد إلى مثل مسافته من ميقات آخر .. جاز بالاتفاق. وعبارته أيضًا توهم وجوب تأخير الإحرام إليه، وليس كذلك، بل له أن يحرم ثم يعود إلى الميقات محرمًا؛ لأن المقصود قطع المسافة، كالمكي إذا أراد الاعتمار .. فإنه يجوز له أن يحرم من مكة ثم يخرج إلى الحل. قال: (إلا إذا ضاق الوقت، أو كان الطريق مخوفًا) فإنه يريق دمًا ولا يعود؛ لما في العود من الضرر. واعترض على حصر المصنف بأنه لو خاف على ماله لو تركه .. كان عذرًا، وكذلك لو كان به مرض شاق، أو خاف الانقطاع عن الرفقة. فلو عبر المصنف بقوله: إلا لعذر كضيق الوقت وخوف الطريق .. لاستقام. قال: (فإن لم يعد .. لزمه دم)؛ لما روى مالك [١/ ٣٩٧] عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (من نسي من نسكه شيئًا أو تركه .. فليهرق دمًا) قال الرافعي: ويروى مرفوعًا. سواء جاوز عالمًا أو جاهلًا عامدًا أو ناسيًا، على أن مسألة السهو لا تأتي؛
[ ٣ / ٤٣٤ ]
أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ،
،وَلَوْ
_________________
(١) لاستحالة كون الناسي قاصدًا للنسك، إلا أن يتصور بمن أنشأ سفره من بلده قاصدًا له، وقصده مستمر فسها عنه حين المجاوزة. وشرط وجوب الدم إذا لم يعد: أن يحرم إما بالعمرة مطلقًا وإما بالحج في تلك السنة، فإن لم يحرم البتة أو أحرم بالحج بعد انقضاء تلك السنة .. فلا دم؛ لأن إحرام هذه السنة لا يصلح لسنة قابلة، والدم إنما يجب لجبر النسك لا بدلًا عنه، وبهذا يظهر أن المجاوزة وحدها ليست كافية في إيجاب الدم، بل الموجب له النقص الحاصل في النسك بسبب المجاوزة. ولو مر الصبي أو العبد بالميقات غير محرم ثم بلغ أو عتق قبل الوقوف .. فالصحيح: أنه لا دم عليه، وصورة العبد ترد على لفظ الكتاب. أما إذا نوى الولي الإحرام بالصبي فجاوز به الميقات ثم عقد له .. فهل يلزم الولي الفدية في مال نفسه أو لا فدية؟ وجهان. قال: (ولو أحرم ثم عاد .. فالأصح: أنه إن عاد قبل تلبسه بنسك .. سقط الدم) سواء كان ركنًا أو سنة؛ لأنه حصل محرمًا في ميقاته قبل التلبس بشيء من أفعاله فصار كما لو أحرم من دويرة أهله. والثاني: لا يسقط الدم بالعود، وبه قال مالك؛ لأن الإساءة تأكدت بإنشاء الإحرام من غير موضعه. وقيل: إن عاد قبل مسافة القصر من الميقات .. لم يجب، وإلا .. وجب. وقضية كلامه: أن الدم وجب ثم سقط بالعود، وهو وجه في (الحاوي). والصحيح: أنه لا يجب إلا بفوات العود. وفي وجه ثالث في (الكفاية) عن البندنيجي: أنه مراعًى؛ إن لم يعد .. تبين وجوبه عليه، وإلا .. تبين عدمه. وحيث أسقطنا الدم بالعود لا تكون المجاوزة حرامًا كما صرح به المحاملي
[ ٣ / ٤٣٥ ]
وإلا .. فلا،
_________________
(١) والروياني والعمراني، لكن شرط ذلك أن تكون المجاوزة بنية العود، كذا قيده المحاملي. قال: (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يعد .. لم يسقط الدم سواء كان عامدًا أم ناسيًا أم جاهلًا؛ لنقص إحرامه. ولا فرق بين أن يكون ذلك النسك ركنًا كالوقوف، أو سنة كطواف القدوم. وقيل: لا أثر للتلبس بسنة. فروع: الأول: قال العمراني: سمعت الشريف العثماني من أصحابنا يقول: المدني إذا جاوز ذا الحليفة غير محرم وهو مريد للنسك فبلغ مكة من غير إحرام، ثم خرج إلى ميقات بلد آخر كذات عرق أو الجحفة وأحرم منه .. فلا دم عليه لمجاوزة ذي الحليفة، بل لا حكم لإرادته النسك لما بلغ مكة غير محرم، فصار كمن دخل مكة غير محرم لا دم عليه. قال المصنف: وفيه نظر، وهو محتمل. الثاني: ذمي أتى الميقات يريد النسك فأحرم .. لم ينعقد، فإذا جاوزه ثم أسلم وحج من سنته، فإن عاد إلى الميقات فأحرم منه أو عاد محرمًا .. فلا دم، وإن لم يعد .. لزمه الدم خلافًا للمزني. الثالث: الأجير إذا حج عن غيره ثم اعتمر لنفسه أو اعتمر عن غيره، ثم حج لنفسه من مكة .. يلزمه الدم؛ لأن إحرامه عن غيره، فكأنه دخل مكة مريدًا للنسك بغير إحرام ثم أحرم، قاله القاضي أبو الطيب، وعزاه البغوي إلى القديم، وزاد البندنيجي فقال: وهكذا الحكم وإن كان لم يعن له أن يعتمر إلا بعد فراغه من الحج عن الغير، وقال القاضي حسين: القياس أنه لا يجب الدم.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
الْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ الْمِيقَاتِ قُلْت الْمِيقَاتُ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
_________________
(١) . قال: (والأفضل: أن يحرم من دويرة أهله) وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه أكثر عملًا، ولأن عمر وعليًا ﵄ فسرا الإتمام في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ بذلك، رواه البيهقي [٤/ ٣٤١] مرفوعًا، وصحح الحاكم [٢/ ٢٧٦] وقفه. قال ابن عبد البر: وأهل ابن عمر ﵄ من بيت المقدس، وأهل ابن مسعود ﵁ من القادسية، وابن عباس ﵄ من الشام، وهؤلاء فقهاء الصحابة. وفي (أبي داوود) [١٧٣٨] و(ابن ماجه) [٣٠٠٢] عن أم سلمة ﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام .. غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة). نعم؛ يستثنى من ذلك الحائض والنفساء؛ فقد نقل صاحب (التقريب) عن النص: أن الأفضل لهما أن يحرما من الميقات. قال: (وفي قول: من الميقات)؛ اتباعًا لفعله ﷺ، وإلى هذا ذهب مالك وأحمد. قال: (قلت: الميقات أظهر، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة والله أعلم)؛ لأن الأمة أجمعت على أنه ﷺ أحرم من ذي الحليفة في حجته وفي عمرة الحديبية مع قرب المدينة من ذلك، بل أطلق جماعة الكراهة في تقديم الإحرام على الميقات، ولو قيل: إنه خلاف الأولى .. لكان أولى. وقيل: إن أمن محظورات الإحرام .. فمن دويرة أهله، وإلا .. فمن الميقات. وأطلق المصنف أن الإحرام من الميقات أفضل، ومراده إذا لم يلتزم بالنذر الإحرام مما قبله، فإن التزمه .. لزمه من موضع التزامه، فإن جاوزه وأحرم .. فكمن جاوز
[ ٣ / ٤٣٧ ]
وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الْحَرَمِ مِيقَاتُ الْحَجِّ، وَمَنْ بِالْحَرَمِ، يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَتَى بِأَفْعَال الْعُمْرَةِ
_________________
(١) ِ. الميقات ثم أحرم في وجوب العود والدم، قاله المصنف وغيره. قال الشيخ: والقياس أنه كمن نذر الحج ماشيًا .. فحج راكبًا، بل إذا قلنا بالكراهة .. فينبغي أن لا ينعقد نذره. نعم؛ يستثنى من إطلاق عبارة المصنف: ما لو شك في الميقات لخراب مكانه ونحوه .. فالأفضل أنه يستظهر، وقيل: يجب. وأفهمت عبارة المصنف: جواز تقديم الإحرام على الميقات المكاني قطعًا، وخالف الميقات الزماني، فإنه لا ينعقد؛ لأن المكاني مبني على الاختلاف في حق الناس فأبيح فيه التقديم، بخلاف الزماني. ويشكل على الرافعي أنه راعى طول الإحرام هنا، ولم يراعه فيمن أراد الإحرام بالعمرة وهو بمكة كما سيأتي. ويشكل على المصنف: أن من نذر الإحرام من دويرة أهله أنه وافق على أنه يلزمه، وأن من نذر الحج ماشيًا .. لزمه، وصحح أن الميقات والركوب هنا أفضل. قال: (وميقات العمرة لمن هو خارج الحرم: ميقات الحج)؛ لقوله ﷺ: (ممن أراد الحج والعمرة). قال: (ومن بالحرم: يلزمه الخروج إلى أدنى الحل ولو بخطوة) أي: أو أقل منها؛ لأن عائشة ﵂ خرج بها عبد الرحمن ﵁ إلى التنعيم، فلو لم يكن الخروج واجبًا .. لأحرمت من موضعها؛ لضيق الوقت. والمرد بـ (الخطوة): القدر اليسير مطلقًا، أما إذا أراد القران .. فالأصح أنه يكفيه الإحرام من مكة تغليبًا للحج. قال: (فإن لم يخرج وأتى بأفعال العمرة) أي: بعد أن أحرم بها من الحرم
[ ٣ / ٤٣٨ ]
أَجْزَأَتْهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.، فَلَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ بَعْدَ إحْرَامِهِ سَقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ. .. وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ الْجِعْرَانَةُ،
_________________
(١) (.. أجزأته في الأظهر)؛ لأن الإساءة بترك الميقات إنما تقتضي لزوم الدم، لا عدم الإجزاء. والثاني: لا تجزئه؛ لأن العمرة أحد النسكين، فيشترط فيها الجمع بين الحل والحرم كالحج. فعلى هذا: يبقى محرمًا حتى يخرج إلى الحل، ثم يعود فيطوف ويسعى ويحلق، وعلى القولين إحرامه منعقد. وفي (الإبانة): طرد القولين فيه. قال: (وعليه دم)؛ لترك الإحرام من الميقات. قال: (فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه .. سقط الدم على المذهب)؛ لأن المسيء هو الذي ينتهي إلى الميقات على قصد النسك ثم يجاوزه؛ وهذا المعنى لم يوجد هنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، ويقابله أنه على الخلاف فيما إذا جاوز الميقات مسيئًا ثم عاد إليه محرمًا. والفرق على المذهب: أن ذاك أساء بالمجاوزة، وهذا يشبه من أحرم قبل الميقات من دويرة أهله. وعبارة المصنف تفهم جواز ذلك له وهو كذلك، بل قال المحاملي في (المجموع) والجرجاني في (التحرير): إن ذلك يستحب لطول مسافة الإحرام. قال: (وأفضل بقاع الحل الجعرانة) هذا لا خلاف فيه؛ لأن النبي ﷺ أحرم منها رواه الشيخان [خ ١٧٨٠ - م ١٢٥٣]. وكان ذلك في رجوعه من غزوة حنين والطائف سنة ثمان، وهي بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، وهي من الحل بلا خلاف. وفي (فضائل مكة) للجندي: قال يوسف بن ماهك: اعتمر منها ثلاث مئة نبي، وهي على ستة فراسخ.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
ثُمَّ التَّنْعِيمِ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةِ
_________________
(١) قال: (ثم التنعيم)؛ لأن النبي ﷺ أمر عائشة ﵂ أن تعتمر منه، وهو أقرب المواقيت إلى مكة، بينه وبينها ثلاثة أميال. وقول الشيخ في (التنبيه): (الأفضل أن يحرم بها من التنعيم) منكر لا يعد من المذهب، ويتأول على أنه أراد أفضل أدنى الحل التنعيم. قيل: سمي بذلك؛ لأن على يمينه جبلًا يقال له: نعيم، وعلى يساره جبل يقال له: ناعم، والوادي نعمان. قال: (ثم الحديبية)؛ لأن النبي ﷺ نزل بأصحابه بها ليدخل إلى مكة بعمرته التي أحرم بها من ذي الحليفة، فتميزت بذلك عن البقاع التي لم يوجد فيها مثل ذلك، فقدم الشافعي ﵁ والأصحاب ما فعله النبي ﷺ، ثم ما أمر به، ثم ما هي به من سلوك تلك الطريق. وقول الغزالي في (البسيط): وقول غيره: أن النبي ﷺ هم بالإحرام منها بالعمرة فصد .. لا يصح؛ لأن النبي ﷺ إنما أحرم من ذي الحليفة كما رواه البخاري [١٧٨٠]. وكانت في ذي القعدة من السنة السادسة، وفيها بايع النبي ﷺ أصحابه بيعة الرضوان تحت الشجرة –وهم ألف وأربع مئة- فبايعوه خلا الجد بن قيس، فإنه استتر تحت بطن ناقته. فلما تم الصلح بين النبي ﷺ وبين أهل مكة .. أمرهم فنحروا الهدي، وحلق رأس رسول الله ﷺ خراش بن أمية الخزاعي ﵁.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ونحر أصحاب النبي ﷺ، وحلقوا غير عثمان وأبي قتادة ﵄، واستغفر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين واحدة، وبعث الله تعالى ريحًا عاصفة فاحتملت شعورهم فألقتها في الحرم. وأقام بها بضعة عشر يومًا، ثم رجع ﷺ، فلما كان بين مكة والمدينة .. نزلت عليه (سورة الفتح) جميعها، وكانت الشجرة سمرة، وكان الناس بعد ذلك يأتونها يصلون عندها، فأمر عمر ﵁ بقطعها، خشي أن يفضي تعظيمها إلى أن تعبد. وقيل: ذهبت بنفسها. فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإخلاص وصدق الضمائر. ﴿ ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ الطمأنينة والأمن بسبب الصلح؛ فإنهم كانوا وجلت قلوبهم واضطربت من عدم دخولهم مكة. V﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ فتح خيبر، وكان في المحرم سنة سبع في قول ابن إسحاق، وفي جمادى في قول غيره، وهي ذات المغانم الكثيرة التي أخذوها وعجلها الله تعالى لهم. ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ﴾ أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان. ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ وهي فارس والروم في قول الجمهور. وقال جماعة: هي مكة قد أحاط الله بها، حفظها الله لكم، ومنعها من غيركم حتى يفتحها لكم فتأخذونها.
[ ٣ / ٤٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تتمة: قال الرافعي: الجعرانة على ستة فراسخ من مكة، والحديبية كذلك، وهي بين طريق جدة وطريق المدينة في منعطف بين جبلين، وبها مسجد النبي ﷺ. والتنعيم على طريق المدينة، وفيه مسجد عائشة ﵂. و(الجعرانة) بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء. و(الحديبية) بتخفيف الياء، هذا قول الشافعي ﵁ وأهل اللغة والأدب وبعض المحدثين، وهو الصحيح. وقال أكثر المحدثين: هما بالتشديد، وهما لغتان، والتخفيف أفصح، وهي من الحل بلا خلاف. والحديبية اختلف الناس هل هي من الحل أو الحرم، فقال مالك: هي من الحرم، وكان عطاء يقول: إن النبي ﷺ نحر في الحرم، وهو قول ابن إسحاق. وقال الأكثرون: من الحل. وقال الشافعي ﵁ في (الأم) في (باب الإحصار بالعدو): والحديبية موضع من الأرض منه ما هو من الحل، ومنه ما هو من الحرم، وإنما نحر النبي ﷺ عندنا في الحل، وفيه مسجده ﷺ الذي بويع فيه تحت الشجرة. قال: ولا خلاف أن النبي ﷺ لم يكن نازلًا في الحل، وإنما الخلاف في مكان النحر. والصحيح: أنه في الحل. قال: وبين الحديبية والحرم أزيد من ميل.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) خاتمة قال أثرم: سألت أحمد: في أي سنة أقت النبي ﷺ مواقيت الإحرام؟ قال: عام حج. وقال البندنيجي: يجوز أن يقيم على إحرامه بالعمرة أبدًا، ويكملها متى شاء، وفيما قاله نظر؛ لأنه لم يؤثر، ولما في مصابرة الإحرام من المشقة. ***
[ ٣ / ٤٤٣ ]