بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر يا كريم
الحمد لله المتفرد بنعوت الكمال، سبحانه هو أهل التقوى وجميل يحب الجمال، أحمده على نعم خصت الخلق بعموم الاشتمال، وأثني عليه بما أثنى به على نفسه بالتفصيل والإجمال، وأستعيذ به من كل قاطع عن العلم أمال.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العالم بمواقع النجوم وأعداد الرمال.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي هو للعالمين عصمة وثِمال، والقائل: (العلماء ورثة الأنبياء) ولم يورثوا المال.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين بهم يتقدى في الأعمال، صلاة تنجي من الأوزار إذا ثقلت منها الأحمال، وسلم تسليمًا كثيرًا ما هبت الجنوب والشمال، وتفيأت الظلال عن اليمين والشمال.
أما بعد:
فهذا شرح لـ (منهاج) النووي شيخ الإسلام، أودعته جملًا من مفردات العلماء الأعلام، وفوائد أثنت عليها أفواه المحابر وألسنة الأقلام، وأبكار أفكار بفرائد الدر تحلت، وملخص أبحاث بألفاظ قلت ودلت، وحوى مع ذلك أهم (المهمات)، ونصوص (المطالب) الملمات، (وجواهر) (بحر) صيغت خواتم وتتمات، وفواتح أبواب للأصول والضوابط أمات، وحوادث في (الفتاوى) تقررت، ومشكلات في الدعاوى تحررت، و(قواعد) كلية يرجع الفقيه إليها، و(تقريب) أحكام يعتمد المفتي عليها.
[ ١ / ١٨٥ ]
وفيه من (فتح العزيز) تعليل يشفي الغليل، ومن (روضة) (الرياض) (مجموع) ينفع العليل، ومن (الصحاح) و(العباب) ما تقر به العين، ومن (تجريد الأدلة والاستنباط) (محكم) النوعين، ومن (خلاصة) (الإحياء) ما عقد سلكنه انتظم، ومن (زهر آداب) (مروج) (الكامل) و(المنتظم).
هذا ولسان التقصير في طويل مدحه قصير، والله يعلم المفسد من المصلح وإليه المصير.
وأول من شرحه: الشيخ الإمام العلامة تقي الدين السبكي، فسبك إبريزه.
ثم شيخنا الشيخ جمال الدين لخصه بعبارته الوجيزة.
ثم شيخنا الشيخ سراج الدين ابن أبي الحسن بين من أدلته الصحيح والغريب والحسن، ونفى بشرحه ولغاته عن الطرف الوسن.
ثم شرحه العلامة الأذرعي، فسكت وبكت.
ثم النقاب ابن النقيب نقب عليه ونكت، فكان كالجدول من (البحر المحيط) و(الخلاصة) من (البسيط) و(الوسيط).
ثم عليه أئمة من علماء العصر كتبوا فأحسنوا ما صنعوا، وقوم أطنبوا وآخرون تمموا، فتعبوا وأتعبوا، وكل منهم عادت عليه بركة علامة (نوى)، فبلغ قصده وكل امرئ ما نوى.
وقل من جد في أمر يحاوله واستصحب الصبر .. إلا فاز بالظفر
[ ١ / ١٨٦ ]
وهذا الشرح إن شاء الله تعالى (عمدة) للراغب في (إيضاح) مفرداته، (عدة) للباحث عن باهر مولداته؛ لأنه استوعب ما يتعلق به أو يؤول إليه، واعتنى بدفع الاعتراضات عليه، و(بين) بمفصله مجمله، وأوضح بـ (تحقيقه) (مشكله)، وقيد بـ (تهذيبه) مطلقه، وفتح بـ (إقليده) مغلقه، وأودعه عن كل من القضاة (لباب) ما (علقه)، و(غرائب ابن الصلاح) و(نكته المفرقة)، فلو رآه أبو حامد العراقي لاستصغر (رونقه)، أو القفال لزين بـ (محاسن شريعته) طرقه، أو الإمام لتباهي في (أساليبه) المحققة.
فهو بـ (تبيانه) (الكافي) (مهذب) الفصول، مرتب (الفروع) محقق الأصول، متوسط الحجم وخير الأمور أوساطها، لا تفريطها ولا إفراطها، جمعته تذكرة لنفسي، وعونًا لأبناء جنسي، ونورًا لظلمات رمسي، فهو سمير خلوتي وأنسي، يذكرني ما الحادثات تنسي، يا حبذا جهري به وهمسي، وساعتي مع غدي وأمسي، على أني لا أبرئه عن زلل يوجب له من لبيب وصمة، فكل أحد مأخوذ من قوله ومردود إلا من خصه الله بالعصمة.
وحيث أطلق لفظ الشيخ فمراده الشارح الأول، وإن عبر بـ (مهمة) فعلى الثاني المعول، وإن أرسل التصحيح فمن كلام الرافعي أو المصنف، وما عدا ذلك فبذكره الأسماع تشنف.
وسميته:
(النجم الوهاج في شرح المنهاج)
تيمنًا بقوله تعالى: ﴿وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. فالنجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت .. أتى أهلها ما يوعدون، وضعف البزار وابن حزم [٦/ ٢٤٣] حديث: (أصحابي كالنجوم)، ونحن بغيرهما مقتدون.
والله المرجو أن يجعله خالصًا لوجهه ومن أجله، وأن يعيذنا من همز الشيطان وخليه ورجله، وأن يوفقنا في القول والعمل لما يرضيه، وأن يوزعنا شكرًا يوجب المزيد من فضله ويقتضيه، وبالله أستعين فهو نعم المعين.
* * *
[ ١ / ١٨٧ ]
بِسْمِ اللهِ اَلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ
_________________
(١) قال المصنف رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم). افتتح كتابه بحمد الله تعالى بعد البسملة، كما افتتح الله به أشرف كتاب أنزله على أفضل نبي أرسله، وخاطبه بقوله: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .. فسبحه وحمد له. وفي (صحيح ابن حبان) وغيره عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (كل أمر ذي بال) أي: حال يهتم به «لا يبدأ فيه باسم الله)، وفي رواية: (ببسم الله الرحمن الرحيم)، وفي رواية: (بحمد الله فهو أجذم)؛ ومعناه: مقطوع البركة. و(الرحمن): صفة مبالغة من الرحمة بنيت على فعلان؛ لأن رحمته وسعت كل شيء. و(الرحيم): يقال لمن كثر منه ذلك. وقال الفارسي: إنما جيء بالرحيم بعد استغراق الرحمن معنى الرحمة؛ لتخصيص المؤمنين به في قوله: ﴿وكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، كما قال: ﴿اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، فخص به بعد أن عم؛ لما في الإنسان من أنواع الحكمة. قال: (الحمد لله) استحب العلماء أن يقدم المرء بين يدي خطبه وكل أمر يطلبه حمد الله لفظًا. وقد استحسن من أبي الحسن الدارقطني افتتاحه (كتاب الصلاة) من (سننه) [١/ ٢٢٩] بالحديث المذكور؛ إشارة إلى تعيين الفاتحة في الصلاة. فإن قيل: ما بال البخاري والمزني لم يفعلا ذلك؟ فالجواب: أنهما اكتفيا بالبسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء وحمد العطاء.
[ ١ / ١٨٨ ]
الْبَرَّ الْجَوَادِ، الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ عَنِ الإِحْصَاءِ بِالأَعْدَاءِ،
_________________
(١) و(الحمد): الثناء بالكامل بذكر الصفات الجملية، والأفعال الحميدة، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا. والشكر: ما كان في مقابلة نعمة، وبينه وبين الحمد خصوص وعموم من وجه. والألف واللام في (الحمد) لاستغراق الجنس، أي: الحمد على تنوعه لله، وهو نقيض الذم. وقال الزمخشري: الحمد والمدح أخوان، وهو قول الطبري وثعلب، والتحقيق: أنه أعلم من الحمد. واسم (الله): علم على المعبود بحق، الجامع لصفات الإلهية، وهو الباري جل وعلا. وأشهر الأقوال: أنه مشتق، والألف واللام من بنية الاسم لا للتعريف ولا لغيره؛ لأن حرف النداء يدخل عليه. وهو أعظم الأسماء وأجمعها وأكثرها استعمالًا، ولذلك لم يثن ولم يجمع، وذكر في (القرآن) في ألفين وثلاث مئة وستين موطنًا. قال: (الباء) هو بفتح الباء من أسمائه الحسنى، قال تعالى: ﴿إنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ﴾، أي: الذي إذا عبد أثاب، وإذا سئل أجاب. وقيل: معناه العطوف على عباده ببره ولطفه. قال: (الجواد) رواه البيهقي وغيره في (الأسماء)، ومعناه: الواسع العطاء. وقيل: المتفضل بالنعم قبل استحقاقها، المتكفل للأمم بإدرار أرزاقها، وجمعه: جود وأجواد وأجاويد. قال: (الذي جلت نعمه عن الإحصاء بالأعداء) أي: عظمت أن تحصى عددًا، قال تعالى: ﴿وإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾. و(الإحصاء): الضبط والإحاطة، لكن (الأعداد) جمع قلة، والشيء قد لا يضبطه العدد القليل، ويضبطه الكثير، فكان الصواب التعبير بالتعداد الذي هو مصدر عدد.
[ ١ / ١٨٩ ]
الْمَانَّ بِاللُّطْفِ وَالإِرْشَادِ، الْهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، الْمُوَفَّقِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدَّينِ مَنْ لَطَفَ بِهِ وَاخْتَارَهُ مِنَ الْعِبَادِ
_________________
(١) قال: (المان باللطف والإرشاد). (المنة): النعمة الثقيلة، والمنان: الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال. والحنان: الذي يقبل على من أعرض عنه، كذا فسره ابن الصلاح مسندًا عن علي في النوع الخامس والأربعين، الحديث: رواه الخطيب [١١/ ٣٣] عن عبد الوهاب بن عبد العزيز. و(اللطف): من الله التوفيق والعصمة، ومن أسمائه تعالى: اللطيف، وهو: الرفيق بعباده. و(الإرشاد) والرشاد والرشد: نقيض الغي. قال السهيلي: لما جاء البشير إلى يعقوب وهو يهوذا .. أعطاه يعقوب في البشارة كلمات كان يرويها عن أبيه عن جده ﵈، وهي: يا لطيفًا فوق كل لطيف، ألطف بي في أموري كلها كما أحب، ورضني في دنياي وآخرتي. ولما خرج يوسف ﵊ من السجن، ودخل على ملك مصر الريان بن الوليد قال: اللهم؛ إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره. قال: (الهادي إلى سبيل الرشاد) أي: الدال على طريق الاستقامة. ومن أسمائه تعالى: (الهادي) وهو: الذي بصر عباده طريق معرفته حتى أقروا بربوبيته. و(السبيل): الطريق، يذكران ويؤنثان. قال: (الموفق للتفقه في الدين من لطف به واختاره من العباد). (التوفيق): خلق قدرة الطاعة، وتسهيل سبيل الخير، وعكسه الخذلان، وهو: خلق قدرة المعصية، فالموفق في شيء لا يعصي فيه، وفي الحديث: (لا يتوفق عبد حتى يوفقه الله).
[ ١ / ١٩٠ ]
أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ
_________________
(١) وفي أوائل (الإحياء): أن النبي ﷺ قال: (قليل من التوفيق خير من كثير من العلم)، وذكره صاحب (الفردوس) من حديث أبي الدرداء، وقال: (العقل) بدل (العلم). فالتوفيق المختص بالمتعلم: شدة العناية، ومعلم ذو نصيحة، وذكاء قريحة، وعصمة من الميل لغير ذلك. وفي (الصحيحين) [خ ٧١ - م ١٠٣٧] عن معاوية: أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيرًا .. يفقهه في الدين). وفيهما [خ ٦٥٠٢]: عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: من آذى لي وليا .. فقد آذنته بالحرب). قال الشافعي وأبو حنيفة: إن لم يكن الفقهاء أولياء فليس لله ولي. وفي (الترمذي) [٢٦٨١]: (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد). وفي (تاريخ أصبهان) [١٠] في ترجمة محمد بن أبان: عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: (التفقه في الدين حق على كل مسلم). ولما كان التوفيق عزيزًا .. لم يذكر في القرآن إلا قوله تعالى: ﴿ومَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ﴾، و﴿إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، و﴿إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَانًا وتَوْفِيقًا﴾. و(التفقه): أخذ الفقه شيئًا فشيئًا، وأصل الفقه في اللغة: الفهم، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة. وفي الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلتها التفصيلة. و(الدين): ما شرعه الله من الأحكام. و(العباد): جمع عبد وله عشر جموع مشهورة. قال: (أحمده أبلغ حمد وأكمله وأزكاه وأشمله). (أبلغ الحمد): أنهاه، والمراد: نسبة عموم المحامد إليه على جهة الإجمال، بأن يعترف باشتمال الباري تعالى على جميع صفات الكمال.
[ ١ / ١٩١ ]
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْوَاحِدُ الْغَفَّارُ،
_________________
(١) و(أكمله): أتمه. و(أزكاه): أنماه. و(أشمله): أعمه. قال: (وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الواحد الغفار). معنى (أشهد): أعلم. و(الإله): المعبود بحق. روى أبو داود [٤٨٠٨] والترمذي [١١٠٦] بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء)، أي: المقطوعة. وقال ﷺ: (مفتاح الجنة لا إله إلا الله). وفي (البخاري) قيل لوهب: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك. وفي رواية غيره: أن ابن عباس ذكر له قول وهب فقال: (صدق، ولكن أنا أخبركم عن الأسنان ما هي، فذكر الصلاة والزكاة والصوم وشرائع الإسلام). وفي كلمة لا إله إلا الله أسرار: منها: أن جميع حروفها جوفية، ليس فيها حرف شفهي؛ إشارة إلى الإتيان بها من خالص الجوف وهو القلب. ومنها: أنه ليس فيها حرف معجم؛ إشارة إلى التجرد عن كل معبود سواه. ومنها: أنها اثنا عشر حرفًا كشهور السنة، منها أربعة حرم وهي الجلالة، حرف فرد وثلاثة سرد، وهي أفضل كلماتها كما أن الحرم أفضل السنة، فمن قالها مخلصًا كفرت عنه ذنوب سنة. ومنها: أن الليل والنهار أربعة وعشرون ساعة، وهي و(محمد رسول الله) أربعة وعشرون حرفًا، كل حرف منها يكفر ذنوب ساعة.
[ ١ / ١٩٢ ]
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
_________________
(١) روى البخاري [٩٩] عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله؛ من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا مخلصًا من قلبه). قوله: (أول منك) أفعل تفضيل، وهي مضمومة على أنها صفة لـ (أحد). وقوله: (وحده) - مصدر في موضع نصب على الحال - أي: المتفرد الذي لا مثل له. وقوله: (لا شريك له) معناه: لا مشارك له في ملكه، ولا في ذاته، ولا في صفاته. وفي (الصحيحين) [خ ٣٢٢٢ - م ٩٤]: أن النبي ﷺ قال: (أتاني جبريل فبشرني: أن من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا .. دخل الجنة، قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق). وأشار بالزنا والسرقة إلى أنه تعالى يتجاوز عن المعاصي المتعلقة بحق الله تعالى بعد الكفر كالزنا، والمتعلقة بحق العباد كالسرقة، ولم يذكر القتل؛ لكثرة السرقة والزنا، وقلة وقوع القتل، أو لأن بعض الصحابة أقيم عليه الحد فيهما دون القتل. و(الواجد): الذي لا نظير له، وهو من أعظم أسماء الله الحسنى. و(الغفار): الستار. قال: (وأشهد أن محمدً عبده ورسوله). هذا اللفظ ورد في (صحيح مسلم) [٤٠٢] في (التشهد). والعرب تقول: مررت برجل محمد، إذا كثرت خصاله المحمودة. قال ابن العربي: لله تعالى ألف اسم، ولنبيه محمد ﷺ ألف اسم. قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف من العبودية، ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بها، كما قيل [من السريع]: لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي
[ ١ / ١٩٣ ]
الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ.
_________________
(١) ولذلك دعي به النبي ﷺ في مقام تنزل الوحي ومقام الإسراء. ولفظ (الرسول): أخص من النبي عند الجمهور، وفي الحديث: (كل خطبة لا يصلى فيها على النبي ﷺ فهي شوهاء) أي: قبيحة. قال: (المصطفى) أي: المجتبى من جميع الخلق، وصفوة الشيء: خالصه. روى مسلم [٢٢٧٦] عن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». قال: (المختار) أصله: مختير، فهو ﷺ اختاره الله على سائر خلقه، فلذلك قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر). ويؤخذ من كلامه تفضيله على سائر الملائكة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. قال: (ﷺ، وزاده فضلًا وشرفًا لديه). (الصلاة) من الله تعالى: رحمة مقرونة بتعظيم، ومن الملائكة: استغفار، ومن الآدميين: دعاء وتضرع. ويكره إفرادها دون التسليم؛ لأن الله تعالى أمر بهما بقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وفي وجوب الصلاة عليه ﷺ أقوال: أحدها: تجب في كل صلاة. والثاني: لا تجب بعد الإسلام إلا مرة. والثالث: كلما ذكر، واختاره الحليمي واللخمي والطحاوي.
[ ١ / ١٩٤ ]
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الاِشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ،
_________________
(١) والرابع: في كل مجلس. والخامس: في أول كل دعاء وآخره؛ لقوله ﷺ: (لا تجعلوني كقدح الراكب، اجعلوني في أول الدعاء، وفي وسطه، وفي آخره) رواه الطبراني عن جابر. و(الفضل): ضد النقص. و(الشرف): العلو. و(لديه) بمعنى: عنده. قال: (أما بعد). هذه الكلمة يأتي بها المتكلم إذا أراد الانتقال من أسلوب إلى غيره، ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات؛ اقتداء برسول الله ﷺ. وقد عقد البخاري لها بابًا في (كتاب الجمعة) [٩٤٤]، وذكر فيه أحاديث كثيرة. وهي بضم الدال، والتقدير: أما بعد ما ذكر من الحمد والصلاة. وفي المبتدئ بها أقوال: أحدها: داوود ﵊، وأنها فصل الخطاب الذي أوتيه. الثاني: قس بن ساعدة الإيادي. الثالث: كعب بن لؤي. الرابع: يعرب بن قحطان. الخامس: سبحان بن وائل، ولذلك يقول [من الطويل]: لقد علم الحي اليمانون أنني إذا قلت: (أما بعد) أني خطيبها قال: (فإن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات). (الاشتغال): افتعال من الشغل، وفيه أربع لغات: شغل وشغل وشغل وشغل.
[ ١ / ١٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) و(العلم): معرفة المعلوم على ما هو عليه، فإذا قلت: عرفت زيدًا .. فالمراد شخصه، وإذا قلت: علمت زيدًا .. أردت العلم بأحواله من فضل ونقص. وفضل العلم لا تخفى أدلته، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، وقال: ﴿وقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وقال: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾. وفي (الصحيحين) [خ ٣٧٠١ - م ٣٤٠٦]: عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال لعلي: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم). وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. وقال: ليس بعد الفريضة أفضل من طلب العلم. وقال: من طلب الدنيا فعليه بالعلم، ومن طلب الآخرة فعله بالعلم. وفي (صحيح مسلم) [١٦٣١]: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). وفي (مسند أبي يعلى الموصلي) [٣٢٠]: عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم). وفي ذلك تأويلان: أحدهما: علم ما لا يسع جهله من العبادات. والثاني: جملة العلم إذا لم يقم بطلبه من فيه كفاية. وأما ما اشتهر من قوله ﷺ: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) فلم يعرف له مخرج، ولم يوجد في كتاب معتبر. وفي (الترمذي) [٢٦٨٥]: عن أبي أمامة الباهلي: أن النبي ﷺ قال: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)، ثم قال النبي ﷺ: (وإن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في الماء ليصلون على معلم الناس الخير). وفيه [٢٦٤٧]: عن أنس: أن النبي ﷺ قال: (من خرج في طلب
[ ١ / ١٩٦ ]
وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الأَوْقَاتِ،
_________________
(١) العلم .. لم يزل في سبيل الله حتى يرجع). وفي (صحيح ابن حبان) [٨٨]، و(الحاكم) [١/ ١٠٠]، و(أبي داوود) [٣٦٣٦]: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى لما يصنع، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه .. أخذ بحظ وافر، وإن العالم يستغفر له ما في السماوات وما في الأرض). فلله در العلم ومن به تردى، وتعسًا للجهل ومن في أوديته تردى. وقال علي لكميل بن زياد: (يا كميل؛ العلم خير لك من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق). وقال الشافعي: من لا يحب العلم لا خير فيه؛ فإنه حياة القلوب، ومصباح البصائر. وقال أبو الدرداء: مذاكرة العلم خير من قيام الليل. وفي (الحلية) [٤/ ٣٨٥]: عن سلمان الفارسي: أن النبي ﷺ قال: (نوم مع علم خير من صلاة مع جهل). وعبارة المصنف تقتضي: أنه أراد علمًا معينًا، وهو علم الفقه، لا العموم. وسيأتي إن شاء الله في (كتاب الصيام) عن سيبويه: أن لفظ العلم لا يجمع، ولا الفكر، ولا النظر. و(الطاعات): جمع طاعة، وهو كل ما لله فيه رضا. قال: (وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات) أي: في تعلمه والعمل به. قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ وهي: العلم والعمل ﴿ومَن يُؤْتَ
[ ١ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الحِكْمَةَ]﴾. العلم والعمل ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ومَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾: العلماء الحكماء. و(نفائس الأوقات): أزمنة الصحة والفراغ المشار إليهما بقوله ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة الفراغ). ويقال في الخير: أنفقت، وفي الشر: خسرت وضيعت. و(النفائس): جمع نفيس، وهو المرغوب فيه، قال تعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾. وقد تكررت هذه اللفظة في الخطبة أربع مرات. و(الأوقات): جمع وقت، وهو المقدار من الدهر، وأكثر ما يستعمل في الماضي، وقد يستعمل في المستقبل أيضًا. ومن كلام السلف: الوقت سيف، إن لم تقطعه وإلا قطعك. وقال عمر: (تفقهوا قبل أن تسودوا) أي: تعلموا العلم قبل أن تصيروا سادة منظورًا إليكم، فتستحيوا أن تتعلموا بعد الكبر، فتبقوا جهالًا. وقيل: أراد قبل أن تتزوجوا وتشتغلوا بالزواج عن العلم. وفي (كامل ابن عدي) [١/ ١٨٩] في ترجمة أحمد بن سلمة الكوفي: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: (ما أفلح صاحب عيال قط). وفي (الإحياء) في (آداب النكاح) قال: رئي سفيان على باب سلطان، فقيل له: ما هذا موقفك! قال: وهل رأيت ذا عيال أفلح؟ وقال الخطيب البغدادي: يستحب لطالب العلم أن يكون عزبًا ما أمكنه؛ لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجية وطلب المعيشة عن كمال الطلب. ثم أسند عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: (إذا أحب الله عبدًا .. اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد) [حلية ١/ ٢٥].
[ ١ / ١٩٨ ]
وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنَ التَّصْنِيفِ مِنَ الْمَبْسُوطَاتِ وَالْمُخْتَصَرَاتِ، وَأَتْقَنُ مُخْتَصَرٍ: (الْمُحَرَّرُ) لِلإِمَامِ أَبيِ الْقَاسِمِ الرَّافِعِيَّ ﵀، ذِي التَّحْقِيقَاتِ،
_________________
(١) قال: واتفقوا على أن الهموم والأحزان وكثرة الأشغال والعلائق مورثة للنسيان بالخاصة؛ لأن هموم الدنيا تورث ظلمة القلب، وهموم الآخرة تنور القلب، ونظير ذلك: الفكرة في الصلاة في أمر الدنيا .. تمنع من الخير وكمال الأجر، وفي الآخرة تحمل على الخشوع وسكون الأعضاء. قال سحنون: لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع. وسئل الحسن: ما عقوبة العالم إذا آثر الدنيا؟ قال: موت قلبه. قال: (وقد أكثر أصحابنا رحمهم الله تعالى من التصنيف من المبسوطات والمختصرات). (الأصحاب): جمع صاحب، كشاهد وأشهاد، وسها الجوهري فقال: الأصحاب جمع صحب، وصحب جمع صاحب فجعل الأصحاب جمع جمع. وقولهم في النداء: يا صاح، معناه: يا صاحبي، ولا يجوز ترخيم المضاف إلا في هذا وحده. والمراد بالأصحاب: أتباع الشافعي ﵁، وهو مجاز مستفيض؛ لموافقتهم وشدة ارتباط بعضهم ببعض. و(التصنيف): مصدر صنف الشيء، إذا جعله أصنافًا يتميز بعضها عن بعض. و(المبسوط): ما كثر لفظه ومعناه. و(المختصر): ما قل لفظه وكثر معناه، مأخوذ من الخصر، وهو: المجتمع فوق الوركين. ومنه الخنصر؛ فإن الجوهري ذكره في مادة (خصر)، فيكون وزنه فنعل، لا فعلل. قال الخليل: الكلام يبسط ليفهم، ويختصر ليحفظ. قال: (وأتقن مختصر: (المحرر) للإمام أبي القاسم الرافعي ﵀، ذي التحقيقات). (إتقان الشيء): إحكامه وتهذيبه.
[ ١ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) و(المحرر): المتقن، جعل علما على الكتاب المذكور. و(الإمام): المقتدى به على زنة الإزار، والجمع: أئمة، ومنه قيل لخيط البناء: إمام. وإمام كل شيء: قيمه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، والنبي ﷺ إمام الأمة، والخليفة إمام الرعية، وجعل الله إبراهيم ﷺ أمامًا لأهل طاعته، يأتمون في دينهم؛ فلذلك اجتمعت الأمم على الدعوى فيه، وأعلم الله تعالى أنه كان حنفيًا. و(الرافعي): هو الحبر العلامة إمام الدين، عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني، ذو المخاطر العاطر، والفهم الثاقب، والمفاخر والمناقب. كان ﵀ ن بيت علم: أبوه وجده وجدته. قال في (الأمالي): إنها كانت تفتي النساء. وفي (الدقائق): أنه منسوب إلى رافعان، بلدة معروفة بقزوين - وقيل: إلى رافع بن خديج الصحابي - وكان إمامًا بارعًا في العلوم والزهد والمعارف والكرامات واللطائف. فريد وقته في التفسير والمذهب، رآه ابن الصلاح والحافظ المنذري. توفي سنة ثلاث أو أربع وعشرين وست مئة، وهو ابن ست وستين سنة. وكان إذا خرج إلى المسجد .. أضاءت له الكروم وكذلك والده. وتكنية المصنف له بأبي القاسم كان الأولى أن يتجنبها؛ فإن المنصوص: أن ذلك لا يجوز عند المصنف وغيره، والعجب أنه لما نقل في (الأذكار) عن الشافعي عدم جوازه .. قال بعد خمسة أسطر: الإمام أبو القاسم الرافعي. وإنما امتنع للنهي عنه، وقيل: لأن النبي ﷺ يقسم الجنة.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وَهُوَ كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْمَذْهَبِ، مُعْتَمَدٌ لَلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ مِنْ أُولِي الرَّغَبَاتِ،
_________________
(١) و(التحقيق): الإحكام، يقال: كلام محقق، أي: محكم، وثوب محقق، أي: محكم النسج. و(التحقيقات): جمع تحقيقة، وهي: المرة من التحقيق، لكن جمع السالم للقلة، فلو عدل إلى جمع الكثرة كان أنسب. قال: (وهو كثير الفوائد): جمع فائدة، وهي: ما استفيد من علم أو مال. وحق له أن يصفه بذلك؛ فإنه بحر لا يدرك قعره، ولا ينزف غمره. قال: (عمدة في تحقيق المذهب) أي: يعتمد عليه في ذلك. و(المذهب): المعتقد الذي يذهب إليه. قال: (معتمد للمفتي وغيره من أولي الرغبات). (المعتمد): ما يعتمد عليه، ويرجع عند الحاجة إليه. و(المفتي): وارث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وموضح الدلالة، والمبين بجوابه حرام الشرع وحلاله. ويكفيه في هذا الوصف تعظيمًا وجلالة قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾. و(الرغبات): جمع رغبة، قال تعالى: ﴿ويَدْعُونَنَا رَغَبًا ورَهَبًا﴾. تقول: رغبت عن الشيء إذا لم ترده، ورغبت فيه إذا أردته، وهذا من المصنف ﵀ دليل على إنصافه في العلم. قال ابن عبد البر ﵀: من بركة العلم وآدابه الإنصاف، ومن لم ينصف .. لم يفهم ولم يتفهم. وقال مالك: ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف. هذا في زمان مالك، فكيف بهذا الزمان الذي هلك فيه كل هالك؟ قال صلى الله
[ ١ / ٢٠١ ]
وَقَدِ الْتَزَمَ مُصَنَّفُهُ ﵀ أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ مُعْظَمُ الأَصْحَابِ، وَوَفَّى بِمَا الْتَزَمَهُ،
_________________
(١) عليه وسلم: (إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل). ولا يخفى أن شرف النفس بشرف طباعها، وتكريمها بحسب قد إطلاعها، وبعلو الهمم تعلو القيم، ولكل مجتهد نصيب والسهم يخطئ ويصيب. قال: (وقد التزم مصنفه ﵀ أن ينص على ما صححه معظم الأصحاب) أي: أكثرهم؛ لأن نقل المذهب من باب الرواية فيرجح بالكثرة، كذا قاله ابن العطار تلميذ المصنف. ورده الشيخ بأن ذلك لو صح .. لوجب مثله في علماء الشريعة إذا كان الأكثر على شيء والشافعي على خلافه، ثم قال: بل سببه عندي ميل الناس في كل علم إلى قول الأكثر إذا لم يظهر دليل يخالفه؛ لأن العادة تقضي بأن الخطأ إلى القليل أقرب. قال: (ووفى بما التزمه). (التوفية) في اللغة: الإتمام والإكمال، والتشديد مبالغة في الوفاء، قال تعالى: ﴿وإبْرَاهِيمَ الَّذِي وفَّى﴾ أي: وفى بما أمر به من طاعة ربه. قال الشيخ في كتاب (الطوامع المشرقة في الوقف على طبقة بعد طبقة): من فهم عن الرافعي أنه لا ينص إلا على ما عليه المعظم .. فقد أخطأ في فهمه؛ فإنه إنما قال في خطبة (المحرر): إنه ناص على ما رجحه المعظم من الوجوه والأقاويل، ولم يقل إنه لا ينص إلا على ذلك، ولفظة التنصيص لا تدل على الموافقة، ثم إن هذا غير مطرد، فقد صرح في مواضع بمخالفة المعظم، كقوله: إن موضع التحذيف ليس من الوجه، وإن الجلوس بين السجدتين ركن قصير، ومنع النظر إلى وجه الحرة وكفيها، والأكثرون على خلاف ذلك. ثم إنه قد يجزم في (المحرر) بشيء، وهو بحث للإمام أو غيره، كما سيأتي في (كتاب الجمعة) في انصراف المعذور إذا حضر الجامع، وفي (الزكاة) في العلف
[ ١ / ٢٠٢ ]
[وَهُوَ مِنْ أَهَمَّ أَوْ أَهَمُّ الْمَطْلُوبَاتِ]، لَكِنْ فِي حَجْمِهِ كِبَرُ عَنْ حَفْظِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعَصْرِ إِلاَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ،
_________________
(١) المؤثر، بل في الكتب ما لم يقف عليه الشيخان، وهي مشحونة بما لا يحصيه إلا الله تعالى من النصوص والمسائل التي لم يذكراها. وقد ذكر ابن الرفعة من ذلك ما يقيظ للناظر العجب من كثرته. [قال: (وهو من أهم أو أهم المطلوبات)]. قال: (لكن في حجمه كبر عن حفظ أكثر أهل العصر إلا بعض أهل العنايات). هذا استدراك لما تقدم، أشار به إلى أن الهمم قد تقاصرت عن حفظ المطولات، بل والمختصرات، وصارت على النزر اليسير مقتصرات. و(حجم) الشيء: ملمسه الناتئ تحت اليد، والجمع: حجوم. و(الكبر): نقيض الصغر. وقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، أي: أعجب. وقال كثير من المفسرين: يعني من خلق الدجال. و(العصر): الدهر، وفيه لغتان أخريان: عصر وعصر، كعسر وعسر، والجمع: عصور. و(أهل العنايات): ذوو الهمم العليات، والنفوس الأبيات. و(البعض): واحد أبعاض الشيء، وقد يرد بمعنى الجميع، قال لبيد [من الكامل]: تراك أمكنة إذا لم يرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها وقال طرفة [من الطويل]: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض يريد: بعض الشر أهون من كله.
[ ١ / ٢٠٣ ]
فَرَأَيْتُ اخْتِصَارَهُ فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ؛ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ
_________________
(١) قال: (فرأيت اختصاره في نحو نصف حجمه؛ ليسهل حفظه)؛ لأن ما كبر حجمه أحجم الطلاب عن تحصيله، وما اختصر رغبوا في إجماله وتفصيله. و(رأيت): من الرأي، وهو: الاعتقاد، يتعدى إلى مفعولين. و(الاختصار): حذف الفضول من كل شيء. ومنه قوله ﷺ: (أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا). و(جوامع الكلم)، قيل: القرآن؛ لأن الله تعالى جمع في ألفاظه اليسيرة معاني كثيرة، وكان ﷺ يتكلم بجوامع الكلم. و(نحو الشيء): قربه، فإن قيل: في عبارة المصنف نظر؛ فإنه إلا ثلاثة أرباعه أقرب .. فالجواب: أنه أراد ذلك أولًا، فلم يتفق له مع ما يقصده من التسهيل والإيضاح، أو يريد: نحو نصف حجمه مما يختص بـ (المحرر) دون (الزوائد). وقد قال شيخ الإسلام القشيري - في شرح قوله ﷺ: (من توضأ نحو وضوئي هذا) -: إن لفظة (نحو) لا تقتضي المساواة من كل وجه بخلاف لفظة مثل. وقال في حديث: (إذا سمعتم المؤذن .. فقولوا مثل ما يقول): إن لفظة (مثل) لا تقتضي المساواة من كل وجه؛ فإنه لا يريد بذلك مماثلته في رفع الصوت وغيره. و(النصف) مثلث النون، وفيه لغة رابعة: نصيف، بزيادة ياء وفتح أوله. ومنه قوله ﷺ: (لو أنفق أحدكم ملء الأرض .. ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
[ ١ / ٢٠٤ ]
مَعَ مَا أَضُمُّهُ إِلَيْهِ إَنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنَ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجَادَاتِ، مِنْهَا: التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ هِيَ مِنَ الأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ، وَمِنْهَا: مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ ذَكَرَهَا فَي (الْمُحَرَّرِ) عَلَى خِلاَفِ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذْهَبِ، كَمَا سَتَرَاهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَاضِحَاتٍ، وَمِنْهَا: إِبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا أَوْ مُوهِمًا خِلاَفَ الصَّوَابِ بأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ
_________________
(١) و(الحفظ): نقيض النسيان. قال: (مع ما أضمه إليه إن شاء الله تعالى من النفائس المستجادات: منها: التنبيه على قيود في بعض المسائل هي من الأصل محذوفات. ومنها: مواضع يسيرة ذكرها في (المحرر) على خلاف المختار في المذهب، كما ستراها إن شاء الله تعالى واضحات). (مع): كلمة تدل على المصاحبة. و(الضم): قبض الشيء إلى الشيء. و(المستجادات): ما طلب جودتها. و(الحذف) بالذال المعجمة: الإسقاط. قال: (ومنها: إبدال ما كان من ألفاظه غريبًا أو موهمًا خلاف الصواب بأوضح وأخصر منه بعبارات جليات). الفرق بين (التبديل) و(الإبدال): أن التبديل عبارة عن تغيير الشيء مع بقاء عينه، والإبدال: رفع الشيء ووضع غيره مكانه. قال الجوهري: والأبدال قوم صالحون، لا تخلوا الدنيا منهم، إذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر. الواحد: بذل وبدل. وقال ابن دريد: بديل. وقال علي ﵁: (الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعصائب
[ ١ / ٢٠٥ ]
وَمِنْهَا: بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَالطَّرِيقَيْنِ وَالنَّصَّ، وَمَرَاتِبِ الْخِلاَفِ فِي جَمِيعِ الْحَالاَتِ.
_________________
(١) بالعراق). أراد بالعصائب: جماعة يجتمعون للحرب والفتن. وقيل: أراد جماعة من الزهاد؛ لأنه قرنهم بالأبدال والنجباء. وكان حماد بن زيد من الأبدال. وعلامتهم: أن لا يولد لهم ولد، قيل: تزوج حماد سبعين امرأة فلم يولد له. وقال القزويني: مأوى الأبدال جبل لبنان؛ لما فيه من القوات الحلال؛ فإن فاكهته وزروعه لم يرزعها أحد من الناس. وكان الصواب أن يقول: إبدال الأوضح والأخصر بما كان من ألفاظه غريبًا أو موهمًا خلاف الصواب؛ فإن الباء مع الإبدال تدخل على المتروك، قال تعالى: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾. وسيأتي هذا في (صفة الصلاة). و(اللفظ الغريب): الغامض من الكلام. قال الشافعي ﵁: من تعلم القرآن .. عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه .. نبل قدره، ومن كتب الحديث .. قويت حجته، ومن تعلم الحساب .. جزل رأيه، ومن تعلم العربية .. رق طبعه، ومن لم يصن نفسه .. لم ينفعه علمه. و(وضح) الأمر وضوحًا واتضح؛ أي: بان. وأوضحته؛ أي: أبنته. و(الجلي): نقيض الخفي. و(العبارات الجليات): التي لا خفاء فيها. قال: (ومنها: بيان القولين والوجهين والطريقين والنص، ومراتب الخلاف في جميع الحالات). هذا اصطلاح حسن ابتكره لم يسبق إليه؛ لكنه ﵀ لم يف به في كثير من المواضع.
[ ١ / ٢٠٦ ]
فَحَيْثُ أَقُولُ: فِي اَلأَظْهَرِ أَوِ الْمَشْهُورِ .. فَمِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الأَقْوَالِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ .. قُلْتُ: الأَظْهَرُ، وَإِلاَّ .. فَالْمَشْهُورُ
_________________
(١) فأما (الأقوال): فللشافعي ﵀. و(الأوجه): لأصحابه يخرجونها على أصوله المنصوصة. و(الطرق) جمع طريقة، وهي: مذهب الرجل، تقول: ما زال فلان على طريقة واحدة، أي: على حالة واحدة. والمراد بها هنا: اختلافهم في حكاية المذهب، وقد تسمى الطرق وجوهًا. و(النص): الرفع، يقال: نصصت الحديث إلى فلان، أي: رفعته إليه. و(الخلاف): ضد الموافقة، روى الأصوليون والفقهاء: أن النبي ﷺ قال: (اختلاف أمتي رحمة)، ولا يعرف من خرجه بعد البحث الشديد، وإنما نقله ابن الأثير في مقدمة (جامعه) من قول مالك. وفي (المدخل) للبيهقي عن القاسم بن محمد أنه قال: اختلاف أمة محمد ﷺ رحمة. واختلفوا في معناه على قولين: أحدهما: أنه الاختلاف في الأحكام. والثاني: في الحرف والصنائع، قاله الحليمي. و(مراتب الخلاف): منازله في القوة والضعف، كما بينه المصنف. قال: (فحيث أقول: في الأظهر أو المشهور .. فمن القولين أو الأقوال، فإن قوي الخلاف .. قلت: الأظهر، وإلا .. فالمشهور.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وَحَيْثُ أَقُولُ: الأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ .. فَمِنَ الْوَجْهَيْنِ أَوِ الأَوْجُهِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ .. قُلْتُ: الأَصُحُّ، وَإِلاَّ .. فَالصَّحِيحُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: الْمَذْهَبُ .. فَمِنَ الطَّرِيقَيْنِ أَوِ الطُّرُقِ، وَحَيْثُ أَقُولُ: النَّصُّ .. فَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيَّ ﵀،
_________________
(١) وحيث أقول: الأصح أو الصحيح .. فمن الوجهين أو الأوجه، فإن قوي الخلاف .. قلت: الأصح، وإلا .. فالصحيح). و(حيث): كلمة تدل على المكان؛ لأنه ظرف في الأمكنة اتفاقًا بمنزلة (حتى) في الأزمنة. و(القولان والأقوال): للشافعي ﵁، وقد ينص على ذلك في وقتين وهو الأغلب، أو وقت وهو قليل محصور. وفائدة ذلك: تعريف السامع أن المسألة عنده فيها مأخذان لا ثالث لهما، أو ثلاثة لا رابع لها، وهو متردد في أيها أرجح، وقوة الخلاف وضعفه تعرف بالدليل، وعمل الأكثر، والتعليل. وإنما عبر بـ (الأصح والصحيح) للأوجه؛ تأدبًا مع الشافعي ﵁؛ فإن قسيمهما الفاسد والباطل. وأما (الأظهر والمشهور): فيقابلهما الخفاء والغرابة. قال: (وحيث أقول: المذهب .. فمن الطريقين أو الطرق)، فيعرف بذلك أن المفتى به ما عبر عنه بالمذهب. وأما كون الراجح طريقة القطع أو الخلاف، وكون الخلاف قولين أو وجهين .. فلا يؤخذ منه؛ لأنه لا اصطلاح له فيه. قال: (وحيث أقول: النص .. فهو نص الشافعي ﵀). المراد بـ (النص): المنصوص، سمي بذلك؛ لتنصيص إمامه عليه. و(الشافعي) ﵀: هو حبر الأمة، وسلطان الأئمة أبو عبد الله محمد بن
[ ١ / ٢٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف جد النبي ﷺ. نسب كأن عليه من شمس الضحى نورًا من فلق الصباح عمودا ما فيه إلا سيد من سيد حاز المكارم والتقى والجودا والنسبة إليه شافعي، ولا يقال: شفعوي؛ فإنه لحن فاحش، وإن كان وقع في (الوسيط) وغيره. ولد ﵁ على الأصح بغزة التي توفي فيها هاشم جد النبي ﷺ، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن، وقيل: بمنى، سنة خمسين ومئة. ثم حمل إلى مكة هو ابن سنتين، ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، و(الموطأ) وهو ابن عشر. وشافع بن السائب الذي ينسب إليه لقي النبي ﷺ وهو مترعرع، وأسلم أبوه يوم بدر، فأسر وفدى نفسه ثم أسلم. تفقه بمكة على مسلم بن خالد الزنجي، وكان شديد الشقرة.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وَيَكُونُ هُنَاكَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ
_________________
(١) وأذن له مالك في الإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة. ورحل في طلب العلم إلى اليمن والعراق، إلى أن أتى مصر فأقام بها إلى أن توفاه الله تعالى شهيدًا يوم الجمعة، سلخ شهر رجب، سنة أربع ومئتين. وانتشر علمه في جميع الآفاق، وتقدم على الأئمة في الخلاف والوفاق، وعليه حمل الحديث المشهور: (عالم قريش يملأ الأرض علمًا)، فلذلك كان لمحله المقام الأسمى ﵁ وأرضاه، وأكرم نزله ومثواه. وكان ﵁ مجاب الدعوة لا يعرف له كبوة ولا صبوة، قال في أواخر (الإحياء): قال الشافعي ﵀: دهمني في هذه الأيام أمر أمرضني وآلمني، ولم يطلع عليه غير الله تعالى، فلما كان البارحة .. أتاني آت في منامي فقال: يا ابن إدريس قل: اللهم؛ إني لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، ولا أتقي إلا ما وقيتني، اللهم؛ فوفقني لما تحب وترضى من القول والعمل في عافية. قال: فلما أصبحت .. أعدت ذلك، فلم ينصرف النهار حتى أعطاني الله طلبتي، وسهل لي الخلاص مما كنت فيه. قال: فعليكم بهذه الدعوات لا تغفلوا عنها. قال: (ويكون هناك وجه ضعيف أو قول مخرج). مراده بـ (الضعيف) هنا: خلاف الراجح، لا الضعيف المصطلح عليه قبل هذا. وحقيقة القول المخرج: أن يرد نصان مختلفان، في صورتين متشابهتين، ولم يظهر بينهما ما يصلح فارقًا، فيخرج الأصحاب من كل صورة قولًا إلى الأخرى فيقولون: فيهما قولان، بالنقل والتخريج.
[ ١ / ٢١٠ ]
وَحَيْثُ أَقُولُ: الْجَدِيدُ .. فَالْقَدِيمُ خِلاَفُهُ، أَوِ الْقَدِيمُ أَوْ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ .. فَالْجَدِيدُ خِلاَفُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: وَقِيلَ كَذَا .. فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَوِ الأَصَحُّ خِلاَفُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: وَفِي قَوْلٍ كَذَا .. فَالرَّاجَحُ خِلاَفُهُ
_________________
(١) قال: (وحيث أقول: الجديد .. فالقديم خلافه، أو القديم أو في قول قديم .. فالجديد خلافه). (الجديد): ما نصه الشافعي ﵁ بمصر، ورواته: المزني، والربيع المرادي صاحب (الأم)، والربيع الجيزي، والبويطي، وحرملة، ومحمد بن عبد الحكم، وعبد الله بن الزبير المكي. وذكر الإمام في (كتاب الخلع): أن (الأم) من الكتب القديمة، وصرح بذلك الخوارزمي في (الكافي). وأما (الإملاء) .. فجديد بالاتفاق. و(القديم): ما نصه بالعراق، وهو كتاب (الحجة)، ورواته: الزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور، وأحمد ابن حنبل. وكل مسألة فيها قديم وجديد .. فالعمل على الجديد، ولا يحل عد القديم حينئذ من مذهبه؛ لرجوعه عنه. فإذا لم ينص في الجديد على خلاف ما في القديم .. فهو مذهبه. وإن كان في الجديد قولان .. فالعمل بآخرهما، فإن لم يعلم .. فبما رجحه أصحاب الشافعي، فإن قالهما في قوت ثم عمل بأحدهما .. كان إبطالًا للآخر عند المزني، وقال غيره: لا يكون إبطالًا بل ترجيحًا. واتفق ذلك للشافعي في نحو ست عشرة مسألة. وإن لم يعلم هل قالهما معًا أو مرتبًا .. لزم البحث عن أرجحهما بشرط الأهلية، فإن أشكل .. توقف فيه. قال: (وحيث أقول: وقيل كذا .. فهو وجه ضعيف، والصحيح أو الأصح خلافه)؛ لأن الصيغة تقتضي ذلك. قال: (وحيث أقول: وفي قول كذا .. فالراجح خلافه)؛ لأن اللفظ يشعر به.
[ ١ / ٢١١ ]
وَمِنْهَا: مَسَائِلُ نَفِيسَةٌ أَضُمُّهَا إِلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُخْلَى الْكِتَابُ مِنْهَا، وَأَقُولُ فِي أَوَّلِهَا: قُلْتُ، وَفِي آخِرِهَا: وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَا وَجَدْتَهُ مِنْ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي (الْمُحَرَّر) .. فَاعْتَمِدْهَا؛ فَلاَ بُدَّ مَنْهَا، وَكَذَا مَا وَجَدْتَهُ مِنَ الأَذْكَارِ مُخَالِفًا لِمَا فِي (الْمُحَرَّرِ) وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ .. فَاعْتَمِدْهُ؛ فَإِنَّي حَقَّقْتُهُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَقَدْ أُقَدَّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ؛ لِمُنَاسَبَةٍ أَوِ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْتُ فَصْلًا؛ لِلْمُنَاسَبَةِ
_________________
(١) قال: (ومنها: مسائل نفيسة أضمها إليه ينبغي أن لا يخلى الكتاب منها، وأقول في أولها: قلت، وفي آخرها: والله أعلم). هذا بيان لمصطلحه في الزيادة التي وقع عليها اختياره، وقد وفق في اختصار هذا الكتاب فتم فخاره، ومن أمعن النظر فيه .. علم أن الجواد عينه فراره. ومعنى (الله أعلم) أي: من كل عالم. قال: (وما وجدته من زيادة لفظة ونحوها على ما في (المحرر) .. فاعتمدها؛ فلا بد منها، وكذا ما وجدته من الأذكار مخالفًا لما في (المحرر) وغيره من كتب الفقه .. فاعتمده؛ فإني حققته من كتب الحديث المعتمدة)؛ لأن مرجع ذلك إلى علماء الحديث وكتبه المعتمدة. قال: (وقد أقدم بعض مسائل الفصل؛ لمناسبة أو اختصار)؛ مراعاة لتسهيل حفظه وترتيبه وتيسير فهمه وتقريبه. و(المناسبة): المشاكلة. قال: (وربما قدمت فصلًا؛ للمناسبة)؛ فإن التصنيف قد يقتضي ذلك، كما فعل في (باب الإحصار والفوات). و(الفصل) في اللغة: الحاجز بين شيئين، ومنه فصل الربيع؛ لأنه يحجز بين الشتاء والصيف، وهو في الكتب كذلك؛ لأنه يفصل بين أجناس المسائل وأنواعها.
[ ١ / ٢١٢ ]
وَأَرْجُو إِنْ تَمَّ هَذَا الْمُخْتَصَرُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِـ (الْمُحَرَّرِ)؛
_________________
(١) و(رب): حرف جر، خلافًا للكوفيين في دعوى اسميته، وهو للتقليل عند الأكثرين، ويرد للتكثير قليلًا، ويدخل عليه (ما) ليمكن أن يتكلم بالفعل بعده، كقوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وفيها ست عشرة لغة مشهورة. قال: (وأرجو إن تم هذا المختصر أن يكون في معنى الشرح لـ (المحرر»؛ لأن بينه وهذبه، وحققه وقربه، وزاد عليه ما يحتاج إليه، واحترز عما يعترض به عليه. و(الرجاء): ضد اليأس، ممدود، وقد جاء بمعنى الخوف قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقَارًا﴾، أي: لا تخافون عظمة الله. و(الشرح): الكشف والتبيين، سئل النبي ﷺ عن شرح الصدر للإسلام، فقال: (هو نور يقذفه الله في القلب، إذا دخله .. انشرح وانفسح)، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: (الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقائه). وشرح صدر النبي ﷺ عبارة عن تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه. قال الأستاذ أبو علي الدقاق: كان موسى ﵇ مريدًا فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾، وكان نبينا ﷺ مرادًا فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؟ وكذلك قال موسى ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ﴾، فقال الله تعالى: ﴿لَن تَرَانِي﴾، وقال لنبينا ﷺ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى رَبِّكَ﴾؟ وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾؟ ستر للقصة، فالمريد مستحمل، والمراد محمول.
[ ١ / ٢١٣ ]
فَإِنَّي لاَ أَحْذِفُ مِنْهُ شَيْئًا مِنَ الأَحْكَامِ أَصْلًا، وَلاَ مِنَ الْخِلاَفِ وَلَوْ كَانَ وَاهيًِا، مَعَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَائِسِ. وَقَدْ شَرَعْتُ فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ، وَمَقْصُودِي بِهِ: التَّنْبِيهُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ (الْمُحَرَّرِ)، وَفِي إِلْحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ أَوْ شَرْطٍ لِلْمَسْالَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنَ الضَّرُوِريَّاتِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا.
_________________
(١) قال: (فإني لا أحذف منه شيئًا من الأحكام أصلًا، ولا من الخلاف ولو كان واهيًا، مع ما أشرت إليه من النفائس). (الأحكام): جمع حكم. و(الواهي): الساقط الاعتبار. و(مع) مع: فيها قليل، وقد شرح المصنف هذه الكلمات في (الدقائق). قال: (وقد شرعت في جمع جزء لطيف على صورة الشرح لدقائق هذا المختصر) أي: غوامضه التي تحتاج إلى البيان. ولم يتعرض المصنف هنا لتسمية كتابه، لكنه ترجمه بـ (المنهاج)، وهو الطريق الواضح. قال: (ومقصودي به: التنبيه على الحكمة في العدول عن عبارة (المحرر)، وفي إلحاق قيد أو حرف أو شرط للمسألة ونحو ذلك، وأكثر ذلك من الضروريات التي لا بد منها). أراد بـ (الحرف): الكلمة، من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، والجمع أحرف وحروف.
[ ١ / ٢١٤ ]
وَعَلَى اللهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَأَسْأَلُهُ النَّفْعَ بِهِ لِي وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَرِضْوَانَهُ عَنَّي وَعَنْ أَحِبَّائِي وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ.
_________________
(١) قال: (وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي). من أسمائه تعالى (الكريم)، وهو: الجامع لأنواع الخير والشرف. و(الكريم): المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، وفي الحديث: (إن الله كريم يحب مكارم الأخلاق). و(تفويض) الأمر إلى الله تعالى: رده إليه. قال: (وأسأله النفع به لي ولسائر المسلمين، ورضوانه عني وعن أحبائي وجميع المؤمنين). (النفع): ضد الضر، وثمرة ذلك العمل بالعلم، قال ﷺ: (من عمل بما علم .. علمه الله علم ما لم يعلم). والمصنف ﵀ غاير بين الإسلام والإيمان، فكل إيمان إسلام ولا ينعكس، وكل مؤمن مسلم ولا ينعكس. وقيل: الإيمان والإسلام – في حكم الشرع – واحد، وفي المعنى والاشتقاق مختلفان، وربما أطلق الإيمان على المراقبة. روى ابن ماجه عن عبادة الصامت أن النبي ﷺ قال: (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت). و(الرضا والرضوان): ضد السخط، يقال: رضي عنه وعليه. قال قحيف العقيلي [من الوافر]: إذا رضيت علي بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها و(الأحباء): جمع حبيب، والمحبة في الله تعالى من تمام الإيمان.
[ ١ / ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) روى مسلم [٢٥٦٦] عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي). وروى أبو داوود عن عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتصافين في، وحقت محبتي للمتباذلين في). و(سائر): معناه باقي. وقال الجوهري: سائر الناس جميعهم، وأنكره ابن الصلاح وقال: إنه تفرد به فلا يقبل منه، وليس كذلك فقد وافقه عليه الجواليقي وابن بري، وكذلك استعملها المصنف في أول (باب محرمات الإحرام) تبعًا للغزالي وغيره. وسؤال المصنف أن ينفع الله بكتابه مما يرغب فيه؛ لأنه كان مجاب الدعوات الصاعدات من نفحات فيه، وقد حقق الله له ذلك، فنع به وجعله عمدة في الإفتاء لعلماء مذهبه، فعقدوا على تصحيحه الخناصر، واكتفوا بنفعه المتعدي والقاصر. * * * خاتمة مصنف هذا الكتاب الحبر الإمام، العلامة شيخ الإسلام، قطب دائرة العلماء الأعلام، الشيخ محيي الدين يحيى بن شرف النووي الحزامي – بحاء مهملة مكسورة، بعدها زاي – محرر المذهب، المتفق على إمامته وديانته، وسؤدده وسيادته، وورعه وزهادته. كان ذا كرامات ظاهرة، وآيات باهرة، وسطوات قاهرة، فلذلك أحيا الله ذكره بعد مماته، واعترف أهل العلم بعظيم بركاته، ونفع الله بتصانيفه في حياته وبعد وفاته، فلا يكاد يستغني عنها أحد من أصحاب المذاهب المختلفة، ولا تزال القلوب على محبة ما ألفه مؤتلفة.
[ ١ / ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولد في العشر الأول من المحرم سنة إحدى وثلاثين وست مئة بنوى ونشأ بها. ثم انتقل إلى دمشق فدأب في الطلب، حتى فاق أهل زمانه، ودعا إلى الله في سره وإعلانه. وكان يديم الصيام، ولا تزال مقلته ساهرة، ولا تأكل من فواكه دمشق؛ لما في ضمانها من الشبهة الظاهرة، ولا يدخل الحمام تنعمًا، وانخرط في سلك: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾. وكان يقتات مما يأتيه من قبل أبويه كفافًا، ويؤثر على نفسه الذين لا يسألون الناس إلحافًا، فلذلك لم يتزوج إلى أن خرج من الدنيا معافى. وحج حجتين مبرورتين، لا رياء فيهما ولا سمعة، وطهر الله من الفواحش قلبه، ولسانه وسمعه، حتى توفي ليلة الأربعاء رابع عشري شهر رجب، سنة ست وسبعين وست مئة، ودفن ببلده ﵁، وأحله رضى رضوانه، ومتعه بالداني من حنى جنانه. * * *
[ ١ / ٢١٧ ]
كتاب الطهارة
[ ١ / ٢١٩ ]