استقبال القبلة وأن لا فرض إلا الخمس
مسألة: قال: "ولا يجوز لأحد صلاة فريضة ولا نافلة ولا سجود قرآن ولا جنازة إلا متوجهًا إلى البيت الحرام".
الفصل
وهذا كما قال: اعلم أنه افتتح الباب ببيان الحال التي يجب فيها استقبال القبلة والحالة التي لا تجب، والمقصود هذا. وقوله في ترجمة الباب، (وأن لا فرض إلا الخمس) شيء اعترض في الباب وبيانه سيأتي في موضع آخر، وأراد بالبيت الحرام الكعبة. قال الله تعالى: "جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس" [المائدة: ٩٧]، وكذلك المراد بقوله تعالى: "فول وجهك شطر المسجد الحرام" [البقرة: ١٤٤]، الكعبة فإنها هي القبلة بعينها [٤١ ب/ ٢]، وشطر المسجد: نحوه.
وجملته: أن استقبال القبلة شرط في الصلاة في الجملة بدليل هذه الآية. وروى أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ «استقبل الكعبة وصلى ركعتين. وقال: هذه القبلة، هذه القبلة». مرتين. وروي أن رسول الله ﷺ «كان يصلي أول فرض الصلاة بمكة إلى بيت المقدس، وكان يصلي على صفةٍ يكون متوجهًا إلى الكعبة ليكون مستقبلًا لها ولبيت المقدس لمحبته قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما، فلم يزل على هذا
[ ١ / ٤٤٤ ]
حتى هاجر إلى المدينة وكان يصلي فيها إلى بيت المقدس، ولم يمكنه التوجه إلى الكعبة لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة يكون مستدبرًا للكعبة، فلا يمكنه ما كان بمكة فشق عليه ذلك. ومضى على هذا ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر، فسأل يومًا جبريل ﵇ أن يسأل له ربه ﷿ أن يجعل قبلته الكعبة، فقال له: سله أنت فإنك من الله بمكان فدعا رسول الله ﷺ وعرج جبريل ﵇ وكان يقلب النبي ﷺ وجهه في السماء، فنزل قوله تعالى: "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنواينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام" [البقرة: ١٤٤]. فنسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة. وكان هذا في وقت صلاة العصر.
وقال أنس ﵁: كان في صلاة الظهر. «وقد صلى رسول الله ﷺ ركعتين منها نحو بيت المقدس، فانصرف إلى الكعبة». وقال الواقدي: كان هذا في يوم الثلاثاء للنصف من شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: كان في رجب قبل بدر بشهرين.
وقال ابن عباس ﵁: أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا، والله أعلم شأن القبلة والقيام الأول. وقال أيضًا: أول من صلى إلى الكعبة، [٤٢ أ/ ٢] وأوصى بثلث ماله وأمر أن يتوجه إلى الكعبة البراء بن معرور وابنه بشر بن البراء الذي أكل مع رسول الله ﷺ من الشاة المسمومة فمات، واختلف أصحابنا، هل استقبل رسول الله ﷺ بيت المقدس برأيه أو عن أمر الله تعالى على قولين:
أحدهما: برأيه، لأن الله تعالى خيره في قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: ١١٥]، أي: قبلة الله، فاختار بيت المقدس وبه قال الحسن وعكرمة وأبو العالية والربيع بن أنسٍ.
والثاني: استقبله بأمر الله تعالى لقوله تعالى: "وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول" [البقرة: ١٤٣]. وبه قال ابن عباس وابن جريج وفي قوله تعالى: "إلا لنعلم من يتبع الرسول" [البقرة: ١٤٣] أربع تأويلات:
أحدها: ليعلم رسولي وأوليائي لأن من عادة العرب إضافة ما فعله اتباع الرئيس كما قالوا: فتح عمر ﵁ سواد العراق.
[ ١ / ٤٤٥ ]
والثاني: ألا ترى والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم.
والثالث: معناه، إلا لتعلموا أننا نعلم، لأن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها.
والرابع: معناه إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك، وهذا قول ابن عباسٍ ﵁.
وأما قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: ١١٥]، له ست تأويلات:
أحدها: ما قاله الأولون من تخيير الله تعالى لنبيه ﷺ أن يستقبل حيث شاء قبل استقبال الكعبة.
والثاني: نزلت في صلاة التطوع للسائر وللخائف في الفرض. وبه قال ابن عمر ﵁.
والثالث: نزلت فيمن خفيت عليه القبلة.
والرابع: أنه لما نزل قوله تعالى: "أدعوني استجب لكم" [غافر: ٦٠]، قالوا: إلى أين؟ فنزل هذا، وبه قال مجاهد.
والخامس: أراد وحيث ما كنتم من مشرق أو مغرب فلكم جهة الكعبة فيستقبلونها.
والسادس: سبب نزولها أن النبي ﷺ حين استقبل الكعبة، قالت اليهود: قبحًا في ذلك، فنزل هذا. وبه قال [٤٢ ب/ ٢] ابن عباس. وروى الشافعي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵁، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن نستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة».
وروي أن هذا القائل، قال لهم: أشهد أن القبلة قد حولت إلى الكعبة. وقد صليت مع رسول الله ﷺ إليها، فاستداروا في صلاتهم وبنوا عليها، فإذا تقرر هذا، فكل من لزمه التوجه إليها على ستة أضرب:
ضرب: فرض المعاينة.
والثاني: ضرب فرضه الإحاطة دون المعاينة.
[ ١ / ٤٤٦ ]
والثالث: ضرب فرضه الخبر.
والرإبع: ضرب فرضه التقليد.
والخامس: ضرب فرضه الاجتهاد.
والسادس: ضرب فرضه التفويض.
فأما من فرضه المعاينة فكل من يقدر على معاينة البيت فمن يكون بمكة في مسجدها أو منزل منها أو سهل أو جبل لا تجوز صلاته حتى يصيب استقبال القبلة، لأنه يدرك صواب عينه بمشاهدة ومعاينة.
وأما من فرضه الإحاطة، وهي اليقين دون المعاينة، فكل من كان بمكة في موضع لا يرى منه البيت إلا أنه نشأ بمكة، ويعلم جهة البيت يقينًا فهذا يلزمه أن يصيب استقبال البيت من طريق الإحاطة واليقين. وهكذا من يقدر على قبلة النبي ﷺ بالمدينة لأنها مقطوع بصحتها، لأنه لا يقر على الخطأ.
قال أصحابنا: وكذلك القبلة التي صلى إليها الصحابة كقوله قباء والكوفة.
وأما من فرضه الخبر: فكل من كان وراء جبل أبي قبيس وما أشبهه من الجبال، وهو غريب لا يعرف سمت البيت وعلى رأس الجبل من يخبره عنه من طريق المشاهدة، وهو ثقة يلزمه قبول خبره كمن وجد من يروي عن رسول الله ﷺ [٤٣ أ/ ٢] نصًا يلزمه قبوله، ولا يجوز الاجتهاد فيه.
وأما من فرضه التقليد كالأعمى. وقال داود: يصلي الأعمى إلى أي جهة شاء، لأنه عاجز. وهذا غلط لظاهر الآية، وهي قوله تعالى: "فولوا وجوهكم شطره" [البقرة: ١٤٤]، ولأنه يمكنه السؤال فلا يكون عاجزأ.
وأما من فرضه الاجتهاد فكل من كان على صفة لا يقدر على معاينة ولا إحاطة ولا خبر لبعده عن مكَّة ففرضه الاجتهاد يستدل عليها بالرياح والنجوم والشمس والقمر، فمن غلب على ظنه جهة صلى إليها.
وأما من فرضه التفويض، فهو أن يدخل بلدًا كبيرًا كثير الأهل، قد اتفقوا على قبلتهم كالبصرة، وبغداد، فيستقبل قبلتهم تفويضًا، لاتفاقهم لأنه يبعد أن يكونوا على خطأ ويستدركه واحد، فإذا تقرر هذا، فكل من كان غائبًا عن مكة يجوز له الاجتهاد فيها إذا تعذر معرفتها.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وأما من كان بمكة ذكر الشافعي فيه كلامًا مختلفًا، فقال في «الأم»: فكل من كان يقدر على رؤية البيت لا تجوز صلاته حتى يصيب استقبال البيت، لأنه يدرك صواب استقباله بمعاينةٍ. ثم قال بعد ذلك: ومن كان بمكة لا يرى البيت وأراد المكتوبة لا يحل له أن يدع الاجتهاد في طلب صواب عين الكعبة بالدلائل، فجعل فرضه الاجتهاد وإن كان بمكة وجعل في الأولى فرضه الإحاطة. وليست المسألة على قولين بل هي على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال: فرضه اليقين إذا كان الحائل دونها حادثًا كالبناء والسترة، ولا يجوز الاجتهاد بل ينتقل إلى حيث يرى البيت ويصلي إليها على اليقين. والموضع الذي قال: فرضه الاجتهاد إذا كان الحائل دونها من خلقة الأصل كالجبال والتلول ونحوها، فالحاصل من هذا أنه إذا كان بالبعد من مكة ففرضه الاجتهاد، [٤٣ ب/ ٢] وإن كان بالقرب منها ينظر، فإن كان الحائل من خلقة الأصل، ففرضه الاجتهاد، هان كان الحائل حادثًا، ففرضه الإحاطة، ومن أصحابنا من قال: إن كان الحائل أصليًا، ففرضه الاجتهاد، لأنه يشق عليه صعود الجبل، ونحوه، وإن كان حادثًا كالأبنية، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كالأصلي، وهو ظاهر كلام الشافعي، لأنه لو كثف المشاهدة أدى إلى تكليف سيرًا يشق عليه، ولأن بينه وبين البيت حائلًا يمنع المشاهدة فأشبه إذا كان بينهما جبل.
والثاني: لا يجوز، لأن الاجتهاد لم يجز في هذا الموضع قبل حدوثه، فلا يجوز بعد حدوثه وطرآنه.
فرع
لو استقبل حجر الكعبة، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: «صلي في الحجر، فإنه من البيت».
والثاني، لا يجوز استقباله وحده، وهو الصحيح، لأنه ليس من البيت قطعًا، بل هو منه بغلبة الظن، فلم يجز العدول عن اليقين لأجله.
[ ١ / ٤٤٨ ]
فرع آخر
لو اجتهد فتساوت عنده جهتان مختلفتان على كل واحدة منهما. أمارات دالة ولم يترجح عنده إحداهما، فيه وجهان:
أحدهما: يصلي إلى أي الجهتين شاء.
والثاني: يصلي في إحدى الجهتين ويعيد في الأخرى، وأصل هذين الوجهين اختلافهم في العامي إذا أفتاه فقيهان بجوابين مختلفين، فيه وجهان:
أحدهما: يتخير.
والثاني: يأخذ بالأغلظ، والأغلظ ههنا أن يصلي إلى الجهتين. ذكره صاحب «الحاوي».
فرع آخر
تعلم دلائل القبلة فرض في الجملة وهل هو على الأعيان أو على الكفاية، وجهان: أحدهما: على الأعيان ليعلم أركان الصلاة.
والثاني: على الكفاية كتعلم دقائق مسائل الفقه.
مسألة: قال الشافعي رحمة الله عليه «إلا في حالين».
الفصل
وهذا كما قال: لا يجوز ترك استقبال القبلة إلا في حالين: [٤٤ أ/ ٢]
إحداهما: حالة الخوف، والثاني: حالة السفر.
فأما الخوف، فضربان: خوف لا يقطع عن استقبالها بل يكون بالمسلمين كثرة، وبالمشركين قلة ويمكنهم أن يفترقوا فرقتين، طائفة وجاه العدو وتصلي الطائفة الأخرى ففرضهم التوجه إلى القبلة لا يجزئهم غير ذلك. وخف يقطعه عن ذلك، وهو شدة الخوف عند المسايفة والتحام القتال، فيجوز له ترك إستقبالها في الفرض والنفل راكبًا كان أو نازلًا.
قال الله تعالى: "فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا" [البقرة: ٢٣٩] ويسقط عنه في هذه
[ ١ / ٤٤٩ ]
الحالة ثلاثة أشياء: التوجه إلى القبلة، والقيام، واستيفاء الركوع والسجود، فإن قدر على بعضها دون بعض يلزمه.
وأما السفر: فيجوز لأجله ترك الاستقبال في النافلة فقط دون الفريضة، وإن كانت من فرائض الكفايات كصلاة الجنازة ولا فرق فيه بين الماشي والراكب.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز للماشي ذلك، لأنه عمل كثير، وهذا غلط، لأنه أحد اليسرين، فأشبه سير الراكب، ولأن النوافل كثيرة غير محصورة. ولا بد من الأسفار وتقع الحاجة إلى الأسفار ماشيًا كما تقع راكبًا، فلو قلنا: لا يجوز النفل ماشيًا أدى إلى انقطاع الناس عن أحد أمرين: إما عن نوافلهم، وإما عن أسفارهم ومعايشهم.
قال القفال: وعرفت فضل عبادة الشيخ أبي زيد المروزي، واجتهاده على غيره بأنه كان يعلل في هذه المسألة بأنه يؤدي إلى أن ينقطع الناس عن نوافلهم. فكان عنده أن النوافل لا بد منها وإن أدى إلى ترك المعاش لها. والأصل فيما ذكرناه قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: ١١٥].
وقال ابن عمر ﵄: نزلت في التطوع خاصة حيث توجه بك بعيرك. وروى جابر ﵁، قال: «رأيت رسول الله ﷺ، وهو يصلي على راحلته في كل جهة» [٤٤ ب/ ٢] وروي أنه ﷺ «كان يوتر على راحلته».
فرع
إذا كان ماشيًا فأراد صلاة النافلة يلزمه التوجه إلى القبلة في ثلاثة أحوال: منها عند الافتتاح، فيلزمه أن يفتتحها إلى القبلة، ثم يعدل إلى جهة سفره ويقرأ، ثم إذا حضر الركوع والسجود ركع إلى القبلة وسجد على الأرض إلى القبلة متمكنًا لأنه لا مشقة في ذلك، لأن زمانه يسير. نص عليه في «القديم» و«إلإملاء»، وكأنه اعتبر أن يتوجه إلى القبلة في كل ركن يفتتح بالتكبير.
فرع آخر
إذا سجد إن شاء والى بين السجدتين وإن شاء فرق بينهما وتشهد ماشيًا وسلم في
[ ١ / ٤٥٠ ]
جهة سفره، أي جهة كانت، لأن التشهد يطول زمانه، فهو كالقراءة، والسلام ليس كالتكبير لأن في السلام لا يعتبر التوجه إلى القبلة في غير حالة العذر أيضًا، فإنه يسلم عن يمينه وشماله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يستقبل القبلة عندالسلام أيضًا. وقيل: فيه وجهان، وقيل: هل يلزمه وضع الجبهة على الأرض أم يكفي إدناؤها من الأرض؟ وجهان. وهذا كله خلاف المذهب المشهور على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو كان راكبًا في كبيسة أو عمارية أو هودج على صفةٍ يمكنه التوجه إلى القبلة، ويتسع الركوع والسجود يلزمه ذلك، لأنها كالسفينة وهذا ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان:
أحدهما: هذا. والثاني: لا يلزمه ذلك لأن فيه إضرارًا لمركوبه وإدخال مشقة عليه، فصار كراكب السرج.
فرع آخر
لو كان راكب السفينة مسيرًا لها كالملاح يجوز له أن يصلي إلى غير القبلة في نافلته ويصلي إلى جهة سيره، لأنه يسقط التوجه إلى القبلة عن الماشي فعن هذا أولى، لأنه ينقطع بالتوجه عن السير هو وغيره.
فرع آخر
لو كان راكب السفينة لا يسيرها يصلي الفرض والنفل، كما يصلي غير الراكب ولا يختلف الفرض والنفل [٤٥ أ/ ٢] في حقه إلا في ترك القيام مع القدرة وعند أبي حنيفة يجوز له ترك القيام في السفينة في الفرض مع القدرة، لأن الغالب أنه يدور رأسه وعندنا لا يجوز ذلك إلا أن يدور رأسه في الحال، وهذا لأنه قادر على القيام والاستقبال من غير مشقة.
فرع آخر
لو كان على ظهر دابة ناقة أو فرس أو حمار ونحو ذلك، فإن كان واقفًا فالتوجه عند افتتاحها شرط فإذا عقدها سار في جهة سفره حيث كان. وإن كان سائرًا ننظر، فإن كانت سهلة مطيعة يمكنه أن يدير رأسها إلى القبلة من غير مشقة يلزمه أن يدير رأسها ويفتتح الصلاة إلى القبلة، وإن كان يشق ذلك لأنه حرون أو مقطر بالآخر لا يلزمه
[ ١ / ٤٥١ ]
استقبال القبلة ويفتتح أينما توجهت به مركوبه، ثم إذا حضر الركوع والسجود ركع وسجد يومئ إيماء ويكون سجوده أخفض من ركوعه ولا يلزمه السجود على كفه ولا على سرجه، ولو سجد على مقدم رحله أو سرجه جاز، ونحو هذا روي عن رسول الله ﷺ، وإن أمكنه أن يدير رأسها إلى القبلة عند الركوع والسجود يلزمه، كما قلنا في الماشي، ذكره القاضي الطبري.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه استقبال القبلة عند الافتتاح؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما ذكرنا.
والثاني: لا يلزمه ذلك، لأن فيه كلفة وإن كان الركوب سهلًا بخلاف الماشي، وهذا أقيس.
والثالث: إن كان وجه دابته إلى القبلة أو إلى طريقه افتتح كما هو وإن كان إلى غير هذين، لا يفتتح إلا إلى القبلة ومنهم من قال: نص الشافعي في مواضع أنه يلزمه ذلك ونص في موضع لا يلزمه فقيل: قولان. وقيل: على حالين كما ذكرنا وفي هذا نظر، وما تقدم أصح.
فرع آخر
لو كان ظهره في طريقه إلى القبلة فركب الدابة مقلوبًا وجعل وجهه إلى القبلة، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأنه إذا جازت صلاته إلى غير القبلة، فإلى القبلة أولى. والثاني: لا يجوز [٤٥ ب/ ٢]، لأن قبلته طريقه، وهو قد ترك ما جعل طريقًا له.
فرع آخر
لو أراد أن يصلي الفريضة قائمًا في كنيسة واسعة مستقبل القبلة بأركانها فإن كانت الدابة واقفة جاز، وإن كانت سائرة. قال أبو حامد: نصّ الشافعي في «الإملاء»: أنه لا يجوز بخلاف السفينة. والفرق أن البهيمة لها اختيار وتسير بنفسها ولا تكاد تثبت على حالٍ واحد؟، فيؤدي ذلك إلى تغيره عن القبلة في الفريضة، فلا يجوز. والسفينة كالأرض لا تسير بنفسها، وإنما تسير إلى جهةٍ واحدة لا تختلف فافترقا.
وذكر القاضي أبو الطيب ﵀ في الإمامة: أنه إذا أمكنه ذلك في كنيسة يقوم
[ ١ / ٤٥٢ ]
ويركع ويسجد صخت صلاته كما لو صلى على سريرٍ يحمله أربعة. وهذا إذا كان لها من يسيرها حتى لا تختلف جهة القبلة بلزوم لجامها ولحفظها أو كانت واقفة، وهو القياس عندي.
فرع آخر
لو كانت راحلته متوجهة إلى القبلة، ثم تحولت عنها، وهو في الصلاة، فإن كان ذلك الانحراف إلى الطريق لا يضره، وإن كان على غير الطريق، فإن تعمد ذلك بطلت صلاته، وإن سها عنه فظن أن طريقه ذلك أو نسي أنه في الصلاة، ثم ذكر رجع ومضى على صلاته ويسجد للسهو نصّ عليه في «الأم». وهذا يدل على أن من سها في النوافل سجد سجدتي السهو. وحكي عنه أنه قال في «القديم»: لا يسجد وليس بصحيح.
فرع آخر
لو كان ناسيًا، ثم علم ثبت، وهو يمكنه أن ينحرف فسدت صلاته ولو غلبته دابته يردها إلى الطريق ويبني على صلاته، ثم قال الشافعي: إن ردها عن قرب لا يسجد للسهو، لأنه لا أثر لذلك القليل، وإن تطاول وتمادى الأمر سجد للسهو.
وقال أصحابنا في مسألة النسيان: يجب أن يفرق بين التطاول وعدمه على قياس هذا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كان ناسيًا، وطال الفصل، بطلت صلاته لأن الصلاة لا تحتمل الفصل الطويل، وإن ردها في الحال سجد للسهو [٤٦ أ/ ٢]، وان كان مغلوبًا فطال بطلت صلاته، وإن قل تبطل ولا يسجد لسهو، لأنه لم يوجد منه فعل. وهذا خلاف المذهب المنصوص.
فرع آخر
الدابة لو مشت على نجاسةٍ لم تؤثر في صلاته، لأنه لا يمكن حفظها منه في حال السير حتى لو تعمد الراكب تسييرها على موضع نجس بطلت صلاته.
فرع آخر
إذا ضرب الدابة أو حرك رجله لسيرها فإن كان لحاجةٍ لم يؤثر وإن كان لغير حاجة؛ فإن كان قليلًا لم تبطل، وإن كان كثيرًا تبطل.
[ ١ / ٤٥٣ ]
فرع آخر
الشرط فيه أن يكون موضع ركوبه وجميع ما يلاقيه بدنه وثيابه والزمام الذي في يده طاهرًا، فلو دمي فم الدابة وتنجس طرف اللجام فحكمه حكم من يصلي وفي يده حبل مشدود في رقبة كلب.
فرع آخر
الماشي إذا صلى يلزمه أن يجتنب النجاسة حتى لو (مشى) على موضع نجسٍ بطلت صلاته، لأنه لا يشق عليه الاحتراز منه.
فرع آخر
لو عدا في صلاته فإن كان لغرضٍ لم تبطل وإلا بطلت.
فرع آخر
لو كان يسير إلى غير جهة القبلة، (فاستفتح) ثم عدل إلى جهة القبلة، وليست بجهة سفره لا يضر الصلاة سواء كان عالمًا أو جاهلًا، لأنه إذا جاز لغير القبلة فلأن يجوز إلى القبلة أولى.
فرع آخر
لو دخل بلده الذي يقصده فمتى وصل إلى أول عمرانه لا يجوز له أن يصلي على الراحلة، ولكنه ينزل، ويستقبل القبلة، ويبني على صلاته، وكذلك إن كان ماشيًا استقبل القبلة ويبني على ما مضى، ولو دخلها وكان مستقبل القبلة.
قال بعض أصحابنا بخراسان: صحت صلاته على الراحلة لكنه يسجد على مقدم الرحل، ولا يجوز بالإيماء. وعندي أنه لا يجوز أن يصلي سائرًا، لأنه في حكم الحاضر في البلد وله أن يصلي واقفًا، ولعل هذا القائل أراد هذا.
فرع آخر
لو دخل بلدًا لا يريد المقام فيه، وإنما يريد أن يجتاز فيه أو يقيم فيه مقام المسافر دون أربعة أيام له أن يصلي على الراحلة حيث توجهت إلى أن ينزل، [٤٦ ب/ ٢] وإذا نزل أو وقف للنزول لا يجوز له أن يصلي إلا مستقبل القبلة. والأصل في هذا أن ترك الاستقبال في الصلاة على الراحلة إنما يجوز للمسافر السائر، فإن عدما أو أحدهما لم يجز.
[ ١ / ٤٥٤ ]
فرع آخر
لو دخل بلده، ولكنه لا يريد المقام بها مثل إن كان له بسارية أهل ومال، فخرج من بلده قاصدًا الاستراباذ، فدخل سارية، قال الشافعي: فإن أراد النزول بها، أو كان بلده لم تجز صلاته إلا مستقبل القبلة، وأراد بالنزول بها المقام. وقوله: أو كان بلده يدل على أن بدخوله هناك يصير مقيمًا.
وفي المسألة قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يصير مقيمًا، فعلى هذا لا يلزمه النزول، وله ترك الاستقبال، ذكره القفال.
فرع آخر
لو افتتح الصلاة على الراحلة، ثم ترك استقبال القبلة وبنى على ما مضى من صلاته، لأن عمل النزول قليل، ولو أحرم على الأرض، ثم ركب بطلت صلاته، لأنه عمل كثير نصّ عليه الشافعي ﵀.
فرع آخر
قال في «الأم»: وليس له أن يصلي فائتة، ولا صلاة نذر ولا صلاة طوافٍ ولا صلاة جنازة على الراحلة، وهذا لأن الفائتة والمنذورة فريضتان وصلاة الطواف فريضة في أحد القولين. وإذا قلنا: تطوع، فإنه يكون حاضرًا في حال صلاته أو مسافرًا غير عابر في طريق، وصلاة الجنازات من فروض الكفايات وليست بتطوع.
وقال ابن القفال في «التقريب»: يحتمل أن يقال: يجوز إذا لم يتعين، كما قال الشافعي: يجوز أن يصليها، وبتيمم الفريضة وهذا خلاف النص. وقال أنس ﵁: رأيت رسول الله ﷺ «يصلي في جنازة وهو ذاهب إلى خيبر، والقبلة خلف ظهره» ولأنه وإن لم يتعين تقع واجبة، أو هذه صلاة لا تكثر بل تندر فليس في اشتراط الاستقبال فيها مشقة، ويخالف التيمم، لأنها تبع ذلك في الفريضة. [٤٧ أ/ ٢]
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في ركعتي الطواف وجهان بناء على أنهما واجبتان أم لا، وفيه قولان. وفي المنذورة قولان: بناء على أن المنذورة هل يسلك بها مسلك
[ ١ / ٤٥٥ ]
النوافل، أو مسلك ما ورد به الشرع؟ وفيه قولان، وهذا غير صحيح.
فرع آخر
قال الشافعي: لو غرقت السفينة وتعلق رجل بلوح وصلى موميًا فإن استقبل بها القبلة لا إعادة وإن مال إلى غير القبلة تلزم الإعادة. وهذا لأن غير الخائف قد يسقط فرضه بالإيماء. وهو المريض فجاز أن يسقط ههنا وغير الخائف لا تصح صلاته مع ترك القبلة، فلم يصح ههنا.
مسألة: قال: "وطويل السفر وقصيره سواء".
وقال في «البويطي»: وقد قيل: لا ينتقل أحد على ظهر دابة في سفر إلا سفرًا يقصر في مثله الصلاة. وقال أصحابنا: هذا قول مالك، وإنما أراد به، وليس بقول الشافعي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا قول آخر، وهو الصحيح، وهذا ليس بمشهور، وهو غلط، لأنه سفر مباح، فأشبه السفر الطويل.
فرع
التنفل في الحضر ماشيًا لا يجوز ولا يجوز ترك الاستقبال فيها ولا الإيماء بالركوع والسجود فيها. وقال الإصطخري: يجوز لأنه جوز في السفر لتتصل النوافل، وهذا موجود في الحضر. وقيل: إذا جوزنا هذا للماشي يجوز للراكب أيضًا، وهذا غلط، لأنه لم يرو عن النبي ﷺ ذلك في الحضر، ولو فعل لنقل، ولأن المشقة الغالبة والضرورة الداعية توجد في السفر دون الحضر. ثم إن الشافعي ﵀، قال في أثناء هذا الكلام، وفي هذا دلالة على أن الوتر ليس بفرض، وليس هذا مقصود هذا الباب. واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ أوتر على الراحلة».
قال والدي الإمام ﵀: هذا الاستدلال منصف. وذلك أن الوتر كان [٤٧ ب/ ٢] واجبًا على رسول الله ﷺ لقوله ﷺ: «كتب علي الوتر، ولم يكتب عليكم»، وفعله على راحلته لم يدل على نفي وجوبه عنه فلأن لا يدل على نفي وجوبه عن غيره أولى، وهذا حسن. واحتج أيضًا بخبر الأعرابي وتمامه ما روى أبو داود بإسناده عن
[ ١ / ٤٥٦ ]
طلحة بن عبيد الله ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال رسول الله ﷺ: «أفلح وأبيه إن صدق دخل الجنة وأبيه إن صدق».
وفي هذا الخبر خمسة أدلة:
أحدها: أنه قال: خمس صلوات، ولم يقل: ست صلوات.
والثاني: لما قال: هل علي غيرهن؟ قال: لا.
والثالث: قال: إلا أن تطوع فسمى الزيادة تطوعًا.
والرابع: قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فأقره عليه.
والخامس: قال: أفلح ومدحه.
وروي أنه ﷺ قال: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا»، يعني إن فعل ذلك فهو من أهل الجنة. قال: قال الإمام أبو سليمان ﵀ قوله: «أفلح وأبيه» كلمة جارية على لسان العرب يريدون بها التوكيد وقد نهى رسول الله ﷺ: «أن يحلف الرجل بأبيه» فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي، ويحتمل أنه جرى هذا منه على عادة الكلام الجاري على الألسن ولم يقصد به القسم كلغو اليمين المعفو عنه. وقيل: يحتمل الإضمار وتقديره: أفلح ورب أبيه.
مسألة: قال: "ولا يصلي في غير هاتين الحالتين إلا إلى البيت إن كان معاينًا".
الفصل
وهذا كما قال المعاين للبيت يجب عليه استقباله، ولا يجوز له الصلاة إلى جهته بلا خلاف [٤٨ أ/ ٢]، وأما الغائب عن البيت. قال في «الأم»: يجب عليه إصابة العين وظاهر ما نقل عن المزني أنه يجب عليه طلب جهة القبلة، فمن أصحابنا من قال: هذا قوله، ولا يعرف للشافعي، وهو اختيار أبي حامد.
[ ١ / ٤٥٧ ]
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان. ووجه القول الأول ما ذكرنا من الآية والخبر. ووجه القول الثاني، وهو قول أبي حنيفة: أن إدراك العين مع البعد يتعذر. ولهذا تجوز صلاة أهل الصف الطويل على مدى خط مستوي، ولا يجوز أن يتوجه منهم إلى الكعبة إلا بقدر الكعبة، ولكن لن يجاب عن هذا بأن أهل الصف الواحد لا يمكن لأحد منهم أن يقطع بأنه يحاذي الكعبة. وإنما ذلك طريقة الظن فإذا لم يتعين منهم المخطئ لعين الكعبة لم نوجب على أحد منهم القضاء بخلاف هذا.
وقال مالك: من كان في المسجد الحرام ففرضه عين الكعبة ومن كان خارج المسجد في الحرم ففرضه المسجد، ومن كان خارج الحرم من أهل الآفاق ففرضه الحرم، وهذا غلط لما ذكرنا.
مسألة: قال: "فإن اختلف اجتهاد رجلين: لم يسع أحدهما اتباع صاحبه".
وهذا كما قال: إذا كان رجلان في موضع لا يرى البيت منه فاجتهدا في القبلة فأدى اجتهاد أحدهما إلى جهة واجتهاد الآخر إلى جهة، فعلى كل واحد منهما أن يعمل على اجتهاد نفسه، ولا يجوز لأحدهما أن يقلد صاحبه، وإن كان أعلم منه في الاجتهاد، لأنهما اشتركا في الأدلة الموصلة إلى العلم بالقبلة، فلا يجوز لأحدهما تقليد صاحبه كالعالمين في أحكام الشرع لا يقلد أحدهما صاحبه ولا يسع أحد منهما أن يأتم بالآخر، لأن كل واحد منهما يعتقد أن صاحبه متوجه إلى غير القبلة وأنه غير مصيب فيها، فإن ائتم أحدهما بصاحبه كانت صلاة الإمام صحيحة وصلاة المأموم باطلة.
وقال أبو ثور: يجوز أن يأتّم أحدهما بصاحبه ويصلي كل واحد منهما إلى جهة كما يجوز أن يصلي [٤٨ ب/ ٢] الناس جماعة حول الكعبة، ويكون إمامهم إلى جهة، والمأموم إلى جهة أخرى، وهذا غلط، لأن كل واحد منهما يعتقد أنه في غير صلاة بخلاف ما قاس عليه، فإن كل واحد مصيب هناك، وإن كان الاجتهاد في جهةٍ واحدة، فقال أحدهما: عن اليمين. وقال الآخر عن الشمال صلى كل واحد منهما على اجتهاد نفسه، فإن أراد الجماعة ليكون أحدهما إمام الآخر.
قال ابن سريج: يجوز. قال أصحابنا: هذا إذا قلنا: الواجب طلب الجهة، فأما إذا قلنا: الواجب إصابة العين، وهو المذهب، لا يجوز كالاختلاف في الجهتين.
[ ١ / ٤٥٨ ]
فرع آخر
لو اجتهد قوم فاتفق اجتهادهم إلى جهة فاقتدوا بواحد منهم فلما شرعوا في الصلاة تغير اجتهاد بعضهم إلى جهة أخرى انحرفوا في صلاتهم، فإن كانوا مأمومين خرجوا عن الاقتداء وأتموا لأنفسهم، وإن تغير اجتهاد الإمام، فمن وافقه انحرف معه ومن كان على اجتهاده الأول خرج من صلاته وصلى وحده نصّ عليه الشافعي.
مسألة: قال: "فإن كان الغيم وخفيت الدلائل على رجل فهو كالأعمى". وهذا كما قال: جملته أن الناس ضربان: بصراء وعميان.
فالبصير على ثلاثة أضرب: ضرب يعرف دلائل القبلة وضرب لا يعرفها، وإذا عرف عرف.
وضرب لا يعرفها، وإذا عرف لم يعرف، فإن كان عارفًا ففرضه الاجتهاد على ما ذكرنا ولا فرق فيه بين العالم والعامي. وأما من لا يعرفها، وإذا عرف يعرف نظر، فإن كان الوقت واسعًا للتعلم والاجتهاد بنفسه، فالحكم فيه كالعالم إذا كان هناك من يعلمه وإن ضاق الوقت ولا يسع للتعليم والاجتهاد فالحكم فيه، وفي العالم إذا خفيت عليه الدلائل بأن حصل في ظلمة أو حبس في موضع يمنع الدلائل أو لم يكن في ظلمة ولا حبس، [٤٩ أ/ ٢] ولكن ضاق الوقت عن الاجتهاد، هل له أن يقلد غيره؟.
قال الشافعي: «ههنا فهو كالأعمى» وظاهره أنه يقلد ويقضي. وقال: ولا يسع بصير خفيت عليه الدلائل بل اتباع غيره بحالٍ. وظاهره أنه لا يقلد. واختلف أصحابنا على ثلاثة طرقٍ. وقال أبو إسحق: لا يجوز له تقليد غيره بحالٍ، لأن معه آلة الاجتهاد، وهي البصر. وقول الشافعي: هو كالأعمى، أي: في إعادة الصلاة، لأن الأعمى إذا لم يجد بصيرًا يقلده في جهة القبلة صلى على حسب الإمكان، ثم يعيد الصلاة إذا وجد من يقلده. كذلك هنا يصلي على حسب حاله ويعيد إذ بان له الصواب. وهذا ظاهر المذهب.
وقال ابن سريج: لا يختلف المذهب أن له التقليد إذا ضاق وقت الصلاة، لأنه قال: فهو الأعمى. والأعمى يقلد فلذلك. قال: ومن قال: لا يقلد أراد مع اتساع
[ ١ / ٤٥٩ ]
الوقت، وكان ابن سريج يقلد الملاحين في القبلة في طريق الأهواز.
وقال بعض أصحابنا: المسألة على قولين:
أحدهما: وهو اختيار المزني ومذهبه جواز التقليد. واحتج بأنه لا فرق بين جهل القبلة لعدم العلم وبين من جهلها لعدم البصر كما لا فرق بين من لا يحسن الحروف لعدم البصر وبين من لا يحسبها للجهل بها، أي: كونه أميًا لا يحسن الكتابة، ومن اختار القول الآخر أجاب عن هذا بأنه قادر على التعلم، فلا يضطر إلى التقليد (اضطرار) الأعمى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا بناء على أنه هل يجب تعلم دلائل القبلة على الأعيان؟ وفيه وجهان:
أحدهما، له الإعراض عن تعلمها وتقليد من علمها والثاني يلزمه، تعلمها. وفي هذا نظر. وأما من لا يعرفها وإذا عرف لم يعرف ففرضه التقليد، كالأعمى، والأعمى لا يجوز له أن يصلي إلى القبلة برأي نفسه بل فرضه التقليد، لأنه ليس معه آلة الاجتهاد.
فرع
لو كان إذا عرف يعرف [٤٩ ب/ ٢] فأخر التعليم مع القدرة حتى ضاق الوقت عن التعليم قلد غيره وصلى، وهل تلزمه الإعادة؟ يحتمل وجهين بناء على أن معه ماء فأراقه وصلى بالتيمم.
فرع آخر
إذا لم يجز له التقليد فله أن يقبل ما يتوصل به إلى الاجتهاد مثل أن يقول له آخر:
قد انكشف السحاب فرأيت الشمس في موضع كذا، فيقبل، لأنه يخبر عن يقين. وكذلك لو خرج من مكة ولم يدر من أي أبوابها خرج، فأخبره رجل أنك عن يمين مكة أو يسارها يقبل منه ويجتهد بنفسه، وهو كالحاكم يقبل رواية الحديث، ثم يجتهد بنفسه، ولا يكون مقلدًا في الحكم ولو قال: إذا كانت الشمس ههنا، فالقبلة كذا لا يقبل لأنه اجتهاد.
فرع آخر
لو أخبره مخبر عن القبلة عن يقين بإن قال: أدركت آبائي المسلمين يصلون إليها غير أنهم لم ينصبوا محرابًا قبل ذلك لا يجوز له الاجتهاد، ولأن الخبر عن قبلة المسلمين
[ ١ / ٤٦٠ ]
بمنزلة الخبر عما أجمعوا عليه، أو عما تواتر الخبر.
فرع آخر
لو دخل بلدًا من بلاد المسلمين فرأى محاريبهم لزمه أن يتوجه إليها على ما ذكرنا، ولا يجوز له أن يجتهد في طلب القبلة، ولو دخل بلدة خربت وانتقل أهلها فرأى فيها محاريب منصوبة يلزمه أن يجتهد فيها في طلب القبلة، لأنه يجوز أن تكون تلك المحاريب لأهل الذمة دون المسلمين ولو عرف أنها محاريب المسلمين لا يجوز له الاجتهاد.
قال القفال ﵀: ويجوز في البلاد التي بنيت فيها المحاريب أن يجتهد في التيامن والتياسر، لأن الخطأ في ذلك القدر يحتمل ولا يوقف عليه قطعًا ويقينًا. وقال بعض مشايخنا في قبلة مدينة آمل طبرستان بعضها مبني على الغرب وبعضها مبني على الزوال فلا يصلى إليها إلا بعد الاجتهاد في طلب الأصح منها. والسلف من علمائنا كانوا يميلون عن قبلة الزوال [٥٠ أ/ ٢] قليلًا إلى اليمين وعن قبلة الغرب قليلًا إلى اليسار.
فرع آخر
لو أن أعمى شاهد القبلة قبل العمى في المسجد فدخل المسجد ولمسها، يجوز أن يصلي إليها ولو كان للأعمى مسجدًا يصلي فيه على الدوام، فدخل فيه وجسّ محرابه بيديه لم يجز أن يصلي إليه حتى يقلد بصيرًا يقلده الصواب بخلاف ما لو كان شاهده.
فرع آخر
لو صلى باجتهاد نفسه ثم قيل له: إنك صليت إلى القبلة، القبلة لا يجوز لأنه كان شاكًا في حال الصلاة. وقال داود ﵀: له أن يصلي إلى حيث شاء ويسقط عنه فرض القبلة، وهكذا قال في البصير الذي إذا عرف لم ينحرف. واحتج بقوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة:١١٥] وهذا غلط لقوله تعالى: "وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره" [البقرة: ١٤٤]، والآية التي ذكرها وردت في التطوع.
فرع آخر
لو اجتهد في القبلة فأدى اجتهاده إلى جهةٍ فصلى إلى غيرها لم تجز صلاته، وإن بان أن التي صلى إليها القبلة، وبه قال أبو حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف رحمه
[ ١ / ٤٦١ ]
الله: تجوز صلاته، لأن المبتغى هو القبلة، وصلى إليها كما لو شك إنائين فتوضأ بأحدهما من غير اجتهاد ثم بان أنه الطاهر، وهذا غلط، لأنه ترك فرضًا عليه، وهو التوجه إلى ما أدى اجتهاده إليه كما لو ترك النية.
وأما الأواني إن بان له ذلك بعدما دخل في الصلاة لم تجز صلاته وإن كان قبل الدخول في الصلاة يجوز. والفرق أن الطهارة تمنع قبل وجوبها فإذا عملها قبل وجوبها أجزأته ولم يضره الشك قبل ذلك.
فرع آخر
قال الشافعي ﵁: «كل من دل الأعمى على القبلة من رجل أو امرأة أو عبد من المسلمين وكان بصيرًا وسعه قبوله إذا صدقه» قال: وتصديقه أن لا يرى أنه يكذب.
قال: "ولا تتبع دلالة مشرك بحالٍ" وهذا لأنه متهم في خبر الدين، وأيضًا إذا لم يقبل قول الفاسق فيه، فالكافر أولى لأنه أسوأ حالًا منه، [٥٠ ب/ ٢] وقد قال ﷺ: «ما حدثكم به أهل الكتاب، فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم».
وذكر أصحابنا أن قول الكافر لا يقبل إلا في الإذن في دخول الدار وقبول الهدية وكذا الفاسق في ظاهر المذهب، وهذا لأنهما أحسن حالًا في القول من الصبي، ويقبل من الصبي ذلك. وقيل: المذهب أنه لا يجوز قبوله من الفاسق لأنه لا يتهم في مثل هذا الأمر.
فرع آخر
حكى الخضري نصًا عن الشافعي أنه لا يجوز قبول دلالة الصبي، وحكى أبو زيد المروزي نصًا عن الشافعي أنه يجوز قبول قوله، فأخبر الخضري مما حكاه الشيخ أبو زيد، فقال: لا يتهم ذلك الشيخ في الرواية، ولكن وجه الجمع أنه أخبره عن محراب مشاهد قبل إذا كان يعقل عقل مثله، وإن اجتهد به لا يقبل.
ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه وجهان، أو قولان، وهكذا في قبول خبر النبي ﷺ منه وهذا كله خطأ عند أهل العراق من أصحابنا.
[ ١ / ٤٦٢ ]
فرع آخر
لو صلى بقول بصير ثم أخبره أنه أخطأ، فالبصير آلته، فإن أخبره بالخطأ عن اجتهاد فلا إعادة عليه قولًا واحدًا، وإن أخبره عن معاينة، هل تلزمه الإعادة؟ قولان.
فرع آخر
لو كان هناك جماعة فدلوه على القبلة، فإن اتفقوا على جهةٍ واحدة عمل عليها، وإن اختلفوا عليها قلد الأعلم والأدين والأور وأيهم قلده أجزأه.
فرع آخر
لو دخل البصير في الصلاة باجتهاده، ثم عمي كان له أن يصلي إلى الجهة التي كان يصلي إليها ولا يلزمه الرجوع إلى التقليد لأن اجتهاده أقوى من اجتهاد غيره، فإن استدار في تلك الصلاة بطلت صلاته، لأنه لا يحسن الرجوع إلى الجهة التي كان عليها ولزمه أن يستأنف الصلاة بالتقليد، وكذلك لو فرغ من تلك الصلاة لا يستأنف غيرها بذلك الاجتهاد الأول.
فرع آخر
لو دخل في الصلاة بالتقليد ثم أبصر في الصلاة نظر، فإن بان له [٥١ أ/ ٢] أنه على صواب حين عاد بصره بنى عليها، فإن بان له الخطأ، أو لم يعلم هل هو خطأ أم صواب؟ بطلت صلاته، لأنه لا يسوغ له بالتقليد وهو من أهل الاجتهاد.
فرع آخر
لو دخل بقول واحد في الصلاة، فقال له بصير آخر: قد أخطأ بك، نطر، فإن كذب الثاني مضى في صلاته وإن كان الثاني صادقًا نظر، فإن كان عنده كالأول في الصدق مضى في صلاته، وإن كان الثاني أصدق منه عنده صار إلى قوله وانحرف عن تلك الجهة، وهل يستأنف أم يبني نظر، فإن أخبره عن اجتهاد بنى قولًا واحدًا وفيه وجه آخر يستأنف، وهو ضعيف، وإن أخبره عن يقين. قال أبو إسحق ﵀: عدل عن قوله بكل حال، وهل يبني أم يستأنف؟ قولان. بناء على ما لو صلى باجتهاد ثم تعين له نفس الخطأ هل يلزمه إعادتها؟ قولان، وهذه المسألة نقلها المزني بعد مسألة أخرى ولكنا ذكرنا ههنا، لأن هذا موضعها.
[ ١ / ٤٦٣ ]
فرع آخر
لو اجتهد البصير فصلى إلى جهة ثم حضرت صلاة أخرى ولم يتغير اجتهاده، هل عليه تجديد الاجتهاد؟ نصّ الشافعي ﵀ في «الأم»: أنه يلزمه ذلك كما في الحكم والفتوى يلزمه إعادة الاجتهاد في الحادثة الثانية وذكر أبو حامد ﵀ فيه وجهين:
أحدهما: لا يلزمه، لأن اجتهاده قائم لم يتغير، وهذا خلاف النص.
فرع آخر
لو دخل البصير في الصلاة باجتهاده ثم شك هل أخطأ أم لا؟ يجوز له أن ينصرف عن الجهة التي اجتهاده إليها بلا شك.
فرع آخر
لو صلى الأعمى بالاجتهاد من البصير أم أخبره بالخطأ غير المجتهد له عن يقين، فإن كان خبرًا متواترًا، هل يلزمه الإعادة؟ قولان، وإن كان خبر واحد وقع في نفسه صدقه. قال أبو إسحق: لا إعادة، لأنه لا يتيقن الخطأ بخبره كما يتيقنه البصير بمشاهدته. وقال غيره من أصحابنا بل تكون الإعادة على قولين [٥١ ب/ ٢] ذكره في «الحاوي».
مسألة: قال: "ومن اجتهد فصلى إلى الشرق، ثم رأى القبلة إلى الغرب استأنف".
الفصل
وهذا كما قال: اللفظ يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه أراد بقوله: فصلى، أي: شرع في الصلاة، ثم رأى القبلة يقينًا إلى الغرب استأنف وهو ظاهر تعليله فإنه قال: لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى تعين صواب جهتها.
والثاني: أن يكون المراد بقوله: فصلى، أي: فرغ من الصلاة، ثم رأى، أي:
[ ١ / ٤٦٤ ]
علم يقينًا القبلة إلى الغرب استأنف، أي: أعاد هذه الصلاة، ومعنى أن الاجتهاد ينقض بوجود النص، ويرجع منه إليه، وجملة الكلام فيه أنه إذا اجتهد في القبلة فأخطأ، لا يخلو إما أن يكون قبل الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها أو بعد الفراغ منها، فإن كان قبل الدخول عدل عن الاجتهاد الأول إلى الثاني سواء بان له الخطأ اجتهادًا أو يقينًا أو تيامنًا أو تياسرًا، وإن كان بعد الدخول في الصلاة لا يخلو إما أن يتبين له الخطأ بالاجتهاد أو باليقين، فإن كان بالاجتهاد نظر، فإن كانت الجهة واحدة وغلب على ظنه الآن أنه منحرف عن سمت القبلة إما تيامنًا أو تياسرًا انحرف إليها ويعتد بما مضى قولًا واحدًا؛ لأن ذلك لا يقع عن يقين وإنما يقع عن ظن لأن الجهة الواحدة لا تتبين منها الكعبة يقينًا.
ومن أصحابنا من قال: تبطل صلاته ويلزمه أن يستأنفها بالاجتهاد الثاني، لأن الصلاة الواحدة لا يجوز أداءها باجتهادين مختلفين كالحكم الواحد لا تجوز باجتهادين مختلفين، وهذا غلط بخلاف النص وذلك أنه لا يجوز إبطال ما فعله بالاجتهاد باجتهاد آخر، ولا يمنع ما ذكر هذا القائل، لأن المستأنف يصلي إلى جهة، فإذا زال الخوف أتمها إلى القبلة ويخالف الحكم، لأنه لا يمكن فيه، ولأن كل ركن من أركان الصلاة بمنزلة الحكم [٥٢ أ/ ٢] المنفرد، لأن الحكم لا يمكن فصل بعضه عن بعض، لأنه شيء واحد، والصلاة إذا أتى بعضها مع الأركان فقد أتى بما يسمى صلاة فلا يجوز إبطالها بهذا لئلا يؤدي إلى ما ذكرنا، فوزان الحكم من الصلاة أن يقول: الله ولم يتم التكبير حتى تغير اجتهاده يلزمه ترك الاجتهاد الأول، والابتداء بالتكبير ثانيًا، وإن كانت جهتان مختلفتان مثل أن يصلي إلى الغرب ثم بان أنها إلى الشرق (بالاجتهاد)، وعدل عن الأول، وهل يبني أم يستأنف المذهب أنه القبلة الثانية التي ذكرناها.
ومن أصحابنا من قال: يستأنفها لأنه لو بنى تيقن أنه ترك القبلة في بعض هذه الحالة، وقال أبو حامد: فيه وجهان، وهو غلط، وقيل: ههنا تفصيل فإن كان حين بان له الخطأ بان له جهة القبلة تحول إليها، وإن احتاج إلى اجتهاد بطلت صلاته لأن استدار الصلاة إلى غير قبلة، وإن بان يقينًا نظر فإن كانت الجهة واحدة بالتيامن والتياسر انحرف ما لم يتفاحش انحرفه حتى يقارب الجهتين وتحريه، لأنه لا يعرف ذلك إلا اجتهادًا حتى لو كان بمكة لا يجوز الانحراف في الصلاة، وإن كانت الجهة أبين فيه قولان:
أحدهما: يبني.
[ ١ / ٤٦٥ ]
والثاني: استئنافها.
وقال القفال: هذا مبني على الحكم بعد الفراغ من الصلاة، فإن قلنا: هناك يعيد الصلاة، فههنا أولى أن يستأنف، وإن قلنا: هناك لا يعيد فههنا وجهان. والفرق أن الصلاة بعد الفراغ منها كالقضية المبرومة، وقبل الفراغ منها كالقضية غير المبرومة.
ومن أصحابنا من قال: الجهة إن كانت واحدة فقد يعلم الخطأ يقينًا أنه في بعض جهة الكعبة دون بعض فيلزمه العود إليه، ثم إن قلنا فرضه استقبال الجهة دون العين بنى، وإن قلنا: فرضه إصابة العين، هل يبني أم يستأنف؟ قولان. وإن كان معه أعمى يصلي باجتهادٍ فكلما يجب عليه من الانحراف أو الاستئناف [٥٢ ب/ ٢] يجب على الأعمى، فيعرفه ذلك، لأنه تابعه، وهو دليله، وإن كان بعد الفراغ من الصلاة لا يخلو إما أن يتبين الخطأ اجتهادًا أو يقينًا، فإن بان اجتهادًا لا يلزمه إعادة الصلاة، ويصلي ثانيًا إلى الجهة التي أدى اجتهاده إليها ثانيًا، وصورته أن يغلب على ظنه أن القبلة في هذه الجهة الأخرى إلا أن يستوي الجوازان، وكذلك ثالثًا ورابعًا حتى لو صلى إلى الجهات الأربع على هذا أجزأه لأنه لا يجوز نقض الاجتهاد باجتهاد مثله كما في الحكم.
وقال أبو إسحق الإسفرايني في هذه المسألة يلزمه إعادة كلها كما لو نسي صلاة من خمس صلوات، وإن بان ذلك يقينًا، فهل يلزمه إعادة الصلاة؟ قولان:
أحدهما: يلزمه. نصّ عليه في كتاب استقبال القبلة في «الجديد».
والثاني: لا يلزمه. نص عليه في «القديم» في كتاب الصيام والطهارة من «الأم».
وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ﵏، وهو اختيار المزني ﵀.
وجه القول الأول أنه الخطأ فيما يأمن قوله في القضاء، فيلزمه الإعادة كالحكم إذا تيقن الخطأ والمصلي بمكة. ووجه القول الثاني ما روي عن عامر بن ربيعة، قال: كنا مع النبي ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا يصلي وبين يديه أحجار فلما أصبحنا إذا نحن إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة:١١]. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه كان في صلاة التطوع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ومثل هذه المسألة: إذا صلى ثم بان أنه كان
[ ١ / ٤٦٦ ]
على بدنه أو ثوبه نجاسة لم يعلمها أو نسي الفاتحة، هل يلزمه الإعادة؟ قولان. وكذلك المحبوس في المطمورة، ولو اجتهد في صوم رمضان، ثم بان أنه صام شعبان، فيه قولان، وكذلك لو دفع الزكاة بالغلط إلى غني، هل تحسب؟ قولان، وأصلهما في المجتهد، [٥٣ أ/ ٢] هل يقال: كل مجتهد مصيب أم الحق في واحد من القولين؟.
واختلف أصحابنا في محل القولين، فمنهم من قال: هذا إذا أبان له الخطأ، وبان له يقين الصواب، فأما إذا بان له الخطأ دون تيقن الصواب فلا قضاء عليه، هذا مفهوم نصه، وفيه وجه مخرج عليه القضاء. ذكره الإمام الجويني ﵀، ومنهم من قال: القولان إذا بان له يقين الخطأ دون يقين الصواب، فأما إذا بان له اليقينان، فقول واحد يلزمه القضاء، ومنهم من قال: في الكل قولان، وبه قال أهل العراق من أصحابنا. وقال القفال: معنى القولين أنه كلف الاجتهاد لا غير أم كلف التوجه إلى القبلة؟ وفيه قولان، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى كلام المزني ﵀. اختار المزني أن لا يلزمه الإعادة، وأورد فصولًا مختلطة، فحكى أولًا عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قطع بهذا القول في موضعين:
أحدهما: في كتاب الصيام.
والثاني: في كتاب الطهارة. وأما ما حكي عن كتاب الصيام قال: قال الشافعي ﵀ فيمن اجتهد ثم علم أنه أخطأ يجزه، واحتج به لو تآخى القبلة ثم علم بعد كمال الصلاة أنه أخطأ أجزأت عنه كما يجزيء ذلك في خطأ عرفة، وأراد به أن الأسير إذا أشكل عليه دخول شهر رمضان واجتهد وصام شهرًا، ثم علم أنه أخطأ وصام شهرًا بعده يجوز، واحتج على جواز صومه هذا وإن أخطأ في وقته بجواز صلاته إذا علم أنه أخطأ في القبلة، واحتج على جواز صلاته وإن أخطأ فيها جهة القبلة، يجوز وقوله بعرفة إذا علم أنه أخطأ يوم عرفة، فكان المزني يقول: هذا النص من الشافعي يقطع بجواز صلاة من أخطأ فيها جهة القبلة كما هو في خطأ عرفة.
وأما ما حكي عن كتاب الطهارة، وهو قوله: (واحتج أيضًا في كتاب الطهارة بهذا المعنى، فقال: إذا تأخى في أحد الإناءين أنه طاهر والآخر نجس وصلى)، أي: فصلى بوضوءه بما تأخى أنه طاهر، ثم أراد أن يتوضأ [٥٣ ب/ ٢] ثانية. الأغلب عنده أن
[ ١ / ٤٦٧ ]
الذي ترك هو الطاهر لم يتوضأ بواحد منهما، ويتمم ويعيد كل صلاة صلاها بتيمم، لأن معه ماء مستيقنًا.
وفي بعض النسخ: لأن معه ماء مستيقنًا، أي: متيقن الطهارة، ثّم فرق بين هذا وبين الخطأ في القبلة، وهو مقصود المزني من حكاية هذا النص، فقال: وليس كالقبلة يتأخاها في موضع، ثم رآها في غيره، أي: ليس عليه إعادة ما أخطأ فيها، وعلل فقال: لأنه ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم، فلا يلزمه الإعادة لهذه العلة، ثم اختلف أصحابنا في المراد بهذه العلة، فقال: المراد به ما من ناحية من النواحي إلا وهي قبلة لقوم في بعض الأحوال لبعض الأعذار، وهو في السفر والخوف، فكذلك هذا المخطئ معذور، فلا يلزمه الإعادة، وقيل: أراد إلا وهي قبلة لقوم من أهل الآفاق. وذلك أن أهل الشرق يستقبلون الغرب، وأهل الغرب يستقبلون الشرق وأهل يمين القبلة يستقبلون يسارها. وأهل يسارها يستقبلون يمينها، فلم يخرج هذا المخطئ في اجتهاده عن قبلة قوم في الجملة، وهذا معنى قول عمر ﵀ «ما بين المشرق والمغرب قبلة».
ثم علل المزني ﵀ هذا للقولين، فقال: لأنه أدى ما كلف، أي: إنما كلف أداء الصلاة حيث أدى اجتهاده إليها وقد أداها كما كلف. قال: ولم يجعل عليه إصابة العين، أي: لم يجعل الشافعي على هذا المجتهد إصابة عين القبلة للعجز عنها في حال الصلاة، فلا يلزمه ما عجز عنها.
والجواب عن هذا هو أن نقول في أول الفصل: إن كان احتجاجك بأن الشافعي ﵀ لم يوجب الإعادة في مسألة القبلة، فإنما أجاب بأحد القولين، فلا يكون فيه دليل على بطلان القول الآخر، وإن كنت تقيس على الخطأ في الصوم في عرفة، فالفرق ظاهر، وهو أنه قد يفطر الرجل بعذر ويقضي بعذر ما في رمضان [٥٤ أ/ ٢] فصوم رمضان يجوز في شوال مع العلم الأمن إلى غير القبلة مع العلم. وأيضًا لو أوجبنا الإعادة هناك لأعاده بعد رمضان أيضًا، فلا فائدة فيه. وههنا يعيد مستقبل القبلة.
وأما خطأ عرفة، قلنا: ذاك غلط لخلق عظيم، وفي إعادته مشقة عظيمة بخلاف هذا، وأيضًا ذلك الخطأ في الوقت، وأجمعنا على أن الخطأ في الوقت لا يعذر منها
[ ١ / ٤٦٨ ]
بل هذا غلط في المكان، ولو غلط في المكان بعرفة لم يجز، وأيضًا لا نأمن ذلك في القضاء إذ كل عام يتوهم مثله، وههنا لا يأمن الخطأ في القضاء.
وأما الثاني فكما أجاب بأحد القولين، فلا حجة فيه، واحتج بفصل آخر، فقال: وهذا القياس على ما عجز عنه المصلي في الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود وستر إن فرض الله كله ساقط عنه دون ما قدر عليه من الإيماء عريانًا، فإذا قدر من بعد لم يعد، فكذلك إذا عجز عن التوجه إلى عين القبلة كان عنه أسقط. وقوله دون ما قدم عليه من الإيماء عريان. يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون المراد به أن العريان إذا لم يجد السترة لعورته صلى قاعدًا بالإيماء، ولا يرفع مقعدته عن الأرض في السجود، لأن ذلك أستر له، وهو قادر على صلاته بالإيماء الذي هو أستر لعورته، فلا يسقط عنه ذلك، وهو أحد قولي الشافعي، وفيه قول آخر: يصلي كما يصلي المكتسي وكأن الأول اختيار المزني، ويحتمل أن يكون المراد به الاستثناء للتخصيص بالإعادة دون من عجز عن الركوع والسجود فيكون على هذا في النظم تقديم وتأخير فكأنه يقول: فرض الله كله ساقط عنه، فإذا قدر من بعد لم يعد ما قدر عليه من الإيماء عريانًا، فإنه يعيد عند وجود الثوب، وهذا لأنه ترك القيام مع القدرة عليه، وإنما يسقط عند الفرض بالعجز عنه في حال الصلاة، وعلى المعنى الأول لا يلزمه الإعادة.
والجواب عن هذا أن ذاك عجز، وهذا خطأ [٥٤ ب/ ٢] في الاجتهاد والأصول مفرقة بينهما، ألا ترى أن صلاة المستحاضة جائزة، ثم لو تحرى فصلى بالوضوء بماء نجس، ثم علم يلزمه الإعادة، فلذلك تقديم الصلاة على الوقت بعد الجمع يجوز، والخطأ فيه ليس بعذر. واحتج بفصل آخر، وهو قصة أهل قباء، فقال: وقد حولت القبلة وقد صلى أهل قباء ركعة إلى غير قبلة، ثم أتاهم آت، فأخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا بعد تيقنهم أنهم صلوا إلى غير قبلة.
ووجه الاستدلال منه ما أشار إليه وهو قوله: ولو كان صواب عين القبلة المحول إليها فرضًا لما أجزأهم خلافه للجهل كما لا يجوز بغير ماء طاهر للجهل، ثم علم لا يجوز.
والجواب، أن أهل قباء لم يكونوا على خطأ بل كان شرعهم ذلك الأول ما لم
[ ١ / ٤٦٩ ]
يبلغهم النسخ كما أن الذين لم تبلغهم الدعوة إذا كانوا متمسكين بدين عيسى ﵇ مثلًا حكمهم حكم المسلمين، وهم معذورون وعفي عنهم قبل بلوغهم الدعوة. كذلك ههنا، ومن أصحابنا من قال: يتوجه حكم النسخ على الجميع وإن لم يعلم بعضهم، فعلى هذا الفرق بين أهل قباء وغيرهم أنهم صلوا بالنص على اليقين الأول، فلا تلزم الإعادة لأنهم لو أرادوا الاجتهاد قبل علمهم (بالنسخ) لم يكن لهم بخلاف الخاطئ في القبلة، لأنه دخلها باجتهاد لا بنصٍ وعن ظنٍ لا بيقين.
ثم إن المزني ﵀ بعدما فرغ من الاحتجاج قاس على هذا الأصل كان من أمر بالصلاة في حال العجز على لا تلزمه الإعادة إذا قدر، فقال: ودخل في قياس هذا الباب أن من عجز عما عليه من نقص الصلاة يريد القيام والركوع والسجود أو ما أمر به فيها يريد القراءة: والتشهد والصلاة على الرسول ﷺ أولها يريد الطهارة واستقبال القبلة، والسر أن ذلك ساقط لا يعيد إذا قدر. ثم قال: وهو أولى بأحد قوله من قوله فيمن صلى في ظلمةٍ أو خفيت عليه الدلائل، [٥٥ أ/٢] أو به دم لا يجد ماء يغسله إلى آخر الفصل وقد مضى بيان ذلك في كتاب الطهارة.
والجواب عنه، وقول المزني ففهم أراد به الشافعي، وإذا قال: فافهموه يريد أصحاب الشافعي.
فرع
قال أصحابنا: يكره أن يصلي وبين يديه رجل يستقبله وجهه، لما روي أن عمر ﵁ «رأى رجلًا يصلي ورجل جالسٌ بين يديه يستقبله فضربهما بالدرة».
مسألة: قال: "ولو دخل غلام في صلاة فلم يكملها، أو صوم يوم فلم يكمله حتى استكمل خمس عشرة سنة أحببت أن يتم ولا يعيد ولا يتبين أن عليه إعادة".
الفصل إلى آخر الباب
وهذا كما قال: هذه المسألة ليست من مسائل استقبال القبلة. وجملته أنه إذا دخل الصبي في صلاة الوقت فلم يكملها حتى استكمل خمس عشرة سنة، فاختلف أصحابنا قال أبو إسحق وغيره: يجب عليه أن يتمها، ويستحب له أن يعيدها، ولا يجب،
[ ١ / ٤٧٠ ]
وذلك وإن كان الوقت باقيًا، وهذا هو المذهب الصحيح. وقوله: أحببت أن يتم ويعيد اختصار من المزني. والشافعي ﵀ قال: أتم وأحببت أن يعيد ومعنى ما نقل يستحب الجمع بين الإتمام والإعادة، فأما الإتمام بانفراده واجب بكل حالٍ، وإنما استحببنا ذلك لشروعه فيها قبل الخطاب، ويتفرع على هذا الصبي إذا صلى في أول الوقت وفرغ منها، ثم بلغ في آخر الوقت لا يلزمه الإعادة. وهذا ينافي الحقيقة على أصله أنه ليس للصبي صلاة شرعية، وعندنا له صلاة شرعية ويجوز أن يصلى خلفه الفرض والنفل.
وقال مالك ﵀ مثل قوله، وهو رواية عن أحمد ﵀، واحتجوا بأنها تقع نافلة، فلا تجزي عن الفرض. قلنا: الصبي كان مأمورًا بأداء الصلوات المشروعة في وقتها، ويطالب بأن ولو صلى بغير نية صلاة الوقت لم يسقط الأمر له بذلك، وإذا كان مأمورًا بالصلاة بنية الوقت [٥٥ ب/ ٢] ينبغي أن يسقط عنه الفرض، وليس كسائر النوافل لأنها لا تؤدى بنية صلاة الوقت بخلاف هذه، ولأن من قدم العصر فصلاها في وقت الظهر جمعًا لا يمكن وصفها بالوجوب ويجزئه عن الفرض.
ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي ﵁ إذا فرغ من الصلاة ولم يبق من وقتها ما يفعلها فيه، فأما إذا بقي قدر ما يفعلها فيه تلزمه الإعادة. وقال الاصطخري والمزني: لا نعرف هذا القول للشافعي، ولو كان هذا على ما ذكره هذا القائل لوجبت أن يلزمه الإعادة، وان لم يبق من الوقت ما يفعل فيه هذه الصلاة، لأن الشافعي يوجب الصلاة على المعذور بإدراك ركعة أو تكبيرة على اختلاف القولين.
وحكي عن ابن سريج: يتمها استحبابًا ويعيدها واجبًا، وكذلك إذا صلى في أول الوقت، ثم بلغ في آخره يعيدها واجبًا. وذكر أبو حامد أنه رجع عنه إلى قول أبي إسحق في كتاب الانتصار. وهذا والذي قبله خلاف نصّ الشافعي، وقيل هل تلزمه الإعادة؟ قولان، لأن الشافعي قال: ولا يتبين أن عليه إعادة، وهذا تعليق القول. وقيل: القولان بناء على أنه إذا نوى الظهر ولم يقيد بالفرضية، هل يجوز؟ وجهان، وهذا غلط، لأن اللفظ يدل على أن وجوب الإعادة لم يبق عنده، ولا يدل على أن سقوط الإعادة لم يبق عنده، فمن المحال إحالة القولين على هذا اللفظ، وأما إذا بلغ الصبي في الصوم خرج ابن سريج ﵀ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يتمه واجبًا ويعيده استحبابًا، وهو اختيار أبي إسحق.
والثاني، يتمه استحبابًا ويعيده استحبابًا، لأنه لم يدرك وقتًا يمكنه إيقاع الصوم فيه،
[ ١ / ٤٧١ ]
فلم يلزمه، ولو أصبح مفطرًا، ثم بلغ في ذلك اليوم له أن يأكل بقية نهاره قولًا واحدًا، وهل يلزمه قضاء ذلك اليوم؟ وجهان:
أحدهما: يلزمه، وهو الأصح لأنه أدرك جزءًا من وقت الصوم [٥٦ أ/ ٢] كما لو أدرك جزءًا من وقت الصلاة.
والثاني: خرجه ابن سريج: لا يلزمه لأنه مدرك وقت الإمكان لأن بقية النهار لا يمكن إيقاع جميع الصوم فيها. وبنى الباقي عليه بخلاف الصلاة. واختار المزني ﵀ أنه يلزمه قضاء الصلاة دون قضاء الصوم. واحتج بأنه لا يمكنه صوم يوم هو في آخره غير صائم، ويمكنه صلاة هو في آخرها غير مصل، ألا ترى أن من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب يبتدئ العصر من أولها ولا يمكنه في آخر يوم أن يبتدئ صومه من أوله فيعيد الصلاة لإمكان القدرة، ولا يعيد الصوم لارتفاع إمكان القدرة، ولا تكليف مع العجز.
والمزني ألحق هذه المسألة بهذا الباب لهذه النكتة التي أشار إليها، وهي أنه لا تكليف مع العجز فتكون هذه المسألة نظرًا للمسائل التي كان تكلم فيها قبل ذلك ومعنى هذا الكلام أن الصوم يستغرق الوقت، فبإدراك بعض الوقت لا يحصل الإمكان بخلاف الصلاة، فمن أصحابنا من قال: في عبارته خلل كان ينبغي أن يقول لا يمكنه صوم يوم هو في أوله غير صائم، لأن الأول فات ههنا دون الآخر. وقيل: أراد المزني هذا، ووقع الغلط في الخط. وقيل: ما قاله صحيح أيضًا، لأن قصده ما ذكرنا أن الصوم يستغرق الوقت بخلاف الصلاة فسواء ما قال في أوله أو قال في آخره، فيصح ذلك.
والجواب عن هذا أن يقول: وإن كان يمكنه إعادة الصلاة إلا أنه لم يؤمر بها، لأنه أدى وظيفة الوقت قبل البلوغ وسقطت العقوبة عنه بالضرب بأدائها فهو كعبدٍ صلى يوم الجمعة الظهر ثم عتق وأدرك الجمعة لا يلزمه إعادتها، فكذلك هذا، وأيضًا الاعتبار بالإمكان لأنه قد يدرك تحريمه، أو ركعة من آخر الوقت، فتلزمه الصلاة، وإن لم يحصل الإمكان في الوقت فدلّ أن المعنى ليس ما ذكرتم بل المعنى أنه إذا أسرع في العبادة على الصحة يجوز [٥٦ ب/ ٢]، أن يتمها واجبًا، وفي أولها لم يكن الشروع واجبًا كما لو نذر صوم يوم بعد الشروع فيه يكون مقطوعًا في أوله ويجب الإتمام في آخره، كذلك ههنا.
[ ١ / ٤٧٢ ]
فرع
قال ابن الحداد: لو أن صبيًا صلى الظهر، ثم بلغ وأدرك الجمعة عليه حضور الجمعة وإن صلى العبد الظهر ثم عتق، أو المسافر ثم أقام لا يلزمهما حضور الجمعة. والفرق أنهما كانا من أهل الفرض، فأديا الفرض والصبي لم يؤد الفرض، فإذا أدرك الجمعة تلزمه.
قال أصحابنا: هذا التعليل أخذه من كتب أبي حنيفة ﵀ وعندنا لا تلزمه الجمعة إذ لو لزم ذلك لزمه في سائر الأيام إذا صلى، ثم بلغ في الوقت إعادة الصلاة، وليس ذلك كذلك.
تم الجزء الأول بتقسيم المحقق
ويليه الجزء الثاني وأوله: «باب صفة الصلاة»
[ ١ / ٤٧٣ ]
بحر المذهب
في فروع المذهب الشافعي
تأليف
القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية
الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني
المتوفى سنة ٥٠٢ هـ
تحقيق
طارق فتحي السيد
الجزء الثاني
يحتوي على الكتب التالية:
تتمة الصلاة - الجمعة - صلاة الخوف - صلاة العيدين - الجنائز
دار الكتاب العلمية
Dar Al-Kotob Al-ilmiayh
DKI
أسسها محمد حلمي بيضون سنة ١٩٧١ بيروت - لبنان
Est. by Mohammad Ali Baydoun ١٩٧١ Befaut- Lebanon
Etablic par Mohamad Ali Baydoun ١٩٧١ Beyrouth - liban
[ ٢ / ١ ]
الكتاب: بحر المذهب Title: BAHR AL - MADHAB
التصنيف: فقه شافعي Classification: Shafeit jurisprudence
المؤلف: الإمام أبو المحاسن الروياني Author: Imàm Abu al-Mahàsin al-R؟yàni
المحقق: طارق فتحي السيد Editor: Tariq Fathi al-Sayyid
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت Publisher: Dar Al-Kotob Al-ilmiayh
عدد الصفحات: ٧٢٣٢ (١٤ جزءًا) Size: ١٧ * ٢٤
سنة الطباعة: ٢٠٠٩ Year: ٢٠٠٩ بلد الطباعة: لبنان Printed in: Lebanon
الطبعة: الأولى Edition: ١ st
Exclusive rights by © Dar Al-Kotob Al-llmiyah DKI
Beirut-Lebanon No part of this publication may be translated، reproduced. distributed in any form or by any means. or stored in a data base or retrieval system. without the prior written permission of the publisher. Dar Al - Kotob
Tous droits Exclusivement réservés à © Dar Al-Kotob Al-llmiyah Al - ilmiyah
Beyrouth-Liban Toute representation، édition، traduction ou reproduction méme precede partielle، par tous، en tous pays، Faite sans autorisation préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à des poursuites judiciaires. جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا.
[ ٢ / ٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم