طول القراءة وقصرها
مسألة: قال: "وأحب أن يقرأ في الصبح مع أم القرآن بطوال المفصل".
وهذا كما قال: اعلم أن القصد من هذا الباب، أن المستحب للإمام في الصلاة التخفيف مع التمام، كما قال أنس ﵁: كان النبي - ﷺ - "من أخف الناس صلاة في تمام". وبين الشافعي ذلك، وهو أن يقرأ في صلاة الصبح بعد الفاتحة في كل ركعة بسورة من طوال المفصل كسورة الحجرات، والذاريات، والواقعة ونحوها. ويقرأ في الظهر سنها بذلك يعني في [١٦٣ ب / ٢] الركعتين الأوليين، وفي الأخويين ذكرنا قولين في سنة السورة، فإذا قلنا: تسئ قرأ فيهما على النصف من الأوليين.
والأصل فيه خبر أبي سعيد الخدري ﵁: "حزرنا قيام رسول الله - ﷺ - في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية قدر: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ (السجدة: ١ - ٢]، وحزرنا قيامه في الأخريين على النصف من ذلكء وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر بنحو مما يقرا في العشاء". وأراد في الأوليين من العشاء، ثم امن ما يستحب في العشاء، وهو قدر سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل مثل: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ (العاديات: ١]. وهذا تفسير التخفيف في تمام. فإن زاد على هذا كان مثقلًا على القوم، وان نقص عنه كان مقصرًا إلا أن يكون له عذر ظاهر، أو لأحدٍ ممن خلفه، فلا بأس حينئذ أن ينقص عنه، ولا يكون مقصرًا، فإن قصر أو زاد يجوز في الجملة.
وإنما شبه الشافعي الصبح بالظهر والعصر والعشاء، لأنهما صلاتا سر، ولم يثبت ما إذا قرأ رسول الله - ﷺ - فيهما، وفي كل هذا ورد الخبر.
قال ابن عباس ﵁: "صليت خلف رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح يوم الجمعة، فقرأ فيها بسورة السجدة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ وقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والسورة التي ذكر فيها المنافقون".
[ ٢ / ١٧٦ ]
وروي أيضًا أنه - ﷺ - قرأ في صلاة الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾، و﴿هَلْ أَتَى﴾. وروي أنه "قرأ ليلة الجمعة في المغرب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وفي صلاة العشاء تلك الليلة: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
وقال بعض أصحابنا: يقرأ في ليلة الجمعة في صلاة العشاء سورة الجمعة وسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾.
وقال جابر بن سمرة ﵁: "صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح، فقرأ فيها، ﴿يس﴾، و﴿حم﴾. وقال عمران بن الحصين ﵁ [١٦٤ أ / ٢]: "قرأ رسول الله - ﷺ - في الظهر: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ يسمعنا الآية أحيانًا".
وقال بريدة الأسلمي ﵁: "قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَالشَّمْسِ﴾، و﴿وَاللَّيْلِ﴾ ". وروي أنه قرأ في العصر: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، و﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ". وروي عن عمرو بن حريث ﵁، قال: "كأني أسمح صوت رسول الله - ﷺ - في صلاة الغداة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]
وروى أبو داود بإسناده عن رجل من جهينة أنه سمع رسول الله - ﷺ - "يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]. وروي أنه "قرأ في العشاء الآخرة سورة الجمعة والمنافقين".
وقال أبو هريرة ﵁: "كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بقصار المفصل". وروى ابن مسعود ﵁: "قرأ في المغرب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وروي عن ابن عباس ﵁: أنه "قرأ في المغرب: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾، فقالت أم الفضل: إنه لآخر ما سمعته من رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب".
والظاهر أن هذا التطويل كان نادرًا، وهذه الأخبار كلها تدل على جميع ما ذكرنا. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يقرأ في الأولى من الصبح من ثلاثين آية إلى ستين آية"، وفي الركعة الثانية من عشرين إلى ثلاثين، وفي الظهر: شبهها بالصبح من ثلاثين آية إلى ستين آية" حكاه الكرخي، وقال في العصر: "يقرأ في الركعتين الأوليين سوى الفاتحة عشرين آية، وكذلك في العشاء الآخرة". وقال أحمد: "يقرأ خمس عشرة آية".
فرع
قال بعض أصحابنا: يستحب تطويل القراءة في صلاة الصبح، لأن أبا بكر الصديق ﵁ قرأ في صلاة الصبح سورة البقرة في الركعتين. وعن عمر رضي الله
[ ٢ / ١٧٧ ]
عنه أنه قرأ سورة يوسف في ركعة، وسورة الحج [١٦٤ ب / ٢] في ركعةٍ. والمستحب أن لا ينقص عن السور الطوال في سبع المفصل لما روي أنه "قرأ بسورة ﴿ق﴾ في صلاة الصبح".
وروي أنه "قرأ يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة".
فزع آخر
قراءة السورة الكاملة في الصلاة أولى من قراءة بعض الآيات، لأنه لم يقل عن النبي - ﷺ - إلا قراءة السور، ولو قرأ ذلك جاز لما روي أن الصديق ﵁ قرأ البقرة في الركعتين من الصبح، "وقرأ في الثانية من المغرب: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية".
فَرْعٌ آخرُ
لو قرأ سورتين لم يكره، لأن عمر ﵁ "قرأ سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وسجد ثم قام، فقرأ سورة أخرى". وكان ابن عمر إذا صلى منفردًا يقرأ أحيانًا السورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: تطويل القراءة أولى من تطويل الركوع والسجود لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولأن الذكر المشروح في القيام قراءة القرآن وفي غيره التسبيح، والقراءة أفضل من التسبيح.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: لو كان يصلي النافلة أكثر من ركعتين بتشهد واحد يقرأ في كل ركعة الفاتحة والسورة، وإن كان يصلي بتشهدين، فهل يقرأ السورة في الركعتين الأخريين؟ وجهان، بناء على القولين في الركعتين الأخريين من الفرائض.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": «ولا باس بتلقين الإمام في الصلاة"، ونقل المزني أن الشافعي
قال: "وإن حضر الإمام لقن"، والأصل في هذا ما روى ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - "صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبي: "أصليت معنا؟ " قال: "نعم، قال: فما منعك؟ "، وأراد به ما منعك أن تفتح علي إذ رأيتني قد لبس علي؟.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وروي عن عثمان بن عفان وابن عمر ﵄ أنهما كانا لا يريان به بأسًا. وبه قال عطا، [١٦٥ أ / ٢] والحسن وابن سيرين ومالك وأحمد واسحق.
وقال ابن مسعود: "يكره ذلك". وبه قال الشعبي والثوري. وقال أبو حنيفة: "إذا استفتحه الإمام فتحته عليه، فإن الكلام في الصلاة. واحتجوا بما روى الحارث عن علي ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة". قلنا: رواه يونس بن أبي إسحق عن أبي إسحق عن الحارث، قال أبو داود: سمع أبو إسحق من الحارث أربعة أحاديث ليس هذا منها.
وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: "إذا استطعمكم الإمام فأطعموه". يعني: أنه إذا تعايا في القراءة، فلقنوه. ورواه بعض أصحابنا بخراسان مرفوعًا، ولا يصح.