فضل الجماعة والعذر بتركها
قال: "اخبرنا مالك. . . . " وذكر الخبر.
وهذا كما قال: اعلم أن رسول الله - ﷺ - صلى ثلاث عشرة سنة بمكة من غير جماعة،
[ ٢ / ٢٤٠ ]
لأن أصحابه كانوا مقهورين متفرقين يصلون في بيوتهم فلما هاجر إلى المدينة أقام الجماعة. والجماعة واجبة في صلاة الجمعة على الأعيان بلا خلاف، لأنها لا تصح إلا بالجماعة. وأما فيما عداها من صلاة الفرض اختلف أصحابنا فيه، فقال أكثر أصحابنا: هي من فرائض الكفايات كرد السلام ودفن الموتى، ويجوز ذلك نص عليه الشافعي في كتاب "الإمامة". [٢٠٣ ب / ٢]
وقد قال ههنا: لا أرخص في تركها من غير عذر، وهو الصحيح، والدليل عليه ما روى أبو الدرداء ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "ما من ثلائة في قريةٍ أو بلدةٍ". وروي: "أو في باديةٍ"، وفيه نظر. وروي: "في قرية ولا بدوٍ". "وهذا أصح لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية".
ومن أصحابنا من قال: "هي سنة مؤكدة"، والأولى أن لا يخل بهاء ويحافظ عليها، فإن أخل بها ترك فضلا كثيرًا وأجزأه. وبه قال الثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي. وحكي عن الأوزاعي وأحمد وأبي ثور وداود وابن المنذر ومحمد بن إسحق وابن خزيمة: "هي واجبة على الأعيان، فمن تركها من غير عذر فقد عصى". قالوا: ولكن لا يشترط في جوازها حتى لو صلى منفردًا يجوز، وإن عصى.
وحكى أصحابنا بخراسان عنهم: أنه لا تجوز صلاته. واحتجوا بقوله تعلى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣١ - ٣٢]، الآية. وداعي الله: المؤذن.
وروي إن النبي - ﷺ - قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد". وروي انه - ﷺ - قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر أو مطر". ورواه ابن عباس ﵁، ولم يقل: "أو مطر". وروي أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إني رجل ضرير شاسع الدار وعلى طريقي نخل ولا قائد لي، وروي: لي قائد لا يلازمني. هكذا روي، والصواب: لا يلامني، أي: لا يوافقني فهل تجد لي رخصة؟ فقال: "أتسمع النداء"، قال: نعم، فقال: "لا أجد لك رخصة".
وروي أنه قير قال: "لقد هممت أن آمر فتياني من قريش ليجمعوا حطبًا، ثم آمر رجلا ينادي بالصلاة، ثم أحرق على أقوام بيوتهم يسمعون النداء ولا يحضرون، وإن
[ ٢ / ٢٤١ ]
أحدهم لو دعي إلى مرماتين حسنتين لآتاهما ولو حبوًا". [٢٠٤ أ / ٢]
قيل: المرماة: السهم. وقيل: عظم عليه قطعة لحم. وروى ابن أم مكتوم، قال: يا رسول الله إن المدينة كبيرة الهوام والسباع، فقال النبي - ﷺ -: "حي على الصلاة، حي على الفلاح، فحي هلا"، وقوله: حي هلا كلمة حث واستعجال، ولأن الله تعالى أمر أن يصلى جماعة في حال الخوف، ولم يعذر في تركها، فدل أنها في حال الأمن أوجب. وقال عطاء بن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله تعالى في الحضر والقربة رخصة إذا سمع النداء، وأن يدع الصلاة.
وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات سمع النداء أو لم يسمع، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٧])، ولم يفصل.
وروي أن النبي - ﷺ -، قال: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة ". وروي بخمس عشرين درجة، فلولا جواز الانفراد وإلا ما فاضل بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد، فإن قيل: لعله أراد به في حق صاحب العذر. قلنا: العاجز يكتب أجره كاملًا من غير نقصان لما روي عن رسول الله قيه، قال: "إذا مرض المريض يقول الله تعالى لملائكته: اكتبا لعبدي ما كنتما تكتبان في صحته من أعمال الخير حتى أقبضه، أو أبدله بلحمة خيرا من لحمه وبدم خيرا من دمه"، فإن قيل:
لعله أراد به النفل. قلنا: النفل في الخفية والانفراد أفضل. وأيضًا روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "صلاة الرجل مع الواحد أفضل".
وروي: "أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الواحد وحيث ما كثرت الجماعة، فهو أفضل".
وروي أن عتبان بن مالك ﵁ قال: يا رسول الله إني رجل ضرير شاسع الدار، وأحب أن تحضر بيتي وتصلي في موضع أتخذه مسجداَ، فحضر بيته وصلى في [٢٠٤ ب / ٢] موضع، فكان يصلي عتبان هناك".
وروي أنه - ﷺ - قال للرجلين في مسجد الخيف: "لم لم تصليا معنا فقالا لنا: قد صلينا في رحالنا"، فلم ينكر عليهما، ولأنه كان يأمر في الليلة المطيرة للمؤذن أن يقول في أذانه، "ألا صلوا في رحالكم"، فلو كان واجبًا لما كان المطر عذرًا.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وقال مشايخ خراسان: هذا عندنا سنة أن يقول في هذه الحالة في أذانه بعد حي على الفلاح.
وروي أنه - ﷺ - قال: "إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال". وأراد به النعال المعهودة في اللباس، وقيل: كنى بها عن الأرجل والأقدام. وقيل: أراد بالنعال الحجارة الصغار تكون في الطرق تسمى نعالًا.
وأما الآية التي ذكروا، قلنا: أراد بالداعي النبي - ﷺ -، لأنه قال: ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] والإيمان بالمؤذن لا يجب.
وأما الخبر الأول، قلنا: أراد: لا صلاة له كاملة، أو أراد: لا صلاة لجار المسجد بصلاة الإمام مقتديًا به إلا في المسجد، وأما سائر الأخبار نحملها على أنها فرض على الكفاية.
وأما خبر ابن أم مكتوم: نحمله على الجمعة، وأما الخبر الأخير ورد في شأن المنافقين الذين لا يصلون في بيوتهم، ولا يرون الجماعة أصلًا، وهكذا الجواب إن احتجوا بما روي عن ابن مسعود ﵁، قال: "حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدى، وأن الله تعالى شرع لنبيه - ﷺ - سنن الهدى، ولقد رأيتنا وأن الرجل ليهادى بين رجلين حتى يقام في الصف، وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم".
وقوله: "ليهادى بين رجلين"، أي: يرفد من جانبيه، ويؤخذ بعضديه يتمنى به إلى المسجد. [٢٠٥ أ / ٢]
وقوله: "كفرتم"، أي: يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا شيئًا شيئًا منها حتى تخرجوا من الملة، فإن قاسوا على صلاة الجمعة، قلنا: أصلها أربع ركعات، وردت إلى ثنتي بشرائط منها: الجماعة بخلاف هذا. ثم لو كانت الجماعة شرطًا ههنا لبطلت بتركها كما نقول في الجمعة، فإذا قلنا: إنها فرض على الكفاية فمتى قام بها قوم سقط الفرض عن الباقين، وإلا خرجوا أجمعون. ولو اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام على إقامتها حتى يقيموها، والحد الذي يسقط الفرض به عن الباقين أن يظهر إقامتها ويعرف فعلها، وذلك أن يعلم الناس إقامتها مشاهدة أو سماعًا، فإن كان المكان قرية صغيرة، فأقيمت في مسجدها فقد ظهرت في كلها، وإن كان بلدًا كبيرًا، فكل محلةٍ منه مثل هذه القرية يحتاج أن تظهر في كل مسجد في كل مسجدٍ محلةٍ، فإذا أقامها أهل محلة لم يسقط فوضها عن أهل محلة أخرى، ولو اتفقوا على أن يصلي كل واحد جماعة في بيته، ولا يخرج إلى المساجد. قال أبو إسحق: لم يسقط ما ذكرنا من الفرض عنهم. وقال
[ ٢ / ٢٤٣ ]
يعقوب الأبيوردي: فيه وجهان، والأظهر أنه يسقط الفرض به، لأن الشافعي ﵁، قال: "وإن جمع في بيته أجزأ عنه". والأصح عندي الأول، وأراد الشافعي أجزأ عنه إذا ظهرت الجماعة في الأسواق، لأن فرضها يسقط بذلك.
ومن أصحابنا من قال: أقل من يسقط الفرض عن الباقين ثلاثة نفر فإنه هو الجمع المطلق. والمذهب أن أقل الجماعة إثنان، فيكفي ذلك إذا ظهرت في الباقين، لأن الشافعي قال في "الأم": "إذا كانوا ثلاثة فأمهم أحدهم كانوا جماعة، وان كانوا اثنين، فأتم أحدهما بالآخر رجوت أن تكون جماعة، ثم قطه في أخر الباب أن الاثنين جماعة، ولا خلاف أن فضيلة الجماعة تحصل بالاثنين، فبطل قول القائل الأول".
والدليل عليه [٢٠٥ ب / ٢] قوله - ﷺ -: "الاثنان فما فوقهما جماعة".
مسألة: قال: "وإن جمع في بيته أو مسجد وان صغر أجزأه".
الفصل
وهدا كما هال: هد ذكرنا أن اقل الجماعة إثنان. وهال في "الأم": "إذا صلى الرجل مع أخر أدرك فضيلة الجماعة سواء صلى مع إمامه أو زوجته أو ولده أو رفيقه".
وقد قال أصحابنا: أراد إذا صليت الجماعة في المسجد، وظهر ذلك في الباقين، ولكن تأخر بعضهم وصلى في بيته هكذا، أو أراد: إذا قلنا: الجماعة سنة، فحيث ما جمع جاز. وأما الأفضل فكلما كان الجمع أكثر كانت الصلاة أفضل لقوله - ﷺ -: "من صلى مع واحد كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن صلى مع اثنين كان له مثل أجرهما، وحيث ما كثرت الجماعة فهو أفضل، والصلاة جماعة في المسجد أفضل منها في البيت".
فرع
قال: لو كان بقرية مسجدان متساويان في الجماعة، فإن كان يبلغه النداء من أحد المسجدين دون الآخر، فالذي يبلغه النداء منه أولى بالحضور، وإن كان يبلغه النداء منهما، فإن كان أحدهما أقرب من الآخر، كان الأقرب أولى، وإن كانا في القرب سواء حضر أيهما شاء.
فَرْعٌ آخرُ
قال: "لو كان أحدهما أتوب والأخر أبعد إلا أن الجماعة في الأبعد أكر، فإن كان لخروجه لا يختل الأقرب فالأبعد أفضل، وإن كان يختل ويؤدي إلى انقطاع الجماعة عنه كان حضور الأقرب الذي فيه الجماعة اليسيرة أولى، لأن إقامة الجماعة في مسجدين أولى من إقامة جماعة واحدة وتعطل المسجد الأخر.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
فَرْعٌ آخرُ
لا كان الإمام في الجماعة الكبيرة مبتدعًا كالمعتزلي والرافضي وفي الجماعة القليلة موافقًا، فإن حضور الجماعة القليلة أولى، والصلاة منفردًا أفضل [٢٠٦ أ / ٢] من الصلاة خلفه.
وحكي عن أبي إسحق أنه قال: "صلاته منفردًا أولى من الجماعة خلف الحنفي، لأنه لا وضوء له، ولا صلاة بترك النية والترتيب في الوضوء وترك الفاتحة ونحوهما في الصلاة".
وقال القاضي الطبري: "في هذا نظر، لأن أمر المسلم بني على الإتيان بالعبادة على أكمل الأحوال ألا ترى أنهم يعتقدون أن التشهد غير واجبء ولكنهم يتشهدون ولا يتركه أحد منهم".
وحكي عن أبي حامد أنه قال: "متى أتى الحنفي بالشرائط يصح الاقتداء به، وإلا فلا".
وحكي عن الأستاذ الإمام أبي إسحق الإسفراييني ﵀ أنه قال: "لا يجوز وإن أتى بها"، لأنه يعتقد أنه يأتي بها نافلة لا فرضًا.
وحكي عن القفال: أنه يصح الاقتداء به، وان لم يأت بشرائطها، لأنه يحكم بصحة صلاته، ولهذا لا يباح قتله، ولا يقع به الاختلاف في ظاهر الأفعال، فلا يمنع صحة الاقتداء به، والفتوى عندي أنه إن كان متدينًا يوثق أنه يؤدي الصلاة على الاحتياط للفريقين، كالأئمة الذين رأيتهم ببخارى وغزنة تجوز الصلاة خلفه من غير كراهة وإن علم أنه يترك ركنا أو شك في ذلك لا تصح الصلاة خلفه، لأن عناه أنه في غير صلاة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو كان لرجل مسجد يجمع فيه، ففاتته فيه الصلاة فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلي وان لم يأته وصلى في مسجده منفردًا فحسن.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلًا أو رجالًا فيه الصلاة، صلوا فرادى ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإنما كرهت لهم ذلك، لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره لتفرق الكلمة، وأن يرغب الرجل عن الصلاة خلف إمام جماعته، فتتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة، فإذا قضيت الصلاة دخلوا فجمعوا يكون فيه اختلاف وتفريق كلمة [٢٠٦ ب / ٢] وفيهما المكروه، وبهذا قال جماعة الصحابة والفقهاء أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي والليث ﵏.
وروي ذلك عن سالم وأبي قلابة. وقال أحمد وإسحق وداود وابن المنذر: "لا تكره الجماعة بعده". ورواه قتادة عن أنس ﵁.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
يندب إليها ثانيا، وهو غلط لما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان مسجد على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب، ولا يكون له إمام معلوم يصلي فيه المارة، ويستظل به الناس، فلا أكره هذا فيه، لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت.
قال أصحابنا: وهكذا لو كان المسجد في موضع أهل لا يسع جيرانه لضيق الوقت عليهم، والمكان إقامتها دفعة واحدة، وإنما يصلون فيه فوجًا بعد فوج لم يكره فيه الجماعة بعد الجماعة.
مسألة: قال: "وروي أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح: ألا صلوا في رحالكم".
الفصل
وهذا كما قال: ترك الجماعة يجوز لعذر سواء قلنا أنها من فرائض الكفايات أو سنة مؤكدة. والعذر ضربان: عام وخاص. فالعام ضربان: عذر يجوز ترك الجماعة وعذر يجوز التأخير، فالذي يجوز التأخير مثل شدة الحر وقت الظهر على ما بيناه.
وأما الذي يجوز الترك، فمثل المطر والوحل في الليل والنهار أو الريح الشديدة في الليلة المظلمة دون النهار. ويجوز ترك الجمعة للمطر والوحل أيضًا، ولا يتصور عذر الريح فيها لأنها تقام نهارًا.
وحكى أبو يعقوب الأبيوردي عن بعض أصحابنا: أنهما لا يكونان عذرًا في ترك الجمعة تأكيدًا لها على سائر الجماعات. وهذا خلاف المذهب ولا شك أن الريح والوحل لا يكونان محذرًا لجواز الجمع بين الصلاتين بخلاف المطر.
وقال في "التلخيص": "وأنكر المزني أن يكون المطر عذرًا". قال القفال: "لا أدري أين قال [٢٠٧ أ / ٢] المزني هذا".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الوحل هل يكون محذرًا في ترك الجماعة؟ وجهان: أحدهما: لا يكون عذرًا، لأن له عده بالخف والصندل، وبهذا يفتي مشايخ طبرستان ﵏ لمن قدر على ذلك.
وروى ابن عمر ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي - ﷺ - في سفر وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة نادى مناديه: "صلوا في رحالكم".
وأما العذر الخاص، فهو: الذي يختص به الواحد من بين الجماعة، وهو عشرة أشياء ذكرها الشافعي ﵁ في "الأم"، فمتى أقيمت الصلاة واتفق واحد منها ساع له تركها من ذلك إذا حضر الطعام، وهو شديد التوقان إليه في أي صلاة كانت فإنه
[ ٢ / ٢٤٦ ]
يتناول منه ما يسد الرمق، ثم يشتغل بالصلاة، ولا فرق بين أن يكون صائمًا أو لا، لأن الشافعي قال في "المختصر": وإذا حضر فطره، أي: كان صائمًا فحضر وقت فطره أو طعام مفطر به إليه حاجة، أي: لم يكن صائمًا، ولكن حضر طعامه، وهو جائع، وبه حاجة إلى أكله. وهذا لما روت عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يصلي أحدكم بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
وروي أن النبي - ﷺ - قال: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء"، وأراد قدر ما يسكن النفس لا أن يتربع للألواذ الكثيرة حتى يتضلع فيخرج وقت الصلاة. وهذا يدل على جواز تأخير صلاة المغرب يسيرًا.
والثاني: مدافعة الأخبثين: الغائط والبول، أو أحدهما، لأنه يسقط خشوعه.
والثالث: المرض، لان النبي - ﷺ - لما مرض تركها أيامًا كثيرة.
والرابع: الخوف من سلطان ظالم أو مطالبته بغير حق، لما روى ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من سمع النداء فلم يجبه، فلا صلاة له إلا من عذر". قالوا: يا رسول الله، وما العذر؟، قال: "خوف أو مرض".
والخامس: [٢٠٧ ب / ٢] السفر، ولا يريد به المسافرين، فإنهم يصلون جماعة كغيرهم، وإنما يريد إذا أقيمت الصلاة، ومن اشتغل بالجماعة فاتته الرفقة له تركها.
والسادس: النعاس وغلبة النوم، لأنه يسلب الخشوع في الصلاة ويخاف انتقاض الطهر في أثنائه.
والسابع: إذا كان له مريض يعلله متى فارقه خاف عليه يجوز له ترك الجماعة بسببه، لأن حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة.
وكذلك إذا كان له قريب مريض يخاف موته، لأنه يتألم بذلك أكثر مما يتألم بذهاب المال.
والثامن: ثلاثة أعذار: في المال، إذا خاف هلاكه أو ضياعه أو رجا عود ما قد ضل، فالهلاك مثل أن يكون خبز في تنور وطبخ في قدر متى اشتغل بالجماعة هلك.
والثاني: إذا كان له مال قد قدم في الحال ومتى لم يتداركه ضاع عليه كله أو بعضه له ترك الجماعة لحفظه.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
والثالث: إذا أبق له عبد أو سرق له فرس أو ند له بعير يرجو تداركه في ترك الجماعة.
وقال القاضي أبو الطيب ﵀: ومن جملة الأعذار إذا كان قد أكل بصلًا أو كراثًا لما روي أن النبي - ﷺ - قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربا في مسجدنا"، وهذا إذا كان لا يمكنه إزالة هذه الرائحة بغسل فمه، والتداوي، فإن أمكن ذلك لم يكن عذرًا، وإن أكله مطبوخًا جاز الحضور، ولما روي أن عمر ﵁ خطب الناس، فقال: "فمن كان لا بد له من أكلهما فليتمهما طبخًا".
قال القفال: "ومن تركها لواحد من هذه الأعذار وكان قصده الجماعة لولا العذر حصلت له فضيلة الجماعة". وقيل: من العذر الخاص أن يكون عله قصاص يرجو العفو ولا يحل له الخروج بأن يكون عاريًا أو حافيًا وتكره الجماعة هكذا، ذكره بعض مشايخ خراسان.
فرع
يستحب أن يمشي على عادته وسكونه إلى الجماعة ولا سرع، وإن خاف فوتها.
وقال أبو إسحق: [٢٠٨ أ / ٢] إذا خانك فوت التكبيرة الأولى أسرع لما روي أن عبد الله بن مسعود ﵁ اشتد إلى الصلاة، وقال: "بادرت حد الصلاة" يعني: التكبيرة الأولى، وكان الأسود بن يزيد يهرول إلى الصلاة، وهذا غلط لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". وروي: "فاقضوا". وروى أبو أمامة ﵁ أن رسول الله - ﷺ -، قال: "من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا ذالك فاجرة كأجر المعتمر وصلاة على اثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين".
وقوله: لا ينصبه، معناه: لا يتعبه إلا ذلك. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ -، قال: "إذا توضأ أحدكم فأحن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد". وقوله: "لا ينهزه"، أي: لا يبعثه ولا يشخصه إلا ذلك.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو حضر رجل المسجد ولم يجد إلا من صلى بالجماعة استحب لبعض من حضر أن يصلي معه لتحصل له فضيلة الجماعة لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رجلًا جاء وقد صلى رسول الله - ﷺ -، فقال: "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ "، فجعل النبي - ﷺ - ذلك بمنزلة الصدقة عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو حضر والإمام لم يحضر، فإن كان للمسجد إمام راتب قريب فالمستحب أن ينفذ إليه ليحضر لأن في تفويت الجماعة عليه افتئاتا عليه، وإفسادًا للقلب، فإن خشي فوات أول الوقت لم ينتظر، لأن النبي - ﷺ - ذهب ليصلح بين قومين [٢٠٨ ب / ٢] فقدم الناس أبا بكر الصديق ﵁، فحضر النبي - ﷺ - وهم في الصلاة، فلم ينكر عليهم، فإن خافوا إنكاره ينتظرونه ما لم يخف فوات الوقت، فإن خيف لا ينتظره أحد.