صلاة الإمام قاعدًا بقيام قائمًا وبقعود
مسألة: قا: "وأحب للإمام إذا لم يستطع القيام في الصلاة أن يستخلف".
الفصل
وهذا كما قال: إذا عجز الإمام عن الصلاة بالقوم، فالمستحب أن يستخلف من يصلي بهم قائمًا، لأن النبي - ﷺ - استخلف في أكثر الصلوات حين مرض، وإنما صلى قاعدًا بهم دفعة واحدة، ليبين الجواز، ولأن من الناس من لا يجيز إمامة القاعد، فيستحب الخروج من الخلاف فلو لم يستخلف وصلى بهم قاعدًا، وهم قيام يجوز، ومن عجز منهم قعد معه أيضا. وبه قال أبو حنيفة والثوري ومالك في روايةٍ.
وروي عن مالك أنه قال: "لا تصح صلاة القائم خلف القاعد ويجب عليه أن يستخلف"، وبه قال محمد وعند أبي حنيفة يجوز خلف القاعد ولا يجوز خلف المومئ.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحق: "يصلون خلفه جلوسًا"، وهو اختيار ابن المنذر، واحتجوا بما روي عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - "ركب فرسًا معرورًا"، فسقط فجحش شقه الأيمن فصلى بالناس في بيتي قاعدًا، والقوم خلفه قيام، فأشار إليهم أن اقعدوا فقعدوا، فلما فرغ مت صلاته، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا
[ ٢ / ٢٤٩ ]
عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا سجدنا فاسجدوا، وإذا قرأوا فأنصتوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين".
وقوله: فجحش شقه، أي: قد انسجح جلده، والجحش كالخدش أو أكثر منه، ولأنه يجوز أن يسقط بسبب الإمام فرض الانفراد كما في الجمعة تسقط ركعتان. [٢٠٩ أ / ٢] واحتج مالك بما روى الشعبي أن النبي - ﷺ -، قال: "لا يؤمن أحد بعدي جالسًا"، وهذا غلط لما قال الشافعي وفعله الأخر ناسخ لفعله الأول، أي: صار ما رويتم منسوخًا بفعله الآخر، فإن قيل: هذا اللفظ لا يصح، لأن فعله في الحالين الصلاة قاعدًا، فكيف ينسخ أحدهما بالأخر؟ قلنا: أراد تقريرهم على القيام خلفه ناسخ لأمره إياهم بالقعود وتقريره نوع فعل أيضًا.
وهذا ما روت عائشة ﵂ قالت: لما استعز برسول الله - ﷺ - في مرضه الذي توفي فيه كان يغشى عليه ويفيق، فدخل وقت الصلاة، وهو مغمى عليه، فلما أفاق، قال: "أصلى الناس؟ "، فقيل: لا، هم ينتظرونك، فقال: "ضعوا لي ما، في المخضب"، أي: ضعوني في ماء في المخضب، وهو مثل الأجانة، فوضعناه فاغتسل ثم أغمي عليه، فأفاق وقال: "ضعوا أي ماءٍ في المخضب"، فاغتسل مرة أخرى، فأغمي عليه أيضًا، فلما أفاق قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". قالت عائشة ﵂: فكرهت ذلك مخافة أن يتشاءم الناس بأبي، فأردت أن أصرف عنه ذلك، فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك نفسه من البكاء، إذا قام مقامك، فلو أمرت غيره، فقال: ا"مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فقدمت حفصة وأمرتها أن تقول مثل ذلك، فذكرت ذلك، فقال: "أنتن صواحبات يوسف"، أبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فتقدم أبو بكر ﵁، ثم أن النبي - ﷺ - وجا في نفسه خفة في بعض الأيام، فخرج إلى المسجد يهادي بين رجلين من أهل بيته: العباس بن عبد المطلب ورجلٍ آخر؟
قال الراوي: أتدرون من الرجل الآخر؟ هو علي بن أبي طالب ﵁، ولكن كانت لا تذكره، وهي تستطيع، فلما خرج رسول الله - ﷺ - إلى المسجد كان أبو بكر ﵁ قد افتتح الصلاة، فلما رآه الناس تفرجت الصفوف لرسول الله - ﷺ -، [٢٠٩ ب / ٢] فعلم أبو بكر أنه لا يتقدم ذلك الموضع أحد غير رسول الله - ﷺ -، فأقعد رسول الله - ﷺ - على يسار أبي بكر، فكبر رسول الله - ﷺ - بالناس، فجعل أبو بكر يكبر بتكبيره وجعل الناس يكترون بتكبير أبي بكر ﵁.
وروي: فكان يصلي أبو بكر بصلاة رسول الله - ﷺ -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر،
[ ٢ / ٢٥٠ ]
يريد أن أبا بكر كان كالمترجم لهم إذ كان النبي - ﷺ - قاعدًا وهم قيام وأكثرهم لا يرونه ولا يسمعون صوته، فلهذا قال: كانوا يصلون بصلاة أبي بكر ولم يأمرهم رسول الله - ﷺ - بالقعود، فكان هذا ناسخًا للأول.
وروي: أنه خرج يهادي بين رجلين: أسامة ورجل آخر. وقد روى سفيان: أن الإمام كان أبا بكر ﵁، وهو غلط.
وأما الدليل الآخر، قلنا: في الجمعة سقطت ركعتان بسبب الجماعة لا بسبب الإمام، لأن الإمام لو انفرد صلى أربعًا كالقوم وههنا لو قدر الإمام على القيام لم يترك لعجز القوم، فلذلك القوم لا يتركونه لعجز الإمام، ثم تقابل بأن المأموم أحد ركني الجماعة، فلا يسقط عنه القيام بعجز صاحبه كالإمام لا يقعد بقعود المأمومين، ويؤكده أن القارئ يتحمل القراءة عن المأموم عند بعض العلماء، والأمي لا يتحمل والقادر إذا لم يتحمل القيام عن القوم، فالعاجز أولى أن لا يتحمل. وأما احتجاج مالك ﵀. قلنا: صار منسوخًا بجبرنا مع أنه مرسل ضعيف. رواه جابر الجعفي، أو أراد استحبابًا. واحتج أيضًا بأنه فقد ركنًا من صلاته، فلا تجوز إمامته كالأمي. قلنا: لأنه ناقص أو مقصر في التعليم والعاجز عن القيام ليس بناقص إذ لا يجوز أن يقال للنبي - ﷺ -: كان ناقصًا حين مرض ولا أن صلاته ناقصة.
مسألة: قال: "فإن صلى الإمام لنفسه جالسًا ركعة، ثم قدر [٢١٠ أ/٢] على القيام".
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا زالت العلة في أثناء الصلاة يلزمه القيام ويبني، فإن لم يقم بطلت صلاته، فإن لم يعلم المأموم بصحته وقدرته على القيام صحت صلاته لأنه غير مفرط، وإن علم بصحته وتركه القيام بطلت صلاته، فإن قيل: كيف يعلم المأموم صحته وقدرته؟. قلنا: قال أبو إسحق ﵀: يمكنه أن يعلم بأن المانع أنه كان لا يقدر على مد الرجلين، فرآه، وقد مدهما وقد يعلم بعلامة أخرى سوى هذه.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول أخر: لا تبطل صلاته بل تصير نفلًا. وقول الشافعي ههنا: (أفسد صلاته)، أي: أفسد يعني الفرض فعلى هذا لا تبطل صلاة المأمومين أصلًا، وإن علموا بصحته. وهذا خلاف المذهب الظاهر، ثم ذكر المزني ﵀ بعد هذا مسألة الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس، وقد ذكرناها فيما تقدم، وذكر في وسط كلامه أنه إذا دخل في الصلاة، وهو لا يحسن أم القرآن ثم أحسنها بني عليها، وعند أبي حنيفة: بطلت صلاته إذا تعلم القرآن، ولم يكن يعلم شيئًا.
مسألة: قال: وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم".
[ ٢ / ٢٥١ ]
الفصل
وهذا كما قال: إذا بلغ الصبي سبع سنين كان على أبيه أن يعلمه الطهارة والصلاة، لأن هذا سن التمييز والعقل في العادة، وهو الحد الذي يخير فيه الصبي بين أبويه، وإذا بلغ عشرًا أمره بها وضربه عليها.
قال القاضي أبو حامد: "ويعوده الجماعة ليعتادها"، وهذا لقوله - ﷺ - في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"، والمعنى في الضرب إذا بلغ عشرًا أنه يحتمل البلوغ فيه بالاحتلام، فيؤمر به ضربًا، لأنه ربما يكون [٢١٠ ب/٢] بلوغه، فإن كان بالغًا يكون مؤديًا للواجب وإن لم يكن بالغًا يتعود ذلك حتى لا يكسل عنها في كبره. وكذلك الجد والوصي والقيم من جهة الحاكم عليهم ما على الأب.
وأما وجوب الفعل قبل بلوغه فلا يجب لقوله - ﷺ -: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه". وأما في "الأم" فأشار إلى أنه يجب قبل بلوغه، ولكنه لا يعاقب على تركها عقوبة من تركها بعد بلوغه.
ورأيت كثيرًا من المشايخ يركبون هذا القول في المناظرات وليس بمذهب لأنه غير مكلف أصلًا، وإنما هذا قول أحمد في رواية: أنها تجب عليه إذا بلغ عشرًا بدليل أنه يضرب على تركها، وعندنا هذا الضرب للاعتياد كما يضرب تأديبًا في الأمور. فإذا تقرر هذا ففيما نقله المزني إشكال، لأنه قال: أن يعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عصوا، فيوهم الأمر بالضرب فيما دون العشر إذا عقل، وليس كذلك فنقول في النظم تقديم وتأخير ونظمه ويعلمونهم الطهارة والصلاة إذا عقلوا، ويضربونهم على ذلك، فيبقى الضرب مطلقًا عن بيان الوقت، ثم يعلم وقته بالخبر، ثم قال: "فمن أحتلم أو حاض أو أستكمل خمس عشرة سنة لزمه الفرض"، أراد فمن احتلم من الغلمان أو حاض من النساء.
واختلف أصحابنا في الجارية إذا احتلمت في هذه السن، ولم تحض هل يكون بلوغًا؟ على وجهين. والصحيح أنه بلوغ وظاهر قوله ههنا: فمن احتلم يدل على التسوية بينهما، وإذا لم يوجد حيض ولا احتلام، فالبلوغ عندنا استكمال خمس عشرة سنة.
ومن أصحابنا من قال: يحصل بالطعن في الخامسة عشرة، وعند أبي حنيفة باستكمال ثماني عشر، وفي المرأة روايتان:
إحداهما: كذلك.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
والثانية: سبع عشرة سنة، والله أعلم.
والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. [٢١١ أ/٢]