مسألة: وإذا صلى الإمام بقوم الظهر في وقت العصر وجاء قوم فصلوا خلفه ينوون العصر.
الفصل
وهذا كما قال وجملته أن الصلاتين إذا اتفقتا في الأفعال الظاهرة يجوز أن يكون الإمام في [٣٣٢ أ/٢] إحداهما المأموم في الأخرى فريضتين كانتا أو نافلتين أو فريضة ونافلة وسواء كانت الفريضتان متفقتين كظهرين وعصرين أو مختلفتين كظهر وعصر وسواء كانتا مما يجهر فيهما أو لا يجهر فيهما أو يجهر في إحداهما دون الأخرى وله أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح أو الوتر ويجوز ذلك، والقضاء خلف الأداء وبه قال عطاء وطاوس والأوزاعي والحسن وأبو ثور وأحمد في رواية وإسحاق واختاره ابن المنذر وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية أخرى: لا يصلي المفترض خلف المتنقل ولا المفترض في غير فرضه ويصلي المتنفل خلف المفترض وبه قال الزهري وربيعة ولا يجوز أن النفل خلف الفرض أيضًا ويروى هذا عن مالك وهو الصحيح عنه وهذا غلط لما روي الشافعي ﵁ بإسناده عن جابر ﵁ قال "كان معاذ يصلي مع النبي - ﷺ - العشاء ثم ينطلق إلى قومه فيصليها بهم هي له تطوع ولهم فريضة مكتوبة" وروي أن جابرًا ﵁: "قال كان معاذ يصلي مع النبي - ﷺ - العشاء ثم يرجع فيصليها [٣٣٢ ب/٢] بقومه من بني سلمة فأخر النبي - ﷺ - العشاء ذات ليلة فصلى معه ثم رجع فأم قومه فقرأ سورة البقرة فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده فقالوا له نافقت فقال: ما نافقت ولكني آتي رسول الله - ﷺ - فأخبره فأتى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله إنك أخرت العشاء وإن معاذًا صلى معك ثم رجع فأمنا فافتتح سورة البقرة فتنحيت وصليت وحدي وإنما نحن أهل نواضح نعمل بأيدينا فالتفت رسول الله - ﷺ - فقال أفتان أنت يا معاذ أقرأ بسورة كذا وكذا" فإن قيل يجوز أنه صلى مع النبي - ﷺ - تطوعًا ثم صلى بقومه فريضة قلنا قد روي أنه كان يصلي مع رسول الله - ﷺ - العشاء والعشاء في صلاة الفريضة ولأنه لا يجوز على معاذ أن يذر الفرض وهو أفضل العمل أفضل الخلق فيتركه ويضيع بحظه منه ويقنع من ذلك بالنقل ثم استأنس بفعل عطاء بن أبي رباح المكي بمكة وهو أنه كان يصلي مع الإمام القنوت يريد، ركعتين من التراويح ثم يعتمد بهما من العتمة وكان الدخول فيهما [أ/٣٣٣ - ٢] بنية العتمة فإذا سلم الإمام قام فنسي ركعتين من العتمة فعبر بخبر صلاة الليل بالقنوت لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ولأن أبا حنيفة رحمة الله ناقض أصله حيث قال تجوز صلاة النذر خلف من يصلي الصلاة الشرعية بعلمه أن صلاة النذر واجبة وليت بفريضة وقال: لو سجد
[ ٢ / ٢٥٣ ]
الإمام للسهو بعد السلام فأحرم رجل خلفه لصلاة الظهر لصح وليس هو في صلاة الظهر وسجود السهو عنده واجب لا فرض.
فرع
لا يجوز أن يصلي الظهر خلف من يصلي صلاة الجنازة ولا خلف من يصلي صلاة الخسوف لاختلافهما في الأفعال الظاهرة ولذلك لا يصلي الكسوف خلف من يصلي الصبح وقال بعض أصحابنا بخراسان واختاره القفال أنه يجوز لأن اقتدى بمصلي فيقوم قائمًا حتى يسلم الإمام في صلاته ثم يركع هو وفي الخسوف لا يركع معه في الركوع الثاني ولكن إذا سجد تابعه.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى الصبح خلف من يصلي صلاة العيد ظاهر المذهب أنه لا يجوز لما ذكرنا من العلة. وقال والدي ﵀ فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: هذا والثاني يجوز ولا يكبر معه تكبيرات العيد [٣٣٣ ب/٢] والثالث يجوز ويكبر معه التكبيرات.
فرع
لو صلى ركعتي خلف من يصلي أربعًا فإذا قام الإمام إلى الثالثة إن شاء سلم وإن شاء انتظر الإمام ليفرغ ويسلم به ولا تبطل صلاته وإن خرج عن صلاة الإمام لأنه خروج بعذر وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز أن يصلي ركعتين خلف من يصلي الأربع؟ قولان: لأن يؤدي إلى خروجه من صلاة الإمام قبل فراغه منها وهذا غلط ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى ركعتين من العشاء خلف من يصلي التراويح ثم سلم الإمام فقضى هو تمام صلاته فإنه يجوز بلا خلاف فلو قام الإمام إلى ركعتين أخرتين من التراويح فقام هو في ثالثة واقتدى في الإمام مرة أخرى هل يجوز؟ قولان كما لو افتتح الصلاة مفردًا ثم صلاها مع الإمام.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم" لو أن رجلين قاما إلى الصلاة فأحرم أحدهما قبل الأخر ثم شكا قبل الفراغ من الصلاة فلم يدريا أيهما الإمام؟ بطلت صلاتهما وإن شك أحدهما دون الآخر بطلت صلاة الشاك دون الذي لم يشك ولو قال الذي يشك للذي شك: ما شككنا فصدقه لم [٣٣٤ أ/٢] تسقط عنه إعادة الصلاة لأنه لايرفع في عمل الصلاة إلا إلى علم نفسه ولو كان ثلاثة أو أكثر فعلموا أن الإمام كان واحدًا ولكن كل احد منهم شك هل كان هو الإمام أو هو المأموم؟ أعادوا أجمعين فلو كان هذا الشك بعد الفراغ من الصلاة فلا إعادة عليهما لأن الشك الطارئ بعد السلام من الصلاة وسلامة الصلاة في الظاهر لا توجب الإعادة ولأنه إذا شك بعد الصلاة إن كان إمامًا صحت صلاته وإن كان
[ ٢ / ٢٥٤ ]
مأمومًا صحت ويخالف إذا كان في الصلاة لأنه لا يدري هل يتبعه أم يتبعه صاحبه؟.
فَرْعٌ آخرُ
قال لو وقف رجلان يصلي كل واحد منهما لنفسه غير مؤتم بصاحبه فصلى جماعة خلفهما وجعلوهما معًا إمامين لم تصح صلاة المؤتمين إذ ليس أحدهما بأولى باتباعه من الأخر وإن كانت المسألة بحالها فجعل الذي خلفهما أحدهما: إماما لا يعينه مثل أن قال أحدهما: إمامنا لم تصح أيضًا لأنه إذا لم يتعين لا يمكن الاقتداء به.
فَرْعٌ آخرُ
لو دخل رجل المسجد فرأى رجلين [٣٣٤ ب/٢] أحدهما يأتم بالأخر فأحرم هذا وجعل المأموم إمام نفسه لم يجز لأن المأموم لا يكون إمامًا وهو مأموم وسواء فعل هذا الثالث ما فعله مع الجهل بحالة أو مع العلم فإن قيل أليس لو صلى خلفه المحدث جاهلًا يجوز؟ قلنا هو هناك غير مفرط وهو هنا مفرط لأن كونه إمامًا أو مأمومًا يظهر في حركاته وكيفية صلاته في أركانها فإذا لم يتأمل ذلك لم يعذر.
فَرْعٌ آخرُ
قال أصحابنا لو نوى كل واحد منهما أنه هو الإمام وإن الآخر هو المأموم صحت صلاتهما معًا لأن كل واحد منها يصلي لنفسه ويعتقد أن غيره يصلي بصلاته فإذا بان خلاف ذلك لا يضر ولو اعتقد كل واحد منهما أنه هو المأموم لم تصح صلاتهما لأن كل واحد منهما ائتم بمن ليس بإمام فلا يجوز.
فَرْعٌ آخرُ
لو افتتح الصلاة بنية الانفراد ثم جاء آخر فصلى خلفه صح ائتمامه به وإن لم ينو الإمام إمامته وبه قال جماعة العلماء وقال الثوري وأحمد، وإسحاق لا يصلي خلفه إلا أن ينوي الإمام إمامته فإن لم ينو فسد صلاتهم واحتجوا بما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " [٣٣٥ أ/٢] الأئمة ضمنا ولا تضمن إلا بعلم العلم" وهذا غلط لما روى أنس ﵁ قال: "كان رسول الله - ﷺ - يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل فقام إلى جنبي حتى كان رهطًا فلما أحس رسول ألله - ﷺ - أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة فقلنا له حين فرغ: أفطنت بنا الليلة؟ قال: نعم ذلك الذي حملني على ما صنعت" وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله - ﷺ - فأطلق القربة فتوضأ ثم أوكأ القربة ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ ثم جئت فوقفت عن يساره فأخذني بيمني وروى فأخذني برأسي وحولني إلى يمينه وروي فأخذ بأذني فأدارني من ورائه فإمامني عن يمينه فصليت معه ولم يكن نوى الإمامة فيها وفي هذا دليل على جواز الصلاة بالجماعة في الإثنين وإن الإثنين جماعة وإن المأموم يقوم عن يمين الإمام إذا كانا اثنين وإنه يجوز العلم اليسير في الصلاة.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
مسألة: قال وإذا أحس الإمام برجل وهو راكع [٣٣٥ ب/٢] لم ينتظره وهذا كما قال الانتظار في الصلاة على أضرب أحدها أن يدخل الإمام في الصلاة في مسجد لم تكثر فيه الجماعة فطولها رجاء تلاحق الناس وتكاثر الجماعة فهذا مكروه لقوله: "إذا أم أحدكم فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة" والثاني أن يتخلف رجل له جاه في المكان وعادة بالصلاة في هذا المسجد كالسلطان والعالم فهذا يكره انتظاره أيضًا والثالث: أن يكون في الصلاة فأحس بداخل يقصد الجماعة نظر فإن لم يكن القاصد دخل المسجد كره له الانتظار أيضًا وإن كان قد دخل فلا يخلو إما أن يكون الإمام ركعًا أو غير راكع فإن كان ركعًا فلا يستحب له أن ينتظره ليدرك الركعة وهل يكره له الانتظار فيه قولان؟ أحدهما: يكره وهو اختيار المزني ﵀ والثاني يباح له ذلك وهو اختيار أبي إسحاق ﵀ وهذا ما لم يكثر الداخلون فيطول على من حضره قال أبو إسحاق وجواز الانتظار أحوط القولين وأقواهما وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور وروي ذلك عن الشعبي والنخعي [٣٣٦ أ/٢] وقال أبو إسحاق فيه قولان: أحدهما يكره له الانتظار. والثاني: يستحب وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا لأنه انتظار ليدرك به الغير ركعة فلا يكره بل يستحب كالانتظار في صلاة الخوف وحكي صاحب الإفصاح عن بعض أصحابنا أنه قال إن لم يطل على المأمومين ولم يشق عليهم فإنه ينتظر قولًا واحدًا وإن طال فهل ينتظر قولان وهذه الطريق غلط لأن تعليل الشافعي ﵀ ولكن صلاته خالصة لله تعالى يقتضى الكراهية معلقًا قال المزني الأول عندي أولى بالصلاة وقرئ بالصواب فمن قرأ بالصلاة أراد بحق الصلاة حتى لا يطول على المتقدم ومن قرأ بالصواب أراد لا ينتظره أولى بالصواب لأن فيه تشديدًا على من قصر في إتيانها واحتج المزني على أنه يكره وبه قال أبو حنيفة ومالك وداود، وأبي المنذر ﵏ بأن فيه تشديدًا على من قصر في إتيانها فكان أولى ولأن فيه تشريكًا بين الله وبين الخلق في العبادة وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] وقال أبو حنيفة من فعل [٣٣٦ ب/٢] ذلك فقد أشرك بين العمل لله تعالى وبين المخلوقين ولم يرد به الإشراك الذي هو الكفر كما وهم بعض أصحابه وأفتى بشركه وإباحة دمه وكيف يكون شركًا به وقد استحبه كثير من الفقهاء فأما نحن لا ننسب هذا الداخل إلى التقصير ولا نظن به الأخير فلا بأس بانتظاره قليلًا ليفتتح الصلاة ويدرك الركوع ولا يمنع ذلك أن تكون صلاته خالصة لله تعالى ولأنه روي في الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: إني ربما أكون في الصلاة في سورة أريد أن أتممها فلما أسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مخافة أن تفتتن أمه" فإذا جاز له - ﷺ - أنه يجوز بالصلاة لحق بعض المأمومين جاز للإمام هذا الانتظار القليل لحق الداخل حتى لا تفوته الركعة ولأنه يؤمر بإعادة الجماعة لمن فاتته الجماعة ويؤمر برفع الصوت بالتكبير ليسمع من وراءه ولا يقال فيه تشريك ويستحب ذلك كذلك ههنا ولأنه روي أن النبي - ﷺ - صلى وأجلس الحسن ﵁ عند قدميه فلم سجد ركب ظهره فأطال السجود فلما
[ ٢ / ٢٥٦ ]
[٣٣٧ أ/٢] فرغ قيل له: أطلت السجود قال: "إن ابني ركبني فأطلت السجود ليقضي وطره" فإذا أجاز هذا ففي مسئلتنا أولى وقيل: هما على حالين فإن كان يعرف الداخل لا ينتظره لأنه لا يخلو عن نوع مراياة وإن كان لا يعرفه لا ينتظره.
فرع
لو أحس به وهو قائم أو ساجد لا ينتظره لأنه لا غرض للداخل في لحوق القيام ولا في لحوق السجود وإن أحس وهو قاعد في التشهد وقارب السلام هل ينتظره حتى يحرم الداخل أم لا ينتظره ويسلم على القولين لأن للداخل غرضًا في لحوقه في التشهد وهو أن يدرك فضيلة الجماعة وإن لم يكن قارب السلام يكره انتظاره لأنه لا يقوم بترك الانتظار فضيلة ولا نية فوات ركعة.
فَرْعٌ آخرُ
لو انتظره لا للاحتساب بل للتودد واستمالة القلب يكره قولًا واحدًا وههنا قال أبو حنيفة ﵀ أخشى أن يكفر وقال بعض أصحابنا بخراسان هل تبطل صلاته بالانتظار الذي ذكرنا؟ قولان وهذا ليس بشيء وقال أيضًا لا يدرك الرجل فضيلة الجماعة إلا بإدراك ما يحتسب له به مثل أن يدركه في الركوع فأما إذا أدركه في السجود لا يحصل له فضيلة الجماعة وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
قال [٣٣٧ ب/٢] بعض أصحابنا وردت الأخبار في فضل إدراك التكبيرة الأولى عن رسول الله - ﷺ - وإلى متى يكون مدركًا لها فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: إذا أدرك الركعة صار مدركًا لها لفضيلتها وإن كان أدرك الركوع معه والثاني: ما لم يدرك شيئًا من القيام لا يكون مدركًا لها. والثالث: ينظر فإن كان مشتغلًا بأمر الدنيا لا يكون مدركًا لها ما لم يدرك شيئًا من القيام وإن كان مشتغلًا بالطهارة فإنه يكون مدركًا لها بإدراك الركوع.
مسألة: قال ويؤتم بالأعمى وبالعبد وهذا كما قال يجوز إمامة الأعمى للبصراء والعميان ولا تكره وحكي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال تكره وبه قال ابن سيرين ويروى عن مالك ﵀ أيضًا لأنه لا يرى النجاسة فلا يمكنه التوقي وهذا غلط لأن النبي - ﷺ - استخلف ابن أم مكتوم مرارًا على المدينة وكان يصلي بالناس وكان ضريرًا ولأنه ليس فيه إلا فقد حاسة لا تخل به شيء من شرائط الصلاة فأشبه الأطرش فإذا تقرر هذا فقد قال في كتاب الإمامة الأعمى والبصير فيها سواء لا فضيلة لأحدهما على الآخر لأن [٣٣٨ أ/٢] البصير وإن كان له فضل قربة في اجتناب النجاسات ومشاهدة الجهات فالأعمى فضيلة أخرى في كثرة الخشوع لأنه لا يشاهد شيئًا يشغله عن الصلاة. وقال بعض أصحابنا وبه أفتي البصير أولى لما تقدم من العلة وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: الأعمى أولى لأنه أخشع في صلاته وهذان الوجهان مخالفان للنص وهو أولى ولهذا قدم النبي - ﷺ - الأعمى كما قدم البصير ولم يفرق بينهما فاستويا وقال أبو حنيفة:
[ ٢ / ٢٥٧ ]
البصير أولى بكل حال لأن النبي - ﷺ - استخلف البصراء في أكثر الأحوال ولم يستخلف الأعمى إلا مرة أو مرتين قلنا لأن البصراء بالمدينة هم أكثر من العميان لا لما قلتم وأما إمامة العبد تجوز ولا تكره إمامته قال: والاختيار أن يقدم الأحرار على المماليك لأن الإمامة هي فضيلة وكمال فالكامل بها أولى وحكي عن أبي حنيفة أنه تكره إمامته وبه قال أبو مجلز وحكي عن مالك ﵀ أنه قال: لا يؤمهم في الجمعة والعيدين وقال الأوزاعي ﵀: أربعة لا يؤمون الناس فذكر العبد إلا أن يؤم أهله [٣٣٨ ب/٢] وهذا غلط لأن النبي - ﷺ - قال: "اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة" وقال عبد الله بن أبي مليكة: كنا عند أم المؤمنين عائشة ﵂ فأمرت مولى لها لم يعتق بعد فصلى بنا وروي أنه كان لعائشة ﵂ غلامًا يكنى أبا عمرو وكان يؤم بني محمد بن أبي بكر وعروة ولم يكن عتق بعد وروي عن ابن عمر ﵄ أن قومًا من المهاجرين نزلوا بحسن قباء وفيهم عمر بن الخطاب ﵁ فأمهم سالم مولى أبي حذيفة. وإمامة الحر الضرير أولى من إمامة العبد البصير ثم ينظر فإن كنت إمامته بقدر صلاة الانفراد لا يلزم استئذان السيد وإن تطاول عن حد الانفراد كالجمعة يلزمه استئذانه لأن فيها تفويت خدمته.
فرع
إمامة الصبي الذي يفعل الصلاة للبالغين في الفريضة والنافلة جائزة ولا يكره والاختيار أن لا يؤهم إلا بالغ نص عليه وبه قال الحسن وإسحاق وقال عطاء والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي تكره إمامته وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال لا يؤم الغلام حتى [٣٣٩ أ/٢] يحتلم وروي عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجوز أن يكون إمامًا أصلًا وروي عنه أنه يجوز ذلك في النوافل دون الفرائض وقال الزهري إذا اضطروا إليه أمهم وكلام أحمد في هذا يحتمل وجهين وهذ غلط لما روى عن عمرو بن سلمة قال كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا النبي - ﷺ - فكانوا إذا رجعوا مرو بنا فاجهرونا أن رسول الله - ﷺ - قال كذا وقال كذا وكنت غلامًا حافظًا فحفظت من ذلك قرأنًا كثيرًا فانطلق أي وافد إلى النبي - ﷺ - في نفر من قومه فعلمهم الصلاة وقال يؤمكم أقرأكم وكنت أقرأهم فقدموني فكنت أصلي بهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين وقوله: كنا بحاضر الحاضر هم القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه ومعنى الحاضر: المحضور ولأن من أجاز أن يكون لنا ما في النفل جاز أن يكون إمامًا في الفرض كالبالغ وقالت عائشة ﵂: كنا نأخذ الصبيان من الكتاب فيصلوه بنا التراويح وكنا نعمل لهم القلية والخشكنانج.
فرع
قال الشافعي [٣٣٩ ب/٢] ﵀ وأكره إمامه ولد الزنا ومن لا يعرف أبوه لأن الإمامة موضع فضيلة وبه قال مجاهد وروي أن عمر بن عبد العزيز ﵀ نهى رجلًا يصلي
[ ٢ / ٢٥٨ ]
بالناس عن الإمامة لأنه لا يعرف أبوه. وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يكره وبه قال الثوري وأحمد، وإسحاق ورواه ابن المنذر عن مالك ﵏ واختاره والصحيح عن مالك وأبي حنيفة مثل قولنا وروي عن عائشة ﵂ قالت: ما عليه من وزر أبويه شيء فإن أم جاز لأنه يذكر من أهل الصلاة فأما الخصي والمحبوب فكالفحل سواء بلا إشكال.
مسالة: قال: وأكره إمامة من يلحن.
فصل
وهذا كما قال إذا لحن الإمام في القرآن فإن كان لا يخل بالمعنى فصلاته وصلاة من خلفه جائزة سواء كان في أم القرآن أو غيرها مثل أن يقول ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ بضم الألف ﴿وَإِيَّاكَ﴾ بفتح الألف ونستعين بخفض النون الأولى ونحو ذلك وتكره إمامته لأن الاختيار أن يكون الإمام فصيح اللسان حسن البيان مرتلًا للقرآن كما قال - ﷺ -: "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله" وإن كان يخل المعنى فإن كان في [٣٤٠ أ/٢] غير الفاتحة مثل أن يقول (إن الله برئ من المشركين ورسوله) بخفض اللام قوله: (أنعمت) عليهم بضم التاء فإن كان لا يحسن الصواب أو جرى بذلك لسانه من غير قصد لا يضره ولا يضرهم لأنه في غير الفاتحة التي هي الفريضة وحدها وإن كان تعمد بذلك فإن كان معتقدًا لما قرأه فقد كفر ولا صلاة للكافر وإن لم يكن معتقدًا فقد فسق به وبطلت صلاته لأنه تلاعب بصلاته فكان حكمه أغلظ من حكم من تكلم في الصلاة عامدًا وأما صلاة المأمومين فإن علموا بحاله وتبعوه في صلاتهم بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل صلاتهم وإن كان ذلك في أم القرآن مثل أن يقرأ ولا الظالين بالظاء أو أنعمت عليهم على ما ذكرنا أو إياك نعبد بخفض الكاف فيكون خطابًا للمؤنث قال الشافعي ﵀: أجزأته دونهم وقال في استقبال القبلة: لا تجوز صلاته ولا صلاة من خلفه وليست المسألة على قولين وإنما على اختلاف حالين؛ فالأولى إذا كان لا يستقيم لسانه ولا يقدر على تعلم الصواب والثانية إذا كان يمكنه ذلك ففرط وأما صلاة من خلفه فمن كان مثله [٣٤٠ ب/٢] تجوز صلاته ومن كان يحسن ذلك من غير لحن فهو بمنزلة صلاة القارئ خلف الأمي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وأما قول الشافعي: أو لفظ بأعجمية معناه أن يقول الخمد بالخاء المعجمة والهمد بالهاء كما يقول الجبلي والديلم أو يتبدل حرفًا بحرف مثل أن يقول ما يقول بعض العجم إهدنا الصراط المستقين بالنون فهذا كله بمنزلة اللحن الذي يحيل المعنى وقد ذكرنا.
فرع
لو ترك التشديد في قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ وخففها فإن تعمد وعرف معناه صار كافرًا لأن الإيا ضوء الشمس فيصير كأنه يعبد ضوء الشمس وإن كان ناسيًا أو جاهلًا يسجد للسهو بعد إعادته على الصحة.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا ولو لحن بغير المعنى مثل أن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ونصب
[ ٢ / ٢٥٩ ]
الهاء هل يجزيه؟ وجهان بناء على أصل وهو أن الإعجاز في النظم وحده دون الإعراب أو في النظم والإعراب معا؟.
مسألة: قال وأكره إمامة من به تمتمة أو فأفأة.
الفصل
وهذا كما قال. التمتام هو الذي يردد التاء ثم يأتي بها والفأفأة هو الذي يردد الفاء ثم يأتي بها فهذان تصح الصلاة خلفهما [أ ٣٤ أ/٢] لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال والزيادة مغلوب عليها ويكره تقديمهما لموضع الزيادة بالتردد وأما الأرت وهو الذي في لسانه رتة يدغم حرفًا في حرف ولا يبني الحروف وقال بعض أصحابنا هو الذي يبدل حرفًا بحرف مثل اللام تاء ونحو ذلك وهكذا قاله الفراء وقال أبو العباس المبرد: الأرت الذي به رتة وهو أن أول الكلام لا يطاوعه حتى إذا نطق به اتصل فحكمه حكم التمتام على هذا وقال في تفسيره عن الشافعي ﵀: من يكون في لسانه رخاوة كما يكون في لسان الصبيان فإن كان هكذا فإنه تجوز الصلاة خلفه إذا أتى بالتشديد في موضعه وإذا قلنا بما ذكره بعض أصحابنا أو ذكرنا أولًا لا تجوز صلاة القارئ خلفه وأما الألثغ فهو الذي يقلب الحرف عن موضعه حتى يتلفظ بالعين بدل الغين أو اللام في مخرج الكاف أو الكاف في مخرج التاء ونحو ذلك فهو بمنزلة الأمي الذي لا يحسن الفاتحة وقال القاضي أبو حامد ﵀ الألثغ هو الذي يبدل حرفًا بحرف وقال المبرد اللثغة هو أن يعدل بحرف إلى حرف وقال الفراء: اللثغة [٣٤١ ب/٢] هي بطرف اللسان وهي أن يجعل الراء على طرف لسانه لامًا ويجعل الفاء تاء وقال الأزهري: الأليغ بالياء وهو الذي لا يبني الكلام وقد ذكرنا حكمه.
فرع
لو كان ممن لا يصرح بالحرف فيتكلم بالحرف بين حرفين كالعربي الذي لا يجعل القاف كافًا بل يخرجها بين الحرفين لا كافًا ولا قافًا أو العجمي الذي لا يصفو له الضاد غير أنه لا يقول ظاء فيه فتكره الصلاة خلفه ويجوز وحكي عن الشيخ أبي العباس الأسفراييني عن الداركي عن أبي غانم تلقى أبي العباس قال: انتهى ابن سريج ﵀ إلى هذه المسألة فقال: لا تجوز إمامة الألثغ وكان به لثغه يسيرة وفي مثلها فاحتشمت أن أقول له هل تصح إمامتك؟ فقلت أيها الشيخ هل تصح إمامتي؟ قال: نعم. وإمامتي أيضًا.
فَرْعٌ آخرُ
لو اختلف لحن الإمام والمأموم فأحال الإمام بلحنه معنى كلمة أصاب المأموم معناها وأحال معنى كلمة سواها ففي صلاة المأموم وجهان؛ أحدهما: يجوز لاشتراكهما في اللحن وإن اختلفا والثانى: لا يجوز وهو الأصح لأنه يفضل على الإمام فيما قصر عنه وإن اعتوره النقص من غيره وكذلك لو كان [٣٤٢ أ/٢] المأمون لا يحسن الفاتحة ويحسن سبع آيات لا يلحن فيها أو لا يحسن من القرآن شيئًا ولكنه يسبح ولا
[ ٢ / ٢٦٠ ]
يلحن فصلى خلف من يحيل بلحنه معنى الفاتحة فهو على هذين الوجهين وروى عبيد بن عمير أن رجلًا من السائب كان يصلي بالناس بمكة وكان أعجمي اللسان فأخره المسور بن مخرمة وقدم غيره فبلغ ذلك عمر ﵁ فهم بالمسور فقال يا أمير المؤمنين أن الرجل كان أعجمي اللسان وكان في الحج فخشيت أن يسمع به بعض الحاج فيأخذ بعجمته فقال: أصبت.
فَرْعٌ آخرُ
لو اختلف لثغة رجلين لم يجز لأحدهما أن يأثم بالآخر في أصح الوجهين لأن كل واحد يعجز عن صاحبه في الحرف الذي أتى به فكان نقصًا.
فَرْعٌ آخرُ
الحبسة في اللسان تعذر الكلام عند إرادته والفف إدخال حرف والغمغمة أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحرف وأصل الغمغم موت المبارز في الحرب وحكم هؤلاء حكم الألثغ.
فَرْعٌ آخرُ
القراءات الشاذة ما عدا الحروف السبعة فإن لم يكن فيها زيادة حرف ولا تبديل معنى فقراءتها في الصلاة لا تبطلها وتحتسب لأن اللحن الذي لا يغير المعنى لا يمنع الاحتساب بالقراءة [٣٤٢ ب/٢] على ظاهر المذهب وإن كان فيها زيادة كلمة أو كان فيها تغيير المعنى فتلك القراءة تجري مجرى أثر عن الصحابة أو خبر عن رسول الله - ﷺ - فإن كان عمدًا تبطل الصلاة وإن كان سهوًا فإنه يسجد للسهو.
مسألة: ولا يأتم وجل بامرأة ولا بخنثى وهذا كما قال لا يجوز أن تكون المرأة إمامًا للرجال وبهذا قال كافة العلماء وقال أبو ثور يجوز ذلك وحكي عنه وعن ابن جرير أنهما قالا: يجوز في صلاة التراويح إذا لم يكن قارئ غيرها وتقف خلفه الرجال واحتجوا بما روي عن ورقة بنت نوفل أن النبي - ﷺ - كان يزورها في بيتها فجعل لها مؤذنًا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها وهذا عام في الرجال والنساء وهذ غلط لقوله - ﷺ - "أخروهن من حيث أخرهن الله" وقال - ﷺ -: "لا تؤمن امرأة رجلًا ولا إعرابي مهاجرًا لا فاسق مؤمنًا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه" ولأن الإمامة هي موضع الكمال والمرأة ليست من أهل الكمال ولهذا لا تصلح للقضاء والإمامة الكبرى ولأن في إمامتها [٣٤٣ أ/٢] افتتانًا بها فلا يجوز وأما خبرهم قال الدارقطني: أمرها أن تؤم نساء أهل دارها. وأما الخنثى فينظر فيه فإن بان أنثى فهو كالمرأة وإن بان رجلًا فهو كالرجل وقال في الحاوي: إذا زال إشكاله وبان أمره كرهنا له أن يأتم بامرأة ويجوز، وإن بان رجلًا كرهنا للرجال أن يأتموا به ولكن يجوز، وأما إذا كان مشكلًا لا يجوز أن يكون إمامًا للرجال لئلا تكون امرأة ولا يجوز أن يكون إمامًا للخنثى لئلا
[ ٢ / ٢٦١ ]
تكون امرأة والمأموم رجلًا، ولا يجوز للخنثى أن تأتم بامرأة لئلا يكون رجلًا خلف امرأة. ويجوز أن يكون إمامًا للمرأة وأن يأتم بالرجال أيضًا.
فرع
قال في كتاب الإمامة ويصلي الرجل بالنساء من ذوات محارمه فإن كن أجنبيات ولا رجل معهن كره له أن يصلي بهن وإنما كان كذلك لأن النبي - ﷺ - نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية وقال: "لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما" وإن كان معهن رجال لم يكره بحال.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى خلف الخنثى ولم يعلم ثم علم لزمه إعادة الصلاة [٣٤٣/ ٢] فلو لم يعد الصلاة حين عرف حتى بان أنه رجل فالصحيح أنه يلزمه الإعادة أيضًا وفيه قول مخرج أنه لا يلزمه الإعادة من قول الشافعي ﵁ ولو رأوا سوادًا فظنوه عدوًا فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه غير عدو يلزمهم الإعادة في أحد القولين ولو ائتم خنثى بامرأة ثم بان أن الخنثى امرأة لا تسقط عنه الإعادة قولًا واحدًا لأن إحرامه انعقد فاسدًا ولو فرغ من صلاته ثم بان أن الإمام امرأة ففيه وجه مخرج أنه لا إعادة ذكره في الحاوي.
مسألة: قال: وأكره إمامة الفاسق والمظهر للباع وهذا كما قال تكره إمامة الفاسق وأراد كراهة التنزيه وهو المسلم إذا شرب الخمر أو زنى أو سرق أو ارتكب غيره من المعاصي فإن صلى بهم صحت صلاتهم والكراهة للنهي الذي ذكرنا في الخبر وروي أن رسول الله - ﷺ - قال: "انتقدوا أئمتكم انتقاد الدرهم والدنانير" وقال مالك ﵀: الفاسق بغير تأويل لا يجوز الصلاة خلفه وفي المتأول روايتان والمشهور عنه أنه قال: إذا صلى خلف الفاسق بتأويل يعيد في الوقت وهذا يدل على أنه [٣٤٤ أ/٢] لا تجب الإعادة وقال أحمد ﵀ في إحدى الروايتين: لا تجوز الصلاة خلف الفاسق أصلًا وروي أنه قيل لأحمد: أتصلي خلف من يشرب النبيذ؟ فقال: أنا أروي عنه الحديث أفلا أصلي خلفه؟ وهذا إذا غسل فاه عند الصلاة وثيابه نظيفة وكان صاحيًا والدليل على ما ذكرنا قوله - ﷺ -: "صلو خلف من قال: لا إله إلا الله وعلى كل من قال: لا إله إلا الله" وصلى ابن عمر ﵄ خلف الحجاج وكان من أفسق الناس، وروي أنه قيل لابن عمر ﵄: أتصلي خلف الحجاج؟! فقال: إذا دعونا إلى الله تعالى أجبناهم وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم. وقال معاذ قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام ولا تسبن أحدًا من أصحابي" وروى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: ثلاث من السنة الجهاد في سبيل الله مع كل بر أو فاجر والصلاة خلف كل إمام بر أو فاجر والصلاة على من صلى إلى القبلة بر أو فاجر" وقال الشافعي وإن أم من بلغ غاية في خلاف الحمد والدين أجزأه
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وخلاف الحمد هو الذم ولكنه [٣٤٤ ب/٢] تطرف في العبادة فعبر عن الفسق المذموم بخلاف الحمد وأراد به من بلغ الغاية في ارتكاب المعاصي ولم يرد الغاية في البدعة هي الكفر، وأما المظهر للبدع في الدين بالطعن على السلف الصالح فإنه تكره الصلاة خلفه فإن صلى صحت صلاته لأن ذلك لا يخرجه عن الإسلام وقال صاحب الإفصاح: أراد الشافعي ﵀: إذا لم يخرج عن الإسلام ببدعته ولم يكفر السلف ولم ينقصهم ولم يعتقد حدوث كلام الله تعالى ولا نفي شيء من صفاته، وإنما خالف في الأرجاء والوعيد ونحو ذلك من البدع التي لا تخرجه من الملة فتكره الصلاة خلفه، ولكن تجوز فأما إذا اعتقد شيئًا مما ذكرنا لا تجوز الصلاة خلفه. ومن أصحابنا من قال: البدعة على ثلاثة أضرب ضرب لا يفسق به كالمخالف في الفروع من الفقهاء فلا تكره الصلاة خلف معتقده إلا أن يكون منهم من يذهب إلى ترك الأركان فتكره الصلاة خلفه لئلا يترك ركنًا ويجوز لأن الظاهر منه أنه يأتي به إذ هو يستحب عنده قلت: وربما يعتقد أنه لا يستحب كالتسمية في الركعة الثانية ولكنه يأتي به للخروج [٣٤٥ أ/٢] من الخلاف، وضرب يفسق به كمن سب الصحابة من الروافض والخوارج، فتصح الصلاة خلفه ولكنه يكره، وضرب يكفر به كالقول بخلق القرآن والاعتقاد بأن عليًا ﵁ كان إلهًا أو كان نبيًا كما قالت غلاة الرافضة فلا تجوز الصلاة خلفه. وحكي عن مالك أنه قال: لا يؤتم ببدعي ولعله أراد من يحكم بكفره وقال القفال: تجوز الصلاة خلف الخوارج والروافض ولكن يكره لأن مذهب الفقهاء أن لا يكفر أهل الأهواء بالتأويل وقيل لجعفر بن محمد ﵁: أكان الحسن، والحسين إذا صليا خلف مروان بن الحكم يعيدان الصلاة؟ فقال: لا ما كان يزيدان على الصلاة معه غير النوافل.
مسألة: قال وإن أمي أي بمن يقرأ أعاد القارئ وهذا كما قال إذا ًصلى القارئ وهو الذي يحسن أم القرآن خلف الأمي الذي لا يحسن أم القرآن ففيه قولان؛ أحدهما قاله في الجديد: أنه لا تجوز صلاة القارئ وقال في القديم: إن كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة لا يجوز لأن الإمام يتحمل القرآن في هذه الصلاة والأمي ليس هو من أهل التحمل وإن كانت الصلاة مما يسن فيها [٣٤٥ ب/٢] بالقراءة يجوز لأنه يقرأ لنفسه وبه قال الثوري وخرج أبو إسحاق ﵀ قولًا ثالثًا فقال على هذا نحى في قوله الجديد أن يصح صلاة القارئ خلف الأمي بكل حال لأنه يلزمه أن يقرأ لنفسه في الصلاتين وبه قال المزني وأبو ثور واختاره ابن المنذر وروي ذلك عن عطاء، وقتادة ووجهه أن القراءة هي ركن من أركان الصلاة فجاز أن يكون العاجز عنه إمامًا للقادر كالقائم يصلي خلف القاعد وقال القاضي الطبري هذا التخريج باطل لأن الشافعي ﵀ رجع في الجديد كما قاله في القديم من تحمل الإمام قراءة المأموم وألزم المأموم القراءة في الصلاتين ومع هذا فقد منع جواز صلاة القارئ خلف الأمي وفي القديم اعتبر بطلان صلاته بتحمل القراءة عن المأموم فلم يجز أن يخرج على قوله الجديد طريقة رجع عن القول بها ولو جاز هذا لجاز أن يقال قوله القديم قول الشافعي في
[ ٢ / ٢٦٣ ]
الجديد مع رجوعه عنه واختياره لطريقة مخالفة له فلما لم يجز هذا فكذلك هذا التخريج وقال القفال اختلف أصحابنا في نصين للشافعي خالف الآخر الأول هل يجعل للآخر [٣٤٦ أ/٢] رجوعًا عن الأول أم لا فإن قلنا أنه يكون رجوعًا فلا يأتي في الجديد إلا قول واحد لا يجوز بحال وإن قلنا لا يجوز رجوعًا فعلى هذا يخرج ما قاله أبو إسحاق قال: وإنما لا يجعل رجوعًا لأنه قد ينص في موضع واحد على قولين والصحيح القول الأول وبه قال أبو حنيفة ومالك، وأحمد، والثوري في الرواية الصحيحة أن الإمام من يقدر على التحمل إذا أدركه راكعًا فالعاجز لا ينتصب له كالإمام الأعظم إذا عجز عن عمل أعيا الأمة لا يكون إمامًا.
فرع
إذا صلى القارئ خلف الأمي صحت صلاة الإمام وإن لم تصح صلاة القارئ خلفه وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد ﵏ وكذلك يجوز للأمي أن يصلي خلف الأمي مع المقدرة على الاقتداء بالقارئ ولكل واحد منهما أن يصلي منفردًا، وكذلك يجوز للأخرس أن يصلي خلف الأخرس مع القدرة على الصلاة خلف الناطق ويصلي منفردًا أيضًا مع القدرة على الاقتداء بالناطق، وقال أبو حنيفة: تبطل صلاة الأمي أيضًا قال أبو حازم: من جملة أصحابه إنما أفسد أبو حنيفة صلاة الأخرس لأنه يمكنه [٣٤٦ ب/٢] أن يقتدي بالقارئ فيؤدي صلاة بقراءة وهذا يدل على أنه لا يصلي وحده وقال الكرخي: إنما أفسد صلاته لأنه لما أحرم معه صح إحرامه معه ثم لزم تحمل القراءة عنه فعجز فبطلت صلاته، وهذا غلط لأنه أم من لا يجوز له أن يؤمه فلا تبطل صلاته، كالمرأة تؤم الرجل وأما ما ذكر أبو حاتم فغلط فإنه يوجب الجماعة على الأمي وقد روينا أن رجلًا قال يا رسول الله إني لا أستطيع شيئًا من القرآن فقال: "قل سبحان الله" والحمد لله الخبر ولم يأمره بالائتمام بالقارئ وأما ما ذكره الكرخي لا يصح لأن هذا الأمي بإحرامه لا تجب عليه القراءة لنفسه فكيف يجب عليه أن يتحمل عن غيره.
فَرْعٌ آخرُ
الأمي في اللغة: هو الباقي على أميته يعني عى خلقته الأولى لم يعلم شيئًا وفي الشرع: من لا يحسن أم القرآن فإذا ائتم من لا يحسن أم القرآن ويحسن غيرها فصلاة من يحسن أم القرآن خلفه باطلة وإن كان الإمام لا يحسن أم القرآن يحسن سبع آيات أو ثمان آيات والمأموم لا يحسن أم القرآن أيضًا إلا أنه يحس من سائر القرآن أكثر صحت صلاته خلفه لأنهما أميان والمستحب [٣٤٧ أ/٢] تقدم من يحفظ الأكثر.
فرع
لو كان لا يحسن شيئًا من القرآن فصلى بمن يحسن سبع آيات من غير الفاتحة فهو كصلاة القارئ خلف الأمي لأن سبع آيات تقوم مقام الفاتحة.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو كان أحدها يحسن النصف الأول من الفاتحة والأخر يحفظ النصف الأخير لا يصح اقتداء أحدهما بالأخر وهذا مما يسأل للتعنف فيقال: أيهما أولى بالإمامة؟ ومثل هذا يسأل فقال: جماعة من الخنائى إمامهم أين يقف؟ وهذا السؤال محال لأنه لا يصح اقتداء بعضهم ببعض.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى رجل خلف من لا يعرفه قارئًا فإن كانت الصلاة يسر فيها بالقراءة أحببنا له الإعادة لئلا يكون أميًا ولا يجب عليه لأن الظاهر أن لا يتقدم بالناس إلا قارئ وإن كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة ولكنه ما جهر بها قال في الأم عليه الإعادة لأنه لو كان يحسن القراءة لجهر بها اللهم إلا أن يسأله فيقول: تركت الجهر ناسيًا فلا يلزم الإعادة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو أم رجل قومًا يقرأون القرآن ولا يدرون أيحسن أن يقرأ أم لا؟ فإذا هو لا يحسن أم القرآن أو تكلم بسجع في القرآن لم تجزهم صلاتهم وابتداء الصلاة وعليهم إذا سمع [٣٤٧ ب/٢] ما ليس من القرآن أن يخرجوا من الصلاة خلفه وسجاعته كالدلائل الظاهرة على أنه لا يحسن يقرأ وأراد بالسجع ما حكي عن الأصمعي قال: اجتزت ببعض أحياء العرب فحضرت الصلاة فقام رجل يؤم القوم فقرأ: والسماء ذات البروج والحيل السروج والأرض ذات المروج والبحر عليها يموج.
ثم ذكر وقام إلى الثانية فقرأ:
والليل إذا يغشى وجاء الذئب يسعى وأكل الشاة الوسطى وترك الشاة العرجا وسوف يأخدها مرة أخرى.
وكبر وسلم فقلت له: إن هذا ليس بقرآن قالها القرآن قال: فلقنته الفاتحة والمعوذتين قال أما إنه لأحسن مما كنت أقول وقرأ بعض العرب:
قل هو الله أحد قاعد على الرصد مثل الأسد لا يفوته أحد.
فإذا علم أنه أمي أو سمع ما ذكرناه وكان قد أحرم خلفه قال الشافعي ﵀ أحب أن يعيدوا الإحرام فإن بنوا عليه وأتموا لأنفسهم أجزأتهم واحتج المزني ﵀ على صحة قوله بأربعة أشياء؛ أحدها: قال قد أجاز صلاة من ائتم بجنب وهو ليس في صلاة فأولى أن تجوز الصلاة خلف العاصي بترك الغسل دون المطيع والثاني [٣٤٨ أ/٢] قال الشافعي: صلى رسول الله - ﷺ - قاعدًا بقيام وفقد القيام هو أشد من فقد القراءة لأن القراءة تسقط إذا أدرك الإمام راكعًا دون القيام والثالث: قال أجاز الشافعي رحمة الله عليه في صلاة الخوف للطائفة الثانية ركعتها مع الإمام إذا نسي سجدة من الأولى وقد بطلت هذه الثانية على الإمام والرابع قال ولا يكون هذا أكثر ممن ترك أم
[ ٢ / ٢٦٥ ]
القرآن عمدًا وتجوز صلاة المأموم خلفه والجواب عن الكل هو يرجع إلى نكتة واحدة وهي أن في هذه المواضع لم يكن أنقص في ذات الإمام يمنع اقتداء كامل بالذات به وفي الأمي وجد نقص في ذاته فمنع اقتداء القارئ الذي هو كامل الذات به كما لا يجوز اقتداء الرجل بالمرأة ولهذا أن النبي - ﷺ - أحرم بالصلاة وهو جنب ثم تذكر فخرج فاغتسل وصلى وروي أنه لما مرض صلى قاعدًا ولا يقال هو نقص فيه أو نقول الحدث والطهارة متعاقبان وليست لهما علامة يعرف. الرجل بها والأمي يمكن الوقوف على حاله ولأن خلف الجنب لا تجوز الصلاة مع العلم وهو يجوز خلف الأمي [٣٤٨ ب/٢] مع العلم فلا يصح الاعتبار وقوله: فقد القيام أشد ليس كذلك بل فقد القراءة أشد لأن المتنفل يترك القيام مع القدرة دون القراءة وأما إذا أدرك الإمام لا يأتي بقيام القراءة بل يأتي بقيام التكبير فكما سقطت للقراءة فكذلك للقيام وأما الأخير قلنا ليست لتركه القراءة عامدًا علامة يعرف بها بخلاف الأمي.
مسألة: وإن ائتم بكافر ثم علم أعاد ولم يكن هذا منه وهذا كما قال إذا صلى الكافر قبل أن أن يظهر الشهادتين لم يكن ذلك إسلامًا منه وعذر على ذلك ولا يكون ذلك أيضًا دلالة على إسلامه وسواء كان إمامًا أو مأمومًا وسواء صلى في بيته أو في المسجل وإنما يعزر لأنه أفسد على المسلمين صلاتهم واستهزأ بدينهم وحكي عن الأوزاعي أنه قال: يعاقب وينبغي أن يريد به التعزير وقال أبو حنيفة: إذا اقتدى بمسلم في مسجد وحكم بإسلامه حتى لو قال: ما أسلمت حكم بردته ويقتل وإن كان إمامًا أو منفردًا في مسجد فيه روايتان وإن صلى في غير المسجد لم يكن إسلامًا وعند محمد إذا صلى في المسجد على أية حالة كانت كان إسلامًا وقال أحمد: يحكم بإسلامه بالصلاة بكل [٣٤٩ أ/٢] حال وحكي عن أبي حنيفة: أنه لو حج وطاف كان إسلامًا منه وهذا غلط لأن صلاته تحتمل وجوه فلا تدل على الإسلام.
فرع
هذا الذي ذكرنا هو إذا لم نسمع منه كلمة الشهادتين في التشهد فإن سمع منه ذلك قال ابن أبي هريرة: فيه وجهان أحدهما: أنه يحكم بإسلامه وهو الصحيح وهو اختيار القفال لأن الشهادتين قد وجدتا منه ابتداء فكان إسلامًا كما لو دعي إلى الإيمان فقال: أشهد أن لا إله إلا الله والثاني أنه لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بها قاصدًا إظهار الإسلام لجاز أن يكون ذلك منه على طريق الحكاية والاستهزاء كما روي أن أبا محذورة وأصحابه إذنوا في طريق حنين على طريق الحكاية والاستهزاء لمؤذن رسول الله - ﷺ - فلم يجعل ذلك إسلامًا منهم وعلى هذا إذا أتى بالشهادتين في غير الصلاة من غير دعاء إلى الإيمان أو أذن هل يحكم بإسلامه فيه وجهان.
فرع
لو قال مع الشهادتين وأنا برئ من كل دين خالف الإسلام حكم بإسلامه على أي
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وجه كان وإنما يعتبر ذلك هذا عند الدعاء إلى الإيمان في العيسوية من اليهود الذين يقولون: إن محمدًا [٣٤٩ ب/٢] رسول الله أتى العرب دون بني إسرائيل.
فرع
قال الشافعي ﵀ في المرتد في الكبير إذا قامت البينة على الرجل بالردة غنم ماله إذا مات فإنه قال ورثته: أنه رجع إلى الإسلام وأقاموا البينة أنهم رأوه بعد الشهادة عليه بالردة يصلي صلاة المسلمين يعني في دار الحرب قبلت ذلك منهم وإن كان هذا في بلاد المسلمين لا يحكم بإسلامه بها قال القافي أبو الطيب: وعندي أن الكافر إذا صلى في دار الحرب مثل المرتد وهذا لأنها دلالة على الإسلام فإذا وجدت في دار الإسلام جاز أن يكون هذا رياء وتقربًا إلى المسلمين فلا يحكم بها بالإسلام كصوم شهر رمضان فإذا وجدت في دار الحرب لا يحتمل إلا الإسلام وهذا غريب لم يذكره أهل خراسان وقد ذكرنا من قبل أنه إذا صلى خلف الكافر ثم فإنه يلزمه الإعادة بخلاف ما لو صلى خلف الجنب ثم علم والفرق ما أشار إليه الشافعي قال الكافر لا يكون إمامًا بحال والمؤمن يكون إمامًا في الأحوال الظاهرة ويقرأ هذه اللفظة بالطاء والظاء ومعناهما متقارب إلا أن الأحوال لا توصف [٣٥٠ أ/٢] بالطهارة ويصح أن توصف بالظهور من قرأها بالظاء قال الخلل وقع من المزني ﵀ لأن الشافعي ﵀ عبر بخلافه في الكبير فقال لأن الكافر لا يكون إمامًا بحال والمؤمن يكون إمامًا إلا أنه ليس له أن يصلي إلا طاهرًا وأراد أن الطهارة والحدث حالتان متعاقبتان على المؤمن فلا يمكن المقتدي الاحتراز من حدث الإمام كما يمكنه في الغالب الاحتراز من كفره إذا الكفر والإسلام ليسا متعاقبين في الغالب وكذلك الذكور والأنوثة وبهذا نجيب المزني ﵀ كما ذكره هنا وهو قوله كل فصل لنفسه.
مسألة: قال ومن أحرم في مسجد أو غيره ثم جاء الإمام فتقدم لجماعة.
فصل
وهذا كما قال وجملته أن في نفل الصلاة إلى الصلاة ثلاث مسائل؛ إحداها: أن ينقل من جماعة إلى جماعة مثل إن أحدث الإمام فاستخلف غيره أو أحرم بهم وهو جنب فذكره انصرف واغتسل وعاد فابتدأ بهم الصلاة صح ذلك كما فعل النبي - ﷺ - وقد انعقد في هذه المسألة الثانية جماعة بغير الإمام ثم صارت جماعة بإمام فيجوز والثانية [٣٥٠ ب/٢] نقل الجماعة إلى الانفراد ينظر فإن سلم إمامه قبل الفراغ المأموم مثل أن أدرك معه بعض الصلاة أتمها المأموم منفردًا وإن أخرج نفسه من صلاة إمامه قبل فراغ الإمام منها نظر فإن كان لعذر أتمها لنفسه لما ورد في صلاة الخوف وإن كان لغير عذر ففيه طرق قال الإصطخري لا تبطل قولًا واحدًا وقال غيره من أصحابنا فيه قولان والصحيح أنه لا يبطل ويكره لما روي أن رجلًا خرج من صلاة معاذ حين أطالها فلم يأمره رسول الله - ﷺ - بالإعادة ولأن الجماعة فضيلة فكان له تركها كما لو صلى بعض صلاة النفل قائمًا ثم قعد وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان بعذر فقولان، وإن
[ ٢ / ٢٦٧ ]
كان بغير عذر فتبطل قولًا واحدًا. وهذا ضعيف وقال بعض أصحابنا بالعراق من المتأخرين: فيه قولان: سواء كان بعذر أو غير عذر وهذا هو أضعف من الذي تقدمه وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: تبطل صلاته سواء كان بعذر أو غير عذر واحتجوا بقوله - ﷺ - إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا يختلفوا عليه قلنا: [٣٥١ أ/٢] أراد ما دام متابعًا له والثالثة: أن ينقلها من الانفراد إلى الجماعة ينظر فإن أحرم وحده ثم جاء قوم فصلوا خلفه فنوى هو إمامتهم صارت جماعة ويجوز بلا خلاف وإن جاء هو والإمام معًا لصلاة الجماعة فلما وقفا للدخول فيها أحرم قبل إمامه فنوى إتباعه في الصلاة لا يجوز قولًا واحدًا ولو أحرم وحده بصلاة فجاء إمام ومعه قوم فأحرموا بتلك الصلاة فالمستحب أن يتجوز في إكمال الركعتين ويسلم ويتبع الإمام فيصلي معه الجماعة وإن لم يفعل كذلك ولكنه نقلها إلى صلاة الإمام قال في الأم والقديم ونقله المزني: يكره ويصح وقال في الإملاء: تبطل صلاته واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال قول واحد أنه لا يجوز لأنه قال في الإملاء: لا يجوز أن يبتدئ الصلاة لنفسه ثم يأتم بغيره وهذا منسوخ أراد به ما قال في الكبير هو منسوخ بفعل معاذ وذلك أن في ابتداء الإسلام كان إذا دخل المسبوق يسأل بعض القوم كم مضى من الصلاة فيشير إليه بأصبعين أو ثلاثة فيصلى هو ذلك القدر ثم يتم صلاته مع الإمام فدخل معاذ ﵁ فصلى مع النبي - ﷺ -[٣٥١ ب/٢] ما أدراك فلما سلم قضى ما فاته فسأله رسول الله - ﷺ - عن ذلك فأخبره كيف فعل فقال: "إن معاذًا سن لكم سنة فاتبعوه" وروي: "إذا أتيتم الصلاة فأتوها تمشون ولا تأتوها تسعون وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" ونقل المزني ﵀: وكرهت ذلك وأراد كراهة التحريم كما قال تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] أي محرمًا والذي قاله في القديم قال قائل: يدخل مع الإمام ويعيد بما مضى أراد به مالكًا ﵀ ثم رده عليه وقال: من قال بهذا أجاز الصلاة بإمامين ونحن لا نجيز ذلك أراد به إبطال الاستخلاف في قوله القديم لا يجوز هذا والفرق أنه التزم أحكام المنفردين بالانفراد فليس له إسقاطها بالاقتداء بخلاف الصلاة خلف إمامين فإنه لا يؤدي إلى هذا وهذا جواب المزني عما اختار من جواز نفل صلاة الانفراد إلى الجماعة قال هذا القائل ولا يجوز الاحتجاج بما روي أنه أحرم وهو جنب فتذكر فخرج ثم عاد بعد الغسل فأحرم لأنهم افتتحوا على قصد [٣٥٢ أ/٢] الجماعة بخلاف هذا قال: ولا يجوز الاحتجاج أيضًا بما روي أن أبا بكر ﵁ ائتم بالنبي - ﷺ - بعد ما صلى بعض الصلاة إمامًا لأن ذلك أيضًا هو افتتاح جماعة وهذا قول أبي حنيفة ويروى عن مالك أيضًا ومن أصحابنا من قال وهو الأصح في المسألة قولان: والصحيح عندي أنه يجوز وهو اختيار المزني ﵀ ووجهه أنها صلاة افتتحت فرادى وصارت جماعة فلا بأس كما لو أحرم وحده ثم صلى خلفه جماعة، والاحتجاج بما روي أنه صلى بهم وهو جنب صحيح لأنه - ﷺ - في الحقيقة لم يكن في صلاة فلم تصح جماعتهم ثم صحت
[ ٢ / ٢٦٨ ]
بعد ذلك وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ كان في حكم الأصل ولم يكن متابعًا لأحد ثم صار متابعًا وجاز ذلك، وهاتان الحجتان قويتان. ثم اختلف أصحابنا في محل القولين فمنهم من قال القولان: قبل الركوع فأما بعد الركوع لا يجوز قولًا واحدًا لأن فيه تغيير نظام الصلاة ومنهم من قال وهو اختيار أبي إسحاق وغيره إن كان قبل الركوع يجوز قولًا واحدًا والقولان: بعد الركوع ومنهم من قال وهو الأصح في الكل قولان: قبل الركوع وبعده ثم من أصحابنا من [٣٥٢ ب/٢] قال القولان هما مبنيان على أن الخروج من صلاة الإمام قبل فراغه هل يجوز أم لا؟ لأنه يحتاج ههنا إلى الخروج قبله ومنهم من قال: هما مبنيان على أن الاستخلاف هل يجوز أم لا؟ ووجهه المشابهة أنه يصلي الآن بإمام لم يكن من قبل والصحيح أنهما قولان: بأنفسهما لأنه خروج بعذر ومعنى القولين أنه يؤدي إلى تغيير الأحكام فإذا قلنا: يجوز ضمها وكان قد سبقه بركعة فإذا قام الإمام إلى الرابعة لا يجوز له أن يقوم معه لأنه يؤدي إلى أن تصير صلاته خمسًا بل يقعد ويتشهد ثم إن انتظر الإمام حتى يتشهد ويسلم كان له ذلك كما جاز في صلاة الخوف نحو هذا وان أراد أن يسلم كان له ذلك لأنه عذر ولو صلى ركعتين من الظهر ثم ضم إلى صلاته فقام غير ركعتين إن شاء انتظر حتى يصلي ركعتين ويتم الصلاة فيسلم معه وهو يطول الدعاء في حال الانتظار وإن شاء سلم لنفسه. وقال بعض أصحابنا بخراسان يجوز قبل الركوع وبعده بشرط أن لا يؤدي إلى مخالفة الإمام فإن أدى إلى مخالفة الإمام لا يجوز بأن صلى ركعة من الظهر ثم وصل بإمام وهو في أول [٣٥٣ أ/٢] الظهر لأنه مخالفة في القيام والقعود في كل ركعة وهذا لا يصح لأنه إذا جوزنا هذ يتابعه إلى آخر الصلاة ويترك التشهد الأول متابعة له ويأتي معه بالتشهد في الركعة التي هي ثالثة متابعة له ولا يضره ذلك ثم إذا تمت ركعات صلاته وقام هو إلى الرابعة فعلى ما ذكرنا وهذا أوضح.
فرع
لو شرع في صلاة فائتة فحضرت صلاة الوقت جماعة لا يقطعها لأنه لا يجوز أن يقطع فريضة لمراعاة مصلحة فريضة أخرى والله أعلم.