[٢٩ أ/ ١] مسألة: قال: (ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت).
وهذا كما قال: وروى في ترجمة هذا الباب: باب في الآنية، وروى باب الآنية وهو الأشهر. والقصد من هذا الباب بعد ذكر المياه التي يجوز التطهر بها والتي لا يجوز، ذكر الأواني الطاهرة التي يجوز منها التطهر، والتي لا يجوز؛ لأن الغالب من
[ ١ / ٥٣ ]
المياه التي يتطهر بها أنها تكون في الأواني.
وجملته: أن الأواني الطاهرة يجوز التطهر من الماء الذي فيها، ولا يجوز التطهر من الماء الذي في الأواني النجسة، ومن الأواني الطاهرة ما ينهى عن استعمالها مع جواز التطهر من مائها.
فإذا تقرر هذا، فقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت" أراد به ميتة كانت طاهرة في حال الحياة، فنجست بالموت؛ لأن الحوت لا ينجس بالموت ولا يحتاج في جلده إلى الدباغ، والكلب نجس في حال الحياة فلا يؤثر في تطهير جلده الدباغ. وفيما نقله المزني خلل؛ لأن هذا لفظ عام وعطف عليه الخبر، وهو قوله ﷺ: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وهو عام، يدخل تحته السباع وغيرها.
ثم عطف عليه فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ".
وهذا لا يحسن، ألا ترى أنه لو قال قائل: جميع الجلود تطهر بالدباغ، وكذلك جلود السباع كان لغوأً، وإنما ذكر الشافعي في أول الباب خبر شاة ميمونة وهو أنه صلي الله عليه وسلم [٢٩ ب/ ١] مر بشاة ميتة لميمونة، وروي لمولاة ميمونة، فقال: "هلا انتفعتم يإهابها؟ " فقيل: إنها ميتة،
فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وروي أنه قال: "أليس في الشب والقرظ ما يطهره". وروي أنه قال: "إنما حرم عن الميتة أكلها".
ثم عطف عليه، فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ " ويحسن عطف العام على الخاص كما فعل الشافعي ولا يحسن عطف الخاص على العام كما فعل المزني. وقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة" ومعناه بالماء الذي في جلود الميتة. واعلم أن الميتات كلها نجسة إلا خمسة؛ الحوت، والجراد، والصيد إذا مات في يد المعلم من غير عقر في قول، والآدمي في قول، والجنين إذا خرج ميتًا بعد ذكاة أمه.
واختلف الناس في جلود الميتات على سبعة مذاهب: فذهب الشافعي إلى أن جلود الميتات تنجس بالموت كما ينجس لحمها، إلا أنه يطهر بالدباغ جلد كل حيوان كان طاهرًا في حياته ظاهرًا وباطنًا، ويجوز الصلاة معه وعليه، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة واليابسة، وكل حيوان نجس في حال حياته كالكلب والخنزير وما توالد منهما،
[ ١ / ٥٤ ]
أو من أحدهما لا يطهر جلده بالدباغ أصلًا وبه قال علي، وابن مسعود - ﵄ - وذكر ابن القطان وجهان، الجلد لا ينجس بالموت، وإنما الزهومة فيه تصير نجسة فيؤمر بالدباغ لزوالها كما يغسل من النجاسة، وهذا [٣٠ أ/ ١] ليس بشيء؛ لأن كل جزء تحله الحياة تنجس بالموت.
وأما جلد الآدمي هل ليطهر بالدباغ؟ فيه وجهان. إذا قلنا إنه ينجس بالموت في أضعف القولين، وقيل: إنه لا يتأتى فيه الدباغ، وقال أبو حنيفة: يظهر جلد الكل بالدباغ إلا جلد الخنزير والإنسان.
ثم منهم من قال: عين الخنزير نجس في حال الحياة كمذهبنا. ومنهم من قال: عينيه طاهرة كعين الكلب، إلا أن جلده لا يقبل الدباغ؛ لأنه نبت الشعر في جلده من لحمه. وقال أبو يوسف: يطهر جلد الخنزير أيضًا، وبه قال داود. وروى هذا عن أبى حنيفة.
وقال مالك: يطهر ظاهر الجلد دون باطنه فيجوز الصلاة عليه ولا يجوز الصلاة فيه،
ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة دون الرطبة، إلا الماء فإنه عنده لا ينجس الماء إلا بالتغير.
وقال الأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق: يطهر جلد ما يؤكل لحمه بالدباغ دون ما لا يؤكل.
وقال أحمد: لا يطهر جلد الميتة بحالٍ في رواية، وبه قال عمر وابن عمر، وعائشة - ﵃-، وروى هذا عن مالك أيضًا.
وقال ابن المنذر: كان الزهري ينكر الدباغ، وقال: ينتفع بجلود الميتة على كل حال ما وسع الناس فيه قولا الزهري، ثم داود، ثم أبو حنيفة، ثم مالك، ثم الأوزاعي، ثم أحمد، والدليل على بطلان قول أبي حنيفة أن الكلب حيوان نجس العين فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير.
وقول الشافعي [٣٠ ب/ ١]: لأنهما نجسان وهما حيان إشارة إلى الدليل. وهو أن الدباغ معالجة فتزيل النجاسة العارضة دون الأصلية، ونجاسة الكلب هي أصلية فلا ترتفع بالدباغ كما لا ترتفع بالحياة. والدليل على بطلان قول أبي يوسف أن الحياة هي أقوى من الدباغ، والحياة لا تطهر جلد الخنزير فالدباغ أولى أن لا يطهره. والدليل على بطلان قول مالك ظاهر ما ذكرنا من الخبر.
وروى عن سودة بنت زمعة - ﵂ - أنها قالت: ماتت شاة لنا، فأخذنا إهابها ودبغنا. وجعلنا منه قربة ننبذ فيها إلى أن صارت شنًا. ومعنى ننبذ فيها: أي نطرح التميرات في الماء الذي فيها حتى نسكب ملوحته وتصير حلوى. وقال ابن عباس - ﵄ -: توضأ رسول الله صلي الله عليه وسلم من قربة قيل له: إنها ميتة، فقال: "إن دباغها
[ ١ / ٥٥ ]
يذهب رجسها أو نجسها وخبثها".
ولأنه جلد يجوز الصلاة على قلبه ووجهيه، فيجوز الصلاة معه أصله جلد المزكي المأكول واحتج مالك أنه جامد نجس فلا ينقلب طاهرًا. قلنا: يبطل بظاهر، ثم تأثير الدباغ في باطنه كهو في ظاهر فيستوي حكمها.
والدليل على بطلان قول الأوزاعي عموم الخبر، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأنه حيوان طاهر العين فأشبه المأكول، واحتج بان الزكاة أقوى من الدباغ ولا تؤثر الزكاة إلا فيما يؤكل بالدباغ أولى، ولأنه حيوان لا يطهر [٣١ أ/ ١] جلده بالزكاة فلا يطهر بالدباغ كالكلب. قلنا: الدباغ أقوى؛ لأنه يرفع النجاسة المحققة والزكاة ترفع النجاسة، وإنما افترقا لأنه يقصد بالزكاة اللحم، فإذا لم ينج اللحم لا يطهر الجلد بالدباغ، يقصد الجلد لا غير فيرده إلى حالة الحياة من الطهارة.
والدليل على بطلان قول أحمد الخبر الذي ذكرناه، واحتج بما روي عن عبد الله بن عكيم أنه قال: كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل موته بشهران: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب". وروي: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء". ولأنه جزء من الميتة فلا يظهر بالدباغ كاللحم، لأنه تنجس بالموت فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب. قلنا: أما الخبر فمضطرب مرسل، وخبرنا مسند أخرجه مسلم في الصحيح، ثم أراد به قبل الدباغ؛ لأنه يسمى إهابًا قبل الدباغ وبعده يسمى أديمًا أو صوفًا. فإن قيل: خبرنا ورد قبل موته بشهر فهو متأخر؟
وأما اللحم فلا يؤثر فيه الدباغ ولا يغيره عن حالته، بل يفسده بخلاف الجلد.
وأما الكلب فجلده لمنجس بالموت. بل كان نجسًا قبله بخلاف هذا.
والدليل على بطلان قول الزهري الخبر الذي ذكرنا؛ لأنه جعل الدباغ شرح في طهارة الجلد. وروت عائشة - ﵂ "أن النبي ﷺ أمر أن يستمتع [٣١ ب/ ١] بجلود الميتة إذا دبغت". واحتج بخبر شاه ميمونة أن النبي ﷺ لم يذكر فيه الدباغ، وقال: "إنما حرم من الميتة أكلها".
قيل: روينا لفظ الدباغ، وروي: "فدبغوه وانتفعوا به"والناس أولى، وقوله: "إنما
[ ١ / ٥٦ ]
حرم أكلها": تحريمًا لا يرتفع وتحريم الجلد يرتفع. قالوا: لو كان نجسًا لم يطهر بالدباغ؟ قيل:
يجوز أن يكون الشيء نجس العين وينقلب طاهرًا كالخمر يصير خلًا.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في ثلاثة فصول: أحدها: فيما يدبغ به الجلد. والثاني: في جواز بيعه. والثالث: في جواز أكله.
فأما ما يدبغ به الجلد: فيجوز أن يدبغ بما كانت العرب يدبغون به من القرظ والشب هكذا في الخبر. قال أصحابنا: والشب أفصح، وروي ذلك وهو شيء يشبه الزاج وقيل: الشت بثلاث نقط، هو شجر من الطعم لا يعلم هل يدبغ به أم لا؟ والقرظ: ورق شجرة تنبت بتهامة يدبغ به الجلد. ويجوز أيضًا بكل ما يقوم مقامها من العفص وقشور الرمان، وما أشبه ذلك مما ينشف الفضول ويزيل الرطوبة حتى لا يفسد بورود الماء عليه. وفي خبر ميمونة -﵂ - ذكر القرظ والشب، وقال قي خبر آخر: "ويطهرها الماء والقرظ". فصار تنبيها على ما يقوم مقامها.
ومن أصحابنا من قال: يعتبر فيه ثلاثة أوصاف؛ أن ينشف فضوله الظاهرة، ورطوبته الباطنة، وأن يطيب الرائحة [٣٢ أ/ ١]، وأن يبقي على حالته بعد الاستعمال. فلا يفسد بورود الماء عليه مدة.
ومن أصحابنا عن زاد وصفًا رابعًا، فقال: وأن ينقل اسمه من الإهاب إلي الأديم والشت. وقال الشافعي: "ولا يجوز بالتراب ولا بالملح" وهذا صحيح؛ لأنه لا يصلحه على ما ذكرنا، وكذلك الشمس لا تطهره.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يطهرها التتريب والشمس؛ لأنها تجففه وتنشف فضوله، وهذا غلط؛ لأنه لا يأمن الفساد، ومتى لحقه بالماء عاد إلي حاله. وذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه إنما يطهره ذلك إذا عملت فيه عمل الدباغ على ما ذكرنا.
وقد قال أصحابنا: إن كان الرماد ونحوه يصلحه يجوز به الدباغ أيضًا، ثم إذا دبغ الجلد وأحكمه، قال أبو إسحاق: لا يطهر حتى يغسل بالماء القراح ليطهر ما جاوره من النجاسة؛ لأن ما لاقاه نجس به.
وقال بعض أصحابنا: يطهر بالدباغ ولا يحتاج إلي الماء، وهو ظاهر السنة، ولأن العين انقلبت فصارت طاهرة كالخمر يصير خلًا. وبه قال صاحب "التلخيص" كل نجاسة لا يجزئ في تطهيرها إلا الماء إلا الاستنجاء والدباغ، والأول أصح وأقيس.
فرع
ما يتناثر من الجلد من أجزاء والدباغ هل يكون نجسًا؟ فإن قلنا: يجب غسل الجلد وهو المذهب، فهو نجس، وإن قلنا: لا يجب غسل الجلد فتلك الأجزاء طاهرة؛ لأن نجاستها لنجاسة الجلد، فإذا زالت نجاسة الجلد حكم بطهارتها كما يحكم بطهارة المزر إذا انقلب خلًا.
[ ١ / ٥٧ ]
فرع آخر [٣٢ ب/ ١]
قال في "الأم": "لو دبغ وترك عليه شعر فيما بين الماء الشعرة نجس الماء، وإن كان الماء في باطنه والشعر على ظاهره لم ينجس الماء. قال صاحب "الإفصاح": وهذا يدل على أن جلد الميتة إذا دبغ بماء نجس طهر. وقال القاضي الطبري: هذا لا يجيء على مذهب الشافعي، وتأويله: أنه غسل باطنه بالماء القراح، ثم جعل فيه الماء، وإذا دبغ بشيء نجس يحتاج إلى الماء القراح بلا خلاف.
وقال بعض أصحابنا: بخراسان: هل يطهر به؟ وجهان. وهذا لا وجه له؛ لأنه يؤدي إلى أن لا سبيل إلى تطهيره؛ لأنه لا يمكن رده غير مدبوغ، والصحيح أنه يطهر ويغسل بالماء بعده.
فرع آخر
جلد ميتة الغير ودبغة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ملكًا لربه. والثاني: يكون ملكًا لدابغه. والثالث: إن كان رب الجلد رفع يده، فإن ألقاه فأخذه الدابغ كان ملكًا للدابغ، وإن لم يكن قد رفع يده كان لربه.
وأما الفصل الثاني: وهو الكلام في جواز بيعه: فلا خلاف أنه لا يجوز بيعه قبل الدباغ. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال يجوز بيعه؛ لأنه يمكن تطهيره ولا يصح عنه، بل هو قول بعض السلف وهو ربيعة، وهو غلط؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه". وهذا الجلد محرم قبل الدباغ.
وقال: أصحابنا: يجوز استعماله في اليابسات ويجوز هبته على سبيل نقل اليد والوصية به أيضًا على سبيل [٣٣ أ/ ١] التمليك. وأما بيعه بعد الدباغ، قال في "القديم": لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النبي ﷺ قال في شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به".
فخص الانتفاع فلا يحل ثمنه. وقال في "الجديد" وهو الصحيح، وبه قال كافة العلماء: يجوز بيعه؛ لأنه طاهر منتفع به ليس في بيعه إبطال حقه، فجاز بيعه كالزكاة، فأما ما ذكر فلا يصح؛ لأن بيعه من جملة الانتفاع به، وعلى هذا أصل هل يجوز إجارته؟ وجهان كالكلب. وقيل يجوز إجارته وهبته والوصية به قولًا واحدًا، وإنما القولان في بيعه ورهنه.
وأما الفصل الثالث وهو الكلام في جواز أكله: قال أصحابنا بالعراق: وإن كان جلد حيوان لا يؤكل لا يجوز أكله قولًا واحدًا؟ لأنه لا يحل بالزكاة مع أنها أقوى، فلأن لا يحل بالدباغ أولى، وإن كان جلد حيوان يؤكل فيه قولان. قال في "القديم": لا يحل أكله وهو الصحيح؛ لأنه جلد طاهر من حيران مأكول، فأشبه المزكي وأما الخبر فقد روى: "إنما حرم من الميتة لحمها".
[ ١ / ٥٨ ]
وقيل: إنما بني قوله في "القديم" على أن باطن الجلد لا يطهر بالدباغ، وهذا ليس بشيء. وقال بعض أصحابنا بالعراق: قوله القديم أصح؛ لأن الدباغ لو أفاد الإباحة لم تصح فيما يوكل لحمه كالمزكاة. وقال القفال [٣٣ ب/ ١]: القولان في جميع الجلود ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه طاهر لا حرمة له ولا يتضرر بأكله، وهذا أقيس. وذكره ابن كج رحمه الله تعالى.
مسألة: قال: "وَلاَ يَطْهَرُ بالدِّبَاغِ إِلاَّ الإِهَابُ وَحْدَه".
وهذا كما قال، أراد به: ولا يطهر من الميتة بالدباغ إلا الجلد والمشبعة التي فيها الولد إذا انفصلت من الحيوان يكون نجسًا ولا يطهر بحال، فأما الصوف والشعر والريش والقرن والعظم قلا يطهر بحالٍ، وهو ظاهر المذهب. ذكره القاضي أبو حامد في جامعه، وقال الشيخ أبو حامد، وأبو إسحاق: فيها قولان: أحدها: أنها طاهرة كالخشب وهذا ليس بصحيح. وأما الصوف والشعر والريش، فالنص هاهنا، وهو رواية الربيع وحرملة والبويطي أن فيها حياة وتنجس بالموت ولا تطهر بحالٍ وهو ظاهر المذهب. وروى ربيع بن سليمان
الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته، فإذا دبغ الجلد طهر تبع الشعر وهذا لا يصح؛ لأن الدباغ لا يؤثر في الشعر ولا يصلحه، بل يمزقه فلم يقر طهارته بللحم بخلاف الجلد. وروى إبراهيم البليدي عن المزني عن الشافعي أنه رجع من تنجيس شعر بني آدم فمن أصحابنا من قال: هذا لكرامة الآدميين، وحكمه مقصور على شعورهم، وهذا [٣٤ أ/ ١] هو الصحيح. ومنهم من قال: هذا لأنه اعتقد أنه لا وقع في الشعر، فهو قول في جميع الشعور. فعلى هذا حصل أربعة أقوال:
أحدها: الكل طاهر إلا شعر الكلب والخنزير، ولا روح فيها وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني. وقال أبو حنيفة في شعر الكلب مثله، وفي شعر الخنزير روايتان عنه، وقال مثل هذا في العظم والسن والقرن وخالفه فيها مالك، وأحمد، وإسحاق والمزني ووجه هذا القول أنه لا يحسن ولا يألم.
والقول الثاني: فيه روح والكل نجس إلا ما يؤخذ من الحيوان المأكول ني حياته أو بعد ذكاته لا جزء من حيوان ينمو بحياته فينجس بنجاسة موته كسائر الأجزاء. وبه قال عطاء والحسن، والأوزاعي والليث بن سعد. وحكي عن حماد أن فيه روحًا وينجس لموته، ولكنه يطهر بالغسل. وروي نحوه عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، والليث، ووافقونا في العظم أنه لا يطهر بحالٍ.
والثالث: الجلد على ماذكرنا، وبه قال مالك.
والرابع: أنه شعر بني آدم هو مخصوص بالطهارة للكرامة وما عداه نجس إلا ما ذكرناه. ومن أصحابنا من قال: تنجس بالموت ولا رفع فيه كاليد الشلاء لا روح فيها،
[ ١ / ٥٩ ]
وتنجس بموت الحيوان لاتصالها به وهو ضعيف.
فإذا تقرر هذا، فعلى المذهب المشهور الحيوان على ثلاثة أضرب، نجس، وطاهر يؤكل لحمه، وطاهر لا يؤكل لحمه، فالنجس ما كان [٣٤ ب/ ١] نجسًا في حال حياته، فلا سبيل إلى طهارة شعره. وأما ما يؤكل لحمه فشعره طاهر إذا جز وحلق، وإذا زكى، فلو نتف أو قطع بضعة لحم منه وعليها صوف أو شعر لا نص فيه.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: إنه نجس لأنه غير مأذون فيه.
ومنهم من قال: إنه طاهر وهو كالذبح بسكين، قال: يفيد الإباحة مع الكراهة والتحريم وتنجس شعره في موضع واحد، وهو إذا مات حتف أنفه.
وأما ما لا يؤكل لحمه من الطاهر كالبغل والحمار ونحوها فشعره طاهر في موضع واحد، وهو ما دام قائمًا عليه في حياته، فإن جز منه أو حلق أو مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح نجس، فإن دبغ الجلد فهو يطهر الشعر تبعًا، فهو على ما ذكرنا من القولين.
وأما شعر بني آدم قال بعض أصحابنا: الآدمي هل ينجس بالموت؟ قولان، والصحيح أنه لا ينجس؛ لأنه يؤمر بغسله تعبًا فإن قلنا: لا ينجس بالموت فشعره وشعر ما لا يؤكل لحمه واحد. وقيل في شعره قول واحد إنه طاهر، لأنه صح رجوعه فيه. وأما شعر رسول الله ﷺ إن قلنا شعر غيره من الآدميين طاهر فشعره أولى. وإن قلنا: ذاك نجس ففي شعره وجهان. قال أبو جعفر الترمذي وجماعة: هو طاهر؛ لأن النبي ﷺ لما حلق رأسه فرق شعره على أصحابه، ولو كان نجسًا [٣٥ أ/ ١] منه كالدم والبول.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في بوله ودمه وجهان أيضًا؛ لأن ابن الزبير حسا دمه تبركًا ولم ينكر عليه. وروي أن أبا طيبة شرب دمه. وروي أن النبي ﷺ دفع محاجمه إلى علي - ﵁ -، فقال: "واره حيث لا يراه أحد" فشرب دمه وقال: واريته حيث لا يراه أحد، فقال: "لعلك شربتها". فقال: نعم. فلم ينكر عليه. وروي أنه أم أيمن شربت بوله فقال: ﵊: "لا ينجع بطنك" وهذا بعيد. وقد روي أنه نهى أبا طيبة عن مثله وقال: "حرم الله جسمك على النار". وروي عن سالم بن أبي سالم الحجام، قال: حجمت رسول الله ﷺ، فلما وليث المحجمة من رسول الله ﷺ شربته، فقلت: يارسول الله شربته، فقال: "ويحك يا سالم، أما علمت أن الدم كله حرام، لا تعد".
[ ١ / ٦٠ ]
فرع
الوسخ الذي ينفصل عن الآدمي في الحمام حكمه حكم ميتة الآدمي نجس يعفي عن قليله؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه كدم البراغيث، وفسر بعض أصحابنا القليل بالشعرة
والشعرتين، وقال: إذا وقع في الماء القليل فإنه يعفي عنه، ذكره أهل العراق. وفيه نظر؛ لأن العفو عن يسير النجاسة لا يكون في الماء؛ لأنه يتعدى وينتشر بخلاف الثوب.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وَلَوْ كَانَ الصَّوفُ وَالْشَّعْرُ وَالْرَّيشُ [٣٥ ب/ ١] لاَ يَمُوتِ بِمَوْتِ ذَوَاتِ الرُّوحِ، أَوْ كَانَ يَطْهُرُ بِالدَّبَاغِ لَكَانَ ذَلِكَ في قَرْنِ الْمَيْتَةِ وَسَبيِّهَا، وَجَازَ في عَظْمِهَا، لأَنَّه قَبْلَ الدِّباغِ وبَعْدَهُ سَوَاءُ".
وقصد به الرد على مالك لا على أبي حنيفة، وكان الشافعي شك في مذهبه فلم يتيقن أنه يقول: لا ينجس الأشياء البادية بالموت أصلًا، أو يقول: تنجس ولكنها تطهر بالدباغ فألزمه الدليل على فقال: إن زعمت أنها لا تنجس بالموت فهلا قلت ذلك في السن والعظم والقرن، وإن زعمت أنها تنجس ثم تطهر بالدباغ، فهلا قلت ذلك في هذه الثلاثة أيضًا؛ لأن هذه الأشياء الستة قبل الدباغ وبعده سواء، لا تأثير للدباغ فيها كتأثيره في الجلد. ومن أصحابنا من قال: إنه قصد به الرد على أبي حنيفة ومالك، وتقديره: ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، كما قال أبو حنيفة، أو كان يطهر بالدباغ كما قال مالك، كان س في قرن الميتة وسيما دليل على أبي حنيفة، إلا أنه لا يسلم ذلك، فننقل الكلام إليه، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي اَلَعِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. وقوله: وكان في عظمها دليل على مالك والأول أصح. وعلى هذا قوله: "وجاز في عظمها".لم يقتصر فيه على مجرد العطف كما اقتصر في السن تحسينًا للعبادة، ولا معنى له غيره، فتقديره: لكان ذلك قي قرن الميتة وسنها وعظمها.
فرع
إذا ماتت شاة وفي ضرعها [٣٦ أ/ ١] لبن كان نجسًا لا يحل شربه.
وقال أبو حنيفة، وداود: يحل شربه؛ لأن السحابة لما فتحوا المدائن أكلوا الجبن، وهو يعمل بالأنفحة، وهي تؤخذ من صغار المعز فهي بمنزلة اللبن، وذبح المجوس بمنزلة موت الحيوان، وهذا غلط؛ لأنه مائع غير الماء، وفي وعاء نجس فكان نجسًا، كما لو حلب في إناء نجس ولا علم لنا بما ذكروه عن الصحابة.
فرع آخر
إذا ماتت دجاجة وفي جوفها بيضة، فإن كانت رخوة ضعيفة فهي كاللبن، وإن كانت
[ ١ / ٦١ ]
قوية وصلبة قشرها فهي طاهرة، كما لو وقعت البيضة في ماء نجس.
وقال بعض أصحابنا: فيها ثلاثة أوجه: أحدها: طاهرة لأن فيها جمودة والثاني: أنها نجسة وإن تصلبت، وحكام ابن المنذر عن علي -﵁ - وعلل بأنها ميتة. وروي ذلك عن ابن مسعود أيضًا. وقيل: اختاره الشافعي مرة، والثالث: التفصيل على ما ذكرناه، وهو المذهب؛ لأن البيضة مودعة في الحيوان لا تحلها الحياة والموت، ولو تفرخت هذه البيضة كان الفرخ طاهرًا بلا خلاف.
فرع
البيضة لذا صارت مذرة واختلطت الصفرة بالبياض طاهرة وحكمها حكم اللحم إذا نتن.
فرع آخر
إذا انفصلت البيضة من الدجاجة ففي بللها وجهان أحدهما: أنه ظاهر كالمنى، والثاني: أنه نجس وهو الظاهر وهكذا الوجهان في البلل الخارج تبع الحمل.
فرع آخر
إذا ماتت الظبية وفيها فارة مسك تنجس الفارة [٣٦ ب / ١] وجهًا واحدًا بخلان البيض لأن للبيض نماء بعد موت الدجاجة وليس لفارة المسك نما.
فرع آخر
المرة العفرة نجسة لأنها غذاء يغير إلى النساء.
فرع آخر
أنفحة السخلة المذبوحة إذا لم تكن شربت إلا اللبن طاهرة؛ لأنها وإن كانت غذاء متغير فما تغير إلى الفساد، فإن ماتت فهي نجسة.
فرع آخر
البلغم عند الشافعي طاهر. وحكي عن المزني أنه قال: هو نجس. وهذا غلط؛ لقوله
ﷺرضي الله عنه -: "ما نحامنك ودموع عينيك إلا سواء". ولأنه يخرج من الرأس أو من الحلق والصدر فكان طاهرًا كالمخاط.
فرع آخر
الماء الذي يسيل في النوم طاهر وإن كان متغير الرائحة كاللعاب، وإن علم أنه خرج من المعدة لمرض أو علة، ويعرف ذلك بالنتن فهو نجس.
فرع آخر
لو رأى شعرًا فلم يعلم أنه من شعر مأكول أو غير مأكول، فيه وجهان بناء على أن أصول الأشياء هل هي على الخطر أو على الإباحة؟ ولو علم أنه شعر مأكول ولا يدرى هل أخذ في حياته أو بعد موته؟ فهو طاهر ذكره بعض أصحابنا ويحتمل وجهًا آخر.
[ ١ / ٦٢ ]
فرع آخر
لو باع جلد الميتة بعد الدباغ وعليه شعر، وقلنا شعره نجس، فإن باع الجلد وحده دون شعره يجوز، وإن باع مع شعره ففي الشعر لا يجوز، وفي الجلد قولان بناء على جواز تفريق الصفقة، وإن باعه مطلقًا فيه [٣٧ أ/ ١] وجهان:
أحدهما: أنه لا يدخل الشعار في البقع لأنه غير مقصود، ولا يصح فيه البيع فيصح بقع الجلد.
والثاني: يدخل في البيع لاتصاله بالمبيع، فيكون كما لو قال: يقبل مع الشعر.
فرع آخر
إذا عمل من الجلد المنجوس حوض فطرح فيه ماء، فإن كان دون قلتين صار نجسًا، وإن بلغ قلتين فأكثر فالماء طاهر والإناء نجس، ويجوز التوضاء منه إذا كان الوضوء لا ينقصه عن القلتين.
مسألة: قال: "وَلاَ بِدُهْن في عَظْمِ فيلٍ"
وهذا كما قال. قرئ هذا بثلاث قراءات بتشديد الدال والهاء، وبتشديد الدال وتخفيف الهاء، وبتخفيف الدال وتشديد الهاء والمعنى واحد، وأراد به أنه لا يستعمل دهن في عظم فيل لنجاسته؛ لأن الفيل لا يؤكل لحمه. وقال مالك: إذا ذكيِّ الفيل فعظمه طاهر؛ لأن الفيل عنده مأكول. وإن مات فعظمه نجس؛ لأن العظم يحله الموت. قال النخعي: طهارة العاج خرطه، فإذا خرطا صار طاهرًا.
وقال الليث: إذا طبخ حتى خرج دهنه كان طاهرًا. وقال أبو حنيفة: لا ينجس كما قال في سائر العظام. واحتج الشافعي - ﵀ - بكراهته من عمر - ﵁- لذلك، وهذه كراهة تحريم؛ لأن العاج هو ألطف من أن تعافه النفس حتى تكرهه كراهه تنزيه، إلا أنهم كانوا يعدلون عن لفظة التحريم إلى لفظة الكرامة احترامًا للشريعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] [٣٧ ب/ ١] ويجوز أن يعبر عن التحريم بالكراهة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] أي محرمًا. فإن قيل: روي أن في جهاز فاطمة -﵂ سوار من عاج؟ قيل: إنه كان من عظم بعير، وقيل: من زبل، وهو عظم سمكة في البحر وسمي عاجًا لبياضه.
فإذا نقرر هذا فلو اتخذ مشطًا لا يجوز أن يمشط به إذا كان أحدهما رطبًا، فإن كان المشط والشعر مايتتين، قال في "البويطي": يكره الانتفاع في شيء تمسه يده، وإن كانت تمسه يابسة فلا تنجسه. وإن أراد أن يجعل فيه الدهن للاستصباح أو الاستعمال في غير أبدان المتعبدين، فالصحيح من المذهب أنه جائز.
[ ١ / ٦٣ ]
مسألة: قال: (فَأَمَّا جِلْدُ كُلُ مُذَكِيِّ يُؤْكَل لَحْمَهُ فَلاَ بَاسَ بِالْوضُوءِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ".
وهذا كما قال، الحيوان على ضربين: أحدها: يحل أكله، فإذا ذبح فلحمه وجلده طاهر، ويجوز استعمال جلده وحوله حوضًا للماء قبل دباغه ما لم يصبه دم أو ورث، فإن أصابه ذلك غسله. والثاني: ما لا يحل أكله فذبحه وموته سواء، نص عليه في "الأم" ولم ينقله المزني. وقال مالك وأبو حنيفة: يطهر كله بالذبح إلا الخنزير والإنسان وهذا غلط؛ لأن المقصود بالذكاة إباحة اللحم عرفًا وشرعًا، وهذه الذكاة لا تفيد المقصود، فلا يفيد البائع.
مسألة: قال: "وَلاَ أكْرَهُ مَنَ الآنيَةِ إِلاَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَّ".
وهذا كما قال. أراد به ولا أكرم من الآنية الطاهرة شيئًا [٣٨ أ/ ١] إلا الذهب والفضة، فإني أكرههما من حيث الاستعمال لا من حيث التطهير خاصة فإذا تقرر هذا فالأواني على ضربين: متحدة من جنس الأثمان، ومتحدة من غير جنس الأثمان.
فأما المتحدة من جنس الأثمان: وهي آنية الذهب والفضة لا يحل استعمالها بحالٍ في
شيء من الأشياء. وقال في كتاب الزعفراني من القديم لا يحل ذلك كراهة وتنزيها لا تحريمًا؛ لأن الغرض بذلك تركه التشبه بالأعاجم والخيلاء وإغاظة الفقراء، وذلك لا يقتضي التحريم، وهذا غلط لما روت أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم". وروي "نار جهنم" بالرفع، فمعنى الرفع كأنه قال: إنما يصون نار جهنم، والجرجرة هي الصوت، ومعناه تلقى في جوفه نار جهنم حتى يسمع صوته يقال: جرجر فلان الماء في حلقه إذا تجرعه جرعًا متتابعًا يسمع له صوت، والجرجرة في حكاية ذلك الصوت، وهذا وعيد يقتضي التحريم، ومعنى النصب كأنه يقول: إنما يجرجر نار جهنم، فيكون جرجر على هذا المعنى مضاعف جر، وهو أن هذا الفعل يكون سببًا لعذابه في نار جهنم، وهذا كما قال تعالى: ﴿إنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]
وقال داود: يحرم الشرب منها فقط؛ لأن الخبر ورد في الشرب وهذا غلط، لما روي عن النبي ﷺ: "لا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة، ولا تلبسوا الحرير [٣٨ ب/ ١] والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". آخر هذا الخبر يدل على أن التحريم عام في الشرب وغيره وروى حذيفة أيضًا أن النبي ﷺ نهى عن الأكل والشرب تنبيهًا على غيرهما، فإن خالف وأكل فالأكل محرم والمأكول حلال. ومن أراد أن
[ ١ / ٦٤ ]
يتوقى المعصية فيها فليخرج الطعام منها ثم يأكله إن شاء. كما حكي أن فرقد السيخي والحسن البصري - رحمهما الله - حضرا وليمة فقدم إليهما طعام في إناء فضة، فقبض فرقد يده عن الأكل منه، فأخذ الحسن الإناء وكبه على الخوان، وقال: كُل الآن إن شئت. وهكذا لو توضأ منها فالوضوء صحيح، وإن كان الفعل محرمًا: لأن المنع لم يكن في الماء خلافًا لداود.
وأما اتخاذها هل يحل؟ قيل: فيه قولان، وقبل وجهان والأصح أنه لا يحل كالملاهي، وعلى هذا لا يضمن بالكسر ولا يستحق الأجرة باتخاذها وأما المتخذة من غير جنس الأثمان فضربان: ثمين وغير ثمين. فإن لم يكن ثمينًا كآنية النحاس والرصاص والفخار والزجاج، فكلها مباح.
وقالت عائشة: "كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من تور من شبة".
وإن كان ثمينًا كان لصنعه فيها كالمخروط عن الزجاج فهو مباح كلبس الثوب
الكتان النفيس، وإن كان لنفاسة جوهره مثل البلور والياقوت والعقيق فيه قولان. في حرملة: حرام لأن فيه سرفًا وخيلاء. وقال في "الأم" ونقله المزني: أنه مباح [٣٩ أ/ ١] وهو المشهور. آنية من غير جنس الأثمان فأشبه المخروط من الزجاج؛ لأن السرف فيه غير ظاهر؛ لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس، فلا يخاف افتتان العوام. وقال القفال: هذا مبني على أن تحريم آنية الذهب والفضة لأعيانها، أو لمعنى فيهما.
قال في الحديث: تحرم لأعيانهما كأحكام كثيرة اختصت بالذهب والفضة دون غيرهما. وقال في القديم: يحرم لمعنى الخيلاء والفتنة فعلى القول الأول لا تحرم آنية التور نحوه، وعلى القول الثاني تحرم.
قال: وعلى هذا لو اتخذها من ذهب وغشاها بالرصاص. فإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا المغني فهو حلال.
قال: ولو اتخذها من رصاص وموهها بالذهب، فإن اعتبرنا المعنى فلا تحل، وإن اعتبرنا العين حل.
فرع
في الأواني المتخذة من الطيب الرفيع كالعود المرتفع والكافور المصاعد والمعجون من المسك والعنبر وجهان مخرجان، وفي غير المرتفع من المسك والصندل وجه واحد يجوز استعماله.
مسألة: قال: "وَأَكْرَهُ الْمُضَبَّبَّ بِالْفِضَّةِ لَئِلاَّ يَكُونَ شَارِبًا عَلَى فِضَّةِ".
وهذا كما قال المضبب أن يكون جزءًا من أجزاء الإناء فضة، واختلف أصحابنا في هذه المسالة. قال القفال: التضبيب على شفة الإناء لم يحبز استعماله في الشرب، وأن
[ ١ / ٦٥ ]
كان في غيرها يجوز؛ لأنه لا يكون شاربًا على فضة، ويروى هذا عن مالك. وقال غيره: لا فرق بين أن يكون في شفته [٣٩ ب/ ١] أو في غيرها. وقول الشافعي: "لئلا يكون شاربا على فضة" يريد من إناء فيه فضة. ثم من أصحابنا من قال: هذه كراهة تنزيه بخلاف آنية الذهب والفضة؛ لأنه قال: "ولا أكره من الأواني إلا الذهب والفضة". وأراد بتلك الكراهة التحريم فخرج منها المضبب. والصحيح أنه على التحريم.
وقوله: " وَلاَ أَكْرَهُ مِنَ الأَوَانِيِ إِلاَّ الْذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ" قصد به بيان جنس الأواني المحرمة والمباحة، فلا يدل على ما قاله القائل الأول.
ثم المضيب على أربعة أضرب: يسير للحاجة كحلقة القصعة وشعيرة السكينة، وضبة القصف فهذا مباح. وروى أنه كان الرسول الله ﷺ قصعة فيها سلسلة من فضة. ومعنى قولنا: "للحاجة": أنها في موضع الحاجة، وإن قام غير الضبة مقامها ني ذلك وقيل: لغير حاجة فلا يحرم لعلته، ويكره لعدم الحاجة إليه وهو مراد الشافعي هنا، وكثير الحاجة مثل أن يتشقق الإناء فتكثر فيه الضبات، فيكسره لكثرته ولا يحرم للحاجة، وكثير لغير حاجة فهر حرام. وقال أبو حنيفة: لا يحرم وإن كان جميع الإناء مضبب.
واحتج بأنه إناء جاوره فضة فلا يحرم استعماله، كما لو أخذ الإناء بكفه وفيها خاتم، وهذا غلط، لما روى عبد الله بن عمر -﵁ - أن النبي ﷺ قال: "من شرب من إناء الذهب والفضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر ني جوفه نار جهنم". ولأن [٤٠ أ/ ١] سرفًا وخيلاء كما في إناء الذهب، ومن أصحابنا من ذكر قولًا آخر في الكثير لحاجة، وفي القليل لغير حاجا إنها حرام.
فرع
لو ضبب في الإناء دراهم أو دنانير وشرب منه لم يكره، فإن أثبتها عليه بالمسامير فهي كالضبات سواء. ولو شرب بكفه ماء وفي إصبعه خاتم فضة فلا بأس.
مسألة: قال: "وَلاَ بَاسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ مُشْرِكِ".
الفصل
وهذا كما قال. أراد به أنه لا يكرم للحدث أن يتوضأ من ماء مالكه مشرك. وكذلك لا يكره التوضاء بما فضل عن وضوء المشرك ما لم يعلم النجاسة فيه. وجملته أن أواني المشركين وثيابهم هي على ثلاثة أضرب يتحقق طهارتها، مثل إن اشتراه ولم يستعمله فلا يحرم استعماله وضرب يتحقق نجاسته فهذا يحرم استعماله. وضرب يحتمل أمرين ولا يعلم حاله. فالأصل الطهارة سواء كانوا يتدينون النجاسة كالمجوس يدينون الغسل
[ ١ / ٦٦ ]
ببول البقر، والبراهمة من الهند يتدينون استعمال الأبوال كلها. أو لا يتدينون ذلك كاليهود والنصارى
فيجوز استعمالها، نص عليه في الإملاء، وحرملة، لما روى الشافعي -﵀- أن عمر بن الخطاب -﵁- توضأ من ماء قي جرة نصرانية. وروى أن رسول الله ﷺ توضأ من مزادة مشركة وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وهذا غلط لما ذكرنا، [٤٠ ب/ ١] والمراد بالآية نجاسة قلوبهم ومعتقداتهم لا نجاسة أبدانهم.
فإذا تقرر هذا. قال في "القديم": "لا أكره استعمال آنية الماء وأكره سائر الأوان" لأن الماء يرد على آنية الماء مرة بعد مرة ويطهرها، والثياب المستعملة كلها مكروهه، والسرويلات أشد كراهة؛ لأنها أقرب إلى محل النجاسة من الثوب.
وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي قال: "وأحب أن لا تستعمل أوانيهم إلا بعد الغسل، إلا أن أواني الماء هي أخف حالًا" وهذا يدل على أن في آنية الماء نوع كراهة، والصحيح ما ذكرنا.
وقال أبو إسحاق: إن كانوا لا يدينون استعمال النجاسة فإن الأصل النجاسة فلا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل، إلا آنية الماء فإنها على الطهارة لورود الماء عليها.
ومن أصحابنا من قال: إن كانوا يدينون لا يلزم اجتنابهم، ولكن لا يعتقدون العبادة في استعمالها كالدهرية والزنادقة يجوز استعمال ثيابهم لأن الأصل الطهارة، ويكره لخوف النجاسة. وإن كانوا يعتقدون العبادة في استعمالها يجوز استعمال مياههم ويكره. وأما ثيابهم: فإن لم يلبسوا كثيرًا يجوز استعمالها. وإن كثر لباسهم لها فيه وجهان. قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأن الظاهر نجاستها [٤١ أ/ ١]. وقال ابن أبي هريرة: يجوز مع الكراهة؛ لأن الأصل الطهارة. وقال القفال: فيه قولان مخرجان قياسًا على ما قال الشافعي في تراب المقرة المنبوشة إذا صلى عليه ولم يشاهد فيه نجاسة فيه قولان: أحدها: يجوز
بناء على أصل الطهارة. والثاني: لا يجوز بناء على الغالب. وكذلك القولان في وحل الطريق إذا أصاب الثوب والغالب نجاسته. وروى أو ثعلبة الخشني، أنه سأل رسول الله ﷺ فقيل: إنا نأتي دار قوم من المشركين يشربون الخمر ويأكلون الخنازير، فنطبخ قي قدورهم ونأكل في أوانيهم. فقال: " واستغنوا عنها ما استطعتم، فإن لم تجدوا غيرها فأرخصوها بالماء فإن الماء طهور" وهذا يدل على تغليب الطاهر على الأصل.
فرع
قال بعض أصحابنا: الماء الذي يتقاطر من المزاريب، هل يباح استعماله إذا لم
[ ١ / ٦٧ ]
يعلم يقين الطهارة؟ وجهان. لأن الغالب على السطوح النجاسة والأصل طهارة الماء فيقابل الأصلان.
فرع أخر
لا باس أن توقد عظام الميتة تحت القدور ويطبخ بها، ويؤكل ما فيها. ولو سجر التنور بالسرقين هل ينجس التنور بالدخان؟ فيه وجهان: أحدهما: ينجس. والثاني: لا ينجس، كبخار المعدة لا ينجس الفم. فإذا قلنا: إنه ينجس، فينبغي أن يكسح بمكسحة جافة، ثم يلزق به الخبز لو استصبح بزيت نجس، ففي دخانه وجهان. فإذا قلنا: إنه نجس هل يعفي عنه؟ وجهان: أحدهما [٤١ ب/ ١]: يعض للمشقة. والثاني: لا يعفي؛ لأن نجاستها نادرة والتحرر ممكن، والأصح الأول، وعندي أنه طاهر والله أعلم.