مسألة: قال (١): أخبرنا القاسم بن محمد، وذكر الخبر.
وهذا كما قال. بدأ الشافعي رحمة الله عليه بزكاة الإبل اتباعًا للخير، وذلك لأنها أجلُّ الأموال وأنفسها عند العرب، وقيّد بالإبل السائمة لأن الزكاة لا تجب في المعلوفة منها.
وقيل بيان زكاتها نتكلم على أسبابها [٣ ب/ ٤] حتى يكون أسهل لمعرفة زكاتها، فإذا ولدت الناقة وانفصل عنها فهو فصيل، ويقال له: فإذا استكمل السنة ودخل في الثانية فهو ابن مخاض، والأنثى بنت مخاض، وإنما سميت بنت مخاض لأن أمها حامل في الغالب، ويسمى بهذا، وإن لم تكن أمها حاملًا اعتبارًا بالأغلب، والمخاض اسم جنس لا واحد له من لفظه، وإنما الواحد منها خلفة، فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ابن لبون، وإنما سميت بهذا الاسم لكون أمها لبون أو ذاك، فإذا استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة فهو حق، والأنثى حقة، لأن من حقها بهذا جاء الخبر، وقيل: سميت حقة؛ لأن من حقها أن يحمل عليها أو تركب.
فإذا استكمل أربعًا ودخل في الخامسة فهو جذع -بفتح الذال- والأنثى جذعة، وسميت جذعة لتكامل أسنانها، وقيل: لنبات سن لها في هذه الحالة، وهو قريب من الأول، وقيل: لسقوط مقدم أسنانها، وهذا آخر أسنان فرائض الإبل، ولا يجب فيها أكبر من الجذعة.
فإذا استكمل خمسًا، وذلك في السادسة، فهو ثني، والأنثى نية، وهما يجزيان في الأضحية، فإذا استكمل ستًا ودخل في السابعة فهو رباع، والأنثى رباعيّة، فإذا استكمل سبعًا ودخل في الثامنة فهو سديس، وسدس لغتان، واللفظ (٤ أ/ ٤) في الذكر والأنثى واحد، فإذا استكمل ثمانيًا ودخل في التاسعة فهو بازل، لظهور نابه، ثم بعد هذا يقال: بازل عام، وبازل عامين، ويسمى بهذا الاسم وإن كانت أنثى؛ لطلوع بازله، وهو الناب.
فإذا تقرر هذا فلا شيء فيها حتى تبلغ خمسًا، فإذا بلغتها ففيها شاة، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرًا، فإذا بلغتها ففيها شاتان، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرين، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه، فالواجب إلى العشرين من غير جنسها، ثم
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٨٨)
[ ٣ / ٥ ]
الواجب من بعد هذا جنسها، فلا شيء في زيادتها حتى تبلغ خمسًا وعشرين، فإذا بلغتها ففيها بنت مخاض.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: فيها خمس شياه، وفي ست وعشرين بنت مخاض، فاتبع أحد النصابين الآخر من غير وقص بينهما، ولم يتابعه أحد على هذا، وقيل: إنه رجع عنه.
ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستًا وثلاثين، فإذا بلغتها ففيها بنت لبون، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستًا وأربعين، فإذا بلغتها ففيها حقة، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ إحدى وستين، فإذا بلغتها ففيها جذعة، وقد انتهت الزيادة في السن، فلا يجب سن أكبر منها وإن كان كلها أكبر منها، فأكبر سن الفريضة الجذعة، وأصغرها بنت مخاض، ولا يعودان بعد الانتقال [٤ ب/ ٤] عنهما، ويكون الواجب حقاقًا وبنات لبون، فتكون الزيادة تارة في السن، وتارة بالعدد، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، فإذا بلغتها ففيها ثلاث بنات لبون، وقد استقرت الفريضة فيكون في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ويتغير الفرض بكل (١) لو زاد على مائة وعشرين جزءًا من بعير، فإنه لا يتغير الفرض به، وقال أبو سعيد الإصطخري: يتغير ويجب فيها ثلاث بنات لبون؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائه واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون" (٢)، ولأن الوقص إذا انتهى لا يتغير الفرض إلا بزيادة واحجة كما في سائر الوقاص، ثم إن هذه الواحدة الزائدة على مائة وعشرين هل لها قسط من الفريضة، أو عفو؟ اختلف أصحابنا فيه، المذهب - وهو قول الأكثرين- لها قسط منها لأنه لا يجوز تغيير الفرض بما لا قسط له منه.
وقال بعض أصحابنا، وهو اختيار الإصطخري: إنه [٥ أ/ ٤] لا قسط لها منها، لأنه يؤدي إلى إيجاب بنت لبون في أربعين وثلث وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما لو تلفت هذه الواحدة بعد الحول قبل إمكان الأداء هل يسقط شيء من الواجب أم لا؟ ثم إذا اجتمعت بنات لبون في عدد، فاجعل بعد هذا مكان كل بنت لبون حقة، وإذا اجتمعت الحقاق وانتقلت عنها، فاجعل بعددها بنات لبون وزد واحدة، وهذا يجزي ولا ينكر فيكون في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم في مائة وثلاثين بنتًا لبون وحقة، ثم في مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، ثم في مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، ثم في مائة وثمانين حقتان وبنت لبون، ثم في مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، ثم في مائتين اجتمع أربع خمسينات وخمس أربعينات، فتأخذ ما هو الأفضل من خمس
_________________
(١) موضع النقط بياض الأصل.
(٢) انظر نصب الراية (٢/ ٣٤٣).
[ ٣ / ٦ ]
بنات لبون وأربع حقاق، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والخرقي عن أحمد، ووافقنا مالك إلا في فصل وهو أنه قال: يجب في إحدى وتسعين إلى مائة وثلاثين حقتان، ثم تستقر الفريضة بعده على ما ذكرنا، وبه قال أحمد في رواية، وأبو عبيد. وروي عن مالك: إذا زادت واحدة يتغير الفرض إلى تخيير الساعي بين ثلاث بنات لبون، وبين الحقتين.
وقال حماد والحكم: لا شيء في الزيادة (٥ ب/ ٤) على مائة وحتى تبلغ خمسا، (فتبلغ مائة وخمسًا وعشرين) ثم يلزم حقتان في مائة، وابنه مخاض في خمس وعشرين. وقال أبو حنيفة والنخعي والثوري: وروي ذلك عن علي وعبد الله، ولكن قال ابن المنذر: لا يثبت عنهما إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، فإذا بلغت مائة وخمسًا وأربعين ففيها بنت المخاض مع الحقتين، فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها حقاق، فترقى بنت المخاض إلى الحقة، خلاف الأصول أيضًا، ثم يستأنف الفريضة، ففي كل خمس شاة إلى مائة وخمس وسبعين، فيلزم بنت لبون مع ثلاث حقاق إلى مائة وست وثمانين، فيلزم بنت لبون مع ثلاث حقاق إلى مائة وست وتسعين، وفيها أربع حقاق، وفي المائتين أربع حقاق أيضًا، ثم يستأنف هكذا في كل خمسين.
وقال ابن جرير الطبري: إن الساعي بالخيار بين أن يأخذ بما قال الشافعي، وبين أن يأخذ بما قال أبو حنيفة، وينسب هذا القول إلى ابن خيران، وهو غلط عندي، وهذا خطأ فاحش؛ لأنا أسقطنا ما رواه أبو حنيفة، وأسقط أبو حنيفة ما رويناه، وأسقط ابن جرير الخبرين معًا، والأصل الذي اعتمد عليه الشافعي في هذا الباب الخبر الذي بدأ به ورواه عن المثنى بن أنس أو ابن فلان ابن أنس، شك الشافعي فيه، فقال: أنا شككت عن أنس بن مالك [٦ أ/ ٤] وروى الشافعي هذا الخبر من طريقة أخرى هذا الخبر، قال (١): أخبرني عدد من الرجال الثقات حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس، وهو معنى قول الشافعي في آخر هذا الجزء؛ وحديث أنس ثابت من جهة حمّاد بن سلمة وغيره دفعًا للوهم بما شك الإسناد الأول، أي: هو غير مشكوك فيه من هذه الجهة، وإن كنت شككت فيه من جهة غيره، ثم قال: هذه الصدقة، كأنه أشار إلى نسخة كتاب فيه بيان الصدقة، فقال (٢): هذه الصدقة، ثم قرأها باسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة للصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر الله بها، يريد به قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية. وقيل: معناه هذا تقدير
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٣)
(٢) انظر الأم (٢/ ٣)
[ ٣ / ٧ ]
الصدقة التي قدرها رسول الله ﷺ وبينها، التي أمر الله بها أي: أوجبها الله، فأضاف الإيجاب إلى الله تعالى [٦ ب/ ٤] والبيان والتقدير إلى نفسه؛ لأن الله تعالى أمر بالزكاة في القرآن مجملا غير مبين ولا مقدر، ثم بينها على لسان رسوله ﷺ، وهذا أصح. ثم قال (١): فمن سألها على وجهها فليعطها، أي: فمن سئل هذه الصدقة على ما ورد به الشرع فليعطها ولا يمنعها، ومن سئل فوقها، فلا يعطه، أي: من سئل فوق الواجب فلا يعطي ما زاد على الواجب. ومن أصحابنا من قال: معناه فلا يعطه شيئًا أصلًا؛ لأنه صار معتديًا، بطلت الزيادة، وبطلت أمانته كالحاكم، والصحيح الأول لأن الوالي لا ينعزل بالجور على الصحيح من المذهب وإن كان القياس أنه منعزل، ولأن المراد به الإعطاء إلى الساعي، والساعي وكيل أهل السهمان، والوكالة لا تبطل بطلب الزيادة، والهاء في قوله: فلا يعطه، هي كناية عن الفرق في قوله: فمن سئل فوقها، وليس بكناية الساعي الطالب للصدقة، لأنه لم يؤنث، وقال: فلا يعطه، ثم قال (٢): فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض، فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر، تأكيدًا للكلام كما قال النبي ﷺ: "ما أبقت الفرائض فالأولى رجل ذكر" (٣)، وقيل: إنما بالذكر لئلا تؤخذ الخنثى، لأنه يقال له: ابن لبون أيضًا، ولا يقال: ذكر [٧ أ/ ٤] وقيل: ليس في شيء من الحيوانات خنثى إلا في الآدمي والإبل.
ثم قال (٤): فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى، وإنما قيد بالأنثى للتأكيد، كما يقال رأيت بعيني، وسمعت بأذني، ونحو ذلك، فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة طروقة الحمل، ويقرأ طروقة الجمل -بالجيم- وقد روي طروقة الفحل، أي: استحقت أن يركب ويحمل عليها، والأول أصح، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة، فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين، ففيها بنتا لبون. وإنما كان كذلك لأن هذا العدد هو ضعف نصاب بنت لبون واحدة، وليس وراء الجذعة سن يؤخذ فأوجب بنتي لبون.
ثم قال: فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان طروقتا الحمل، وهذا لأن العدد هو ضعف نصاب حقة واحدة ثن قال: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
واعلم أن نصيب الإبل إلى هاهنا كانت مختلفة، وكانت في الابتداء حين كان الواجب الغنم خمسًا خمسًا، فلما صار الواجب من جنسها في خمس وعشرين بعد ذلك عشرًا عشرًا، ثم ثلاثة أوقاص بعد ذلك خمسة عشر، ثم الوقص بعد ذلك بلبون
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٣).
(٢) انظر الأم (٢/ ٣).
(٣) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٣٩٠).
(٤) انظر الأم (٢/ ٣).
[ ٣ / ٨ ]
وهو وقص الحقتين إلى أن ينتهي إلى (٧ ب/ ٤) عشرين ومائة، ثم يطرد إلى أوقاص بالعشرات، ثم قال: ومن بلغت صدقته جذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين، يعني: رب المنزل يعطي مع الحقة شاتين إن استيسرتا ما عليه، أو عشرين درهمًا، يعني: أن هذا حيران لما بين السنتين الواجبتين عليه، والتي يعطيها.
ثم قال: ومن بلغت صدقته جذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين. وقال مالك: إذا لم يكن في ماله السن الواجب، يلزمه الحيران بشاتين أو عشرة دراهم، لأن قيمة كل شاة في الزكاة بنصاب الدراهم خمسة دراهم، وبه قال حمّاد والثوري وأبو عبيد، وإحدى الروايتين عن إسحاق، وهذا غير صحيح، لما ذكرنا من النص الصريح.
ثم قال الشافعي: وحديث أنس ثابت من جهة حمّاد وغيره، أراد بقوله: وغيره، محمد بن عبيد الأنصاري، يرويه عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، بل شك على ما ذكرنا، ثم أيّده بحديث آخر رواه عن ابن عمر أن: هذه نسخة كتاب عمر في الصدقة التي كان يأخذ عليها، ثم قرأها، فحكي هذا المعنى، يعني حديث أنس من أوله إلى قوله: ففي كل أربعين بنت لبون (٨ أ/ ٤) وفي كل خمسين حقة، يعني وليس في حديث ابن عمر ذكر الجيران كما كان في حديث أنس، ولكن في حديث أنس، ولكن في حديث ابن عمر زيادة ليست في حديث أنس، ولم ينقلها المزني، وهي أنه قال: ولا يؤخذ في الصدقة هَررِمة ولا ذات عُوار، ولا يتبين إلا ما شاء المصدق، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسويّة، ثم قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ، أي: بكل ما جاء في حديث أنس، وحديث ابن عمر نأخذ، وبه نعمل.
مسألة: قال: (١): "ولا تَجِبُ الزَّكاةُ إلاَّ بالحَولِ".
وهذا كما قال: الأموال هي على ثلاثة أضرب: مال لا ينمى هو مرصد النماء، كالثياب، فلا زكاة فيها إلا بالتجارة وحولان الحول من يوم التجارة. ومال هو نماء في نفسه كالثمار والزروع والذهب والفضة المستخرجين من المعدن، فلا يعتبر فيه الحول في وجوب الزكاة فيه. ومال ليس ينمي في نفسه، ولكنه مرصد لطلب النماء منه كالإبل والبقر والغنم والنقدين: الذهب والفضة، إذا ملكها ببيع أو ميراث فلا زكاة فيه إلا بحلول الحول عليه. وقال ابن عبّاس: تلزم الزكاة في المستفاد بهبة أو إرثٍ أو عطاءٍ من غير حول. وقال ابن مسعود ﵁: تلزم في العطاء وحده دون غيره من غير حول، وكان إذا قبض العطاء أخرج زكاته في الحال، وهذا غلط [٨ ب/ ٤] لقوله
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٩٠).
[ ٣ / ٩ ]
ﷺ: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (١)، فإذا تقرر هذا، فهل الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان؟ قولان.
وقال في "الأم" (٢) و"القديم": ثم تجب بالنصاب والحول والإمكان، فيكون شرائط الوجوب ثلاثًا، وبإمكان الأداء يتعلق الوجوب والضمان معًا، وبه قال مالك، وهو ظاهر المختصر، ووجهه أنه لو هلك المال قبل الإمكان لم يضمن زكاته، فلا تكون الزكاة واجبة قبله.
وقال في "الإملاء": لا تجب الزكاة إلا بالنصاب والحول، والإمكان شرط في الضمان، وبه قال أبو حنيفة، وهو القياس، فعلى هذا الشرط الوجوب اثنان، ثم إذا وجبت فهي أمانة في يده حتى يمكنه الأداء، فإذا أمكنه الأداء ولم يؤدها ضمنها، كما لو تعدى في الوديعة، ووجه أنه لو كانت الزكاة غير واجبة لَمَا ضمنها بالإتلاف كما قبل الحول.
وقد قال الإمام أبو الطيب ﵀: هذا القول ضعيف لهذا السؤال، ويمكن أن يجاب عنه بأنه إذا لم يبق من شرائط الوجوب (٣) فأتلفه قصد منع حصول (٤) بفعله، فلم يعذر فيه، وأما قبل الحول فهي من شرائط الوجوب غير الإمكان، فلهذا لا يضمنها بهذا الإتلاف، ولا خلاف أن ابتداء الحول الثاني من يوم تمام الحول لا من يوم الإمكان.
مسألة: قال (٥): وليسَ فيما دونَ خمسٍ [٩ أ/ ٤] منَ الإبِلِ، ولا فيما بينَ الفريضَتَينِ شيءٍ.
وهذا كما قال: أما فيما دون خمسٍ فلا زكاة بلا خلاف. وقد قال ﷺ: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل دقة" (٦)، وأما فيما بين الفريضتين، وهو الوقص، وقيل: الوقس - بالسين- والأول أشهر، فلا خلاف أنه لا يتعلق به زيادة واجب لا يجب في النصاب، ولكن الواجب في النصاب هل يقتصر عليه أم يتعلق به وبما زاد عليه؟ فيه قولان:
إحداهما: يتعلق بالنصاب وما زاد عفو، وهو المشهور من المذهب، ذكره في كتبه الجديدة والقديمة، وبه قال أبو حنيفة والمزني وابن سريج.
والثاني: قال في الإملاء والبويطي، وبه قال محمد: الفرض يتعلق بالكل، والمأخوذ مأخوذ عن الجميع
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٤٨)، وأبو داود (١٥٧٣)، والدارقطني (٢/ ٩١)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٢٧٣)، وفي "معرفة السنن" (٢٢٧٣).
(٢) انظر الأم (٢/ ١٤).
(٣) موضع النقط بياض بالأصل.
(٤) موضع النقط بياض بالأصل.
(٥) انظر الأم (١/ ١٩٠)
(٦) أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٣، ٣/ ٣٠، ٤٥، ٧٤، ٧٩)، وأبو داود (١٥٥٨)، والترمذي (٦٢٦، ٦٢٧)، والنسائي (٢٤٤٥)، وابن ماجه (١٧٩٤).
[ ٣ / ١٠ ]
وجه الأول أنه وقص قبل النصاب كالأربعة الأول، ووجه الثاني: أنه حق الله تعالى يتعلق بالنصاب، فيتعلق بما زاد عليه، كالقطع في السرقة، فإذا تقرر القولان فإذا ملك تسعًا من الإبل فحال عليها الحول، ثم تلف منها أربع قبل إمكان الأداء وبقيت في يدع خمس، اختلف أصحابنا فيه، قال أبو إسحاق: يجب عليه شاة على كلا القولين، لأن الوقص هو تابع للنصاب بلا خلاف، فإذا كان المتبوع باقيًا لم يسقط من الفرض شيء بتلف التابع، ولأن في خمس من الإبل شاة، وبزيادة الأربعة لا يزيد الواجب، فلا ينقص أيضًا [٩ ب/٤] بتلفها.
وقال سائر أصحابنا: الجواب في هذه المسألة ونظائرها يبني على الأصلين الذين أصحابنا: الجواب في هذه المسألة ونظائرها ينبني على الأصلين الذين تقدم ذكرهما:
إحداهما: أن الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان.
والثاني: هذا يتعلق الفرض بالوقص أم هو عفو.
فإن قلنا: إن الإمكان من شرائط الوجوب فعليه في الخمسة الباقية شاة، لأن الأربع تلفت قبل تعلق الواجب بها، وحصلت شرائط الوجوب وفي يده خمس من الإبل فيلزمه شاة، وإن قلنا: الإمكان من شرائط الضمان، فإن قلنا: إن الفرض يتعلق بالنصاب والوقص وعفو، فعليه أيضًا شاة، لأنه لم يتعلق الفرض بالتالف. وإن قلنا: الفرض يتعلق بالكل فعليه خمسة اتساع شاة، لأن تعلقت بجميع التسع، وانقسمت على أجزائها فقابل خمسًا منها خمسة اتساعها.
وإن كانت المسألة بحالها إلا أن التالف منها خمس والباقي أربع، فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فلا زكاة، لأنها نقصت عن النصاب قبل وجوب الزكاة فيها، وإن قلنا: من شرائط الضمان، وقلنا: الفرض يتعلق بالنصاب دون الوقص، فعليه أربعة أخماس شاه، لأن الشاة تعلقت بالخمس وانقسمت على أجزائها فقابل أربعًا منها أربعة أخماسها. وإن قلنا: الفرض يتعلق بالكل فإنه يلزم فيها أربعة اتساع شاة.
فرع [١٠ أ/٤]
لو كانت له خمس وثلاثون من الإبل، فتلف منها بعد الحول وقبل إمكان الأداء خمس عشرة وهي عشرون، فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فعليه أربعة شياه، وإن قلنا: من شرائط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو، فعليه أربعة أخماس بنت مخاض.
فرع
لو كانت له خمس وعشرون من الإبل، فتلفت منها خمس بعد الحول قبل إمكان الأداء، فإن قلنا: إنه من شرائط الوجوب فيلزمه أربع شياة، وإن قلنا: من شرائط الضمان، يلزمه أربعة أخماس بنت مخاض، ولا شيء على الأصل الآخر، لأنه ليس فيها وقص.
[ ٣ / ١١ ]
فرع آخر
لو كانت له ثمانون شاه فتلف منها أربعون بعد الحول قبل إمكان الأداء، فإن قلنا: أنه من شرائط الوجوب، فيلزمه شاة، وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو، فيلزمه شاة، وإن قلنا: الفرض يتعلق بالكل، فيلزمه نصف شاة، ولو كانت المسألة بحالها، فتلفت منها إحدى وأربعون، فإن فيها الإمكان من شرائط الوجوب، فلا زكاة، وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو، فيلزمه تسعة وثلاثون جزءًا من أربعين جزءًا من شاه، وإن قلنا: إن الفرض يتعلق بالكل، فيلزمه تسعة وثلاثون جزءًا من ثمانين جزءًا من شاه.
مسألة: قال (١): وإن وجبت عليه بنت مخاض فلم [١٠ ب/٤] تكن عنده فابن لبون ذكر.
وهذا كما قال: أراد به إذا لم تصل يده إلى بنت مخاض، ليدفعها إلى الساعي، يؤخذ منه ابن لبون، ولا يكلف شراء بنت مخاض، للخبر الذي ذكرنا، وهذا لأن في بنت المخاض فضيلة الأنوثة، لما فيها من الذر والنسل، وفي أثر اللبون فضيلة زيادة سن، فتقابلت الفضيلتان، وجعل هذا عوضًا عنها، ولا تعتبر فيه القيمة عندنا.
قال أبو حنيفة: لا يوجد ابن اللبون إلا بقيمة بنت مخاض، وهذا غلط، لأن النبي ﷺ قص عليه من غير اعتبار القيمة، وكان الوقت وقت الحاجة إلى البيان، ولو جاء بابن لبون وعنده مخاض، لا يجوز أخذه، وإن كان أكثر قيمة منها. وقال أبو حنيفة: يجوز هذا بالقيمة، وهذا غلط للخبر، ولو أعطى نصف ابن لبون سمين بقيمة بنت مخاض لا يجوز قبوله، خلافًا لأبي خنيفة، ولو قدر على شراء بنت مخاض لا يلزمه شراؤها، فإن قيل: أليس في الكفارة يلزمه شراء الرقبة إذا (٢) العدول عنها إلى الصوم، وكذلك يلزمه الوضوء بالماء، ولا يجوز العدول عنه إلى التيمم، فما الفرق؟ فإن قلنا: الشرع هنا اعتبر القدرة، لأنه تعالى قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] وقال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] ومن وجد الثمن فإنه يسمى واجدًا، وهاهنا اعتبر الشرع أن لا يكون في ملكه، لأنه قال: فإن لم يكن [١١ أ/٤] فيها بنت مخاض فابن لبون، فإذا وجد الثمن لا تكون بنت مخاض في ملكه، وأيضًا لما جاوز العدول إلى ابن لبون مع القدرة على خمس وعشرين من الإبل، وتعلم ضرورة أنه يقدر على تحصيلها بواحدة منها أو ببعضها، علمنا ضرورة أنه لم يرد بحجره على تحصيلها بخلاف الكفارة.
فرع
لو لم يكن في إبله بنت مخاض ولا ابن لبون، فإن شاء اشترى بنت مخاض، وإن شاء
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٩٠).
(٢) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ١٢ ]
اشترى ابن لبون. وقال مالك: يلزمه شراء بنت مخاض، فإن اشترى ابن لبون لم يوجد منه، وبه قال صاحب التقريب، لأنهما تساويا فصار كما لو كانا في ماله، وهذا غلط، لأنه بعد ما اشتراه ليست في ماله بنت مخاض، وعنده ابن لبون، فيؤخذ لظاهر الخبر.
فرع آخر
إذا أراد الساعي مطالبته بالواجب في هذه المسألة، ففيه وجهان: إحداهما: خيره في المطالبة بين بنت مخاض وبين ابن لبون، لأنه يتخير في تحصيلها. والثاني: يطالبه بابنه مخاض، لأنها الأصل، ثم إن جاء بابن لبون أخذ منه.
فرع آخر
لو جاء بحق مكان ابن لبون أخذناه، وهو الأولى، لأن ابن اللبون إذا جاز فالحق أولى بالجواز، لأنه أكبر منه سنة، كما لو وجبت عليه بنت مخاض، فجاء بابنة لبون، أخذناها، وفيه وجه ضعيف لا يؤخذ [١١ ب/٤] لأنه لا مدخل له في الزكاة، فإن قيل: فهل يجوز أخذه مع الجبران؟ قلنا: لا يجوز لأن بنت لبون جعلت بدلًا من بنت مخاض، والجبران يدخل في الأصل دون البدل.
فرع آخر
لو لم يرد شراء واحد منهما، بل أراد العدول إلى بنت لبون، ويأخذ الجبران، فيه وجهان: المذهب أنه لا يجوز لأنه قادر على الأقرب المنصوص. والثاني: يجوز.
فرع
عنده ابن لبون، فاشترى بنت مخاض أو ورثها بعد الحول، عليه إذا بنت مخاض وإن لم تكن موجودة عنده يوم الوجوب، لأنها في ملكه عند إخراج الزكاة. وفيه وجه آخر حكاه والدي ﵀: يجوز لجوازه في حالة الوجوب، وهو ضعيف.
فرع آخر
لو أخرج ابنتي لبون بدل حقة، وفيه وجهان:
إحداهما: يجوز. قال بعض أصحابنا: وهذا ظاهر المذهب، لأنه يجوز ذلك عن ست وسبعين، فلأن يجوز عن ست وأربعين أولى.
والثاني: لا يجوز، لأن في الحقة معنى لا يوجد في ابنتي لبون، فاعتبرنا إخراج ما ورد به النص، بخلاف ما أراد به النص، بخلاف ما إذا أخرج حقة بدل بنت لبون، وهذا ظاهر المذهب عندي.
فرع آخر
لو كانت له خمس وعشرون من الإبل مهازيل، وفيها بنت مخاض سمينة، وابن لبون مهزول، قال أكثر أهل العراق [١٢ أ/٤] المنصوص أنه يجوز إخراج ابن لبون، لأنه لا يلزم إخراج بنت مخاض هذه، فوجودها كعدمها. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك، وهو المذهب، لان بنت مخاص موجودة في ماله، وإنما جوز إخراج ابن لبون
[ ٣ / ١٣ ]
بشرط عدم بنت مخاض، وعلى هذا لا يجوز أن يطالب بنت مخاض التي في ماله، لأنها كريمة ماله. وقال ﷺ: "إياك وكرائم أموالهم" (١) فيقول رب المال: أنت بالخيار بين أن تعطي بنت لبون بشبه مالك، أو تتبرع بهذه التي في مالك وملك، فإن قال: أعطى بنت لبون، وآخذ الجبران، فالذي يقتضي المذهب أنه يجوز، لأنه قال في "الأم": وإذا ضرب الفحل السن التي وجبت فلم يدر أحالب أم لقحت، قيل له: لا يأخذها منك، فأت بغيرها من تلك السن أن شئت، أو أدفع السفلى، ورد علينا، أو العليا ونرد عليك، فأجاز أخذ الأسفل منها هاهنا مخافة الحمل، وهو لا يتحقق ذلك فلأن يجوز هاهنا ويتحقق الثمن أولى.
وأعلم بأن من ذكر النص في الوجه الأول، استنبطه من هذا الموضع، فقال: جعل الشافعي المشكوك في حملها كالمعدومة والانتقال إلى سن أخرى، فيجب أن يجعل السمينة كالمعدومة في جواز الانتقال إلى ابن لبون، والجواب [١٢ ب/٤] عن هذا أن نقول: الانتقال إلى ابن لبون أغلظ حكمًا، وأضيق طريقًا، لأنه يترك الفرض إلى ما لا مدخل له في فرائض الإبل، وهو الذكر، وليس كذلك في الصعود والنزول، فإنه يصعد وينزل إلى أنثى لها مدخل في فرائض الإبل، فكان حكمه أسهل، ولهذا لو أعطانا حقًا بدل لبون، وطلب الجبران، لا يدفع الجبران، فدل هذا على صحة الفرق، وبطلت دعوى النص في الوجه الأول.
فرع آخر
لو كانت في إبله ابنة مخاض معيبة وسائر الإبل صحاح، يجوز أن يؤخذ ابن لبون صحيح، لأن المعيبة بمنزلة المعدومة، فإن قيل: جعلتم المعيبة كالمعدومة، فاجعلوا السمينة كالمعدومة، قلنا: الفرق أن السمينة تجزئ في الفرض، فكان وجودها مانعًا من إخراج ابن لبون لأنه لو تبرع بها أخذناها، والمعيبة لا تجزئ في الفرض بحال، فكان وجودها وعدمها سواء في جواز ابن لبون.
فرع آخر
لو كانت معه ست وثلاثون من الإبل، ففيها بنت لبون، فإن لم يكن في ماله بنت لبون، فجاء بحق لم يجز أخذه، وقيل: فيه وجه آخر، أنه يجوز، وهو خطأ، ويفارق ابن اللبون من وجهين: إحداهما أن بنت مخاض فاضلة من [١٣ أ/٤] جهة الأنوثة ناقصة من جهة الصغر، فإنها لا تقوى على الرعي من الأشجار، ولا تتمكن من الشرب من الأنهار لكونها قصيرة العنق، ولا يمتنع من صغار السباع، وابن اللبون ناقص بالذكورة فاضل بالقوة والكبر، فقوبلت فضيلة إحداهما بفضيلة الآخر، وليست كذلك بنت لبون، فإنها فاضلة من وجهين: فضل الأنوثة، وفضل القوة، والحق فاضل بالقوة
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة (٢٢٧٥)، والبيهقي في "الكبرى" (٤/ ٩٦، ٧/ ٧).
[ ٣ / ١٤ ]
ناقص فلا يجوز أن يقام الحق مقام بنت لبون.
والثاني: أن للمتصدق في بنت لبون خيارين بالنزول مع دفع الجبران، أو بالصعود مع أخذ الجبران، فغلا يجوز إثبات خيار ثالث: بإخراج الحق، وها هنا ليس فيها إلا خيار واحد، وهو الصعود مع أخذ الجبران، وليس له النزول إلى أصغر من بنت مخاض، فجعل له إخراج ابن لبون مكان بنت مخاض ليحصل له خياران قياسًا على ذلك، فإن قيل: يبطل هذا بما لو وجبت عليه جذعة وهو لا يملكها، وهو يملك الشيء، لا يجوز إخراج الشيء مكانها، وإن لم يكن له إلا خيار واحد في بابها، وهو النزول دون الصعود، قيل: لا شك أنه لا يجوز إخراج الشيء مكانها، وأما هل له الصعود إلى الثنية مع أخذ الجبران كما له النزول وبذل [١٣ ب/٤] الجبران؟
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز، لأن الثنية لا مدخل لها في زكاة الإبل، فلم يجز قبولها مع الجبران، كما لو أعطى حقًا مكان ابن لبون في خمس وعشرين من الإبل، وطلب الجبران، لا يجوز، وهذا هو اختيار القفال. ومنهم من قال: يجوز، وهو الصحيح، وقد نص عليه الشافعي، فقال: ومن وجبت عليه جذعة وليست معه إلا ما خض، فإن تطوع بها قبلناها، وإلا نزلنا وأخذنا، أو صعدنا وبذلنا، حكاة أهل العراق. ووجهه أن الثنية في صفة الجذعة وأكبر منها بسنة، فهي مع الجذعة بمنزلة الحقة مع بنت لبون، وبنت لبون مع بنت مخاض، ويخلف الحق مكان ابن لبون، لأن الذكر لا مدخل له في زكاة الإبل إلا في موضع الضرورة، ولم يرد به الشرع، فإذا بذل الحق مكان ابن اللبون، وطلب الجبران، لا يدفع الجبران، ومن قال بالأول أجاب عن هذا فإن الثنية ليست في صفة الجذعة بل هي أنقص، لأن كل ما في الثنية من الذر والنسل والحمل موجود في الجذعة، وفي الجذعة ما ليس في الثنية، وهي الحداثة والطراوة، لأن الجذعة هي (١) ولهذا لم يجز إخراج الشيء بلد جوزت في الضحية، وعلى هذا قال القفال: لو دفع مكان بنت لبون ثنية، فيه وجهان: إحداهما: لا يلزم الجبران أصلًا، لأنها ليست من السن المفروضة.
والثاني: وهو الأصح، أنه يلزم جبران سنين، لأن لهما مدخلًا، وهو متبرع بزيادة سن واحدة.
فرع آخر
لو وجبت عليه ابنة لبون وليست عنده، فأعطى ابن لبون مع الجبران، فيه وجهان: إحداهما: يجوز، لأن ابن اللبون في حكم ابنة المخاض عند عدمها. والثاني: لا يجوز، لأن ابن اللبون أقيم مقام ابنة المخاض إذا كانت هي الفرض، والفرض هاهنا ابنة لبون، فلم يجز أن يؤخذ مكانها ذكر وجبران، وهذا أقرب.
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
[ ٣ / ١٥ ]
فرع آخر
لو كانت لديه إحدى وستين ابنة مخاض، فأعطى واحدة منها، وهي ابنة مخاض، ففيه وجهان: إحداهما: تؤخذ ولا يكلف غيرها جبرانًا، لما فيه من الإجحاف.
والثاني: لا يؤخذ لأنها فرض بعض هذه الجملة، إلا أن يعطي جبران من الجذعة، فيؤخذ حينئذ مع الجبران.
فرع آخر
لو كانت معه ست وثلاثون من الإبل ذكور، فإن قلنا: في خمسة وعشرين ذكرًا يطالب الأنثى، فهاهنا يطالب، وإن قلنا: هناك يخرج ابن مخاض ذكر، فهاهنا وجهان: إحداهما: لا يجوز ابن لبون ذكر، لأنه يجوز عن خمسة [١٤ ب/ب] وعشرين، فيؤدي إلى التسوية، لأن هناك فيؤدي ابن لبون عن الإناث، وها هنا فيؤدي عن الذكور.
مسألة: قال (١): وإبانَةُ في كلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ، وفي كل خمسين حقه إلى قوله: فإذا بلغت مئتين.
الفصل
وهذا كما قال: أراد وأبانة النبي ﷺ، حيث قال في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، إن الأمر على ما في الزيادة على مائة وإحدى وعشرين إلى أن تبلغ مائتين، فإذا بلغتها يخير الساعي بين أربع حقاق وخمس بنات لبون، وعلى الساعي أن يختار لأهل السهمان، ولا يحل له غير ذلك، وقال في القديم: يجب فيها أربع حقاق.
وأطلق بعض أصحابنا المسألة على قول واحد، كما ذكر هاهنا، والذي قال في القديم، لأن الأفضل الحقاق عنده، وعلى الساعي أن يأخذ الأفضل. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
إحداهما: يأخذ الحقاق فقط، لأنه إذا أمكن الزيادة بالسن، فلا يزداد بالعدد، كما في سائر المواضع.
والثاني: وهو الأصح، أنه يتخير لظاهر الخبر، وقد وجهه هاهنا الأربعينيات والخمسينات يتعلق بهما كلا الفرضين، فإذا قلنا بقوله القديم، فإن كانت موجودة أخذناها، وإلا فهو بالخيار بين الصعود والنزول مع الجبران، فإذا قلنا بقول الجديد ولم يكن [١٥ أ/٤] في ماله إلا أخذ الفرضين، تعين ذلك، لأن من خير بين شيئين فتذعر إحداهما يعين الثاني، وإن كان الفرضان موجودين، فالمنصوص أن الخيار إلى الساعي.
وقال ابن سريج: الخيار إلى رب المال، كما قال الشافعي في الشاتين والعشرين
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٨٩).
[ ٣ / ١٦ ]
وزيهما في الجبران إلى رب المال، وقال: وقول الشافعي الخيار إلى الساعي، أراد به إذا خير رب المال، وهذا غلط، والمعروف بينهما أنه لما كان الخيار إلى المعطي في أصل الجبران، كان الخيار إليه في جنسه، وها هنا لا خيار له في أصل الفرض، فلا خيار له في جنسه.
فرع
لو كان في يد ولي اليتيم بيان في الإبل لليتيم، فحال الحول عليها، وجاء المصدق، وفي المال الفرضان جميعًا، فعند الشافعي يأخذ الساعي أجود الفرضين. وعلى قول ابن سريج: لا يجوز للولي أن يدفع إلا أدون الفرضين، لأنه لا يجوز له أن يفعل إلا ما هو الأحظ لليتيم.
مسألة: قال (١): "فإن أخذ منْ ربَّ المال الصِّنْفَ الأدنَى، كانَ حَقًّا عليهِ أنْ يُخْرجَ".
الفصل
وهذا كما قال هذا التفريغ على قول الشافعي في الجديد، وفيه ثلاث مسائل، إحداها: أن يكون كاملين، أو إحداهما كاملًا والآخر ناقصا، أو كلاهما ناقصين، فإن كان كاملين، فإن كان كلاهما سواء [١٥ ب/٤] أخذ الساعي ما شاء من الفرضين، وإن كان إحداهما أفضل يلزمه أخذه، فإن أخذه فلا كلام، وإن أخذ الأدون.
قال الشافعي: كان حقًا على رب المال أن يخرج الأفضل. واختلف أصحابنا في معنى هذه المسألة، فقال أصحابنا: فمنهم من قال: معناها أن يأخذ الساعي أحد الصنفين باجتهاده، ويعلم رب المال أنه أدونهما، فإن الصدقة تقع موقعها، لأنه مجتهد فيه، فلو قلنا: لا يجوز، نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وذلك لا يجوز، فإن أخذ من غير اجتهاد، أو كتم رب المال الصنف الأجود، لا يجزئه، وعليه رده إلى رب المال إن كان قائمًا أو قيمته أن كان تالفًا، وعلى رب المال أن يخرج الصنف الأجود. ومن أصحابنا من قال: هذا الضمان يجب في مال المساكين، لأنه بخس بحق المساكين، فضمنه في مالهم، كالإمام يخطئ في قضائه فيضمن في بيت المال. ومن أصحابنا من قال: يجزئه كيف ما أخذه المصدق، لأن كل واحد في الفرضين منصوص عليه، وأخذ الفضل وجب من طريق الاجتهاد، فلا يبطل به المنصوص، والأول أصح. فإذا قلنا: يجزئه، فإخراج الأفضل هل هو واجب أم مستحب؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هو مستحب، لأن المأخوذ أجزأه وسقط به الفرض، وإنما استحب الشافعي ذلك الاحتياط خاصة إذا [١٦ أ/٤] اجتهد الإمام، فإنه لو اجتهد وأخذ منه القيمة في الزكاة، وقع الموقع، ولا يلزمه شيء آخر. ومنهم من قال - وهو الأصح -: أنه يلزمه إخراج الفضل، لأن الشافعي قال: كان حقًا عليه، وهذه العبارة لا تستعمل إلا في الواجب،
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٩٢).
[ ٣ / ١٧ ]
وهذا لأن ما بين السنين من الفضل من الواجب عليه، فإذا تركه لزمه إخراجه، ثم إذا وجب إخراج الفضل، إن كان يسيرًا لا يمكنه أن يشتري به جزءًا من الفرض يجزئه، أو يتصدق به من الدراهم والدنانير، ويجوز هذا للضرورة، وإن كان كثيرًا يمكنه أن يشتري به جزءًا من الفرض، فهل يلزمه أن يشتري به؟ فيه وجهان:
إحداهما: يلزمه، ولا تجوز القيمة، لأنه يمكنه إخراج أصل الفرض.
والثاني: لا يلزمه ذلك، وتجوز القيمة، لأنا لو كلفناه ذلك أدى إلى المشقة، فجوز العدول إلى غيره للضرورة، كما جوز أخذ الشاة في خمس من الإبل للضرورة، وإن لم يكن من جنس الفرض، ولأن هذا تلافي النقص، وليس بقيمة، فعلى هذا لا يجوز أن يعدل عن النقص إلى العروض، ولكن لو عدل إلى الجبران يجوز بلا خلاف، فإذا قلنا بالأول ينبغي أن يعرف القيمة ليعرف الأفضل، فإن كان قيمة الحقاق مثلًا خمسمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسين [١٦ ب/٤] يلزمه أن يخرج بقدر خمسين من حقه لابن بنت لبون، وذلك خمسًا حقة، أو قيمة كل حقة مائة وخمسة وعشرون.
ومن أصحابنا من قال: إن شاء صرفه إلى شاة أو بعير أو جزء منه. وكان الشيخ أبو الحسن الماسرجسي يقول: إن قدر على أن يشتري به ابنة مخاض يلزمه ذلك، لأنها من الفرائض، فهي أقرب إلى الفرض الواجب في المائتين من التقدير. ومن أصحابنا من قال في أصل المسألة: إن فرق الساعي على أهل السهمان يلزمه إخراج الفضل، لأنه لا يمكن استرجاعه سواء كان بالاجتهاد أو بغير الاجتهاد، وإن لم يكن فرق يسترد ما أخذ ودفع الأفضل، وهذا ضعيف، وإن كان إحداهما ناقصًا والآخر كاملًا فإن كانت عنده ثلاث حقاق وخمس بنات لبون.
فالفرض بنات اللبون، فلو قال هاهنا: خذ مني ثلاث حقاق وبنت لبون مع الجبران، لم يقبل منه، لأنه يعدل عن المنصوص، وإن كانا ناقصين بأن يكون عنده أربع بنات لبون وثلاث حقاق، فإن أعطى أربع بنات لبون وحقة وطلب الجبران، كان له، وإن أعطى ثلاث حقاق وبنت لبون معها الجبران، أخذنا أيضًا، ولو قال: خذوا حقة وثلاث بنات لبون مع كل واحدة جبرانها حتى تتم أربعة حقاق هل يجوز؟ فيه وجهان:
إحداهما: يجوز، كما يجوز الذي [١٧ أ/ب] قبله.
والثاني: - وهو المذهب - أنه لا يجوز، لأنه يترك ابنة لبون في ماله، ولا يجوز أن يترك ابنة لبون في ماله، وهي من جنس الفرض، إلى الجبران، ولأنه يمكن أن يعطي ثلاث حقاق وبنت لبون وجبرانًا واحدًا، فلا يجوز جبرانان، ولو كان في ماله أحد الصنفين لا نكلفه شراء الصنف الآخر، ولو كان أنفع، لأن في تكليفه مشقة عليه. ثم قال المزني: ولا نفرق الفريضة ونقل الربيع، ولا نفارق الفريضة، فمعنى التفريق أنه لو وجد نصف أحد الصنفين وكل الصنف الآخر، مثل حقتين وخمس بنات لبون، فقال الساعي أريد أن آخذ الحقتين وبنتي لبون ونصفًا، ليس له ذلك، وإن كان ذلك جبرًا
[ ٣ / ١٨ ]
لأهل السهمان، بل عليه أخذ الصنف الموجود بكمالة، وأما مفارقة الفريضة هي أن يدع الصنف الموجود ويأخذ الجبران، فليس له ذلك، لأنه مفارقة للفريضة الموجودة فصار كما لو كانا معًا موجودين يفارقهما إلى سن أعلى إذا سفل. ومن أصحابنا من غلط المزني في هذا النقل وقال: افتتح المسألة في مفارقة الفريضة، وختمها بلفظ التفريق والمفارقة والتفريق مفترقان، فإن المفارقة أن يجد أحدى السنين دون الأخرى فيعرض عنها ويصعد أو يترك، والتفريق أن ببعض المأخوذ على [١٧ ب/٤] ما ذكرنا والشافعي ﵀ فرق في "الكبير" مسألة: الفارقة عن مسألة التفريق.
فضرب المزني إحداهما في الأخرى، وهذا ظلم من أصحابنا على المزني، لأنه نقل المسألتين بلفظ مختصر، فقال: وإن وجد أحد الصنفين دون الآخر، أخذ الذي وجد، فهذا مفارقة الفريضة. ثم استأنف الكلام بحرف العطف فقال: ولا يفرق الفريضة، فأفرد مسألة التفريق عن مسألة المفارقة فتفهم.
فرع
لو كانت له أربعمائة من الإبل، فأراد الساعي أن يأخذ منها خمس بنات لبون وأربع حقاق، فإنه يجوز، وهو المذهب. وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يجوز، لأن الفرض إذا أمكن أخذه من جنس واحد لم يجز أخذه من جنسين كما في المائتين، وهذا غلط، لأن أربعمائة جملتان، لو انفردت كل واحدة منها جاز أن يأخذ منها كل واحد من الجنسين، إما خمس بنات لبون، وإما أربع حقاق، فإذا جتمعتا جاز أن يأخذ فرضها من جنسين مختلفين، وليس كذلك المائتان، فإنهما حملة واحدة فيهما فرض واحد، لأنهما إذا جعلتا نصفين لم يجز أن يؤخذ من كل نصف منهما كل واحد من الجنسين، كما يقول في كفارة يمينين يجوز التفريق، ولا يجوز في كفارة واحدة.
مسألة: قال: وإنْ كانَ الفَرْضَانِ مَعِيبينِ [١٨ أ/٤] بمَرَضٍ أو هُيامٍ أو جَرَبٍ.
الفصل
وهذا كما قال: الهيام - بضم الهاء-: داء يعتري الإبل في أجوافها، فلا تزال تكرع الماء عطشًا حتى تموت، يقال: جمل أهيم، وناقة هيماء وإبل هيم لأنها حينئذ في معنى المفقودين، إذ لا يجوز أخذهما، فيقال له: أنت بالخيار بين أن تصعد في السن أو تترك مع الجبران، لأن كون الفرض معيبًا بمنزلة عدمه، فإن أعطانا أربع جذاع بدل أربع حقاق، أخذناها ورددنا عليه لكل جزعة شاتين أو عشرين درهمًا، وإن أعطانا خمس بنات مخاض بدل خمس بنات لبون أخذناها، وأخذنا مع كل واحد منها شايتن أو عشرين درهمًا، فإن قال: خذوا مني خمس جذاع بدل خمس بنات لبون وردوا على لكل جذعة أربع شياه أو أربعين درهمًا، لم يأخذها، لأنا إذا أمكننا أن نصعد من الفرض الأعلى وهو الحقاق، لم يجز أن يصعد من الفرض الأدنى وهم خمس بنات لبون.
ولو قال رب المال: أنا أشتري [١٨ ب/٤] لكم خمس بنات لبون أو أربع حقاق
[ ٣ / ١٩ ]
ولا أعطيكم شيئًا أعلى من الفرض ولا دون الفرض، كان ذلك له، وكان ذلك يجب عليه أن يأتي بالفرض على ما يشبه بماله بالقيمة، وطريق معرفته أن يقال: لو كانت المائتان مراضًا كم كانت قيمة خمس بنات لبون منها؟ فيقال: عشرة دنانير، ولو كانت كلها صحاحًا كم كانت قيمة همس بنات لبون منها؟ فيقال: عشرون دينارًا،/ ثم يقول كم المراض من المائتين؟ وكم الصحاح؟ فإن قيل: نصفان أخذنا نصف قيمة العشر ونصف قيمة العشرين، فتكون خمسة عشر دينارًا، فنقول لرب المال: ائت بخمس بنات لبون تساوي خمسة عشر دينارًا، وإن قيل: ثلث المائتين مراض، وثلثاها صحاح، أخذنا ثلث العشرة وثلثي العشرين، وعلى هذا الحساب إذا قل عدد المراض من المال وكثر عدد الصحاح، أو كان على العكس.
فرع
الجبار في موضع الجبران هو إلى المعطي، فإن كان المعطي رب المال فالخيار إليه، إن شاء أعطى شاتين وإن شاء أعطى عشرين قال في "الأم": والاحتياط لرب المال أن يعطي ما هو الأحظ لأهل السهمان منهما. وقال الثوري: الجبران شاتان أو عشرة دراهم، وروي ذلك عن على ﵁، لأن قيمة الشاة في الشرع [١٩ أ/٤] خمسة دراهم، لأن نصاب الغنم أربعون، وهذا غلط، لأنه لا تقوم الإبل أربعة دنانير على هذا القياس، فكذلك فيما ذكرتم. ومن أصحابنا من قال: قال في "الإملاء": الخيار إلى الساعي، ففيه قولان، وهذا غلط، والذي قال في "الإملاء"، أراد إذا كان الساعي هو المعطي، ولا شك هاهنا أن الخيار إليه، ولا يجوز له أن يختار إلا ما هو خير لأهل السهمان كما قلنا في فرض المائتين، وهذا لأنه وكيل لهم، فلا يفعل إلا ما فيه حظهم.
فرع آخر
لو كان مع الساعي أغنام وليست معه دراهم، والشاتان أكثر قيمة من العشرين الدراهم، فإنه يبيع من الشاتين بقدر عشرين درهمًا، ويدفع إلى رب المال، وإن كانت العشرون درهمًا أكثر من الشاتين، دفع الشاتين.
فرع آخر
لو نزل سنين أو صعد سنين، فإن كانت السن التي تلي الفرض معدومة، جاز النزول بسنين ويجعل جبرانين، بكل سن جبرانًا واحدًا، فتكون أربع شياه أو أربعين درهمًا، وإن كان ثلاثة أسنان، يلزم ثلاث جبرانات، ست شياه أو ستون درهمًا، وإن كان السن التي تلي الفرض موجودة، فذكرنا أنه لا يجوز النزول منها، وهو المذهب، وفيه وجه آخر أنه يجوز، لأن النبي ﷺ "قدر جبران كل سن بشاتين أو عشرين [١٩ ب/٤] درهمًا"، فيجوز أخذه هاهنا عن سنين، وهو ضعيف. وهكذا الخلاف لو وجد سنًا أعلى منه بسنة وسنًا أعلى منه بسنتين. وقال ابن المنذر: لا يجوز النزول إلا إلى سن واحدة لأن الشرع لم يرد الجبران إلا في سن واحدة، وهذا غلط لأن فيها ذكر سنها على ما ذكرنا.
[ ٣ / ٢٠ ]
فرع آخر
لو وجبت ابنة لبون وعنده ابنة مخاض وجذعة، هل له إخراج الجذعة؟ وجهان:
إحداهما: لا يجوز بل عليه إخراج بنت مخاض، لأنها أقرب إلى الواجب.
والثاني: وهو الأصح، ما هذا يجوز له ذلك، لأنها استويا في القرب، هذا من طريق الانخفاض وذلك من طريق الارتقاء، لأنه ليس في إبله ما قبل الجذعة، ولم تجب عليه إخراج حقة، لكونها معدومة في ماله.
فرع آخر
إذا وقع الجبران لسن واحدة فليس له أن يبعض فيعطي شاة وعشر دراهم، وإذا دفع جبران سنين، له أن يبعض فيدفع شاتين وعشرين درهمًا، كما قلنا في الكفارتين والكفارة الواحدة.
فرع آخر
لو لم يكن في ماله الفرض وفي ماله سن دونه وسن فوقه فاختلفا، فقال رب المال: أنزل وأعطى الجبران، وقال الساعي: أصعد وأعطى الجبران، أو كان على العكس، قال الشافعي في "الأم" (١): الخيار في ذلك إلى الساعي لأن السن الأعلى [٢٠ أ/٤] والسن الأسفل صارتا بمنزلة الفرضين عند عدم الفرض في ماله، ولو وجد الفرضان كان الخيار إلى الساعي، فكذلك هاهنا. قال الشافعي: فإن لم يقل المصدق الخير لهم، كان عى رب المال أن يخرج فضل ما بين ما أخذ المصدق لهم وبين الخير، ثم يعطيه أهل السهمان. وعند ابن سريج الخيار في هذا إلى رب المال كما قال في الفرضين. ومن أصحابنا من قال: الخيار هاهنا إلى رب المال، بخلاف الفرضين، والفرق أن له تركهما وتحصيل الواجب، بخلاف الفرضين في المائتين، وهذا خلاف النص الذي ذكرناه، فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين الخيار في الشاتين أو العشرين فإنه إلى رب المال إذا كان هو المعطي؟ قلنا: الفرق أن ذلك جعل جبرانًا على سبيل التخفيف، فكان ذلك إلى المعطي، وهذا التخفيف في الفرض، فكان إلى الساعي. وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك باعتبار القيمة، ويجوز حقه بتثمينه بقيمة الجذعة من دون الجبران، ولا يتقدر الجبران في موضع الحاجة بعشرين درهما أو شاتين بل يراعي القيمة، وهذا غلط الذي ذكرنا.
فرع آخر
لو أعطى بين سنين ابنة مخاض بدل شاتين، قال بعض أصحابنا: يجوز، وهو غلط مسألة: قال (٢): ولا يأخذ [٢٠ ب/٤] مريضًا وفي الإبل عد صحيح.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٦).
(٢) انظر الأم (١/ ١٩٣).
[ ٣ / ٢١ ]
وهذه كما قال. ومعنى المسألة: إذا كانت إبله مراضًا، وعدد الفرض منها صحاحًا، وهذه المسألة هي مخالفة للمسألة المتقدمة، لأن هناك الفرضين معيبان، وهذا الفرض صحيح، وسائر الإبل مراض، والجواب فيهما واحد إلا في الصعود والنزول، فإنا لا نجوز هاهنا أن يصعد إلى فرض مريض، ولا أن ينزل إلى فرض مريض، ويترك في مالك فرضًا صحيحًا، بل يقول له: إن تبرعت بالفرض الصحيح الموجود في مالك، وإلا فائتنا بفرض يشبه مالك بالقيمة، وطريق التقويم على ما تقدم بيانه.
وقال في "الأم" (١): ولا يأخذ مريضًا وفي الإبل عدد صحيح من دون الهاء، وأراد إذا كان في جملتها صحاح مراض، لم تؤخذ المريضة، بل تؤخذ الصحيحة على ما ذكرنا لأنا لو أخذنا المريضة وقع الأخذ شائعًا فتكون قد أخذنا المريضة عن الصحيحة، وهذا لا يجوز.
مسألة: قال (٢): فإن كانتْ كُلَّها مَعِيبةً لمْ يُكَلِّفْهُ صَحيحةً من غَيرِهَا، ويأخذُ جَبْرَ المعُيبِ.
وهذا كما قال: إذا كانت ماشيته مراضًا كلها، تؤخذ الزكاة منها، ولا يطالب بالصحيح، وهذا غلط، لقوله ﷺ لما "إياك وكرائم أموالهم" (٣) ولأنه مال تجب الزكاة فيه من جنسه، فلا يكلف الجيد من الرديء كالحبوب، فإذا تقرر هذا [٢١ أ/٤] نقل المزني ويأخذ خير المعيب، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: أراد أنه يأخذ خير الفرضين المعيبين، وهو الصحيح، وعليه يدل ظاهر كلام الشافعي ﵀ عليه في "الأم" (٤)، لأنه قال: ويأخذ جبر المعيب من السن التي وجبت له. ومن أصحابنا من قال: أراد من المال إذا خيره رب المال وأذن له أن يأخذ خيره. ومن أصحابنا من قال: أراد بالخير الوسط ويعبر عن الخير بالوسط. قال تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وأراد وسطًا. ومن قال بهذا اختلفوا، فمنهم من قال: أراد الوسط بالقيمة على ما تقدم بيانه، ومنهم من قال: أراد بالوسط من عدد العيوب، فيترك ما فيه عيب واحد وما فيه ثلاثة عيوب، ويؤخذ ما فيه عيبان.
فرع آخر
لو كانت له ست وثلاثون من الإبل مراض، وفيها بنت لبون صحيحة، فإن تبرع بها أخذناها، وإن امتنع منها نقول له: الذي يجب عليك بنت لبون صحيحة تشبه مالك، وطريق ذلك التقويم على ما تقدم بيانه، وعلى هذا لو لزمته شاتان وإحداهما صحيحة في ماله، والأخرى مريضة وباقي مريضة كلفناه واحدة صحيحة، وقبلنا الأخرى مريضة، ولا تتعين هذه الصحيحة بل يأتي بشاة أخرى على ما يليق بماله أو [٢١ ب/٤]
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٥).
(٢) انظر الأم (١/ ١٩٣).
(٣) أخرجه البخاري. فتح (٣/ ٣٧٧)، ومسلم. نووي (١/ ١٩٦).
(٤) انظر الأم (٢/ ٥).
[ ٣ / ٢٢ ]
يعطي الموجودة. ولو قال: أنزلوا إلى سن دونها، أو إلى سن فوقها مع الجبران في المسألة الأولى، لم يجز، لأن سائر الأسنان مريضة ولا يجوز أخذ المريضة وفي المال صحيحة.
فرع آخر
لو كانت له ستة وثلاثون من الإبل مراض، وليست فيها بنت لبون، فإن قال: أعطي بنت مخاض مريضة معها الجبران أخذناها، لأنه زيادة، وإن قال: أعطي حقة وردوا على الجبران شاتين، لا يجاب إليه، لأنه هذا جبران ما بين السنين الصحيحتين، فلا يجوز أن يجعل جبران ما بين السنين المريضتين، لأنه يؤدي إلى الإضرار بالفقراء، ولا يجوز للساعي أن يفعل إلا ما هو الاحتياط لهم، ولا يجوز أن ينقص الجبران كما قدره الشرع.
مسألة: قال (١): وإذا وَجَبتْ عليه جَذَعَةٌ لم يَجُزْ لنا أن نأخذُ منهُ ماخِضًا.
وهذا كما قال: إذا كانت له إحدى وستون من الإبل، يلزمه جذعة حائل، فإن كانت جذعة ما خض أي: حامل، لم يجز للساعي مطالبته بها، وإنما قيد الشافعي ﵀ بالجذعة، لأن ما دونها لا يحمل فإن تطوع رب المال بها، أخذناها، فإن قيل: أليس لو جاء الجاني بغرة حامل لا يؤخذ. فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الحمل في بنات آدم نقص، وهو في البهيمة زيادة [٢٢ أ/٤] ولهذا لو اشترى بهيمة فوجدها حاملًا، لم يكن له ردها، ولو اشترى جارية فوجدها حاملًا كان له ردها. وحكي عن داود أنه قال: لا يجوز أخذ الحامل، لأن الحمل عيب، ولا السن الأعلى عن الأداء، واحتج بنهيه عن أخذ الشافع في الزكاة، وأراد به الحامل، وهذا غلط، لقوله ﷺ: "ففيها جذعة" ولم يفصل بين الحامل والحابل، ولأن الحمل زيادة، بدليل أنه غلط الدية بالحمل، فصار كما لو أخرج السمينة بدل المهزولة، والدليل على أن الأعلى يقبل إذا تطوع به، ما روى أبي بن كعب أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقًا، فمررت برجل فجمع إلى ماله، فوجدته تجب عليه ابنه مخاض، فقلت: يجب عليك بنت مخاض، فقال: إنه لا ذر لها ولا ظهر، وهذه ناقة سمينة عظيمة فخذها، فقلت: لا آخذ مات لم أومر، وهذا رسول الله ﷺ قريب منا، فإذا أردت أن نأتيه فنعرضها عليه، فإن أخذها أخذتها، وأن ردها رددتها، فخرج إليه وذكر له، فقال: "ذاك هو الواجب فإن تطوعت بخير منه قبلنا منك" (٢)، فقبلها، فقبلتها منه.
فرع
لو ضرب الفحل فلم يدر، أحملت أم لا؟، لا يأخذها جبرًا على ما تقدم بيانه ولو
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٩٣).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٤٢)، وابن خزيمة (٤/ ٢٤)، والحاكم (١/ ٣٩٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٢٧٩).
[ ٣ / ٢٣ ]
جاء الجاني [٢٢/ب ٤] بغرة وطيب قبلناها، لأن الغالب في البهائم من الضراب الحمل، بخلاف بنات آدم.
مسألة: قال (١): وإنْ كانتْ إبِلُةُ مَعِيبة فَريضَتُها شاةً.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت له خمس من الإبل مراضًا أو معيبة، نقول له: أنت بالخيار بين أن تعطينا منها بعيرًا، فإن أعطانا شاة لا نقبل المعيبة والمريضة. ومن أصحابنا من قال: في خمس من الإبل شاة، ما يطلق عليه اسم الشاة، وهذا غلط، لأن مطلق الاسم في الشرع يتناول ما قيد وصفه في الضحايا. وروي عن سويد بن غفلة أنه قال: أتانا مصدق رسول الله صلى عليه وسلم فقال: نهينا عن الأخذ من راضع لبن، وإنما حقنا في الجذعة والثنية وقال ابن خيران: يؤخذ منه شاة صحيحة، يجوز في الأضحية بالقيمة فيقال: خمس من الإبل الصحاح كم تساوي؟ فيقال: ألف درهم، فيقال: وكم تساوي شاة يجوز أخذها منك؟ فيقال: عشرون، ثم يقال: لو كانت مراضًا كم كانت قيمتها؟ فيقال: خمسمائة، فيقال: ائتنا بشة صحيحة تجوز في الأضحية تسوي عشرة دراهم، فإن لم تؤخذ قسم العشرة على الفقراء وأجزأته الضرورة، والأول ظاهر مذهب الشافعي، لأن الشاة هي أقل الواجب فيها، فلا يجوز أن ينقص عنها، كما نقول [٢٣ أ/٤] في شاتي الجبران إذا كانت الإبل مراضًا، ولم يكن فيها الفرض لا يجوز أخذ الأدنى مع شاتين مريضتين فيها الفرض، لأن ذلك أقل الجبران بالشرع، كذلك هاهنا، ولأنه لا تعتبر فيه صفة المال، فلم يختلف بصحة المال ومرضه كالأضحية، ولو قال: أعطيك بعيرًا منها أخذناه وأجزأه، وهكذا إذا كانت معه خمس من الإبل الصحاح، فأعطانا بعيرًا منها أجزأه، لأن الأصل في الفرض إخراج الجنس من ماله، وإنما عدل إلى الشاة هاهنا رخصة ورفقًا برب المال، فإذا اختار الأصل كان له، كما لو اختار غسل الرجل بدل المسح على الخف كان أولى.
فرع
إذا أخرج الإبل هاهنا، فيه وجهان:
إحداهما: وهو الأظهر، الكل فرضه فيكون في الخمس من الإبل فرضان: أعلى، وأدنى، فالأعلى هو البعير، والأدنى هو الشاة، وصاحبها بالخيار، وإن شاء أسقط الفرض بالأعلى، وإن شاء أسقط الفرض بالأدنى، كما تقول في أنواع كفارة اليمين.
والثاني: أن الفرض منه خمسة والباقي تطوع، لأن أقل ما يجب فيه الإبل خمسة وعشرون من الإبل، فتكون في مقابلة كل خمس بعير، ونظير هذا التمتع إذا نحر بدنة، فهل جميعها فرض أم لا؟ وجهان:
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٩٣).
[ ٣ / ٢٤ ]
إحداهما: الجميع فرضه.
والثاني: السبع منها فرضه، والباقي تطوع. [٢٣ ب/٤]
فرع آخر
لو أعطانا بعيرًا منها أكثرها عيوبًا، قبلناه، نص عليه في "الأم" (١)، فإن قيل: أليس قال الشافعي: ويأخذ خير المعيب؟ قلنا: أراد به إذًا الفرض من جنسها، لان المعيب لا يكون أكثر من الواجب، وهاهنا الفرض من غير جنسها، فأي شيء أعطانا من الجنس فهو أكثر من الواجب، فافترقا.
فرع آخر
قال القفال: لو أعطى بعيرًا عن خمس من الإبل الصحاح، ولا تساوي هذه الإبل شاة، لا يجوز، ولو أعطى من الإبل المراض يجوز، وإن كان أقل قيمة من قيمة شاة، نص عليه الشافعي (٢)، والفرق أن في الصحاح إذا أعطى إبلًا فهو غاية التطوع، وأقل ما في التطوع أن لا ينقص عن الواجب، وفي المراض، إذا أعطى إبلًا فهو غير متطوع، وإنما نعطيه للضرورة، فلا حاجة إلى اعتبار القيمة وأعلم أن هذا النص غريب لم يذكره أهل العراق. وقال بعض أهل خراسان: لم يوجد هذا للشافعي ﵀، وقد ذكر الإمام أبو محمد الجويني عن الشافعي ﵀ أنه قال: لو أعطى ثورًا من ثلاثين ثورًا، وهو خير من تبيع قبلنا، قال: وقوله وهو خير، إنما اشترط، لأن هذه المنزلة هي منزلة تبرع، فلا ينبغي أن ينقص التبرع عن درجة الواجب، والواجب يتبع (٣) التبرع [٢٤ أ/٤] أن يكون زائدًا على الفرض (٤) أن الإمام القفال ذكر ذلك النص تخريجًا من هذا الموضع. وقال مالك: لا يجوز البعير عن الخمس إلا أن تسوي شاة بكل حال، وهو قول أبي حنيفة. وقال داود: لا يجوز البعير أصلًا، ويروي هذا عن مالك أيضًا في المعيب، ذكر في "الحاوي" (٥)، وقد ذكرنا الدليل على بطلانه.
فرع آخر
لو كانت عنده عشر من الإبل، هل يرضي منه ببعير واحد أم يحتاج إلى بعيرين؟ فيه وجهان:
إحداهما: يكفي واحد، لأنه يجوز عن خمس وعشرين، فلا يجوز عن عشر أولى، ولا يجوز أن يؤخذ خمس بعير، ولا همساه بدل شاة، وإن كان فيه ثنية، لأن التبعيض عيب.
والثاني: لابد من بعيرين مكان شاتين.
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٦).
(٢) انظر الأم (٢/ ٦).
(٣) (٤) موضع النقط بياض بالأصل.
(٤) انظر الحاوي للماوردي (٣/ ١٠١).
[ ٣ / ٢٥ ]
فرع آخر
قال بعض أهل خراسان: الإبل المخرج هل هو بدل عن الواجب أم أصل؟ وجهان:
إحداهما: أنه بدل، ولكنه يجوز للنص.
والثاني: أنه أصل، وهو الصحيح
فرع آخر
لو أخرج كبشًا هل يجزئه؟ قال أبو إسحاق: يجزئه، لأن هذه الشاة لا تتعلق بعين المال (١) الذكر والأنثى كالأضحية، وهو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز، إلا الأنثى، لأن فرائض الإبل كلها إناث. وفيه وجه ثالث: أنه كانت الإبل إناثًا لا يجوز إلا أنثى، وإن كانت ذكورًا [٢٤ ب/٤] يجوز الذكر والأنثى اعتبارًا لصفة المال، وعلى هذا لو أخرج الذكر في الجبران، هل يجوز؟ فيه وجهان أيضًا.
فرع آخر
سن هذه الشاة إن كانت ضأنًا فجذعة، وإن كانت معزًا فثنية، وأما صفتها فمن نوع غنم البلد، فإن كانت ضأنًا فضأنا، وأن كانت معزًا فمعزًا، وإن كانت منهما، فمن أيهما شاء، ولا فرق بين أن يكون إحداهما أغلب من الآخر، أو يكون سواء. وقال مالك: الاعتبار بأغلب غنم البلد في النوع، كما في الجنس، فإن كان غالب غنم البلد الضأن، لم يجز أخذ المعز، وإن كان الغالب المعز، لم يجز أخذ الضأن، وهذا غلط، لأن الشرع ورد بتجديد؟ النوع والتسوية بين جميع الأنواع، فلم يحتج مع ورود الشرع به إلى اختيار أهل البلد، والأغلب فيها، بخلاف الجنس المطلق، ذكره في الشرع، فاعتر فيه الأغلب، وقد قال الشافعي في "الكتاب". ولا أنظر إلى الأغلب في البلد، وعلل الشافعي لإبطال قوله نقله، أخل المزني بنقلها حيث نقل فقال: لأنه إنما قيل: إن عليه شاة من شياه بلده، أي: لم تقيد تلك الشاة في الخبرة بشاة من أغلب عنهم بلده، فإذا أعطاه شاة من شياه بلده جاز، فاستأنف هذا الكلام من جهة نفسه، لا إدراجًا له في متن الخبر كما أوهم المزني، وأما جنسها قال [٢٥ أ/٤] الشافعي في "الأم" (٢): إن كان في بلده جنس من الغنم فجاء بجنس آخر، نظر، فإن كان مثله في القيمة، أو خيرًا منه أجزأه، وإن كان دونه لم يجزه، فعلى هذا، إذا كان بمكة، فأخرج شاة مكية أجزأته، وأن أخرج من غيرها، وكان دونها في القيمة، لم يجز، وإن كان مثلها جاز ولو كانت له أربعون شاة مكية ببغداد، فأخرج من غنم بلدة شاة، لم يجز، ولا يعتبر فيها غنم البلد، لأن الشاة الواجبة من الأربعين هي مستحقة من جنس النصاب، فلم يجز إخراجها من غير جنسه إلا أن يكون خيرًا من جنسه أو مثله فيجزئه، وليس كذلك في الشاة المأخوذة من خمس من الإبل، لأنها ليست من جنس النصاب، فاعتبرتا بغنم
_________________
(١) موضع النقط بياض بالأصل.
(٢) انظر الأم (٢/ ٨).
[ ٣ / ٢٦ ]
البلد، وإذا أراد أن يعدل عن جنس غنم البلد فهو بمنزلة عدولة عن جنس النصاب في الأربعين.
فرع
إذا ملك نصابًا من الضأن فأراد أن يخرج ماعزًا أو على العكس، قال القاضي: فيه وجهان:
إحداهما: يؤخذ كما لو كانت بعضها ضأنًا، وبعضها ماعزا، فإنه يأخذ من الكل الضأن أو المعز.
والثاني: يؤخذ الضأن من المعز، ولا يؤخذ المعز من الضأن، لأن الضأن خير النوعين، وإذا قلنا: يؤخذ المعز من الضأن، لا يؤخذ إلا ثنية، وإذا قلنا: يجوز [٢٥ ب/٤] إخراج الضأن من المعز، فإن أخرج ثنية فقد زاد، وإن أراد أن يخرج جذعة بدل ثنية من المعز فيه وجهان، إحداهما: يجوز لأنها تجوز عن نصاب من الضأن.
والثاني: لا يجوز لأنها ناقصة السن كما لو أخرج حقة سمينة بدل جذعة لا يجوز.
مسألة: قال (١): وإذا كانت إبِلُهُ كِرامًا لم يأَخُذْ منهُ الصَّدَقَةَ دُونَهَا.
الفصل
وهذا كما قال قيل: الكرام من صفي الناس، وإنما يقال في الإبل كرائم ولا يقال كرام، إلا أن الشافعي ﵀ استعمله في الإبل وقوله حجة في اللغة وجملته أنه إذا كانت إبلة كرامًا من حيث الجنس مثل أن يكون معه خمسة وعشرون بختيًا فعليه أن يخرج بنت مخاض بختية، ولو أعطى من العراب لا يجوز، وكذلك لو كانت إبلة مهرية أو مجيدية لم يجز إخراج الفرض من جنس دونه وهذا للعدل بين رب المال وأهل السهمان، وإن كانت إبلة كرامًا من جهة السن مثل أن يكون كلها ثنايا أو بُزلًا أو جذاعًا لا نكلفه أن يعطي بعيرًا منها بل نطالبه ببنت مخاض من جنسها والفرق بين كرم الجنس وكرم السن من وجهين:
إحداهما: أن سن الفرض منصوصة مبنية بيانًا لا يحتمل التأويل، حتى قال ﷺ: "فمن سئل فوقها فلا [٢٦ أ/٤] يعطه" وليس كذلك جنس الفرض فإنه غير منصوص عليه فاعتبر بالجنس النصاب الذي وجب الفرض منه.
والثاني: أن الزيادة في السن تجري مجرى الزيادة في العدد، ألا ترى أن فرائض الإبل تارة بالسن وتارة بالعدد فلما لم يجز أن يزاد في عدد الفرض لم يجز أن يزاد في السن لئلا يؤدي إلى الأخذ من القليل مثل الأخذ من الكثير، فإنه لو أخذ من خمس وعشرين جذعة مثلًا جذعة فقد أخذنا في إحدى وستين وهو محال وهناك لا يؤدي إلى هذا المعنى فافترقا، وعلى هذا لو كانت له إحدى وستون حوامل لا يكلف
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٩٤).
[ ٣ / ٢٧ ]
حاملًا لأن الحامل اثنان ولو كانت معه خمس وعشرون من الإبل سمانًا أو أربعون شاة أكولة وجبت سمينة مثل ماله كما يؤخذ من الهازيل مهزولة.
مسألة: قال (١): وإذا عَدَّ عليهِ السَّاعي فَلَمْ يأخُذْ منهُ شيئًا حتَّى نَقَصَتْ.
الفصل
وهذا كما قال هذه المسألة مبنية على أن الإمكان من شرائط الوجوب، أو من شرائط الضمان، وإن قلنا: من شرائط الوجوب وهو ظاهر المذهب فعد عليه الساعي ماشيته بعد حولان الحول فلم يأخذ منه شيئًا حتى نقصت عن النصاب فلا شيء عليه وعلى القول الآخر عليه بحصة ما بقي واختلف قول الشافعي [٢٦ ب/٤] رحمة الله عليه في كيفية الإمكان فقال في الجديد: الإمكان هو الوصول إلى الساعي أو إلى أهل السهمان سواء كان ماله من الأموال الظاهرة كالمواشي أو كان من الأموال الباطنة، كالذهب والفضة، ومن أصحابنا من قال: لو أخرها على هذه القول عن أهل السهمان ليوصلها إلى الإمام لا يضمن، لأن له غرضًا صحيحًا في الدفع إلى الإمام لدفع الخلاف، وهذا خلاف النص، وقال في "القديم": إن كان من الأموال الباطنة فهو الوصول إلى الساعي أو إلى أهل السهمان وأن كان من الأموال الظاهرة فهو الوصول إلى الساعي دون أهل السهمان، وتجب الزكاة على الفور عند الإمكان، وبه قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، وقال أبو بكر الداري: على التراخي لأنها لو هلكت عند أبي حنيفة لا يضمن (٢) على (٣) وإذا وجد الإمكان على ما بيناه فلم يخرج الزكاة حتى تلف المال فإنه يلزمه ضمان الزكاة، وقال أبو حنيفة لا يضمنها وإن أخرها سنين لا يطالبه إلا بمطالبة الإمام وهذا غلط، لأنها أمانة حصلت في يده بغير اختيار من له الحق فيضمن بالإمكان كما لو ألقت الريح ثوبًا في داره ضمن بالإمكان.
مسألة: قال (٤): وما هَلَكَ أو نَقَصَ في يدَيَ [٢٧ أ/٤] السَّاعي.
فلم يفرقها حتى تلفت في يده سقط الفرض عن رب المال بقبض الساعي منه فإن كان الساعي لم يمكنه أن يفرقها بين أهل السهمان حتى تلفت فلا ضمان على الساعي وإن أمكنه ذلك فإن آخر تفريقها لعذر مثل إن كان مشغولًا بتثبيت أسمائهم وإحصائهم وتعرف أحوالهم أو انتظار مال آخر من الصدقات، يحمل إليه فيضيفه إلى ما تحصل عنده ليعم الجميع به فلا ضمان عليه وإن أخرها لغير عذر، فإنه مفرط ويلزمه الضمان فإن قيل: إذا وكل رجلًا في قبض ماله من رجل فقبضه وأمكنه أن يدفع إليه فلم يدفع حتى تلف لا يلزمه الضمان، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الزكاة مستحقها غير متعين فلم يجعل سكوت مستحقها رضي فتركها في يده فتعلق الضمان بالإمكان، وهاهنا المال الذي في يد الوكيل مستحقة متعين فجعل سكوته عن المطالبة بتسليمه إليه رضي منه.
_________________
(١) انظر الأم (١/ ١٩٤).
(٢) (٣) موضع النقط بياض بالأصل.
(٣) انظر الأم (١/ ١٩٤).
[ ٣ / ٢٨ ]
بكونه في يده، وتعلق الضمان بمطالبه وامتناعه.
فرع
لو أوصى إلى رجل بتفرقة ثلاثة على الفقراء ومات الموصي وأمكنه تفريقه عليهم فلم يفعل حتى تلف ضمن لأن المستحق غير معين كالزكاة سواء، ولو وجد لقطة فأخذها وهو يعرف صاحبها لزمه إعلامه [٢٧ ب/٤] بها فإن أخر الإعلام مع الإمكان ضمن لأن مستحقة متعين ولذلك لو هبت الريح بثوب في داره.
فرع
لو قال له: سلم هذا المال إلى رجل فأخذه (١) التسليم فلم يسلمه حتى تلف هل يضمن وجهان:
إحداهما: أنه يضمن كالزكاة.
والثاني: لا يضمن لأنه لا يلزمه أمره بخلاف أمر الشرع وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا، والصحيح عندي القول الأول لأنه ألتزمه باختياره فلزمه الوفاء به.