قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وذكر الخبر. وهذا كما قال أعلم أن الاستطابة والإستجمار والاستنجاء معناها واحد، وهو إزالة عين الغائط والبول من مخرجهما المعتاد إلا أن الاستجمار عبارة عن إزالته بالأحجار دون الماء لأنه مستو من الجمار وهي الحجارة.
وقد قال (٨٤ أ/ ١) صلي الله عليه وسلم "من استجمر فليوتر ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" أي من استعمل الحجر فيه فليجهله وترًا فإنه جعله شفعًا فلا حرج.
[ ١ / ١١٨ ]
وأما الإستطابةً والاستنجاء بعير فكل واحد منهما عن تنقية مخرج البول والغائط بالماء والأحجار معًا، لأن الإستطابةً مشتقةً من الطيب؛ فكأنه بهذا القول يطيب ذلك الموضع، والاستنجاء مشتق من النجو هو القطع، يقال: نجوت الشجرةَ واستنجيتها إذًا كأنه قطع الأذى عن نفسه بالماء أو الحجارة، وقال القتييي: هو مأخوذ من النجوةً وهي ما ارتفع من! لأرض؛ لأن من أراد قضاء الحاجة استتر بها والأول أصح. فإذا تقرر هكذا. فالأصل في الاستنجاء الخبر الذي ذكره الشافعي، وهو ما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلةَ ولا يستدبرها لغائط ولا بول وليستنجِ بثلاثةَ أحجار" ونهى عن الروث والرمةً وإنما قال: أنا لكم مثل الوالد أرقع الحشمةً بينهم ربينه حين أراد ذكر ما يحتشم منه، وقيل: إنما قال ذلك تثبيتها على أن كل والد أن يعلم ولده ما يحتاج إليه من أمر دينه كما علم رسول الله - ﷺ - آمته أمر دينهم.
وقد روي أن النبي - ﷺ - قال: "علموا أولادكم الطهارة [٨٤ ب/ ١] والصلاةً وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أأبناء عشر؛ وقوله: فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط: أراد به الموضع المطمئن من الأرض وكان أهل المدينةَ إذ ذاك يقضون حوائجهم في الصحاري فيأتون الموضح المطمئن فيها؛ يستترون به عن الأبصار فأمرهم أن لا يستقبلوا القبلةً لقضاء حوائجهم من الغائط، وهو ي يخرج من الإنسان، سمي باسم ذلك الموضع الذي يقضي حاجته فيه.
فإذا تقرر هذا لا يجوز عند استقبال القبلةً ولا استدبارها لغائط ولا بول في الصحراء ولا في فضاء من الأرض، ويجوز في البيوت والبنيان أن يجلسوا كيف شاءوا، وبه. قال العباس ابن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر، وعائشة - ﵂ - ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك في البنيان أيضًا، وبه قال أبو أيوب الأنصاري؛ والنخعي، والثوري، وأبو ثور، وأحمد في رواية، وروي عن أبي حنيفةً روايةً أخرى يجوز فيها الاستدبار. وقال عروةً بن الزبير، وربيعةً: يجوز كل ذلك فيهما، وبه قال داود، واحتج
الشافعي على جواز ذلك في البنيان لما روي عن ابن عمر - ﵁ - أنه قال: ظهرت على إجار لحفصة - ﵂ فرأيت رسول الله - ﷺ - جالسًا في بيت من بيوت حفصةً على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس، ومن اشمل [٨٥ أ/] بيت المقدس في المدينةً بعد استدبار الكعبةً يدل على جواز ذلك في البنيان.
والإجار سطح أحيط به حائط من جوانبه والأولى من هذا ما روي عن عائشةً -
[ ١ / ١١٩ ]
﵂ - قالت؛ ذكر لرسول الله - ﷺ - قومًا يكرهون استقبال القبلةً بفروجهم فقال: "أوقد فعلوها استقبلوا بمقعدتي في القبلةً". ولأن في الصحارى معنيين: أحدها: احترام القبلةً. والثاني: أنه قال ما يخلو عن مصل من جني آو ملك أو إنس فيقع المصلي على عورته ولا يوجد كلا المعنيين معًا في البنيان.
وروي عن ابن عمر - ﵁ - أنه كان على بعير" في صحراء فزل وأبرك بعيره بين يديه وأرسل ذيله من ورائه وقعد يبول مستقبلًا القبلةً فقيل له: أليس قد نهي عن ذلك فقال ذلك إذا لم يكن بينك وبين القبلة ساتر. واحتجوا بما روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي - ﷺ - قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تتقبلوا القبلةً لغائط ولا بول ولكن شرقوا أر غربوا" فقدمنا الشام فوجدنا مرا حيض قد بنيت قبل القبلةً فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله - ﷿ - قلنا: نحمل الخبر على الصحراء.
وقول أبي أيوب يعارضه قول ابن عمر - ﵄ - فإن قيل فما تأويل ما روي أن النبي - ﷺ - نهى عن استقبال القبلتين [٥٨ ب/] قلنا: له تأويلان أحدها: أنه نهى عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلتهم ثم نهى عن استقبال الكعبةً لما صارت قبلةً فجمع الراوي ما فرقه النبي - ﷺ - في وقتين.
والثاني: أراد بالمدينةً نهى عن استقبال الكعبةً واستقبال بيت المقدس؛ لأنه يصير مستدبر الكعبةً ولا يجوز استقبالها ولا استدبارها وسمى بيت المقدس قبلةً؛ لأنها كانت قبلةً
على عادةَ العرب في استصحاب الاسم بعد زوال المعنى، ولهذا فإنهم يسمون البالغ يتيمًا.
فرع
قال أصحابنا: استقبال ست المقدس واستدباره للغائط يكره لأنه كان قبلة ولا يحرم النسخ.
فرع أخر
قال أصحابنا إذا جلس في الصحراء للغائط إلي ما يستره من جبل أو دابةً أو دار هل يغلب حكم الصحراء في المنع أو يغلب حكم السترةً في الجواز؟ وجهان:
احدهم: يغلب الستر لوجود الاستتار. وقد قال ابن عمر - ﵁ -
والثاني: يغلب حكم المكان؛ لأن القضاء فيه أغلب، وعلى هذا لو كان من مصرين خراب قد صار قضاء كالصحراء وجهان: أحدها: يعتبر صفة المكان. والثاني: بقيةَ حكم المكان.
[ ١ / ١٢٠ ]
فرع آخر
قال أصحابنا: يجب أن لا يكون البناء أقل من مؤخرةَ الرجل وهو قريب من ذراع عندي، ويشترط قرب البناء منه، فإن كان حوله جدران متباعدةً لا يجوز، ولو كان في الصحراء وهذه أو شيء [٨٦ ا/ ١] يستره جرى ذلك مجرى البنيان.
مسالة: قال: "وإن جاء من الغائط أو خرج من ذكرهِ أو دبرهِ شيء"
الفصل
وهذا كما قال. عبر الشافعي بلفظ القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ [النساء: (٤٣)] وجملته أي الاستنجاء واجب عنده. إما بالماء أو بالأحجار، فإن لم يستنج وصلى لم تجز صلاتهِ. وبهِ قال أحمد، وإسحاق، وداود، ومالك في رواية.
وقال أبو حنيفة: الاستنجاء مستحب وليس بواجب، وهو رواية عن مالك، وبه قال المزني، وعلى هذا قاس أبو حنيفةَ النجاسةً في الثوب والبدن فجوز الصلاةً معها إذا كان قدر درهم يغلي، يريد بذلك الواسع، ولم يجوز إذا كان أكثر وقال: لو جازت النجاسةً في
محل الاستنجاء قدر الدرهم لا يجوز في إزالته إلا المائع.
واحتج الشافعي عليه بالخبر الذي ذكرنا، وأيضًا فقد روي أن بعض المشركين قالوا لسلمان الفارسي - ﵁ - إن صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءةَ قال: أجل إن رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلةً أو ندبرها لغائط أو بول وأن نستنجي بأيماننا، وأن نستخم بدون ثلاثةَ أحجار ليس فيها رجح "ولا عظيم.
وروى بأن أيضًا أن النبي - ﷺ -[٨٦ ب/ ١] قال: "لا يكفي أحدكم دون ثلاثةً أحجار يستنجي بها". فإذا تقرر هذا الكلام في فصلين: أحدها: في الجواز. والثاني: في الأفضل فأما الأفضل.
هو أن لجمع بين الماء والأحجار، فيستعمل أولًا الأحجار، ثم الماء، لأن الله تعالى: أثنى على أهل قباء فقال تعالى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ﴿التوبة:٠٨﴾ فقال لهم رسول الله - ﷺ -:"ما هذه الطهارة التي أثنى الله عليكم بها؟ فقالوا: نحن نستنجي بالأحجار ثم نتبعها الماء فقادت عليكم به" ولأنه إذا فعل كذا يكون ألطف وأنقى وأحوط، وهذا هو معنى انتفاص الماء الذي في الخبر، وقيل: وضع الماء من الليل وتغطيته مسنون. وأما الواجب فهو آن يقتصر على الماء أو الأحجار، والأفضل أن يقتصر على الماء، فإنه يزيل العين والأثر
[ ١ / ١٢١ ]
بخلاف الأحجار، فإن اقتصر على الأحجار مع وجود الماء جان للخبر الذي ذكرناه خلافًا للزيديةً والهاشميةً. وروى أبو أمامه أن النبي - ﷺ - قال: "يطهر المؤمن ثلاثةَ أحجار، والماء أطهر".
وروي عن خزيمةً بن ثابت قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الإستطابةً فقال: "ثلاثةَ أحجار ليس فيها رجيع".
وروي عن عائشةً - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قعد لحاجتهِ فجاء عمر بماء فوقف
وراءه فقال رسول الله - ﷺ -[٨٧ أ/ ا] ما معك يا عمر؟ فقال: ماء نتوضأ به قال: إ لم أومر، بالماء كلما توضأت، ولو فعلت ذلك صار سنة". ومن الناس من كره الاستنجاء بالماء لأنه طعام وهذا لا يستوي بالحكايةً.
فإذا تقرر هذا فالاقتصار على الأحجار إنما يجوز بشرطين أحدها: أن يأتي بثلاثةً أحجار. والثاني: أن يحصل الإنقاء فإن أنقاه بحجرين يلزمه استعمال الثالث، وإن لم ينق بثلاثةً أحجار يلزمه أن يزيد حتى ينقى، وإذا جاوز الثلاث فالمستحب أن يقطع على الوتر كما ذكرنا من الخبر. وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك وداود: الواجب هو الإنقاء فقط ولا يشترط فيه العدد. وعند أبي حنيفةَ. يستحب الاستنجاء. وفي الاستحباب لا بد عن العدد، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
وروي عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: "خرج رسول الله - ﷺ - وصبيحةَ ليلةً الجن وقال: ائتني بثلاثةَ أحجار فأتيته بحجرين وروثه فرس، فألقى الروثةَ وقال: لا هذا ركس أبغني ثالثا، أي أعني على طلبه - وقوله ركس أي رجيع، رد من الطهارةً إلى حال النجاسةً يقال: ركست الرجل إذا نكسته في الشر. واحتج مالك إن المقصود هو الإنقاء؛ لأنه لو لم يحصل بثلاثةَ أحجار تلزمه الزبالةً، قيل عليه: أقضي الأمرين من العدد أو الإنقاء، ويوجد نظيره في مواضع كثيرة.
واحتجوا بأن العدد في الاستنجاء بالماء لا يعتبر كذلك [٨٧ ب/ ا] في الاستنجاء بالأحجار. قيل: الفرق أنه يحصل بالماء حقيقةً الطهارةً فلا يعتبر فيه العدد، وبالأحجار يحصل التخفيف، والطهارة، فيعتبر فيها العدد احتياطًا، وهذا كانقضاء العدةَ إن كان بوضع الحمل لا يراعى العدد، وإن كان بالإقراء يعتبر بالعدد، فإذا تقرر هذا فالخارج من الآدمي ضربان:
[ ١ / ١٢٢ ]
أحدهما: يوجب الغسل وهو المني والحيض والولد فلا يعتبر منه الاستنجاء لأن عليه غسل جميع البدن.
والثاني: يوجب الوضوء وهو علي ضربين معتاد ونادر، فإن كان معتادًا فعز ضربين ريح وغير ريح، فإن كان ريحًا فلا استنجاء عليه به، وإن كان عينًا كالغائط والبول فيجب الاستنجاء منه ويجوز فيه الأحجار على ما ذكرنا، وإن كان نادرًا فعلى ضربين رطب ويابس،
فالرطب هو الدم والقيح والصديد يحب الاستنجاء منه قولًا واحدًا، وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار؟ قولان: أحدها: لا يجوز إلا الماء نص عليه في "الأم" وقوله ها هنا: أو خرج من ذكره أو دبره شيء أي ما هو معتاد، وهذا لأنه نادر لا يتكرر فلا يبق عليه استعمال الماء فيه.
والثاني: يجوز فيه الاقتصار على الأحجار نص عليه في حرملةً؛ لأنه نجس خارج من محل الحدث فأشبه المعتاد والأول أظهر.
وإن كان يابسًا كالحصاةً والنواةً والدود نظر فإن كان عليه رطوبةً [٨٨ أ/] يلزمه الاستنجاء قولًا واحدًا. لم تكن رطوبةً فهل يجب الاستنجاء؟ قولان: أحدها: لا يجب، وهو اختيار المزني لأنه كالريح.
والثاني: يجب؛ لأنه لا يعري عن الرطوبة، وإن لم يشاهد كالبعرةً اليابسةً، وقيل في البعرةً اليابسةً التي لا بلل فيها حكمها حكم الحصاةً أيضًا، فإذا أوجبنا الاستنجاء هل تجزئ الأحجار؟ على ما ذكرنا من القولين.
وقال القفال: إذا أوجبنا الاستنجاء ها هنا تجزئ الأحجار قولًا واحدًا؛ لأن النجاسة التي يتوهمها معتادةً وهذا عندي على ما قال - ﵀.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان بناء على أن الاعتبار بالخارج أو المخرج. فإن اعتبرنا الخارج لا تجزئ الأحجار، وإن اعتبرنا المخرج تجزئ الأحجار، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا خرج المعتاد متلوثًا بغير المعتاد. فآما إذا خرج غير المعتاد خالصًا فلا تجزئ الأحجار قولًا واحدًا، والصحيح أن لا فرق. فإذا تقرر هذا يحرز الاستنجاء بالأحجار وبما في معنى الأحجار من الآجر والخشب والخرقة، وإن ورد النص الظاهر بالأحجار. وقال داود: لا يجوز الاستنجاء بغير الأحجار. وحكي ذلك عن زفر وهو رواية عن أحمد، وهذا غلط لنهيه - ﷺ - عن الروث والرمةً؛ لأن تخصيصها [٨٨ ب/] بالنهي تنبيه على جوازه بغير ما - وروى الدارقطني بإسناده عن طاووس عن ابن عباس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثةً أحجار، أو ثلاثةَ أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب"، أو يقول: غير الأحجار في معناها فقسنا عليها. وإنما ذكر الأحجار في الخبر المشهور؛ لأنها أكثر وجودًا.
[ ١ / ١٢٣ ]
فإن قيل: أليس في رمي الجمار لا يقوم غير الأحجار مقام الأحجار فكذلك هنا؟ قلنا: ذاك غير معقول المعنى وهو الإنقاء أو تخفيف النجاسةً وهذا يوجد في غير الأحجار.
فإذا تقرر هذا فخذ ما يجوز به الاستنجاء. قال بعض أصحابنا: هو أن يكون طاهرًا منقيًا لا حرمةً له، ولا متصلًا; بحيوان، ومعنى التقى أنه يزيل العين حتى لا يبقى إلا. أثرًا لاصقًا لا يخرجه إلا الماء.
وقال: أهل خراسان: هو أن يكون طاهرًا منشفًا لا حرمةً له. وقيل: يدل المنشف أن يكون قالعًا. وقيل: أن يكون جامدًا طاهرًا منقيًا غير مطعوم، وهذا أصح بالجامد لا بد منه؛ لأنه لو استنجى بغير الماء من المائعات كماء الورد ونحوه لا يجوز، ولو غسل الحجر النجس والماء عليه فأتم لا يجوز به الاستنجاء؛ لأنه يزيد تنجيسًا ولا يزيل شيئًا وإن كان نديًا زال عنه رطوبة الماء. ولم يجف بعده فهل يجوز استعماله؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز لبقاء النداوةً.
والثاني: يجوز لذهاب [٨٩ أ/] الرطوبة وقيل: يختلف بقلة النداوةً وكثرتها فأن كانت النداوةً قليلةً فإنه يجوز، والطاهر لابد منه؛ لأنه لو استنجى بروث، أو عظم ميتة، أو حجر نجس لا يجوز فإن خالف وفعل لم يقع مرع الاستنجاء.
وقال أبو حنيفة: يقع موقعه من حيث الاستحباب، وهذا غلط للخير الذي ذكرناه، نم إذا نجس هذا المحل بنجاسةً أخرى. هل يجوز أم يقتصر فيها على الحجر؟ فال بعض أصحابنا: يجوز؛ لأن هذه النجاسةً صارت تبعًا للنجاسةً الأولى وحصلت من حكمها، والصحيح أنة لا يجوز؛ لأن المحل نجس بغير الخارج منه، فهو كما لو استنجى بالماء ثم نجس ذلك المجل بنجس. غير الذي خرج منه لا يجوز الاستنجاء فيه بالحجر، كذلك ها هنا.
وأما المنقي فلا بد منه، أو هو أن يكون؛ خشنًا، فإن كان أملس كالقارورة، والجحر الصماء، والسيف الصقيل، والزجاج والصفر، والرصاص لا يجوز الاستنجاء به لأنه لا ينقي العين بل يزيد المكان تلوثًا، وكذلك كل ما لا ينقي لنعومته كالخز والحرير، وللينه كالطين والشمع، أو لضعفه ورخاوته كالفحم لا يجوز الاستنجاء به، وعلى هذا الكاغد أن كان على صقالته لم يجز الاستنجاء به وإن كان برنكس جاز، وكذلك أوراق الشجر، فإن خالف واستنجي به ينظر، فإن لم يبل النجاسةً إلى محل آخر جاز وإلا فلا يجوز وهذا معنى المنشف، لأن الأملس والشيء [٨٩ أ/] المبل لا ينشف. وأما كونه غير مطعوم لا يدمنه ويريد بالمطعوم ما كان طعامًا لنا كالخبر والتمر ونحوه، وما كان طعامًا لإخواننا من الجن كالعظم، فلا يجوز الاستنجاء به بحال طاهرًا كان أو غير طاهر، قالعًا فإن تكون رمةً وهو
العظم أو غير قالع، لأن غير الطاهر نجس والطاهر أملس أو مأكول وقد نهى النبي - ﷺ - عن ذلك فقال لرويفع بن ثابت الأنصاري: يا رويفع
[ ١ / ١٢٤ ]
لعل الحياةَ ستطل بك فأخبر الناس أن من استنجى بعظم أو رجيع فهو بريء من محمد".
وقال أبو حنيفة: يجوز الاستنجاء بالعظم طاهرًا كله أو نجسًا من حيث الاستحباب.
وقال مالك: يجوز بالطاهر منه فقط. وقيل في معنى الرجيع السرقين سمي به لرجوعه عن الطهارةً إلى النجاسةً. وقيل للرجيع: الحجر الذي قد استنجى به مرةً فإنه إذا أراد أن يستنجي به ثانيًا رجع إليه.
وروي أن الجن قالت: يا رسول الله مر أمتك أن لا يستنجوا بالعظم والروث، فإن العظم زادنا والروث علف دوابنا. وقال أبو حنيفة: يجوز بالمأكول أيضًا كالماء المروب، وبه قال مالك، وهذا غلط لأنه نجاسةً سببها المأكول فلا تزال المأكول، وتفارق الماء؛ لأنه تدفع النجاسةً عن نفسه بخلاف هذا. وقيل: حد مما يجوز به الاستنجاء أن يكون جامدًا طاهرًا قالعًا للنجاسةً عن محترم ولا [٩٠ أ/ ١] مخلف، وفيه احتراز عن التراب إذا لم يجوز به الاستنجاء في أحد القولين؛ لأنه يخلف على المحل جزءًا منه.
لو استنجي بيده، أو بعقبه، أو بذنب حيوان، أو عضو من أعضائه أو صوف على ظهره، قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه جامد طاهر منقي غير مطعوم، وهذا هو اختيار أبي حامد وجماعةً. وقال بعضهم: لا يجوز وهو اختيار القاضي الطبري وجماعةً؛ لأنه إذا لم يجز بالطعام والعظم للنهي، وإن كان يحصل يهما الإنقاء، فلأن لا يجوز بما له حرمةً أولى، ولأن الرخصةً لا تتعلق بالمنهي. وقيل: إن استنجي بيد نفسه لا يجوز، وإن استنجي بيد غيره يجوز، كالسجود على يد نفسه لا يجوز، وعلى يد غيره يجوز، وهذا يحكى عن أبي حامد، ولا معنى لهذا الفرق، ولا لهذا القياس.
فرع أخر
لو استنجى بالذهب، أو الفضةَ، أو حجارةً الحرم من أصحابنا من قال لا يجوز كالمأكول للحرمةً. والثاني: يجوز لأن لماء زمزم حرمةٌ تمنع من الاستنجاء، ولو استنجى به فإنه يجوز بالإجماع.
فرع
الاستنجاء باللحم لا يجوز لأنه يؤكل بعد عمد، ولو استنجى بحيوان فيه وجهان، والصحيح جوازه لأنه غير مأكول، ويحرم أكله حيًا. بخلاف اللحم الني، وهذا إذا لم يكن فيه من النعومةً واللين ما يمنع الإزالة.
[ ١ / ١٢٥ ]
فرع آخر
اليقطين يؤكل رطبًا ولا يؤكل يابسًا فلا يجوز الاستنجاء به رطبًا ويجوز [٩٠ ب/ ا] يابسًا، ويجوز الاستنجاء بنوى الثمار المأكولةً، ويجوز بقشر الرمان، وهكذا لو استنجى برمانةً حبها فيها جاز؛ لأن المباشرةً في الاستنجاء. كانت بقشرها وهو غير مأكول.
فرع
لو كان قشره قد يؤكل رطبًا ويابسًا كالبطيخ لا يجوز بحال، وإن كان قشره يؤكل رطبًا ولا يؤكل يابسًا كاللوز والباقلاء يجوز يابسًا ولا يجوز رطبًا.
فرع آخر
كلما تأكله البهائم والآدميون. فإن كان أكل الآدميين له أكثر فلا يجوز الاستنجاء به. وإن استويا فيه مخرجان من اختلاف أصحابنا في ثبوت الدنيا فيه.
فرع آخر
لو استنجى بالمصحف أو بكتاب الفقه والأخبار هل تقع الموقع؟ فيه وجهان بناء على ما ذكرنا من الخبرين، ولا شك أنه يعصي به إن كان عالمًا بل ويكفر للاستهزاء به. أو قيل في الاستنجاء بالخبز مع العصيان وجهان وليس بشيء.
فرع
لو جعل الثلاثةً من ثلاثةً أصناف أجناس خشب وخرق وحجر فاستنجى به أجزأه، ولو استنجي بالخرقة مرة لا يجوز أن يستنجي بالوجه الآخر منها؛ لأنه يصل هذا النحو إلى الوجه الأخر مصير الكل نجسًا، ولو لف بعض الخرقةً على بعض حتى صارت النجاةَ الأولى من دون عليها من الخرقةَ أجزأه.
فرع أخر
نص الشافعي على جواز الاستنجاء بالآجر قال أصحابنا [٩١ ب/ ا] هذا: على عادةً
الناس في عصره بمصر والحجاز، فإنهم كانوا لا يخلطون السرقين بترابه بل كانوا يخلطوا به البن والرماد، وكذا أهل العراق في الأول لم يكونوا يخلطون الروث، والآن يخلطون الروث فعلى هذا لا يجوز الاستنجاء به إليهم. ومن أصحابنا من قال: علم الشافعي بطرح الرقين فيه ولكنه أجازه؛ لأن النار تحرق الرقين فلا تبقي منه شيء، فإذا غسل الآجر بعده طهر ظاهره ويجوز الاستنجاء به حينئذ. وإن كسره لا يجوز الاستنجاء بظاهر موضع الكسر حتى يغسله أيضًا؛ لأن النار تأتي على الرقين الباطن فتخرقه أيضًا. وقال أبو حامد: لا يجوز بموضع الكسر أصلًا، وأراد واش أعلم إذا لم يحترق الرقين الذي على ظاهر موضح الكسر.
فرع آخر
لو استنجى بالتراب. قال في "البويطي": لا أكره الاستنجاء باللبان، ولا بورق
[ ١ / ١٢٦ ]
الشجر، ولا بالتراب. قال أصحابنا: أراد به المدر الصلب الذي تتهيأ إزالة النجاسةُ به، فإن كان متناثرًا لا يجوز؛ لأنه لا يقني النجاسةً بل يلتصق بعض التراب بالنجاسةً. ومن أصحابنا من قال: يجوز بكل تراب والأول أصح.
فرع آخر
قال من رواية الربيع: يجوز الاستنجاء بالفحم وروي، يجوز الاستنجاء بالمقاييس. وقال في روايةَ "البويطي": لا يجوز بالحممةُ فقيل قولان والصحيح أنه على [٩١ ب/ ا] حالين: فإن كان صلبًا بحيث لا يلتصق بشرته من السواد إلا قدر ما يلتصق من المدر يجوز. وإن كان رخوًا لا يجوز.
وروى ابن مسعود أن النبي - ﷺ - نهى عن الاستنجاء بالحممة.
فرع
لو بقي ما لا يزول بالحج، ولكن يزول بالخرقةً وصفات الخرق ظاهر مذهب الشافعي. وبه قال عامةُ أصحابنا يلزمه إزالته لأنه يمكن أزالته بعين الماء، وفيه وجه آخر لا يلزمه إزالته؛ لأنه لما كان فرصةً سقط بالأحجار لؤمه آنفًا ما يزول بالأحجار. هكذا ذكره صاحب الحاوي وعندي الصحيح الوجه الثاني وهو المذهب؛ لأن الأحجار هي الأصل في الاستنجاء على ما ورد به الشرع وجرت به العادةً.
مسألة: قال: "ولا تستنجي بحجر قد مسح به مرةً إلا أن يكون قد ظهر بالماء"
وهذا كما قال معناه طهر بالماء وجف بعد بطهارته؛ لأنه قيد بالماء ونص في الإملاء على أنه إذا زال الأثر بالشمس يطهر من غير غسل. وبه قال أبو حنيفةَ، والأصح الأول فإذا قلنا بقول الإملاء. فلو جف بالظل حتى زال. الأثر قولان أيضًا، وكذلك القولان في أرض نجسة جنت بالشمس أو بالظل، وقيل: إنه مرتب.
فإن قلنا بالشمس لا تطهر فبالظل أولى. [٩٢ أ/] وإن قلنا بالنص يطهر يفي الظل قولان. فإن قيل: أليس كره الشافعي أن يرمي بحجر قد رمي به مرة، فلم لا يكره ها هنا؟ قيل: لأنه قد قيل: إن ما يقبل منه يرفع، وها لم يقبل منه يترك هناك، فكره الرمي كغير المقبول، وها هنا القصد إزالةُ النجاسةَ يحجر طاهر، وقد وجد ذلك. فإن قيل: أليس لو شهد بحق ثم أعاد الشهادة فإنما لا. تقبل فكذلك لا يجوز إعادة الاستنجاء الحجر الأول. قيل: الفرق. هو أن القصد من الشهادة أن يغلب على الظن صدق الشهود في شهادتهم وبالتكرار لا يحصل عليه الظن، وها هنا القصد ما ذكرنا فافترقا. فإن قيل: أليس بالماء المستعمل لا يجوز التطهر فكيف جاز بالحجر المستعمل؟ قلنا: لأن الماء قد؛ أزال مانعًا من الصلاةً بخلاف الحجر.
[ ١ / ١٢٧ ]
فرع
لو شك هل استنجي به مرة أم لا. قال في "الأم": كرهت له أن يستنجي بهَ، فإن استنجى أجزأه لأن الأصل الطهارة.
فرع
إذا استنجى بحجر ولم يتلوث بالنجاسةً ثم أراد أن يستنجى به ثانيًا ففيه وجهان: أحدها: لا يجوز كالتراب المستعمل في التيمم. والثاني: يجوز كالدواء المستعمل في دفع الجلد يستعمل في غيره، وليس كالماء المستعمل؛ لأنه أزال الحدث عن البدن والتراب في التيمم أزال حكمه في الحال، أو الحجر لا يزيل النجاسةً تحقيقًا، فإذا [٩٢ أ/] كان حكم النجاسةً ثابت للمحل لم ينتقل الحكم إلى الحجر.
مسألةً: قال: "والاستنجاء من البول هو كالاستنجاء من الخلاء").
وهذا كما قال أراد به أن يجب من البول ويقيم ساعةُ تم ينشر ذكره ثلاثًا قبل الاستنجاء بيده اليسرى، وهو أن يضع إصبعه على ابتداء مجرى بوله، وهو من عند حلقة الدبر ثم يسلت المجرى بتلك الأصبع إلى رأس الذكر. وهذا لما روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات" والنتر هو الدلك الشديد - وقيل: يمسك الذكر بيده اليسرى ويضع أصبع يده اليمنى على ابتداء المجرى، فإذا انتهى إلى الذكر نشر الذكر باليسرى، وهذا أمكن حكاه الساجي. والأصل في هذا ما روي آن النبي - ﷺ - قال: "تنزهوا من البول، فإن عامةُ عذاب القبر منه،
وروي أبو هريرة أن رسول اللهﷺ - قال "عذاب القبر من البول والنميمة فإياكم وذلك".
روى أن النبي - ﷺ - قال: مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمةَ، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول" وروى: "لا يتنزه" فإن استنجى بعد انقطاعه ولم ينشر جاز، لأن الظاهر أن بوله قد انقطع. وحكي بن الحسن بن صالح أن البول يخرج [٩٢ أ/] ما لم يغسل بالماء، فإذا غسل انقطع ويكون الماء كالجسم له. وقال الأوزاعي: من أشفق أن يكون في إحليله شيء من
[ ١ / ١٢٨ ]
البول فليمش خطوة أو خطوتين فإنه ستنزل ما أشفق منه، وهذا عندي حسن مستحب.
فرع
قال أصحابنا: يكره أن يحشو الإحليل بقطنةٍ؛ لأنه لم يعقل بين الصحابة وفيه تشديد.
مسألة: قال: "ويستنجي بشماله"
وهذا كما قال: يكره الاستنجاء باليمين للخبر الذي ذكرنا ين سلمان الفارس. ﵁ - وقالت عائشةٌ وحفصةٌ - ﵂: كان يمين رسول اللهﷺ - لطعامه وشرابه
وثيابه، ويساره للاستنجاء وغيره من الأذى
وروى أنه قال: "إن الشيطان يأكل بيساره ويستنجي بيمينه فكلوا باليمين واستنجوا باليسار "
وروي أبو قتادة أن النبي - ﷺ - قال:"إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه وإذا خلا فلا يستنجى بيمينه"
قال أصحابنا: ويستحب أن يستعين بيمينه في شيء من الاستنجاء، فإن كان يستنجي من الغائط أخذ الحجر بشماله واستنجى به، وإن كان يستنجي من البول فإن كان الحجر كبيرًا أو جدارًا أخذ الذكر بشمالهِ وآمر عليه في ثلاثةُ مواضع، ولا يمر مرتين على موضع واحد، فإن فعل فإنه لا يجزي إلا الماء. وإن كان الحجر صغيرًا فإن أمكن أن يجعله بين [٩٣ أ/] عقبيهِ وأمر ذكره عليه فعل، وإن لم يمكنه أخذ الحجر بيمينه والقضيب بيساره ثم يمره على الحجر، ولا يمر الحجر على الغضون ولا يحرك اليمين لئلا يكون مستنجيًا باليمين، وهذا لأن النبي - ﷺ - "نهىَ عن مس الذكر بيمينه" ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يأخذ بيساره الحجر لأنها المقصود بالاستنجاء، ويكون ذكره بيمناه. فعلى هذا الوجه ينبغي أن يمسح الحجر على ذكره هكذا ذكره صاحب "الحاوي" والأول أصح وأظهر وان كان يستنجي بالماء صب الماء بيمينه ومسحه بيساره، وإن كان أقطع اليسرى أو كان بها عِلةً استنجى بيمينه للضرورة.
فرع
لو بال وجف لا يستنجى بالحجر، ولو تغوط وجف ثم استنجى بالحجر.
قال أصحابنا: لا يجوز لأن الحجر لا يزيل النجاسةً الجامدةُ، والأصح أن يقال:
[ ١ / ١٢٩ ]
إن
كان يقلعها الحجر جاز وإلا فلا يجوز إلا الماء.
فرع
إذا استنجى من الغائط بالماء ما يقع له العلم بزوال النجاسةُ عينًا وأثرًا، فإن شم من أصبعه اليسرى الوسطى رائحةُ النجاسةُ هل يكون دليلًا على بقاء النجاسةً في محل الاستنجاء؟ وجهان: أحدها: يدل على بقائها، ولا يسقط فرص الاستنجاء؛ لأن ذلك يكون لتعديها من محل الاستنجاء فعلى هذا يكون المستنجي مندوبًا إلى ثم أصبعه. والثاني [٩٤/ ١]: أنه لا يدل على بقاء النجاسةَ هناك؛ لأن بقاء النجاسةَ في عضو لا يدل على بقائها في غيره. فعلى هذا لا يكون المستنجي لأجل الاستنجاء مندوبًا إلى شم أصبعه. ذكره ني الحاوي.
فرع آخر
قال أصحابنا: شرط من يستنجى بالحجر أنه لا يقوم عن موضع الغائط؛ لأن بالقيام تنطبق الآليتان فتنقل النجاسةً من مكان إلى مكان.
مسألة: قال: "وإن استطاب بما يقوم مقام الحجارة"
الفصل
إلى قوله: "مًا لَم يَعُدُ الْمُجرج، وهذا كما قال: ذكرنا ما يجوز به الاستنجاء والكلام الآن في الموضع الذي يجوز استعمال الأحجار فيه، والذي لا يجوز بالذي نقل المزني أن الحجارة تجوز ما لم يعد المخرج - أي ما لم تجاوز. فإن عدد المخرج لا يجوز إلا الماء. ونقل عن القديم أنه يجوز إذا لم ينتشر فرق العادةَ في ذلك الموضع وحوله. ونقل الريح وذكره في "لأم" وحرملةُ يجوز ما لم يخرج إلى ظاهر الآليتين. وفيه ثلاث مسائل:
إحداها: إذا لم يعد المخرج بحالٍ أو عداه ولكن انتشر حول حلقة الدبر على المادةُ ولم يرد أجزأه الحجارةً قولًا واحدًا، نص عليه في جميع كتبه، وغلط المزني فيما نقله، ولا يعرف الشافعي ذلك، ولعله سقط عن المزني قوله وحوله، وأراد وحوله فتركه اختصارًا، وذكر في "البويطي": يجوز الاستنجاء بالأحجار ما لم يعد الشرح، وهو أيضًا غلط، وأراد وحوله أيضًا وهذا لأن [(٩٤) ب/] وصول النجاسةً إلى هذا الموضع يكثر ويتكرر، ولا
يتصور أن لا يتعدى المخرج فيشق فيه استعمال الماء، وعلى هذا لو تقاطر إليه بعد الانفصال عنه لا يجوز فيه إلا الماء، وإن كان قريبًا من المخرج بحيث يشير إليه في العادةً ثم إن أمكنه غسل ذلك المتقاطر والاستنجاء بالأحجار في موضع
[ ١ / ١٣٠ ]
(الخروج) فعل، وإن لم يمكنه ذلك لتقاربها واتصال أحدهما بالآخر لا يجوز في كله إلا الماء. والثانيةُ: أن يزيد على ذلك إلى ما بين الآليتين ولم يظهر على الآليتين هل تجزيه الحجارة؟ قولان: أحدها: يجزيه لأن قوت المهاجرين كان النمر وهو يلين الطبع فتصل النجاسةً غالبًا إلى هذا الموضع، وكانوا يستنجون بالأحجار. والثاني: لا يجوز لأنه نادر وأراد بما ذكر في "الأم" وحرملة ما فسره في القديم وهذا أقيس. والأول ظاهر المذهب. والثالثةُ: أن يظهر على الآليتين فلا يجوز فما ظهر على الآليتين إلا الماء قولًا واحدًا، وفيما يظن على القولين اللذين ذكرناهما هكذا أطلق أصحابنا، وهذا عندي إن أمكن الفصل بين ما. يغسل وبين ما يستعمل فيه الحجر ويبعد ذلك أومن أصحابنا من قال: في المسألةً ثلاث أقوال تجعل رواية. المزني قولًا وما قل في "القديم" قولا ثانيًا .. وما قال في "الأم" قولًا ثالثًا، وهذا ليس بشيء
وأما البول قال أبو إسحاق في "الشرح"، إذا جاوز البول مخرجه حتى رجع على الذكر أو [٥ أ/] أسفله لم يطهره إلا الماء، وليس الذكر كالدبر، لأن ما يخرج من الدبر لا بد من أن ينتشر، وما يخرج من الذكر لا ينتشر. وهكذا ذكر "البويطي" فقيل قول واحد في هذه المسألةً.
وقال القاضي الطبري: رأيت في "الأم" قال:.إذا انتشر البول إلى ما أقبل على الثقب أجزأه الاستنجاء، فإن جاوز ذلك الموضع لم يجز فيما جاوز إلا الماء. وهذا قول آخر.
وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاث مسائل: إن انتشر قدر العادةً جاز فيه استعمال الأحجار، وإن جاوز موضع القطع إلى باطن الذكر أو ظاهره أو جنبيه لم يجز فيه استعمال الأحجار. وإن جاوز المعتاد ولكن لم يخرج عن موضع القطع فيه قولان أو هذا غير صحيح لما ذكرنا من النص.
فصل في كيفية الاستنجاء
اعلم أن الواجب أن يستنجي بثلاثةَ أحجار يعم بكل حجر منها المحل. فإن بقي شيء زاد حتى ينقي.
وقد روى سهل بن سعد الساعدي أن النبي - ﷺ - قال: "يفي أحدكم إذا قضى حاجته أن
يستنجي بثلاثةَ أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسربةَ".
وروي أنه - ﷺ - قال: "يقبل بحجر ويدبر بحجر ويطلق الثالث" واختلف أصحابنا
[ ١ / ١٣١ ]
في هذا على وجهين. قال أبو إسحاق: صورته أن يأخذ حجرًا ويضعف على مقدم صفحته المنى ثم يذهب به إلى آخرها، ثم يضع الثاني على مؤخر صفحته اليسرى، ثم يمره إلى آخرها، [٩٥ ب/ ا] ثم يضع الثالث على الصفحتين فيمسحهما معًا به.
وقال ابن أبي مريرةُ: يضع الأول على مقدم صفحته اليمنى ثم يذهب به إلى آخرها، ويديره إلى مؤخر صفحته اليسرى ثم يذهب به إلى آخرها، حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يضع الثاني على مقدم صفحته اليسرى ثم يذهب به إلى آخرها، ويديره إلى مؤخر اليمنى، ثم يمره إلى آخرها حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يطلق بالثالث على الصفحتين معًا، وهذا أصح؛ لأن العدد المعتبر في إزالة النجاسةً من شرطه أن يعم المكان بكل مرةً كما قلنا في عدد غسل الإناء، ولوغ الكلب، وعلى ما قال أبو إسحاق لا يوجد هذا، وعلى هذا ينبغي آن يدير الدم الذي يستنجي به في يده قليلًا حتى لا تصيب النجاسة موضعا أخر بل كما يصبب متجافي عن البدن.
فرع
قال الشافعي والبكر والثيب في الاستنجاء سواء. قال أصحابنا: أما في الغائط فالرجل والمرأة سواء فلا إشكال. وأما في البول إن كانت بكرًا ففرجها سدود وفيه ثقبتان، ثقبه للبول في أعلا فرجها كالإحليل، وثقبه في أسفل الفرج وهر مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد. فإذا اقتضت انشقت الثقبةُ التي يخرج منها الحيض وتصير ثيبًا، فالبول يخرج من البكر في أعلا فرجها ولا يدخل في فرجها شيء منه، فالحجارةً تجزيها. وأما الثيب [٩٦ ب/ ا] فربما ينزل البول إلى فرجها - يعني موضع الحيض - فإن علمت أنه لم يزل فهي كالبكر، وإن علمت أنه ينزل في فرجها فلابد من غسل ما أصابه البول من فرجها. وأطلق أصحابنا
أنه لا يجوز لها الاستنجاء بالأحجار، لأن الغالب أن البرد ينزل في مدخل الذكر ويتاحشَ. وقيل نص الشافعي في "الأم" أن لها أن تستنجي بالأحجار لأن منفذ البول لم يتغير بزوال البكارة فإذا أرادت أن تغسل هذا الموضع قال الشافعي: فإذا أرادت أن تغسل هذا الموضع من دم الحيض أو البول لا يجزيها إذا لم تكن عذراء إلا إدخال الماء في فرجها وشبهه الشافعي بما بين الأصابع، وظاهره أنه لا يبطل صومها به ويجزيها إذا كانت عذراء ما دون العذرةً.
قال أصحابنا: وإنما يجب إيصال الماء إلى الموضع الذي يظهر عند جلوسها وقيامها فأما ما عدا ذلك فهو في حكم الباطن ويبطل الصوم بوصول الواصل إليه فلا يكلفا إيصال الماء إليه.
فرع آخر
لا يحوز للخُنثىَ أن يستنجى بالحجر إلا من الغائط. فأما في المبالين فلا يجوز الماء ما دام مشكلًا لأن القبل أحدهما والآخر العضو الزائد ففي حال الإشكال يقع الاستنجاء في العضو الزائد فلا يجوز.
[ ١ / ١٣٢ ]
مسألةُ: قال: "والفرق بين أن يستطيب بيمينه فيجزئ وبالعظم فلا يجزئ"
وهذا كما قال الاستنجاء باليمين يكره ولكن لو فعل جاز. وقال [٩٦ ب/ ا] داود: لا يجوز لأن النبي - ﷺ - سوى بينه وبين الاستنجاء بالعظم في النهي، وهذا غلط، والفرق ما ذكره الشافعي؛ وهو أن النهى هناك لا لمعنى يعود إلى الآلة لأن الآلة صالحة للاستنجاء وهو الحجر الذي في يده اليمنى وإنما النهي لمعنى الأدب فجاز، وفي العظم النهي لمعنى في الآلة فلا يجوز، وهذا كالوضوء لا يجوز بالماء النجس ولكنه يجوز بالماء في الإناء المغصوب وكذلك لا يجوز الذي بسن أو ظفر ويجوز بسكين مغصوب، وإن أثم بغصبه.
فإن قيل: أليس لو توضأ بالماء المغصوب يجوز فلم يجوز بالعظم إذا أنقى؟
قيل: لأن الاستنجاء بالجامد رخصةً للمشقةً فإذا كان محرمًا لم تحصل الرخصة، كسفر المعصية لا يترخص به بخلاف ذلك. وقول المزني والعظم ليس بطاهر غلط، وإنما قال الشافعي: والعظم ليس بنظيف. ومعناه أنه لا يخلو عن دسومةً وزهومةً فلا ينظف؛ لأن من العظم ما هو طاهر بمظهر. وقيل: إنه تعلل من المزني للعظم النجس.
مسألة: قال: "وَلَا بَأسَ بِالْجِلِد الْمَدْبُوغِ أنْ يُسْتَطَابَ بِهِ"
وهذا كما قال: الجلد على ضربين جلد طاهر وجلد نجس فأما النجس فلا يجوز الاستنجاء بلا إشكال. وأما الطاهر فعلى ضربين أحدها: أن يكون مدبوغًا والثاني: [٩٧ أ/ ١] أن يكون غير مدبوغ، فإن كان مدبوغًا ففيه قولان: أحدها: يجوز الاستنجاء به سواء كان جلدها يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل، وهو الأصح نص عليه في "الأم" كأنه إن كان لينًا فهو كالخرقةً، وإن كان خشنًا فهو كالحجر. والثاني: لا يجوز نص عليه في حرملةٍ لأنه كالعظم وقد الشاة فتؤكل بجلدها، وهذا لا يصح، لأنه لا يقعد الأكل في العادة فلا يعد مأكولًا، وهذا في جلد الميتةً بعد الدباغ: إن قلنا: يجوز بيعه يجوز الاستنجاء به قولًا واحدًا، وإن قلنا: لا يجوز بيعه فهل يجوز الاستنجاء به؟ ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأنه لما جعل في حكم الميتةً في تحريم البيع كذلك في تحريم الاستنجاء.
والثاني: يجوز وهذا لا يصح؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "هلا أخذوا أهابها قد بغوه فانتفعوا به" وهذا هو من جملةً الانتفاع به بخلاف البيع. ومن أصحابنا من قال هذا على اختلاف حالين بالذي قال يجوز إذا كان قديمًا يابسًا والذي قال لا يجوز هو إذا كان طريًا لينًا وقيل: الذي قال يجوز أراد به ظاهر الجلد وخارجه؛ لأنه خارج عن حال
[ ١ / ١٣٣ ]
اللحم لخشونتهِ وغلظهِ. والذي قال: لا يجوز أراد به باطن الجلد وداخله لأنه باللحم أشبه، وهذا ليس بالشيء، وإن لم يكن مدبوغًا ولكنه جلد مذكاةً فيه قولان قال في "الأم" وحرملةً لا يجوز الاستنجاء به [٩٧ ب/ ١] وهو أشبه الأشياء بالعظم، ولأنه طبعه طبع اللحم وهذا هو الصحيح. وقال في "البويطي": يجوز.
ومن أصحابنا: من قال: لا يجوز قولًا واحدًا، وأراد بما قال في "البويطي" بعد الدباغ؛ لأنه أطلق وبعد الدباغ يجوز قولًا واحدًا. وآما الجانب الذي يلي الصوف أو الشعر فلا إشكال أنه يجوز؛ لأنه يبقى وليس بطعام.
فرع
لو احترق العظم بالنار حتى ذهبت سهركته ولزوجته وخرج عن حاله، كان ميتًا لا
يجوز لأنه نجس، وإن كان مذكى ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز الاستنجاء به لأن النار قد أحالته عن حاله فصارت كالدباغةً قيل الجلد المزكي كما كان عليه إلى حال يجوز الاستنجاء به.
والثاني: لا يجوز لأنه - ﷺ - نهى عن الرمةً - والرمةً هي اسم البالي - فلا فرق بين أن يصير باليًا بالنار، والفرق بين النار في العظم وبين الدباغةً في الجلد، أن الدباغةً تنقل الجلد إلى حالةً زائدةً، فأفادت حمًا زائدًا، والنار تنقل العظم إلى حالةً ناقصةً فكان، أولى أن يصير حكمه ناقصًا ذكره في "الحاوي".
مسالة: قال "وَإنْ اسْتَطَابَ بِحَجَرٍ لهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ كَانَ كَثلَاثةِ أَحْجَارٍ".
وهذا كما قال إذا استنجي بحجر له ثلاثة أحرف ومسح بكل حرف مسحة جاز، والعدد المشروط في الاستنجاء ليس [٩٨ أ/ ١] عدد الأحجار؛ بل عدد المسحات بالمواضع الطاهرة. وقوله: إذا بقي أراد أن لا تصل النجاسةً من حرف إلى حرف آخر. وقال داود، وأهد الظاهر: لا يجوز ولا بد من عدد الثلاث، فقال الشافعي: أرأيت لو استنجى بثلاثةً مواضع من جبل أما يجزيه؟
وقد روى أن النبي - ﷺ - قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليمسح بثلاث مسحات" ولأن القصد قلع النجاسةَ مع العدد. وقد وجد ذلك فإذا تقرر هذا فالمستحب آن يمح بثلاثةً أحجار متفرقةً نص عليه.
مسألةً: قال: "وَلَا يُجزِي أن يَسْتَطيبَ بِعَظْمٍ وَلا نَجِس".
وهذا كما قال: روى نجِس بكسر الجيم- وروى: نجَس بالفتح ومن روى بالفتح جعله صفة للعظم، فمعناه لا يجزي أن يستطيب بعظم وليس بنجس ومن روى الفتح جعله ابتداء نهى عن الاستنجاء بالنجاسةَ. وقد ذكرنا ما قيل فيه.
[ ١ / ١٣٤ ]
فرع
لو تغوط آو بال ثم توضأ قبل الاستنجاء جاز وضوءه، وكان الاستنجاء باقيًا عليه. فإن
أحب اقتصر إلى الماء أو على الحجارةَ، ويتوقى أن لا تمس يده قبله أو دبره، فإنه يلف على يده خرقةً، فإنه إن مسه بطل وضوءه نص عليه في "البويطي" وغيره ولو تيمم قال الاستنجاء في "الأم" "والبويطي": لا يجوز وقال الربيع: فيه قول آخر أنه يجوز. واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال- فيه قولان: أحدها: لا يحوز وهو المشهور؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبح [٩٨ ب/ ١] الصلاة، فإذا فعله على وجه لا يستبيح به الصلاة لم يجز كما لو تيمم قبل دخول وقت الصلاةً بخلاف الوضوء، وأيضًا إذا تيمم يلزمه طلب ما يستنجى به، ولا يتعين له الحجر بل الماء والحجر، فإذا قد وجب عليه طلب الماء فبطل التيمم بوجوب طلب الماء، وهذا لا يوجد في الوضوء. والثاني: يجوز قياسًا على الوضوء، وهذا اختيار القاضي الطبري قال: وهذا أقيس، وليس على القول الآخر دليل يصح عندي.
وقال صاحب "الإفصاح": في الوضوء والتيمم قولان. وحكي المزني في المشهور عن الشافعي أن الوضوء قبل الاستنجاء لا يجوز، ووجهه أن خروج الحدث هو الوجب فلا يصح فعله مع بقاء موجبه، ألا ترى أنه لا يصح الغسل من الحيضةً مع اتصاله. ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره المزني لا يعرف للشافعي والمسألة على قول واحد في الوضوء أنه يجوز وهو الصحيح، وقيل: في التيمم قول واحد ولا يجوز، وما ذكره الربيع فمن كتبه وتخريجه.
فرع آخر
لو كانت النجاسةً على بدنه سوى موضع الاستنجاء. قال بعض أصحابنا قول واحد هاهنا يجوز الضوء والتيمم قبل غسله، والفرق أن التيمم لا يستباح به الصلاة من هذه النجاسةً فصح فعله مع وجودها بخلاف نجاسةُ النجو، أو يقول خروج النجاسةً من محل [٩٩ أ/ ١] الاستنجاء ينتقض الطير فبقاء النجاسةَ عليه يمنع صحة التيمم بخلاف خروج النجاسةَ من غير موضعها وهذا هو اختيار صاحب الإفصاح. وقال غيره: فيه وجهان: أحدها: لا يجوز تيممه وهو الأقيس. وقيل: نص عليه في "الأم" والفرق ضعيف. والثاني: يجوز على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو تيمم ثم حدث على بدنه نجاسةً قال بعض أصحابنا: هل يبطل تيممه فيه وجهان كما لو تيمم ثم ارتد لأن النجاسةَ تمنع الصلاةً كالردةُ.
[ ١ / ١٣٥ ]
فصل في آداب الخلاء
أعلم أنها أحد وعشرون أدبًا أحد عشر منها يختص بمكان الاستنجاء وغيره يختص بالمستنجي في نفسه، أما في مكان الاستنجاء فالأبعاد عن أبصار الناس إلى حيث لا يراه أحد، لما روي أن النبي ﷺ كان إذا أراد قضاء حاجته أبعد المذهب.
وروي أنه كان يذهب بحاجته إلى المعمس وهي على ميل من المدينة. وثاني: أن يستتر بستره لئلا يراه مارا ما بربوة أو شجرة أو في وهذه فإن لم يجد جمع رملا وجلس خلفه لما روي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تحدثوا في القزع فإنه مأوى الخافين" والفزع الموضع الذي لا بنيان فيه، وهو مأخوذ من فزع الناس الذي لا شعر فيه، وقوله: مأوي الخافين: مأوى الجن سموا خافين لاستخفائهم [٩٩ ب/ ١]، وفي البنيان لا يحتاج إلى هذا؛ لأن موضع الخلاء مهيأ مستور. الثالث: أن يتوفي مهاب الريح لأنها ترده عليه. والرابع: أن يرتاد لبوله أرضًا لينة رمالًا أو ترابًا فإن لم يجد دق الأرض بشيء حتى يلين فلا يترشش عليه لما روى أن النبي ﷺ قال:"إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله". وروي لأنه كان يرتاد لبوله كما يرتاد أحدكم منزله. وقال أبو موسي الأشعري: كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثًا في أصل جدار وبال ثم قال هذا والدمث: المكان السهل الذي يتخذ فيه البول فلا يرتد على البائل وقوله: فليرتد: أي ليطلب وليتحرك والأشبه أن ذلك الجدار غير مملوك لأحد لأنه لا يجوز ذلك في ملك أحد. والخامس أن يتوقى البول في ثقب أو سرب أو شقاق لما روى عبد الله بن سرخس أن النبي ﷺ نهى عن البول في حجر. ولأنه لا يأمن أن يخرج منه حيوان يلسع ذكره.
وحكى أن سعد بن عبادة بال في حجر بالشام فاستلقى ميتًا فسمع الجن تنوح عليه بالمدينة:
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة رميناه بسهمين فلم تُخط فؤاده
والسادس: أن يتوفي الجدار وقوارع الطرق والمواضع [١٠٠/ أ] التي يجلس فيها الناس أو تنولها السيارة لئلا يتأذوا بها، وهذا لما روى معاذ بن جبل أن البني ﷺ قال: "اتقوا الملاعن الثلاثة البراز في الموارد، وهي طرق الماء وقارعة الطريق، والظل".
وروى أبو هريرة أن النبي قال:"اتقوا اللعانين" قيل: وما
[ ١ / ١٣٦ ]
اللعانان يا رسول الله قال:" (الذي) يتخلى في طريق الناس أو ظلهم".
وأراد بالظل مستظل الناس الذي اتخذوه مقبلًا. والسابع: أن لا يبول في مساقط البحار تحت الأشجار المثمرة فتنجس ويكره ذلك. والثامن: أن يتوفي في القبور أو قريبًا منها لحرمة أهلها.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:"من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط عليه فكأنما جلس على جمرة". والتاسع: أن لا يبول في الماء القليل الجاري لا يغتسل به طهورًا ومشروبًا، ولا يبول في الماء الراكد. والعاشر: يستحب أن لا يستقبل فرجه الشمس والقمر. فإن خالف لا يأثم. والحادي عشر: يكره له أن يبول في موضع ويتوضأ فيه لما روى عبد الله بن معقل أن النبي قال:" لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فإن غلبة الوسواس منه.
وأما الآداب التي في نفسه فعشرة:
أحدها: أن ينزع الخاتم قبل دخوله ويضعه إذا كان عليه أسم الله تعالى روى أنس أن النبي ﷺ [١٠٠ ب/ ١] اتخذ خاتمًا فكان إذا دخل الخلاء وضعه. وإنما وضعه لأنه كان عليه أسم الله تعالى محمد سطر ورسول سطر والله سطر.
قال أصحابنا: ويستحب أن يفارق الدينار والدرهم لأن فيه أسم الله تعالى كالخاتم. وروت عائشة-رضي الله عتها- أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه أو يحوله من يساره إلى يمينه. وبه قال بعض أصحابنا وروى: أنه كان يلبس خاتمه في يساره فإذا أراد أن يستنجس حوله من يساره إلى يمينه.
والثاني: أن يقدم رجله اليسرى عند دخوله ويؤخر اليمنى ويقدم اليمنى عند خروجه منه، فإن الموضع الشريف يقدم اليمنى وهذا موضع خسيس.
والثالث: أن يقول عند دخوله بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث لقوله ﷺ:" إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وأراد أن تحضرها الشياطين وتترصدها بالأذى والفساد؛
[ ١ / ١٣٧ ]
لأنها مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى.
قال أبو عبيد: الخبث: الشر والخبائث: هم الشياطين. وقد قال النبي ﷺ ستر ما بين عورات أمتي وأعين الجن إن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم الله". وروي أنه كان يقول إذا دخل: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث [١٠١/ أ] والخبائث والرجس والنجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم.
وعن بعض السلف أنه قال: عند الاستنجاء: اللهم أجعلني من الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، وهذا يحمل في غير الكنيف أن لا يكون مكروهًا، ويقول عند خروجه: غفرانك الحمد لله الذي أفنى طعمه وأبقى في جسدي منفعته، وأخرج عن ي فقالت عائشة -﵂- كان رسوب الله ﷺ إذا خرج من الغائط قال: غفرانك. والغفران مصدر كالمغفرة، وفيه إضمار الطلب والمسألة كأنه يقول: اللهم إني أسألك غفرانك.
وروى طاوس أن النبي ﷺ قال:" إذا خرج أحدكم من الخلاء فليقل الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأميك عليَّ ما ينفعني".
والرابع: أن لا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض لما روى عن رسول الله صلى الله ﵇ قال:" إذا قضى أحدكم حاجته فلا يكشف ثوبه حتى يدنو من الأرض".
والخامس: أن يعتد على رجله اليسرى وينصب اليمنى عند قعوده عن الخلاء ويضم أحد فخذيه إلى الآخر.
روى في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه فعل هكذا وقال سراقة بن مالك: علمنا رسول الله ﷺ إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى.
والسادس: يستجب له أن [١٠١ ب/ ١] لا يبول قائمًا ويجلس لما روى عن النبي ﷺ أنه"نهى عن البول في الهواء".
وروى عن عمر﵁- أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم.
وروى مسلم عن ابن مسعود﵁- وقال عمر﵁- ما بلت قائمًا منذ أسلمت. فإن قيل: فما تأويل ما روى أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال
[ ١ / ١٣٨ ]
قائمًا. ورواه حذيفة قلنا: البساطة: هي ملقى التراب، والقمام ونحوه ولعلع لم يجد للقعود مكانًا فاضطر إلى القيام. وقيل: أنه كان برجله جرح فلم يتمكن من القعود معه.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ بال قائمًا من جرح كان بمأبضه. المأبض: هو ما تحت الركبة من كل حيوان.
وروي عن الشافعي﵁ أنه قال: كان العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول
قائمًا. فلعله كان به إذ ذاك وجع القلب والله أعلم. وهذا الآن المعتاد من فعله أنه كان يبول قائمًا وهو المستحسن في العادات لئلا يترشش عليه، فإن قيل: فما تأويل ما روى عن عمر﵁- أنه بال قائمًا. وقال: البول قائمًا أحسن للدبر؟ قلنا: أرد إذا تفاج قاعدًا استرخت مقعدته، وإذا كان قائمًا كان أحسن لها. ولعل هذا كان منه لعذر بدليل ما ذكرنا.
والسابع: أن ينثر ذكره ثلاثًا بعد أن يتنحنح لتخرج بقايا بوله من ذكره على ما ذكرنا [١٠٢/ أ] وأن لا يمس ذكره بيمينه.
والثامن: أن يغض بصره وطرفه ولا يكلم أحد لقوله ﷺ في رواية أبي سعيد الخدري: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان، فإن الله ﷿ يمقت على ذلك. يقال: ضربت الأرض إذا أبيت الخلاء وضربت في الأرض إذا سافرت.
والتاسع: يكره له أن يرد السلام لما روى عن المهاجر بن قنفد أنه سلم وعلى رسول الله ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ رد عليه.
ويكره له أن يشمت عاطسًا، أو يحمد الله إذا عطس، أو يذكر الله ﷿ أو يقول: مثل ما يقول المؤذن، لما روى في حديث الهاجر بن قنفذٍ أنه قال: "إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر" ويجوز أن يذكر الله تعالى في نفسه لما روى أن موسى ﵊ قال: يا رب متى أذكرك فقال الله تعالى: اذكروني على كل حال قال يا رب ربما أكوم في موضع استحى فيه من ذكرك فقال: أذكرني في نفسك.
والعاشر: يستحب له أن لا يطيل الجلوس على الخلاء. قال لقمان، ﵇: طول القعود على الحاجة ينجع منه الكبد، ويأخذ منه الناسور، فاقعد هوينًا وأخرج وقبل.
والحادي عشر: يغطى رأسه عند الخلاء لما روي"أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء
[ ١ / ١٣٩ ]
غطى رأسه". وقال أبو بكر [١٠٢ ب/ ١] الصديق﵁- إني لأدخل الكنيف أغطي رأسي حياء من ربي ﷿.
فرع
قال بعض أصحابنا: يكره أن يقولك أهرقت الماء لقوله ﷺ"لا يقولن أحدكم أهرقت الماء ولمن ليقل أبول"
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يدلك يده بالأرض عند غسل موضع الاستنجاء من الدير لما روى أنه ﷺ فعل ذلك. ويأخذ حفنة من ماء فينصح بما فرجه وداخل إزاره بعد ذلك لما روي أنه ﷺ قال لعلي﵁-:" انصح فرجك" وفعله هو وقال:" أمرني به جبريل﵇.
فرع
قال أصحابنا: لا بأس أن يبول في الإناء لما روي أن النبي ﷺ كان له قدح من عيدان يبول فيه بالليل يوضع تحت سريره. وروي أنه كان له فخارة يبول فيها بالليل تحت سريره.