مسألة: قال (٣): ولو باع بيعًا صحيحًا على أنه بالخيار أو المشتري أو همًا أو قبض أو لم يقبض.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام هاهنا في فصلين أحدهما: في زكاة القطر، والثاني: في زكاة المال وكلاهما مبنيان على أن الملك في زمان الخيار لمن يكون؟ وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: للبائع وهو اختيار المزني، والثاني: للمشتري، والثالث: موقوف فإن فسخا البيع تبينا أن الملك لم يزل عن البائع وإن أتما البيع تبينا أن المشتري ملكه بالعقد ولا فرق بين خيار المجلس وخيار الشرط، ولا بين أن يكون الخيار للبائع أولهما أو للمشتري.
وقال القفال: الأصح أن الخيار إن كان للبائع فالملك له وإن كان للمشتري فالملك له وإن لهما فموقوف. وروى الربيع إن كان الخيار للبائع أولهما فالملك للبائع وإن كان الخيار للمشتري فقولان، أحدهما: للبائع ونقل المزني في أول هذا الباب أن الملك للبائع بكل حال ثم حكي قولين آخرين:
أحدهما قال: وقال في زكاة الفطر: إن الملك يتم بخيارها أو بخيار (١٩٥ أ/ ٤) المشتري وحده، يعني: أن الخيار إنما يمنع وقوع الملك للمشتري إذا كان البائع وحده
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤٥).
(٢) انظر الأم (٢/ ٤٥).
(٣) انظر الأم (٢/ ٤٥).
[ ٣ / ١٧٧ ]
دون أن يكون لهما أو للمشتري وحده والثاني قال: وفي الشفعة أن الملك يتم بخيار المشتري وحده أي: لا يقع الملك للمشتري إلا أن يكون الخيار له وحده دون أن يكون الخيار لهما وللبائع ثم اختار المزني هذا القول فقال: وهذا عندي أشبه بأصله.
وفي بعض النسخ قال: الأول، يعني: القول الأول إذا كانا جميعًا بالخيار يعني أن الملك أنما يكون للبائع إذا كانا بالخيار أو البائع وحده بالخيار فأما إذا كان الخيار للمشتري وحده والملك له في زمن الخيار واحتج على هذا من أجل الشافعي لم يختلف قوله في رجل حلف بعتق عبده أن لا يبيع فباعه أنه عتيق لأن السنة عند الشافعي أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا فلولا أنه ملكه يعني في وقت الخيار ما عتق عبده المشتري عل البائع وأجاب أصحابنا عن هذا بأنه عتق لا لأن الملك للبائع ولكن لأن له فيه حق الفسخ للخيار ولو أنشأ العتق في زمان الخيار لعتق بانفساخ البيع به فيه (١٩٥ ب/٤) وكذلك إذا وجدت الصفة التي علق العتق بها جاز أن يفسخ فيه البيع ويترتب عليه العتق رد وقوع العتق بالصفة أمضى في الأحوال من وقوع عتق المباشرة، فإن قيل: هذا تعليق الفسخ بالحظر وذلك لا يجوز لأنه لو قال: إن بعتك فقد فسخت البيع لم يجز قلنا: نعم، ولكن يجوز في ضمن العتق الذي يقبل التعليق بالحظر والغرر كما أن إبراء المكاتب لا يتعلق بالصفة، ولكن عتقه تعلق بالصفة وفي ضمنه إبراء فإذا تقرر هذا رجعنا إلى حكم الزكاة.
أما حكم زكاة الفطر إذا أهل هلال شوال في مدة الخيار فإن قلنا: الملك للمشتري فإنه ينتقل إليه بنفس العقد فالفطر على المشتري، وإن قلنا الملك للبائع فإنه ينتقل إلى المشتري بشرطين: بالعقد وبانقضاء الخيار فالفطرة على البائع.
وإن قلنا: مراعي ينظر فإن تم البيع فالفطرة على المشتري لأنه بأن أن الملك انتقل إليه وإن فسخا البيع فالفطرة على البائع، وأما زكاة المال إذا باع ما لا يجب فيه الزكاة قبل الحول فحال الحول في مدة الخيار بأن قلنا: الملك للبائع فالزكاة عليه، وإن قلنا: الملك للمشتري فإن أجاز البيع فلا زكاة على [١٩٦ أ/ ٤] البائع ويستأنف المشتري الحول من حين اشتراه وإن فسخا البيع استأنف البائع الحول لأن ملكه قد تحدد عليه.
وذكر بعض أصحابنا من المتأخرين أنه يلزم الزكاة على البائع بحوله لأن هذا الفسخ استند إلى العقد بالشرط المذكور فيه وهذا غريب، وإن قلنا: الملك موقوف فإن أجازا البيع استأنف المشتري الحول من حين العقد، وإن فسخاه وجبت الزكاة على البائع لأن تبينا أن الملك لم يزل عنه، ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: أن الملك للبائع وينتقل إلى المشتري بشرطين فإن كان الخيار لهما أو للبائع فالزكاة على البائع، وإن كان الخيار للمشتري وحده فهل تجب على البائع الزكاة وجهان، لأن الملك انتقل بهذا البيع كالقولين في المغضوب.
أحدهما: لا يجب وانقطع الحول، والثاني: يجب ولا ينقطع الحول فإذا تقرر هذا وقلنا: إن الزكاة على البائع فإن أخرج الزكاة من غيرها فالبيه بحاله ولا خيار
[ ٣ / ١٧٨ ]
للمشتري، وإن أخرجها منها بطل البيع في قدر الزكاة وفيما عداه مبني على تفريق الصفقة، فإذا قلنا: يصح البيع فيما عدا الزكاة فللمشتري الخيار وقد [١٩٦ ب/ ٤] ذكرنا هذه المسألة فإن قيل: لم قال: ولو باع بيعًا صحيحًا ولو باع بيعًا فاسدًا فالزكاة على البائع أيضًا فما الفائدة في تقييده بالصحيح قيل: الفائدة هي قطع التوهم إن يظن ظان أن إيجاب الزكاة على البائع هي لفساد في البيع بل هي لعدم تمام زوال الملك لأنه تملك فقال: لأنه لم يتم خروجه من ملكه وفي الفاسد لا يخرج المبيع من ملكه وأيام الخيار وما بعدها سواء في ذلك.
مسألة: قال (١): ومن ملك ثمرة نخل ملكًا صحيحًا قبل أن ترى فيها الصفرة.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ملك ثمرة تبلغ نصابًا قبل بدو صلاحها بميراث أو هبة أو وصية ولم يرد بالشراء هاهنا لأنه لا يصح تملكها بالشراء قبل بدو الصلاح إلا بشرط القطع، فلذلك نال ملكًا صحيحًا ثم بدا صلاحها فالزكاة عليه لأن الحول لا يعتبر فيها فهي كزكاة الفطر أو بدو الصلاح في الثمار كحولان الحول في الأموال التي يعتبر فيها الحول فكل من كان في ملكه ذلك وهو من أهل وجوب الزكاة عليه فعليه زكاته، وإن كانت من قبل أو من بعد في ملك غيره، وإن ملكها بالشراء فلا يصح إلا بشرط القطع فإن قطع قبل بدو الصلاح فلا زكاة، وأن توانى حتى بدا صلاحها وجبت الزكاة ثم لا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يطالب بالقطع، أو يتفقا عليه، أو يتفقا على التبقية، أو يرضي البائع بالتبقية، فإن طالب بالقطع فسخنا البيع وعادة الثمرة إليه وكانت الزكاة عليه فإن قيل: كيف تكون الزكاة على البائع وإنما وجبت في ملك المشتري؟
قلنا: هذا الفسخ، وإن كان قطعًا في الحال يستند إلى شرط قارن العقد فكان الملك البائع لم يزل فلهذا كانت الزكاة على البائع وقال القفال فيه قولان:
أحدهما: أن الزكاة على البائع وهذا أغمض، والثاني: على المشتري لأن الملك له يوم بدو الصلاح والزكاة تتبع الملك كما لو اشترى عبدًا فأهل هلال شوال ثم رد البيع بإقالة أو بيع جديد يلزمه إخراج الزكاة فعلى هذا يتخير الساعي بين أن يأخذ الزكاة من عين الثمرة، وبين أن يطالب المشتري بها، فإن طالبه بها فدفعها من موضع آخر، فذاك وإن أخذ الزكاة من غير هذه الثمرة فللبائع أن يرجع على المشتري بالقدر الذي أخذ (١٩٧ ب/ ٤) بالزكاة.
ومن أصحابنا بخراسان من ذكر قولًا آخر: أنه لا ينفسخ البيع والزكاة على المشتري ويلزمه أن يقطع يؤخذ عشر ثمنه مقطوعًا وهذا ليس بشيء، وإن اتفقا على القطع فالحكم ما ذكرنا أيضًا، وإن اتفقا على التبقية بقي العقد بحاله والزكاة على المشتري،
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤٦).
[ ٣ / ١٧٩ ]
وقال أبو إسحاق: فيه قول آخر ينفسخ البيع، وإن اتفقا على التبقية وعلى جميع الأحوال أنه لا يمكن إجبار المشتري على الوفاء بموجب العقد، وكذلك البائع لا يجبر على الترك لوجوب الزكاة لأجل القطع فلم يبق إلا الفسخ فتعود الثمرة إلى ملك البائع وتجب الزكاة عليه والمنصوص هو الأول، وإن رضي البائع بالتبقية وقال المشتري: أنا أقطع ففيه قولان:
أحدهما: يجبر المشتري على التبقية لأن الحق للبائع فإذا رضي بإسقاط حقه أجبر المشتري على الرضا به وهو الصحيح.
والثاني: لا يجبر لأن رضاه ليس مما أوجبه العقد وإنما هو متبرع به فلا نأمن أن يرجع فيه ولأن المشتري يقول: إذا قطعتها حصلت لي وإذا تركتها لا آمن أن تجتاح وتهلك فينفسخ البيع بينهما وهذا اختيار المزني، قال: أشبه هذين القولين بقوله أنه بنصه [١٩٨ أ/ ٤] أن يفسخ البيع بينهما قياسًا على فسخ المسألة قبلها: أي قياسًا على ما لو طالب البائع بالقطع لأن الكل واحد منهما في القطع المشروط، والجواب عن هذا هو أن البائع إذا طلب بالقطع يؤدي إلى إدخال الضرر على المساكين فيفسخ البيع وإذا رضي بالتبقية فقد زاد المشتري ومنفعة للمساكين فلم يفسخ البيع.
فرع
لو قال المشتري: اخرصوا الثمرة على وضمنوني الزكاة حتى أقطع الثمرة وكان موضعًا للأمانة وتضمين الزكاة، فإنها تخرص عليه وتضمن الزكاة حتى تقطع الثمرة ويرد النخيل على البائع مفروغة.
فرع
لو باع النخل من الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط الخيار فبدا الصلاح في زمان الخيار فهو مبني على أقوال الملك في زمان الخيار، والحكم على ما ذكرنا في زكاة الفطر
فرع آخر
لو أوصى له بثمرة فبدا صلاحها بعد موت الموصي قبل القبول فيه قولان بناء على أقوال الملك في الوصية، فإن قلنا: يملك بنفس الموت أو يتبين بالقبول أنه ملك بالموت فالزكاة على الموصي له، وإن قلنا: لا يملك إلا بالقبول فالزكاة على وجهين بناء على أن الملك فيما بينهما إلى من (١٩٨ ب/ ٤) يضاف فإن قلنا: يضاف إلى الورثة فعليهم وإن قلنا: إلى الميت لا تجب الزكاة أصلًا إذ لا يجب على الميت ابتداء.
مسألة: قال (١): ولو استهلك رجل ثمرة وقد خرصت أخذ بثمن عشر وسطها.
وهذا كما قال: صورة المسألة أن تكون ثمرة لا تصير تمرًا فيلزمه ثمن عشرها وسطًا إن كانت أجناسًا كثيرة وثمن عشر كل واحدة منها وإن كانت أجناسًا كثيرة فإن كانت ثمرة
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤٦).
[ ٣ / ١٨٠ ]
تصير تمرًا فالواجب عليه عشرها تمرًا من الوسط وقد بيناه من قبل، وقال بعض أصحابنا في هذه العبارة خلل من المزني وإنما عبر الشافعي بما معناه أخذ بعشر وسطها تمرًا وأجاب على القول الذي يقول: الخرص تضمين، فأما إذا جعلناه عبرة فعليه عشر قيمة ما استهلك لا عشر ثمن وسطها وذكر التمر هو سهو من المزني وقال صاحب [الإفصاح] إذا خرص عليه ولم يضمنه ويصير تمرًا فإنه يلزمه أكثر الأمرين من ثمن عشرها رطبًا أو عشرها تمرًا وهذا لا يصح لأنه هذا لا يصح، لأنه أخذ القسمة ولأن اعتبار الأكثر لا معنى له وإنما الواجب عليه عشرها تمرًا ومعنى المسألة ما تقدم، ولا يحتمل غيره ثم قال (١) [١٩٩ أ/ ٤] الشافعي والقول في ذلك قوله مع يمينه أي: في قدر مكليه ما استهلك لأنه غارم وقد ذكرنا أن مثل هذه اليمين هل تجب أم لا؟ فيه وجهان.
مسألة: قال (٢): ولو باع المصدق شيئًا فعليه أن يأتي بمثله.
وهذا كما قال: إذا جمع الساعي الصدقات فلا يجوز أن يبيع منها شيئًا لأن المساكين أهل رشد فلا يجوز التصرف في حقوقهم من غير حاجة فإن كانت به حاجة إلى أن البيع مثل أن تكون بلد ليس فيه أهل السهمان فيريد نقلها إلى بلد آخر والطريق مخوف فيبيعها ويجعل ثمنها مستحقة إلى بلد آخر، وكذلك إن لم يكن الطريق مخوفًا ولكن يحتاج في نقلها إلى ملك البلد إلى مؤنة عظيمة أو احتاج إلى دفع الجبران بين السنين دراهم ولا يجد في الصدقات دراهم فيجوز في البيع لأنه ناظر في هذا المال فيفعل ما يؤدي إليه نظره فإن باع في غير موضع الحاجة فالبيع باطل فإن كان يقدر على استرجاعه استرجع، وإن لم يقدر عليه لزمه مثله إن كان له مثل أو قيمته إن لم يكن له مثل ورجع على المشتري إذا قدر عليه بما غرم، وقول الشافعي هاهنا فعليه [١٩٩ ب/ ٤] أن يأتي بمثله يعني فعليه أن يغرم للمساكين مثله صورة أو قيمة وقوله: وأفسخ بيعه إذا قدرت عليه أي: أحكم بالإفساح ولم يرد به مباشرة الفسخ.
مسألة: قال (٣): وأكره للرجل أن يشتري صدقته.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أخرج زكاة ماله يكره له أن يشتريها من الذي دفعها إليه وقوله إذا وصلت إلى أهلها أراد إذا لزمت بقبض المساكين أو بقبض باقيهم وهو الساعي والدليل على الكراهة ما روى أن عمر بن الخطاب ﵁ حمل رجلًا على فرس في سبيل الله ثم رأى الفرس تباع في السوق فأراد أن يشتريه فقال رسول الله ﷺ: "لا نقد في صدقتك" (٤) وهذا لأنه ربما يحابيه في الثمن إذا عرف أنه تبرع به فكأنه يعود في قدر المحاباة، وإن لم يعرف البائع الحال قال القفال: الكراهة أقل ولكن الأولى تركه
_________________
(١) انظر الأم (٢/ ٤٦).
(٢) انظر الأم (٢/ ٤٧).
(٣) انظر الأم (٢/ ٤٨).
(٤) أخرجه البخاري (٢٩٧٠)، ومسلم (٢/ ١٦٢٠).
[ ٣ / ١٨١ ]
أيضًا لأنه أخرجه من ملكه لله تعالى، فالأولى أن لا يعود فيه فإن فعل لم يفسخ البيع لأن هذه الكراهة هي كراهة تنزيه لا تحريم، وقال مالك: هذه هي كراهة تحريم فإن اشترى تبطل وهي رواية عن أحمد وبعض أصحاب [٢٠٠ أ/ ٤] مالك ينكره عن مالك، وقال أيضًا لو جعل: ما على الفقير من دينه قصاصًا من زكاته جاز وعندنا لا يجوز هذا وهذا عجب لأنه منع من ابتياعها بعوض عاجل وجوز أن يكون قصاصًا بدين هالك والدليل على جواز البيع ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا بخمسة" (١) وذكر منها رجل ابتاعها بماله ولأن ما صح أن يملكه إرثًا صح أن يملكه ابتياعًا كسائر الأموال.