قال: التكبير كما كبر رسول الله - ﷺ -.
الفصل
وذا كما قال، المستحب أن يكبر خلف الصلوات التي بيناها ثلاثا نسقا فيقول: الله أكبر، الله أكبر، وقوله: نسقا، أي: متتابعا وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: المستحب مرتان فيقول: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وروي هذا عن ابن مسعود ﵁ وهذا "٢٢٥ أ/٣ غلط، لما روي عن سعيد بن أبي هند قال: "صليت خلف جابر بن عبد الله ﵁ في أيام التشريق فلما فرغ من صلاته قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثا" وهذا لا يقوله إلا توفيقا ومثله عن ابن عباس ﵁. وقال عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: رأيت الأئمة يكبرون في أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثا، وعن الحسن مثله. فإذا تقرر هذا قال الشافعي في "القديم":يكبر عقيب الصلوات ثلاثا، وظاهره أنه يقتصر عليها.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وقال في البويطي: يكبر ثلاثا ويقول بعدها: لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وقال في "الأم": استحب أن يبتدئ بثلاث تكبيرات لا يقدم عليها ذكرا ولا ينقص من ثلاث تكبيرات شيئا، وإذا بدأ بذلك، ثم زاد على الثلاث من جنس التكبيرات او من غير جنسها من الذكر وهو أن يوقل: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا الله أكبر ولا نعبد إلا أياه مخلصين له الدين لو كره الكافرون لا إله إلا الله، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر، أحببته وكان حسنا، والعمل على ما قال في البويطي، والأصل في هذا أن النبي - ﷺ - "٢٢٥ ب/٣" قال: "هذا على الصفا في حجة الوداع"، وقال في موضع آخر: أنه يقول: "الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا والله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا".
ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره في "الأم" يدل على أن الشافعي استحب أن يحدد التكبيرات ولا يزيد عليها من الذكر شيئا، ذكره أبو حامد وقال: السنة أن يكبر ثلاثا من غير أن يتخلل شيء آخر، فإن زاد من دعاء أو ذكر لم يكره ذلك ليس هو التكبير المسنون في العيد، وهو قول مالك وهذا غلط لأنه لا يفهم هذا من كلام الشافعي في "الأم" على ما شرحناه، فإن قيل: أليست السنة في التلبية أن لا يزيد على تلبية رسول الله - ﷺ -؟ وهاهنا قلتم إن زاد فحسن، قلنا: العرف أن من سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها وهاهنا يكبر دفعة واحدة فالزيادة عليها أولى من السكوت، ويستحب رفع الصوت بالتكبير لما في الخبر أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع صوته بالتكبير والتهليل؛ ولأنه إذا رفع صوته سمع من لا يكبر فيكبر.
مسألة: قال: ومن فاته شيء من صلاة الإمام قضى، ثم كبر.
وهذا كما قال: "٢٢٦ أ/٣" إذا سبقه الإمام ببعض الصلاة فإن الإمام إذا سلم كبر والمأموم لا يكبر، ولكنه لا يكبر ولكنه يقوم ويقضي ما عليه من تمام الصلاة ويسلم ثم يكبر، وقال ابن أبي ليلى: يكبر معه ثم يقضي ما عليه كما يسجد معه للسهو، ثم يقضي. وحكى هذا عن مالك ولا يصح عنه عندي، والفرق بين سجود السهو وهذا، أن سجود السهو قبل السلام فما دام الإمام في الصلاة يلزمه اتباعه فيها والتكبير بعد السلام، فإذا سلم الإمام من الصلاة، فقد خرج من إمامته وسقط أتباعه عنه فلم يستحب له التكبير لمتابعته، ولهذا يقول الإمام: لو سلم ولم يسجد للسهو ولم يسجد معه بل يسجد في آخر صلاته.
مسألة: قال: ويكبر خلف الفرائض وخلف النوافل.
وهذا كما قال: المنصوص هاهنا أنه يكبر خلف الفرائض والنوافل، وقال المزني: الذي قيل: هذا أولى أنه لا يكبر إلا خلف الفرائض، وأراد به ما قال الشافعي قبيل
[ ٢ / ٤٧٨ ]
هذا الباب، ثم لا يزال يكبر خلف كل صلاة فريضة بمفهومه أنه لا يكبر خلف النوافل، فمن أصحابنا من أنكر هذا القول وترك ذلك المفهوم لهذا المنظوم، ولأن تخصيص الشافعي "٢٢٦ ب/٣" الفريضة بالذكر ليس لنفي التكبير خلف النوافل، بل لأنه أراد أن يبين الصلاة الفريضة التي يكبر بعدها ابتداء ويقطع عقبيها فقال: من ظهر كذا إلى صبح كذا، والذي يدل أنه نص في " الأم"، فقال: يكبر الحائض والجنب وغير المتوضئ في جميع الساعات من الليل والنهار وهذا يدل على أنه يستحب خلف الفرائض والنوافل وفي سائر الأحوال، وأن من ليس من أهل الصلاة من الجنب والحائض والمحدث يستحب لهم التكبير أيضا. وهذا هو الصحيح.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قولين:
أحدهما: وبه قال أكثر الفقهاء: يكبر خلف الفرائض لا غير، وبه قال أبو حنيفة حتى روى اللؤلؤي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يكبر خلف العيد، لأنها نافلة، وهو قول مالك وأحمد.
والثاني: وبه قال أبو يوسف ومحمد: إنه يكبر خلف الفرائض والنوافل لقوله تعالى: ﴿ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ "البقرة: ١٨٥" ولم يفصل، ولأأنها صلاة مغفولة في يوم النحر فيستحب التكبير عقبها كالفرائض ويؤكده أنه من شعار العيد فالأولى أن يكون عقيب صلاة العيد.
وقال بعض أصحابنا: إن كانت مما سن منفردا لا يكبر خلفها، وإن كانت مما تسن جماعة كالاستسقاء "٢٢١ أ/٣" والخسوفين فيكبر خلفهما، ومن قال بهذا قال: هل يكبر خلف صلاة الجنازة؟ وجهان: أحدهما: يكبر لفعلها في جماعة. والثاني: لا يكبر لأنها ليست بصلاة معهودة ذات ركوع وسجود.
فرع
لو فاتته صلاة كان يكبر عقبيها فقضاها في غير أيام التشريق لا يكبر بعدها، لأن التكبير لأجل الوقت، قد فات الوقت ولهذا قلنا: يكبر من لا صلاة عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو فاتته صلاة كان يكبر عقبيها فقضاها في غير أيام التشريق فكبر عقبيها، وهل يكون أداء أو قضاء؟.
قال القفال: فيه قولان: مبنيان على أنه هل يكبر خلف النوافل؟ فإن قلنا: يكبر خلف النوافل ففي الفائتة أولى وتكون أداء، وإن قلنا: لا يكبر خلف النوافل يكون قضاء، ومن أصحابنا من قال: هل يكبر خلف الفوائت التي فاتت في غير هذه الأيام؟ قولان: لأن منزلة الفوائت في هذا منزلة النوافل.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
فرع
لو نسي صلاة في أيام التشريق، ثم قضاها في أيام التشريق، هل يكبر خلفها؟ فيه وجهان: أحدهما: يكبر لأن وقت التكبير باق، والثاني: لا يكبر، لأن التكبير خلف هذه الصلاة يختص بوقتها، وقد فات الوقت، وقال القفال: يكبر وجها واحدا، وهل هو قضاء "٢٢٧ ب/٣" أم أداء؟ وجهان أحدهما: قضاء لأن الصلاة قضاء، والثاني: أداء لما ذكرنا.
فرع
لو نسي التكبير كبر حيث ذكره نص عليه ولفظه ﵀ أنه قال: لو سلم وانتقل إلى مكان آخر كبر فيه ولا يعود إلى مصلاه بخلاف ما لو سلم عن ركعتين من الظهر ساهيا وانتقل إلى مكان آخر ولم يطل الفصل، فالمستحب أن يعود إلى مكان صلاته ويبني.
وقال أبو حنيفة: إذا تكلم أو خرج من المسجد سقط، لأنه تابع للصلاة فسقط بتركه كسجود السهو وهذا غلط؛ لأن التكبير هو من هيئة أيام التشريق، فإذا كان الوقت باقيا أتى بها ويفارق سجود السهو؛ لانه من تمامها فلا يأتي به إذا طال الفصل. وقال القفال: هذا مببني على الوجهين أنه يكون قضاء أو أداء، فإن قلنا: يكبرقضاء كبر وإن قلنا: أداء لا قضاء عليه ولا يكبر هاهنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو نسي الإمام التكبير أو تركه عامدا كبر المأموم، ومن صلى وحده كبر، وبه قال مالك والأوزاعي وقتادة والشعبي، وقال أبو حنيفة: لا يكبر المنفرد، واحتج بما روي عن ابن عمر ﵁ أنه كان إذا صلى وحده أيام التشريق لم يكبر، وقال ابن مسعود ﵁: ليس على الواحد والاثنين تكبيرا أيام التشريق، وهذا غلط لأن كل ذكر يستحب للمسبوق يستحب للمنفرد كالتسليمة الثانية، ولأن المنفرد يؤذن ويقيم كالجماعة كذلك في هذا يستوي المنفرد والجماعة، وأما ما ذكروه مقدم عندنا وأنتم لا تقولون: بقول ابن مسعود لأن الاثنين جماعة ويكبران.
فَرْعٌ آخرُ
لو اقتدى من لا يرى الإتيان به أو هو يرى ولا يرى ذلك خرج ابن سريج فيه وجهين: أحدهما: لا يتابع إمامه بل يعمل برأيه، والثاني: يتابعه والأول أصح لأنه بالسلام خرج من متابعته فلا يلزمه حكمه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو وقع مثل هذا في الصلاة تابعه في زيادة التكبيرات إن قال بذلك قائل وإلا فلا يتابعه.
مسألة: قال: ولو شهد عدلان في الفطر بأن الهلال كان بالأمس.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
الفصل
وهذا كما قال: أول وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس إلى أن تزول، فإذا طلعت فقد دخل وقتها، فإن صلوا عقيب الطلوع أجزاتهم الصلاة نص عليه، وقال: ولكن المستحب أن يتوقفوا حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وتحل النوافل التي لا أسباب لها، وهذا كما يقول في العصر: إنه يفوت آخر وقتها بغروب الشمس، ولكنا نستحب له أن "٢٢٨ ب/٣" لا يؤخرها إلى اصفرار الشمس. ذكره القاضي الطبري وسئر أصحابنا أطلقوا بأن أول وقتها حين تبرز الشمس على ما ذكرنا، وليس هذا النص عند أصحابنا بخراسان، والصحيح ذاك، ولا اعتبار بالوقت المنهي عن الصلاة، لأن هذه نافلة لها سبب ظاهر. فإذا تقرر هذا فلو شهد شاهدان بأن الهلال كان بالأمس أي رأينا الهلال الأمس وهذا اليوم يوم عيد، فإن كان قبل زوال الشمس صلى بالناس وكان ذلك أداء وإن كان بعد زوال الشمس.
قال الشافعي في كتاب العيدين: لم يصلوا لأنه عمل في وقت، فإذا جاوزه لم يعمل في غيره كعرفة، وقال في كتاب الصيام: وأحب إذا ذكر فيه شيء، وإن لم يكن ثابتا أن يعمل من الغدو بعد الغدو وأراد به إذا روي فيه خبر، وهو أن ركبا قدموا على النبي - ﷺ - يوم الثلاثين من رمضان فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر الناس بالفطر في هذا اليوم، وأن يصلوا صلاة العيد من الغد، إلا أن هذا ليس بثابت، فكذلك قال: وأحب إذا ذكر فيه شيء وإن لم يكن ثابتا أن يعمل من الغدو بعد الغد فحصل قولان:
أحدهما: لا يقضي وبه "٢٢٩ أ/٣" قال مالك وأبو نور وداود، واختاره المزني وحكى الطحاوي عن ابن أبي عمران عن أبي حنيفة أنها لا تقضي، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضي صلاة عيد الفطر في اليوم الثاني، ويقضي صلاة عيد الأضحى في اليوم الثاني والثالث. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: مذهبه أنها تقضى، ووجه هذا القول: أن هذه صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فلا يقضي بعد فوات وقتها كصلاة الجمعة والخسوف، وقال المزني: لو قضيت في عدد قومها لقضيت في يومها وكان أولى فإن قلتم: إن ضحى غد يشبه ضحى اليوم وما بعد الزوال لا يشبه الضحى، قلنا: فيجب أن يقولوا: يقضي هذا في ضحى غد بعد شهر.
والقول الثاني: يقضي، وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق، قال أبو سليمان الخطابي: وهذا أصح والخبر فيه صحيح أورده أبو داود والسنة أولى بالاتباع، ولأنها صلاة أصل مؤقتة فلا تسقط بفوات الوقت كالفريضة ولا يلزم الجمعة، لأنها مقصورة من الظهر وليست كالجمعة لأنها معدولة بها عن الظهر بشرائط، فإذا
[ ٢ / ٤٨١ ]
فاتت واحد منها رجع إلى الأصل وليست كالخسوف " ٢٢٩ ب/٣" لأنها تتعلق بعارض فإذا زال سقطت، واما قول المزني لا يلزمنا لأن الشافعي قال: يقضي، من الغد إذا لم يمكن اجتماع الناس في بقية اليوم.
وقد قال أصحابنا: إن كان البلد صغيرا يجتمع الناس في بقية اليوم من غير مشقة جمع الناس وصلى بهم، وكذلك إن كانوا في قرية أو حصن، وذكر القفال أن الشافعي نص عليه في كتاب الصيام وأنه قال: هذا أولى من تأخيرها إلى الغد، وإن لم يمكن جمعهم لتفرقهم في حوائجهم، فإن صلى بمن أمكنه جاز ولكنه أساء إلى ذلك؛ لأنه كان ينبغي أن لا يبدأ دون سائر المسلمين؛ لأن القصد منه الاجتماع وإظهار السرور لأن النبي - ﷺ - استحب تأخير الظهر لاجتماع الناس إلى الصلاة فهاهنا أولى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يقضي في مثل وقته من الغد كالوقوف بعرفة؟ يقضي في الجملة ولكن في مثل وقته من القابل يوم النحر، وبه قال أحمد وأبو حنيفة في رواية وهذا ضعيف، والأصل ما ذكرنا. وأما القضاء بعد الغد فاعلم أن الشافعي قال: يقضون من الغد وبعد الغد، وذكر الداركي عن "٣٣٠ أ/٣" بعض أصحابنا أنه يقضي أبدا ولا يكون القضاء مؤقتا، ويتصور ذلك عند اشتغال الإمام بالحرب حتى يتأخر إلى شهر وشهرين، وهذا خلاف ظاهر المذهب، والمعنى في الغد أن ذلك الوقت قد يكون وقت العيد إذا خرج شهر رمضان ثلاثين يوما، وهذا لا يوجد فيما بعده والقياس ما حكاه الداركي.
فرع
لو شهدا برؤية الهلال يوم الحادي والثلاثين قبل الزوال، أو ليلة الحادي أنهم رأوه ليلة الثلاثين. قال أبو إسحاق: يصلي الإمام بالناس يوم الحادي والثلاثين قبل الزوال، ويكون أداء قولا واحدا لما روت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: "فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون"، وهم لم يفطروا بالأمس وإنما يفطرون من الغد، فوجب أن يكون ذلك يوم فطرهم. قال القفال: ولا يسمع هذه الشهادة، لأنه لا فائدة فيها.
فرع
لو شهد شاهدان بالنهار وعدلا باليل: قال أصحابنا: الصلاة من الغد تكون فرضا وهل يقضي؟ قولان: على ما ذكرنا، وهذا لأن الاعتبار وقت الشهادرة دون التعديل "٣٣٠ ب/٣" ألا ترى أنه لو مات الشاهدان قبل أن يعدلا، ثم عدلا حكم الحاكم بشهادتهما وكذلك لو شهدا قبل الزوال وعدلا بعده، او عدلا في اليوم الحادي والثلاثين فإنها تفعل بعد ذلك قضاء على القولين.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا عدلا من الغد بعد طلوع الشمس وهو اليوم الحادي والثلاثون يصلي الإمام بهم بلا خلاف وهو غير صحيح.
فَرْعٌ آخرُ
إذا اجتمع عيد وجمعة، قال في "الأم": صلى الإمام صلاة العيد حين تحل الصلاة، ثم أذن لمن حضر من غير أهل المصر أن ينصرفوا إن شاؤوا إلى أهليهم ولا يعودون للجمعة والاختيار لهم أن يقيموا حتى يجمعوا فإن لم يفعلوا فلا حرج عليهم إن شاء الله، ولا يجوز هذا لأحد من أهل المصر، واحتج بما روى عثمان بن عفان ﵁ خطب فقال: "قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد أديت له" ولم ينكر عليه منكر، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: لا يجب على أهل السواد في هذا اليوم صلاة الجمعة بكل حال، بدليل ها "٢٣١ أ/٣" الأثر عن عثمان ﵁، والمعنى فيه أنهم لو قعدوا في البلد لم يتهنوا بالعيد، وإن خرجوا ورجعوا كان عليهم في ذلك مشقة ظاهرة، والجمعة تسقط بالمشقة دون هذا من الأعذار مثل المطر ونحوه، وهذا ظاهر كلام الشافعي ﵀.
ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي بما ذكر أهل السواد الذين هم في موضع يبلغهم النداء من البلد، فإنه تجب عليهم الجمعة، لأن كل من لزمهم الجمعة في غير يوم العيد لزمه في يوم العيد كأهل البلد، وهذا ضعيف وقد ذكرنا فيما قبل أن مذهب ابن الزبير وابن عباس وعطاء ﵃ أنهم قالوا: تسقط صلاة الجمعة في هذا اليوم عن الكل.
وحكى عن ابن الزبير أنه صلى العيد وترك الجمعة، فعابه بعض بني أمية، فقال ابن الزبير: هكذا كان عمر بن الخطار يصنع. وبلغ ابن عباس فقال: أصاب السنة وروى أبو عبد الرحمن السلمي أنه اجتمع عيدان في يوم على عهد رسول الله - ﷺ - " وصلى صلاة العيد وخطب وقال: أيها الناس إنه اجتمع عيدان في يوم "٢٣١ ب/٣" فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد ومن أراد أن ينصرف فلينصرف"، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ "الجمعة: ٩" ولم يفصل ولأن الجمعة هي من فرائض الأعيان فلا يسقط بصلاة العيد التي هي نفل في قول، وفي قول هي فرض على الكفاية.
وأما خبر أبي هريرة فمحمول على أهل السواد ولهذا قال: من أراد أن يشهد الجمع لأن أهل المصر يشهدونها، وقد بينه عثمان بن عفان ﵁ فخص أهل العالية بالذكر، وقيل أهل العوالي: هم على ثلاثة أضرب:
منهم من يلزمهم الجمعة بأنفسهم وهو أن يكونوا أربعين في قرية فحكمهم في هذه
[ ٢ / ٤٨٣ ]
المسألة حكم أهل المصر.
ومنهم من لا يلزم الجمعة لا بأنفسهم ولا بغيرهم، وهو أن يكونوا دون الأربعين ولا يبلغهم النداء، فإذا حضروا العيد كان لهم الانصراف من غير جمعة، ولا يكره لهم ذلك ولكن إن دخلوا البلد يوم الجمعة بغير صلاة العيد يكره لهم أن ينصرفوا قبل صلاة الجمعة، فإن قال قائل: هلا قلتم: يلزمهم الجمعة كالمريض إذا حضر فإنها تلزمه؟ قلنا: لأن سقوطها عن المريض للمشقة، وإذا حضر زالت المشقة، وسقوطها عن أهل هذه البرية في أوطانهم لصفته فيهم هناك "٢٣٢ أ/٣" وإذا حضروا وكانوا مسافرين غير مستوطنين فلا يلزمهم.
ومنهم من تلزمهم الجمعة بغيرهم، وهو أن يكونوا دون الأربعين ويسمعون النداء من البلد فحكمهم ما ذكرنا من المنصوص والتخريج.