قال أخبرنا سفيان وذكر الخبر.
وهذا كما قال: يستحب أن يبكر إلى الجمعة لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: [١٥١ أ/ ٣] "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر"، ومعنى غسل الجنابة، أي: كغسل الجنابة، وقيل: أراد أنه جامع واغتسل لتسكن نفسه في يومه، وأراد بالرواح: الخروج إلى الجامع، وحقيقة الرواح في آخر
[ ٢ / ٤١١ ]
النهار، وأوله من حين تزول الشمس ويستعمل في الانقلاب من موضع إلى موضع سواء كان في أول النهار، أو في آخره على طريق التوسع، والمجاز كما أن حقيقة الغدو في أول النهار ويستعمل في المضي، والذهاب في أول النهار وآخره على طريق المجاز.
واختلف أصحابنا في الرواح من أي وقت اعتبره رسول الله - ﷺ - فمنهم من قال: من حين طلوع الفجر الثاني وهو الصحيح، لأنه أول ما يصح فيه غسل الجمعة، وهو أول وقت الرواح وهو ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه؛ لأنه قال: وكلما قدم التبكير كان أفضل وإنما عبر بالرواح؛ لأنه خرج لأمر يؤتى به [١٥١ ب/ ٣] بعد الزوال، ومنهم من قال: من حين طلوع الشمس؛ لأن أهل الحساب يعدون أول النهار من حين طلوع الشمس.
قال في "الحاوي": وهذا أصح ليكون ما قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب. وقال القفال ﵀: أراد بالساعات أزمنة لطيفة لا الساعات التي عند المنجمين لأن النهار في الشتاء يتراجع إلى تسع ساعات، فتكون الساعة الخامسة بتمامها زائدة على نصف النهار، والمراد بذلك كله بعد الزوال، فمعنى الخبر من راح إلى الجمعة بعد الزوال فدخل المسجد أولًا فكأنما قرب بدنة على هذا الترتيب، والدليل على أنه أراد بعد الزوال، لأن الأمر من الله تعالى إنما يتوجه بعد الزوال لا قبله، ويستحيل أن يكون أعظم الثواب في وقت لم يتوجه فيه الأمر، وأقل الثواب في وقت توجه فيه الأمر. وقد قال - ﷺ -: "لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بأعظم من أداء فريضة " وهذا كله إذا كانت الدار قريبة من المسجد.
فأما إذا كانت الدار بعيدة من المسجد فالواجب أن يتهيأ للقصد في وقت يتيقن الإدراك، وقال أيضًا: الدرجات غير مقصورة على الخمس لا غير [١٥٢ أ/ ٣] حتى لو جاء خمسة نفر وللخامس أجر من قرب بيضة فللسادس ومن بعده أقل من ذلك، ولكن السادس مع الخامس كالمهدي بقرة مع المهدي شاة وعلى هذا. والمقصود بيان تفاوت الدرجات لا غير، وهذا أحسن، ولكنه خلاف ظاهر قول رسول الله - ﷺ - وقول الشافعي ﵀، وقول النبي - ﷺ -: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر" يدل على أنه لا فضيلة لمن جاء بعده كما روي في خبر آخر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا الصحف وحضروا يسمعون الدكر". فمن جاء بعد ذلك جاء بفرض"، وأراد بقوله: قرب بدنة، أي: ثوابه كثواب من تقرب إلى الله تعالى ببدنة أو بيضة، وجعلها قربانًا وتقربًا إلى الله تعالى.
وروي عن علقمة ﵁ أنه قال: "حضرت وعبد الله بن مسعود الجمعة، وقد
[ ٢ / ٤١٢ ]
سبقنا ثلاثة، فقال عبد الله: رابع أربعة وما رابع [١٥٢ ب/ ٣] أربعة ببعيد، سمعت النبي - ﷺ - يقول: "الناس بالقرب من ربهم على قدر رواحهم إلى الجمعة"، وأيضًا روى أوس بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها".
وروي في خبر آخر: "وبكر وابتكر ولبس من ثيابه أحسن ما قدر عليه ومس طيبًا إن كان عنده وخرج، ولم يتخط رقاب الناس، وأنصت حتى خطب الإمام كان كفارة لما بين هذه الجمعة وما قبلها". وروي "خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وروي "وجلس قريبًا واستمع ولم يرفث ".
واختلف العلماء في معناه فمنهم من قال: هذا من الكلام الظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين، ألا ترى أنه قال: "ومشي ولم يركب"، ومعناهما واحد، وبهذا قال الأثرم صاحب أحمد رحمهما الله ومنهم من قال قوله: غسل معناه غسل الرأس خامة وذلك؛ لأن العرب لهم لحم وشعور وفي غسلها مؤنة، فأفرد [١٥٣ أ/ ٣] ذكر غسل الرأس من أجل ذلك، وقوله: واغستل معناه غسل سائر البدن، وبهذا قال عبد الله بن المبارك ومكحول، وقيل: روي غسل بالتخفيف. وروي غسل بالتشديد فبالتخفيف معناه تطهر واغتسل، وأما بالتشديد معناه غسل أعضاء الوضوء، وإنما شدد لتكرير الفعل كما يقال: قطعه إربًا إربًا.
وقيل: معناه غسل غيره فإن جامع واغتسل هو وبهذا قال وكيع: وقيل: روي هذا بالعين عسل غير المعجمة بتشديد السين، معناه أصاب أهله ليكون أملك لنفسه، وأحفظ في طريقه لبصره. ومن هذا قول العرب فحل عسله إذا كان كثير الضراب.
والعسيلة: هي الجماع ومعنى قوله: بكر، أي: أدرك باكورة الخطبة، وهي أولها، ومعنى ابتكر قدم في الوقت، وقيل: قوله بكر أي تقدم، وجاء بكرة وابتكر له تأويلان: أحدهما: أنه فعل أفعال المبكرين من الاشتغال بالعبادة من الذكر وقصد الصلاة ولم يقف على موضع اللعب والشعوذة.
والثاني: أدرك باكورة الخطبة واشتقاقه من باكورة الثمرة التي هي أولها، وقيل معناه: بكر إلى صلاة [١٥٣ ب/ ٣] الغداة وابتكر إلى صلاة الجمعة.
وقال ابن الأنباري: معنى بكر، أي: تصدق قبل خروجه من قوله - ﷺ -: "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها"، فإذا تقرر هذا يستحب أن يمشي إلى صلاة الجمعة والعيدين ولا يركب إلا أن لا يقدر عليه لضعف من كبر أو مرض فلا يكره له الركوب،
[ ٢ / ٤١٣ ]
وإذا ركب فيجتهد أن لا يؤذي أحدًا، وينبغي أن يمشي متوقرًا لا يزيد على سجيته في المشي ولا يشبك بين أصابعه ولا يعبث، لأن النبي - ﷺ - قال: "إن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة"، فألحق العامد إلى الصلاة بمن كان في الصلاة ولا يشك في الصلاة كذلك في طريق الصلاةء وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث" فقال: رجل من حضرموت، وما الحدث يا أبا هريرة قال: فساء أو ضراط.
وروي أن رسول الله - ﷺ -: "نهى عن التشبيك بين الأصابع في الصلاة، وعن التفرقع في الصلاة وهو [١٥٤ أ/ ٣] أن يثني أصابعه فيسمع من مفاصله صوت"، وروى كعب بن عجرة أن النبي - ﷺ - قال: "من توضأ فأحسن وضوءه، وخرج إلى المسجد عامدًا فلا يشبك بين أصابعه". وروي عن النبي ́ - ﷺ -: "أنه ما ركب في عيد ولا جنازة قط"، والجمعة هي في معنى ذلك، وإنما لم يذكر الجمعة لأن باب حجرته كان في المسجد فلا يتوهم الركوب إليها، وهذا لأنه إذا ركب يضيق على الناس ويزاحمهم أنجس الطريق بالبول والروث، وربما يترشرش على الناس والماشي هو أكثر عملًا ويكون أخشع فكان أولى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كانت عادته أن لا يركب فيها وهذا ليس بشيء، وقال النبي - ﷺ -، لجابر بن عتيك: "إذا خرجت إلى الجمعة فامش على هيئتك"، وروي عن ابن عمر ﵁ أنه كان يسعى إلى الجمعة سعيًا لقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وهذا عنانا مكروه، المراد بالسعي القصد على ما ذكرناه.