مسألة: قال: [٣٣٨ أ/٣] أخبرنا إبراهيم بن محمد الخبر.
وهذا كما قال. الكلام الآن في صفة صلاة الجنازة، ولا تجوز إلا بطهارة والقيام فيها شرط عند القدرة. قال في "الأم": لو صلوا جلوسًا من غير عذر أو ركبانًا أعادوا.
وذكر بعض أصحابنا أن القيام جوازها قاعدًا، ولكن لم يجوزوها. وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزم القياس فيها ويكبر تكبيرة الإحرام يرفع بها يديه حذو منكبيه، وجملة تكبيراتها أربع تكبيرات لا يزاد عليها ولا ينقص، وكل تكبيرة هي ركن منها، ولهذا قال عمر وابن عمر والحسن بن علي ومحمد ابن الحنفية ويزيد بن ثابت وجابر وأبو هريرة والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وعطاء وجماعة الفقهاء.
وقال محمد بن سيرين وأبو الشعثاء وجابر بن زيد: يكبر ثلاثا وروي ذلك عن ابن عباس وأنس ﵄ ذكره في "الحاوي"، وقال حذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم وابن أبي ليلى يكبر: خمسًا وبه قالت الشيعة، وقال ابن مسعود رصي الله عنه يكبر ما شاء من غير حصر وقال: "كبر رسول الله - ﷺ - على الجنائز تسعًا وخمسًا وسبعًا وأربعًا" فكبر وما كبر الإمام، وقال إسحاق: يكبر ما يكبر الإمام ولا يزيد على سبع وقد روي [٣٣٨ ب/٣] عن علي ﵁ أنه كبر على أبي قتادة سبعًا وكان بدريًا، وكبر على سهيل بن حنيف ستًا وكان بدريًا، وروى عنه عبد خبر أنه كان يكبر على أصحاب النبي - ﷺ - غير أهل بدر خمسًا وعلى سائر الناس أربعًا، وقال ابن سريج: هذا هو من الاختلاف المباح وليس بعضه أولى من بعض وهذا قريب من قول ابن مسعود، قال: وقد روى الكل عن رسول الله - ﷺ - وقال إبراهيم النخعي: اختلفت الصحابة فيه فجمع عمر ﵁ الصحابة فاستشارهم فأجمعوا على أن يكبروا أربعًا، فانعقد الإجماع وزال به ما تقدم من الخلاف، والدليل على ما قلناه ما رواه الشافعي عن جابر أن النبي - ﷺ - كبر أربعًا وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى، وأيضًا خبر النجاشي وعثمان بن مظعون وخبر المسكينة التي دفنت ليلًا، وخبر أنس أنه صلى على عبد الله بن عمير بالبصرة.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وروى أبي بن كعب أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الملائكة صلت على آدم - ﷺ - وكبرت أربعًا وقالت: هذه سنتكم يا بني آدم". وقال أنس ﵁: صلت الملائكة على آدم وكبرت أربعًا وقالت ما ذكرنا، وكبر الحسن [٣٣٩ أ/٣] بن علي على علي ﵁ أربعًا وقال ابن عباس وابن أبي أوفى ﵁: آخر ما صلى رسول الله - ﷺ - كبر أربعًا، وروي عن إبراهيم النخعي قال: صليت مع ابن أبي أوفى على ابنته فكبر أربعًا، ثم قام حتى ظننا أنه يكبر الخامسة، ثم انصرف فقال: أظننتم أني أكبر الخامسة، لا ولكن هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع، وروى ابن عمر قال: آخر ما كبر رسول الله - ﷺ - على الجنائز أربعًا وكبر أبو بكر على فاطمة أربعًا، وكبر الحسن بن علي على علي أربعًا، وكبر الحسين على الحسن أربعًا، وكبر عبد الله بن عمر على أبيه أربعًا، وكبرت الملائكة على آدم أربعًا وكبر ابن الحنفية على ابن عباس بالطائف أربعًا. وروى جابر أن النبي - ﷺ - قال: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه وصلوا على موتاكم أربعًا"، واحتجوا بما روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا فيكبر أربعًا، فكبر يومًا خمسًا، فسألناه عن ذلك فقال: إن رسول الله - ﷺ - كبر خمسًا. قلنا: ما رويناه هو أولى لكثرة روايتها وصحة أسانيدها وأنها متأخرة أو ما ذكرنا يدل [٣٣٩ ب/٣] على أن ما رووا صار منسوخًا.
فرع
لو كبر الإمام خمسًا لا نتابعه في الزيادة، لأنها ليست بمسنونة للإمام، وقال أحمد: يتابعه إلى سبع وهذا غلط، لأنه وافقنا أنها لا تسن للإمام فصار كما لو قنت الإمام في الركعة الأولى فإنه لا يقنت معه. فإذا تقرر هذا، هل يسلم أو ينتظر سلامه؟ وجهان: أحدهما: يسلم لأنه اشتغل بما ليس من صلاته. والثاني: أنه ينتظر فراغه ليسلم معه حتى يكون خروجه بخروجه وهو الأشهر، وليس كما لو قام إلى الخامسة لا ينتظر تسليمه، لأن في الأفعال لا يمكن إلا متابعته بخلاف الذكر الزائد، ومن أصحابنا بطبرستان من قال: تبطل صلاة الإمام بالتكبيرة الخامسة، لأن كل تكبيرة هي بمنزلة ركعة من الركعات، ولو زاد ركعة تبطل الصلاة ولو كان ناسيًا لا يسجد للسهو، لأنه لا سجود فيه ورأيته عن جماعة من أصحابنا.
مسألة: قال: ويرفع يديِه حذو منكبيهِ.
وهذا كما قال. المستحب أن يرفع يديه في كل تكبيرة منها، وروي ذلك عن ابن عمر ﵁، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، وروي عن عمر ﵁ كان يرفع يديه على الجنازة في كل تكبيرة"،
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وروي مثله عن [٣٤٠ أ/٣] الحسن بن علي وأنس ﵄، وقال زيد بن ثابت: وقد رأى رجلًا فعل ذلك فقال: أصابه السنة، والسنة أن يقبض بيمينه على شماله، وقال ابن المبارك: لا يقبض بيمينه على شماله فيها. وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - "كبر على جنازة زرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى". أورده أبو عيسى الترمذي - ﵀ - وينوي الصلاة على الميت مع التكبير لا قبله ولا بعده، وهل يلزم نية الفرض؟ فيه وجهان كما قلنا في سائر الصلوات والأصح وجوبها، وذكر بعض أصحابنا أنه ينوي الفرض مطلقًا ولا ينوي الفرض على الكفاية، وبه أفتى، ولا يحتمل غيره لأنه إذا اختار أداءها كانت فرضًا في حقه، وإن كانت فرضًا على الكفاية في الجملة.
مسألة: قال: ثم يقرأ بفاتحة الكتاب.
وهذا كما قال. ظاهر ما قال هاهنا: إنه يبتدئ بعد التكبيرة بقراءة الفاتحة يبتديها ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا يأتي بالتعوذ ودعاء الاستفتاح، وبه قال أكثر أصحابنا؛ لأن مبنى هذه الصلاة على الحذف والاختصار، فلا يحتمل التطويل والإكثار. ومن أصحابنا من قال: يستحب كلاهما ذكره القفال وهو اختيار القاضي الطبري، لأن الذكر المستحب في غير [٣٤٠ ب/٣] صلاة الجنازة إذا وجد محله كالتأمين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا، فإن التأمين لا يطول الصلاة بخلاف هذا. وحكى عن القاضي الطبري أنه قال: عندي لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولكنه يأتي بالتعوذ؛ لأن التعوذ هو من سنة القراءة كالتأمين بخلاف دعاء الاستفتاح فهو مالسورة لا يستحب، فإن أتى بهما جاز وهذا حسن عندي.
وقال صاحب "الحاوي": يتعوذ عندنا وفي دعاء الاستفتاح، وجهان، ولا يجوز الإخلال بالفاتحة لأنها ركن فيها، وقد قال الشافعي في "الأم": وأحب إذا كبر على الجنازة أن يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى وهكذا نقل المزني في "الجامع الكبير"، وهذا يدل على الاستحباب إلا أن أصحابنا أجمعوا على وجوبها بتأويل قوله: إنه يستحب أن يقرأ بعد التكبيرة الأولى فإن أخرها إلى التكبيرة الثانية جاز. فرجع الاستحباب إلى موضعها، وروي ذلم عن ابن الزبير وابن مسعود وابن عباس والحسن ﵃، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا تجب فيها القراءة ولا يسن فيها قراءة القرآن، وقال أبو حنيفة: لو قرأ القرآن كان دعاء، ويوريه عن ابن عمر وأبي هريرة ﵄ وقال مالك: يكره [٣٤١ أ/٣] فيها قراءة القرآن.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب وجهر بها وقال:
[ ٢ / ٥٨٦ ]
"إنما جعلت ذلك لتعلموا أنها سنة" يعني إنما جهرت بقراءة الفاتحة ليعلموا أن القراءة هي طريقة رسول الله - ﷺ - وشريعته، ولم يرد به أنها غير واجبة؛ ولأن الجهر بها سنة والمستحب أن لا يجهر بقراءتها ليلًا ونهارًا، لأن القراءة إذا كانت مقصورة على الفاتحة لا يجهر كما في الركعتين الأخريين ظاهر النص، قال: ويخفي القراءة والدعاء، وقال الداركي: إن كان بالليل جهر فيها وغن كان بالنهار أسر فيها؛ لأنها صلاة تفعل ليلًا ونهارًا فيجهر فيها إذا كان ليلًا، قال أبو حامد: لا يجئ على المذهب غير هذا، وهذا لا يصح؛ لأن صلاة الليل التي يجهر فيها هي صلاة راتبة في وقت من الليل، ولها نظير راتب في وقت النهار وسن في نظيرها الإسرار فسن فيها الجهر، وصلاو الجنازة صلاة واحدة ليس لها وقت يختص به من ليل أو نهار، ولهذا إنه يسر بالدعاء فيها بلا خلاف، وهذا اختيار القاضي الطبري.
مسألة: قال: ثم يكبر الثانية [٣٤١ ب/٣] ويحمد الله ويصلي على النبي - ﷺ - ويدعو للمؤمنينَ والمؤمناتِ.
وهذا كما قال في "الأم": إذا كبر الثانية صلى على النبي - ﷺ - ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. وقال في "الجامع الكبير": ويدعو جملة للمؤمنين والمؤمنات ولم يذكر الاستغفار ونقل المزني أنه يحمد الله تعالى ويصلي على النبي - ﷺ - ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات يذكر ثلاثة أشياء، قال أصحابنا: أما التحميد فلم يحكه عن الشافعي ولم يذكره في المختصر الكبير، وقيل: رواها سماعًا من لفظه فلا خلاف أن التحميد في التكبيرة الثانية لا يجب، وهل يستحب؟ وجهان: أحدهما: يستحب فيقول: الحمد لله والصلاة على محمد وآله، والثاني: لا يستحب، وقال يعقوب الأبيوردي: لم يذكره الشافعي، ولكن لو أتى بما ذكره المزني كان حسنًا، فيقول نحو ما ذكرنا. وأما الصلاة على النبي - ﷺ - فواجبة لأن كل صلاة كان من شرطها القراءة فمن شرطها الصلاة على رسول الله - ﷺ - كسائر الصلوات، ولأنه روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه" [٣٤٢ أ/٣]- ﷺ -، وأما الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فيها فلا خلاف أنه لا يجب بل هو استحباب فيقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسليمن والمسلمات الأحياء منهم والأموات، تابع بيننا وبينهم في الخيرات، وألف بين فلوينا وقلوبهم على الخيرات، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة نبيك محمد - ﷺ - إمك مجيب الدعوات. وإنما اخترنا الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقيب الصلاة على رسول الله - ﷺ - ليكون أسرع للإجابة قال النبي - ﷺ -:"إذا سأل أحدكم ربه تعالى في حاجة فليبدأ بالصلاة عليّ، فإن الكريم إذا سئل حاجتين لم تجب إحداهما ويترك
[ ٢ / ٥٨٧ ]
الأخرى" ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت وحده لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا الدعاء له: وكان القصد منه الدعاء للميت فيجب ذلك.
وقال في: الأم": يخلص الدعاء وليس في الدعاء ش ئ مؤقت ولا دعاء معين وأحب أن يقول: اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك. وروي وابن عبديك وروي وابن عبدك وأمتك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبابه فيها [٣٤٢ ب/٣] إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولمك، وأنت أعلم به. اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له. اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه والقه برحمتك إلا من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك برحمتك يا أرحم الراحمين، رواه أبو قتادة.
وروى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - صلى على جنازة فقال: "اللهم اعفر لحينا وميتنا صغيرنا وكبيرنا ذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره" وقيل: "لا تفتنا بعده"، وذكر ابن أبي احمد هذا وزاد: اللهم اغفر لأولنا وآخرنا وحينا. إلى آخره وعلى هذا أكثر أهل خراسان. وروي عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اعفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم [٣٤٣ أ/٣] نزله، ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله وزوجًا خيرًا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار" قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. وروى: وقه فتنة القبر وعذاب النار. ولو كان الميت طفلًا دعا لوالديه فيقول: "اللهم اجعله لهما فرطًا وسلفًا وذخرًا، وعظة واعتبارًا وشفقة لهما وثفل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره" وإنما اخترنا هذا الدعاء لأنه مأثور عن السلف، وإن كان الميت امرأة قال: هذه أمتك وابنة عبدك وأمتك بالتأنيث، ثم يكبر الرابعة ويسلم عن يمينه وشماله، ولم يذكر
[ ٢ / ٥٨٨ ]
الدعاء بعد التكبيرة الرابعة في "الأم".
وقال في "البويطي": يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده وقيل: ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله ثم يسلم، وروى أبو هريرة أنه - ﷺ - كان يقول نحو ذلك بعد التكبيرة الرابعة، وقال في "الحاوي" قال في "البويطي": إذا كبر الرابعة يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا (٣٤٣ ب/ ٣) وشاهدنا وغائبنا. قال أصحابنا: ليس هذا باختلاف القول بل هو بالخيار إن شاء سلم عقيب الرابعة، وإن شاء ذكر هذا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يستحب أن يقول هذا، وهذا أحسن عندي ولكن عمل مشايخنا على الأول. وحكى ابن أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون في الرابعة: ربنا آتنا في الدنيا جسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وليس هذا عن الشافعي فإن نقل كان حسنا. وأنا السلام فقال في "الأم": يسلن تسليمة يسمع من يليه، وإن شاء يسلم تسليمتين وقال في "الجامع الكبير": يسلم تسليمتين، وهكذا قال في البويطي وقال في "القديم": إنه إن كان إماما والناس كثيرون يسلم تسليمتين، فإن قل الناس أو كان منفردا أو مأموما كفاه تسليمة وتحدة يبدأ بيمينه ويختم بشماله، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال قول واحد يسلم تسليمتين استحبابا ويجب تسليمة واحدة.
وروى عبد الله بن مسعود أن النبي - ﷺ - " كان يسلم في صلاة الجنازة مثل التسليم في سائر الصلوات". والذي يدل على وجوب السلام أنها صلاة يجب لها [٣٤٤ أ/٣] الإحرام فيجب الخروج منها بالسلام كسائر الصلوات. ومن أصحابنا من قال: المستحب هاهنا تسليمة واحدة قولا واحدا؛ لأنها بنيت على الاختصار، وقال أحمد: يحرج بتسليمة واحدة عن يمينه وأقل ما يجزي عن عمل هذه الصلاة أنه يكبر مع النية ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر فيقول: اللهم صل على محمد، ثم يكبر ويدعو للميت بمايقع عليه الاسم، وهو أن يقول: اللهم ارحمه، ثم يكبر الرابعة ويسلم تسليمة واحدة فيقول: السلام عليكم، وعند أبي حنيفة لا تجب الصلاة على رسول الله - ﷺ - ولا الدعاء للميت. وأما قراءة السورة فالمذهب المشهور أنها لا تستحب، ومن أصحابنا من قال: يستحب قراءة سورة قصيرة، وروي ذلك عن المسنون وابن عباس ﵄. ذكره القاضي الطبري قال الشافعي: ويجهر بالتسليم وأراد إذا كان إماما ليقتدي به من خلفه كما يجهر بالتكبيرات.
مسألة: قال: ومن فاتته بعض الصلاة مع الإمام افتتح ولم ينتظر تكبير الإمام، ثم يقضي مكانه.
وهذا كما قال. إذا أدرك المأموم الإمام في أثناء الصلاة كبر ودخل معه فيها ولا
[ ٢ / ٥٨٩ ]
ينتظر تكبيرة الإمام ليدخل معه فيها مكبرا، وبه [٣٤٤ ب/٣] قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: إنه ينتظر تكبيره حتى يكبر معه، وعن مالك روايتان، واحتج بأن التكبيرات تجري مجرى الركعات، بدليل أنه يقضيها بعد فراغ الإمام، فإذا فاتته ركعة مع الإمام، وهذا غلط، لأنه أدرك الإمام في أثناء صلاته، فوجب أن يدخل معه فيها في الحال كما في سائر الصلوات، وأما ما قالوا: لا يصح لأنه لو كان يجري مجرى الركعات لكان إذا حضر وكبر الإمام قبل أن يكبر المأموم لا يكبر حتى يكبر أخرى، كما لو حضر ولم يدخل مع الإمام حتى صلى ركعة، فإنه لا يشتغل بقضائها، فإن كبر هو ثم كبر الإمام التكبيرة الثانية في الحال.
قال بعض أصحابنا: تبعه وسقطت القراءة عنه، وإن أدرك بعض القراءة قرأ ذلك القدر وسقط الباقي إذ كبر الإمام ثانيا والأول أصح، وقال بعض أصحابنا: على هذا، هل يأتي بالقراءة بعد التكبيرة الثانية؟ يحتمل أن يقال: يأتي بالقراءة بعد الثانية، لأن بعد التكبيرة الثانية محل القراءة؛ لأنه لو أدركه في التكبيرة الثانية قرأ المأموم، ويخالف هذا إذا ركع الإمام قبل إتمام المأموم قراءة [٣٤٥ أ/٣] الفاتح لا يقرأ الباقي، لأن الركوع ليس بمحل القراءة أصلا ويحتمل أن يقال: لا يأتي بها لأنه لما أدرك قراءة الإمام صار محل القراءة ما قبل التكبيرة الثانية في حقه فلا يأتي بها بعد الثانية، ولو أدركه وقد كبر التكبيرة الثانية فإنه يكبر في ال حال ويكون ذلك تكبيرة الافتتاح ويشتغل بالفاتحة، وإن كان الإمام يصلي على النبي - ﷺ - وهكذا إن أدركه في الثالثة يكبر ويقرأ، وإن كان الإمام يدعو لأن ما أدركه يكون أول صلاته عندنا فيأتي بالتكبيرات على الترتيب، ولو أدركه في الرابعة كبر معه، فإذا سلم أتى بهن متواليات، لأن الجنازة ترفع قبل أن يفرغ من الصلاة فلا فائدة لدعائه بعد غيبة الميت.
وقال في البويطي: يقضي ما فاته من التكبيرات تسعا متتابعات، ثم يسلم ثم قال: فقد قيل: يدعو بينهما للميت. وحكى القاضي أبو علي الزجاجي الطبري أن الشافعي قال في "كتاب الجنائز": إذا سلم الإمام قضى من خلفه من صلاته، وإن زال الخسوف وانقطع المطر يعني عند الجمع في المطر فالظاهر أن المسألة على [٣٤٥ ب/٣] قولين، ولا فرق بين أن ترفع الجنازة أو لا ترفع، غابت عنه أو لم تغب، وتكون، نيته تمام الصلاة عليه وهذا بخلاف ما لو صلى والجنازى خلفه لا تجوز على أجد الوجهين؛ لأن هذا هو إتمام الصلاة الصحيحة وحكم الإتمام أخف فيجوز، وإن رفعت الجنازة قولا واحدا، وقال أبو جنيفة: يقضي كما فاته إلا أن ترفع الجنازة تبطل الصلاة.
فرع
قال في "الأم": ولو أحدث الإمام انصرف وكبر من خلفه ما بقى فرادى. قال: ولو كان موضع وضوءه قريبا فانتظروه فجاء وبنى على التكبير رجوت أن لا يكون به بأس. قال الربيع: مذهب الشافعي الذي مات عليه أنه إذا أحدث لا يبني عليه، وأراد بالحدث هاهنا
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أن يكون مسبوقا به، وفيه قولان مشهوران، والصحيح أنه رجع عن البناء.
مسألة: قال: ومَنْ لَمْ يدركْ صلى على القبرِ.
وهذا كما قال: يستحب أن تكون الصلاة على الجنازة دفعة واحدة، فإن كررت الصلاى عليها جاز، نص عليه في اجتماع الجنائز وقال في "الأم": ولا بأس أن يصلي على القبر بعدما يدفن بل يستحب، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعمر وأبي موسى الأشعري [٣٤٦ أ /٣] وابن عمر وعائشة ﵃، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن سيرين، وقال النخعي ومالك وأبو حنيفة: لا يصلي على القبر ولا يصلي على الجنازة مرتين. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يصلي على القبر ولي الميت إذا كان غائبا وقت الدفن، قال محمد: إلى ثلاثة أيام، وقال أبو يوسف: إلى أيام وأطلق، واحتج بأنه لو جازت الصلاة على القبر لجازت على قبر رسول الله - ﷺ -، وهذا غلط لما روينا من خبر المسكينة التي توفيت ليلًا، وصلى رسول الله - ﷺ - على قبرها. وروي أن رسول الله - ﷺ - قدم المدينة، وقد مات البراء بن معرور وقد وصلا له فقبل الوصية"، وصلى على قبر رجل كان يقم المسجد ودفن ليلًا". وروت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: "إذا وجد الميت قد دفن فليصل وحده وليقم عند رأس القبر"، فإن قيل: لأن صلاة الجنازة لم تكن تسقط فرضها إلا بصلاته ولهذا قال - ﷺ -: "لا يصلي على ميت ما دمت بين أظهركم أحد غيري، فإن صلاتي عليه رحمة".
قلنا: لم [٣٤٦ ب/٣] تكن الصلاة على الجنازة متعينة عليه، وإنما كان يقصد الفضيلة بها، ولهذا أنه لم يصل على جنائز كثيرة، وقال في الرجل الميت المديون: "صلوا على صاحبكم"، وقال القوم في المسكينة: كرهنا أنو نوقظك. ولم يقل لهم: الصلاة عليها من دوني لا تجوز، وأما قبر رسول الله - ﷺ - قال أكثر أصحابنا: لا خلاف على المذهب أنه لا يجوز والنبي - ﷺ - مخصوص بذلك لقوله - ﷺ -: "لا تتخذوا قبري مسجدا كما جعلت اليهود قبور أنبيائهم مساجد". وروي "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم". ومن أصحابنا من قال: هذا مبني على الأقوال إلى متى تجوز الصلاة على القبر، ومن أصحابنا من قال: تجوز الصلاة عليه إلى شهر ذكره ابن أبي أحمد، ولعله أخذ ذلك من صلاة رسول الله - ﷺ - علي النجاشي وكان بينهما مسافة شهر، وهذا غلط لأنه - ﷺ - صلى على قبر البراء بن معرور بعد شهر". ولم ينقل أكثر من ذلك. وروي، أنه صلى على أم سعد [٣٤٧ أ/٣] ابن عبادة بعدما دفنت بشهر. وروى أنس أن النبي - ﷺ - صلى على قبر بعد شهرين. وروى ابن عباس بعد شهر، ومن أصحابنا من قال: يجوز حتى يعلم أنه بلي في قبره فلا يجوز جينئذ لأنه ذهبت حرمته، وهذا أصح عندي، ومن أصحابنا من قال: يجوز أبدًا؛ لأن القصد الدعاء حتى يجوز اليوم أن يصلي على قبر آدم ﵇ وعلى قبر جميع
[ ٢ / ٥٩١ ]
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ومن أصحابنا من قال: هو الأظهر، واختيار الشيخ أبي زيد المروزي: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم مات، فأما من ولد بعده أو كان صبيا فبلغ بعده فلا يصلي عليه؛ لأنه يكون متبوعا، ولا يجوز أن يتطوع لصلاة الجنازة وإذا كان يوم موته من أهل الفرض كان من جملة من يؤدي الفرض؛ لأن المؤدي الفرض على الكفاية وإن كثر ويوصف كلهم بأنهم يؤدون الفرض، وإن كان الفرض يسقط بدونهم.
ومن أصحابنا من لم يقيد بالفرض هاهنا، وقال في الصبي: إذا بلغ: تجوز الصلاة عليه ذكره أهل العراق، وهو اختيار القاضي الطبري، ومن أصحابنا من قال: تجوز إلى ثلاثة أيام ذكره والدي ﵀، وعندي أن هذا أخذه مما قال أبو حنيفة: إنه إن دفن [٣٤٧ ب/٣] قبل الصلاة عليه صلى على قبره إلى ثلاثة أيام فقط. فحصل من الحمالة ستى أوجه عند القائل فإن، قلنا بالأول: كانت تجوز الصلاة على قبر النبي - ﷺ - إلى شهر وقد مضى، وإن قلنا: بالثاني فالرسول - ﷺ - لا يبلى ولكنه قال: لا أترك في قبري. فلا تجوز الصلاة على قبره، وإن قلت بالثالث ففيه وجهان: أحدهما: لا تجوز الصلاة على قبره لما ذكرنا. والثاني: تجوز ولكن يصلون أفرادًا كما صلت الصحابة أفرادًا.
فرع
لو ترك الصلاة على الميت ودفن، فإنه لا ينبش بل يصلي على القبر، ولو دفن من غير غسيل أو لغير القبلة قال في "الأم": لا بأس عندي أن يحاط عنه التراب ويحول وجهه إلى القبلة، وأن يخرج فيغسل ويصلى عليه ما لم يتغير، قال أصحابنا: الغسل فرض فإذا ترط مبش وغسل، وقال أبو حنيفة: إذا أهيل عليه التراب لا ينبش؛ لأن النبش مثلة، وقد نهى عن المثلة وهذا غلط؛ لأن الميت إذا كان بحاله لا يكون النبش مثلة، وأما التوجيه إلى القبلة فهو سنة مؤكدة، فالأولى أن ينبش ويرد إلى السنة إلا أن يكون قد [٣٤٨ أ/٣] تغير فلا ينبش؛ لأن القصد الستر وقد حصل الستر بالتراب ونبشه هتك لستره. والثاني: ينبش لأن التكفين فرض كالغسل.
فَرْعٌ آخرُ
إذا وقع في القبر ش ئ له قيمة كان لصاحبه أن يكشفه عنه حتى يأخذ ما سقط فيه. وروي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله - ﷺ - ثم قال: خاتمي ففتح موضعًا منه، وأخذ خاتمه وكان يقول: أنا أقربكم عهدا برسول الله - ﷺ -، ولأنه يمكن إيصال المال إلى صاحبه فوجب إيصاله إليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو بلع جوهرة لغيره، ثم مات فإنه تشق بطنه وترد إلى صاحبها إلا أن تضمن ورثته مثلها أي قيمتها فلا يخرج، ذكره أصحابنا من غير خلاف، والمثل يكون للدنانير ونحوها وينطلق عليها اسم الجوهر، ولو بلع جوهرة لنفسه ومات هل تخرج منه
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وجهان: أحدهما: للورثة إخراجها لأنها صارت ملكهم بموته. والثاني: ليس لهم ذلك، لأنها ماله استهلكه في حياته فهو كما لو اشترى به الشهوات وأكلها، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وقال القاضي الطبري: الأول بمذهب الشافعي أن لا يشق جوفه في المسألة قبلها [٣٤٨ ب/٣] ويضمن له قيمتها من تركته، كما في الخيط إذا خاط به الغاصب وأخرجه لا ينزع، وعلى هذا قلت: إذا بلى الميت في القبر ونفقت الجوهرة فيما بين التراب ترد إلى صاحبها وتسترجع القيمة، ومن قال بالأول أجاب وقال: ليس هي كالخيط، لأنه يجوز له ابتداء غصبه بحال ليخبط خرجه لقلة خطره وعظم حرمة الآدمي، ولا يجوز ابتلاع جوهرة الغير بجال وهي الآن ملك الغير مقدور على ردها من غير إيلام حيوان فيلزم الرد عند الإمكان.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت امرأة وفي بطنها جنين متحرك، قال ابن سريج: يشق بطنها ويخرج الجنين، لأن مراعاة الحي أولى، لهذا يجوز للحي أن يأكل الآدمي الميت عند الضرورة، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا قالت القوابل الثقات: أن مثله يعيش متى أخرجنا فيخرج، وإن كان لا يعيش مثله تركناه فمن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: يشق وبه قال أبو حنيفة، والثاني: لا يشق لقوله - ﷺ -: "كسر عظام الميت ككسر عظام الحي". وهذت الولد لا يعيش في العادة. ومن أصحابنا من قال: وهو الصحيح مراد ابن سريج [٣٤٩ أ/٣] مراد هذا القائل أيضًا والذي له ستة أشهر، فإنه لا يخرج بحال. وذكر شيخنا الإمام ناصر ﵀ وجهًا في رؤوس المسائل أنه لا يشق أصلًا؛ لأنه لا يتحقق وفيه هتك حرمتها وهو بعيد لم يذكره غيره. وحكي عن أحمد أنه قال: تصطلمه القوابل، فإن خرج وإلا ترك حتى يموت ثم يدفن، وهذا غلط، لأن هذا شبه القتل فلا يجوز ذلك بحال، فإذا قلنا: يشق فينبغي أن يشق إذا وضعت في اللحد فإنه أستر لها ذكره أصحابنا. وعندي أنه يشق قبله لأنه ربما يموت بضيق النفس. وحكي أن محمد بن عجلان ولدته أمه في القبر فجاء نباش فوجده فأخرجه. وقيل: إذا قلنا: لا يشق تمسح القابلة بطنها فربما يخرج، فإن لم يخرج صبر حتى يسكن.
مسألة: قال: "ولا يُدخِلُ الميتَ قبرَهُ إلًّا الرجال ما كانوا موجودين".
الفصل
وهذا هو كما قال. وجملته أن ينوي دفن الميت وإدخاله القبر إلا الرجال ما كانوا موجودين، سواء كان الميت رجلًا أو امرأة، لأن هذا فعل يحتاج إلى البطش والقوة، والرجال أقوى على ذلك في نقله ووضعه في اللحد، ولأن المرأة عورة ولا [٣٤٩ ب/٣] يمكنها ذلك إلا بكشفها وجهها وذراعيها. فإذا تقرر هذا، فإن كان الميت رجلًا وله عصبات تساووا في الفقه فإن يتولى ذلك الأقرب فالأقرب على ما بينا في الصلاة عليه، فإنه لم يكن له عصبة فالأجانب، وإن كان أحدهم أفقه قدم الأفقه، لأن الوضع في اللحد وتناول الميت
[ ٢ / ٥٩٣ ]
إليه يحتاج إلى الفقه، ودعاء الفقيه أسرع إلى الإجابة نص عليه في "الأم"، وإن كان الميت امرأة قال في "الأم": استحب أن يكون الذي يحملها من المغتسل إلى الجنازة ومن الجنازة إلى من يحملها إلى القبر النساء، وأما إدخلها القبر فإن كان لها زوج فالزوج أحق لأنه يتعلق بمباشرتها والنظر إليها، وإن لم يكن لها زوج فعصباتها المحارم فيقدم الأب ثم الجد على الترتيب، وإن لم يكن لها خادم فخصيان الرجال أولى من الفحل، وإن كانوا أجانب فإن لم يكونوا فعصابتها الذين ليسوا بمحارم مثل ابن العم ونحوه، فإن لم يكونوا فسائر القرابات الذين ليس لهم تعصيب فإن لم يكونوا فالأجانب للضرورة. وأما النساء فلا مدخل لهن [٣٥٠ أ/ ٣] في ذلك ولكن إن كانت أكفانها مشدودة يجوز أن يتولى كل ذلك النساء عتد الضرورة، ومن أصحابنا من قال: عطف الشافعي قوله: وأقربهم به رحما على الزوج بحرف النسق وهذا يدل على أنه لا يقدم الزوج على ذي الرحم ولكن أيهما أدخلها قبرها حسن. وقال أبو حامد: يقدم من كان محرما لها من ذوي الأرحام كأب الأم والخال والعم من الأم على الخادم. وهذا أصح عندي، وذكر بعض أصحابنا بخراسان أن الشافعي نص على الخادم والخصيان وهو غريب.
مسألة: قال: "ويسترُ عليها بثوبٍ".
وهذا كما قال. هذا لا يوهم أن قبر المرأة مخصوص بالستر بثوب وليس كذلك بل الفرق في ذلك بين الرجل والمرأة، هكذا نص في "الكبير" وقال في "الأم": يستر القبر بثوب نظيف حتى يستوي على الميت لحده، وستر المرأة أوكد من ستر الرجل. وقال أبو حنيفة: إن كان رجلًا فلا يستر بخلاف المرأة، وهذا غلط لما روي أن سعد بن معاذ لما دفنه رسول الله - ﷺ - قال سعد بن مالك: كنت متمسكًا بحافة ثوبه، فأصغى رسول الله - ﷺ - إلى أسامة بن زيد، فقلت له: ما قال لك [٣٥٠ ب/٣] فقال: قال: صرت قوائم العرش لموت سعد بن معاذ، وقال ابن عباس: جلل رسول الله - ﷺ - قبر سعد بن معاذ بثوب. وإنه ليعظم قدر الميت وهو كاستحباب أن يكون موضع مغتسله مستورا فالرجل والمرأة فيه سواء، والمستحب أن يكونوا وترًا إما ثلاثة أو خمسة لأن النبي - ﷺ -: "قال إن الله وتر يجب الوتر". وروي أن عبد الرحمن بن عوف كان رابعهم وأنه الذي نزل القبر، فإن صح هذا دل على أن الشفع جائز، هكذا ذكره أصحابنا بخراسان، وذكر مشايخ العراق أنه دفنه العباس وعلي واختلفوا في الثالث، فقيل: كان الفضل بن
[ ٢ / ٥٩٤ ]
العباس وقيل: كان أسامة بن زيد وهذا أظهر وأصح عندي.
مسألة: قال: ويسلُّ الميتُ مِنْ قبلِ رأسهِ سلًا.
وهذا كما قال. عندنا يسل الميت من قبل رأسه، وذلك أن يوضع رأس السرير عند رأس القبر، ثم يسل سلَا، لأن القبر منزله، والحي إذا دخل منزله أدخل رأسه فيه من قبل رجليه، وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة بين القبر والقبلة [٣٥١ أ/٣] ويدخل الميت القبر مغترضًا ويرون أن النبي - ﷺ - أدخل معترضًا من قبل القبلة وهذا من أفحش الغلط، لأن النبي - ﷺ - كان قبره ملصقًا بجدار القبلة حتى كان لحده تخت الجدار، فلم يكن هناك بين القبر والقبلة موضع يمكن وضع الجنازة فيه. وروينا عن ابن عباس وابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - سل من قبل رأسه سلًا. ولأن عليه عمل أهل الحرمين فكان أولى، لأنه يستحيل أن يجمعوا على ترك السنة الظاهرة إلا بسلطان ظالم قاهر، ولم يكن ش ئ من ذلك.