قال: قال الله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣] الآية.
وهذا كما قال، وجملة ذلك أن التيمم في اللغة: هو القصد فقال: تيممت ثلاثًا: أي قصدته، وكان ابن مسعود﵁- يقرأ فأتوا صعيدًا طيبًا.
وقال الشافعي: في "الأم": ولا ينفع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار.
وقال بعض المفسرين: يقع على التراب وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق، والأول أشبه؛ لأن أهل التفسير قالوا في قوله تعالى: ﴿فتصبح صعيدًا [١٣٧ ب/ ١] زلقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي ترابًا أملس وقوله: ﴿طيبًا﴾ أي طاهرًا، وقال سفيان: أراد حلالًا، والأول أشبه، والأصل في التيمم ما روى عن عائشة﵂- قالت: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فافتقدت عقدًا لي من جزع ظفار، فسألت رسول الله ﷺ أن يحتبس على ليلته لأطلب عقدي، فاحتبس فأصبح الناس على غير ماء وليس معهم ماء، فأتوا أبا بكر يشكونني فدخل علي ابو بكر ورسول الله ﷺ نائم ورأسه في حجر فقال: يا لكاع حبست رسول الله ﷺ
[ ١ / ١٧٩ ]
فأوحى إليه فلما سرى عنه الوحي تلا هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣] الآية فخرج يقرأ على الناس: فتيمموا وصلوا. وجعلوا يهنون أبا بكر، ويقولون: ما أعظم بركتكم يا آل أبي بكر ما نزلت بكم نازلة إلا كان للمسلمين فيها فسحة. واعلم أن التيمم في الشرع: هو عبارة
عما جعل بدلًا عن الوضوء، والغسل وهو مسح الوجه واليدين بالتراب، وسمي تيممًا لأن القصد فيه إلى التراب شرط، ولا خلاف بين الأمة في جواز التيمم في الجملة، وأنه [١٣٨ أ/ ١] يستوي فيه الجنب والمحدث، وأنه على الوجه واليدين وحدهما، إلا أنهم اختلفوا في مقدار ما يلزمه من مسح اليدين، فقال مالك: تمسح اليدين إلى الكوعين. وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، ومكحول، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير الطبري.
ورواه أصحابنا عن علي﵁- وقالوا: لا يصح عن مالك هذا المذهب. وحكي عن الشافعي أنه قال في "القديم" رواه أبو ثور، وقال أصابنا: منصوصة في:"القديم كله" خلاف هذا، ولا يصح هذا غير الشافعي فالمسألة على قول واحد، وقيل فيه قولان وليس بشيء. وقال الزعفراني: جعله الشافعي في "القديم" موقوفًا على صحة حديث عمار، وهو أنه قال له رسول الله ﷺ "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض فتمسح بهما وجهك وكفيك". وقد روى عنه خلافه ويديه إلى المرفقين والزيادة أولى. وقال الزهري: يمسح يديه إلى الإبطين والمنكبين وقال ابن سيرين: يضرب ثلاثة ضربات ضربة لوجهه، وضربة لكفيه، وضربة لذراعيه.
وروى عن الأوزاعي، وسعيد بن المسيب، وأحمد، وإسحاق: يضرب ضربة واحدة لوجهه، وكفيه. وعندنا يضرب ضربة لوجهه، وضربة لليدين إلى المرفقين وبه قال عمرو ابن عمر، وجابر، وعلي في رواية﵃- والحسن [١٣٨ ب/ ١] ولبشعبي، والليث، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه. والدليل عليه ما روى أبو أمامة الباهلي﵁- أن النبي ﷺ قال: "التيمم ضربتان للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". وروي أنه ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه. ولأنه طهارة عن حدث فيتقدر فرض اليدين فيها إلى المرفقين، كالوضوء، أو عضو له مدخل في التيمم
[ ١ / ١٨٠ ]
فيؤتى به على ما يؤتى في الوضوء ظاهرًا كالوجه. وقال الشافعي: ومعقول إذا كان بدًلا من الوضوء على الوجه واليدين، أن يؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه، أي: هو بدل على محل الفرص من الوجه واليدين، بخلاف المسح على الخفين فإنه على سائر المحل، لا على نفس المحل. واحتجوا بما روى
أن النبي ﷺ "تيمم فمسح وجهه وكفيه" ولأن مطلق اليد منصرف إلى الكوع، بدليل قوله تعالي: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة:٣٨] وقوله ﷺ: "في اليدين الدية" فأراد إلى الكوع. قلنا: أراد به اليدين إلى المرفقين، والعرب تسمى الشيء باسم بعضه.
وأما القياس فلا يصح لأن ها هنا، تقدم ذكر المرفقين في الوضوء، وأطلق في التيمم، فيحمل المطلق على المقيد، أو بين رسول الله ﷺ مقداره هنا وفي السرقة قدر بالكوع، وفي الدية الحكم للأصابع والكف تابع بخلاف هذا، [١٣٩ أ/ ١] ثم قياس العبادة على العبادة، والطهارة على الطهارة أولى لأنها أقرب وأحوط.
واحتج الزهري بما روى عن عمار بن ياسر أنه لما نزلت آية التيمم ضربوا أيديهم في أرض ومسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب. وهذا لا يصح لأن هذا فعلهم وخبرنا قول النبي ﷺ، فكان أولي أو صار ذلك منسوخًا بخبرنا.
مسألة: قال: "والتيمم أن يضرب بيديه على الصعيد".
الفصل
وهذا كما قال. والكلام الآية في الممسوح به وما يجوز به التيمم، واختلف الناس فيه على ستة مذاهب، فقال الشافعي: لا يجوز التيمم إلا بالتراب. فأما بغيره من النورة والزرنيخ والكحل والرمل الذي هو دقاق الحجر لا يجوز. وبه قال أحمد، وداود.
وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض من التراب والكحل والزرنيخ والصعيد وجه الأرض، ولا يجوز بسحالة الذهب والفضة والنحاس.
قال: وليس من شرط التيمم أن تعلق باليد شيء حتى لو ضرب يده على صخرة صماء فإنه يجوز، وبه قال مالك، وخالفه في ذلك أبو يوسف، ومحمد، وعندنا لابد وأن تعلق باليد منه غبار، وقال مالك: يجوز التيمم بالأرض وبكل ما يتصل بها سواء كان من جنسها أو من غير جنسها، حتى أنه يجوز بالذريرة ونحو ذلك، هكذا روى عنه أبو حامد، وروي عنه مثل قول أبي حنيفة [١٣٩ أ/ ١] إلا أنه زاد فقال: يجوز بالثلج، وقال الثوري،
والأوزاعي: يجوز التيمم بالأرض وبكل ما عليها سواء كان متصلًا بها أو غير متصل كالبلح ونحوه.
وقال أبو يوسف: يجوز بالتراب والرمل خاصة. وقال ابن عباس﵁- "لا يجوز إلا بالتراب العذب تراب الحرث" وبه قال إسحاق ابن راهوية وهذا كله غلط لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا " فخص
[ ١ / ١٨١ ]
التراب، ولأنه ليس بأصل خلقة البشر فأشبه سحالة الذهب، والدليل على إسحاق أن النبي ﷺ: "تيمم من أرض المدينة وهي أرض سبخة".
واحتجوا بما روي أبو هريرة﵁- أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نكون بأرض الرمل، فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس، ولا نجد أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فقال النبي ﷺ"عليكم بالأرض" قلنا: رواه المثنى من صباح وهو ضعيف ثم يحمله على رمل يخالطه تراب؛ لأن العرب لا يقيمون في أرض لا نبات فيها، والرمل لا ينب إلا ومعه التراب. فإذا تقرر هذا، فقد ذكر الشافعي أنواع التراب التي يجوز التيمم بها.
فقال: " من كل أرض سبخها ومدرها وبطحائها" والسبخ أرض ملح لا تنبت. والمدر: هو ما جف من طين التراب طيب منبت، والبطحاء: السهل [١٤٠ أ/ ١] من الأرض من مجاري وسيول. وهذا إذا كان هناك تراب تعلق باليد غباره، فإنه لم يكن دق ذلك المكان بشيء حتى يصير ترابًا تعلق باليد غباره. وقال في "الأم": "والبطحاء الغليظة والدقيقة لا يجوز التيمم" بها وأراد به الصلبة التي لا تراب فيها.
وأما الدليل: قال في"الأم": "والكثيب الغليظ لا يقع عليه اسم الصعيد فإن تيمم به جاز" فمن أصحابنا من قال في جواز التيمم بالرمل قولان. قال ابن أحمد، ومنهم من قال وهو الصحيح: لا يجوز التيمم به قةلًا واحدًا كما قال في "الأم". وأراد بما قال في "القديم": إذا خالطه تراب ولم يكن دقاق الحجر خالصًا، ويجوز بتراب الحمأة، والحمأة: المتغيرة الرائحة، وهي طين خلق منتنًا، فإذا جفت وسحقت فإنه يصير ترابًا، ولا يجوز
بالطين الرطب لعدم غباره.
وحكي ابن وهب عن مالك أنه يجوز بناء على أن استعمال التراب في العضو لا يشترط عنده، وربنا يوافقه أبو حنيفة. قال الشافعي في "الأم": ولا يتيمم بالسبخة الثرية وهي الندية بالماء، وهي بالثاء المثلثة، تقول العرب: التقى الثريان إذا التقاء ماء السماء، وماء الأرض.
وقال الشيخ أبو حامد في المدرس التربة أو الندية، وهو مصحف وهذا لأنها كالطين لا غبار لها، فإن لم يجد غيره استجفه على بعض أداته وجسده، فإذا جف حثه ثم تيمم به، فإن خاف فوت الوقت. قال الشافعي: صلى، ثم [١٤٠ ب/ ١] إذا جف الطين تيمم وأعاد الصلاة، ولا يعتد بصلاة صلاها بلا وضوء ولا تيمم وروى عكرمة، عن ابن عباس﵁- أنه سئل عن رجل في طين لا يستطيع أن يخرج منه فقال: يأخذ من الطين فيطلى به بعض جسده فإذا جف تيمم به.
[ ١ / ١٨٢ ]
فرع
قال في "الأم": وإذا أحال التراب لصنعه فقلبه عن أن يقع عليه اسم صعيد فتيمم به لم يجز، مثل الفضة يريد بها النورة، أو يجعل أجرًا أو فخارًا فيدق ونحو هذا، ولو خرط المرمر حتى يكون غبارًا لم يجز التيمم به، وكذلك القوارير تسحق واللؤلؤ وغيره، والمسك والكافور كذلك، فإن دق الكذان فتيمم به لم يجز، وهو حجر رجو يصير بالدق كالتراب.
فرع آخر
الجص إن كان محرقًا لم يجز التيمم بترابه؛ لأن النار غيرته، وإن لم يكن محرقًا فإنه يجوز، وكذلك الاسفيداج إذا كان له غبار، إلا أن يكون معدنًا في الأرض وليس منها، فلا يجوز، ولا يجوز بالرخام والملح بحال ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
الطين الأرمني الصلب الذي يؤكل للدواء يتيمم بترابه جاز.
قال بعض أصحابنا: أراد به إذا لم يطبخ، فإن كان مطبوخًا لا يجوز، وكذلك الطين الذي يحمل من خراسان ويؤكل تسفهًا إن لم يكن مطبوخًا يجوز التيمم بترابه، وإن كان مطبوخًا، قال بعض أصحابنا: لا يجوز التيمم [١٤١ أ/ ١] بترابه؛ لأنه دخلته الصنعة فهو كالأجر. وقال المحققون من أصحابنا: يجوز التيمم بترابه وإن كان مطبوخًا، لأن اسم
الطين والتراب لم يزل عنه، وهذا هو الصحيح. وقطع القاضي الطبري به، ويجوز التيمم من الأرض الأحمر، والأسود والأصفر، والأبيض.
فرع آخر
لو ضرب يده على بعض ثيابه فعلق منه غبار جاز تيممه، ولا فرق بين الأرض والثوب في ذلك. وقال أبو يوسف: لا يجوز. وحكى هذا عن مالك، وهو وجه بعض أصحابنا. وهذا غلط لما روى أن النبي ﷺ ضرب بيده على حائط من حيطان المدينة وتيمم. فدل أنه لا يشترط ضربه على الأرض، ولأن المقصود: هو التراب الذي تعلق بيده، وقد حصل.
فرع آخر
لو وضع وجهه على التراب ومعكه فيه ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه مأمور بالمسح. والمسح يكون باليد.
والثاني: يجوز، لأن القصد وجد والآلة لا يعتبر، وهذا أصح عندي ونص عليه فيه الآية.
[ ١ / ١٨٣ ]
فرع آخر
لو أخذ الغبار من مهب الريح ومسح به وجهه ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن القصد وجد، والتعبد في الأخذ والاستعمال لا في المحل الذي يؤخذ منه التراب.
والثاني: لا يجوز لأنه لو جاز بالتراب الذي يأخذه من الهواء لكان إذا وصل إليه بالوقوف مع النية من مهب الريح يكفي، والأول أصح عندي.
فرع
لو ضرب بيده على ظهر حيوان [١٤١ ب/ ١] فإن كان طاهر العين يجوز، وإن كان كلبَا فإن علم أنه أصابه وهو يابس يجوز، وإن كان علم أنه كان رطبًا لا يجوز، وإن لم يعلم الحال، وفيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن الأصل طهارة التراب.
والثاني: لا يجوز، لأن الظاهر إن ما صحبه نجس، والأول أصح عندي.
فرع آخر
لو ضرب على بشرة امرأة، فإن كان التراب كثيرًا يمنع وصول يده إلى بشرتها جاز، وإن كان قليلًا فأخذ التراب لوجهه صح، ثم أخذ التراب ليديه بطل مسح الوجه؛ لأن لمسها حدث، وإن حصل في الأول اصطكاك البشرتين لا يجوز التيمم أصلًا؛ لأن الحدث طرئ بعد القصد إلى التراب فلا يصح التيمم به.
فرع
لا يجوز التيمم بتراب نجس، ولا فرق بين أن يكون النجس كثيرًا والتراب يسيرًا، أو النجس يسيرًا والتراب كثيرًا، وليس كالماء الكثير، لأن للماء قوة في دفع النجاسة. وحكي عن داود أنه قال: إن غير رائحة الماء لم يجز، وإن لم يغير جاز، واعتبره بالماء وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: ٤٣] ولم يرد به ما يستطاب لأنه لا يستطاب، فثبت أنه أراد الطاهر الحلال.
فرع آخر
قال في "الأم": "ولا يتيمم بتراب المقابر لاختلاطه بصديد الموتى ولحومهم" وجملة هذا أن المقبرة، إن كانت منبوشة قد يكرر نبشها فلا يجوز التيمم بترابها لما ذكر من العلة، وإن لم [١٤٢ أ/ ١] يكن تكرر نبشها فإنه يجوز التيمم بترابها، إن شك فيها ففيه وجهان بناء على القولين في الصلاة فيها إذا كانت مشكوكًا فيها: أحدها: لا يجوز لأن الظاهر نبشها، والثاني: يجوز، لأن الأصل الطهارة.
[ ١ / ١٨٤ ]
فرع آخر
قال في "الأم": لو أصابته نجاسة ذائبة فطهارته بأن يصب عليه الماء حتى يغمره وظاهر هذا أنه لا يطهر بالشمس ومرور الزمان، وقد ذكرنا فيما تقدم قوًلا آخر، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، ومنهم من قال: إنه لا يطهر قولًا واحدًا، وتأويل ما قال في "الإملاء" أنه إذا مضت السنون وجاءت الأمطار عليها، وهذا لأن قوله لا يختلف في النار أنها لا تطهر، فكيف الشمس وهذا التأويل لا يساعد لفظ الإملاء. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: فتطهر فيصلي عليها ولا يتيمم بترابها وهذه مناقضة.
فرع
لو اختلط بالتراب دقيق أو رماد أو غير ذلك من الطاهرات، فإن كان كثيرًا غلب على التراب وغير لونه أو طعمه أو ريحه فلا يجوز التيمم به، وإن كان مغلوبًا ولم تغير من التراب شيئًا. قال عامة أصحابنا: لا يجوز التيمم به، وهو ظاهر نصه. وقال أبو إسحاق: يجوز التيمم به كالماء إذا خالطه طاهر ولم يغيره، وهذا لا يصح، والفرق أن الدقيق إذا أصاب موضعًا يمنع وصول التراب إليه، والمانع غير الماء إذا أصاب موضعًا لا يمنع [١٤٢ ب/ ١] وصول الماء إليه فافترقا، ولهذا لا ينجس الماء الكثير بوقوع النجاسة فيه بخلاف التراب.
فرع آخر
لو اختلط التراب بماء الورد فتغيرت رائحته به ثم جف يجوز التيمم به، لأن بالجفاف عدم ماء الورد ونفي رائحة المجاورة. ذكره القاضي الطبري وهو على ما قاله صحيح.
فرع آخر
التيمم بتراب مستعمل، هل يجوز، قال أصحابنا: ينظر فيه، فإن تيمم من بقعة واحدة هو وغيره يجوز بلا إشكال، لأن ما أبقى لم يزل يتيمم به فهو كبقية الماء في الإناء. وأما ما يسقط فهو من أعضاؤه ويتناثر منه، فالمنصوص في "الأم" أنه مستعمل وهو اختيار القفال وجماعة. وقال بعض أصحابنا: هذا غير مستعمل فيجوز التيمم به، لأن المستعمل هو الباقي على العضو. وأما الساقط فإنه لم يلاق العضو، وإنما لاقى ما لاقى العضو، وقيل: فيه وجهان ولا معنى له مع النص الذي ذكرنا، ولفظه في "الأم"، وإن علق بيديه شيء كثير فمسح به وجهه لم يجز أن يأخذ ما على وجهه فيمسح به ذراعيه. وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز استعمال المستعمل من التراب؛ لأنه لا يرفع الحدث. بخلاف الماء. وهذا غلط، لأنه ارتفع به المنع من الصلاة، فأدى به فرض الطهارة، فلا يجوز أداء الفرض به ثانيًا.
[ ١ / ١٨٥ ]
فرع آخر
قال في "الأم": "ولو أخذ التراب من رأسه أو غير ذلك من بدنه فأمره على وجهه جاز؛ لأنه غير [١٤٣ أ/ ١] مستعمل كما لو أخذ من ثوبه.
مسألة: قال: " وينوي بالتيمم الفريضة".
وهذا كما قال النية هي شرط صحة التيمم، وينوي استباحة الصلاة على ذكرنا، ثم إن نوى استباحة النوافل يصلي ما شاء منهما بخلاف الفرائض؛ لأن الفرائض محصورة، فالأمر بالتيمم لكل واحدة منها لا يؤدي إلى المشقة، والنوافل غير محصورة بالأمر التيمم لكل واحدة منها يؤدي إلى المشقة، وإلى أن يترك الناس النوافل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج أنه لا يصح التيمم لاستباحة النفل أصلًا؛ لأنه لا ضرورة إليه، وقال الشافعي: "وينوي بالتيمم الفريضة" ومعناه فريضة الصلاة، وهذا هو نظير المغصوب إذا استأجر رجلًا لحجة التطوع، هل يجوز؟ فيه قولان، ولا يجوز له أداء شيء من الفرائص به؛ لأن النوافل لا تستبيح الفريضة قولًا واحدًا. وقال أصحابنا بخراسان: فيه قولان أحدهما: هذا، والثاني: نص عليه في الإملاء يجوز له أداء الفريضة به، ذكره أبو يعقوب الأبيوردي، ولم يذكر أصحابنا بالعراق هذا النص أصلًا.
فرع
لو نوى به أداء صلاة فريضة وعينها يجوز له أن يؤديها، وما شاء من النوافل، وفيه وجه أنه لا يجوز أداء النوافل بها وليس بشيء.
فرع آخر
هل له أن ينتفل قبل أداء الفريضة. قال في " الأم" له ذلك وقال في "البويطي" [١٤٣ ب/ ١]: لا يتنفل قبلها ويتنفل بعدها، وبه قال مالك وأحمد، لأن التابع لا يسبق المتبوع، كالعصر لا تسبق الظهر عند الجميع في وقت الظهر، وهذا غلط، لأنها تتبعها في الاستبحة لا في الفعل، ولو كانت تتبع في الفعل لوجب أن يكون عقيب الفريضة خاصة، ولأن ركعتي الفجر تسبق صلاة الصبح وهي تابعة؛ فانتفض ما قاله: ولو نوى به أداء الفريضة والنافلة يجوز له أن يتنفل قبل الفريضة وبعدها قولًا واحدًا.
فرع آخر
لو نوى به رفع الحدث أو الطهارة عن الحدث فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه يرفع الحدث وهو الأظهر.
والثاني: يصح، لأن نية رفع الحدث تتضمن استباحة والتيمم مبيح الصلاة، وإن لم يرفع الحدث.
[ ١ / ١٨٦ ]
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: التيمم يرفع الحدث كالوضوء فتجوز هذه النية.
فرع آخر
لو نوى به استباحة الصلاة مطلقًا فإنه يستبيح النوافل، ويستبيح به أيضًا المصحف، وقراءة القرآن، ووطء الحائض؛ لأن النافلة هي أكد من كلها. وبه قال مالك، وأحمد، ومن أصحابنا من قال هذا إذا قلنا يصح التيمم لصلاة النفل، فإن قلنا لا يصح التيمم لها، فيه وجهان بناء على ما لو نذر أن يصلي كم يلزمه من الصلاة؟ فيه قولان: أحدها: يلزمه ركعتان لأنه أقل من الفرض. والثاني: [١٤٤ أ/ ١] يلزمه ركعة، لأنه أقل ما يتقرب به، فإن حملنا على ركعتين يصح تيممه، وإن حملنا على ركعة لا يصح تيممه، لأنا حملناه على التطوع وذلك لا يصح ههنا، ولو نوى مس المصحف، أو نوى به الجنب قراءة القرآن يصلي به فرضًا، لأنه لم يقصره، وهل يجوز له أن يصلي به النفل؟ فيه وجهان: أحدها: يجزيه، لأن النفل لا يفتقر إلى تعيين النية له.
الثاني: لا يجزيه، لأن نفل الصلاة هو أوكد بما يتيمم له، فلا يستبحه بالتيمم لما هو أخف منه ويستبيح به ما نوى. ومن أصحابنا من قال: التيمم لمس المصحف وحمله يجوز إن كان محتاجًا إليه، فإن لم يكن معه في السفر من يحمله، وإن لم يكن محتاجًا إليه، هل يجوز؟ فيه وجهان والمشهور جوازه. وعند أبي حنيفة: إذا تيمم بنية الصلاة مطلقًا أو مس المصحف يجوز له أن يصلي به الفرض أيضًا، وهو قول مخرج لنا.
فرع آخر
لو نوى به أداء صلاة فريضة ولم يعينها، نص الشافعي أنه يجوز، لأنه قال: "وينوي بالتيمم الفريضة "ولم يشترط التعيين. وقال في "البويطي ": لو تيمم ونوى لمكتوبتين لم تجز إلا الصلاة واحدة، فلو كان التعيين شرطًا لم يجزه لواحدة منهما لأنها لا تتعين. وقال في "الأم " [١٤٤ ب/ ١]: لو تيمم لصلاتي فرضي وصلاهما صحت الأولى دون الثانية. ومن أصحابنا من قال: يلزمه التعيين وهو اختيار أبي إسحاق؛ لأنه لما وجب نية الفرض وجب التعيين كالصلاة، وهذا غلط لأن الأحداث الموجبة للطهارة لا تحتاج إلى تعيينها، لأن الجنب لو نسى الجنابة فتيمم للحدث يجوز، فلم يفتقر إلى تعيين المستباح أيضًا، ويخالف الصلاة لأنها تحتاج إلى تعيين الفرض من النزر، فاحتاجت إلى تعيين الفعل، فعلى هذا إذا نوى صلاة. بعينها له أن يصلي غيرها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تيمم لمكتوبتين لا يجوز التيمم أصلًا لشيء منها وجهًا واحدًا، وهو خلاف النص الذي ذكرنا وليس بشيء.
فرع آخر
لو نوى تيممه تيممًا فرضًا هل يصح تيممه؟ قال القفال: فيه وجهان:
[ ١ / ١٨٧ ]
أحدهما: يجوز لظاهر قوله: وينوي بالتيمم الفريضة.
والثاني: لا يجوز وتأويل اللفظ: وينوي بالتيمم الصلاة المفروضة. وقيل: لم يقل الشافعي ذه اللفظة، وإنما قالها المزني. فإذا قلنا: يجوز فكأنه لم يزد على استباحة أقل الأمرين، وهو النفل، وهل يصلي به الفرض على ما ذكرنا.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو تيمم للفائتة فلم يصلها حتى دخل وقت الفريضة له أن يصلي صلاة الوقت به، وهذا إذا قلنا: لا يجب تعيين النية. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى [١٤٥ أ/ ١] التيمم للفريضة قبل دخول وقتها، وعندنا لا يجوز ذلك، ويمكن أن يجاب، فإنه تيمم للفريضة قبل دخول وقتها فقد تيمم وهو مستغن عن التيمم لها فلا يجوز، وههنا كان محتاجًا إلى التيمم للفريضة الفائتة، فجاز أداء فريضة أخرى به.
فرع آخر
قال ابن الحداد: ولو تيمم لصلاة الفريضة بعد دخول وقتها ثم تذكرنا فائتة، فأراد أن يؤديها به فإنه يجوز أيضًا. قال القفال: هذا صحيح والصحيح في الفرع الذي تقدمه ما قال ابن الحداد أيضًا، ولا معنى للوجه الآخر، ولا يصح الفرق بين المسألتين؛ لأن الفائتة قبل التذكر كصلاة الوقت قبل دخول الوقت، بدليل أنه لا يجوز التيمم للفائتة قبل التذكر، كما لا يجوز التيمم مثل دخول الوقت لصلاة الوقت، فكما جاز أداء الفائتة إذا تذكرها بتيمم نوى به فريضة الوقت، جاز أداء صلاة الوقت بتيمم نوى به صلاة الفائتة قبل وقت الحاضرة ولا فرق.
فرع آخر
لو تيمم للفريضة بعد دخول وقتها ثم نذر الصلاة ففي جواز أدائها بذلك التيمم بدلًا من المنوية وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأنه سبق وقت النذر.
والثاني: يجوز وأصله ما ذكر أصحابنا فيمن تيمم لصلاة الفائتة فقبل أن يصليها دخل وقت الحاضرة، هل له أداؤها بذلك التيمم؟ وجهان.
فرع آخر
لو ضرب يده على التراب ليمسح به [١٤٥ ب/ ١] وجهه، فقبل أن يصلي إلى وجهه أحدث، ثم مسح وجهه بذلك التراب لا يصح، لأن القصد إلى التراب هو كالنية، فلا يجوز أن يتقدمه بخلاف ما لو أخذها من الماء ليغسل به وجهه، ثم أحدث، ثم غسل به وجهه جاز، لأن القصد إلى الماء لا يجب، ذكره الإمام الحسين ﵀.
فرع آخر
لو كانت يده ملطخة بالدم وجف ذلك على يده، فضرب يده على التراب ومسح به
[ ١ / ١٨٨ ]
وجهه جاز، لأن التراب (طاهر) لم يخلطه بنجاسة.
فرع آخر
نية الجنب، والمحدث، والحائض، والنفساء في التيمم سواء، ولو تيمم قبل البلوغ ينوي به صلاة الفريضة، ثم بلغ هل يصلي به الفريضة؟ قال أهل العراق: لا يجوز له أن يصلي به الفريضة؛ لأنه غير ملتزم الفرض قبل بلوغه، وقال القفال: فيه وجهان.
مسألة: قال: "وَالتَّيمُّم أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى التُّرَابِ ".
الفصل
وهذا كما قال. الكلام الآن في كيفية التيمم، وفيه فصلان:
أحدهما: في الجائز. والثاني: في الأفضل.
فأما الجائز فهو أن يمر التراب على موضع الغسل من وجهه ويديه إلى المرفقين إلا البشرة التي هي تحت الشعر، فإنه لا يجب إمرار التراب عليها، ويجزيه إمرار التراب على ذلك الشعر بخلاف الوضوء، لأن ذلك يشق، والمامور في المسح لا الغسل، ولا فرق في بين الضربة والضربتين والثلاث، ولا بين أن يضرب [١٤٦ أ/ ١] بإحدى يديه أو بإحدى رجليه مثلًا، أو بغير ذلك من بدنه أو يدني وجهه من الأرض، لأن الواجب هو إيصال الطهور إلى مواضعه نص عليه في "الأم ". قال أصحابنا: وعلى هذا لو أخذ التراب بخشبة وأمرها على العضوين يجوز ولو يممه غيره نص في "الأم "أنه يجوز. وقال ابن أبي أحمد في. "التخليص": لا يجوز تحريجًا، وهذا غلط لأنه يجوز أن يوضئه غيره فكذلك التيمم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان وهو غلط، ولو كان أقطع اليدين فلم يجد من ييممه، فإن قدر على أن يلوث خديه بالتراب، أو يأخذ برجله ويمسح به وجهه فعل وأجزأه، فإن لم يقدر عليه لوث منه ما قدر وصلى، وأعاد متى قدر على وضوء أو تيمم؛ لأنه عذر نادر. وأما لأفضل فالمستحب بعد النية والتسمية أن يضرب ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين، ويستحب أن لا يزيد على ضربتين، ووصف الشافعي كيف يمكن مسح الوجه واليدين بضربتين في "الأم "وفيما نقله المزني، فالذي قال في "الأم "هو أن يضرب ضربة ويمسح بها وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى ويضع ظهر كفه اليمنى في بطن كفه اليسرى فيمرها على ظهور أصابع يده اليمنى والإبهام معرض، فإذا انتهى إلى الكوع قبض بأصابعه وبطن كفه على ظهر الذراع، وبإبهامه على بطن الذراع فيمرها على هيئتها على أن يدخل المرفق في المسح، فإن [١٤٦ ب/ ١] بقي شيء من يده لم يمر عليه لغلظ ساعد أو غير ذلك أمر يده عليه قبل أن ينفصل إحدى اليدين عن
[ ١ / ١٨٩ ]
الأخرى، ليكون استعماله واحدًا، ثم يصنع بالأخرى مثل ما صنع باليمنى ويجزيه، والذي نقله المزني وهو الصحيح أن يضرب على التراب ضربة للوجه، ثم يضرب ضربة ويمسح ذراعه اليمنى واليسرى، فيضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى وأصابعها، وإنا قال: يضع كفه اليسرى ولم يقل يضع كفه اليمنى؛ لأن اليسرى هي العاملة في اليمنى، وأصحابنا يقولون: يضع ظهور أصابعه اليمنى على بطون أصابعه اليسرى والإبهام، وهو مراد الشافعي، وإنما يضع بطون أصابع كفه اليسرى على ظهور أصابع كفه اليمنى، لأنه يحتاج إلى التراب الذي على باطن راحته اليسرى لبطن ذراعه اليمنى، ثم يمرها على ظهر ذراعه اليمنى إلى مرفقه، ثم يدير كفه إلى باطن الذراع، ثم يقبل بها إلى كوعه وبطن غبهامه اليسرى بحاله، ثم يمره على شيء فيمره على ظاهر إبهامه، فإن بقي موضع لم يمر التراب عليه أمر يده عليه قبل أن يفصل عن يده اليمنى، فإذا فعل ذلك فقط سقط فرض يده اليمنى وفرض بطن كفه اليسرى، ثم يصنع بيده اليسرى ما صنعه باليمنى ويسمح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل أصابعهما حتى إن بقي موضع لم يصل إليه التراب أو وصل [١٤٧ أ/ ١] إليه. الكوع: هو العظم الناتئ الذي يلي الإبهام. والكرسوع: هو العظم الناتئ الذي يلي الجانب الآخر الذي فيه الخنصر. ومن أصحابنا من قال: يبدأ في التيمم بأسفل وجهه ثم يستعلى لأن الماء في الوضوء إذا استعلى به تحدر بطبعه، فعم جميع وجهه، والتراب لا يجري على الوجه إلا بإمراره باليد، فيبدأ بأسفل وجهه ليقل ما يحصل في أعلاه من الغبار ليكون أحمد وأسلم لعينه، وعامة الأصحاب لم يفرقوا هكذا، وإنما لم يؤمر بمسح الرأس والرجلين فيه؛ لأن في مسح الرأس بالتراب مضاهاة لأرباب المصائب، والرجلان لا تخلوا التراب منما في السفر غالبًا.
فرع
مسح إحدى الراحتين بالأخرى هل يجب أو يستحب؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يستحب ولا يجب؛ لأنه حين ضرب يديه على الأرض في المرة الثانية وصل الطهور إلى محله بقصده، والنية موجودة، والوقت وقت أداء فرضه لفراغه عما قبله، فلا وجه لأن لا يسقط فرضه، إلا أنا أبحنا أن نمسح بذلك التراب ذراعه الأخرى للحاجة، ولم يجعله مستعملًا أو لا يمكنه أن يمسح الذراع من يد بكف اليد بخلاف الماء، فإنه يمكنه أن يقلب من كفه على ذراع تلك اليد، فقلنا: لا يجوز أن يستعمل ما رفع الحدث عن كفه في اليد الأخرى، ومنهم من قال: يجب لأنه حين ضرب يده [١٤٧ ب/ ١] على الأرض لم يؤد به فرض الكف، إذ لو أدى لصار التراب مستعملًا، فلا يصلح لاستعماله في يده الأخرى، لأنه لابد من انفصال الغبار عن اليد، والطهور إذا وصل إلى العضو وسقط به الفرض والفضل كان مستعملًا لا محالة، فحكمنا ببقاء فرض الكف حتى لا يكون التراب مستعملًا حين يمسح به ذراعه، وبمسح الذارع لا يسقط الفرض في الكف؛ لأنه آلة في العمل فيمسح إحدى الراحتين في الأخرى بعد الفراغ
[ ١ / ١٩٠ ]
من مسح (الذراعين) ببقية الغبرة الباقية عليها وسقط الفرض. وعلل القفال مهنا فقال: يجب لأنه مسح بهما غيرهما. فأما مسحهما فإنه لم يقصده، فالآن يمسح كل واحد منهما بصاحبه ليحصل القصد، وقيل في تعليله: الماء الحار بطبعه فيصل إذا جرى إلى جميع العضو، والتراب جامد لا يكاد يصل إلى تكاسير العضو إلا بإمراره، والأول أصح، وعلى هذا إذا وصل التراب إلى ما بين الأصابع هل يستحب التخليل أو يجب على هذين الوجهين. فإن قيل: أليس قلتم أنه إذا وضع يده على الأرض سقط عنهما بذلك الفرض، فصار ما في يديه من التراب مستعملًا، فكيف بمسح بإحداهما الأخرى وعندكم نقل الماء من إحدى اليدين إلى الأخرة لا يجوز؟ قلنا: كما ذكرنا من الضرورة فصار النقل ها هنا من إحدى اليدين إلى الأخرى بمنزلة [١٤٨ أ/ ١] نقل الماء في العضو الواحد من بعضه إلى بعض، أو يقول عندنا: إن اليدان تجريان مجرى العضو الواحد، وإنما لم يجز نقل الماء في الوضوء لأجل انفصاله، وها هنا لا يوجد الإنفصال، والعلة الأولى هي أصح.
فرع آخر
قال في "الأم ": وإذا كان التراب دفعًا فعلق بيده شيء كثير فلا بأس أن ينفض يده.
قال أصحابنا: والأصل في ذلك ما روى أسلع﵁- قال: قلت لرسول الله ﷺ أنا جنب، فنزلت آية التيمم فقال: "يكفيك هذا "فضرب بكفيه الأرض ثم
نفضهما ثم مسح بهما وجهه، ثم أمر على لحيته، ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما.
فرع آخر
لا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الحاجبين والعذارين والشارب
ومن أصحابنا من قال: يجب ذلك، وهذا غلط لأن النبي ﷺ اقتصر على ضربة للوجه، وبذلك لا يمكن إيصال التراب إلى باطن هذه الشعور.
فرع آخر
قال الشافعي ها هنا: يضرب يديه على الأرض. وقال في موضع آخر: يضع يده، وليست المسألة على قولين، فالذي قال: يضرب إذا كان التراب خشنا لا يعلق باليد بالوضع، والذي قال: يضع وإذا علق التراب به.
فرع آخر
لو وقف في مهب الريح وأحضر النية وعمد الريح فسفت عليه [١٤٨ ب/ ١] التراب.
[ ١ / ١٩١ ]
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز تيممه لأن الشافعي قال في "الأم ": ولو سفت الريح عليه ترابًا فعمه فأمرها على وجهه لم يجزه لأنه لم يأخذه لوجهه، وإن أخذ من رأسه فمسح به وجهه جاز لأنه أخذ التراب لوجهه. وقال بعض أصحابنا: يجوز ذلك إذا أمر يده على وجهه. قاله القاضي أبو حامد وما ذكر الشافعي إذ لم يقصد الريح ولم ينو فحصل للتراب عليه ثم أمر يده، فأما إذا قصد الوقوف أو نوى وأمر يده فقد حصل المقصود فيجوز، وعامة الأصحاب على أنه لا يجوز، وهو اختيار صاحب الإفصاح، وابن أبي أحمد، وحملوا كلام الشافعي على ظاهره، ولو لم تمر يده عليه ولكنه نوى وتحقق أنه عمه، ظاهر المذهب أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدها: يجوز وهو اختيار الإمام الحليمي، والقاضي الطبري؛ لأنه أوصل غيره الراب إلى وجهه مع حضور نيته، فجاز كما لو يممه غيره، وكما نقول في الضوء: إذا وقف تحت المطر حتى جرى الماء على أعضائه يجوز، وهذا هو الصحيح عندي. ورأيت بعض أصحابنا حكى هذا عن الشافعي أنه قال في "القديم ": ومن قال بالقول علل بأنه يتقرر إيصال التراب إلى تمامه من غير مسح بخلاف الماء؛ لأنه يجري. وعلل أيضًا بأنه إذا لم تمر اليد لا يسمى مسحًا، والأمر ورد بالمسح، وهذا [١٤٩ أ/ ١] لا يصح؛ لأن جوابنا هذا إذا تيقن وصول التراب إلى كل محل
الفرص، وقد يعلم الإنسان من نفسه ضرورة واسم المسح لا يراعى، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولو قطر عليه من المطر يجوز، ولم يوجد اسم المسح فدل على أن المعتبر وصول الطهور إلى محل الفرض، وقد وجد ذلك فيجوز.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو أخذ التراب من الوجه ثم أعاده إلى الوجه ومسحه به مع النية وجهان، وكذلك لو نقل التراب من يده إلى وجهه فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه نقل من محل الفرض. والثاني: يجوز لأنه حصل القصد والنية، وهذا أصح. والوجه الأول ليس بشيء. فإذا تقرر، هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: هذا التدقيق والترتيب الذي ذكره المزني عن الشافعي في وصف التيمم لا يجب ولا يبين، فإنه لو أخذ بكفه ترابًا فمسح يده به أو بعضها، ثم أخذ كفًا آخر فمسح الباقي جاز، ولكن ذكره جوابًا لما قال مالك أنه ورد الخبر ضربة للوجه وضربة لليدين، وبالضربة الواحدة لا يمكن المسح إلى المرفقين، فدل أنه لليدين إلى الكوعين، فأراد الشافعي أن يبين كيف يمكنه بضربة واحدة مسح اليدين إلى المرفقين. وقال أيضًا: إنما أمر يوضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى ولم يأمر بوضع كفه اليمنى على بطن كفه اليسرى [١٤٩ ب/ ١]؛ لأنه يحتاج في التيمم إلى نقل التراب إلى المحل الممسوح، ولا يجوز
[ ١ / ١٩٢ ]
على ظاهر المذهب نقل الموضع الممسوح إلى التراب، بخلاف الوضوء فإنه يجري فيه كل واحد منهما؛ لأنه لم يؤمر فيه مع النية بالقصد بخلاف التيمم، والقصد نقل التراب إلى المحل الممسوح، وهذا خلاف ما ذكرنا في النص، وهو غير صحيح؛ لأن القصد يوجد في كلا الموضعين من غير إشكال فلا يتعين بهذا الفرق. وقد بينا لماذا أمر بوضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى.
وقال القفال: نقل المزني في الضربة الأولى: ويفرق أصابعه وصوبه على ذلك جميع أصحابنا، وعندي أنه غلط في النقل، ولم يذكر الشافعي ذلك في المرة الأولى بل ذكره في المرة الثانية؛ لأنه بها يخلل بين أصابعه ولا يحتاج إليه في الضربة الأولى. قال: ولو فرقه في الضربة الأولى لم يجز تيممه؛ لأن الغبار الأول تعلق بما بين الأصابع، ويمنع وصول الثاني إلى ما بين الأصابع في المرة الثانية، فإذا خلل أصابعه يصير ما بينهما ممسوحًا بغبار أخذه في الضربة الأولى، ومن شرط الغبار الذي تمسح به اليد أن يقصد أخذه بعد الفراغ من مسح الوجه.
وقال غيره من أصحابنا: لو فرق أصابعه في الضربة الأولى لم يضره؛ لأنه إذا مسح وجهه بالضربة الأولى تبقى بين أصابعه تراب غير مستعمل، فإذا مسح [١٥٠ أ/ ١] به جاز،
وهذا هو القياس. وقيل: فيه وجهان، ولا يجوز هذا الإطلاق عندي.
مسألة: قال: "وَإنْ أَبْقَى شَيْئَا مَمَّاَ كَانَّ يَمُرُّ عَلَيهِ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى ضَلَّى أعاد ".
وهذا كما قال: إذا تيمم وصلى، ثم علم أنه ترك موضعًا من ظاهر وجهه أو يديه لم يمر عليه التراب، فصلاته باطلة قليلًا كان أو كثيرًا، فإن كان المتروك من الوجه، فإن مسح اليدين لا يعتد به، فإن كان الوقت قريبًا أمر التراب على الموضع المتروك من الوجه ومسح اليدين وأعاد الصلاة، وإن تطاول هل يستأنف التيمم أو يبنى؟ على ما ذكرنا من القولين، وإن كان من اليدين فإن كان قريبًا أمر التراب على الموضع المتروك وإن تطاول فعلى ما ذكرنا. وهذا لأن الترتيب فيه شرط، ولو بدأ فمسح يديه، ثم مسح وجهه لم يجز مسح اليدين، ومسح الوجه يجوز إن لم يكن عرفت نيته عند مسح الوجه. وروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة أنه قال: إذا مسح أكثر الوجه لأنه يشق استيعاب الوجه بضربة واحدةن وربما يقولون: إن كان قدر الربع جاز، وربما يقدرون بقدر درهم، وهذا غلط؛ لأن أكثر اوضوء لا يقوم مقام الكل كما في الوضوء، وإن قدم يسرى يديه على اليمنى أجزأه كما ذكرنا في الوضوء، وإن كان أقطع اليدين ففيه المسائل التي ذكرناها في الوضوء. ويستحب أن يمر [١٥٠ ب/ ١] التراب على المنكبين إذا كان أقطع من المنكبيين، وعلى العضدين إذا كان أقطع من فوق المرفقين كما قلنا في الوضوء.
[ ١ / ١٩٣ ]
فرع
تجديد التيمم لا يستحب ويتصور ذلك في موضعين:
أحدهما: أن يتيمم ويصلي فريضة ولم يبرح عن موضعه وقلنا: لا يجب الطلب في التيمم الثاني، فأراد أن يحدد كصلاة النقل فلا يستحب؛ لأن في تشويه للخلقة. فأما إذا قلنا: إن الطلب واجب للتيمم الثاني بطل تيممه الأول، ثم أراد تجديد التيمم لصلاة النقل لا يستحب ذلك.
فرع آخر
تطويل الغرة فيه والتحجيل لم يرد به الخبر. وقد قال أصحابنا: يستحب فيه تطويل التحجيل لأن عند الزهري يجب مسح اليد إلى الإبط فيخرج به عن الخلاف.
مسألة: قال: "فَلَوْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ فَتَيَّمَم للْحَدَثِ أَجْزَأَهُ".
وهذا كما قال: يجوز للجنب إذا عدم الماء أن يتيمم. وبه قال جماعة من الصحابة والفقهاء، وقال عمر، وابن مسعود﵄-: لا يجوز التيمم وتؤخر الصلاة حتى يغتسل ويقضي. وبه قال النخعي. وقد روى رجوعهما عنه، وهو الصحيح، والدليل على هذا ما روى أن النبي ﷺ قال لأبي ذر "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج ".
وروى عن عمار﵁- أنه قال: أجنبت أنا وعمر بن الخطابن فتمعكت [١٥١ أ/ ١] أنا في التراب وصليت، وعمر﵁- لم يصل، فرجعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنما يكفيك هكذا" وعلم التيمم ولو كان جنبًا من الجماع، فظاهر المذهب أن ذكره نجس ويلزمه أن يغسل ذكره بالماء، فإن لم يكن معه هذا القدر من الماء تيمم وصلى وأعاد الصلاة.
وقد قال الشافعي في "الأم "والرجل المسافر الذي لا ماء معه والمعزب في الإبل أن يجامع أهله ويجزيه التيمم إذا غسل ما أصاب ذكره، وغسلت المرأة ما أصاب فرجها، وهذا نص فيما ذكرنا. والمعزب: هو المنفرد برعيها. ومن أصحابنا من قال: ذكره طاهر ورطوبة فرج المرأة طاهرة.
وذكر في الحاوي أن الشافعي قال في بعض كتبه: أنها طاهرة كالمنى ورأيت بعض أصحابنا احتج على طهارتها لما روي عن عائشة﵂- أنها قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو في الصلاة " ومنيه كان من الجماع في الغالب؛ لأنه لا يجوز عليه الاحتلام وهذا حسن، والمشهور ما تقدم.
ومن أصحابنا من قال: "إن الرطوبة وإن كانت طاهرة كالعادة أن يخرج منه المذي أو
[ ١ / ١٩٤ ]
لا إذا ابتدأ بالوطئ فتنجس به وهذا عندي ضعيف.
فإذا تقرر هذا رجعنا إلى المسألة فنقول: إنه [١٥١ ب/ ١] إذا نسي الجنابة وتيمم للفريضة معتقدًا أنه محدث ثم تذكر الجنابة صح تيممه؛ لأن التيمم من الحدث ومن الجنابة واحد، وهو على الوجه واليدين، وكل شيئين طهارتهما واحدة، فالخطأ من أحدهما إلى
الآخر لا يمنع صحة الطهارة، كما لو توضأ وهو يعتقد أن حدثه بولًا فكان ريحًا، أو اغتسلت من جنابة وكانت فساء يجوز بالإجماع، ويخالف هذا إذا أعتق رقبة عن الظهار وكان عليه رقبة عن الجماع في صوم رمضان لا يجوز، وعليه أن يعتق رقبة أخرى عن الجماع في صوم رمضان؛ لأنهما مقصودان بأنفسهما فلا يعذر في بالخطأ. وقيل: ما ذكره المزني من العلة لم يقلها الشافعي؛ لأنه لو صحت هذه العلة لوجب أن يقال: إذا قضى العصى ثم بان أن فاتته الظهر فإنه يجوز؛ لأنه لو تذكر الظهر لم يكن عليه أكثر من أربع ركعات، ولا يجوز أن يقال ذلك، وكذلك في مسألة العتق وجب أن يجوز، والعلة عند الشافعي هي أن التيمم لا يرفع الحدث فلا معنى لنية الحدث الذي يتيمم عنه فيه، وإنما يحتاج أن ينوي استباحة الصلاة، فإذا نواها صح ولا يضره الغلط فيما يتيمم عنه؛ لأن أكثر ما فيه أن يجعل ما غلط فيه، كأنه لم ينوه، فتبقى معه نية استباحة الصلاة وهي كافية له، وبهذا فارق ما لم نوى المقتدي [١٥٢ أ/ ١] بالإمام الإقتداء بزيد، ثم بان أن إمامه عمر، ولم يجز لأن عليه نية الإقتداء جملة، فإذا غلط جعل كأنه لم ينو الإقتداء بهذا الإمام، وكذلك لو غلط في نية الصلاة على الجنازة، فنوى أن الميت رجل فإذا هو امرأة أو امرأة فإذا هو رجل لا يجوز؛ لأن عليه نية الصلاة على الميت جملة، فإذا أخطأ صار كأنه لم ينو، وههنا ليس عليه فيه الحدث الذي يتيمم عنه أصلًا فلا يضره الغلط فيه، كما لا يضر الغلط في النوم في الصلاة.
وأما الوضوء والغسل يرفعان الحدث فيجوز فيهما نية رفع الحدث دون استباحة الصلاة، وفيه استباحة الصلاة، وقد رفع الحدث وإحدى النيتين تتضمن الأخرى فيصير بنية إحداهما ناويًا للأخرى لا محالة، فلا يضر الغلط فيما نواه من الحدث.
فإذا تقرر هذا ذكر المزني فصلين مشكلين، ونحن نفصل أحدهما عن الآخر، فالأول قوله: ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحدث.
قصد به الرد على ربيعة أستاذ مالك، حيث قال: لو أخطأ في الجنس الواحد من نوع إلى نوع جاز، كالحائض تنوي غسل الجنابة، والبائل ينوي حدث الغائط؛ لأن الغسل هو الواجب في الموضعين، أو الوضوء. فقال المزني: كما لا يضر الخطأ من النوع [١٥٢ ب/ ١] إلى النوع وجب أن لا يضرب الخطأ من الجنس إلى الجنس، ونهاية هذا الفصل إلى قوله: ولا يقول بهذا أحد نعلمه. ثم ابتدأ الفصل الثاني فقال: ولو كان الوضوء يحتاج إلى النية كما يتوضأ له قصد به الرد على مالك حيث قال: تعيين الحدث شرط في صحة الوضوء من غير غلط يقع فيه، حتى لو نوى الوضوء عن البول وحدثه ريح لم يجز.
[ ١ / ١٩٥ ]
قال المزني: لو توضأ لصلاة الجنازة أو الناقلة جاز أداء الفريضة بها، وإن لم يعينها فكذلك التعيين في الطرف الثاني لا يلزم فاعتبر، ما يتوضأ عنه ما يتوضأ له. هكذا حكى أصحابنا بخراسان عن مالك. وقيل: مذهب اختيار الربيع والبويطي. وقال أصحابنا بالعراق: مذهب مالك وأحمد مثل ما ذكرنا عن ربيعة. وذكر بعض أصحابه أنه لو وافقنا عند النسيان وإنما الخلاف إذا ذكر الجنابة والحدث فنوى استباحة لأجل الحدث ففيه عن مالك روايتان، وقيل قول المزني في أثناء الكلام وإنما عليه أن يتطهر للحدث يحتمل أنه أراد أن التيمم يرفع الحدث وهذا يخالف قول الشافعي، وإن لم يكن هذا مراده لا يكون مخالفًا وقوله: إنما عليه أن يتطهر من الحدث أن أراد في الوضوء فهو مصيب في الجواب فخطئ في الاستدلال، وإن أراد في التيمم [١٣٥ أ/١] فهو مخطئ في الجواب والاستدلال؛ لأنه لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث، وإن جاز ذلك في الوضوء.
مسألة: قال: "وإذا وجد الماء بعد التيمم اغتسل".
الفصل
وهذا كما قال: إذا تيمم ثم وجد الماء يلزمه استعماله، ويجوز له أن يصلي بذلك التيمم. وروى هذا عن أبي موسى الأشعري﵁، واحتجوا بأنه وجد المبدل بعد الفراغ من البدل فلا يؤثر، كما لو وجد العتق بعد الصوم في الكفارة، وهذا غلط لقوله ﷺ للجنب المتيمم"إذا وجدت الماء فأمسه جلدك" ولأن التيمم لا يراد لنفسه، بل يراد للصلاة، وهو بدل فإذا قدر على الأصل قبل الشروع في المقصود لزمه العود إلى الأصل، وبهذا فارق ما قاس عليه، ولو وجد الماء بعد الشروع في تكبيرة الافتتاح قبل فراغه منها بطل تيممه أيضًا، ويلزمه العود إلى الماء، ولو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلومه إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في الوقت، وفي غير الوقت. وقال طاووس وحده: يلزمه الإعادة. وروى عنه أنه قال: لا يعيب في الوقت، وهذا غلط لما روى أن رجلين كانا في سفر، فعندما الماء وتيممًا وصليًا، ثم وجدوا أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر، ثم قدما على رسول الله ﷺ وذكرا له [١٥٣ ب/١]، فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة أجزأتك صلاتك" وقال للذي أعاد لك أجران". وروى عن ابن عمر﵁- أنه تيمم
بالمربد وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة بعد ولم يعد الصلاة. ولأنه فرغ من المقصود بالبدل ثم وجد الأصل فلا إعادة. كالمرأة تفرغ من العدة بالشهور ثم ترك الأقراء، أو يقيس على ما بعد خروج الوقت. قال أصحابنا: ولا يستحب له الإعادة في هذه المسألة أيضًا،
[ ١ / ١٩٦ ]
كما لا يجب، ولو وجد الماء بعد الشروع في الصلاة قبل الخروج منها بنى على صلاته، ولا يلزمه الخروج، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وأبو ثور وداود، وقال أبو حنيفة والثوري، وهي رواية عن أحمد: تبطل صلاته، وهو اختيار المزني وابن سريج، إلا أن أبا حنيفة يقول: لو كان في صلاة الجنازة أو العيدين، أو كان سؤر الحمار لا تبطل صلاته، ولم يوافقه غيره من الأئمة في هذا. وقال الأوزاعي: يمضي في صلاته وتكون نافلة، ثم يتوضأ ويعيدها. واحتج المزني بما جملته يرجع إلى فعلين: أحدهما: أنه قاس وجود الماء للتيمم على الحدث.
والثاني: قاس على وجود الحيض في المعتدة بالشهور قبل تمام العدة بالشهور. وأشار في أثناء كلامه إلى القياس على ما لو وجد الماء قبل الشروع في الصلاة، [١٥٤ أ/١] وأشار في آخر كلامه إلى أن هذا المذهب تخريج مستقيم على قول الشافعي، ويساعده ابن سريج فخرج قولًا على مذهب الشافعي مثل أبي حنيفة، وأصل تخريجه أن الشافعي قال في المستحاضة ينقطع دمها في خلال صلاتها: أنها تخرج وتتطهر ولا تبنى فجعل المسألتين على قولين نقلًا وتخريجًا، والجواب أن يقول: أما الحدث فالفرق أنه ينقض الطهر بكل حال. وأما وجود الماء فليس هو تناقض لتطهر بكل حال، ألا ترى أنه يجد ماء مودعًا عنده ولم يؤذن له باستعماله ولا يبطل تيممه، ولذلك إذا احتاج العطش فكذلك هاهنا لا يبطل لئلا يبطل عليه ما مضى من الصلاة، فإنه يلزم مراعاة حرمة الصلاة، وبهذا فارق قبل الشروع في الصلاة.
وأما العدة قلنا: هناك لا نقول تبطل بل يحتسب بما مضى قرأ، ثم تؤمر بإتمام العدة، ولأن وزان العدة أن ترى الدم بعد الفراغ من الشهور قبل أن تنكح، ووزان العدة من مسألتنا أن لو زالت الماء قبل الشروع في الصلاة.
وأما مسألة المستحاضة فالفرق على الصحيح من المذهب أنها أحدثت أحداثًا، غير أنها مقدرة لاتصال دمها، فإذا انقطع الدم قدرت على إزالة حدثها فلا تجوز صلاتها، وهذا التيمم لم يحدث [١٥٤ ب/١] في صلاته حدثًا جديدًا، وليس فيه أكثر من أنه وجد الماء فيجعل كأنه لم يجد الماء لمانع الصلاة كما قلنا في سائر الموانع. فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الأفضل أن يخرج منها ويتوضأ للخروج من الخلاف. ولأن الشافعي نص على أنه إذا وجد الرقبة في الكفارة في أثناء الصوم والأفضل له أن يعتق فكذلك هاهنا الأفضل أن
يرجع إلى الأصل، ومن أصحابنا من قال: يلزمه المضي فيها ولا يجوز له قطعها أي يكره، وهذا اختيار القفال، وتعلق هذا القائل بما قال في "البويطي": إذا رأى الماء في صلاته فليمض على صلاته ولا إعادة عليه. وهذا لا يصح لأن الشافعي استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلي مع الجماعة، استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلى مع الجماعة، فالخروج هاهنا للطهارة أولى، وما قال في "البويطي": أراد يجوز ذلك، وقد نص في "الأم" فقال: كان له أن يتمها وليس عليه أن يقطع الصلاة فلم يوجب ذلك عليه.
وقال القاضي الحسين﵀:- لا يجوز له إبطال الصلاة وجهًا واحدًا، وهل
[ ١ / ١٩٧ ]
يستحب له أن يجعل صلاته فعلًا فيسلم عن ركعتين؟ وجهان:
أحدهما: أنه يستحب ذلك: كرجل افتتح الصلاة منفردًا ثم أدرك جماعة، فإنه يسلم عن ركعتين ويكون نفلًا.
والثاني: لا يستحب لأنها انعقدت [١٥٥ أ/١] فرضًا فلا يجوز له ترك صفة الفرضية، ويخالف هذا مسألة الجماعة؛ لأن هناك لو فرغ منفردًا ثم أدرك الجماعة يستحب له الإعادة ولو فرغ من الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء لا يستحب له الإعادة.
فرع
إذا رأى الماء في المكتوبة ومضى في صلاته وسلم لا يجوز له أن يتنفل بذلك التيمم؛ لأن وجود الماء في الصلاة منع حكم التيمم فيما عدا الصلاة التي هو فيها، فإذا خرج منها لم يكن ليتممه حكم، فإن كان الماء باقيًا استعمله، وإن كان قد تلف إلى أن فرغ من الصلاة أعاد التيمم، ولا يجوز له افتتاح بعد رؤية الماء، هكذا ذكر جماعة أهل العلم من العراق، وهو اختيار القاضي الطبري. وفرع والدي الإمام على هذا، وقال: إذا أراد أن يسلم لا يسلم تسليمتين بل يقتصر على تسليمة واحدة؛ لأنه عاد إلى حكم الحدث بعد الخروج منها، ولو أحدث بعد التسليمة الأولى لا يأتي بالتسليمة الثانية، وليس على أصلنا مسألة يقتصر فيها على تسليمة واحدة غير هذه، ولو كان عليه سجود السهو فنسي لا يسجد، وإن كان الوقت قريبًا.
وهذا عندي حسن، ولكن يمكن أن يقال: وإن سلم تسليمة ثانية فلا يأس؛ لأنها من تتمة الصلاة، وإنما يخاطب بهذا في الافتتاح. والله أعلم. وقال القفال وجماعة [١٥٥ ب/١] إن علم بتلف الماء قبل فراغه من الصلاة فهو كما لم يجد أصلًا، فله أن يصلي النوافل، وإن لم يعلم بتبلغه حتى خرج من الصلاة، ثم علم فإنه لا يصلي بذلك التيمم صلاة النفل، كما لو تلف الماء بعد الفراغ من الصلاة. وهذا أقيس وأصح، وهذا لأن هذا الماء لم يلزمه
استعماله لهذه الصلاة، ولا قدر على استعماله لغيرها، فينبغي أن لا يبطل تيممه، ولهذا لو مر به ركب في الصلاة، ففرغ منها وقد ذهب الركب، فإنه يجوز له أن يصلي النافلة، وإن كان توجه الطلب يمنع ابتداء الصلاة بالتيمم، وإن منع القائل الأول منع بعيد والله علم.
فرع آخر
لو رأى الماء في صلاة النافلة، فإن كان نوى أن يصلي عددًا معلومًا كان له إتمامها، وإن كان أحرم مطلقًا. قال الشافعي في "الأم": كان عليه أن يصلي ركعتين ولا يزيد عليها لأن إحرامه المطلق يضمن ركعتين. قال أصحابنا: وعلى قوله القديم: فيمن نذر صلاة مطلقًا يكفيه ركعة لا يزيدها على ركعة.
[ ١ / ١٩٨ ]
فرع آخر
قال أصحابنا: لو تيمم في الحضر لعدم الماء ثم رأى الماء بطل سهمه وصلاته؛ لأنه يلزمه الإعادة بوجود الماء، وقد وجد الماء فيلزمه الاشتغال بالإعادة. وكذلك لو تيمم وعليه نجاسة، ثم رأى الماء في الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه لا يعتد بها، وتلزمه الإعادة، وفيه [١٥٦ أ/١] وجه آخر: لا إعادة ولا يلزمه الخروج منها برؤية الماء.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو وجد الماء في خلال الطواف إن قلنا: لا يجوز تفريقه، وإن قلنا: يجوز تفريقه توضأ، وبن وقل ما يتصور هذا؛ لأن الطواف يكون في الحضر، وقل ما يعدم فيه الماء، وهذا ليس بشيء، ويلزمه العود إلى الماء والاستئناف؛ لأنه لا يحتسب ما مضى بالتيمم وتلزمه الإعادة بكل حال.
فرع آخر
لو كان في سفر معصية فعدم الماء فلزمه أن يقيم ويصلي، فإذا صلى هل تلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدهما: تلزمه الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم هي رخصة تتعلق بالسفر، والسفر معصية فلا يجوز أن يتعلق به رخصة.
والثاني: لا تلزمه الإعادة، لأنا لما أوجبنا عليه ذلك صار عزيمة فلا إعادة عليه والأول أصح، وعلى هذا لو رأى في صلاته يلزمه الخروج منها لا يعتد بها.
فرع آخر
إذا دخل في صلاة النقل بنية مطلقة، وقد صلى ركعتين، وقام إلى الثالثة ثم رأى الماء. قال القاضي الطبري: عندي يتمم هذه الركعة ويسلم؛ لأن الركعة الواحدة لا تتبعض وهو على ما قال.
فرع آخر
قال في "التلخيص": لو وجد الماء في صلاته المقصورة، ثم نوى الإتمام أو المقام بطلت صلاته وتيممه؛ لأن تيممه صح لركعتين من غير زيادة، والآن زادت [١٥٦ ب/١] بهذه النية. وقال بعض أصحابنا: تتم صلاته ولا تبطل، لأن تيممه صحيح لأدائها تامة ومقصورة ذكره في"الحاوي". ولو نوى المقام فيها أو الإتمام ثم وجد الماء مضى في صلاته وأتمها بلا خلاف. ومن أصحابنا من قال: إذا افتتحها بالتيمم ثم نوى الإقامة يمضي في صلاته ويعيد؛ لأن الإقامة لو قاربت ابتداء الصلاة منعت للاحتساب بها في حق المتيمم، فكذلك إذا طرأت؛ لأن الصلاة لم يتبعض حكمها.
[ ١ / ١٩٩ ]
فرع
لو رعف في صلاته بطلت صلاته بالرعاف، ويلزمه أن يطلب الماء، ويغسل الدم، فإن طلب ولم يجده أو وجد قدر ما يغسله فقط. قال الشافعي في"الأم": استأنف التيمم؛ لأن فرض الطلب المتوجه أبطل التيمم. وكذلك لو تيمم ثم رفقة أو ركبًا ظن أن معهم ماء، أو رأى بئرًا أن فيها ماء، فلما تأمل لم يجد الماء فإنه يلزمه إعادة التيمم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك بناء على أصله أن طلب الماء غير واجب، وعلى هذا قال القفال: لو رأى الماء ودونه سبع، فإن رآهما معًا أو عرف مكان السبع قبل رؤية الماء فتيممه باق، وإن رأى الماء أولًا ثم عرف السبع والحائل بطل تيممه؛ لأن الطلب قد توجه عليه، وكذلك لو رأى ماء في قعر بئر ولا رشاد معه ولا دلو، فإن علم به وهو عالم بأنه لا آلة معه [١٥٧ أ/١] لا يبطل تيممه، وإن رآه وعنده أي آلة النزح فلم يكن أعاد التيمم.
مسألة: قال: "ولا يجمع بالتيمم بين صلاتي فرضٍ".
وهذا كما قال عندنا لا يجوز أن يصلي بتيمم واحد صلاتي فرض، بل يجب التيمم بكل فريضة، وطلب الماء أيضًا، فيطلب الماء أولًا ثم إذا عدمه تيمم ويصلي، ثم يطلب الماء فإذا عدمه يتيمم ويصلي، ثم يطلب
الماء فإذا عدمه يتيمم ويصلي الصلاة الثانية، ولا فرق بين أن يكونا مؤقتتين أو فائتتين أو مؤقتة وفاتنة، وكذلك لا فرق بين أن يكونا منذورتين أو شرعيتين، أو إحداهما منذورة والأخرى شرعية، ولا فرق بين أن يريد الجمع بينهما في وقت إحداهما أو لا يريد الجمع، وبه قال علي، وابن عمر، وابن عباس، والنخعي، وقتادة، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، والليث﵃- قال أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به إلى أن يحدث، وبه قال الحسن، وسعيد بن المسيب، والثوري، وداود، والمزني، وابن المنذر. وقال أبو ثور: يؤدي الفرائض في وقت الصلاة التي تيمم لها، ولا يؤدي في وقت آخر. وقال أحمد: يجمع بين الفوائت بتيمم واحد، ولا يجمع بين ما أتى وقتين.
وهو قريب من قول أبي ثور. وهذا كله غلط لما روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: من السنة ألا تصلي بالتيمم [١٥٧ ب/١] إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للأخرى. وهذا يقتضي سنة الرسول ﷺ وقال علي﵁- "التيمم عند كل صلاة" فإذا تقرر هذا قال أبو إسحاق: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بجنس التيمم أصلًا لظاهر قول الشافعي، ولا يجمع بالتيمم بين صلاتي فرض، وهذا لأنه تفتقر الصلاة الثانية إلى تيمم ثانٍ، ويفتقر التيمم الثاني إلى طلب ثان، والطلب يقطع الجمع؛ لأن من شرطه الموالاة، ولم يذكر في كتاب "الحاوي" غير هذا. وقال عامة أصحابنا: يجوز الجمع
[ ١ / ٢٠٠ ]
بينهما بجنس التيمم، وقد نص عليه في "الأم" وهو الصحيح، وقصد الشافعي لا يؤدي بهما تيمم واحد. كما قال أبو حنيفة: ولا يؤدي إلى قطع الموالاة لأنا لا نأمره في الصلاة الثانية بالاستقصاء في الطلب كما نأمره في الأولى، بل يكفيه من الطلب أن ينظر يمنة ويسرة هل يرى أحدًا أو أثرًا، ثم يتيمم بضربتين. وهذا كما نأمره بالإقامة للصلاة الثانية ولا يقع بها الفصل والتراخي، وهذا لأن كل هذا من مصلحة الجمع فلا يؤثر فيه، فإن قيل: هلا سقط فرض الطلب الثاني ولا يطع في الماء؟ قلنا: قال في"الأم": لا ييئس منه بكل حال، فقد يطلع الركب والسبيل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجب الطلب الثاني؟ وجهان: أحدهما: لا يجب لأنه [١٥٨ أ/١] لا يفيد، والثاني: يجب تعبدًا، وهكذا لو كان في بادية لا يوجد الماء في مثلها غالبًا، هل يجب الطلب؟ وجهان، وهذا خلاف المنصوص، وعندي أنه إذا تحقق ذلك تبينًا لا يلزمه الطلب، لأنه عبث، وقد يتحقق عدمه بأن يخبره جماعة عدول: أنا طلبنا الماء فلم نجده، وقيل: لو أمر غيره. حتى طلب له الماء فلم يجد، هل يباح له التيمم؟ وجهان مبنيان
على ما لو أمر غيره أن ييممه هل يجوز؟ وجهان. وكذلك لو طلب الماء فلم يجب فتيمم وصلى، ثم دخل عليه وقت فريضة أخرى وهو في موضعه، ولم تحدث الأمارة تدل على الماء، هل يجب الطلب؟ وجهان. وقال القفال: هل يجوز الجمع بين صلاة منذورة وصلاة شرعية؟ قولان بناء على القولين في المنذورة، هل يسلك بها مسلك ما ورد به الشرع أو يسلك بها مسلك النوافل؟ ففيه قولان: وهل تجوز المنذورة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ قولان مخرجان. وأصل القولين أنه يجب. بمطلق النذر أقل ما هو واجب بأصل الشرع، أو ما يقع عليه اسم الصلاة، قولان. وكذلك لو نذر عتق رقبة هل يجوز الذمة فيه؟ قولان. وكذلك الحج المنذور هل يخرج من رأس المال أو من الثلث إذا أوصى به؟ قولان.
فإذا تقرر هذا ففي لفظ المزني إشكال، وذلك أنه قال: [١٥٨ ب/١] ويحدث لكل فريضة طلبًا للماء وتيمًا بعد الطلب الأول، وفيه تقديم وتأخير، أي ويحدث بكل فريضة طلبًا للماء بعد الطلب الأول ويتمها فيعقب كل بطلب، وكل طلب بتيمم. واحتج الشافعي على أبي حنيفة بظاهر الآية، وهو أن الله ﵎ أمر كل قائم إلى الصلاة بالتيمم، فإن قيل: لا يصح هذا الاستدلال لأنه رتب التيمم على الوضوء، ولا يلزمه الوضوء لكل صلاة. قيل: ظاهر الآية يوجب ذلك في الوضوء أيضًا، إلا أنه روى عن رسول الله ﷺ أنه كان يتوضأ لكل صلاة إلى يوم حنين، فجمع يومئذ بين صلوات بوضوء واحد، فسأله عمر﵁- عن ذلك متعجبًا فقال ﷺ: "عمدًا فعلت يا عمر" أي ليعلموا أنه يجوز، فبهذا تركنا ظاهره، واحتج بقول ابن عباس على ما
[ ١ / ٢٠١ ]
ذكرنا وهو أعرف بمعنى الآية من غيره.
فرع
الجمع بين طوافين مفروضين بتيمم واحد لا يجوز، وكذلك بين طواف فرض، وصلاة فرض، ويتصور ذلك في المريض والجريح، وهل يجوز الجمع بين صلاة الفريضة، وركعتي الطواف بتيمم واحد؟ قولان بناء على أن ركعتي الطواف فريضة أم لا؟ وفيه قولان.
فرع
لو نسي صلاة واحدة من صلوات يوم وليلة ولا يعرف عنها، يلزمه أن يعيد خمس صلوات [١٥٩ أ/١] حتى يؤدي المنسية بيقين، وهل يلزمه أن يتيمم لكل واحدة منها؟ اختلف
أصحابنا فيه، فقال عامتهم: يجزيه تيمم واحد وهو الصحيح؛ لأن الواجب منها واحدة في الحقيقة، فإذا فرغ من كلها سقط عنه الفرض بواحدة منها. ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يتيمم لكل واحدة منها؛ لأن كلها صارت فرضًا عليه، ويحتاج أن ينوي في كل واحدة أنها فريضة، وهو اختيار أبي عبد الله الخضري، وعلى هذا لو كان محبوسًا أو مربوطًا على خشبة فصلى بالتيمم، ثم خلى نأمره بالقضاء، فهب يعيد التيمم؟ وفيه وجهان. وكذلك لو صلى في بيته منفردًا بالتيمم ثم أدرك الجماعة فأراد الإعادة، ففي قول بعض أصحابنا بخراسان يعيد بنية السنة، وعلى هذا يعيد التيمم الأول، وفي قول يعيد بنية الفرض ففي جوازه بالتيمم الأول وجهان.
فرع
لو نسي صلاتين من صلوات يوم وليلة ولا يعرف عينهما، فإن قلنا بالوجه الضعيف يلزمه أن يتيمم لكل صلاة منها فهاهنا أولى، وإن قلنا بالوجه الصحيح هاهنا بالخيار إن شاء صلى خمس صلوات ويتيمم لكل واحدة منها، وإن شاء يتمم فصلى به الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة وأيهما فعل، فقد أدى الصلاتين المتروكتين بتيممين، في الأول قلد الصلاة وكثرة التيمم، وفي الثاني [١٥٩ ب/١] كثرة الصلاة وقلة التيمم، فالأول ذكره صاحب التلخيص والثاني والثاني ذكره ابن الحداد. وأدى بالتيمم الأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تيمم فصلى الصبح والظهر والعصر والمغرب لم يجز، لاحتمال أن عليه العشاء مع إحدى الصلوات الثلاث التي بين الصبح والعشاء، فأدى بالتيمم الأول إحدى الثلاث فلم يجزه العشاء به، وبالتيمم الثاني لم يعد العشاء، فإن أراد أن يجوز فليصل العشاء بهذا التيمم الثاني، وعلى هذا لو بدأ فأدى العشاء ثم المغرب، ثم العصر، ثم الظهر، ثم تيمم فصلى المغرب، ثم العصر ثم الظهر، ثم الصبح جاز، وإن بدأ بالمغرب إلى الصبح ثم تيمم وصلى العشاء إلى الظهر لم يجز، إلا أن يعيد الصبح بهذا التيمم كما ذكرنا في العشاء.
[ ١ / ٢٠٢ ]
فرع آخر
لو نسي صلاتين من صلوات يومين وليلتين ولا يعلم عينهما فإن كانا مختلفتين فهي: بالوجه الضعيف يلزمه أن يصلي عشر صلوات بعشر تيممات، وإن قلنا: بالآخر يصلي خمس صلوات بتيمم واحد، ثم يصلي خمس صلوات بتيمم، فيكون مؤديًا إحداهما بالتيمم الأول ومؤديًا للثانية بالتيمم الثاني.
قال القفال: فإن قال: أريد ان أصلي صلاتين بكل تيمم فكيف أصنع؟ [١٦٠ أ/١] قلنا: إن أديت بينهم ظهرين وتيمم عصرين هكذا لم يجز، لكن إن خالفت فأديت بتيمم ظهرًا وعصرًا، ثم يتيمم عصرًا ومغربًا، ثم يتيمم مغربًا وعشاء، ثم يتيمم عشاء وصبحًا. ثميتيمم صبحًا وظهرًا جاز، إلا أنه تطويل الأمر على تعاينه، إذ يكفيه عشر صلوات تيمم، والآن يؤديها بخمس تيممات، وإن تيقن أن عليه صلاتين ولا يعلم هل هما مختلفتان أو متفقتان، يلزمه أن يأخذ بأسوأ الحالين وأغلظهما، وهو أن يكونا متفقتين على ما بيناه.
فرع
لو اشتبه الأمر على حاج، فلم يدر أن أترك صلاة فرض؟ أو طواف فرض، إن كان عليه يأتي بالطواف وبالخمس صلوات بتيمم واحد، وهذا على الوجه الصحيح، وعلى الوجه الآخر بتيمم ست تيممات.
مسألة: قال: "ويصلي بعد الفريضة النوافل وعلى الجانئز ويقرأ في المصحف".
الفصل
وهذا كما قال به. ذكرنا أنه يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل، ومن أصحابنا من قال: إنما يجوز أن يتنفل به ما دام وقت الفريضة باقيًا، فإذا خرج الوقت لا يجوز أداء النوافل به، وهذا غير صحيح، وهكذا يجوز أن يقرأ في المصحف، ويستحب سجود القرآن، لأنه نافلة وأما إذا أراد أن يصلي به صلاة الجنازة. قال أصحابنا: إن لن يتعين عليه فهي بمنزلة النوافل يجوز أدائها [١٦٠ ب/١] به وأن تعينت عليه، قال أبو إسحاق لا يلزمه تجديد التيمم لها؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان وهو المذهب الشافعي، ومن أصحابنا من قال: يلزمه تجديد التيمم لها، لأنها لما تعينت عليه صارت من فرائض الأعيان، وهذا أقيس. وقول الشافعي محمول على الغالب، وهو أنها لم تتعين عليه، وهذا اختيار الشيخ أبي حامد، والأول أصح لأنه ليس لها مرتبة فرائض الأعيان، ولا يصير بمنزلتها، وإن تعينت عليه لأنها، وإن لم تتعين فبالفعل تتعين وتقع فرضًا، ينبغي أن لا يجوز أداؤها به أصلًا لهذا المعنى.
[ ١ / ٢٠٣ ]
فرع
لو حضرت جنازتان في سفر وليس هناك من يسقط الفرض غيره فعدم الماء يصلي
عليهما بتيمم واحد على قول أبي إسحاق، وعلى قول غيره يحتاج إلى التيممين فلا يجوز أن يصلي عليهما دفعة واحدة، ولا يجوز أن يتيمم تيممين، ثم يصلي عليهما صلاة واحدة، لأنه يكون بمنزلة التيمم الواحد بل يتيمم ويصلي على إحداهما ثم يتيمم ويصلي على الأخرى.
فرع
هل يجوز الصلاة على الجنازة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ ومن أصحابنا من قال: فيه قولان بناءًا على هذا الذي ذكرنا فيما تقدم، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قولًا واحدًا. وينص عليه الشافعي. وكذلك لا يجوز أداؤها على الراحلة؛ لأن معظم [١٦١ أ/١] الركن فيها القيام، فإذا ترك القيام لم يبق شيء بخلاف ما لو أداها بالتيمم الأول.
فرع
لو تيمم لجنازة تعينت عليه وصلى عليها، لم يجز أن يصلي به مكتوبة قولًا واحدًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: إذا تيمم للنفل يؤدي به الفريضة فما هذا أولى، وإن قلنا: لا يؤدي به الفريضة فهاهنا وجهان، والفرق أن صلاة الجنازة من جنس الفرائض فكان حكمها أوقى بخلاف النافلة، ولو تيمم لنافلة قال في"البويطي" له أن يصاي على الجنازة وهذا على ما ذكرنا من الاختلاف.
فرع آخر
التيمم لا يرفع الحدث، وحكي عن داود وبعض أصحاب مالك أنه يرفع الحدث، وهذا غلط لأن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء يغتسل ويتوضأ فثبت بقاء الحدث الأول.
فرع آخر
يجوز للمتيمم أن يصلي بالمتوضئ. وقال محمد: لا يجوز، وروى هذا عن علي -﵁- وهذا غلط لأن من جاز أن يكون إمامًا للمتيمم جاز أن يكون إمامًا للمتوضئ كالمنصوص.
مسألة: قال: "فإن تيمم بزرنيخ أو بنورة".
الفصل
وهذا كما قال قصد به الرد على أبي حنيفة، وقد ذكرنا ما قيل فيه، ووافقنا أبو حنيفة في الذريرة أنه لا يجوز التيمم بها.
[ ١ / ٢٠٤ ]