مسألة: قال:"وّالَّذِي يُجِبُ الوُضُوءَ الْغَائِط وَالْبِوْلُ".
الفصل
وهذا كما قال: موجبات الوضوء أربعة أشياء لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في هذا العدد، إلا إنه في اثنين. فأما المتفق فالخارج من إحدى مخرجي الحدث القبل والدبر. والثاني: الغلبة على العقل. وأما اللذان يختلف فيهما: فعندنا ملامسة النساء ومس الذكر، عندهم [١٠٣/ أ] الخارج النجس من غير السبيلين والقهقهة في الصلاة، وسيأتي شرحهما
إن شاء الله. فإذا تقرر هذا فالخارج من السبيلين أو أحدهما ببعض الوضوء نادرًا كان أو معتادًا، ريحًا كان أو غنيًا من قبل كان الربح أو دبر، عامدًا كان أو ساهيًا وعلى أي حال.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يلزم الوضوء بالريح الخارج من قبل المرأة إلا أن
[ ١ / ١٤٠ ]
تكون موضأة، وهذا غلط قياسًا على الخارج من الدبر. وقال مالك: أو وضوء في غير المعتاد من القيح والدم والصديد والمذي إذا استدام، ووافقنا في الاستحاضة أنه ينقص الوضوء. وقال ربيعة: لا وضوء في دم الاستحاضة أيضًا. وروى هذا غير مالك وهذا أغلط؛ لأنه خارج من المخرج المعتاد للحدث فأشبه البول.
وروى عن على﵁- أنه قال: كنت رجلًا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني فأنفذت إليه المقداد بن الأسود فقال: مره فلينضح فرجه بالماء ثم يتوضأ فإن كان فحل مذاء. وروى عن علي﵁- أنه قال: كنت أكثر الغسل من المذي حتى تشقق ظهري فسألت رسول الله ﷺ فقال:" إنما يكفيك أن تنضح على فرجك وتتوضأ وضوءك للصلاة" فإن قيل: كون الخارج غير معتاد لكون المحل غير معتاد، بأن خرج من ينفك أو فرج أو فم وذلك [١٠٣ ب/ ١] لا يوجب الوضوء كذل هذا. قلنا: النادر إذا خرج لا ينفك عن شيء يسير من المعتاد، وإن كان أدنى بلل، وذلك القدر كاف لبطلان الوضوء. وقال داوود: لا يجب بالدود والدم خاصة وهو غلط أيضًا لما ذكرناه. والمذي: ماء رقيق يخرج عند الشهوة يكون على رأس الذكر ريحًا. والودي: ماء ثخين يخرج بعد البول متقطعًا كدرًا وهما نجسات، ولو أدخل قطنة أو سمسمة في إحليله أو سارًا وهو الميل ثم أخرجه انتقضت الطهارة بخروجه على كل حال سواء اختلط بغيره أو لا.
فرع
لو أطلعت دودة رأسها من أحد ولم ينفصل حتى رجعت، هل يجب الوضوء؟ وجهان: أحدهما: يجب لأن ما طلع صار خارجًا وهو الأظهر عندي.
والثاني: لا يجب لأن الخارج لم ينفصل.
فرع آخر
لو انسد المخرج المعتاد وانفتح للبول أو النجو موضع آخر. قال الشافعي في حرملة: إن كان دون المعتدة انتقض الوضوء بالخارج منه، وإن كان فوقها لم ينتقض. وقال في موضع: ينتقض الوضوء وأطلق. قال أصحابنا: الحكم فيه أنه إن كان دون المعدة ينتقض الوضوء قولًا واحدًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] ولم يفصل، ولأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا بد لكل أحد من موضع يخرج منه البول والغائط، فإذا انسد الأصل وانفتح موضع آخر [١٠٤/ أ] صار الثاني هو المعتاد، فانتقص الوضوء بالخارج منه، وإن كان فوق المعدة فيه قولان. أحدهما: ينتقض الوضوء لما ذكرناه. والثاني: لا ينتقض نص عليه في حرملة.
[ ١ / ١٤١ ]
وهو اختيار المزني، لأن الغائط هو الذي أحالته المعدة، وهذا بمنزلة القيء، ولو لم ينسد المعتاد ولكن انفتح موضع آخر والأصلي بحاله، فالمذهب المشهور أنه ينتقض بخروج الخارج منه؛ لأن الشافعي شرط انسداد المخرج ومن أصحابنا من قال: إن كان دون المعدة فيه قولان مخرجان. أحدهما: لا ينتقض لأن المعتاد باق، وهذا الجائفة لا ينتقض الوضوء بما يخرج منها. والثاني: ينتقض لتكرار خروج المعتاد منه فيصير كالمحل المعتاد. وإن كان فوق المعدة فهو مبني على القولين إذا كان الأصلي منسدًا، فإن قلنا هناك لا ينتقض فههنا أولى. وإن قلنا هناك: ينتقض فههنا وجهان.
فرع آخر
إذا قلنا: ينتقض الوضوء بخروج الخارج منه، هل ينتقض الوضوء بمسه؟ فيه وجهان: أحدهما: ينتقض لأنه مخرج معتاد للحدث الأصلي.
والثاني: لا ينتقض لأنه لا يسمى فرجًا ولا ذكرًا، والخبر ورد بذلك وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار عند الاستنجاء؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه مخرج للحدث. والثاني: لا يجوز لأنه نادر والاستنجاء بالحجر في الموضع المعتاد [١٠٤ ب/ ١] للخبر. قال أصحابنا: وهل يجب الغسل بالإيلاج؟ فيه وجهان أيضًا: أحدهما: لا يجب لأنه ليس بفرج حقيقة. والثاني: يجب في حكم الفرج.
فرع آخر
لو نام عليه ملصقًا بالأرض هل يكون كالنائم قاعدًا في سقوط الوضوء عنه؟ وجهان إذا قلنا: ينتقض الوضوء بالخارج منه.
فرع
الرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة وحكي عنه أبي حنيفة ومحمد: أنها طاهرة لأنها من جنس البلغم وهذا غلط. لأن المعدة نجسة فما يخرج منها نجس كالقيء والبلغم يخرج من الصدر لا من المعدة.
مسألة: قال:" وّالْنَّوْم مُضْطَجِعًا وقَائِمًا ورَاكِعًا وسَاجِدًا"
الفصل
وهذا كما قال: النوم على ثلاثة أضرب. أحدهما: أن ينام زائلًا عن مستوى الجلوس في غير الصلاة إما مضطجعًا، أو متكئًا، أو مكبوبًا، أو مستلقيًا فكل ذلك يوجب الوضوء سواء تحقق أنه خرج منه أو لم يتحقق.
وروى عن أبي موسى الأشعري، وأبس مجلز وحميد الأعرج، وعمرو بن دينار﵃- أنهم قالوا: لا ينتقض الوضوء به حتى يتحقق خروج الخارج منه، وبه قالت الإمامية. واحتجوا بأن النوم ليس بحدث فلا ينتقض الوضوء بالشك. وهذا غلط
[ ١ / ١٤٢ ]
لما روى علي بن أبي طالب﵁- أن النبي ﷺ قال:" العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فمن نام فليتوضأ" وأراد [١٠٥/ ١] باستطلاق الوكاء: خروج الحدث والنائم في الغالب، ولأن الظاهر من النائم خروج الحدث، ويجوز النفل عن الأصل، فالظاهر كما أن الأصل براءة الذمة ويجوز سلفها بقول الشاهدين وخبر الواحد، ولو نام قائمًا قال في"الأم" يجب الوضوء وقال في"البويطي": إذا نام قائمًا فزالت قدماء عن موضع قيامه فعليه الوضوء بظاهرة أنه إذا لم تول قدماء لا يجب الوضوء، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، وقيل: قول واحد: ينتقض، وما قاله في"البويطي": أراد أنه يمكن منه النوم حتى زالت قدماء، ولم برد به مفهومه، وهذا هو الصحيح. والنوم الثاني أن ينام زائلًا عن مستوى الجلوس في الصلاة إما راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا. اختلف قول الشافعي فيه قال في"القديم": لا ينتقض الوضوء؛ لأنه يشق على المتهجدين، وبه قال في
مالك، وابن المبارك والدليل عليه أن النبي ﷺ قال:"إذا نام العبد في سجوده باهى الله الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده بيدي" فدل على أنه لا يبطل سجوده به. وقال في
"الجديد": ينتقض الوضوء وهو الصحيح للخير الذي ذكرناه، والقصد بإخبارهم مدحه على الاجتهاد ومكابدة النوم، بدليل أن النائم لا يمدح على الفعل ولا يذم. وقال أبو حنيفة: ولا وضوء على من نام على حالة من أحوال الصلاة في حال الاختبار [١٠٥ ب/ ١]، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة. واحتج بما روى ابن عباس﵁- أن النبي ﷺ قال:"لا وضوء على من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا، إنما الوضوء على من نام مضطجعًا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" قلنا هذا لا يصح، لأن رواية أبو خالد الدلاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن العباس، ولم يسمع قتادة من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، وليس هذا منها، وأبوا العالية ضعف، أو تحمله على النعاس بدليل العلو وهي أنه قال:"فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" والساجد تسترخي مفاصله.
وحكى عن أحمد أنه قال: إن كان يسيرًا لا ينتقض وضوءه، وإن كثر ينتقض وضوءه". وكذلك قال في نوم القاعد. ووافقنا في المضطجع أنه ينتقض قليلًا كان أو كثيرًا فيقيس عليه. والثالث: أن ينام جالسًا معتدًا على الأرض بإليتيه فلا ينتقض الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا، متربعًا كان أو غير متربع قولًا واحدًا.
[ ١ / ١٤٣ ]
وقال أبو إسحاق: فيه قولان، ولا يعرف للشافعي هذا القول الآخر، إلا أنه قال: لا يبين لي أن أوجب الوضوء عليه فقد مرض القول. وقال: لو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم توضأ أي حالاته كان، وهذا ليس بقول آخر؛ لأنه لم برجع إلى النظر، بل رجع إلى الخبر. وقيل في"البويطي": ومن نام جالسًا أو قائمًا حتى رأى [١٠٦ أ/ ١] رؤيا وجب عليه الوضوء، وهذا يصدق ما قاله أبو إسحاق: لا يمكن أن يجمل على ما لو لم يكن معتمدًا على الأرض بإليتيه، ولا فرق عندنا بين أن يكون مستندًا أو غير مستند.
وقال أبو حنيفة: إن كان مستندًا ينظر، فإن كان يسقط لو رفع المسند انتقض وضوءه. وإلا فلا، وهذا غلط؛ لأن الاعتبار بتمكنه على محل الجدث، وقد وجد.
وقال مالك: إن كان يسيرًا لا ينقص، وإن كان كثيرًا ينقص. وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال المزني: النوم يوجب الوضوء بكل حال. وبه قال أبو عبيد وحكي هذا عن إسحاق. وهذا غلط لما روي عمرو بن شعيب، عن أبيه، وعن جده أن النبي ﷺ قال: "ليس على من نام جالسًا وضوء حتى يضع جنبه". وروى أيضًا أنه: قال"من نام قاعدًا فلا
وضوء عليه، ومن نام على جنبه فعلية الوضوء"
وروى أن النبي ﷺ دخل المسجد فوضع يده على حذيفة وكان نائمًا فانتبه فقال: يا رسول الله أفي هذا وضوء؟ فقال:"لا، أن تضع جنبيك على الأرض" ولأنه ليس هو يحدث في نفسه وإنما ينتقض الوضوء بتوهم خروج الخارج غالبًا، فإذا كان محفوظًا عنه بالتمكن على محل الحدث لا ينقص الوضوء كالقليل منه.
فرع
قال في"الأم": "والنوم الذي يوجب الوضوء الغلبة على العقل كائنا ذلك ما كان قليلًا [١٠٦ ب/ ١] أو كثيرًا، فأما ما لا يغلب على عقل مثل النعاس أو حدث من النفس بحيث لا يخفي عليه كلام من يتكلم بحضرته لا يجب به الوضوء. وقال فيه: لو شك هل نام أم لا، وخطر بباله شيء لا يدري أنه رؤيا أو حديث نفس فهو غير نائم حتى يستيقن النوم، ولو استيقن الرؤيا ولم يستيقن النوم فهو نائم، وعليه الوضوء؛ لأن الرؤيا لا تكون إلا في النوم.
فرع آخر
لو نام قاعدًا متمكنًا ثم زال عن مستوى جلوسه انتقص وضوءه إن انتبه بعدما سقط، وإن انتبه عند زواله عنه مستوى جلوسه لا ينتقص وكذلك إن كان زواله عن مستوى جلوسه بيديه وانتباهه معًا لا ينتقص.
[ ١ / ١٤٤ ]
فرع
لو جلس على إليتيه رافعًا لركبتيه مجتبيًا عليهما فيه وجهان. أحدهما: لا ينتقص كالمتربع. والثاني: ينتقص وضوءه لأنها جلسه لا تحفظ الأرض سبيله من خروج الخارج.
وقال بعض لأصحابنا: ينظر، فإن كان النائم على هذه الحالة نحيف البدن بعروق الإلية انتقص وضوءه؛ لأن السبيل لا يكون محفوظًا، وإ، كان لحم البدن يتطبق إليتاه، على الأرض في هذه الحالة لا ينقض وضوءه؛ لأن السبيل يكون محفوظًا. وعلى هذا قال أصحابنا: لو كان الرجل مهزولا فنام قاعدًا على العظم ولم يتمكن مقعده من الأرض ينتقص وضوءه لهذا المعنى.
فرع
قال بعض أصحابنا: [١٠٧ أ/ ١] إذا قلنا: إذا نام في الصلاة لا ينتقص وضوءه لحرمة الصلاة، أو نام مضطجعًا وكان يصلي في فرضه مضطجعًا، أو قعد للتشهد الأول مفترشًا فنام، فهل يبطل وضوءه؟ قولان. وهذا غريب
مسألة: قال:"وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِحُنُونٍ أِوْ مَرَضٍ"
الفصل
وهذا كما قال: الغلبة على العقل بجنون أو مرض أو إغماء أو سكر ينتقص الوضوء بكل حال؛ لأنه أبلغ حالًا من النائم، فإن النائم إذا نبه ينتبه، وإذا حرك تحرك، وإذا ضرب تألم لخلاف هذا. قال الشافعي في"حرملة": قد قيل: قل ما يغمى على الإنسان إلا وينزل، فإن صح هذا اغتسل، وإن لم يصح توضأ.
وقال في"الأم": قد قيل ماجُن الإنسان إلا أَنزل، فإن كان هكذا اغتسل المجنون للإنزال. وإن شك فيه أحببت له أن يغتسل احتياطًا.
قال أصحابنا: أراد به إن كان زوال العقل ينزل غالبًا اغتسل أنزل أو لم ينزل، وتعلق الغسل بزوال العقل كما يقول في النائم إذا نام زائلًا عن مستوى الجلوس تعلق بعض الطهر بعين النوم، وإن قيل: قد ينزل وقد لا ينزل كان زوال عقله في باب الغسل بمنزلة النون قاعدًا في باب الوضوء، إن أنزل يلزمه الغسل، وإن لم ينزل فلا غسل عليه وجوبًا، ويستحب كما يستحب الوضوء في نوم القعود. ذكره أبو حامد وجماعة. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على وجوب الوضوء [١٠٧ ب/ ١] على المغمى عليه، وثبت أن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء، وأجمعوا أنه لا يجب الغسل به. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه إذا زال عقله بالسكر لم ينتقص وضوءه؛ لأنه كالصاحي في الأحكام وعلى هذا هل ينعزل وكيله؟ وجهان. وهذا ليس بشيء.
[ ١ / ١٤٥ ]
مسألة: قال:"وَملاَمَسَةُ الرَّجلِ الْمَرأَةَ".
الفصل وهذا كما قال: اختلف العلماء في الملامسة فقال الشافعي:"إذا لمس الرجل امرأة وأفضى شيء من جسده إلى شيء من جسدها من غير حائل انتقض وضوءه، سواء
مسهما بيده أو برجله، أو بشهوة أو بغير شهوة، عامدًا كان أو ناسيًا". وبه قال ابن عمرو، وابن مسعود، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، ومحكول، والأوزاعي، وحكي عن الأوزاعي أنه إن مسها بيده أو بأحد أعضاء وضوءه انتقص، وإن مسها بغيرها لا ينتقص.
وقال مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد والثوري في رواية إن مسها بشهوة انتقص وضوءه، وإن كان بغير شهوة لم ينتقص. وقال مالك والليث: إن لمسها بشهوة من وراء حائل رقيق انتقص أيضًا، واراه عن
الشافعي بقوله:"والملامسة أن يفضي بشيء منه إلى جسدها لا حائل بينهما". وقال ربيعة: ينتقص الوضوء بالملامسة بكل حال سواء كان الحائل صفيقًا أو رقيقًا. [١٠٨ أ/ ١] وقال عطاء: إن لمس امرأة تحرم عليه انتقص وضوءه، وأن لمس من تحل له لم ينتقص وضوءه. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا ينتقص الوضوء بلمس النسا أصلًا إلا أن يتجردا أو يتعانقا، ويضع فرجه على فرجها، وينقش لما أي يجد هزة للشهوة في نفسه. وبه قال ابن عباس، وطاوس، والحسن، وهو رواية عن الثوري، وعطاء إلا أنهم لم يذكروا التجرد والتعانق. وقال محمد: لا وضوء في التجرد والتعانق أيضًا ما لم يرد بللًا، وهذا أقيس من قول أبي حنيفة.
وقال داود: إن قصد لمسها انتقص، وإن لم يقصد لم ينتقص. وبه قال الثوري في رواية، وبعض أصحابنا جعلوا هذا قولًا مخرجًا للشافعي من قوله:" لا وضوء في لمس ذوات المحارم" لأنه لا شهوة في هذا اللمس، وهذا لا يصح عندي. والدليل على بطلان قول الكل وقوله تعالي: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] وهذا الاسم يقع على كل لمس يحصل به التقاء السرتين، ولم يفصل بين أن يكون بشهوة أو بغير شهوة، أو بقصد أو بغير قصد، أو بأحد أعضاء وضوءه أو بغيره. فأن قبل: أليس في الإحرام يفرق بين اللمس بشهوة أو غير شهوة في وجوب الفدية، فكذلك ههنا وجب أن يفرق؟ قلنا هناك نهى عن الاستمتاع والترفه، وذلك يفترق بالشهوة وعدمها، ونقض الطهارة لا يتعلق بالاستمتاع، فلا تفرق فيه بين أن يكون بشهوة أو غير شهوة.
واحتج [١٠٨ ب/ ١] أبو حنيفة بما روي عن النبي ﷺ أنه قبل عائشة﵂-
صلى ولم يتوضأ. قلنا: يجوز أن يكون مع الحائل، أو كان مخصوصًا بذلك.
[ ١ / ١٤٦ ]
ونحتج على مالك في اللمس مع الحائل بشهوة فنقول: لا يسمى مسًا مع الحائل، أو كان مخصوصًا بدليل أنه لو حلف لا يلمس امرأة فهي مع الحائل لا يحنث، أو يقيس على الحائل الصفيق.
فرع
لو لمس امرأة لا يحل له الاستمتاع بها بحال لذوات المحارم مثل الأم والأخت، نص في"حرملة" على قولين: أحدهما: ينتقص وضوءه، وهو ظاهر قوله في"الجديد" و"القديم؛ لأنها من جنس من يقصد بالشهوة، والظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] ولم يفصل. والثاني: لا ينتقض وهو الأصح؛ لأنها ليس لمحل الشهوة شرعًا فأشبهت الرجل، ولا فرق بين الأم والأخت من الرضاع أو من النسب، ذكره القاضي أبو علي البندنيجي نصًا. ومن أصحابنا من فرق فقال: إذا كان محرمًا له بالسبب ينتقص وضوءه قولًا واحدًا، ولا وجه لهذا عندي.
فرع
لو لمس صغيرة أجنبية لا تشتهي، أو عجوزًا كبيرة أجنبية لا تشتهي لا نص فيه للشافعي. وقال أصحابنا: فيه قولان مخرجان بناء على ذوات المحارم. ومن أصحابنا من قال قول واحد في العجوز: أنه ينتقض الوضوء لأنها محل الوطء ولكل ساقطة لاقطة.
فرع
إذا لمس صغائر [١٠٩ أ/ ١] المحارم والعجائز منهم اللاتي لا يشتهين في العادة، فإن قلنا في الكبائر: لا ينتقص الوضوء فها هنا أولى، وإن قلنا هناك ينتقص فها هنا قولان مخرجان.
فرع
لو لمس امرأة ميتة، أو لمست المرأة رجلًا ميتًا ينتقض الوضوء؛ لأن كل لمس لو كان بين حيين نقض الطهر، فكذلك إذا كان بين حي وميت كالتقاء الختانين. ومن أصحابنا من قال: ينبغي أن يجري ذلك مجري الكبائر والصغائر اللاتي لا يشتهين فلا ينتقص الوضوء
بلمسها في قول مخرج، وهذا صحيح لأن الميتة ليست محل الشهوة ولا تشتهي غالبًا.
فرع آخر
إذا لمس يدًا مقطوعة أو عضوًا منها لم ينتقص وضوءه؛ لأنه لا يدخل في قوله تعالى: ﴿َوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] ولا يسمى لامس امرأة، وخرج عن أن سكون محلًا للشهوة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان كالوجهين فيمن مس ذكرًا مقطوعًا، وهذا لا يصح. والفرق أن أسم الذكر يقع على المقطوع، والنبي ﷺ علق الوضوء بمس
[ ١ / ١٤٧ ]
الذكر، وههنا أسم النساء لا يقع على اليد المقطوعة وعلى هذا قالوا: هل يجوز النظر إلى الذكر المقطوع أو يد المرأة المقطوعة أو شعرها المقطوع؟ فيه وجهان.
فرع
إذا لمس امرأة ينتقض طهر اللامس وهل ينتقص طهر الملموس؟ فيه قولان. أحدهما: ينتقص وهو المنصوص في عامة كتبه؛ لأنه لمس يشتركان في [١٠٩ ب/ ١] الالتذاذ به، فينتقص طهرها كالتقاء الختانين. والثاني: لا ينتقص. قاله في حرملة؛ لأنه لمس ينقص الطهارة الصغرى فينتقص طهر دون الملموس، كمس لا ينتقص الوضوء في حق الممسوس قولًا واحدًا. ومن قال بالأول فرق بأن الملامسة مفاعلة، فإذا اجري بين اثنين فكل واحد ملامس، وههنا لا يسمى الممسوس ملسًا والفتوى عندي أنه لا ينتقص طهر الممسوس؛ لأنه لا يسمى لامسًا.
وقد روى عن عائشة﵂- أنها قالت: افتقدت رسول الله ﷺ في الفراش فقمت اطلبه فوقعت يدي على أخمص قدمه في السجود، فلما فرغ من صلاته قال لها"أتاك شيطانك" فلو انتقص طهره لقطع صلاته.
فرع
لو لمس شعرها نص في"الأم" أنه لا ينتقص وضوءه سواء كان بشهوة أو غير شهوة، ولو احتاط فتوضأ كان أحل إليَّ. قال أصحابنا: وكذلك لو لمس بشرتها بشعره، وكذلك لو لمس سنها أو ظفرها أو لمسها بسنه أو بظفره، هذا لأنه لا لذة في لمسها غالبًا، ولا ينبغي بلمسها للشهوة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، ولا معنى له مع النص، وقيل: فيه قولان وهذا أيضًا غير صحيح. وقال ربيعة، ومالك: لا ينتقص الوضوء بلمسها إن كان بشهوة [١١٠ أ/ ١].
فرع
لو لم يدر أمس بشرتها أو شعرها ينتقص الوضوء؛ لأن الأصل بقاء الطهارة.
فرع
لو كان صغيرًا أو مستحسنًا أمرد فلمسه رجل. قال الأصطخري: ينتقص وضوءه؛ لأنه تميل إليه الشهوات وخالفه سائر أصحابنا.
مسألة: قال:"وَمَسُّ الْفَرْجِ بِبَطْنِ الْكَفَّ"
[ ١ / ١٤٨ ]
الفصل
وهذا كما قال. اختلف العلماء في مس الفرج عل ينتقص الوضوء؟ فعند الشافعي إذا مس ذكره ببطن كفه، أو لمست المرأة فرجها ببطن كفها انتقص الوضوء. وبه قال عمرو بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن سيار، والزهري، والليث، ومجاهد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي- رضوان الله عليهم أجمعين- وعن مالك رواية أخرى يعتبر في مسه الشهوة.
قال أبو حنيفة: لا ينتقص الوضوء يمسه، وبه قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبو الدرداء، والحسن، وقتادة، والثوري، وربيعة. وهو راوية عن سعد بن أبي وقاص، وراية عن ابن عباس﵃ أجمعين، واحتجوا بما روى عن طلق بن علي إنه قال: قدمنا على رسول الله ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال:" ها هو إلا مضغة منه أو بضعة منه" [١١٠ ب/ ١] وهذا غلط لما روي عن عروة بن الزبير قال:
"دخلت على مروان فتذاكرنا نواقض الوضوء فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال:" إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ". قال عروة: فلقيت بسرة بعد ذلك فصدقته. وروى هذا الخبر بضعة عشر نفسًا من الصحابة وعمل بها أصحاب الحديث.
وروى أن النبي ﷺ قال:" ويل للذين يمسون فروجهم ويصلون ولا يتوضوؤن" فقالت عائشة: هذا الرجال أفرأيت النساء. فقال: إذا مست المرأة فرجه توضأت. وأما خبر طلق بن علي، قال أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان: رواية قيس بن طلق وهو ضعيف، ثم إن خبرنا متأخر وناقل عن العادة، وفيه احتياط فكان أولى.
فرع
بطن الكف ما بين الأظفار والزند، فإن مسه برؤوس البنان يبطل وضوءه على الصحيح من المذهب. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان وهو ضعيف.
فرع آخر
لو مسه بخلال الأصابع لا يبطل وضوءه نص عليه في"الأم" وقيل: فيه وجهان،
[ ١ / ١٤٩ ]
ولا معنى له، وكذلك لو مس بحرف يده لا وضوء نص عليه في"البويطي".
وقال أبو العياض من أصحابنا: إن مسه بما بين أصبعيه مستقبلًا لعانته بطن كفه ينتقص وضوءه، وإن كان مستقبلًا فطاهر كفه لا ينتقص مراعاة للأغلب في مقاربة الباطن، وهذا لا وجه له لاستواء المعنى في [١١١ أ/ ١] الحالين.
فرع
لو مسه بظاهر الكف أو ظاهر أصابعه لا ينتقص وضوءه، وبه قال جماعة العلماء. وقال الأوزاعي: إن مسه بأحد أعضاءه وضوءه ينتقص. وقال عطاء والأوزاعي، وأحمد في رواية: ينتقص وضوءه إذا مسه بظاهر الكف أو ظاهر أصابعه، وكذلك إن مسه بساعده؛ لأن ذلك من جملة يده. وحكة هذا عن مالك، وهذا غلط لقوله ﷺ:"إذا أفض أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه حائل فليتوضأ" والإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف، تقول العرب:
أفضيت بيدي إلى الأرض ساجدًا على هذا المعنى.
فرع آخر
لو مس أنثييه أو إليتيه فلا وضوء عليه، وكذلك أو مس ما بين الدبر والذكر.
وروى عن عروة أنه يجب بمس الأنثيين والعانة، وهذا غلط لقوله ﷺ"ومن أمضى بيده على ذكره فليتوضأ" فخص الذكر، ولأنه ليس لمخرج الحدث فأشبه فخده. واحتج بما روي قال:" من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ" قلنا: قال أصحاب الحديث: هذا ليس من قول النبي ﷺ وإنما هو من قول عروة أدرجه بعض الرواة. وقال هشام بن عروة: قال عروة: إذا مس رفغه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ.
فرع آخر
لو مس ذكر غيره يلزمه الوضوء كما لو مس ذكره نفسه.
وقال داود: لا يلزم غلا مش ذكر نفسه [١١١ ب/ ١]؛ لأن النبي ﷺ خص ذلك، وهذا غلط؛ لأن هتك الحرمة هناك أكثر لولا حاجة به إليه. وقد روت بسرة أن النبي ﷺ قال:"الوضوء من مس الذكر ومس الفرج".
فرع آخر
لو مس ذكر الصغير انتقض وضوءه. وروي عن الزهري، والأوزاعي، ومالك: لا وضوء فيه، وروي عن أحمد أيضًا لما روي أن النبي ﷺ مس زبيبة الحسن ولم
[ ١ / ١٥٠ ]
يتوضأ. ولأنه يجوز مسه والنظر إليه فلا ينتقض الوضوء بمسه، وهذا غلط لعموم الخبر الذي ذكرناه"، ولأنه ذكر آدمي فأشبه ذكر الكبير، والخبر الذي ذكروه يحتمل أنه كان من وراء حائل، مع أنه لم يصح الخبر على الوجه الذي ذكروا.
فرع آخر
لو مس ذكر الميت انتقض وضوءه نص عليه. وحكي عن إسحاق أنه لا ينتقض، وهذا
غلط للخبر، ولأنه ينتقض في الحي فينتقض في الميت كالجماع واللمس.
فرع آخر
لو مس الذكر بباطن أصبعه الزائدة انتقض وضوءه. وقال صاحب الإفصاح: يحتمل أن لا ينتقض وضوءه لأنه الخبر ينصرف إلى اليد المعهودة فلا طلاق، وهذا غلط لأنه من جملة اليد بدليل وجوب غسله في الوضوء.
فرع آخر
لو مس بيد شلاء ففيه وجهان، وكذلك لو مس ذكرًا أشل بيد صحيحه أو مسدودًا لا يخرج منه شيء، ففيه وجهان بناء على الوجهين [١١٢ أ/ ١] فيمن مس ذكرًا مقطوعًا؛ أحدهما: أن ينتقض وضوءه اعتبارًا بالاسم. والثاني: لا ينتقض وضوءه لفقد المعنى وهو وجود اللذة غالبًا.
وقال بعض أصحابنا: ليس ذكر الحي الأشل بأخف من ذكر الميت، ففي ذكر الميت وجه مخرج أنه لا ينتقض وضوءه. وبه قال مالك.
فرع آخر
لو كان له أصبع زائدة لا على سنن البنان. قيل: فيه وجهان، والصحيح أنه لا ينتقض وضوءه بالمس به أصلًا. لو مس ذكرًا زائدًا إن كانا عاملين ينتقض الوضوء بمس كل واحد منهما، وإن كان أحدهما عاملًا دون الآخر فإنه ينتقض لمس العامل دون غيره. ذكره أصحابنا بخراسان.
فرع آخر
لوجب ذكره من أصله فمس موضع القطع. قال أصحابنا: ينتقض وضوءه، ويحتمل عندي وجهًا آخر أنه لا ينتقض وهو القياس.
فرع آخر
لو مسه من غير قصد انتقض وضوءه. وحكي عن مالك: أنه لا ينتقض وهو غلط للخبر.
[ ١ / ١٥١ ]
فرع آخر
لو مست المرأة فرجها انتقض وضوءها، وكذلك إن مسه الرجل وذلك في المحارم.
وقال مالك: لا ينتقص. وهذا غلط لما روت عائشة أن النبي ﷺ قال:"إذا سمت إحداكن فرجها فلتتوضأ".
فرع آخر
لو مس الدبر وهي الحلقة نفسها دون ما حولها انتقض الوضوء. وقال ابن أبي أحمد: لم يوجب [١١٢ ب/ ١] الشافعي في"القديم" من مس الدبر. فمن أصحابنا من رد هذه الرواية، ومنهم من قبلها وقال: فيه قولان.
وقال مالك داود: لا ينتقض وضوءه وهذا غلط؛ لأنه مخرج معتاد للحدث فأشبه القيد. وقد روى أن النبي صلى الله عليه سلم قال:"أيما رجل مس فرجه فليتوضأ" وظاهره أنه أراد به دبره، قالوا: لا يقصد مسه ولا يفضى مسه إلى خروج خارج، فأشبه سائر الأعضاء. قلنا: باطل بذكر الميت والأشل.
واعلم أن المزني نقل: "وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْدُبُرًا أَوْ مَسُّ الْحَلْقَةِ نَفْسِهَا مِنْ الدُّبُرِ". وفيه أشكال وذلك انه لا ينتقض الوضوء إلا بمس الحافة، وهذا العطف يوهم خلاف هذا المذهب، فيتناول قوله" سواء كان الفرح قبلًا أو دبرًا أو مس الحلقة على الجمع، ومعناه لو جمع في المس بين مس مس الحلقة وما حواليها، أو اقتصر على مس الحلقة نفسها انتقص الطهر.
وفائدة العطف يشبه الاستدلال؛ لأن الدبر اسم شامل للإليتين وغيرهما، وقد ذكر في نسخة: وسواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا، إذ ليس الحلقة نفسها وهذا اللفظ يزيل الإشكال.
فرع
لو مس بذكره دبر غبره. قال بعض أصحابنا بالعراق: قياس المذهب أنه ينتقض وضوءه؛ لأنه مسه بآلة مسه، وهذا لا يصح عندي؛ لأن الاعتماد فيه على الخبر ولم يرد في هذا [١١٣ أ/ ١] الموضع.
فرع
لو مس ذكر بهيمة لا ينتقض وضوءه. وروى ابن عبد الحكم، عن الشافعي أنه ينتقض
وضوءه، ورد عامة أصحابنا هذه الرواية، فقيل: قولان: أحدها: ينتقض
[ ١ / ١٥٢ ]
وضوءه كما يجب الغسل بالإيلاج في فرجها. والثاني: لا ينتقض وضوءه وهو الأصح؛ لأنه لا حزمة لها ولا يعيد عليها في الستر والكفين والذقن. وقيل: قول واحد أنه لا ينتقض وضوءه.
فرع آخر
إذا قلنا لا ينتقض وضوءه. بلمس فرج البهيمة. قال بعض أصحابنا: لو أدخل يده في باطن فرجها هل ينتقض وضوءه؟ وجهان أحدها: ينتقض لأن للباطن من الحرمة ما ليس للظاهر. والثاني: لا ينتقص وضوءه وهو الأصح، ذكر بعض أصحابنا بخراسان: لا وجه للوجه الأول في الحقيقة.
قال عطاء: إن مس فرج البهيمة المأكولة انتقض الوضوء وإلا فلا.
وقال الليث: ينتقض الوضوء بمس فرجها على الإطلاق لقوله (صلي الله عليه وسلم) "الوضوء من مس الفرج" ولم يفصل قلنا: هذا اللفظ غير معروف، أو مطلق هذا الاسم لا ينصرف إلى البهيمة في العادة. وقال أبو إسحاق: لما لم ينتقض الوضوء بلمس الأنثى من البهائم لا ينتقض بمس فرجها.
فصل في الخناثى
الخنثى الذي له ذكر الرجال وفرج النساء. أحدهما أصلي [١١٣ ب/] والثاني: خلقة زائدة، فإن كان ذكرَا فالذكر أصل والفرج خلقة زائدة، وإن كان أنثى فالفرج أصل، والذكر خلقة زائدة، فإذا مس ذكره أو فرجه أو مس ذلك غيره فالأصل في الطهارة البناء على الأصل. فمتى تيقن الطهارة لم تزل بالشك. وإن مس الخنثى ذكر نفسه لا ينتقض وضوءه بجواز أن يكون أنثى مس من نفسه خلقة زائدة، وإن مس فرج نفسه لم ينتقض أيضًا لجواز أن يكون ذكرًا وهو ثقبة زائدة، وإن مسها معًا من نفسه انتقض وضوءه؛ لأنه لا ينفك عن مس ذكرًا وحلقة زائدة من امرأة. فإن مس فرجه لم ينتقض وضوءه بجواز أن يكون قد مس من رجل خلقة زائدة. وإن مسته امرأة نُظر، فإن مست فرجه انتقض وضوءها لأنه لا يخلو عن مس فرج امرأة، أو مس حلقة زائدة من رجل، وإن مست ذكره لم ينتقض لجواز أن يكون مست من امرأة خلقة زائدة، وإن مس خنثى من خنثى نُظر، فإن مس ذكره لم ينتقض لجواز أن يكونا أنثيين فمست من امرأة خلقة زائدة، وإن مس فرجه لا ينتقض أيضًا لجواز أن يكون مس رجل من رجل خلقة زائدة، وإن مسهما معًا انتقص وضوءه؛ لأنه لا ينفك من مس ذكر أو فرج، وإن مس أحدهما ذكر الآخر، ومس الآخر فرج الآخر انتقض طهر
[١١٤ أ/ ١] أحدهما قطعًا لا يعنيه، لأنه إن كانا ذكرين فقد مس ذكرًا، وإن كانا أنثيين فقد مس فرجًا، وإن كانا ذكرًا وأنثى فقد مس رجل امرأة، فلا بد من أن ينتفض طهر أحدهما، قطعًا لا بعينه ولكن لا يحكم ينقض طهر واحد منهما، ولكل واحد منهما، ولكل واحد منهما أن يصلي وحده، لأن الأصل الطهارة وهو يشك أنه هل انتقض طهره أم لا، وهذا كما لو شاهد نفسان طائرًا. فقال أحدها:
[ ١ / ١٥٣ ]
إن كان غرابًا فامرأتي طالق. وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فعبدي حر، فطار ولم يُعلم، فكل واحد منهما على أصل ملكه.
فصل
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو مس أحدهما قبليه وصلى ثم توضأ ومس قبله الآخر وصلى فقد صلى إحدى صلاتين يغير طهارة، فهل يلزمه إعادة الصلاتين؟ وجهان. والأصح أنه لا يلزمه لأنهما حادثتان ولم يتعين الخطأ، فهي كمسألة الحالفين في الطير. وهذا عندي خطأ والمسألة على وجه واحد أنه يلزمه إعادتهما، كمن تيقن أنه نسى سجدة من إحدى الصلاتين فإنه يلزمه إعادتهما في مسألة الحلف الخطأ في شخصين وهاهنا الخطأ وقع لشخص واحد.
مسألة: قال: " وَكُلٌّ مَا خَرَجَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ"
الفصل
وأراد به الرد على مالك على ما ذكرنا، ثم قال:" وَلَا اسْتنجَاءَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ" وهذا إشارة [١١٤ ب/ ١] إلى أن الاستنجاء لا يجب إلا بخروج عين يتوهم منها تلويث للمخرج خلافًا للشيعة، ثم قصد المزني بعد هذا أن يتكلم في المسألة الخلافية، وينقل ما اعتمد عليه الشافعي من الحجج، فبدأ بمسألة النوم قاعدًا. ونقل في حجة الشافعي عن أنس﵁- أما أصحاب رسول الله (صلي الله عليه وسلم) كانوا ينتظرون العشاء فينامون.
قال الشافعي: أحسبه أنه قال: فعودًا ينامون، وهذا هو الأليق بهم في انتظارهم خروج رسول الله (صلي الله عليه وسلم). في المسجد، وروى من غير شك،" فينامون قعودًا حتى تخفق رؤوسهم" والظاهر أن مثل هذا لا يخفي على رسول الله (صلي الله عليه وسلم).
وروي عن ابن عمر﵄- أنه كان ينام قاعدًا ويصل ولا يتوضأ، ولم ينكر عليه أحد. ثم تكلم المزني فقال: قال الشافعي:" لَوْ صِرْنَا إِلَي النَّظَرِ كَانَ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ تَوَضَّأَ بِأَّيَّ حَالاَتِهِ كَانَ" كأن أراد أن النوم في القياس هو كالإغماء يوجب الوضوء في أي حال كان، ثم عارض خبر الشافعي بالخبر وأثر الشافعي بالأثر، حتى يجب الرجوع، إلي النظر الذي ذكره الشافعي فأورد خبر صفوان بن عسال المرادي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) " كان يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفري لا مع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن عن بول أو غائط أو نوم". وروى: لا من جنابة ومعناهما متقارب [١١٥ أ/ ١] قوله: مسافرين أو سفري شك في الملفوظ به من هذين اللفظين وقوله: سفري جمع مسافر. فاحتج منه بأنه قرن النوم بالبول والغائط، وينتقض الوضوء بالبول والغائط على كل حال، فكذلك بالنوم على كل حال. ثم أيد ذلك، فقال:" ولو
[ ١ / ١٥٤ ]
اختلف حدث النوم لاختلف حدث الغائط، وإنه لو كان فيه تفصيل لأبانه (صلي الله عليه وسلم) كما أبان في أكل الناسي أنه لا يفطر الصائم. ثم ذكر خبر آخر وهو قوله (صلي الله ﵇) "العينان وكاء السه"، الخبر، ثم قال في معارضة الأثر أثر عائشة وأبي هريرة أنهما قائلا:" من استجمع نومًا فعليه الوضوء مضطجعًا كان أو قاعدًا". ثم أيدهما بما روي عن الخن ثم رجع إلى النظر. وقال هو في معنى من أغمي عليه فلزمه الوضوء على كل حال، فكذلك هذا. والجواب عنه أن يقول: أما خبر صفوان فالقصد به بيان جواز المسح على الخفين في الوضوء دون الغسيل لا غير، فلا يعارض به خبر أنس﵁- الذي قصد أن نوم القاعد لا يوجب الوضوء. وأما الخبر الآخر فهو حجة عليه؛ لأنه أشار إلى أن النوم حدث لأنه مس خروج الحدث من مخرجه، وهذا لا يوجد في القاعد، إذ لو خرج به غالبًا. وأما الأثر عن عائشة وأبي هريرة نحمله على القاعد غير المتمكن، بدليل أثرنا فيكون جمعا بينهما [١١٥ ب/ ١]. وأما الإغماء فقد بينا الفرق بينه وبين النوم فيما تقدم.
وأما الحدث فلأن عينه ناقض بظاهر الكتاب والأخبار بخلاف النوم، ثم عقب الكلام
في النوم بالكلام بالملامسة. وقد ذكرنا الخلاف فيها. واحتج الشافعي بالآية فإنه تعالى قرن الملامسة بالنوم والغائط، ثم أيد بقول ابن عمر﵁- قُبلة الرجل لامرأته ومسها بيده من الملامسة، وهذا التعريف بالألف واللام إشارة إلى الملامسة في الآية، خلاف ما روى أبو حنيفة عن ابن عباس﵄- أن المراد به الجامعة، ثم قال: وعن ابن مسعود﵁- قريب من معنى قول ابن عمر﵁- وإنما ترك ذكر لفظه لشياعه فيه وهو أنه روى عن ابن مسعود﵁- أنه قال: أيهز أحدكم امرأته هز البكر ثم لا يتوضأ، عليه الوضوء، ثم ذكر الكلام في مس الذكر.
واحتج بخبر بسرة ينت صفوان وقد ذكرنا، ثم قال: وقاس الدبر بالفرج مع ما روى عن عائشة﵂- إذا مست المرأة فرجها توضأت، وأنكر أصحابنا على المزني هذه العبارة. وقالوا: اسم الفرج فيقع على الدبر فلا يصح قوله: وقاس الدبر بالفرج. وإنما يصح أن لو قال: وقاس الدبر بالذكر والقبل. وأيضًا ذكر حديثه عائشة في الفرج ولا يجوز أن يؤيد الأصل بالأثر؛ لأن الأصل يكون متفقا عليه [١١٦ أ/ ١]، وإنما يؤيد الفرع المقيس بالأثر، وإنما يصح هذا بما روي عن عائشة: إذا مست المرأة دبرها توضأت. ولم ينقل ذلك. ومن أصحابنا من قال: يمكن تصحيح عبارته بأنه أراد وقاس الدبر بعلة الفرج فكأنه قال: أحد الفرجين كالذكر ثم بين تعليق الحكم بصفة الفن وبحديث عائشة﵂- ثم أن أصحاب الظاهر ينكرون قياس المسكوت عنه في الشرع على المنصوص عليه ههنا وسلموا في تقويم نصيب الشريك الذي لم يعتق على الشريك المؤسر قياس الأمة على العبد. وإن ورد الخبر في العبد فاحتج عليه الشافعي قاله هناك.
[ ١ / ١٥٥ ]
مسألة: قال:" وَمَا كَانَ مِنْ سِوَى ذَلِكَ مِنْ قَيئٍ أَوْ رُعَافٍ"
الفصل
وهذا كما قال: عندنا جميع ما يخرج من غير السبيلين من القيء والرعاف ودم الفصد والحجامة لا ينقص الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا. وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن أبي أوفي، وعائشة، وجابر، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومكحول، وربيعة، ومالك.
وقال أبو حنيفة: إن كان طاهرًا فلا وضوء، وإن كان نجسًا ينقض الوضوء، إلا أنه فصل في القيء فقال: إن كان ملأ الفم فإنه ينقض الوضوء، وإن كان أقل لا ينقص الوضوء.
وقال في الرعاف: إن سأل ينقص [١١٦ ب/ ١] الوضوء، وإن لم يسل لا ينقص. رقال فيمن بصق دمًا ت إن كان الغالب الدم نقض الوضوء وإلا فلا ينقض. وبه قال الثوري: والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، إلا أن أحمد قال: إن كان الدم قطرة أو قطرتين فلا وضوء. وروى عنه أنه قال:" إن خرج قدر ما يعفي عن غسله وهو قدر الشبر لا ينقص الوضوء".
وقال ابن أبي ليلى: ينقص الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا. وروى ذلك عن عمر، وعلي وابن سيرين، وعطاء، وزفر﵃- واحتجوا بما روي عن عائشة﵂- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" من قاء أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم
واحتج الشافعي عليهم بالأثر والنظر.
أما الأثر فما روى أن ابن عمر﵁- عصر بترة بوجهه فخرج منها دم فدلكه بين إصبعيه، ثم قام إلي الصلاة ولم يغسل يده.
وروى عن ابن عباس﵁- أنه قال اغسل عنك أثر المحاجم وحسبك.
وروى عن ابن المسيب أنه رعف فمسح أنفه بصوفه ثم صلى، عن القاسم ليس على المحتجم وضوء. وهذا الذى ذكر ابن المسيب والقاسم استئناس وإلا فلا حجة لأنهما من التابعين. وإنما الحجة في أقوال الصحابة وأفعالهم. وقد روى الشيخ القفال، عن الشيخ أبي زيد بإسناده، عن ابن عباس﵁ [١١٧ أ/ ١]- إيجاب الوضوء من الحجامة والرعاف وذهب بعض أصحابه إلى وجوب الغسل من
[ ١ / ١٥٦ ]
الحجامة فأنكره وقال: اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك فلا دليل فيه للشافعي. وروي في هذا الباب ما هو أولى من كل هذا، وهو ما روى الدارقطني بإسناده عن أنس﵁- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) " احتجم ولم يزد على غسل محاجمه وصلي ولم يتوضأ".
وأما النظر فقوله: كما وضوء في الحبشاء المتغير بخلاف مخرج الحدث فإنه سوى فيه بين النجو والريح. وقيل: أراد بالحبشاء المتغير القيء دون ملء الفم،
وأما خبرهم قلنا: القلس هو الريق الحامض يخرج من الحلق فلا وضوء فيه عندهم. وقيل: إنه مرسل يرويه ابن أبي مليكة مرسلًا، أو يحمل على الاستحباب، أو على غسل ما أصابه بدليل ما ذكرنا.
مسألة: قال: "وَلَيْسَ فِي قَهْقَّهَةِ المُصْلَّي وَلَا فِيمَا مَسَّتِ النَّارُ وُضُوءٌ"
وهذا كما قال: القهقهة لا توجب الوضوء يحال عندنا. وبه قال جابر، وأبو موسي الأشعري، وعطاء، والزهري، وعروة، والقام، ومحكول، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: يجب الوضوء بالقهقهة في الصلاة. ويه قال الشعبي، والنخعي، والثوري، والحسن، والأوزاعي، في رواية. واحتجوا بما روى أبو العالية أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) كان يصلي فتردي [١١٧ ب/ ١] أعمى في بئر، فضحك طوائف من القوم فأمر رسول الله (صلي الله عليه وسلم). الذين ضحكوا بإعادة الوضوء والصلاة. وهذا غلط لما روى جابر﵁- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: "تعاد الصلاة من القهقهة ولا يعاد الوضوء"
وروى أنه قال (صلي الله عليه وسلم):" الضاحك في الصلاة والمتكلم سواء"
وأما الخبر الذي ذكره فهو مرسل ضعيف؛ لأن الله تعالى وصف الصحابة بقوله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩ [فكيف يضحكون. وفي موضع تردى الأعمى في البئر وهو موضح الرحمة، أو نحمله على الاستحباب. وقال بعض أصحابنا: يستحب ذلك لرقع الخلاف والجناية الصادرة منه.
وأما الكلاف فلا ينقص الوضوء بحال حسنة وقبيحة مثل القذف والكبائر من المعاصي تنقص الوضوء. واحتجوا بقوله (صلي الله عليه وسلم): "خمس يفطرن الصائم وتنقض الوضوء وهي الغيبة، والنميمة، والكذب، والنظر بشهوة، واليمين الفاجرة". قلنا: أراد به نفي الثواب والأجر، بدليل قوله (صلي الله عليه وسلم): "لا وضوء إلا
[ ١ / ١٥٧ ]
من حدث".
وقال بعض أصحابنا: يستجب الوضوء منها، لما روي عن ابن مسعود﵁- أنه قال: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليَّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب. وقالت عائشة:] ١١٨ أ/ أ]- ﵂- يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء. وقال (صلي الله عليه وسلم) " من غضب فليتوضأ". وقال أيضًا:" من حلف باللات والعزى فعليه الوضوء. وقال ابن عبا س﵁- والحدث حدثان حدث اللسان، وحدث الفرج، وأشدهما حدث اللسان: وقيل: الأشبه من كلام هؤلاء أنهم أرادوا غسل الفم وجده، ولا وضوء في المأكول والمشروب سواء مسته النار أم لم تمسه، وسواء كان لحم الإبل أو غيره. وبه قال جماعة الصحابة والعلماء، وقال أبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأنس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو طلحة، وعائشة، وعمر بن عبد العزيز، وأبو قلابة، وأبو مجلز، والزهري، والحسن﵁- يجب الوضوء بأكل ما مست النار.
وحكى هذا عن داود أيضًا، واحتجوا بما روى عن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) أنه قال:" توضؤا مما مست النار ومما غيرته النار" وهذا غلط لما روى جابر﵁-.
قال: كان آخر الآمرين من رسول الله (صلي الله عليه وسلم) " ترك الوضوء مما مست النار ". وهذا يدل على نسخ مأ رووه. وروي عن سعيد بن غفلة قال: كنا عند عمر﵁- وعنده علي﵁- نأتي بحفات مشبعة بلحم جزور [١١٨ ب/ ١ [فأكلا وآكلنا، ثم قاما إلى الصلاة فصليا ولم يتوضيا، فلما قضيا الصلاة أتيتهما فقلت: لقد أكلتما طعامًا كنتما إذا أصبتما منه توضأتما، فقالا: سمعنا رسول الله يقول:" لا ينقص وضوء المسلم طعام قد أحل الله آكله". ولأنه مها يغتذي به فأشبه الفاكهة. وقال أحمد، وإسحاق: يجب الوضوء من أكل لحم الجزور خاصة. وحكاه ابن أبي أحمد، عن الشافعي أنه قال في القديم. واحتج بما روى أن النبي. سئل:
أيتوضأ من لحوم الغنم؟ فقالت: لا فقيل: أيتوضأ من لحم الإبل؟ فقال: نعم. وهذا غلط لما روى ابن
[ ١ / ١٥٨ ]
عباس﵁- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" الوضوء مما يخرج لا مما يدخل" وأما خبرهم: قلنا نحمله على غسل اليد وهو ظاهر لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى غسل اليد لما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) "كان يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده". وروى أنه قال (صلي الله عليه وسلم) " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ويعده ينفي اللحم". وإنما فرق بين لحم الغنم، ولحم الإبل؛ لأنه يندب إلى غسل اليد من لحم الجزور أكثر مما يندب إليه من لحم الغنم لثقل رائحته وزهومته. وقال أصحابنا: المأكول على ثلاثة أضرب: طاهر لا ريح له كالخبر والتمر واللبن، إن شاء غسل اليد منه وإن شاء [١٩٩ أ/ ١] لم يغسل، وطاهر له رائحة كالبصل والثوم واللحم يستحب أن يغسل يده منه كالمسكر والميتة إذا أكلها عند الضرورة فيجب غسل اليد منه، وكل موضع أصابه من جده فإن صلى قبله غسله أعاد الصلاة.
مسألة: قال:" وَكُلَ مَا أأَوْجَبَ الْوُضًوءَ فَهُوَ بالْعَمْدِ وَالْسَّهْوِ سَوَاءٌ".
وهذا كما قال: كل ماء ينقض الوضوء فعمده وسهوه سواء، قصد به الرد على مالك في اللمس والمس من غير قصد، والأصل في ذلك ما روى أن النبي (صلي الله عليه والسلام) أوجب الوضوء من المدّى، وهو بخرج من غير قصد، ولأنه لو احتلم يلزمه الغسل وهو بغير قصد واختيار، فدل على أنه لا يعتبر فيه الفصل.
مسألة: قال:" وَمَنْ اسْتَيْقَنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ في الْحَدَثِ".
الفصل
وهكذا كما قال: إذا تيقن الطهر ثم شك في الحدث، أو تيقن الحدث ثم شك في الطهر بنى على اليقين، سواء لحقه الشك بعد الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها، وأصله ما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فينفخ بين إليتيه
ويقول: أحدثت، فلا تنصرني حتى تسمع صوتًا أو تشم ريحًا". وقال مالك: يلزمه الوضوء بكل حال. وقال الحسن: إن كان الشك في الصلاة مضي في صلاته، وإن كان الشك قبل صلاته فإنه يلزمه الوضوء. قيل: هو قول مالك ولا يصح، وهذا غلط؛ لأنه يبقى حالة [١٩٩ ب/ ١] فلا يزيلها الشك إلى ضدها، كما لو تيقن الحدث ثم شك في الطهر، ونفيس على ما لو كان الشك في بناء الصلاة. واحتج بأن هذا الشك يرجع إلى جواز صلاته، فكأنه شك أن إحرام صلاته هل صح أم لا؟ قيل: اليقين السابق أولي من هذا الشك، كما لو شك في طهارة الماء فإنه ببني على أصل الطهارة.
[ ١ / ١٥٩ ]
فرع
قال صاحب" التلخيص" لا يزول اليقين بالشك في الطهارة إلا في مسألة، وهي أن يقول: توضأت وأحدثت ولا أدري أيهما قد مت؟ فقال له: قدم وهمك على الأمرين، فإن كنت محدثًا قبل هذين الأمرين فأنت الآن متطهر، وإن كنت متطهر فأنت الآن محدث. وهذا في الخشفة بناء على اليقين أيضًا لا على الشك، ووجهه أنه إذا كان قبل هذين الأمرين محدثًا بعد عرف أن طهره رفع أن طهره رفع ذلك الحدث، ثم شك هل وجد حدثًا؟ رفع ذلك الطهر أم لا والأصل عدمه. وفي عكسه إذا كان قبل هذين الأمرين متطهر فقد عرف إن حدثه رفع طهره، ثم شك هل وجد طهر رفع ذلك الحدث أم لا؟ والأصل عدمه، وهذا كما لو أقام رجل البينة أن فلانا استوفي منه جميع حقه وأبرأه، ثم أقام المشهود عليه بالقبض. بينة أن المشهود له أقر له بألف، لم يثبت عليه لجواز أن يكون ذلك قبل الاستيفاء. ومن أصحابنا من قال: يتعارض هذان العارضان ويرجع إلى الأصل المتقدم [١٢٠/ ١]، فإن] كان] قبل هذين الأمرين طاهرًا فهو الآن طاهر، وإن كان محدثًا فهو الآن محدث. ومن أصحابنا من قال: عليه الوضوء هاهنا احتياطًا للصلاة. وهذا اختيار أبي حامد وجماعة، وهذا لأنه لم يتيقنهما وشك في السابق منهما استوت حالتهما، فصار الوضوء مشكوكًا فيه، ولا يجوز أن يصلي بطهارة مشكوكًا فيها، وما ذكره القائل الأول لا يقوى ظن الطهارة؛ لأنه قد تيقن حصول حدث بعد ذلك الحدث الأول، وشك في أن الطهارة تأخرت عنه بإزالته أم لا، فصارت الطهارة مشكوكًا فيها، فإن قال: عرفت قبل هاتين الحالين حدثًا وطهارة، ولا أدري أيهما كان أولًا؟ اعتبرنا ما كان مستقبل هاتين الحالتين الأوليتين، فإن عرق الطهارة من نفسه قبلهما جاز له أن يصلي الآن، وإن عرف الحدث قبلهما لم يكن له أن يصلي الآن ما
لم يتطهر، فجواب هذه المسألة هو بعكس ما ذكرنا، وهما سواء في المعنى إذا تأملت. وهذا هو على قول ابن أبي أحمد، فإن قيل: ترك الشافعي الأصل المتيقن في مسائل منها: ما قال: لو كان له عبد غائب لا يعرف حياته فأعتقه عن الكفارة لم يجز، والأمل بقاؤه وجواز عتقه عنها. ونال في الجمعة: إذا شك هل خرج الوقت أم لا لم تجز الجمعة، والأصل بقاء الوقت. وقال: لو شك في انضاء مدة المسح لا يجوز المسح، والأصل بقاء المدة [١٢٠ ب/ ١]. وقال: لو رأى أن ظبيًا بال في غدير، ثم عاد إلى ذلك الغدير فوجد ماء متغيرًا، ولا يدري أبنفسه تغير أم ببوله لا يجوز التوضيء به، والأصل الطهارة. قلنا: أما الأول فقد تقابل هناك أصلان حساب العبد واشتغال ذمته بالكفارة، فلا تبرأ ذمته إلا باليقين. وأما الثاني: فالأصل في الفرض الظهر والجمعة عارض يجوز بشرائط، فإذا شككنا في شرطه بنينا على أصل الفرض وهو الطهر. وعلى هذا قال يعض أصحابنا: إذا رفع الشك في ذهاب وقت الجمعة في أثناء الصلاة لا يتمها جمعة على قياس المذهب.
وأما الثالث: فالأصل وجوب غسل الرجلين والمسح جوز رخصة شرط فلا بد من
[ ١ / ١٦٠ ]
وجود شرطه باليقين. وأما الرابع بعد تيقن النجاسة فيه، والظاهر أن التغير منها، فلهذا لا يجوز به الطهر.