قال الشافعي: اخبرنا إبراهيم. . . الخبر.
وهذا كما قال. هذا الباب يشتمل على نوعين من الدعاء:
أحدهما: عند كثرة المطر واتصاله ومخافة تهدم البنيان، فيدعوه بما رواه المطلب بن حنطب أن النبي - ﷺ - "كان يقول: اللهم سقيا رحمة" إلى آخره.
والنوع الثاني: هو ما ذكرنا في الخطبة الأولى فلا حاجة إلى الإعادة.
فرع
قال في "الأم": لو تهيأ الإمام للخروج فمطر الناس مطرًا قليلًا أو كثيرًا أحببت أن يمضي هو والناس فيشكرون الله تعالى على سقياه ويسألون الزيادة وعموم خلقه بالغيث، فإن كانوا ليمطرون في الوقت الذي يريد الخروج بهم فيه استسقى بهم في
[ ٢ / ٥٠٧ ]
المسجد أو أخر ذلك إلى أن يقع المطر.
فرع
قال: ولو نذر الإمام أن يستسقي ثم سقي الناس يجب عليه أن يخرج ويفي بنذره وإن [٢٥٨/ ٣] لم يفعل فعليه قضاؤه، وليس عليه أن يخرج بالناس، لأنه لا يمكنهم ولا له أن يكرههم على أن يستسقوا في غير جدب، وكذلك لو نذر رجل أن يخرج يستسقي عليه أن يخرج، وهذا لأن الاستسقاء طاعة فيلزم بالقدر كعيادة المريض.
فرع
لو نذر الإمام أن يستسقي بالناس. قال في "الأم": عليه أن يستسقي ويخرج بالناس ويصلي ويخطب بهم بأن سقوا قبل أن يخرج خرجوا وكان قضاء، كما إذا نذر أن يصوم يومًا ففاته بصومه قضاء. قال القفال: هذا في الجدب فإن كان في الخصب يحتمل أن لا يلزم شيء، لأنه لا حاجة إليها ويحتمل أن يلزم ويطلب زيادة السعة والخصب.
فرع
لو نذر غير الإمام أن يستسقي مع الناس كان عليه أن يخرج بنفسه ولم يكن عليه أن يخرج بالناس؛ لأنه لا يملكهم والواجب عليه إخراج من يطيعه من أهله وولده وغيرهم، وهذا استحباب وإن عبر بالواجب وقد قال في بعض الروايات: وأحب أن يخرج بمن أطاعه منهم.
فَرْعٌ آخرُ
قال: فإن كان في نذره أن يخطب فيخطب ويذكر الله تعالى ويدعوه جالسًا إن شاء؛ لأنه ليس في قيامه إذا لم يكن [٢٥٨ ب/٣] واليًا ولا معه جماعة طاعة، وإن نذر أن يخطب على المنبر يجوز أن يخطب جالسًا وليس عليه أن يخطب على المنبر، لأنه لا طاعة في ركوب المنبر إلا ليستمع الناس، فإن كان إمامًا معه ناس لزمه ذلك إلا أن يخطب على منبر أو جدار أو قائمًا ويجزيه، ولا يتعين المنبر والطاعة إذا كان معه ناس أن يخطب قائمًا.
فرع
ولو نذر أن يخرج إلى الصحراء يجوز أن يستسقي في المسجد، وكذلك في بيته، لأنه لا يقيد في الصلاة في الصحراء فلا يلزم بالنذر.
فرع
لو نذر أن يستسقي في مسجد المدينة أو في بيت المقدس، هل يتعين ذلك؟ قولان: كما يقول في نذر الصلاة فيها.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو خاف قوم من غرت لأجل سيل أو نهر دعوا الله تعالى لصرف الضرر عنهم، كما دعا رسول الله - ﷺ -، ويلتمس من الله تعالى أنه يجعل حيث ينفع ولا يضر كالجبال والصحارى، قال: ولا أمر بصلاة جماعة في ذلك، وأمرت الإمام والعامة يدعون بذلك في خطبة الجمعة وبعد الصلوات وكذلك في سائر النوازل لغلاء الأسعار وضيق المعاش ونحو [٢٥٩ أ/ ٣] ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
الاستمطار مسنون، وهو أن يتجرد لأول مطر ليصيبه منه، وهذا لما روي أن النبي - ﷺ - كان يتمطر لأول مطر حتى يصيب جسده، ويقول: "هذا قريب عهد بربه" ويستحب أن يقول: "اللهم صيبًا هنيًا"، وروت عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول ذلك إذا رأي المطر، وروي أن الماء مطرت فقال عبد الله بن عباس ﵁ لغلامه: أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر، فقال أبو الجوزاء: لم تفعل هذا يرحمك الله؟ فقال: أما تقرأ كتاب الله تعالى: ﴿ونَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا﴾ [ق:٩] فأحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي، وروي أن سعيا بن المسبب ﵁ كان جالسًا في المسجد فمطرت السماء فخرج إلى وحبة المسجد وكشف عن ظهره للمطر حتى أصابه ثم رجع إلى مجلسه.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب إذا سال الوادي أن يغتسل فيه ويتوضأ منه، لما روي أنه حرا الوادي فقال رسول الله - ﷺ -: "اخرجوا بنا هذا الذي سماه الله طهورًا حتى نتوضأ منه ونحمد الله [٢٥٩/ ٣] تعالى عليه"، وروى الشافعي فيتمطر منه، وروي حتى ينظر فيه ويحمد الله تعالى.
فَرْعٌ آخرُ
المستحب أن يطلب استجابة الدعوة في ثلاثة مواطن أمر النبي - ﷺ - بها فيه وهي عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث.
قال: ويستحب أن يكثر الدعاء عند نزول الغيث، وروى أبو أمامة أن النبي - ﷺ - قال: "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف، وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة".
[ ٢ / ٥٠٩ ]
فَرْعٌ آخرُ
روى الشافعي في "الأم " عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني قال: "صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا [٢٦٠ أ/ ٣] وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
قال الشافعي: ورسول الله - ﷺ - بأبي وأمي عربي واسع اللسان يحتمل قوله هذا معان وإنما قال هذا؛ لأنهم مطروا بين ظهراني قوم أكثرهم مشركون، وكان هذا في غزوة الحديبية، ومعناه أن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله تعالى، ولأنه يعلم أنه لا يمطر ولا يعطي إلا الله تعالى، ومن قال: مطرنا بنوء كذا على ما كان بعض أهل الشرك، يعتقد من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا، فذلك كفر كما قال رسول الله - ﷺ -؛ لأن النوء هو وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ومن قال: مطرنا بنوء كذا أي وقت نوء كذا فإنما ذلك لقولهم: مطرنا في شهر كذا فلا يكون كفرًا وغيره من الكلام أحب إليّ منه وأحب أن يقول: مطرنا في وقت كذا.
وقيل الأنواء: هي منازل القمر ثمانية وعشرون منزلًا تطلع كل ثلاثة عشر يومًا، فتنزل بالمشرف فإذا طلح غاب رقيبه من المغرب فسميت أنواء لهذا المعنى يقال: ناء إذا طلح وناء إذا غرب [٢٦٠ ب/٣] فهو من الأضداد، وقد أجرى الله تعالى العادة بالمطر عند طلوع كل نجم منها، كما أجرى العادة بالحر في الصيف والبرد في الشتاء، وروي عن عمر ﵁ أنه قال: "يوم الجمعة على المنبر: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس ﵁ لم يبق منه شيء إلا العراء فدعا الناس حتى نزل عن المنبر فمطرت مطرًا أحيا الناس منه فاستجازوا، هذا القول والعراء في أحد المنازل فدل أنه لا بأس به على معنى ما ذكرنا، قال: وبلغني عن بعض أصحاب رسول الله ﵁ أنه كان إذا أصبح وقد مطر الناس قال: مطرنا بنوء الفتح ثم يقرأ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢].
فرع
اعلم أن الرياح المعروفة هي أربع: الشمال، والجنوب، والقبول، والدبور،
[ ٢ / ٥١٠ ]
فالجنوب أن تأتي عن يمين المتوجه إلى القبلة والشمال عكسها، والدبور هي من المغرب، والقبول عكسها والتي تدل على المطر هي الجنوب منها روي أن النبي - ﷺ - قال: "ما هبت جنوب قط إلا أسالت واديًا". وقال ابن مسعود [٢٦١ أ/٣] ﵁: إن الله تعالى أرسل الرياح فتحمل الماء من السماء، ثم يمر به السحاب حتى يدر كما تدر اللقحة، ثم يمطر، ويستحب إذا هبت الرياح أن يصنع كما كان رسول الل - ﷺ - يصنع، وهو أن يجثو على ركبتيه على ما قدمناه، ويقول ما قاله. ولا يجوز أن يسب الريح، لأنها من خلق الله تعالى وهي جند من أجناده يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء، وقد شكى رجل إلى وسول الله - ﷺ - الفقر فقال: "لعلك تسب الريح " وقال النبي - ﷺ -:"الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فلا تسبوها وسلوا الله خيرها وعودوا إذا أتت بحرية، ثم استحالت شامية، فهي أمطر لها"، وروي "فهي غير غدقة" يعني كثيرة. ومعناه إذا نشأت من ناحية البحر وأخذت نواحي الشام دلت على المطر.
فرع
إذا نشأت السحاب فالمستحب أن يصنع ما كان رسول الله - ﷺ - يصنع قالت عائشة: كان رسول الله - ﷺ -: "إذا أبصر شيئًا من السماء" يعني من السحاب "ترك عمله واستقبله، وقال: "اللهم إني [٢٦١ ب/٣] أعوذ بك من شر ما فيه فإن كشفه حمد الله تعالى" وإن مطرت قال: "اللهم سقيًا نافعًا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا شاهد البرق أو الودق لا يشير إليه قال الشافعي: لم أزل أسمع عددًا من العرب يكره الإشارة إليه، فإذا رأي البرق فينبغي أن يفزع منه وكذلك الرعد، فإن النبي - ﷺ - كان إذا رعدت السماء أو برقت عرف ذلك في وجهه، فإذا أمطرت سُرَّيَ عنه، فسأل عن ذلك فقال: إني لا أدري بم أرسلت بعذاب أو برحمة".
قال الشافعي: وقال مجاهد: الرعد ملك والبرق أجنحة الملك تشقق السحاب. قال: ما أشبه ما قال بظاهر القرآن وهو قوله تعالى: ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ
[ ٢ / ٥١١ ]
بحمده والْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد:١٣]
وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله تعالى بعث الحاب فنطقت أحسن المنطق وضحكت أحسن الضحك" فالرعد نطقها والبرق ضحكها. والمستحب: إذا سمع حنين الرعد أن يقول: سبحان من يسبح له الرعد بحمده.
قال الشافعي: قال ابن عيينة: قلت لابن طاوس ما كان أبوك يقول: إذا سمح الرعد فقال: كان يقول: سبحان من سبحت له [٢٦٢ أ/ ٣]، قال الشافعي: ذهب إلى قول الله تعالى ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣] فثبت أن الرعد ملك يسبح به، فأما الصواعق فنستعيذ بالله منها، فإنها ربما أهلكت وأحرقت وقتلت قاله مجاهد، وقال: هي غير هذا يعني غير البرق والرعد، وروي عن ابن عباس قال: كنا مع عمر ﵁ في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين سمع الرعد: سبحان من سبح الرعد بحماه والملائكة من خيفته ثلاثًا. عوفي من ذلك الرعد فقلنا فعرقنا.