مسألة: قال:"وَأُحِبُّ السِّوَاكَ للصَّلوَاتِ".
الفصل
وهذا كما قال. لما فرع ش ذكر المياه والأواني، بدأ بذكر أحكام الوضوء، وقدمها على أحكام الغسل؛ لأنه أكثر فروعًا، ثم بدأ في أمر الوضوء بباب السواك لأنه يندب إليه في الوضوء وفي غيره. وجملته: أن السواك سنة مستحبة. وقال: أراد أهل الظاهر هو
واجب عند كل صلاة، لكن تركه لا يقدح في الصلاة وقال إسحاق: السواك واجب، فإن تركه عامدًا يبطل الصلاة. وهذا غلط لما احتج به الشافعي، أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، قال: ولو كان واجبًا لأمرهم به شق أو لم يشق. وفي بعض النسخ: "أو لم يشقق" والأصل في استحبابه أخبار كثيرة منها هذا، وأيضًا فقد روت عائشة - ﵂ - قالت: و"كان السواك من رسول الله ﷺ مثل القلم من لدن الكاتب" وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: "أربع من سنن المرسلين؛ الحناء، والسواك، والتعطر والنكاح"
وروي أن النبي ﷺ قال: "طهروا أفواهكم لقراءة القرآن" يعني بالسواك.
[ ١ / ٦٨ ]
وروي أن النبي ﷺ قال: "السواك مطهرة للفم، مرضاة [٤٢ أ/ ١] للرب، مثراة للمال، مطردة للشيطان".
وروي أنه ﷺ قال: "صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك"
وقال أيضًا ﷺ: "أوصاني جبريل ﵇ بالسواك حض خفت أن يدرني". وروى أنه قال: "استاكوا ولا تأتوني قلحا" والقلم صفرة الأسنان وروي أنه ﷺ "كان إذا قام من الليل شوص فاه بالسواك"
قال أبو عبيد: الشوص هو الغسل والمص مثله.
وروى عكرمة عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال" في السواك عشر خصال: مطهرة للفم، مرضاة للرب، مسخطة للشيطان، مفرحة للملائكة، مذهب الجفر، ويجلو البصر، ويشد اللثة، ويطيب الفم، ويقطع البلغم، ويزيد في الحسنات".
وهو من السنة ويستحب في خمسة أحوال عند القيام من النوم، وعند الوضوء للصلاة، وعند القيام للصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند تغير الفم. والفم يتغير في أربعة أحوال عند كثرة الكلام، وعند طول السكوت، وعند شدة الجوع، وعند أكل الأشياء المريحة كالبصل والثوم. وقول الشافعي: "والأزم" قيل: أراد طول السكوت. وقيل: فرط الجوع، وهذا أصح، لأن عمر - ﵁ - قال للحارث بن كلدة وكان طبيب العرب ما الداء؟ قال: الأكل. قال: فما الدواء؟ قال: الأزم - يعني به الجوع من الحمية، وفيما نقل المزني خلل عن ثلاثة أوجه:
أحدها: نقل [٤٢ ب/ ١] واجب السواك للصلاة عند كل حال تغير فيها الفم، وهو خلاف المذهب، فكان من حقه أن يزيد واو فيقول: وعند كل حال.
والثاني: نقل "وكل ما يغير الفم" وفي نسخة: "كل ما يغير الفم"، ولفظ الشافعي: "وأكل ما يغير الفم"، فصحف الأكل بالكل، وهذا توهم أنه إذا تغير فمه عند الصوم بالخلود يستاك، وهذا ليس بمذهب، وفيما قاله الشافعي احتراز عن هذا.
والثالث: أنه نقل الخبر وعطف عليه: "ولو كان واجبًا"، والشافعي قال: "وليس
[ ١ / ٦٩ ]
بواجب" ولو كان واجبًا بذكر المذهب ثم اشتغل بالاستهلال، وحذف المزني المذهب، والأحسن ما ذكره الشافعي.
فإذا تقرر هذا، فهو مستحب في كل الأوقات إلا للصائم، ثم بعد الزوال خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يكره له ذلك يعد الزوال أيضًا وهو في ثلاثة أحوال أشد استحبابًا
للصلوات والاستيقاظ من النوم. قالت عائشة - ﵂ -: "كان رسول الله ﷺ إذا رقد ليلًا أو نهارًا ثم استيقظ استاك". والحالة الثالثة عند تغير الفم.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وأحب أن لا يستاك بخشبة يابسة لجرح الفم ولا بخشبة رطبة لا تنفي، ولكن يستاك بخشبة يابسة قد لينت بالماء حتى تزيل الصفرة ولا تجرح". قال: "وبأي شيء استاك مما يقلع الصفرة [٤٣ أ/ ١] ويزيل الوسخ جائز". ولا فرق بين العود والخرقة والخشب، فإن اقتصر على إصبعه لم يجزه، لأنه لا ينفي؛ وعندي أنه إذا كان إصبعه خشنًا كما يكون للعمال يقوم مقام السواك. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال" "الأصابع تجزئ عن السواك" ويمرر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه ليجلو جميعًا من الصفرة، ويمره على سقف حلقه إمرارًا خفيفًا ليزيل الخلوف عنه، ويستاك على عرض الفم، لما روي أن النبي ﷺ: كان يستاك عرضًا. وروي أنه قال ﷺ: "استاكوا عرضًا، وادهنوا غبًا، واكتحلوا وترًا"، وإنما قال: "وادهنوا غبًا" لما فيه من دون الثوب، ولهذا نهى رسول الله ﷺ عن كثرة الأرقاء، وقال أبو عبيد: هو كثرة التدهين. وروي أنه ﷺ قال: "ادهنوا يذهب البؤس عنكم والبسوا تظهر نعمة الله عليكم، وأحسنوا إلى مواليكم فإنه أكبت لعدوكم".
فرع
يستحب من يبدأ في السواك بجانبه الأيمن، لما روى أن النبي ﷺ كان يحب التيامن في كل شيء حتى في سواكه وظهور وانتقاله.
فرع آخر
يستحب أن يستاك بالأراك لما روى أبو خيرة "أن النبي صلى اله عليه وسلم كان يستاك بالأراك" فإن تعذر استاك بعراجين النخل، فإن لم يكن استاك بما يجده.
فرع
لا يعد السواك من [٤٣ ب/ ١] سنن الوضوء، بل هو سنة بنفسه.
وقيل: فيه وجه آخر أنه من سنن الوضوء وليس بشيء.
[ ١ / ٧٠ ]
فرع
جلاء أسنانه بالحديد أو يردها بالبرد مكروه؛ لأنه يذيب الأسنان، ويقضي إلى تكسيرها، ولأنها تخشن فتتراكب الصفرة والخلوف قيها، ولذلك "لعن رسول الله ﷺ الواشرة والمتوشرة". وهي التي تبرد أسنانها بالمبرد.
فرع آخر
قال أصحابنا: يستحب أن يقلم الأظفار، ويغسل البراجم، ويقص الشارب، وينتف الإبط، ويحلق العانة؛ لما روت عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقلم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاص الماء" يعني الاستنجاء: قال الراوي: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة والاستنشاق، ولم يذكر إعفاء اللحية، وزاد: والختان. وقال: والانتضاح بدل الانتفاص. وقوله: من الفطرة: أي من السنة. يعني من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم في قوله تعالي: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وأول من أمر بها إبراهيم ﷺ وذلك قوله تعالى: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وكان من زي الكثيرين قص اللحى وتوفير الشارب، فندب ﷺ إلى مخالفتهم في الزي والهيئة [٤٣ أ/ ١] وغسل البراجم بتنظيف المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ. وأصل البراجم العقد التي تكون في ظهور الأصابع. وانتقاص الماء للاستنجاء به، وكذلك الانتضاح وأصله من النضج وهو الماء القليل.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يستحب أن يقول: عند ابتداء السواك: اللهم بيض به أسناني وشد به لثتي، وأثبت بها لهاتي، وباراك لي فيه يا أرحم الراحمين.