مسألة: قال: والسنة أن يغتسل للجمعة.
الفصل
[١١٦ ب/ ٣] وهذا كما قال. قد شرحها هذا فيما تقدم وقول الشافعي: من ترك الغسل لم يعد أراد أنه لا يعيد الصلاة وهذا إجماع، وإن أوجبه مالك هذا الغسل ويقرأ لم يعد هو بفتح الياء وضم العين من العود لا من الإعادة، ومعناه: أنه لا يرجع الاغتسال إذا تضيق الوقت خلافا لمالك ﵀ وحيث قال: يلزمه أن يرجع ما لم يخف فوت الصلاة.
مسألة: قال: فإذا زالت الشمس وجلس الإمام على المنبر فقد انقطع الركوع.
الفصل
وهذا كما قال إذا دخل المسجد قبل الخطبة صلى تحية المسجد وله أن يتنفل، وقيل: يستحب إلى أن يخرج الإمام ويستوي على المنبر جالسًا ويأخذ المؤذنون في الأذان فإذا جلس على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان انقطع ركوع من حضر، فمن لم يكن في الصلاة لا يبتدئ بها ومن كان فيها خففها، وأما الكلام فمباح له إلى أن يأخذ الإمام في الخطبة، والفرق أن الكلام يمكن قطعه حتى يأخذ الإمام في الخطبة، والصلاة إذا ابتداء بها في حال الأذان أن لا يمكنه قطعها إذا أخذ الإمام [١١٧ أ/ ٣] في الخطبة فكرهنا له أن يبتدئ بها إذا أخذ المؤذنون في الأذان لئلا يأخذ الإمام في الخطبة وهو في الصلاةء وبهذا قال أحمد ﵀.
وقال أبو حنيفة: إذا خرج الإمام حرم الكلام في الوقت الذي ينهى عن الصلاة فيه، واحتج بما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من اغتسل يوم الجمعة
[ ٢ / ٣٨٠ ]
واستاك ومس من طيب إن كان عنده، ولبس أحسن ثيابه ثم جاء إلى المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء أن يركعء ثم أنصت إذا خرج الإمام حتى يصلي كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها" فدل على أن خروج الإمام يوجب الإنصات، وهذا غلط لما روى ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي مالك أنه يقول: قعود الإمام يقطع السجدة وكلامه يقطع الكلام وأنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب ﵁ يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذنون وقام عمر سكتوا فلا يتكلم أحد. وأما الخبر الذي ذكروه قلنا: قد روي: وأنصت إذا خطب الإمام [١١٧ ب/ ٣] أو نحمله على هذا بدليل ما ذكرنا. وأما إذا دخل واحد المسجد والإمام يخطب ملى ركعتين تحية المسجد، ويخففهما ثم يجلس ويسمع الخطبة سواء كان الإمام في الخطبة الأولى أو الخطبة الثانية، ويستحب له ذلك، وبه قال الحسن ومكحول والثوري وأحمد وإسحاق ﵏.
وقال مالك والليث وأبو حنيفة: ويكره ذلك ويحكى هذا عن الثوري وقال الأوزاعي: إن كان قد صلى في بيته ركعتين فلا يصلي وإلا فيصلي مكانه يجيز تحية المسجد في بيته واحتجوا بما روى عبد الله بن بسر صاحب رسول الله - ﷺ - أن رجلًا جاء يتخطى رقاب الناس فقال له النبي - ﷺ -: "اجلس فقد آذيت وآنيت"، وهذا غلط لما احتج به الشافعي حديث سليك الغطفاني وهو ما روى جابر ﵁ قال: جاء سليك هذا يوم الجمعة، ورسول الله - ﷺ - يخطب فجلس فقال له: "يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" فإن قيل: روي في بعض الأخبار أنه - ﷺ - قال [١١٨ أ/ ٣] لسليك: "لا تعودن لمثل هذا"، قلنا: هذه الزيادة ليست في شيء من الأصول، ثم معناه لا تعودن إلى التأخير واحتج أيضًا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، وتمام الخبر ما روي أن مروان بن عبد الملك لما ولي الخلافة كان يخطب بنفسه والناس يبغضونه ولا يستمعون لخطبته ويصلون عندها، فعلم مروان ذلك فأمر زبانيته أن يطوفوا في المسجد عند خطبته فيقعدوا الناس عن الصلاة، فدخل أبو سعيد يومًا ومروان يخطب، فقام يصلي فأتاه زبانيته ليقعدوه فلم يقعد حتى صلى ركعتين فقيل له: كاد هؤلاء الزبانية يأكلونك فما منعك من أن تدعهما؟ فقال: ما كنت لأدعهما بعد شيء سمعته من رسول الله - ﷺ -، ثم روى خبر سليك الغطفاني، وأما خبرهم قلنا: يحتمل أنه أمره بالجلوس، لأنه كان في آخر الخطبة، أو كان الموضع مضيق عن الصلاة.
[ ٢ / ٣٨١ ]
فرع
قال في "الأم ": ولو دخل والإمام في آخر كلامه ولا يمكنه أن يصلي ركعتين قبل دخول الإمام في الصلاة فلا عليه أن لا يصليها؛ لأنه أمره بها عنا الإمكان، فإن لم يصل الداخل [١١٨ ب /٣] عند الإمكان كرهت له ذلك ولا إعادة عليه، وإن صلاهما وقد أقيمت الصلاة كرهت له ذلك، قال: وأرى الإمام أن يأمره بهما ويريد في كلامه بقدر ما يكملها فإن لم يفعل الإمام ذلك كرهت له ولا شيء عليه، وهذا إذا دخل في آخر الخطبة.
فرع
إذا أتى المسجد يستحب له أن يقدم رجله اليمنى ويقول: بسم الله اللهم اغفر لي، وقوّني، وافتح أبواب رحمتك. وقال المزني ﵀: من بلغ باب المسجد صلى على النبي - ﷺ - وقال: اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك وتضرع إليك وأنجح من طلب إليك.
فرع
إذا كان المسجد فارغًا، أو كان فيه من إذا تقام لا يتخطى رقاب الناس، فكلما كان إلى الإمام أقرب كان أفضل، وإن كان في المسجد من تقدمه كرهنا له أن يتخطى رقاب الناس، سواء كان له مجلس عادة يصلي فيه أو لم يكن، وسواء كان الإمام قد ظهر أو لم يظهر. وقال مالك: إذا خرج الإمام كره ذلك وقبل خروجه لا يكره، وقال الأوزاعي: إن كان له موضع راتب لم يكره له التخطي إليه وإلا كره، وهذا غلط [١١٩ أ/ ٣] لما روي أن رجلًا دخل المسجد يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب فقال له: "اجلس فقد آذيت وآنيت". وروى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "إن الذي يتخطى رقاب الناس، ويفرق بين الاثنين يوم الجمعة والإمام يخطب كالجار قصبته في النار". وروي أن الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي جاء يوم الجمعة فأوسعوا له، فأبى أن يجلس وجلس في الشمس فقيل له: أوسعنا لك، فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة والإمام يخطب فكأنما يجر قصبته في النار".
وقال الشافعي ﵀: ولأن فيه أذى وسوء أدب فيكره.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": وإن كان دون مدخله زحام وأمام الزحام فرجة، فإن كان تخطيه إلى الفرجة بواحد واثنين رجوت أن يسعه التخطي إليها، لأنه يسير فإن كثر كرهت له ذلك، فإن لم يجد السبيل إلى مصلى يصلي فيه الجمعة إلا بالتخطي وسعه التخطي إن شاء الله؛ لأنه موضع ضرورة.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
فَرْعٌ آخرُ
ولو علم أنه إذا صبر حتى تقام الصلاة [١١٩ ب / ٣] تقدم الناس واتسع المكان كرهنا له التخطي، ويصبر حتى تقام الصلاة، فإن خالف وتخطى فقد أساء وتجزيه الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وإن كان الزحام للإمام الذي يصلي الجمعة لم أكره له من التخطي ما أكره للمأموم؛ لأنه مضطر إلى أن يمضي إلى الخطبة والصلاة بهم.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وأحب إذا نعس في المسجد يوم الجمعة ووجد مجلسًا غيره لا يتخطى فيه أحدًا أن يتحول عنه. قال الشافعي: لأنه إذا تحول أحدث له القيام واعتساف المجلس ما يذعر عنه النوم وروى ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: "إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره ".
فرع
قال: وان ثبت في مجلسه ناعسًا كرهت له ذلك، ولا إعادة للوضوء إذا لم يرقد زائلًا عن حد الاستواء، وإن قدر على دفع النوم عن نفسه بوجه برأه من ذكر أو حركة أو غيرها لم يكره له المقام فيه، بل يستحب له المقام.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ويكره للرجل أن يقيم الرجل عن مجلسه، ويجلس هو في مكانه إماما كان أو مأمومًا في يوم الجمعة وغيره؛ لأن السابق إلى المكان هو أحق به، فإن [١٢٠ أ/ ٣] اختار صاحب المكان أن يقوم منه ويجلس غيره فيه لم يكره للثاني أن يجلس في مكان الأول، فأما الأول فإن تحول إلى حيث يسمع الخطبة على ما كان في المجلس الأول لم يكن له، فإن تباعد عن ذلك يكره له.
فَرْعٌ آخرُ
لو نصب رجل صاحبا له يجلس في مكان حتى إذا جاء هو قام وجلس هو فيه لم يكره له، ولا يكره لهذا الجالس أن يتحول عنه أيضًا. وروى ابن المنذر أن محمد بن سيرين كان يرسل غلامًا إلى مجلس له يوم الجمعة فيجلس فيه، فإذا جاء محمد قام الغلام وجلس فيه محمد.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو لم يفعل هكذا ولكن بعث شيئًا يفرش له حتى إذا جاء جلس عليه وصلى قال في "الأم": ليس لغيره أن يجلس عليه؛ لأنه ملك لغيره، وقال الشيخ أبو حامد ﵀: ولكن له أن ينحيه ويجلس في ذلك المكان: لأن الحرمة للإنسان دون فرشه.
فَرْعٌ آخرُ
لو قام رجل من مكان لحاجة، ثم عاد إليه كان أحق من غيره لقوله - ﷺ -:"إذا قام أحدكم من مجلسه يوم الجمعة، ثم عاد إليه فهو أحق به".
فَرْعٌ آخرُ
قال: متى جلس في مكان جلس في صف مستقبل القبلة على العادة [١٢٠ ب/ ٣] فإن ضاق به المكان لضيق المسجد وكثرة المصلين فجلس مستقبل المصلين لم يكر له.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو جاء والموضع ضيق بأهله يقول: تفسحوا أو توسعوا. ولا يقيم أحدًا من مجلسه لقوله - ﷺ -: "لا يقيمن أحدكم الرجل من موضعه ثم يخلفه فيه"، ولكن يقول: توسعوا وتفسحوا". قال: فإن قعد المأموم في مصلى الإمام أو في طريق الناس، أو قعد مستقبلًا للمصلين والمسجد امتلأ من الناس لا تكره إقامته؛ لأن في جلوسه ضررًا على الناس.
فَرْعٌ آخرُ
قال: الجلوس يوم الجمعة كالجلوس في جميع الحالات إلا أن يضيق على من يقاربه ويجاوره كأنه اتكأ، فأخذ من المكان أكثر مما يأخذ الجالس أو يمد رجليه، أو يلقي يديه من خلفه فهذا كله مكروه إلا أن تكون به علة فلا أكره شيئًا من هذا، وأحب إذا كانت به علة أن يتنحى إلى موضع لا يزاحم فيه الناس، فيفعل من هذا ما فيه الراحة لبدنه ولا يزاحم غيره.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: لا يجلس حبوًا في حال الخطبة لما روى. معاذ ﵁ أن النبي - ﷺ -: "نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب"، والمعنى أن [١٢١ أ/ ٣] الاحتباء يجلب النوم ويعرض طهارته للانتقاض فنهى عن ذلك، وأمر بالاستيفاز في القعود
[ ٢ / ٣٨٤ ]
لاستماع الخطبة والذكر، وفيه دليل على أن الاستناد يوم الجمعة في ذلك المقام مكروه؛ لأنه بعلة الاحتباء إذا كثر. وروي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يجلس محتبيًا، ولعله كان لعذر.
ولحو أحدث واحد فليأخذ بأنفه ولينصرف، لما روت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: "إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف"، وهذا ليوهم القوم أن به رعافًا وفي هذا بيان الأدب في ستر العورة
وإخفاء الأمر القبيح، والتورية بما هو أحسن، ولا يدخل هذا في باب الكذب والرياء، وإنما هو في باب التجمل واستعمال الحياء.
فرع
قال أصحابنا: الأفضل للمقصورة على غيرها لأنها شيء محدث، وأول من أحدثها معاوية ﵁ والاختيار للصف الأول من غير تخصيص.
مسألة: قال: وينصت الناس ويخطب الإمام قائما خطبتين.
وهذا كما قال إذا خطب الإمام فإن الناس ينصتون لاستماع الخطبة لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ [١٢١ ب/ ٣] وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
وهل واجب أو مستحب؟ قال في "الإملاء" و"القديم": هو واجب، والكلام في حال الخطبة محرم، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأحمد وابن المنذر ﵏.
وقال في "الجديد": هو مستحب غير واجب، وبه قال عروة بن الزبير والشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والثوري فحصل قولان، وجه القول الأول: ما روى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " فإذا اللغو لإثم بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣].
وروى جابر ﵁ قال: دخل ابن مسعود ﵁ والنبي - ﷺ - يخطب فجلس إلى أُبيّ فسأله عن شيء فلم يرد عليه، فسكت حتى صلى النبي - ﷺ - فقال له: "ما منعك أن ترد علي" فقال: إنك لم تشهد معنا الجمعة قال: ولم؟ قال: تكلمت والنبي - ﷺ - يخطب فقام ابن مسعود، ودخل على النبي - ﷺ - فذكر له ذلك فقال: صدق أُبيّ وأطع أُبيًا".
ووجه القول الثاني: وهو الصحيح ما روى [١٢٢ أ/ ٣] أنس قال: "دخل رجل المسجد
[ ٢ / ٣٨٥ ]
والنبي - ﷺ - قائم على المنبر يوم الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأشار إليه الناس أن اسكت فلم يقبل فأعاد، ثم أعاد، فقال رسول الله - ﷺ - عند الثالثة: "ما أعددت لها" قال: حب الله ورسوله قال: "إنك مع من أحببت " وأما خبرهم فلا حجة فيه؟ لأنه جعله لاغيًا بكلامه في موضع الأدب وفيه السكوت وليس كل لغوًا إنما قال الله تعالى: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥. فإذا تقرر هذا فلا فرق بين القريب والبعيد والأصم والسميع؛ لأن الشافعي قال في "الأم" ومن بعد عن الإمام ولا يسمع الخطبة ومن قرب منه في الإنصات سواء، فإذا قلنا: إنه مستحب فهو مستحب للجميع.
وأما الخطبة فاعلم أنه لا تصح الجمعة إلا بالخطبة، ويجب أن يخطب قائما خطبتين يفصل بينهما بجلسة خفيفة، ولا يجوز أن يخطب مع القدرة إلا قائما، وقال الحسن البصري ﵀: الخطبة مستحبة غير واجبة، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]. والذكر: هو الخطبة وإذا وجب السعي إليها [١٢٢ ب / ٣] كانت واجبة، ولأن الله تعالى أوجب الجمعة إيجابًا مجملا وبيانه مأخوذ من فعل رسول الله - ﷺ - وهو كان يصلي ويخطب فثبت أنها واجبة، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة، وقال سعيد بن جبير رحمه لله: جعلت الخطبتان مقام مكان الركعتين، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجب فيهما القيام وتجوز قاعدًا، لأنها ركن ليس من شرطه استقبال القبلة فلا يجب له القيام كالأذان، وهذا غلط لما روي أن النبي الله كان يخطب قائما خطبتين يفصل بينهما بجلوس. رواه جابر، وابن عمر، وأبو هريرة ﵃، ولأنها ذكر مفروض في قيام مشروع فكان واجبًا كما في التكبير ولا يعتبر القيام بالاستقبال لأن الاستقبال يسقط في صلاة الخوف، ولا تسقط القبلة عند الإمكان فافترقا، فإذا تقرر هذا، فإن خطب جالسًا مع القدرة وصلى بطلت صلاته، ولو خطب جالسًا وهم يرونه صحيحًا فأخبرهم أني عاجز عنه قبلوا منه، لأنه أمين على نفسه وكذلك [١٢٣ أ/ ٣] في الصلاة، ولو علموا قارته على القيام فلا جمعة لهم، ولو لم يعلموا أنه صحيح أو مريض أجزأتهم الصلاة، لأنه الظاهر أنه لم يترك القيام إلا لعلة، ولو علمت بقدرته على القيام طائفة وجهلت طائفة فلا جمعة لمن علمت، وأما التي جهلت حاله فإن بلغوا أربعين صحت جمعتهم وإلا فلا تصح جمعتهم، وهو كما قلنا إذا كان الإمام جنبًا.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
فرع
لو حضر أربعون فسمع بعضهم الخطبة ولم يسمع الباقون لصممهم فالمذهب أنهم لا يصلون الجمعة، كشاهد النكاح إذا كان أصم، وفيه وجه آخر أنهم يصلون الجمعة ويجوز ذلك قياسًا على ما لو قال: لا أكلم فلانًا فكلمه بحيث يسمع غير الأصم فلم يسمع لصممه. قال الشافعي ﵀: يحنث في يمينه.
فَرْعٌ آخرُ
لو خطب جالسًا لعذر يخطب خطبتين. قال أصحابنا: ويفصل بينهما بسكتته ولم يجلس. نص عليه في "الأم" أنه لا يجوز، وإن لم يسكت ووصل بين الخطبتين.
قال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنها بدل من جلسة واجبة والثاني: يجوز لأنه قد يتخلل كلامه سكتات [١٢٣ ب/ ٣] غير مقصودة.
فَرْعٌ آخرُ
لو خطب خطبتين ولم يجلس بينهما فحسبهما خطبة واحدة، ثم قام وأضاف إليها أخرى نص في "الأم". وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله وأحمد: هذه الجلسة مستحبه غير واجبة، وهذا غلط لما ذكرنا أنه - ﷺ - "لم يتركها"، وبينا أن فعله واجب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا بأس به أن يخطب الإمام على شيء مرتفع من الأرض وغيرها وعلى المنبر ولم يقل: إن الخطبة أفضل وأولى. قال أصحابنا: والخطبة على المنبر هي أولى لأنه آخر الفعلين من رسول الله - ﷺ -، ولأنه أبلغ استماع الناس. هكذا ذكره القاضي الطبري، وقال أبو حامد: قال الشافعى ﵀: ويستحب أن يخطب على منبر، فإن لم يكن فعلى نشز لما روي أن النبي - ﷺ -: "كان يخطب على المنبر"، وهذا أولى.
ويستحب أن يكون [١٢٤ أ/ ٣] المنبر على يمين القبلة، ويمين القبلة هو الموضع الذي على يمين الإمام إذا توجه القبلة، وروي أن النبي - ﷺ -: كان يخطب بجنب جذع النخلة في المسجد ويجعلها على يسارهء وهو يقوم عن يمينها إلى أن أرسل رسول الله - ﷺ - إلى امرأة لها غلام نجار فقال: "مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليها إذا كلمت الناس"، فأمره فعملها من طرفاء الغابة. قال سهل بن سعد الساعدي ﵁: فرأيت رسول الله - ﷺ - كبر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "يا أيها الناس إنما صنعت هذا
لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي".
[ ٢ / ٣٨٧ ]
والغابة: هي الغيضة وكان المنبر مرقاتين فنزوله وصعوده خطوتان، وذلك في حد القلة فلا تبطل الصلاة وإنما نزل القهقرى لئلا يولي الكعبة قفاه.
واعلم أنه كان منبر رسول الله - ﷺ - ثلاث درج وكان يقف على الدرجة الثالثة التي تلي المستراح، ثم إن أبا بكر ﵁ [١٢٤ ب/ ٣] كان يقف على الثانية دون موقفه بدرجة، ثم جاء عمر فوقف على الأولى دون موقف أبي بكر بدرجة، ثم جاء عثمان ﵁ فصعد إلى الثانيةء وهي موقف أبي بكر ﵁ ثم جاء علي ﵁ فوقف على الثالثة موقف رسول الله - ﷺ - ثم إن مروان بن الحكم قلع المنبر في زمن معاوية وزاد فيه ست درج فصار عدد درجه تسعًا، فكان الخلفاء يرتقون إلى الدرجة السابعة الست التي زادها مروان والسابعة هي أولى مراتب الخلفاء الراشدين، ولو وقف يخطب من غير منبر، وقف على يمين القبلة.
فرع
لو نزل عن المنبر بعدما أخذ في الخطبة، ثم عاد إليه فإن كان الفعل يسيرًا بنى عليه، وان كان طويلًا استأنفها، نص عليه في "الأم"؛ لأن الخطبة لا تعد خطبة إذا فصل بينهما بنزول يطول.
فرع
الطهارة للخطبة هل هي واجبة أم لا؟ قال في "الجديد": لا تصح إلا بالطهارة، لأن النبي - ﷺ -: "كان يخطب متطهرًا"؛ لأنه كان يصلي في الخطبة وقد قال - ﷺ -: "صلوا كما رأيتموني [١٢٥ أ/ ٣] أصلي"، ولأن هذا ذكر هو شرط في صحة الصلاة فيشترط فيه الطهارة كالتكبير. وقال في "القديم": تصح بغير طهارة وقد أساء ولا أحب له أن يخطب إلا على طهارة، وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلا يشترط فيه الطهارة كالأذان، وهل تجب إزالة النجاسة عن ثوبه وبدنه في حال الخطبة؟ قولان كما قلنا في طهارة الحدث.
مسألة: قال: ولا بأس بالكلام ما لم يخطب.
وهذا كما قد ذكرنا أن الكلام لا يحرم ما لم يبتدئ ثم يخرج على أحد القولين.
وقال في "الأم": الكلام على ثلاثة أضرب:
ضرب يلزمه لأخيه مثل أن يراه يلسعه عقرب، أو رآه يتردى في بئر، أو يقع عليه هدم ونحو ذلك، فهذا لا يمتنع بالخطبة ويلزمه أن يخبره به بلا خلاف.
وضرب يعينه في نفسه: مثل سؤال النبي - ﷺ - قتلة ابن أبي الحقيقء وقول الأعرابي للنبي - ﷺ -، يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا أن يسقينا، وما أشبه ذلك فهذا مباح غير مكروه قولًا واحدًا.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وضرب لا يلزمه [١٢٥ ب/ ٣] لأخيه ولا يعينه في نفسه، مثل أن يقول لصاحبه وهو يتكلم: اسكت أو اقبل على الخطبة، أو يحدثه بحادث سرور أو مصيبة، فهذا ومكروه وليس بمحرم في أحد القولين.
وقال أبو إسحاق: يحرم في أقوى القولين. فإذا تقرر هذا فلو كان بعيدًا من الإمام لا يسمع خطبته فهو بالخيار بين أن ينصت وبين أن يقرأ القرآن ويذكر الله تعالى في نفسه، ولا يكلم الآدميين نص عليه في "الأم". قال عثمان بن عفان ﵁: للمنصت الذي لا يسمع مثل ما للمنصت السامع، وقيل: هل له قراءة القرآن؟ وجهان: بناء على أن المأموم البعيد من الإمام هل يسن له قراءة السورة؟ وجهان: ولا معنى لهذا مع ما ذكرنا من النص، وإن كان قريبًا من الإمام يسمع الخطبة فالإنصات أولى من قراءة القرآن وذكر الله تعالى.
فرع
إذا قلنا: يحرم الكلام يحرم على الإمام أيضًا في خطبته نص عليه في "الإملاء" و"القديم".
فَرْعٌ آخرُ
وقت تحريم الكلام هو من حين يأخذ في الخطبة حتى يفرغ من الخطبتين جميعًا وجلوسه بينهما يجري مجرى الخطبة في ذلك [١٢٦ أ/ ٣] نص عليه. وذكر بعض أصحابنا أنه لا يحرم في الجلسة بين الخطبتين. ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀ وفيه نظر.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب له أن لا يتكلم حتى يفرغ الإمام من الصلاة، فإن تكلم بين الإحرام بالصلاة والفراغ من الخطبة فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة ﵀: يكره الكلام فيه لأنها حالة تكره فيها الصلاة. وهذا غلط لما روى أنس رضي االله عنه أن النبي - ﷺ -:كان ينزل يوم الجمعة من المنبر فيقوم معه كالرجل فيكلمه في الحاجة ثم ينتهي إلى مصلاه، فيصلي ويخالف الصلاة لأنها تقطعه عن الاشتغال بالفرض بخلاف الكلام.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو عطش رجل في حال خطبته فلا بأس أن يشرب وإن لم يكن عطشان ولكنه يتلذذ بشربه، فإنه يكره، ولا يحرم على قوله "الجديد" هكذا أورده القاضي الطبري. وذكر أبو حامد ﵀ عن "الأم" أنه قال: إذا عطش الإمام له أن يشرب على المنبر وإن كان يؤيد ذلك للتبرد والتلذذ لا للعطش فإنه يجوز ذلك [١٢٦ ب/ ٣] ولكن يستحب أن يكف وهذا أظهر. وقال الأوزاعي ﵀: إذا شرب الماء تبطل جمعته وهذا خلاف الإجماع.
فرع
المستحب للناس إذا خطب الإمام أن يحولوا وجوههم إليه ويسمعون الذكر
[ ٢ / ٣٨٩ ]
والمستحب للإمام أن يخطب ووجهه إلى الناس، ولا يستحب للمؤذن أن يقبل بوجهه إلى القوم بل يستحب له استقبال القبلة حال الأذان. قال البراء بن عازب ﵁: "كان رسول الله يخطبنا وكنا نستقبله بوجوهنا ويستقبلنا بوجهه" ولو خطب الإمام ورفع صوته حتى سمع الحاضرون خطبته جاز استقبلهم أو لم يستقبلهم؛ لأن سماع الخطبة قد حصل.
فَرْعٌ آخرُ
لو أسمع نفسه أو لم يسمع الحاضرين ظاهر المذهب أنه لا يعتد بها. وقال أبو إسحاق ﵀: يحتمل أن يعتد بها كما لو أسر بالقراءة في الصلاة، ويحتمل أن لا يعتد بها كما لو أذن بحيث لا يسمعه غيره. قال أبو حامد: هذا هو الصحيح عندي لأنها بالأذان أشبه.
مسألة: قال: فإذا فرغ أقيمت الصلاة فيصلي بالناس ركعتين.
الفصل
[١٢٧ أ/ ٣] وهذا كما قال إذا فرغ من الخطبتين أقام المؤذن الصلاة، لأن الإقامة لاستفتاح الصلاة والمستحب أن يأتي بها عقيب الخطبتين لتكون صلاة الجمعة عقيبها بلا فصل، ولو أقام قبل الفراغ من الخطبة هل يحتسب؟ وجهان:
أحدهما: لا وهو الأقيس، لأنه لا يصح الابتداء بالجمعة في تلك الحالة.
والثاني: يحتسب كما قبل الطهارة. وقيل: إن فرغ منها بعد الفرغ من الخطبة جاز وإلا فلا، فإذا فرغ من الإقامة فالإمام يصلي بالناس ركعتين. قال عمر بن الخطاب ﵁: صلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان تماما غير قصر على لسان نبيكم - ﷺ -.
والمستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة وسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية بالفاتحة وسورة المنافقين. وقال أبو حنيفة ﵀: يكره تعيين سورة من القرآن سوى الفاتحة حتى لا يقرأ غيرها. وهذا غلط لما روي عن عبد الله بن أبي رافع كاتب علي ﵁ قال: كان مروان بن الحكم يستخلف أبا هريرة ﵁ على المدينة فاستخلفه مرة فصلى الجمعة فقرأ في [١٢٧ ب /٣] الركعة الأولى بالجمعة، وفي الثانية: بسورة المنافقين، فلما انصرف مشيت إلى جنبه فقلت: يا أبا هريرة لقد قرأت بسورتين قرأهما علي ﵁، فقال إن رسول الله - ﷺ - كان يقرأهما، فإن قيل: روى سمرة بن جندب ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الجمعة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وقلنا: ما رويناه
[ ٢ / ٣٩٠ ]
أولى؛ لأنه عمل به علي بن أبي طالب وأبو هريرة ﵄ ولأن فيها حثًا على الجمعة فكانت أولى، فإن قيل: إنما قرأهما النبي - ﷺ - لأجل من كان في زمانه من المنافقين قيل: لا يخلو عصر من الأعصار من المنافقين، فإن قرأ غير هاتين الصورتين جاز لما روى سمرة، وروي أنه - ﷺ - قرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١].
فرع
لو قرأ سورة المنافقين ني الركعة الأولى قبل الفاتحة، ثم قرأ الفاتحة قال الشافعي ﵀: يجوز له أن يركع وهذا لا شك فيه، لأن قراءة السورة غير واجبة. قال: ولو قرأ معها شيئًا من الجمعة كان أحب إلي [١٢٨ أ/ ٣] وإنما استحب أن يقرأ شيئًا من الجمعة لأن ما بعد الفاتحة محل قراءة سورة الجمعة في السنة، ولم يأمر باستيفائها إلى آخرها لئلا يطول على المأمومين بالجمع بين السورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة.
قال: ويقرأ في الركعة الثانية سورة الجمعة، لأنه لم يقرأ بها في الركعة الأولى فاستحب قراءتها في الركعة الثانية لئلا يقوم فيصليها، والمعنى الذي يختص بها من السنة على فرض الجمعة والأذكار بها والحث على فعلها، فإذ قيل: قد قلتم في الطائف: إذا نسي الرمل في الثلاثة ومشى فيها يمش في الأربعة أيضًا ولا يرمل، فقولوا: هاهنا يقرأ في الركعة الثانية بسورة ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١] حتى لا يؤدي إلى ترك السنة في الركعتين قلنا: الفرق أن الرمل في الأربعة الأخيرة مكروه لا ثواب فيه بوجه فا يستحب فعله فيها، وهاهنا قراءة سورة الجمعة في الركعة الثانية ليست بمكروهة وهذا. . . وليس فيه لأنهم على يقين من الدخول في الوقت وفي شك من أن الجمعة لا تجزي عنهم فهو كمن استيقن الطهر ثم شك في انتقاضه.
فَرْعٌ آخرُ
لو شك قبل الدخول في [ب /١٢٨ - ٣] الجمعة أن الوقت قد خرج أو هو باق لا يبتدئ الجمعة لأنه لم يستيقن سبب الجواز ولو شك في أثناء الصلاة هل خرج وقتها أم لا؟ أتمها جمعة، لأن الأصل بقاء الوقت وصحة الجمعة.
فَرْعٌ آخرُ
لو شك قبل الصلاة هل ترك فرضًا من الخطبة؟ يلزمه إعادتها، وفيه وجه آخر أنه لا يؤثر الشك بعد الفراغ منها وليس بشيء.
[ ٢ / ٣٩١ ]
فرع
لو قام المسبوق لقضاء ما عليه من الركعة فخرج الوقت يتمها ظهرًا نص عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: هذا هوا لأصح، والثاني: يتمها جمعة ولا معنى لهذا عندي مع النص الظاهر.
مسألة: قال: ومن أدرك مع الإمام ركعة بسجدتين أتمها جمعة.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أرك المأموم الإمام في صلاة الجمعة قبل أن يرفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، وأحرم ودخل معه في الركوع فقد أدرك الركعة الثانية، فصار مدركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وبنى [١٢٩ أ/ ٣] عليها ركعة أخرى، وإن فاته الركوع الأخير يتبعه فيما بقي ولا يكون ماركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وبنى عليها ركعة أخرى، وان فاته الركوع الأخير يتبعه فيما بقى ولا يكون مدركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وصلى الظهر أربعًا، فإن ركع ثم شك هل كان راكعًا قبل أن يرفع الإمام رأسه أم لا، لا يعتد بتلك الركعة؟ لأنه لم يتيقن إدراك الركوع فيلزمه أن يصلي الظهر أربعًا، وبه قال ابن عمر وابن مسعود وأنى وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي ومالك والزهري والثوري وأحمد وإسحاق وزفر ومحمد ﵃.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: من أدرك جزءًا منها فقد أدرك الجمعة وإن قل، وبه قال النخعي في رواية والحكم وحماد وقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول: لا يكون مدركا للجمعة إلا بإدراك الخطبة والصلاة، وبه قال عمر ﵁ وهذا غلط لما روى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ومن أدرك دونها صلاها أربعًا"، ولأنه لم يدرك وركعة من الجمعة فلا يصليها جمعة كالإمام إذا انفض عنه القوم قبل [١٢٩ ب/ ٣] أن يصلي ركعة بسجدة.
فإذا تقرر هذا، فلو أدركه راكعًا فركع معه ورفع معه وسجد، ثم شك هل سجد معه سجدة أو سجدتين، فإن كان هذا قبل سلام الإمام سجد أخرى في المال وصار مدركًا للجمعة بإدراك ركعة حكمًا، وذلك أنه أتى بالسجدة في حكم متابعته، وقد ذكرنا فيما سبق فيه وجهان عن أصحابنا أنه لا يكون مدركًا للجمعة وإن كان هذا بعد سلام الإمام سجد سجدة أخرى، ولا يكون مدركا للجمعة لأنه أدرك معه ركعة إلا سجدة.
فرع
لو أدرك معه ركعة تامة سلم الإمام، وقام المأموم فأتى بالثانية، ثم ذكر أنه نسي سجدة من إحداهما ولا يعلم هل هي من الأولى أو من الثانية، اعتد من كل هذا بركعة وكان فرضه الظهر لأنه أدرك ركعة إلا سجدة في أشد الحالين فيأتي بثلاث ركعات أخر.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى الإمام الجمعة ثلاثًا ساهيًا، فأدرك وجل معه الركعة الثالثة، قال ابن الحداد: كان مدركًا ركعة من الظهر، لأن هذه الركعة لا يحتسب بها من الجمعة، ولو صلى ثلاث ركعات ساهيًا، ثم قال: نسيت سجدة ولا أدري أهي من الأولى أم من الثانية؟ [١٣٠ أ/ ٣] كان الجواب هكذا؛ لأن السجدة المنسية يجوز أن تكون من الركعة الأولى، فتكون الأولى تمت بالثانية وتكون الثالثة ثانية، ويكون المأموم مدركًا للجمعة. ويحتمل أن تكون السجدة المنسية من الركعة الثانية فتتم الثانية بالثالثة؛ لأنه تحصل له الثانية إلا سجدة فيكون قيامه في الثالثة وركوعه فيها لغو، وتنضم سجدة واحدة منها إلى الثانية فتتم الثانية بهذه السجدة، ويكون الباقي من الركعة الثالثة لغوًا لا يحتسب به، وإذا أدرك ما لا يحتسب به فلا يكون به مدركًا للجمعة، فإن كان الإمام يحيط علمًا بأن السجدة المنسية من الأولى فإن الركعة الثالثة مجزية من الداخل من الجمعة؛ لأن الأولى تتم بالثانية وتكون الثالثة هي الثانية ويكون محتسبًا بها فصار مدركًا للجمعة بإدراكها.
فرع
لو أدرك الثانية من الجمعة، فلما سلم الإمام قام لقضاء ما فاته، فتذكر الإمام أنه نسي سجدة من الأولى، وإن عملت في الثانية كلًا عمل، فقام يصلي ركعة فاقتدى هذا المسبوق به تمت جمعته، وإن لم يقصد الاقتداء به بل أتم بنية الانفراد كما يفعل المسبوق لم تجز جمعته، وهل يجزئ [٣٠ ب / ٣] طهره؟ فعلى قولين لأنه طهر قبل فوات الجمعة، وإنما جازت جمعته في المسألة الأولى لأنه حصل مقتديًا به في ركعة هي محسوبة للإمام من الجمعة وهي الأخيرةء فلا يضر أن يكون في الأول منفردًا فإن قيل: فجوزوا أن يصلوا ركعة منفردا، ثم يصلي صلاته بصلاة الإمام فيصلي معه ركعة ويتم جمعته قلنا: لا يجوز هذا؛ لأنه قصد بها الانفراد فلم تصح نية الجمعة، وها هنا نوى الجمعة والاقتداء فلا فرق بين أن يجعل له صحة الاقتداء في الأولى أو في الثانية، وعلى هذا قال ابن الحداد: لو صلى الإمام في الجمعة ثلاثًا ساهيًا وكان قد ترك سجدة من الأولى فاقتدى به رجل في ركعته الثانية، وظن أنها أولاه وصلى معه ركعتين جازت جمعته وتمت، وان كانت الثانية غير محسوبة للإمام.
قال القفال رحمه انه: وعلى هذا لو صلى الإمام ثلاثًا ساهيًا ولم يترك سجدة فأدرك معه رجل الركعة الثانية وظن أنها الأولى، فإذا هي الثانية فصلى معه تلك الركعة، وركعة بعدها تمت جمعته، لأن عنده أنه مصيب في الاقتداء به في الركعتين [١٣١ أ/ ٣].
مسألة: قال: وحكى في أداء الخطبة: استواء النبي - ﷺ - على الدرجة التي تلي المستراح قائمًا ثمَّ سلم.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وهذا كما قال: أراد به حكى الشافعي في كتاب سماه "أدب الخطبة ".
والمستراح: هي الدرجة العليا من المنبر وهي التي يقعد عليها الإمام ليستريح، وكان منبره ثلاث درجات سوى الدرجة التي كان يقعد عليها.
وجملته أنه يستحب للإمام إذا دخل المسجد أن يسلم، ثم يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم إذا زالت الشمس المستحب أن يصعد المنبر، ويستوي على الدرجة التي هي دون الدرجة التي تسمى المستراح، فإذا استوي عليها سلم على الناس ووجب عليهم الرد، فإذا رد بعضهم سقط الفرض عن الباقين، ثم جلس على المستراح ورجلاه على الدرجة التي وقف عليها، وهي جلسة الاستراحة، وهي غير واجبة، ولا يزال جالسًا حتى يفرغ المؤذنون من الأذان، ثم يقوم قائما ويخطب.
وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: لا يسلم على رأس المنبر ويكره، لأنه لما دخل سلم فلا يعيد، كالمؤذن إذا أذن ثم رجع، وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمر ﵁ قال: كان [١٣١ ب/ ٣]) رسول الله - ﷺ - "إذا دنا من منبره يوم الجمعة يسلم على من عند منبره من الجلوس، اثم يصعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم، ثم قعد".
وروي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي - ﷺ - "كان يسلم إذا صعد المنبر" ولان الإمام قد استدبرهم حين صعد ثم أقبل عليهم. وقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي عنهم يحول بين بعضهم وبعضهم شجرة فيسلم بعضهم على بعض. وأما في الأذان لا يغيب عنهم، ولو صعد المنارة ثم نزل سلم عليهم أيضًا، وإذا أشرف على الناس في رأس المنارة وكان قريبًا منهم وهم يسمعون سلامه استحب له أن يسلم عليهم، كما قلنا في الخطيب، لأنه استقبال بعد استدبار فسن فيه السلام كما لو خرج ثم دخل.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه لو أدخل المسجد يجلس أولًا، ثم يقوم ويصلي التحية، وهكذا في تحية سائر المساجد، وهذا غلط لما تقام من الخبر ولأنه يسلم على الناس، ثم يجلس كذلك يصلي ثم يجلس لأن كليهما تحية. وحكي عن مالك ﵀ أنه [أ/ ١٣٢ - ٣] قال: هذه الجلسة في أول الخطبة هي واجبة لما روي أن النبي - ﷺ - كان يجلس في الأول ليستريح من تعب صعوده، ولهذا سميت هذه الدرجة المستراح، ولأنه لا فائدة في قيامه مع أذان المؤذنين.
فرع
قال: وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر لا جماعة المؤذنين، لأنه لم يكن لرسول الله - ﷺ - إلا مؤذن واحد، فإن أذن جماعة المؤذنين والإمام على المنبر أو أذان بعد أذان كرهت ذلك، ولا يفسد شيء من الصلاة، لأن الأذان ليس من الصلاة
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وإنما هو دعاء إليها، وكذلك لو صلى بغير أذان كرهت ذلك له ولا إعادة عليه. وروي عن أبو سائب بن يزيد أنه قال: كان على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر ﵄: إذا جلس الإمام على المنبر أذانًا واحدًا، فلما كان في أيام عثمان وكثر الناس أمر بالأذان الثاني، وكان يؤذن على الزوراء لأهل السوق والناس. وأنكر عطاء هذا وقال: أول من أحدثه معاوية ﵁، يعني: الأذان الذي قبل جلوس الإمام على المنبر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لا يحرم البيع [١٣٢ ب/ ٣] يوم الجمعة قبل أذان المؤذن، ويحرم عند الأذان، وهو الأذان الذي يكون بعد الزوال عند جلوس الإمام على المنبر، وبهذا الأذان يجب السعي إلى الجامع، وأما بعد الزوال قبل هذا الأذان لا ينهى عن البيع كما ينهى عنه إذا كان على المنبر وأكرهه؛ لأن ذلك الوقت لم ينه فيه عن البيع، وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك وأبو حنيفة، وقال الضحاك وربيعة وأحمد: يحرم البيع عند الزوال. وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فثبت أن الحكم يتعلق بحالة النداء.
فرع
قال أصحابنا: في الجمعة أربعة أوقات قبل الزوال وبعد الصلاة لا يحرم البيع ولا يكره، وبعد الزوال قبل الأذان يكره البيع ولا يحرم، وعند الآذان إلى أن يفرغ من الصلاة يحرم البيع، وإنما يحرم ذلك أو يكره في حق من كان من أهل الجمعة، فأما في حق من لم يكن من أهلها كالعبيد والنساء والمسافرين فلا يحرم ولا يكره.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان أحد المتبايعين من تجب عليه الجمعة والآخر ممن لا تجب، قال الشافعي ﵀: أتما [١٣٣ أ/ ٣] جميعًا، وهذا لأن من لم تجب عليه قد عاونه على المعصية، وقيل: يحرم على من تجب عليه وتكره لمن لا تجب عليه لأنه عاونه على محرم والأول أظهر.
فَرْعٌ آخرُ
لو تبايعا في الوقت الذي حرمنا أو كرهنا صح البيع؛ لأن المنع ليس لمعنى يرجع إليه نفس البيع، فهو كالبيع على بيع أخيه محرم ولكنه ينعقد، وهو كما لو تضيق عليه وقت الصلاة فاشتغل بالبيع في تلك الحالة عمى وانعقد، وقال مالك وربيعة وأحمد وداود ﵏: يفسد البيع لأن الله تعالى قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] والنهي يقتضي الفساد وهذا غلط لما ذكرنا.
وحكي عن مالك أنه قال: النهي في حق الكل سواء كان عليه الجمعة أم لا، وهذا
[ ٢ / ٣٩٥ ]
غلط، لأن المنع منه لئلا تفوته الصلاة وهذا لا يوجد في حق من لا جمعة عليه.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ -: "نهى عن البيع والشراء في المسجد، وإن سد فيه ضالة وإن سد فيه سعر"، ونهى عن "الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة ". أورده أبو داود والحلق: مفتوحة اللام جماعة الحلقة.
وقال الإمام الخطابي: أخبرني [٦٣٣ ب / ٣] واحد من الصالحين أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل صلاة الجمعة ظنًا منه أنه نهى عن الحلق قبل الصلاة بسكون اللام حتى قلت له: هذا هو الحلق كأنه كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاةء وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ منها كان الاجتماع والحلق بعد ذلك فقال: قد فرجت عني ودعا لي.
مسألة: قال: وروي أنه - ﷺ -: كان إذا خطب اعتمد على عنزته اعتمادًا وروي على قوس.
وهذا كما قال: إذا قام الخطيب ليخطب فإنه يستحب له أن يعتمد على عصى أو قوس أو سيف، لما روي عن الحكم بن حزن قال: "وفدت على النبي - ﷺ - فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئًا على قوس أو عصى فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات مباركات". وروي أنه كان إذا خطب اعتمد على عنزته والعنزة مثل الحربة، وروي أنه كان في الحضر يعتمد على العنزة، وفي السفر على القوس، ولأن ذلك أعون له على القيام فإن لم يفعل ذلك أي: فإن لم يعتمد على شيء.
قال الشافعي رحمة الله عليه [٦٣٤ أ/ ٣] أحببت له أن يسكن جسده ويديه، فإما أن يضع اليمنى على اليسرى أو يقرهما في موضعهما ويرسلهما، لأنه في ذكر الله تعالى ولا يعبث بهما فتبين أن المعنى في الاعتماد وهو السكون، ثم قال: ويقبل بوجهه، يعني تلقاء وجهه لا يلتفت يمينًا وشمالًا وهذا غلط وقد ذكرنا الفرق بينهما وبين الأذان، ثم قال: وأحب أن يرفع صوته وهذا يستحب حتى يسمع كل من في المسجد إن أمكن وإلا رفع بقدر الإمكان لما روي أن النبي - ﷺ - كان إذا خطب يرفع صوته كأن منذر جيشء وروي عن أم حارثة بنت هشام قالت: "حفظت سورة ق من في رسول الله - ﷺ - " فدل أنها سمعت مع بعدها؛ ولأنه إذا رفع صوته كان أبلغ في الاستماع والوعظ وقال الشافعي ﵀: ويكون مترسلًا مبينًا معربًا من غير تمطيط ولا يعي لأن ذلك أحسن وأبلغ في البيان والإفهام والترسل أن يفرق بين كل فصل ولا يعقب أحدهما الآخر ويكون مقومًا معربا من غير لحن، ويكون بين الكلامين دون الوحش
[ ٢ / ٣٩٦ ]
المشتغل، وفرق الروي المسترذل، فإن خير [١٣٤ ب/ ٣] الأمور أوسطها وهو معنى قوله: ولا ما يستنكر منه، وفي بعض النسخ: وما لا يستنكر منه حتى يكلمهم بكلام تقبله طباعهم قال النبي - ﷺ -: "كلموا الناس على قدر عقولهم أتحبون أن يكذب الله ورسوله ".
وروى بعض أصحابنا بخراسان هذا عن رسول الله - ﷺ - أي: لا تقولوا ما تقصر عنه الأفهام فتكذبوا الله تعالى كذلك، ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: ولا العجلة فيه عن الأفهام ولا ترك الإفصاح بالقصد ويكون كلامه حصرًا، وهذا لما روي أن النبي - ﷺ - كان يعجبه الجوامع من الدعاء. وقال النبي - ﷺ -: "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارًا". وقال عمار بن ياسر ﵁: امرنا رسول الله - ﷺ - "بإقصار الخطب"، وروي عن عمار ﵁ أنه خطب وأوجز فقيل له: لو كنت تنفست. قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "قصر الخطبة مئنة من فقه الرجل فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة"، وهذا كله للرغبة في الصلاة في أول الوقت.
مسألة: قال: وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة [١٣٥ أ/ ٣].
وهذا كما قال: قد ذكرنا أنه لا بد من الخطبتين، وعند أبي حنيفة ﵀ تكفي كلمة واحدة مثل أن يقول: سبحان الله والحمد لله، ولا يحتاج إلى خطبتين وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة من الخطبتين أن يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي - ﷺ -، ويوصي بتقوى الله تعالى ويقرأ شيئًا من القرآن فهذه أربعة أشياء هي واجبة في الأولى، وفي الثانية ويحمد الله تعالى، ويصلي على النبي - ﷺ - ويوصي بتقوى الله تعالى، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات فهذه أربعة واجبة في الثانية، هكذا نقل المزني ﵀.
والأصل في هذا قول النبي - ﷺ -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر"، وروي أن رسول الله - ﷺ - "كان يدعو الحمد لله نحمده ونستعينه " الخبر، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] قيل في التفسير: معناه قرنت ذكرك بذكري حتى لا أذكر إلا ذكرت معي، ولأن المقصود من الخطبة الموعظة فلا بد من الإتيان بما هو مقصود فيها، وأما الوصية كان رسول الله - ﷺ -[١٣٥ ب / ٣] يقول: "ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، ألا وان الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر". وأما قراءة القرآن فلأجل أن النبي - ﷺ - لم يخطب إلا وقرأ فيها القرآن،
[ ٢ / ٣٩٧ ]
ودعا للمؤمنين نص على هذا كله في "الأم".
قد قيل: فصول الخطبة خمسة: التحميد، والصلاة على رسول الله - ﷺ - والوصية بتقوى الله تعالى، وقراءة آية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ثلاثة منها شرط في الخطبتين معا، وهي التحميد والصلاة على رسول الله - ﷺ -، والوصية بتقوى الله تعالى. وواحد هو شرط في الثانية لا غير وهو الدعاء، وواحد يستحب في الخطبتين. فإن لم يكن ففي الأولى، فإن أتى به في الثانية جاز وهو قراءة آية، ولا بد منها بكل حال. وقد نص الشافعي ﵀ على أنه لو قرأ بين ظهراني الخطبة أو بعد الفراغ منها، أو قبل الشروع في الخطبة أجزأهء وقال في "الإملاء": فإن حمد الله وصلى على النبي - ﷺ - ووعظ أجزأه. وضيع حظ نفسه، ولم يشترط قراءة القرآن ولا [١٣٦ أ/ ٣] الدعاء. وقال في "القديم": أقل الخطبة كأقصر سورة في القرآن واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجب قراءة آية في الجملة إما في الأولى أو في الثانية أو في أي موضع قرأ جاز.
والثاني: يجب في الأولى بكل حال لتأكيد أمر الأول الخطبتين.
والثالث: لا يجب أصلًا بل هي مستحبة، ومن أصحابنا من قال: تجب القراءة قولًا واحدًا والذي قال في "الإملاء": هو يحمل واكتفى في ذلك بما بينه في سائر المواضع وله أن يقرأ في الأولى أو الثانية قولًا واحدًا، والذي قال: يقرأ في الأولى استحباب وهذا أصح ويبعد أن يذكر في باب أدب الخطبة قولًا، وفي باب القراءة في الخطبة قولا آخر، وهما بابان متواليان، ونصه في أدب الخطبة على أنه يقرأ في الأولى ونصه في القراءة في الخطبة على أن له الخيار على ما وصفت. وحكى الداركي عن بعض أصحابنا أنه خرج قولا رابعًا أن القرآن شرط في الخطبتين جميعا؛ لأن ما وجب في الأولى وجب [١٣١ ب/ ٣] في الثانية، كالتحميد وهذا تخريج باطل يخالف نص الشافعي ﵀، وقد قال الشافعي في "الأم" والذي أحب أن يقرأ بقاف في الخطبة الأولى لا يقصر عنها، وأن يقرأ في الأخيرة مائة أو أكثر منها، ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم.
وأما الدعاء: هل يجب؟ فيه قولان كما يرى:
أحدهما: ذكره في "الأم"، والثاني: ذكره في "الإملاء". ومن أصحابنا من قال: يجب قولا واحدًا، والمجمل في "الإملاء" محمول على المفسر في "الأم"، وهذا اختيار القفال.
وقال أبو حامد: قول واحد إنه مستحب وهو خلاف ما حكينا من النص، وقد روي أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ سورة ق في الخطبة، وروي أنه كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات".
[ ٢ / ٣٩٨ ]
ويستحب الدعاء فيهما، وإن كان لا يجب إلا في الأخيرة على ما بينا. وقال بعض أصحابنا: لو أتى بالدعاء في الأولى دون الثانية لم يجزه.
وأما الدعاء للسلطان أو لرجل بعينه فهو غير منقول عن السلف. قال عطاء ﵀: هذا شيء محدث لم يفعله رسول الله - ﷺ - ولا واحد من الصحابة وإنما كانت الخطبة تذكيرًا. فإن [١٣٧ أ/ ٣] دعا لرجل بعينه أو على رجل بعينه قال الشافعي ﵀: كرهته ولا إعادة عليه، ويستحب أن يطول الدعاء. قال - ﷺ -: "طولوا الصلاة واقصروا الخطبة". وأما لفظ الوصية فليس بشرط حتى لو قرأ آية فيها العظة والوصية جاز، ويخص الخطبة الوصية والباقي تبع لها.
فرع
لا تجوز بالفارسيه مع القدرة على العربية خلافا لأبي حنيفة ﵀ لما ذكرنا من فعل رسول الله - ﷺ -، وفيه وجه آخر أنه يجوز؛ لأنه لا يتعين فيها لفظة مخصوصة فكذلك لا يتعين لغة.
فَرْعٌ آخرُ
لو لم يكن فيهم من يحسن العربية يخطب بالفارسية في مدة إمكان التعلم، فإن مضت مدة الإمكان يصلون ظهرا ولا يصلون جمعة.
فرع
لو قرأ في الخطبة آيات من القرآن تتضمن تحذيرًا ووعظًا بدلا من الوصية لا يجوز عنهما، لأن القراءة فرض فلا يؤدي به فرضين فإنه واحد.
فرع
لا يجب الترتيب في ألفاظ الخطبة قولًا واحدًا نص عليه في "الأم " والأفضل أن يبدأ بالحمد، ثم بالصلاة على رسول الله - ﷺ -[١٣٧ ب/ ٣]، ثم بالوصية ثم بقراءة القرآن ومن أصحابنا من قال: يجب الترتيب؛ لأن المنقول عن الرسول - ﷺ - على هذا الترتيب.
فَرْعٌ آخرُ
المستحب أن يخطب بما روى ابن عباس ﵁ قال: خطب رسول الله - ﷺ - يومًا فقال: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد إن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى حتى يفيء إلى أمر الله"، وخطب يومًا فقال في خطبته: "ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وان الآخرة أجل صادق يقضي فيها ملك
[ ٢ / ٣٩٩ ]
قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، فاعملوا وأنتم من الله على حذر واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره"، وروى جابر ﵁ أن النبي - ﷺ -[١٣٨ أ/ ٣] خطب يوم الجمعة "فحمد الله وأثنى عليه ثم قال على إثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه واحمرت عيناه كأنه منذر جيش، ثم قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وأشار بأصبعه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم يقول: "إن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدث بدعة من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليً".
وقال جابر بن سمرة ﵁: كان لرسول - ﷺ - خطبتان يجلس بينهما ويقرأ القرآن ويذكر الناس. وروي عن صفوان بن يعلى قال: سمعت رسول الله - ﷺ - "يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] فإن قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى قال الشافعي ﵀: أنكر النبي - ﷺ - على من قال ذلك فيكره له ذلك حتى يقرأ اسم الله تعالى ثم يفرد بعده اسم رسوله فلا يذكره إلا منفردًا فقد قال رجل عند رسول الله - ﷺ -: ما شاء الله وشئت فقال له النبي - ﷺ -: [١٣٨ ب/ ٣] "أمثلان قل ما شاء الله، ثم شئت" فنهاه عن العطف في المشيئة بالواو ونقله إلى حرف ثم لبدله بذلك على أن المشيئة من جهته، إنما تكون بمشيئة الله تعالى، وأن المخلوق إنما يشاء شيئًا؛ لأن الله تعالى يشاء إن شاء مخلوقه ذلك الشيء ودل هذا من كلام الشافعي رحمة الله عليه على أن مذهبه مذهب أهل الحق.
ثم قال الشافعي ﵀: ومعقول أن الخطبة جمع بعض الكلام من وجوه إلى بعض وهذا أوجزه أي: هذا الذي ذكرته من أقل الخطبة هو أوجزه فلا يجوز أن يقتصر على ما قاله أبو حنيفة. فإن ذلك لا يسمى خطبة ولا يسمى المتكلم به خطيبًا. واحتج أبو حنيفة ﵀ بما روي أن رجلًا قال: يا رسول الله علمني عملًا أدخل به الجنة فقال: "إن قصرت الخطبة لقل أعرضت المسألة" فسمي ذلك خطبة قلنا: هذا السؤال لا يكون خطبة بالإجماع، ثم لعله سماه خطبة مجازًا وكلامنا في الحقيقة، وفي الحقيقة قوله: لا إله إلا الله أو سبحان الله لا تكون خطبة. وروي عن أبي يوسف ومحمد رحمهما [١٣٩ أ/ ٣] الله، وعن مالك ﵀ روايتان: إحداهما: أن من هلل أو سبح أعاد ما لم يصل والثانية: أن لا يجزي إلا ما تسميه العرب خطبة وعن أحمد ﵀ نحو مذهبنا.
فَرْعٌ آخرُ
إذا خطب الأولى جلس ويكون جلوسه بقدر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
[ ٢ / ٤٠٠ ]
[الإخلاص: ١] ثم إذا فرغ من الخطبة الثانية أخذ في النزول، وأخذ المؤذن في الإقامة حتى يكون فراغه من النزول مع فراغه من الإمامة.
مسألة: قال: وإن حُصر الإمام لُقن.
وهذا كما قال. هكذا قال هاهنا، وقال في موضع آخر: لا يلقن وليست المسألة على قولين، وإنما هي على اختلاف الحالين: فإن كان يرجى أن يستدرك هو فلا يلقن وان كان لا يرجى ذلك وانفلق عليه يلقن، وهذا إذا سكت طالبًا للتلقين، فإن مضى إلى فصل آخر وترك ذلك يترك وذاك، وإنما يمكن الفتح عليه في فصول معروفة فأما إذا كان سنة في الحال لا يمكن الفتح عليه.
مسألة: قال: وإن قرأ سجدة فنزل فسجد لم يكن به بأس.
وهذا كما قال، إذا قرأ على المنبر وهو يخطب للجمعة آية السجدة، فإن [١٣٩ ب ٣] أمكنه أن يسجد عليه سجدها، وإن لم يمكنه السجود في موضعه. فإن تركه جاز: لأنه ليس بواجب عندنا، وإن نزل وسجد على الأرض. قال في "الأم" رجوت أن لا يكون به بأس لأنه ليس يقطع للخطبة كما ليس يقطع للصلاة، فإذا فرغ صعد وبنى، فإن استأنف الكلام فحسن، وهذا إذا لم يتطاول الفصل بين النزول والصعود إلى موضعه، فإن تطاول فهل يبني أم يستأنف؟ قولان: قال في "القديم ": يبني، وقال في "الجديد": يستأنف.
وقال القفال: هذا إذا كان المنبر درجتين مثل منبر رسول الله - ﷺ - فلا يحتاج في نزوله إلى عمل كثير، فأما إذا كان نزوله أكثر من ذلك انقطع به خطبته ويلزمه استئنافها، والمسألة مشهورة بالقولين، وعندي أنه لا اعتبار بالدرجتين وزيادة بل الاعتبار بالقرب والبعد على العرف والعادة، ويمكن النزول عن خمس درجات بسرعة والصعود إليها بسرعة بحيث لا يكون فصلًا طويلًا.
وقال في موضع من "الأم": لا ينزل ولا يسجد فإن نزل فسجد رجوت أن لا يكون به بأس وهذا يدل على [١٤٠ أ/ ٣] أن تركه أفضل وهذا لأن الخطبة فرض والسجود سنة، والأصل فيه ما روي أن النبي - ﷺ -: قرأ في خطبته الآية التي في سورة ص، وقال: "إنما هي توبة نبيّ ولكني رأيتكم تشرفتم للسجود"، فنزل وسجد ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فلم ينزل ولم يسجد، ومثله عن عمر بن الخطاب ﵁.
مسألة: قال: وان سلم رجل والإمام يخطب كرهته.
[ ٢ / ٤٠١ ]
الفصل
وهذا كما قال إذا دخل رجل والإمام يخطب بالأولى له أن لا يسلم ويكره له ذلك، وقال في "الأم": لا بأس أن يسلم ويرد عليه، والإمام يخطب يوم الجمعة فحصل من هذا أن الأولى أن لا يسلم، وهل يكره؟ قولان: فإن خالف فسلم، قال: هاهنا يرد عليه بعضهم أي: يجيب عن سلامة بعضهم وعلل فقال: لأن الود فرض، يعني: في غير هذا الموضع لأن المسلم في هذا الموضع وضع السلام في غير موضعه، وترك الأدب فيه فلا يستحوذ الرد، ألا ترى أنه روي أن رجلًا مر على رسول الله - ﷺ - وهو [١٤٠ ب / ٣] يقضي حاجته فسلم عليه فقام النبي - ﷺ - وضرب يده على الجدار وتيمم، ثم ناداه ورد ﵇ وقال له: "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إن سلمت عليَّ لا أرد عليك ولولا أني خشيت أن تقول: سلمت على رسول الله فلم يرد عليَّ ما رددت عليك ".
ثم قال الشافعي ﵀: ويسع تشميت العاطس؛ لأنه سنة، يعني لا أكره تشميت العاطس في هذه الحالة ما أكره من رد السلام؛ لأن العطاس لم يكن إلا العاطس فكان معذورًا فيه. بخلاف المسلم فإن السلام إليه هذا مذهب الشافعي في الجايد، وهو أن الصمت في حال الخطبة سنة ويجوز فيها رد السلام وتشميت العاطس.
وقال في"القديم": لا يشمت العاطس ولا يرد السلام إلا بالإشارة، وهذا لأن الصمت فرض، وفيه قول مخرج. ذكره أبو إسحاق ﵀ أنه يشمت العاطس ولا يرد السلام، فحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يشمت ولا يرد السلام، والثاني: يشمت ويرد السلام، والثالث: يشمت [١٤١ أ/ ٣] ولا يرد واختار المزني أنه يشمت ويرد، وقال: لأن الرد فرض والصمت سنة والفرض أولى وهذا غير لازم؛ لأنه على القول الذي يقول: الصمت فريضة أجاب بهذا الجواب، ثم استدل المزني رحمه انه على أن الصمت سنة بكلام الخطيب في الخطبة فقال: وهو يقول، يعني به الشافعي أن النبي - ﷺ - كلم قتلة ابن أبي الحقيق وكلم سليكًا الغطفاني، أما خبر سليك فقد ذكرناه.
وأما حديث ابن أبي الحقيق فهو ما روي أنه "كان يهودي بخيبر يكنى أبا رافع كان يؤذي رسول الله - ﷺ -، ويغري المشركين على قتاله فاستأذن عبد الله بن عتيك رسول الله - ﷺ - في قتله فأذن له، فخرج في جماعة إلى أن احتال في دخول حصنه فقتله فيه، ثم رجع أصحابه إلى رسول الله - ﷺ - ومعهم السيف الذي قتل به أبو رافع والنبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة فدخلوا فدعاهم وكلمهم" وهذا أيضًا ليس بلازم، لأن الخطيب إذا تكلم وهو يخطب فقد ترك الخطبة، ولا يكون [١٤١ ب/ ٣] في حال كلامه خطيبًا وغيره إذا تكلم وهو يخطب فقد ترك ما أمر به من الاستماع للخطبة والإنصات لها فلم يجز،
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وهذا ذكره القفال وبعض أصحابنا.
وقد ذكرت فيما مضى نصًا عن الشافعي ﵀ أنه قال: يحرم الكلام على الخطيب أيضًا على هذا القول، والجواب عن هذا أن هذا الكلام هو من جملة ما يعنيه، ولا يجوز ذلك عندنا، وأما رد السلام فليس من ذلك، لأن المسلم أساء الأدب بالسلام في غير موضع السلام فلا يجاب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان مبنيان على أن الخطبة في معنى الصلاة أم لا؟ وفيه قولان: وعلى هذا هل تفتقر إلى الطهارة هل يجب فيها التتابع، وهل يبني الغير على خطبة الغير؟.
فرع
أقل ما يتأذى به سنة السلام أن يقول: السلام عليك؛ ولو قال: "سلام عليك" بغير ألف ولام مع التنوين يجوز، والأولى أن يقول: "السلام عليكم حتى يقول: سلامًا عليه وعلى من، وأقل الجواز أن يقول: وعليك السلام. ولوترك حرف الواو فلا يكون مجيبًا لأن المنقول في الشرع الكلمة مع واو العطف وكمال السلام هو [١٤٢ أ/ ٣] أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويقول: المجيب: وعليكم اللام ورحمة الله وبركاته.
فَرْعٌ آخرُ
إذا نادى رجل من خلف حائط، وقال: السلام عليك يا فلان، أو كتب كتابًا وكتب فيه السلام على فلان، أو أرسل رسولًا وقال: سلم على فلان فبلغه، فإنه يجب عليه الجواب، لأن تحية الغائب بالمبادأة والكتابة والرسالة فعليه أن يجيب تحيته مثلها أو بخير منها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦].
فرع
إذا سلم على أصم لا يسمع شيئًا يجب عليه أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته، ويشير باليد حتى يحصى الإفهام فيستحق الجواب، فإن لم يجمع بينهما لا يستحق الجواب، وهكذا لو سلم عليه أصم وأراد الود عليه تلفظ باللسان ويشير بالجواب حتى يحصل له الإفهام.
فَرْعٌ آخرُ
لو سلم على أخرس فأشار باليد سقط عنه الفرض؛ لأنه يقوم مقام العبارة، وهكذا لو سلم عليه الأخرس بالإشارة يستحق الجواب لما بيناه.
فَرْعٌ آخرُ
لو سلم على جماعة وفيهم صبي فلم يرد إلا الصبي لا يسقط عنهم الفرض، لأن الصبي ليس من أهل الفرض [١٤٢ ب/ ٣].
فَرْعٌ آخرُ
أنه إذا سلم الصبي هل يستحق رد الجواب؟ وجهان: مبنيان على أن سلامه يصح أم لا؟
[ ٢ / ٤٠٣ ]
فَرْعٌ آخرُ
لو لقي جماعة فأراد أن يخص بعضهم بالسلام يكره، لأن فيه إيحاش الباقين وربما يكون سببًا للعداوة.
فرع
إذا سلم على رجل جماعة فقال: وعليكم السلام وقصد الرد عليهم سقط الفرض في حق الكل، كما لو صلى على جنائز دفعة واحدة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا سلم على رجل ثم التقى به ثانيًا يستحب له أن يسلم ثانيًا لقوله - ﷺ -: "أفشوا السلام بينكم"، وروي أن أصحاب رسول الله - ﷺ -: "كانوا إذا كانوا في طريق تستقبلهم شجرة فاجتازوا عليها سلم بعضهم على بعض ".
فرع
لو أن وجلين تلاقيا فخاطب كل واحد منهما بالسلام دفعة واحدة، أو على الترتيب لم يقم مقام الجواب، وعلى كل واحد أن يجيب.
فَرْعٌ آخرُ
إذا لقي وجلًا فقال له ابتداء: وعليكم السلام لم يكن به مسلمًا حتى يستحق الجواب، لأن هذه الصنيعة هي مشروعة للجواب فلا تصح للابتداء.
فَرْعٌ آخرُ
النسا، بعضهن [١٤٣ أ/ ٣] مع بعض في السلام كالرجال مع الرجال، فإن سلم على امرأة، فإن كانت زوجة أو محرمًا له فعليها الجواب، وإن كانت أجنبية فإن كانت شابة تخشى الفتنة فلا يجوز لها رد الجواب، ويكون الرجل مفرطًا بالسلام عليها، وهكذا المرأة إذا سلمت على رجل، فإن كانت زوجته أو محرمًا له أو عجوزًا لا يخاف منها الفتنة فإنه يلزمه الجواب، وإن كانت شابة تميل إليها النفس يكره أن يجيب لأنها مفرطة بالسلام.
فَرْعٌ آخرُ
إذا دخل الرجل دار نفسه يستحب له أن يسلم على أهله، لقوله ﵊: "إذا دخل بيته فسلم على أهله كثر خير بيته ".
فرع
إذا دخل مسجدًا أو بيتًا ليس فيه أحد يستحب أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
[ ٢ / ٤٠٤ ]
فَرْعٌ آخرُ
جرت عادة بعض الناس بالسلام عند القيام ومفارقة القوم، وذاك دعاء فيستحب الجواب ولا يجب؛ لأن التحية تكون عند اللقاء لا عند المفارقة.
فرع
لو سلم على رجل لا يعرفه فبان دميًا يستحب أن يسترد سلامه [١٤٣ ب/ ٣] فيقول له: أردد علي سلامي والفرض أن يوحشه ويظهر أنه ليست بينهما إخوة ولا إلفة، وقد روي عن ابن عمر ﵁ "أنه سلم على رجل فقيل له: إنه يهودي فتبعه وقال: "رد على سلامي".
فرع
إذا أراد تحية ذمي يجب أن يكون بغير السلام، فيقول: هداك الله، أو أطال الله بقاك، أو أنعم الله صباحك ونحو ذلك.
فَرْعٌ آخرُ
إذا سلم عليه ذمي لا يزيد في الجواب على قوله وعليك.
فرع
زيارة القادم سنة، وقد انتشر ذلك فيما بين الناس وتواتر به النقل، ويستحب أن يعانق القادم، لما روي أن جعفر بن أبي طالب لما رجع من الحبشة "قام إليه رسول الله - ﷺ - يعانقه".
فَرْعٌ آخرُ
المصافحة سنة، لما روي أن النبي - ﷺ - قال: "المصافحة تزيد في المودة" وقال - ﷺ - لأبي ذر: "أما علمت أن المسلمين إذا تصافحا تحاتت ذنوبهما".
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: يكره لمن دخل على قوم أن لا يطمع في قيامهم لما روي أن النبي - ﷺ - قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". إلا أنه يستحب للقوم [١٤٤ أ/ ٣] أن يكرموه لما روي أن سعد بن معاذ لما أقبل قال رسول الله - ﷺ - لقومه من أوس: "قوموا لسيدكم" وقال - ﷺ -: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه"،وبسط رسول الله - ﷺ - رداءه لدحية الكلبي إكرامًا له.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
فَرْعٌ آخرُ
إذا أراد تقبيل يد غيره، فإن كان يعظمه لزهده أو علمه أو كبر سنه لم يكره لما روي أن أعرابيًا قعد عند رسول الله - ﷺ - فاستحسن كلامه فقال له: ائذن لي حتى أقبل وجهك فأذن له ثم قال: ائذن لي حتى أسجد لك فلم يأذن له" وإن كان يعظمه لأجل غناه أو لسلطنته لم يجز لقوله - ﷺ -: "من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه".
فرع
الدخول على الأغنياء والسلاطين لا يستحب لقوله - ﷺ -: "لا تدخلوا على هؤلاء الموتى فتمرض قلوبكم" قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "الأغنياء".
فَرْعٌ آخرُ
التحية بالطليقة وانحناء الظهر وتقبيل اليد لا أصل له في الشرع، إلا أنه لا يمنع لما روي أن عمر ﵁ لما دخل الشام كان أهل الذمة [١٤٢ ب/ ٣] يحيون الله ويخدمونه بين يديه بتقبيل اليد وانحناء الظهر، يقال: إن هذا شيء جرت به عادتهم في التعظيم فإذا عظموا به المسلمين لا يمنعهم.
فرع
التحية عند الخروج من الحمام: يقال للذي خرج من الحمام: طاب حمامك لا أصل له، لكنه روي أن عليا ﵁ قال لرجل خرج من الحمام: طهرت فلا نجست فسكت الرجل، وكان مع علي ﵁ إنسان يهودي فقال للرجل: هلا أجبت أمير المؤمنين؟ فقلت: سعدت فلا شقيت، فقال علي ﵁: الحكمة ضالة المؤمن خذوها ولو من أفواه المشركين.
فَرْعٌ آخرُ
الاستماع إلى مدح المادحين بالشعر وغير الشعر لا يستحب، لما روي أن النبي - ﷺ - قال: "إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب ".
فَرْعٌ آخرُ
إذا قرأ الإمام على المنبر ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية فهل يصلي الناس على النبي - ﷺ - فيه؟ قال أصحابنا: إنه لا نص فيه للشافعي. ويجب أن يكون بمنزلة تشميت العاطس.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
فَرْعٌ آخرُ
الصلاة على غير رسول الله - ﷺ -[١٤٥ أ/ ٣] كان جائزًا لرسول الله - ﷺ -: لأنه قال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". فأما لغيره فيجوز أن يصلي على غير الرسول تبعًا ولا يجوز مقصودًا: لأن الله تعالى خص الرسول - ﷺ - بالصلاة عليه فلا يشاركه في هذه الفضيلة غيره.
مسألة: قال: والجمعة خلف كل إمام صلاها من أمير ومأمور.
الفصل
وهذا كما قال صلاة الجمعة لا تفتقر إلى الإمام ولا إلى إذنه، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة: لا تنعقد إلا بإذن السلطان، أو من يقوم مقامه، ولا يجوز لآحاد الرعية إقامتها، إلا أن يتعذر استئذانه فيجوز لصاحب الشرطة والقاضي أن يصليها من غير إذنه. وهذا غلط لما روي أن علي بن أبي طالب ﵁ "صلى بالناس الجمعة وعثمان رضي االله عنه محصور، ولم ينكر أحد، ولأنها صلاة مفروضة فلا تفتقر إقامتها إلى إذن السلطان كسائر الصلوات، فإذا تقرر هذا، أراد الشافعي بالأمير الإمام وبالمأمور خليفة الإمام وبالمتغلب الخارجي وبغير أمير القاضي، وتجوز الجمعة خلف كل من هو من أهل [١٤٥ ب/ ٣] الفرض وتصح خلف العبد أيضًا، وقال مالك في رواية ابن القاسم: لا يجوز أن يكون العبد إمامًا فيها لعدم كمالهء وهي إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ وهذا غلط؛ لأنه ذكر يؤدي فرض الجمعة فجاز أن يكون إماما فيها كالحر وتجوز خلف المسافر أيضًا.
وحكي عن أحمد ﵀ أنه قال: لا تجوز لأنها لا تجب عليه، وهذا غلط؛ لما ذكرنا وقد ذكرنا جوازها خلف الصبي قولين: قال في "الأم": لا يجوز، وقال في ا"الإملاء": يجوز.
وهل تجوز خلف المتنفل؟ قد ذكرنا قولين: بناء على جوازها خلف الصبي. وقال القفال: نص الشافعي ﵀ في صلاة الخوف أنه يجوز: لأنه قال: ولو صلى الإمام يوم الجمعة صلاة الظهر في شدة الخوف إيماء، ثم سكنت الحرب ووقت الجمعة باق لا تلزمه الجمعة، فإن بقي أربعون ممن لم يصل الظهر أمر بعضهم بأن يخطب ويصلي بهم، فإن خطب هو وصلى الجمعة جاز، وهو متنفل في هذه الحالة.
وهل يجوز خلف الجنب إذا لم يعلم؟ قد ذكرنا قولين: قال أصحابنا: هما مبنيان على [١٤٦ أ/ ٣] الصبي فإن قلنا: خلف الصبي يجوز بعلة أنه يجوز أن يكون إماما في غير هذه الحالة فيجوز هاهنا. وإن قلنا: لا يجوز خلف الصبي لأنه لا يسقط الفرض عن نفسه لا يجوز هاهنا. وقال أبو حامد ﵀: هذا ترتيب مليحء ولكن مذهب
[ ٢ / ٤٠٧ ]
الشافعي غير هذا، لأنه قال في "الأم": ولا يكون الصبي إمامًا فيها، ولو كان جنبًا أو محدثًا فإنه يصح فلا معنى لما ذكر أصحابنا، وأما المرأة فلا يجوز إمامتها للرجال أصلًا ولا تنعقد الجمعة بالنساء المنفردات لحال.
مسألة: قال: ولا يجمع في مصر وان عظم أهله.
الفصل
وهذا كما قال. لا يجوز أن يصلي الجمعة في بلد واحد، وبه قال مالك، وهو ظاهر قول أبي حنيفة وليس له نص صريح في هذا، وقال أبو يوسف: إذا كان للبلد جانبان جاز أن يقام في كل واحد منهما جمعة، وبه قال أبو الطيب بن سلمة: وجاز في بغداد في موضعين، لأن نهر دجلة حائل بينهما، وقال محمد: القياس أنه لا يجوز أكثر من جمعة واحدة، ولكنا نجوزها في اثنين استحسانا [١٤٦ أ/ ٣] ولا فرق في هذا بين الجانب والجانبين. وروي عنه أنه يجوز في ثلاثة، وقال أحمد: إذا كثر أهله كبغداد اد والبصرة جاز أن يقام فيه جمعتان وأكثر، وإن لم يكن بهم حاجة لا يجوز أن تقام إلا جمعة واحدة. وقال داود: يجوز أن يصلوا الجمعة في مساجدهم كما يصلون سائر الصلوات. وهذا غلط؛ لأن النبي - ﷺ - ما جمع إلا في مسجد واحد. وكذلك الخلفاء من بعده، ولو جاز ذلك لم يعطلوا المساجد وكانت إقامتها في موضعين أولى من إقامتها في موضع واحد. وقد روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي صلى فيه الإمام"، وقال الشافعي رحمة الله عليه: "لو جاز في مسجدين لجاز في مساجد العشائر" يعني: القبائل ولأن الجمعة سميت بهذا الاسم لاجتماع الناس بها فيجب أن لا يفترقوا، واحتج أبو يوسف بأن دجلة تقطع بينهما فصار كالبلدين، واحتج محمد بما روي عن علي ﵁ أنه كان يخرج يصلي العيد في الجبان ويستخلف أبا مسعود [١٤٧ أ/ ٣] البدري فصلى بضعفة الناس وعنده حكم الجبان حكم البلد، والجمعة والعيد. واحتج داود بما روي عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أبي هريرة ﵁ بالبحرين "أن جمعوا حيث ما كنتم ".
قلنا: أما ما قال أبو يوسف: لا يصح لأنه لو كان كما قاله لوجب إذا عبر المسافر من أحد الجانبين إلا الآخر يجوز له القصر، وأجمعنا أنه لا يقصر حتى يفارق البنيان من الجانبين وهم لا يسلمون هذا ويقولون: إذا عبر يجوز له القصر حين يحصل في الماء، فيقول: الظهر من مصلحة العمارتين فلا يكون حائلًا ولا يجعل كالبلدين، وأما ما قال محمد: عندنا يجوز العيد في كل موضع وللمنفرد أيضا فلا حجة فيه.
وأما خبر عمر ﵁ قلنا: أراد في أي بلد كنتم، واحتج أحمد بالمشقة قلنا: العادة جارية أنه لا يشق على أهل البلد الاجتماع في جامع البلد. وان وجب ذلك فهو مشقة محتملة يسيرة لا اعتبار بها، فإن قيل: أليس دخل الشافعي بغداد وكانوا
[ ٢ / ٤٠٨ ]
يصلون في ثلاثة جوامع المنصور، وجامع المدينة، وجامع [١٤٧ ب/ ٣] الرصافة؟ ولم ينكر ذلك، قلنا: إنما ترك الإنكار: لأنها مسألة اجتهاد وليس لبعض المجتهدين أن ينكر على البعض منهم واعتقاده في بغداد أنها لا تجوز إلا في موضع واحد أيضًا.
وقال أبو الطيب بن سلمة: إنما منع الشافعي في غير بغداد حيث تكون البلد ذا جانب واحد وبغداد ذو جانبين وهذا لا يصح، لأن هذا القائل لا يجوز في بغداد إلا في موضعين وقد رأى الشافعي ثلاثًا في ثلاثة جوامع ولم ينكر. وقال أبو إسحاق وابن سريج: إنما لم ينكر، لأنه كان بلدا كبيرًا لا يمكن اجتماع الجمع في موضع واحد إلا بمشقة عظيمة.
ولو أن مدينة اتصلت عمارتها فرسخين أو ثلاثة يلزمهم أن يجمعوا في موضع واحد لهذا وهذا أقرب وبه أقول، ولكنه عين قول أحمد ﵀، وليس بمذهب الشافعي ﵀ لما ذكرنا. وقال أبو جعفر الترمذي من أصحابنا: إنما لم ينكر لأنها مدن اتصلت عمارتها لأن المنصور بنى المدينة منفردة على الكرخ وهذا بنى كل جانب منفردًا، فكل ناحية منها هي بمنزلة المدينة المنفردة، ثم اتصلت [١٤٨ أ/ ٣] عمارتها فبقيت على حكمها، ألا ترى أنه لو اتصلت عمارة بغداد بواسط مثلًا لا يجعل في حكم البلد الواحد كذلك هاهنا، وفي هذا نظر أيضا.
وقال الداركي: سئل أبو إسحاق فقيل له: إن أهل مرو يصلون الجمعة في موضعين، ويمكنهم أن يجمعوا في موضع واحد فقال: لأهل مرو في ذلك قصة وذلك أن أبا مسلم دخل مرو وأخذ دورًا وبناها الجامع، فتورع الزهاد وأصحاب الحديث عن الصلاة فيه وصلوا في غيره، وصلى أصحاب الرأي في جامع أبي مسلم فحصلوا حزبين. فإذا تقرر هذا فكل بلد لا يجوز أن يصلوا الجمعة فيه، في موضعين إذا صلوها في موضعين لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن لا يكون في واحدة منهما إمام ولا صاحبه.
والثاني: أن يكون في إحداهما إمام وفي الأخرى صاحبه.
والثالث: أن يكون في إحداهما إمام أو صاحبة وليس في الأخرى واحد منهما. ففي القمسين الأولين إن علمت السابقة منهما بعينها ولم يشكل فإنها هي الجمعة الصحيحة، وعلى الآخرين أن يعيدوا الظهر أربع ركعات [١٤٨ ب/ ٣] واعتبار السبق بالإحرام فإن الجمعة تنعقد بالإحرام، فإذا انعقدت لم يصح عقد غيرها وهذا هو المذهب، ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر: إنه يعتبر بالفراغ، لأنه لا يحكم بصحتها إلا بالفراغ منها. وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى أن يحكم بصحة انعقاد الجمعتين ثم ببطلان إحداهما وهذا لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يعتبر بالشروع في الخطبة لأن حكمها حكم الصلاة لأنها لا تصح إلا بعد دخول وقت الصلاة وهذا ليس بشيء؛ لأن الخطبة شرط في الجمعة لا نفسها فلا اعتبار بالسبق فيها، فإن علمت السابقة ثم أشكلت أو علم أن إحداهما سبقت الأخرى، فإن في هذه الأقسام الأربعة يجب على الكل إعادة الصلاة. وقال المزني: لا تلزم الإعادة في القسمين الأولين من هذه الأقسام الأربعة لأنهما أديتا
[ ٢ / ٤٠٩ ]
في الظاهر فلا يحكم ببطلانهما بالشك. وهذا غلط؛ لأن كل واحدة منهما مشكوك في صحة الإحرام بها؛ فإنها إن كانت هي السابقة صح الإحرام بها وإلا فلا، والصلاة لا تصح إذا دخل فيها بالشك، كما [١٤٩ أ/ ٣] لو شك في ركن الطهارة، ودخل في الصلاة. فإذا تقرر هذا، فكيف يعيد إن علم أنهما وقعتا معًا في حالة واحدة؟ يجب إعادة الجمعة لأنه لم تصح جمعة واحدة من الطائفتين وليست إحداهما بالبطلان أولى من الأخرى فبطلت، كما لو تزوج بأختين معًا بطل نكاحهما وان سبقت إحداهما الأخرى ولم تتعين أو تعينت، ثم أشكلت فهل تجب إعادة الجمعة أم الظهر؟ قولان:
أحدهما: الظهر لأن الجمعة قد أقيمت في هذا اليوم بيقين فلا تقام ثانيًا.
والثاني: الجمعة لأنه لم يعتد بما فعلوا فكان وجوده وعدمه سواء.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: لا خلاف بين أصحابنا أنه لا يجب إعادة الجمعة، ولكن هل يجوز أن يصلوا الجمعة؟.
قال في "الأم": يجوز وقال الربيع: فيه قول آخر إنه لا يجوز وبنحو هذا ذكر القفال قال: ونظير القولين نظير الوليين إذا أنكحا وعلم أن أحدهما سابق ولم يتعين، ففيه قولان: أحدهما: أن النكاح باطل فعلى هذا تجوز الجمعة هاهنا. والثاني: هو موقوف فعلى هذا يلزم إعادة الظهر هاهنا.
قال [١٤٩ ب/ ٣] القفال ﵀: وهذا إذا لم تعرف السابقة. قال القفال: فإذا عرفت السابقة ثم خفيت فلا تجوز جمعة أخرى قولًا واحدًا، كما قلنا في نكاح الوليين في هذه الصورة هما باطلان قولًا واحدًا، فإن قيل: إذا تعينت ثم أشكلت ينبغي أن يوقف كما قلتم في الوليين إذا أنكحا، وفي الميراث في الغرقى قلنا في الجمعة: إذا وقفنا فقد فات وقتها بخلاف الميراث والنكاح فإن وقتهما لا يؤدي إلى فوات وقتهما فجاز أن يوقفا، وان لم يعلم هل وقعتا في حالة واحدة أو سبقت إحداهما الأخرى فيعيدون الجمعة هاهنا قولًا واحدًا؛ لأنا حكمنا ببطلانهما لجواز أن تكون وقعتا في حالة واحدة، فكأنهم لم يصلوا أصلًا هكذا ذكره القاضي الطبري والقفال رحمهما الله.
وقال الشيخ أبو حامد ﵀: هذا نظير ما لو عرف العين ثم أشكل فيه قولان: وما تقدم أصح.
وأما القسم الثالث من أقسام الأصل: إذا كان في إحداهما إمام دون الأخرى اختلف قول الشافعي ﵀ فيه قال في "الأم": السابقة أولى بكل حال وان كان الإمام [١٥٠ ا/ ٣] الذي صلى بهم إمامًا حقيقة أو متغلبًا أو عزله الإمام فامتنع من العزل وهذا أصح؛ لأن السابقة انعقدت صحيحة فلا تفسد بعقد الثانية. وقال في كتاب العيدين: لو صلى غير الإمام الجمعة في المسجد الأعظم والإمام في مسجد أصغر منه وصلاة الإمام، ومن معه جائزة ويعيد الآخرون.
[ ٢ / ٤١٠ ]
قال أبو إسحاق ﵀: وهذا أحفظ القولين لأن في إطلاق ذلك فساد الصلاة على أهل البلد وأهل الإسلام، ومتى شاء أربعون أن يفسدوا على أهل البلد صلاتهم صلوا أولًا فإذا قلنا: الجمعة للسابق فالأقسام التي قدمناها تجيء هاهنا.
فرع
لو أحرم الإمام بأربعين، ثم أخبر في أثنائها أن غيره قد أقامها قبله فلأن قلنا: جمعه الإمام أولى، فإن الأدلة باطلة، وإن قلنا: السابقة الأولى كان فرضه الظهر وجاز له إتمامها ظهرا.
قال الشافعي ﵀: وأحب أن يستأنف الظهر بخلاف المسافر إذا نوى الإقامة يتمها ولا يستأنف؛ لأنه عقدها بنية الظهر وهذا عقدها بنية الجمعة فأحببنا له استئنافها ظهرا.
وقال القفال ﵀: نص الشافعي ﵀ هاهنا أن عليهم استئناف الظهر بخلاف المسافر: لأن أصل فرضه أربع، ولو أتموا أربعًا لم يبن أن عليهم [١٥٠ ب/ ٣] الإعادة، لأنه قد يحرم بالجمعة، ثم يخرج الوقت فيصليها ظهرا.
قال القفال ﵀: فحصل قولان: وإذا خرج وقت الجمعة فمن هاهنا قول مخرج إنهم يستأنفون الظهر، ومعنى القولين إن الجمعة والظهر صلاة واحدة بقصر ويتم، أو هما صلاتان على الخلاف وهذا تخريج بعيد، وفي لفظ الشافعي على ما سبق ما يمنع هذا. وقد نص في "الأم" على أنه لو صلى بهم الجمعة، ثم تذكر الإمام أنه كان جنبًا عاد ظهرا وأجزأت الجمعة في حق المأموين، فإن اغتسل وأعاد الخطبة وصلى بطائفة الجمعة لم يكن له ذلك وعليه الظهر، فإن خالف وفعل، ثم ذكر في أثناء الجمعة أن عليه الظهر كان له أن يبني على الظهر، وان عقدها بنية الجمعة كرجل يدخل في آخر الجمعة ينوي الجمعة ويكون فرضه الظهر، ثم قال: وأحب له أن يستأنف الظهر هاهنا. وهذا يدل على ضعف هذا التخريج الذي ذكره القفال.